العودة إلى تفاصيل المؤلَّف "أساليب" الكتابة التاريخية التونسية والمنعرجات المعرفية والمنهجية خلال الفترتين الحديثة والمعاصرة

"أساليب" الكتابة التاريخية التونسية والمنعرجات المعرفية والمنهجية خلال الفترتين الحديثة والمعاصرة

“Styles” of Tunisian Historical Writing and Epistemic and Methodological Turns in the Modern and Contemporary Periods

عبد الحميد هنية

الملخّص

كيف نقيّم تجربة الكتابة التاريخية في تونس إنْ كانت مدّتها تزيد على أكثر من أربعة قرون؟ وما الصيغة التي نعتمدها في تصنيف هذه التجربة؟ وبأيّ أدوات معرفية؟ يكون رصد لحظات الانتعاش المعرفي والمنهجي في الكتابة التاريخية التونسية، من خلال تحديد "الأساليب" التي اعتمدها رواد هذه الكتابة خلال الفترتين الحديثة والمعاصرة. لكن من الصعب، في إطار هذا العمل، رصد كل لحظات الانتعاش الإبستيمي التي شهدتها هذه الكتابة. ونحن نقرأ المنعرجات المنهجية والمعرفية التي شهدتها على أنها نتاجٌ لاستنباط "أساليب" جديدة ومجددة، لها سياقاتها ورهاناتها. فكل مظهر من مظاهر التجديد يُترجم ب"أسلوب" جديد في الكتابة التاريخية. هكذا نفتح بهذه الدراسة بابًا جديدًا في مجال التفكير في مسار الكتابة التاريخية التونسية خلال الفترتين الحديثة والمعاصرة، حتى نعرف كيف كانت مسيرتها، مع مقارنتها بتجارب أخرى في العالم العربي.

Abstract

How do we assess historical writing in Tunisia when it spans more than four centuries? What framework should we adopt to categorize this experience, and using which analytical tools? One way of addressing these questions is to trace moments of epistemic and methodological efflorescence in Tunisian historical writing by identifying the “styles” adopted by the pioneers of this tradition in the modern and contemporary periods. It is, however, difficult within the scope of this study to capture all the moments of epistemic renewal witnessed by this historiography. This paper reads the methodological and epistemic turns that marked this tradition as the product of the elaboration of new and innovative “styles”, each shaped by its own context and concerns. Every manifestation of renewal is thus expressed through a new “style” of historical writing. In this way, the present study opens a new avenue for reflecting on the trajectory of Tunisian historical writing in the modern and contemporary periods, in order to understand its development through comparison with other experiences in the Arab world.

الكلمات المفتاحية:
  • براديم "الأسلوب"
  • بناء الدولة
  • المنعرجات المعرفية والمنهجة
  • الهيستوريوغرافيا التونسية.
Keywords:
  • Paradigm of “Style”
  • State Formation
  • Epistemic and Methodological Turns
  • Tunisian Historiography
عبد الحميد هنيّة | Hénia *Abdelhamid
"أساليب" الكتابة التاريخية التونسية والمنعرجات
المعرفية والمنهجية خلال الفترتين الحديثة والمعاصرة
"Styles" of Tunisian Historical Writing and Epistemic and
Methodological Turns in the Modern and Contemporary
Periods

مقدمة

كيف نقِّيِم التجربة الهيستوريوغرافية في البلاد التونسية، وقد خاضت تجارب تمتدّ إلى أكثر من أربعة قرون؟ وما الصيغة التي

نعتمدها في تصنيف هذه التجربة؟ وبأيّ أدوات معرفية؟ بقدر ما نؤكد عدم وجود مدرسة تاريخية تونسية، ننفي خلوّ التجربة التونسية

في مجال الكتابة التاريخية من كل إبداع؛ فكيف نُقيّم إذًا خصوصية هذه التجربة؟ من المفيد أن نلاحظ أنّ الكتابة التاريخية التونسية حققت تراكمًا في مجالات عديدة، وذلك خلال لحظات انتعاش معرفي

ومنهجي متعددة. ومن الضروري أن نرصد هذه اللحظات؛ ذلك أنّها عرفت منعرجات تميّزت بانتعاش معرفي ومنهجي متجدّد. ويمكن

أن نرصد طبيعة هذه المنعرجات من خلال تحديد "الأساليب" Styles التي اعتمدها رواد هذه الكتابة خلال المدة التاريخية المعنية. كل "أسلوب" يقوم بالضرورة على "ترسانة" جديدة من المفاهيم والمصطلحات، من المفروض أن نرصدها ونفكّر فيها. ويمكن مقارنة هذه الأساليب بأساليب كتابات تاريخية أخرى في العالم العربي. فكيف نفكّر في معنى تجديد الكتابة التاريخية في تونس وتواصله في ضوء بردايم الأسلوب وأسئلة الحاضر؟ وإلى أيّ حد يمكن اعتبار أنّ تجديد المواضيع في الكتابة التاريخية هو نتاج لاستنباط أساليب

جديدة كانت سببًا في ظهورها؟ إنّ استعمال بردايم الأسلوب، للكشف عن طبيعة الكتابة التاريخية وتحولاتها، يضفي تفهّمية أفضل لموضوعنا، على أن نُخِرجَه

من عالم البلاغة Rhétorique والفنون إلى عالم فلسفة العلوم بعامّةٍ، فيصبح مؤشرًا د لا على وجود نمط فكري ومعرفي متفرّد.

هكذا، تكون علاقة وطيدة بين استنباط أسلوب جديد وبناء معرفة تاريخية من صنف جديد يقطع مع الماضي. إذًا، كيف كان أسلوب التعامل مع الظواهر التاريخية يتغيّر من فترة إلى أخرى، علمًا أنّ تجدّد الأسلوب من شأنه أن يرصد المنعرجات المعرفية والمنهجية

في الدراسات الإنسانية والاجتماعية عمومًا؟ فكل تغيير في أسلوب الكتابة التاريخية يُعلن عن انتعاش معرفي جديد؛ أي عن فتح

أبواب معرفية ومنهجية جديدة من شأنها أن تُثري هذه الكتابة. ومن المعلوم أنّ لكل أسلوب أدواته ومصطلحاته المميّزة، وإّلا لما

أمكنه أن يشكّل أسلوبًا مستقلًا بذاته. كلّ أسلوب جديد يكون نتاجًا لعمل فردي، يُمِيِّز شخصية مؤرّخ معيّن (أو جماعة معيّنة من المؤرّخين) في لحظة تاريخية معيّنة.

لذلك يمكن القول إنّ تطوّر الأسلوب يكشف هو أيضًا عن تطوّر شخصية المؤرّخ في تلك اللحظة. فكيف تطوّرت إذًا شخصية المؤرّخ

في البلاد التونسية؟ هكذا يكون من شأن التطرّق إلى موضوع تحوّل أسلوب الكتابة التاريخية في تونس من فترة إلى أخرى أن يُثْري معرفتنا بهذه

الكتابة، ويُعرّفنا خصوصًا بالانتعاش المعرفي والمنهجي، وكذلك بالمنعرجات التي مَّيَزتها. لكن يصعب، في إطار هذا العمل، رصد كل

المنعطفات وكل لحظات الانتعاش المعرفي والمنهجي التي شهدتها هذه الكتابة، من القرن السابع عشر إلى بدايات القرن الحادي والعشرين. لهذا سيقع التركيز على أهم المنعطفات بتتبّع التسلسل التاريخي. لنقل إنّ هذه المحاولة نفتح بها على الأقل بابًا جديدًا في

مجال التفكير في مسار هذه الكتابة، ونساهم ولو بقدر بسيط في تحفيز الوعي (لدى المؤرّخ التونسي) بالأشواط التي قطعتها التجربة

التونسية في مجال الكتابة التاريخية، وحتى نعرف أيضًا كيف كانت مسيرتها، ونقارنها بمثيلاتها في البلاد العربية.

ظهر بردايم "الأسلوب" Style خلال سبعينيات القرن العشرين، وشكل منعرجًا Tournant في مجال الكتابة التاريخية وفلسفة العلوم بصفة عامة. في هذا الموضوع،

ينظر: عبد السلام المسدّي، الأسلوبية والأسلوب، ط 2 (تونس: الدار العربية للكتاب، 1982)؛

Marcel Cressot, Le style et ses techniques: Précis d'analyse stylistique (Paris: Presses Universitaires de France, 1947); Dominique Maingueneau, "Le style, au-delà de la littérature," Acta fabula , vol. 24, no. 10 (Novembre 2023), accessed on 6/1/2026, at: https://acr.ps/1L9F2rm

2 المسدّي، ص 6 - 7.

أولًا: فترة ما قبل الاستعمار: من القرن السابع عشر إلى القرن التاسع عشر

1. ابن أبي دينار "المؤسس"

شكّل كتاب ابن أبي دينار، المؤنس في أخبار إفريقية وتونس، الذي انتهى من تأليفه سنة 1681 - 1682، المنعطف الذي حدث في الكتابة التاريخية التونسية خلال القرن السابع عشر، وهو الأول بعد تجربة عبد الرحمن بن خلدون (1333 - 1406 م)

الرائدة. لذلك اعتُبِر ابن أبي دينار "مؤسسًا"لأسلوب جديد في الكتابة التاريخية؛ فكتابه هذا يُشكّل منعرجًا حاسمًا في مجاله. عرف القرن السابع عشر تحّولّات عميقة في الملامح الكبرى لصورة المؤرّخ وعلم التاريخ؛ إذ تزامن ذلك مع تبلور، على نحوٍ

أوضح، لمكونات الدولة الحديثة. فتحوّلت الكتابة التاريخية تدريجًّيًا من خدمة المواضيع الدينية (كالتأريخ للحديث النبوي، والتأريخ

لطبقات العلماء، والأشراف... إلخ) إلى صياغة معرفة تاريخية تتمحور أساسًا حول البناء السياسي المركزي؛ وهو ما يعني أنّ التاريخ

أصبح مسَّخَرًا لخدمة الدولة، فهو بمنزلة "علم الدولة". وهذا أسلوب جديد في الكتابة التاريخية، أسّس له ابن أبي دينار؛ إذ لم يكن

ذلك معمولًا به خلال الفترات السابقة، وهي أوّل مرة يُسَخَّر فيها التاريخ كلًّيًا لبناء الدولة. وقد نسج على منواله أغلب الذين كتبوا من

بعده تاريخًا يهتم بالمركز السياسي. وفي هذا السياق، نلاحظ مثلًا أنّ لدى المؤرّخ محمد الصغير بن يوسف، خلال القرن الثامن

عشر، إرادة واضحة للابتعاد عن الجوانب الدينية والقدسية. هكذا اقترن هذا الأسلوب بالكتابة التاريخية في البلاد التونسية من القرن السابع عشر إلى القرن العشرين. وأصبح أيضًا "زمن الدولة" الهاجس الأساسي للكتابات التاريخية. وهو زمن المجال السياسي الدنيوي الذي تتفاعل فيه المصالح، وتتشابك فيه الاستراتيجيات الاجتماعية. كانت الكتابة التاريخية حتى ظهور ابن خلدونتخصّ حيزًا ترابيًا واسعًا وفضفاضًا.

وتدريجيًا انحصرت، بداية مع تاريخ المؤنس، في مجال الدولة؛ ما أدى إلى تهميش الكتابات التاريخية الأخرى التي تُعنى بمجالات

ضيّقة في دواخل البلاد مثل القبيلة، والأسرة، والمدينة. نلاحظ، إذًا، كيف رافق إنتاج المعرفة التاريخية تحقيق مشروع بناء الدولة وتقديم الدعم لها. وقد تأكّد هذا التوجّه أكثر فأكثر

كلّما تقدمنا زمنًّيًا إلى يومنا هذا؛ بحيث يمكن القول إنّ كتاب المؤنس تضمّن في ثناياه نظرة إلى الكون تعكس تصوّرات سياسية

واضحة، من مهمّاتها العمل على ترسيخ فكرة مركزة النفوذ وتدعيم احتكاره من طرف فئة اجتماعية وسياسية معيّنة. ركّز ابن أبي دينار والمؤرّخون الذين جاؤوا بعده على الحديث عن المؤسسات السياسية (كالبلاط والحاشية مثلًا) وعن النخب

التي تحيط بالمركز السياسي. ومن ثمّ، نفهم أهمية الدور الذي كان يؤمّنه هؤلاء المؤرّخون لدى السلطة المركزية، وكذلك الحظوة

التي يلقونها من لدن النخبة السياسية والنخب الحضرية. فإذا كان المراديون (1628 - 1702) ومن بعدهم الحسينيون، بدايةً من سنة 1705، يبنون الدولة المجالية ب "السيف" كما يُقال، فإن هؤلاء المؤرّخين يبنونها ب "القلم". فكل كتاباتهم اشتغلت تباعًا

بمشروع واحد مسترسل ألا وهو بناء ذاكرة الدولة: ذاكرة مجالها الترابي "إفريقية"، وذاكرة مؤسسة الباي، وذاكرة العائلات الحاكمة

محمد الرعيني القيرواني ابن أبي دينار، المؤنس في أخبار إفريقية وتونس، تحقيق وتعليق محمد شمام، ط 2 (القيروان: المكتبة العتيقة، 1967.) عبد الرحمنبن خلدون، العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر (الرياض: دار الأفكار الدولية، [د. ت.)]. بَّيَن أحمد الباهي في مداخلته ضمن هذه الندوة (عنوانها: "من تونس إلى إفريقية، أو في استدعاء ابن أبي دينار للتاريخ الوسيط لإفريقية") فيما معناه أن ابن أبي دينار

"مؤسس" في كتابة تاريخ إفريقية الوسيط.

طبعًا، لم يُلغَ تمامًا الاهتمام بالعلماء والأشراف ورجال الدين عمومًا، لكن أُلْحِقَ الحديث عنهم بسيَر رجال الدولة من أجل تدعيم شرعية نفوذهم السياسي، ومن ثمّ

إضفاء، بطريقة غير مباشرة، شرعية دينية للدولة ولرموزها.

(المرادية أولًا ثم الحسينية). ومن ثمّ يمكن القول إنّ الهيستوريوغرافيا في البلاد التونسية، في أثناء الفترة الحديثة، تطوّرت في

محاور اهتمامها ومواضيعها، من خلال علاقة وطيدة بصيرورة بناء ذاكرات الدولة خلال العهد الحديث. هكذا كان المؤرّخ يقوم بدوره، بصفته عالِمًا مواليًا للسلطة، مسِّخِرًا طاقاته كلّها لخدمتها. فهو بذلك يقدم الدعم الأيديولوجي

الذي تحتاج إليه، لتبرير سياستها الهادفة إلى إخضاع القبائل المحاربة في دواخل البلاد. فكان يبرر السياسة القمعية التي اتبعها المراديون ضد القبائل، ويجعل منها أمرًا عاديًا، ويقلّل من حدّة شناعتها، إضافة إلى أنّه يقدم هذه الحملة القمعية على أنها "جهاد" في

سبيل الله. بهذا "الأسلوب"، يبتدع ابن أبي دينار شكلًا جديدًا في صياغة معرفةٍ تاريخية، تخدم المشروع السياسي للمجتمع المديني؛ أي بناء الدولة ذات المركزة السياسية العالية، وتحيّز في الوقت ذاته التراب والعباد. يمكن القول، أيضًا، إنّ الأساليب الجديدة التي مَّيَزت الكتابة التاريخية اقترنت بالتطوّر الذي عرفته الدولة في العهد الحديث.

ولهذا، تضمّنت هذه الكتابة في طياتها جهدًا تنظيريًا بالغ الأهمية، تجسّم أساسًا في تلك الاستنباطات التي خصّت الجهاز المفاهيمي

والتصنيفات المعرفية التي أسست ل "لأساليب" الجديدة التي من شأنها أن تُعزّز بناء الدولة؛ بحيث يمكن القول إنّ التاريخ أصبح في تلك الفترة بمنزلة "العلم" الذي يخدم الدولة بصفة أساسية. فهو "علم الدولة" بامتياز كما ذُكر آنفًا. ونفهم إذًا الحظوة الكبرى التي يجدها المؤرّخ من لدن أصحاب السلطة، والمجتمع المديني. ويمكن القول إنّ ظهور شخصية المؤرّخ خلال الفترة التي سبقت عن

الاستعمار لا أساس لها خارج نطاق الدولة الصاعدة، أي في ظلّ الدولة. لا يعني هذا أنّ المؤرّخين كانوا مرتزقة لأصحاب السلطة، فاهتمامهم بالسلطة المركزية ودفاعهم عن سياساتها هما أمران

تلقائيّان بالنسبة إليهم؛ إذ يندرج الدفاع عن الدولة وعن المركزة السياسية في المشروع المجتمعي الذي انخرطوا فيه، كما كانت تفعل

ذلك، تقريبًا، أطياف المجتمع الحضري جميعها، في مدينة تونس على الأقل. فقد كانت الظروف الاجتماعية والسياسية والثقافية

مناسبة للإقبال على المعرفة التاريخية، وكانت أيضًا لتشجيع المعتنين بها.

2. الواقعية في الكتابة التاريخية

بدايةً من القرن السابع عشر، مع كتاب المؤنسلابن أبي دينار، أصبحت الكتابة التاريخية تتّجه أكثر فأكثر إلى الواقعية في صياغة المواضيع. ونلمس من خلال ذلك أسلوبًا جديدًا. ويُعدّ هذا المؤرّخ ومن بعده محمد الصغير رائدَين في هذا المجال. فقد أصبح

بن يوسف يتجه أكثر فأكثر إلى معاينة المظاهر المادية بواقعية لا مثيل لها قبل ذلك؛ ويظهر ذلك في الأرقام الدقيقة التي يوردها في مؤَّلَفه المشرع الملكيحول الأسعار ومظاهر أخرى لها علاقة بمعيشة الناس العادية. ونلاحظ ذلك أيضًا في الوصف الدقيق الذي يقدمه حول إقامة "سوق بوسديرة" السنوية غرب مدينة باجة، أو عند وصفه جبل وسلات قبل إخلائه من السكان سنة 1762. ونجد التوجّه نفسه لدى المؤرّخين الذين جاؤوا بعد بن يوسف، وإن كانوا يعتمدون أسلوبًا مختلفًا، نسبيًا. ونذكر من بينهم حمودة بن

عبد العزيز صاحب الكتاب الباشيالذي يصف فيه بدقة ما جدّ في عهده من تغييرات في الواقع المادي في المدن والأرياف على حد سواء. ونجد في كثير من مواضع في كتاب الإتحاف لابن أبي الضياف وصفًا دقيقًا للحياة اليومية، سواء كان ذلك في المدينة

محمد الصغير بن يوسف، المشرع الملكي في سلطنة أولاد علي التركي، المكتبة الوطنية بتونس، مخطوط رقم 3537. 8 المرجع نفسه. حمودة بن عبد العزيز، الكتاب الباشي، تحقيق وتقديم محمد ماظور (تونس: [د. ن].، 1970.)

أو في الريف. وتتبين أيضًا هذه الواقعية في اللغة التي يعتمدها هؤلاء المؤرّخون، فقد كتب ابن أبي دينار تاريخه بلغة اعتبرها أحد

معاصريه، محمد سعادة (1677 - 1757)، أقرب إلى العامية. وعندما نلقي نظرة على أسلوب بن يوسف في كتابه المشرع الملكي، نلاحظ أنه يكتب بلغة بسيطة جدًا، أقرب إلى اللهجة العامية؛

لعلها موجهة أساسًا إلى عامّة الناس. ويبدو كأنه تاريخٌ كُتب ليقرأه في السهرات الليلية "حكواتي"، أو ما كان يُعرف في البلاد التونسية آنذاك

ب "الفداوي". ولعل هذا دليل على أنّ المعرفة التاريخية أصبحت تستقطب عامّة الناس في المدن. ويمكن القول إنّ هذه المعرفة أصبحت

بمنزلة "موضة" الوقت، وإنّ المؤرّخ أصبح من أبرز شخصيات المعرفة التي تصنع "المعنى". فهو "المثقف" العضوي (قبل ظهور هذا التعبير). وكل هؤلاء المؤرّخين، وأخصّ بالذكر منهم بن يوسف، يتقنون اللغة العربية. ومع ذلك كانت اللغة التي كتبوا بها هي لغة عامّة

الناس، وكانت التصنيفات المعتمدة هي تصنيفات عامّة الناس أيضًا. وكان ابن أبي الضياف يكتب بالعربية الفصيحة، ومع ذلك

يجتهد في كتابته الإتحاف، فينتقي عباراته حتى تكون أقرب إلى أذهان القراء؛ إذ يكتب: "ملتزمًا بقدر الطاقة توضيح العبارة وتقريبها

للأفهام بحسب اصطلاح التخاطب والأسماء والألقاب الجارية في عرف البلد". ونجد أيضًا الأسلوب نفسه، المتمثّل في اعتماد الدارجة في الكتابة، عند أعوان الإدارة المركزية (الكتّاب) بباردو. ولا يكشف كل ذلك عن "انحطاط" أو "تدهور" فكري وثقافي لدى

هذه الفئة المتعلمة، وإنما عن عكس ذلك تمامًا؛ فالتكيّف مع الواقع واستنباط العبارات المناسبة لمعالجة القضايا المختلفة، يعكسان

مدى وعي الفئة المتعلمة وخاصة المهتمة بالمعرفة التاريخية. ويعتبر هذا الأسلوب في الكتابة من أبلغ مظاهر التحديث في المجتمع وفي أجهزة الدولة في ذلك الوقت. ومن المفيد أن نذكر هنا أنّ ظاهرة اعتماد اللهجة العامية في الكتابة عمومًا، والاقتراب

أكثر من عامة الناس خلال الفترة العثمانية، لم تختص بهما البلاد التونسية، بل نجدهما رائجين أيضًا في مصر في الفترة نفسها، كما أنهما راجَا كذلك خلال الفترة نفسها في البلاد الأوروبية عمومًا.

3. الوعي بالزمن الحاضر وتفضيله

بداية من أواخر القرن الثامن عشر، وخاصة خلال القرن التاسع عشر، عرفت الكتابة التاريخية منعرجًا آخر، تمثّل في الوعي

بالزمن الحاضر وتفضيله؛ ما أسس أسلوبًا جديدًا في هذه الكتابة. وقد ظهرت البوادر الأولى لهذا المنعرج مع بن عبد العزيز

10 أحمد بن أبي الضياف، إتحاف أهل الزمان بأخبار تونس وعهد الأمان، تحقيق لجنة وزارة الشؤون الثقافية، ط 2 (تونس: الدار العربية للكتاب، 2004.) محمد سعادة، قرة العين بنشر فضايل الملك حسين الممجّد ونجله الأمير ابن الأمير الباي سيّدي محمّد، المكتبة الوطنية بتونس، مخطوط رقم 21730، الورقة 6، الوجه "ب."

12 من المفيد أن نذكر هنا أنّه بداية من منتصف القرن التاسع عشر، ظهرت في تونس حركة إصلاحية تنادي بالقطع مع العهد السابق، الذي صنفته على أنه عهد

"الانحطاط". ومن مظاهر هذا الانحطاط، بالنسبة إلى الإصلاحيين، اعتماد الدارجة على نحو مكثّف في الإدارة المركزية وخارجها.

13 ابن أبي الضياف، ج 1، ص 3. 14 أغلب مؤرّخي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ينتمون إلى صنف "كتّاب" الإدارة المركزية.

15 وهو ما أوضحته المؤرخة المصرية نللي حنا في كتابها: ثقافة الطبقة الوسطى في مصر العثمانية (ق 16 م - 18 م)، ترجمة رؤوف عباس (القاهرة: الدار المصرية -

اللبنانية، 2003)، ص 177، 195 وما بعدها. 16 في هذا الإطار، نشير إلى ذلك التخلّي التدريجي عن اللغة اللاتينية في أوروبا الغربية خلال الفترة نفسها تقريبًا؛ ما أسفر عن ظهور لهجات محلية، مثل: الفرنسية والإيطالية

والإسبانية... إلخ. وفي إنكلترا، حصلت ظاهرة مشابهة تمثلت في إصرار ويليام شكسبير Shakespeare William (1564 - 1616) على تبني لغة عامة الناس عند كتابة مسرحياته الشهيرة.

وهي مسرحيات، موجّهة بحسب النقاد، إلى الأوساط الشعبية أساسًا، وأصبحت هذه اللغة في آخر المطاف مسيطرة على الساحة البريطانية، لذلك نُعتت بكونها "لغة شكسبير". مع أنّ

هذه اللغة (الشعرية) وصفها معاصرو شكسبير - خصوصًا من بين الأرستقراطية - بالوضاعة والتدني. وعَُّدَت مفتقرة إلى أيّ قيمة أدبية، بل نُعت شكسبير ب "الجاهل" أيضًا. ينظر:

Laffont Bompiani, Dictionnaire des auteur s (Paris: Robert Laffont, 1990), p. 303.

17 يمثّل تثمين الزمن الحاضر (وما يقابله من تحقير للزمن الماضي) أحد المظاهر الأساسية للحداثة. ويمكن أن نعدّ ابن عبد العزيز أول من أسس لهذه النظرة الجديدة

إلى الزمن. وسينسج على منواله المؤرخون اللاحقون خلال القرن التاسع عشر، مثل ابن أبي الضياف، ومحمد بن سلامة صاحب العقد المنضد، وغيرهم. ينظر في هذا

الصدد: عبد الحميد هنية، "حول التحقيب التاريخي"، أسطور، العدد 3 (كانون الثاني/ يناير 2016)، ص 224 - 227.

(في التاريخ الباشي) الذي انتهى من كتابته في سنة 1777. ثم تدعّمت هذه النظرة إلى الحاضر على نحو جليّ، خاصة مع ابن أبي

الضياف في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في كتابه الإتحاف.

4. المؤرّخ يبني ذاكرة لرموز الدولة

يمثّل بناء ذاكرةٍ لرموز الدولة إحدى الطرائق المعتمدة لتدعيم المركزة السياسية، ولم تكن الذاكرة في الكتابة التاريخية تقنية جديدة في ذلك الوقت. وذلك لأنّ التاريخ والذاكرة مقترنان منذ زمن بعيد. وهو تاريخ يخدم النخب الدينية وضبْط هوية السلالات.

لكنّ الجديد في العهد الحديث، هو أنّ الذاكرة أصبحت تُوظّف أيضًا لبناء الدولة بالمعنى الحديث للكلمة ومؤسساتها، وهو أمر يشير

في حدّ ذاته إلى ولادة أسلوب جديد. فقد اعتنى مؤرّخو الفترة العثمانية ببناء ذاكرة المجال (إفريقية)، أيْ مجال الدولة، وذاكرة مؤسسة

الباي الصاعدة، وذاكرة الحكم العائلي (المرادي ثمّ الحسيني) الذي أمّن احتكار النفوذ المركزي لمصلحة سلالة عائلية معيّنة طوال

العهد العثماني في البلاد التونسية وبعده. ويُعدّ ابن أبي دينار مؤسسًا لهذا الأسلوب الجديد في الكتابة التاريخية، الموظّفة على نحو

مكثّف للذاكرة التاريخية. وواصلت أغلب الكتابات التاريخية، التي جاءت بعده، النهج نفسه تقريبًا. تميّزت كذلك الكتابة التاريخية للبلاد التونسية، خلال الفترة السابقة عن الاستعمار، بالنمط الشمولي (أي التاريخ الجامع) الذي

أسس له ابن أبي دينار وتواصل بعده مع المؤرّخين اللاحقين مثل الوزير السراج وبن يوسف وبن عبد العزيز ومقديش وابن

أبي الضياف والمسعودي. وتواصل الأسلوب نفسه في الكتابة التاريخية خلال الفترة الاستعمارية. وأبلغ مثال على ذلك كتاب خلاصة تاريخ تونسلحسن حسني عبد الوهاب، وكتاب مفتاح التاريخلبشير صفر. مكّنت المعطيات الواردة في هذا التحليل من تحديد الملامح الكبرى لصورة المؤرّخ وعلم التاريخ، في تونس في ضوء الأساليب

المعتمدة، خلال الفترة العثمانية. ويتضح أنّ هذه المعطيات تداخلت فيها الجوانب الفكرية والمعرفية والمنهجية. فالمؤرّخ منخرط

في مشروع مجتمعي قوامه بناء الدولة المجالية في تجلياتها كلّها. لذلك فهو يدافع بكل ما أُوتي من قوة عن الدولة ورموزها؛ وهو بذلك يخلق المعنى الذي يجعله مندمجًا فكريًا وعاطفيًا مع الطلب الاجتماعي. بهذه الصورة يبرز المؤرّخ بمنزلة "المثقف العضوي"؛ ومن ثمّ

نفهم الحظوة التي لقيها لدى النخب السياسية ولدى الفئات الاجتماعية الواسعة. وقد صاغ المؤرّخ كذلك "أساليب" معرفية جديدة

تقطع، في جوانب عديدة، مع التجارب التاريخية السابقة. فالتاريخ الذي أنجز هو نتاج جهد معرفي متفرّد، فقد كان المؤرّخ خلال هذه

الفترة عصاميًا في تجربته في كتابة التاريخ، لم يشرف على تكوينه أحد، ولا مؤسسة علمية تحتضنه وتحتضن علمه. فالتاريخ لم يُدََّرّس

في المؤسسات التعليمية إلى حدود سنة 1840، وكل ما نجده هو تراكم تجارب في إطار حركة تأثير وتأثّر لا أكثر. وقد عرف كذلك علم التاريخ نقلة نوعية في مواضيعه وفي مناهجه؛ فبعد أن كان يُحْشَرُ (أو يُصَنّف) ضمن "علم الأدب"، أصبح له وجود مستقل بذاته،

ومن الطبيعي أن تجري في الوقت نفسه "مهننة" المؤرّخ الذي أصبح يتمُّيُز مستقبلًا بعلم خاص به. من الواضح أنّ التعرّف على أثر

18 محمد بن محمد الوزير السراج الأندلسي، الحلل السندسية في الأخبار التونسية، تقديم وتحقيق محمد الحبيب الهيلة (بيروت: نشر دار الغرب الإسلامي، 1984.) 19 بن يوسف. 20 بن عبد العزيز. 21 محمود مقديش، نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار، تحقيق علي الزواري ومحمد محفوظ (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1988.) 22 ابن أبي الضياف. 23 محمد الباجي المسعودي، الخلاصة النقية في أمراء إفريقية، ط 2 (تونس: مطبعة بيكار وشركائه، 1906.) 24 حسن حسني عبد الوهاب، خلاصة تاريخ تونس (تونس: دار الجنوب للنشر، 2001.) 25 البشير صفر، مفتاح التاريخ: مفكرات ومقالات تاريخية (تونس: مطبعة النهضة، 1928.)

ابن خلدون، بداية من القرن الثامن عشر، خلق نقلة جديدة في الاهتمام بالتاريخ وبالكتابة التاريخية؛ ما كان سببًا في نشوء أساليب

جديدة في المعرفة التاريخية في البلاد التونسية. هكذا شكّل تاريخ ابن خلدون مدرسة تُحتذى، وأصبحت المقدمة موضع اهتمام المتعلمين والسياسيين على حد سواء، وصار يُدفع النفيس من أجل الحصول على نسخة منها، وإن لزم الأمر تُستجلب من الأقاصي البعيدة. ونرى كيف أنّ بن يوسف يؤلّف

التكميل، مواصلًا فيه تاريخ ابن خلدون. ويوظف بن عبد العزيز، الوزير الكاتب، في تأليفه (الكتاب الباشي) أفكار ابن خلدون بشيء من الاستقلالية الفكرية، فيتجاوز مثلًا النظرة الحلقية للزمن عند ابن خلدون، وذلك قصد إبراز "أفكاره التقدمية"، وخصوصًا تثمين الزمن الحاضر، وهو زمن حكم مخدومه. ويتواصل الاهتمام بتاريخ ابن خلدون خلال القرن التاسع عشر؛ فيؤسس ابن أبي الضياف نظريته الإصلاحية، معتمدًا على الأفكار الواردة في المقدمة، مستخدمًا مصطلحاتها بعد إعادة استنباطها. ومن الواضح أنّ

قراءة تاريخ ابن خلدون والاستفادة منه لم تقتصر على عملية نقلٍ فحسب، بل هي تتعدى ذلك.

ثانيًا: الفترة الاستعمارية واستنباط "العلم الاستعماري"

من المعلوم أنّ البلاد التونسية عرفت، كبقية البلاد المغاربية، منذ القرن التاسع عشر، الاستعمار الفرنسي. وهو حدث أثره عميق في هياكلها المادية والذهنية؛ فقد فرض معارف جديدة، وأدخل أسلوبًا جديدًا تمثّل في اعتماد تصنيفات جديدة في مجالات

عديدة من الحياة المادية والاجتماعية وأعاد استنباطها. وأعاد أيضًا هذا الأسلوب الجديد ترتيب العلاقات الذهنية في ارتباط بعدد من الإحداثيات. والمهم أنّ هذا الأسلوب الاستعماري أنتج علمًا قائمًا بذاته، وهو العلم الاستعماري الذي شمل كل الحياة المادية

والثقافية بالبلاد التونسية.

1. العلم الاستعماري

شكّل هذا العلم أسلوبًا معرفيًا جديدًا له قواعده؛ إذ سُِّخِر لتمهيد البلاد وإضفاء مشروعية على عملية وضع اليد على خيرات البلاد،

الباطنية منها والسطحية. هكذا مثّلت الكتابة التاريخية، خلال الاستعمار الفرنسي، في إطار هذا العلم، معرفةً وظيفية تمّت تنميتها

لخدمة أغراض السيطرة على البلاد. فصرَف العلمُ الاستعماري همّته، أساسًا، إلى إعادة استنباط تاريخ أشكال التملّك للأرض؛ لما

لهذا الجانب من ارتباط وثيق بالاستعمار الاستيطاني الفرنسي عمومًا. فأعاد كتابة التاريخ العقاري كلًّيًا على قواعد جديدة (أي في

أسلوب جديد). وأنتج قناعات ومعارف جديدة حول قضايا التملّك. وكانت هذه "المعرفة الاستعمارية" تحِّدِد كيفية فهم واقع الملكية في الفترة الاستعمارية وحتى في الماضي، أي قبل الاستعمار، بل يمكن القول إنّ هذا الأسلوب الاستعماري يمنعنا أصلًا من فهم تاريخ الملكية بطريقة سليمة.

26 نعرف أنّ علي باشا (1735 - 1756) بعث إلى المغرب الأقصى لاستقدام نسخة من تاريخ ابن خلدون، ينظر:

Mohammed Seghir Ben Youssef, Mechra El-Melki: Chronique tunisienne (1705-1771) (ou Târîkh al-Mashra' al-Mulkî fî Saltanati 'Awlâd 'Alî at-Turkî) , Victor Serres & Mohammed Lasram (trad.), 2 ème ed. (Tunis: Bouslama, 1978), p. 235.

27 محمد الصغير بن يوسف، التكميل الشافي للغليل على كتاب العبر لعبد الرحمان ابن خلدون، تحقيق محمد فوزي المستغانمي، مراجعة منيرة شابوتو الرمادي،

جزآن (قرطاج: المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون – بيت الحكمة، 2022.) 28 محمد الهادي الشريف، "حمودة بن عبد العزيز وأفكاره التقدمية"، المجلة التاريخية المغاربية، العدد 57 - 58 (1990)، ص 211 - 219.

2. بداية التأسيس لمعرفة تاريخية تونسية جديدة

مثّلت الفترة الاستعمارية، من ناحية أخرى، بداية تأسيس لمعرفة تاريخية تونسية جديدة، من منظور العلوم الإنسانية التي عرفت ازدهارًا وثراءً في أوروبا، خاصة بدايةً من القرن التاسع عشر. لننظر على سبيل المثال في أعمال روبار برانشفيك حول الدولة

الحفصية، ويمكن أن نذكّر أيضًا بأعمال هادي روجي إدريس، وجان قانياج، وجان بُنسي. لقد أنجز هؤلاء المؤرّخون

بحوثهم في إطار النقاشات النظرية التي كانت تدور داخل الحقل البحثي الدائر على مستوى "مدرسة الحوليات الفرنسية". هكذا، تركت الفترة الاستعمارية رصيدًا من الدراسات المفيدة بالنسبة إلى الكتابة التاريخية التونسية الناشئة بعد الاستقلال.

ثالثًا: مظاهر التجديد في الكتابة التاريخية التونسية بعد الاستقلال

1. تأثير مدرسة الحوليات الفرنسية

عرفت الكتابة التاريخية التونسية لحظة انتعاش إبستيمي في علاقة بتأثير مدرسة الحوليات الفرنسية. ولذلك أسباب موضوعية. فقد شكّلت "الحوليات الفرنسية" أسلوبًا متميّزًا في الكتابة التاريخية، أثّر أيّمَا تأثير في هذه الكتابة بدايةً من ستينيات القرن العشرين.

ومن المعلوم أنّ المؤرّخين التونسيين، الذين أنتجوا معرفة تاريخية بعد الاستقلال، درسوا في فرنسا أو على أساتذة فرنسيين في الجامعة

التونسية. ونعرف عمق تأثير أسلوب هذه المدرسة في المؤرّخين في فرنسا وفي العالم على الأقل إلى حدود منتصف تسعينيات القرن

العشرين. والسؤال هو: كيف أثّر هذا الأسلوب في الكتابة التاريخية التونسية؟ أيكون ذلك قد أدى إلى استبطان المؤرّخين التونسيين

لأسلوب الحوليات الفرنسية، أم أنهم أعادوا استنباطه؟ ومن المفيد أن نعرف في هذه الحالة كيف كانت إعادة الاستنباط هذه. مَّكَن الانفتاح على الحوليات الفرنسية من اكتساب أدوات منهجية جديدة لم تعرفها الكتابة التاريخية قبل الاستعمار، ومن ذلك مثلًا الأخذ عن الماركسية، وبداية الاعتماد على المصادر المحلية إلى جانب المصادر الأوروبية، كالمراسلات القنصلية وكتب الرحلات، وهي مصادر متكاملة. ومن تأثير مدرسة الحوليات أيضًا الأخذ بمبدأ عبور التخصصات. فقد أصبح المؤرّخ واعيًا بضرورة عبور التخصص،

إذا أراد أن يرتقي باختصاصه، التاريخ؛ ونرى أنّ الباحث محمد الهادي الشريف يضع ذلك في المقام الأول من اهتماماته بصفته مؤرّخًا.

وتُعتبر مسألة التحقيب أيضًا من مظاهر تأثير مدرسة الحوليات. فالكتابة التاريخية قبل الاستعمار كانت تمِّيِز في مجال التحقيب بين

مرحلتين: ما قبل الإسلام، وما بعده. فأصبح المؤرّخ التونسي بعد الاستقلال يعتمد التحقيب القائم على التفرقة بين عصر "القديم" إلى

29 Robert Brunschvig, La Berbérie Orientale sous les Hafsides des origines à la fin du XV° siècle (Paris: Adrien-Maisonneuve, 1940 et 1947). 30 Hady Roger Idris, La Berbérie orientale sous les Zirides: Xe-XIIe siècles (vol. 1-2) (Paris: Publications de l' Institut d' études orientales, 1962). 31 Jean Ganiage, Les origines du Protectorat français en Tunisie (1861- 1881) , 2 ème éd. (Tunis: Maison tunisienne de l'édition, 1968). 32 Jean Poncet, La colonisation et l'agriculture européennes en Tunisie depuis 1881, Etude de géographie historique et économique (Paris/ La Haye: Mouton et Co, 1962).

33 وهذا ما عبّر عنه صراحة الباحث محمد الهادي الشريف، وهو من الجيل الذي ينتمي إلى هذه الفترة، ينظر:

Mohamed-Hédi Chérif, "Pratiques d'historien dans la Tunisie d'aujourd'hui," in: Abdelhamid Hénia (coord.), Itinéraire d'un historien et d'une historiographie. Mélanges de DIRASET offerts au professeur émérite Mohamed-Hédi Chérif (Tunis: Publications de DIRASET ; Centre des Publications Universitaires (CPU), 2008), pp. 67-75, 71. 34 Ibid., p. 7. 35 Ibid., p. 73. 36 Ibid., p. 76.

ظهور الإسلام، ثم عصر "الوسيط"، من ظهور الإسلام إلى بداية القرن السادس عشر، ثم عصر "حديث" إلى سنة 1881 تاريخ الحماية الفرنسية على تونس. وأخيرًا يأتي العهد "المعاصر". ومن المفيد أن نلاحظ أنّ تأثير مدرسة الحوليات في مجال التحقيب لم يكن نتيجة

عملية استبطان كِّلِي للتحقيب الأوروبي. بل نلاحظ إعادة استنباط للنمط الغربي والتصرّف خاصة في الفواصل التاريخية للعصور الأربعة. عرفت الكتابة التاريخية التونسية، نتيجةً لهذا التأثير، نقلة معرفية على مستوى المواضيع والمناهج. فتكَوَّنت ثلة من المؤرّخين

التونسيين الذين تلقوا كلهم مقوّمات الكتابة التاريخية الجديدة. ثم أسّس هذا الجيل حلقة جديدة من المؤرّخين، اتجهت نحو تجديد

مناهج الكتابة التاريخية تماشيًا مع ما يحدث في هذا المجال من تغييرات عالمية خاصة في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية عمومًا.

والأهم من ذلك، هو انفتاح هؤلاء المؤرّخين على العلوم الاجتماعية الأخرى مثل: علم الاجتماع، وعلم الأنثروبولوجيا، وغيرهما.

2. ظهور تصنيف جديد لمؤرّخ الفترة السابقة عن الاستعمار: "الإخباري"

من بين تأثيرات مدرسة الحوليات الفرنسية شعور المؤرّخ التونسي بعد الاستقلال بالتفوق على ما كان عليه المؤرّخون السابقون

للفترة الاستعمارية. فاستُنبِط نتيجة لذلك تصنيفان جديدان للمؤرّخين: "المؤرّخ" من ناحية أولى، وهو الصنف الجديد الذي ينتمي

إلى الفترة اللاحقة للاستعمار، والذي حصل على تكوين جامعي (فرنسي بالأساس)؛ و"الإخباري" Chroniqueur من ناحية ثانية،

وهو تصنيف استُنبِط لنعت مؤرّخ الفترة السابقة للاستعمار. وهذا التصنيف اعتمده مؤرّخو فترة ما بعد الاستقلال، للَّتَمايز عن مؤرّخي

الفترة السابقة للاستعمار. وبمدلوله هذا، لا يرقى الإخباري إلى مرتبة المؤرّخ كما هو معروف في فترة ما بعد الاستقلال. هكذا، يمكن

أن نستنتج أنّ التصنيف بالإخباري هو تحقيري أساسًا. ولم يأخذ أغلب الدارسين المعاصرين مأخذ الجد الإخباريين؛ فقلما يصنفونهم

ضمن المؤرّخين. بل هم بالنسبة إليهم مجرد إخباريين يكتبون تاريخًا "تقليديًا"؛ وذلك لأنهم يقرؤون هذه الكتابات من حيث كونها

مخزنًا للأخبار فحسب، ولا يقرؤون من خلالها. فلا يذهب إلى ظنهم أنهم قادرون على تضمين نصوصهم فكرًا معَّيَنًا أو رؤية معيّنة

للكون، تكشف عن جوانب مهمّة لمعرفة الواقع الذي يعيشه هذا الصنف من المؤرّخين. تقطع هذه التصنيفات المبتكرة بعد الاستقلال مع ما كان سائدًا قبيل الاستعمار. ومن المعلوم أنّ علم التاريخ في تونس عرف

نقلة نوعية في منتصف القرن التاسع عشر. فبعد أن كان يُصنّف ضمن "علم الأدب"، أصبح له وجود مستقل بذاته، وجرت في الوقت

نفسه "مهننة" المؤرّخ. فظهر لأول المرة خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر تصنيف المؤرّخ (بوصفه مختصًا في تدريس

التاريخ) في القاموس الثقافي التونسي. ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت كلمة المؤرّخ متداولة، وتدخل ضمن زمرة العبارات الجديدة

التي ما فتئت تثري القاموس الثقافي العربي بداية من نهاية القرن التاسع عشر. في الواقع، لم تتحقق مهننة المؤرّخ إلا عندما

جرت مأسسة تعليم التاريخ في المؤسسات التعليمية المستحدثة بداية من منتصف القرن التاسع عشر. لكنّ أساس هذا التحوّل

هو ما حدث من تراكم لتجارب مستحدثة، أثْرَت المعرفة التاريخية في البلاد التونسية خلال الفترة السابقة للاستعمار. هكذا يتنكّر

المؤرّخ التونسي بعد الاستعمار لما تحقق من تراكم معرفي في مجال علم التاريخ. ومع أنّ البحوث التاريخية المنجزة في تونس بعد

37 ورد ذكر كلمة "المؤرّخ" في كتاب خير الدين التونسي الذي أنجزه سنة 1860، ينظر: خير الدين التونسي، أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، تمهيد وتحقيق

المنصف الشنوفي (قرطاج: المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون-بيت الحكمة، 1990)، ثم في كتاب ابن أبي الضياف الذي أنجزه خلال ستينيات القرن التاسع عشر.

ينظر: ابن أبي الضياف. 38 من بين الكلمات الجديدة الأخرى التي أثرت القاموس السياسي والثقافي العربي "المثقف"، و"النخبة"، و"الشعب"، و"الحرية"، و"الوطن"/ "الوطنية"، وغيرها.

ينظر في هذا الصدد:

Iman Farag, "Intellectuel- muthaqqaf: Champ sémantique, champ conceptuel et champ historique," in: Jean-Claude Vatin (ed.), Etudes politiques du monde arabe , Dossier du CEDEJ (Le Caire, Égypte/ Soudan: CEDEJ, 1991), p. 158.

الاستقلال واصلت، تقريبًا، الخط نفسه الذي رسمته الكتابات التاريخية قبل الاستعمار، وذلك على الرغم من الاختلاف الظاهري بين

المؤرّخين "التقليديين" والمؤرّخين "الجدد"، فإنّ الإخباريين والمؤرّخين اشتغلوا عمومًا في إطار المشروع المجتمعي نفسه، المتمثّل

أساسًا في بناء الدولة، سواء كان ذلك في مرحلتها الترابية/ المجالية خلال الفترة العثمانية، أو في مرحلتها "الوطنية" في الفترة

المعاصرة، خاصة بعد الاستعمار. وقد صاحب ذلك حرص على تأكيد استمرارية الدولة ومجالها منذ القديم. من أجل ذلك، تجري لديهم تنقية الكتابات التاريخية، عن وعي، أو غير وعي، من المظاهر التي لا تخدم هذه الاستمرارية؛ فإمّا أن تُحجب كلًّيًا، وإمّا أن

يُحقّر من شأنها. ومن الأمثلة الدالة على ذلك أنّ خريطة تراب الدولة التونسية الحالية كثيرًا ما تبقى ثابتة ضمنًّيًا في الكتابات التاريخية

المتعلّقة بالعهود القديمة والوسيطة والحديثة. ومن الواضح أنّ الكتابات التاريخية بعد الاستقلال تعمل جاهدة عبر الزمن على ترسيخ فكرة الدولة ومجالها في القاموس الثقافي والنظام السياسي الذي يُؤمّن تواصلها.

3. نزعة جديدة لدى المؤرخين التونسيين نحو الاهتمام بالوثائق المحلية

مع بداية ستينيات القرن العشرين، بدأت تظهر لدى المؤرّخين التونسيين نزعة جديدة إلى الاهتمام بالوثائق المحلية، بصفتها

مادة مصدرية أساسية. وجاءت هذه النزعة ردةَ فعل على اتجاه ساد في الفترة الاستعمارية، وتميّز بالاعتماد على المصادر الأجنبية

بصفة تكاد تكون كلية. وكان يتعهّد هذه الكتابات بالدرجة الأولى مؤرّخون فرنسيون، ليست لأغلبهم معرفة أو اهتمام بمحتويات

الأرشيفات المحلية. إنهم لا يطمئنّون إّلا إلى المصادر الأجنبية. وهي بالنسبة إليهم أساسية لبناء أيّ معرفة تاريخية سليمة. فبالنسبة

إلى البحوث التاريخية المتعلقة بالعهد الحديث، كانت المصادر المعتمدة مستخرجة أساسًا من الأرشيفات الفرنسية، ومن كتب الرحّالة

الأجانب، ومما تُرجم إلى الفرنسية من مصنّفات المؤرّخين التونسيين التي ترجع إلى تلك الفترة. ولم يكن هنالك اهتمام كبير إلى

حد ذلك التاريخ بالأرشيف المحلي وبالمصادر العربية الأخرى. ومع نهاية ستينيات القرن العشرين، بدأت البحوث التاريخية المتعلقة بالعهدَين الحديث والمعاصر، والتي أنجزها مؤرّخون

تونسيون، تقوم بالدرجة الأولى على استغلال وثائق الأرشيف الوطني؛ وهو توجّهٌ ما فتئ يتأكّد تدريجيًا كلما تقدمنا في الزمن.

فقد أسس التوجّه نحو الأرشيفات المحلية لأسلوب جديد، كان منطلقًا لعدة دراسات تاريخية ذات أهمية، غيرت جذريًا وجهة

الهيستوريوغرافيا التونسية. ويمكن أن ننعت هذا الاتجاه الجديد ب "المنعطف الأرشيفي".

4. الكتابة في التاريخ المحلي

في إطار الدفع لتنشيط الهيستوريوغرافيا التونسية في مرحلة ما بعد الاستقلال، حدث منعطف جديد بداية من السبعينيات، تمثّل في العناية بكتابة منوغرافيات تاريخية تتناول بالدراسة جهة معيّنة بعد أن كان التوجّه العام في الكتابة التاريخية التونسية إلى حدّ ذلك

39 ينظر على سبيل المثال: Ganiage. 40 ا ينظر مثل: Youssef Ben. 41 كان الأرشيف الوطني التونسي، في سبعينيات القرن العشرين، يُسمّى الأرشيف العام للحكومة التونسية، ومقرّه الوزارة الأولى في العاصمة.

42 وظف الأساتذة محمد الهادي الشريف، وتوفيق بشروش، وخليفة شاطر، في بحوثهم بداية من أواخر الستينيات من القرن الماضي الأرشيفات المحلية (مثل أرشيف

جمعية الأوقاف، والأرشيف العام للحكومة التونسية)، في:

Mohamed-Hédi Chérif, "Introduction de la piastre espagnole ' riyâl ' dans la Régence de Tunis au début du XVIIe siècle," Les Cahiers de Tunisie: Revue des sciences humaines , vol. 16, no. 61-64 (1 er -4 e trim. 1968), pp. 45-55; Taoufik Bachrouch, Formation sociale barbaresque et pouvoir à Tunis au 18 e siècle (Tunis: Université de Tunis, 1977); Khalifa Chater, Dépendance et mutations précoloniales: La régence de Tunis de 1815 à 1857 (Tunis: Université de Tunis, 1984).

التاريخ يتمثّل في إنجاز دراسات ذات طابع شمولي، تتناول تاريخ البلاد التونسية خلال فترة زمنية معيّنة؛ وذلك لأننا قلّما نجد مؤرّخًا

يركّز في بحوثه، إلى حدّ تلك الفترة، على دراسة الأرشيفات لأجل كتابة منوغرافيات محلية. بدأ الاهتمام بالتاريخ المحلي – على الأقل في المرحلة الأولى- في إطار إنجاز "شهادات التعمق في البحث" في جامعة تونس. وكنتُ أول من افتتح هذه التجربة، حينما أقدمت على إنجاز بحث حول واحات الجريد وعلاقتها بدولة البايات بين سنتَي 1676 و 1840. وميزة هذا البحث أنه يرتكز أساسًا على دفاتر الجباية التي وضعتها الإدارة المركزية في باردو حول منطقة الجريد. وتكاد

تمثّل هذه الدفاتر المصدر الوحيد لدرس واقع المجموعات المحلية بهذه الجهة خلال العهد الحديث. وبداية من هذه التجربة الأولى، مارس التاريخ المحلي جاذبية كبيرة على الباحثين الشبان، خاصة خلال ثمانينيات القرن العشرين وتسعينياته. أضف إلى ذلك أنّ الاهتمام بالتاريخ المحلي انتعش من اتساع شبكة كليات العلوم الإنسانية في دواخل البلاد (خاصة في سوسة، وصفاقس، والقيروان، وجندوبة... إلخ). فساعدت هذه الكليات الداخلية على العناية بدراسة النواحي التي تنتمي إليها. بهذا المنحى الجديد في الكتابة التاريخية، أصبحت المعرفة التاريخية أكثر تنوعًا وثراءً. فأوجد هذا التوجّه أسلوبًا جديدًا في الكتابة التاريخية التونسية ما فتئ يتدعّم

كلما تقدمنا في الفترة الزمنية اللاحقة.

5. تجربة الكتابة في التاريخ الشرقي والغربي

منذ ستينيات القرن العشرين، اتجه عدد من المؤرّخين في الجامعة التونسية إلى تركيز بحوثهم على دراسة الشرق الأوسط.

فلم تعد البلاد التونسية بذلك تستقطب كل الدراسات التاريخية. وكان هشام جعيط، ومنيرة شابوتو الرمادي، وراضي دغفوس، من مؤسسي هذا المنحى في الكتابة التاريخية في تونس الذي ما فتئ يتعزز ويتطوّر على يد طلبتهم. وخلال سبعينيات القرن الماضي، ظهرت إرادة واضحة في الجامعة التونسية للتخلص تدريجيًا من التبعية للأساتذة الفرنسيين.

وكانت أولى تجليات هذا الاتجاه الحرص على تكوين إطارات محلية مختصة في التاريخ الغربي، والتخلّي تدريجيًا عن الأساتذة

الفرنسيين الذين كانوا يختصّون في تدريس المقررات المتعلقة بالعالم الغربي. فكانت النتيجة ظهور بحوث أكاديمية جديدة تختص بتناول قضايا التاريخ الغربي، خاصة مع الأساتذة محمد قريسة، وحسن العنابي، وفيصل الغول، وروضة قمارة وغيرهم. وهو باب جديد يُفتح في مجال الكتابة التاريخية التونسية؛ فأنْ يغوص مؤرّخ تونسي في بحث يهمّ تاريخًا غربًّيًا، يُعدّ في حدّ ذاته أمرًا مهًّمًا جًّدًا، وأن

يغوص أيضًا في التفكير في إنتاج مؤرّخ غربي يدرس تاريخ البلاد التونسية أو أحد بلدان العالم العربي، بصفة عامة، هو أيضًا أمر مهمّ

جًّدًا في حِّدِ ذاته. ومن المعلوم أنّ الانفتاح على تاريخ الآخر يكتسي أهمية قصوى؛ فهو يؤسس منعرجًا جديدًا ومصدرًا لثراء الكتابة

التاريخية في تونس. ويمِّكِن مثل هذا الانفتاح المؤرّخ التونسي من الأخذ بزمام الأمور لقراءة الآخر، ويمكّنه من رؤية تاريخ الذات

في المرآة، ويُمِكِّنُه أيضًا من فرصة الاطلاع على مناهج وتجارب أخرى. هكذا شكّل التعامل مع التاريخ الغربي الأوروبي (الفرنسي،

والألماني، والإسباني... إلخ)، بالنسبة إلى جيل جديد من المؤرّخين التونسيين، بداية من النصف الثاني من القرن العشرين، أسلوبًا

جديدًا في الكتابة التاريخية التونسية.

43 في الواقع، تزامنت تجربة الكتابة في التاريخ المحلي في تونس مع تجربة مماثلة في المغرب، ينظر: أحمد التوفيق، المجتمع المغربي في القرن التاسع عشر

(إينولتان 1850 - 1912) (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 1983.) 44 جاءت الرسالة بالعنوان التالي:

Abdelhamid Henia, Le Jérid. Ses rapports avec le Beylik de Tunis (1674-1840) (Tunis: Publication de l'ENS de Tunis, 1980).

رابعًا: مظاهر التجديد مع نهاية القرن العشرين

بداية من العشرية الأخيرة من القرن العشرين، أصبح المؤرّخ يعيش في زمن يُنبئ بنهاية التاريخ الذي يوظّف من أجل إضفاء

المعنى لخدمة قضية معيّنة. فقد بدأ المؤرّخ التونسي يبتعد تدريجًّيًا عن الأيديولوجيات، وعن مسألة الدولة الوطنية على وجه

الخصوص. واهتَّزَ اليقين في هذا المجال على نحو متزايد. ولا شك في أنّ التيارات النقدية التي تكاثرت، في تسعينيات القرن

العشرين، ساعدت على ذلك. فكيف أصبح المؤرّخ التونسي يبني مواضيعه البحثية في ظلّ هذه المتغيّرات؟ وما استعمالات ذلك

ورهاناته؟ لم يكن هذا السؤال غريبًا عن المنعرجات التي طبعت المدارس التاريخية في العالم. تتميز هذه المنعرجات بعدّة محاولات في التجديد المعرفي في مختلف العلوم الاجتماعية؛ ومن ذلك تخليص المعارف من الإرث

الاستعماري من خلال الدراسات المتعلقة ب "ما بعد الاستعمار"، و"المنعرج اللّغوي"، ونقد "الاستشراق" الذي أنجزه إدوارد سعيد، ومساهمة "مدرسة الحوليات"، ومحاولات بناء المعرفة من "الأسفل" أو من "الداخل"، أو على "سطح الأرض". وفي المنظور نفسه، ساهمت التيارات المعرفية – من قبيل "دراسات التابع"، وإعادة تشكيل "رؤية المهزومين"، و"التاريخ الصغير" ("الميكروستوريا" الإيطالي)، والتحليل من وجهة نظر الأهالي... إلخ - في خلق ظروف التحوّل في الكتابة التاريخية في البلاد التونسية، مع بداية تسعينيات القرن العشرين. في هذا السياق، ترعرعت في رحاب فريق "دراسات مغاربية" الذي يشتغل في إطار جامعة تونس، وذلك بعد خبرة امتدت إلى أكثر من عقدَين من الزمن، نزعة علمية تعمل على القطع مع الكتابات التاريخية السابقة فيما يتعلق بالمناهج والمواضيع، وهي تعمل

خاصة على إنشاء معرفة تاريخية بمعايير جديدة تتميز بالمساءلة بأكثر جدوى والنقد ومراجعة الذات، وتعمل على فتح آفاق بحثية أخرى. ويكمن الجديد الأهم في هذه النزعة العلمية في العمل على الخروج من مجموعة من "السجون" المنهجية والمعرفية التي كثيرًا ما كبّلت عمل المؤرّخين في البلاد التونسية. ومن المفيد التذكير هنا بأن فريق دراسات مغاربية متعدد الاختصاصات وإن كان المؤرّخون فيه يشكّلون العدد الأكبر. هناك،

إذًا، مجموعة من الباحثين المهيئين لتبني ثقافة عبور التخصص من دون أن تكون هذه الثقافة مجرد كشكول يُتحلّى به، أو شعارًا

يُرفع لمساومة جدارة يتباهى بها أعضاء الفريق. وعبور التخصص هو في نهاية المطاف أسلوبمجدد، أثبتت الدراسات جدواه لإجراء

دراسات وبحوث ذات قيمة عالية. ومن المفيد التذكير بأنّ عبور التخصص في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية لا ينفي التخصص، بل يُدعّمه ويُثري محتواه. فالمؤرّخ

يتعامل مع موضوعاته تارة مستعينًا بما يقدمه له علم الأنثروبولوجيا من تقنيات لمساءلة الظواهر التاريخية وتحليلها، وتارة أخرى يستعين بما يقدم

له علم الاجتماع أو علم السياسة وغيره من العلوم. فمدرسة الحوليات التاريخية، على سبيل المثال، تطوّرت خلال القرن العشرين في علاقة

باستيعابها لعدد من العلوم الاجتماعية المساندة. ومع ذلك لم يتخَّلَ المؤرّخ ضمن هذه المدرسة عن حرفته، بل دعمها وجعلها أكثر جدوى. وفي خضمّ عبور التخصصات، تلاحق المؤرّخَ أسئلةٌ حول هويّته وهويّة اختصاصه. وهي أسئلة متداوَلة بين الدارسين في

مختلف الاختصاصات دالّة على أنّ هوية المؤرّخ تكثّفت فيها عناصرُ كثيرة منتزَعة من هويّات علوم أخرى. فيتلاشى الباحث في

التاريخ أو يتحلّل في الأنثروبولوجيا، حتّى لكأنّنا ما عدنا نعثر على التاريخ إّلا أمشاجًا في الأنثروبولوجيا. وهذا مِن ثمار كسر الحدود

بين الاختصاصات. وهو بلا شكّ إحدى نتائج اندراج المؤرّخ التونسي المجدّد في السياقَين المعرفي والمنهجي. وفي هذا الإطار،

اقتنع باحثو فريق دراسات مغاربية بأن التجديد في الكتابات التاريخية يحدث بطريقتين أساسيتين: الأولى بفتح حقول بحثية جديدة، والثانية بإعادة النظر في المناهج والبردايمات المستعملة وتجديدها.

1. فتح حقول بحثية جديدة

عمل الفريق على افتتاح حقول بحثية لم تتطرق إليها التجارب البحثية السابقة في الهيستوريوغرافيا التونسية. فأدى ذلك إلى تجديد في طرح الأسئلة، ورصد المدوّنة الوثائقية المناسبة للإجابة عن تلك الأسئلة. ومن بين الحقول البحثية الجديدة التي تمّت

تجربتها في إطار هذا الفريق أذكر مثالين: التفكير في الكتابة التاريخية، والبحث في الفرد والفردانية.

أ. التفكير في الكتابة التاريخية

خصّ التفكير في الكتابة التاريخية، أساسًا، البناءات والاستعمالات في بلاد المغارب، وذلك بشراكة مع باحثين آخرين من بلاد المغارب.

وهو مبحث جديد بالنسبة إلى الهيستوريوغرافيا التونسية. ونُشرت في هذا الصدد كتب جماعية أنجِزت بشراكة مع باحثي مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية CRASC بوهران، ومع مؤرّخي كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط - جامعة محمد الخامس.

ب. البحث في الفرد والفردانية

إنّ الحديث عن "الفردانية" و"وضع الفرد" وتطوّره في تونس يمثّل أسلوبًا جديدًا في تناول قضايا التاريخ الاجتماعي والسياسي

بالبلاد التونسية. وفي هذا السياق، شكّلت دراسة وضع الفرد وتطوّره حقلًا بحثيّا جديدًا في الكتابات التاريخية بمخبر دراسات

مغاربية، وهو ما من شأنه أن يفتح آفاقًا بحثية أخرى، علاوة على كونه مبحثًا مرتبطًا بالطلب الاجتماعي في الوقت الراهن، وذلك لفهم فعل الأفراد في الواقع السياسي والاجتماعي. والسؤال المطروح هو: كيف برز الفرد من حيث هو علاقة سياسية لكي يصبح تدريجيًا عنصرًا فاعلًا في المشهد السياسي؟ يكشف لنا مثل هذا العمل عن تاريخية وضع الفرد وتطوّره في الواقع العربي؛ أيْ في إطار

غير أوروبي. فلماذا يجري الاهتمام بالفرد؟ وما علاقة ذلك بالحاضر؟ إن إرادة التخلّي عن النظرة الإجمالية والقصرية، مثلما كانت تفرضه الطغمة الماركسية والطغمة البنيوية، كانت أساسية في الاهتمام بموضوع الفرد وتاريخ الفردانية. فالعامل الأساسي الذي جعل الباحثين يعتنون بالفرد والفاعل الاجتماعي عمومًا، هو بلوغ

العولمة درجةً قصوى، خاصة بداية من ثمانينيات القرن العشرين. ولذلك يكون البحث في تاريخية الفرد والفردانية في العالم العربي من القضايا الجوهرية والمجددة في المعرفة التاريخية.

2. إعادة النظر في المناهج والبردايمات المعتمدة

إنّ طرح أسئلة جديدة مكّن مؤرّخي فريق دراسات مغاربية من دراسة قضايا بأساليب جديدة تعتمد بردايمات من شأنها أن تعطي البحث

وجهة أخرى لم يقع التطرق إليها سابقًا. وهو ما حاول هذا الفريق تحقيقه في التجربة الهيستوريوغرافية التي خاضها، من خلال كتابة تاريخ يُسائل الدولة والذاكرة عوضًا عن تاريخ يبني الدولة والذاكرة، وكذلك من خلال تبني منهج يقوم على "أهلنة " Indigénisation المعرفة التاريخية.

45 Sami Bargaoui & Hassan Remaoun (coord.), Savoirs historiques au Maghreb: Construction et usages , (Tunis: CERES; Oran: CRASC, 2006), pp. 111-121. 46 Abderrahmane Elmoudden, Abdelhamid Henia & Abderrahim Benhadda (coord.), Ecritures de l'histoire du Maghreb: Identité, mémoire et historiographie , Actes de deux tables rondes organisées à Marrakech du 27-28/5/2004, Tunis, 1-3/10/2004, Série colloques et séminaires no. 138 (Rabat: Publications de la Faculté des Lettres et des Sciences Humaines, 2007); Henia (coord.).

47 نشرتُ عددًا من الأعمال في هذا الموضوع في إطار مخبر دراسات مغاربية. من ذلك نذكر:

Abdelhamid Henia, "Dynamique du statut de l'individu en Tunisie (XVIIIe-XXe s.)," in: Hénia (coord.), pp. 157-176; Abdelhamid Henia, Le frère, le sujet et le citoyen: Dynamique du statut politique de l'individu en Tunisie (Tunis: L'Or du temps, 2015).

أ- الخروج من السجون المعرفية: مثل "سجن الدولة" و"سجن الذاكرة"

منذ نهاية تسعينيات القرن العشرين، وخاصّةً بعد القطيعة المعرفية التي حدثت مع ظهور ما يُعرف ب "الربيع العربي"، نشأ وعي

لدى العديد من المؤرّخين التونسيين بأنهم يشتغلون إلى حد ذلك التاريخ داخل مجموعة من "السجون المعرفية"، كثيرًا ما كبّلت

عملهم البحثي إلى حدّ ذلك التاريخ. ومن بين هذه السجون نذكر: سجن الدولة، وسجن الذاكرة، وسجن الإثنومركزية. فكانت لحظة

انتعاش معرفي أوجدت أسلوبًا جديدًا في الكتابة التاريخية في تونس من أجل الخروج من هذه "السجون". من المعلوم أنّ التاريخ في البلاد التونسية أصبح، منذ القرن السابع عشر، علم الدولة الأول؛ فشكّلت الكتابة التاريخية سلطة معرفية تقوم على إقصاء كلّ من يناهض فكرة الدولة وتهميشه واستبعاده. ونَّصبَ المؤرّخ نفسه منذ ذلك التاريخ وصًّيًا على الدولة

القائمة، وحاميًا ومشرّعًا أيضًا. ومنذ تلك اللحظة، أصبح يسخّر طاقته لبناء الدولة بقلمه. فكلّ ما يكتبه يصب، من حيث لا يشعر،

في مصب واحد، هو بناء الدولة في كلّ أوضاعها ومراحلها: فهي الدولة المجالية من القرن السابع عشر إلى بداية القرن العشرين، وهي الدولة الوطنية بالنسبة إلى الفترة اللاحقة بعد الاستقلال. ولم يحصل الوعي بالنسبة إلى المؤرّخ التونسي، من حيث كونه لا

يدرس الدولة بناءً على أنها ظاهرة اجتماعية وموضوع مستقل في حدّ ذاته، وإنّما يتناولها كأنّه عنصر فاعل فيها، ومن ثمّ تبرز شخصية

المؤرّخ على أنّها تبني الدولة من الداخل. وبذلك أصبح المؤرّخ "سجين" الدولة. وأسلوب التفكير في الدولة من الداخل يكون بدراسة

الدولة ومكوناتها، وبأدوات معرفية تبنيها الدولة نفسها. ولم يجرِ الخروج من "سجن الدولة" إّلا اعتمادًا على أسلوب آخر يدرسها من

خارجها؛ وذلك يكون عَبْر مساءلةٍ لعملية بناء الدولة ومقوّماتها مع تفادي التفكير فيها بتصنيفات الدولة ذاتها ومقولاتها. وحدث الأمرُ

نفسه لظاهرة الذاكرة واستعمالاتها في الكتابة التاريخية. فالخروج من "سجن" الذاكرة أصبح يجري أيضًا بمساءلتها من حيث هي بناء اجتماعي، ومن حيث مساءلة استعمالاتها أيضًا. وقد جرى ذلك، تقريبًا، بالنسبة إلى سجن الإثنومركزية في كلّ أشكالها، وأًّيًا كان

مصدرها وموضعها.

ب- التجديد عبر أهلنة المعرفة التاريخية

يحدث التجديد المعرفي بتجربة بحثية تقوم على فكر نق يد، وعلى مراجعة الذات، وخلق ظروف النقلة في مجال المواضيع المعالجة وكذلك في المناهج المعتمدة. واختار فريق دراسات مغاربية أن تتحقق النقلة على أساس أهلنة المناهج والمواضيع في الوقت ذاته. والمقصود بالأهلنة أن نجيب عن السؤال التالي: كيف ندرس مجتمعاتنا من دون أن نكون دعاةً لأفكارٍ صيغت في الخارج؟ إنّ أهم خلاصة انتهى إليها فريق دراسات مغاربية في تجربته البحثية تمثّلت فيما أسميته "أهلنة المعرفة". ومنهج أهلنة المعرفة هو أسلوب جديد في مجال الكتابة التاريخية والعلوم الاجتماعية بصفة عامة. ولولادة هذا الأسلوب أسباب منهجية أساسًا.

والخروج من الانسداد المعرفي، الذي أسس له العلم الاستعماري (مثلًا في مجال دراسة الملكية)، لا يكون إّلا اعتمادًا على منهج

أهلنة المعرفة. وإلى جانب التحرر من الجوانب الأيديولوجية القائمة على سرديات المركزية الأوروبية، يؤمّن منهج "الأهلنة" المراجعة

وتصحيح المعرفة؛ لأنه منهج يدفع إلى التفكير في الحدث التاريخي على نحو مختلف، ويساعد على طرح أسئلة جديدة وسياقات وتقاطعات مجددة.

48 عبد الحميد هنية، البحث في مخبر دراسات مغاربية على قاعدة تداخل المنهجيات والاختصاصات. من أجل "أهلنة" المعرفة (تونس: منشورات مخبر دراسات

مغاربية، 2012.)

49 Abdelhamid Henia, Propriété et stratégies sociales à Tunis (16 e -19 e siècles) , IVe série Histoire, vol. 34 (Tunis: Faculté des Sciences Humaines et Sociales de Tunis, 1999).

وتتمثّل القضية الرئيسة التي تشغل في هذا المنهج، فيما يلي: كيف نفهم مجتمعاتنا ونحللها تحليلًا سليمًا، ولا نكون مقلدين

لتجارب خارجية، أو معتمدين على قوالب معرفية صيغت في الخارج لا تربطها علاقة بالواقع الذي نروم دراسته؟ وكيف يمكن أن نتخطى المعارف التي أنجزت حول مجتمعنا وتميزت بطابع الذات المركزية الغربية؟ جاءت المعرفة التي صاغها الدارسون الغربيون حول مجتمعنا غير كاشفة لواقعنا بطريقة صحيحة، بل إنها أكثر من ذلك تمنعنا أصلًا من فهم واقعنا بطريقة مثلى. فعلى سبيل المثال، إنها تُرجع كل الحراك داخل مجتمعنا إلى عناصر فاعلة أوروبية. أمّا العناصر

الاجتماعية المحلية، فهي مُغيّبة ولا يُنسب إليها أيّ دور فاعل في هذا الحراك. وكأنها باردة، وساكنة، وبلا أدنى حركة، ولا حول لها

ولا قوة فيما يحدث حولها من تغييرات. فهي نظرة تُولي العوامل الخارجية الأولوية في تفسير الديناميات الداخلية. فهل ينبغي لنا قبول

الفكرة القائلة إنّ كل مشاريع الحراك الذي عرفتها البلاد التونسية، كظاهرة بناء الدولة والحداثة والعلمانية... إلخ، هي مشاريع مقرّرة

من الخارج؟ هل يجب أن نفهم أنّ كل حراك سياسي أو اجتماعي أو ثقافي تشهده البلاد في ذلك التاريخ مرده بالضرورة إلى إرادة قوى أجنبية؟ إنّ منطلق أسلوب أهلنة المعرفة هو أساسًا التص يد لتلك الهيمنة شبه الكاملة للتوجّه الإثنومركزي الأوروبي عبر استخدامه

لأدوات فكرية ومصطلحية ومفاهيم ومناهج مهيمنة منذ فترةٍ طويلة. وهو المنهج الذي تخلصتُ به من السطوة المعرفية التي بناها العلم الاستعماري. فقد اتجهتُ إلى معالجة قضايا التملك، خلال

الفترة السابقة للاستعمار، بأدوات ومصطلحات أخرى لا تمتّ إلى ما أنتجه العلم الاستعماري بصِلة. وتمثّلت الطريقة التي اعتمدتُها

للخوض في قضايا التملك هذه في أن أنطلق من تصنيفات الفاعلين في الفترة السابقة للاستعمار، والتي أرصدها من الأرشيف ذاته، وأطرح أسئلة حولها في علاقة وطيدة بالسياق التاريخي للفترة الحديثة. وقد أسميتُ هذا التمشّي منهج أهلنة المعرفة. بهذا التمشّي

لا يكون الحذر في الطريقة المتوخاة في قراءة الوثائق ومساءلتها فحسب، بل يكون أيضًا في الطريقة المعتمدة لتوظيف المفاهيم والأدوات التحليلية المناسبة والتخلّي عن كل ما يشبه الإسقاط أيضًا.

خاتمة

نستنتج أنّ كل مظهر من مظاهر التجديد يؤدي إلى انتعاش معرفي ويُترجمُ بأسلوب جديد في الكتابة التاريخية. فتتعدد بذلك

الأساليب التي أوجدت منعرجات معرفية ومنهجية في الكتابة التاريخية التونسية خلال الفترتين الحديثة والمعاصرة. وتتعدد كذلك الظروف والسياقات التي كانت وراء إنشاء هذه الأساليب. ومن البديهي أن نقول أيضًا إنّ أيّ استنباط لأسلوب بحثي لا يكون في

بدايات أيّ بحث أو من أولوياته، وإنما عادةً ما نرصده بعد إنهاء عمليات البحث. نستنتج من التحليلات السابقة أنّ التجديد في مجال الكتابة التاريخية التونسية ظاهرة قارة ومتواصلة خلال الفترتين الحديثة والمعاصرة. ومن المفيد أن نرصد مكوّنات مظاهر التجديد حتى نفكر فيها. فهذه المكونات متعددة الأوجه: فهي مفاهيم ومصطلحات

مجددة، ورؤى مختلفة تقطع مع الماضي، ومناهج تتغير من فترة إلى أخرى؛ وذلك لأن كل مظهر من مظاهر التجديد يقترن بمؤرّخ

معيّن أو بجماعة من المؤرّخين في لحظة تاريخية معيّنة. هكذا اقترن موضوع الدراسة برصد مظاهر التجديد في الكتابة التاريخية من

خلال المنعرجات المعرفية والمنهجية التي رافقت تحّولّات الكتابة التاريخية في البلاد التونسية.

50 Abdelhamid Henia, "Le rôle des étrangers dans la dynamique sociopolitique de la Tunisie, XVIIe-XVIIIe siècles: Un problème d'historiographie," Les Cahiers de la Méditerranée moderne et contemporaine, no. 48 (Juin 2012), pp. 213-233.

51 عبد الحميد هنية، "التجديد في الكتابة التاريخية عبر منهج 'أهلنة' المعرفة"، ورقة مقدمة في المؤتمر السابع للعلوم الإنسانية والاجتماعية، "إشكالية مناهج البحث

في العلوم الاجتماعية والإنسانية"، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 23 - 25 / 3 / 2019.

إن كان لا مجال للحديث عن مدرسة تاريخية تونسية، فإن هنالك إمكانية للحديث عن "أساليب تونسية" صبغت تطوّر الكتابة

التاريخية في البلاد التونسية. فتميزت هذه الكتابة من الكتابات التاريخية الأخرى في العالم العربي. وكانت هذه الكتابة متأثرة أيّما

تأثر بالتطوّرات السياسية والثقافية المحلية وبالتأثيرات الخارجية التي عرفتها البلاد التونسية، من العهود الوسيطة إلى يومنا هذا.

فعرفت بذلك مسيرة متفردة في كثير من مظاهرها، مقارنةً بتجارب وأساليب أخرى في العالم العربي. ويمكن القول إنّ ما حدث بالنسبة إلى الكتابة التاريخية في تونس حدث أيضًا في الكتابات التاريخية الأخرى في العالم العربي عمومًا. لهذا يمكن الحديث، في رأيي، لا عن مدارس تاريخية في العالم العربي، وإنما عن "أساليب وطنية" في الكتابة التاريخية. وهي أساليب متأثرة بالتطوّرات السياسية والثقافية الخاصة بكل دولة عربية. لذلك نلاحظ أسلوبًا خاصًا للكتابة التاريخية في المغرب

الأقصى، وآخر كذلك في الجزائر، وثالثًا في مصر... إلخ، ولا علاقة لهذه الأساليب بأسلوب الكتابة التاريخية في تونس. ومن الواضح

كذلك أنّ أسلوب الكتابة التاريخية يتحدد في علاقة بالتحّولّات السياسية والثقافية التي تعرفها كل تركيبة اجتماعية وسياسية، مع

بعض التأثيرات الخارجية بطبيعة الحال؛ وهو الاستنتاج الأهم الذي أخلص إليه من خلال هذه المحاولة البحثية.

المراجع

العربية

ابن أبي الضياف، أحمد. إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان. تحقيق لجنة وزارة الشؤون الثقافية. ط 2. تونس: الدار العربية للكتاب، 2004. ابن أبي دينار، محمد الرعيني القيرواني. المؤنس في أخبار إفريقية وتونس. تحقيق وتعليق محمد شمام. ط 2. القيروان: المكتبة العتيقة، 1967. ابن خلدون، عبد الرحمن. العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر. الرياض: دار الأفكار الدولية، [د. ت.]. بن سلامة، محمد. العقد المنضد في أخبار المشير الباشا أحمد. المكتبة الوطنية بتونس. مخطوط رقم 18618. بن عبد العزيز، حمودة. الكتاب الباشي. المكتبة الوطنية بتونس. مخطوط رقم 351. _______. الكتاب الباشي. تحقيق وتقديم محمد ماظور. تونس: [د. ن].، 1970. بن يوسف، محمد الصغير. التكميل الشافي للغليل على كتاب العبر لعبد الرحمان ابن خلدون، تحقيق محمد فوزي المستغانمي. مراجعة منيرة شابوتو الرمادي. قرطاج: المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون–بيت الحكمة، 2022. _______. التكميل الشافي للغليل على كتاب العبر لابن خلدون. المكتبة الوطنية بتونس. مخطوط رقم 5264. _______. المشرع الملكي في سلطنة أولاد علي التركي. المكتبة الوطنية بتونس. مخطوط، رقم 3537. التوفيق، أحمد. المجتمع المغربي في القرن التاسع عشر (إينولتان 1850 - 1912). ط 2. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 1983. حنا، نللي. ثقافة الطبقة الوسطى في مصر العثمانية (ق 16 م 18 -ترجمة رؤوف عباس. القاهرة: الدار المصرية م). -اللبنانية، 2003. خير الدين التونسي. أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك. تمهيد وتحقيق المنصف الشنوفي. قرطاج: المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون-بيت الحكمة، 1990. سعادة، محمد. قرة العين بنشر فضايل الملك حسين الممجّد ونجله الأمير ابن الأمير الباي سيّدي محمّد. المكتبة الوطنية

بتونس. مخطوط رقم 21730. الشريف، محمد الهادي. "حمودة بن عبد العزيز وأفكاره التقدمية". المجلة التاريخية المغاربية. العدد 57 - 58 (1990). صفر، البشير. مفتاح التاريخ: مفكرات ومقالات تاريخية. تونس: مطبعة النهضة، 1928. عبد السلام، أحمد. المؤرّخون التونسيون في القرون 17 و 18 و 19 م: رسالة في تاريخ الثقافة. ترجمة أحمد عبد السلام وعبد الرزاق

الحليوي. تونس: المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون-بيت الحكمة، 1993.

عبد الوهاب، حسن حسني. خلاصة تاريخ تونس. تونس: دار الجنوب للنشر، 2001. المسعودي، محمد الباجي. الخلاصة النقية في أمراء إفريقية. ط 2. تونس: مطبعة بيكار وشركائه، 1906. المسدّي، عبد السلام. الأسلوبية والأسلوب. ط 2. تونس: الدار العربية للكتاب، 1982. مقديش، محمود. نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار. تحقيق علي الزواري ومحمد محفوظ. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1988. هنية، عبد الحميد. البحث في مخبر دراسات مغاربية على قاعدة تداخل المنهجيات والاختصاصات. من أجل "أهلنة" المعرفة. تونس: منشورات مخبر دراسات مغاربية، 2012. _______. "حول التحقيب التاريخي". أسطور. العدد 3 (كانون الثاني/ يناير 2016). _______. "مظاهر التجديد في البحوث التاريخية في تونس، حالة فريق دراسات مغاربية". أسطور. العدد 4 (تموز/ يوليو 2016). _______. "التجديد في مجال علم التاريخ في البلاد التونسية بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر ميلاديًا". أسطور. العدد 7

(كانون الثاني/ يناير 2018). _______. "التجديد في الكتابة التاريخية عبر منهج 'أهلنة' المعرفة". ورقة مقدمة في الدورة السابعة لمؤتمر العلوم الإنسانية والاجتماعية. "إشكالية مناهج البحث في العلوم الاجتماعية والإنسانية". المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. الدوحة.

_______. "تجربة بحث في الأرشيفات العثمانية في تونس خلال العهد الحديث". أسطور. العدد 10 (تموز/ يوليو 2019.) الوزير السراج الأندلسي، محمد بن محمد. الحلل السندسية في الأخبار التونسية. تقديم وتحقيق محمد الحبيب الهيلة. بيروت: نشر دار الغرب الإسلامي، 1984.

الأجنبية

Abdesselem, Ahmed. Les historiens tunisiens des XVII°, XVIII° et XIX° siècles. Essai d'histoire culturelle. Séries Publications de l'Université de Tunis, Faculté des lettres et sciences humaines de Tunis. Quatrième série, Histoire v. 11. Paris: C. Klincksieck, 1973. Bachrouch, Taoufik. Formation sociale barbaresque et pouvoir à Tunis au 18 e siècle. Tunis: Université de Tunis, 1977. Ben Youssef, Mohamed Sghîr. Târîkh al-mašra' al-mulkî fî salt'anat 'Awlâd 'Alî at-Turkî , traduit par Victor Serres & Mohammed Lasram sous le titre de Mechra el-melki, chronique tunisienne (1705-1771). 2 ème ed. Tunis: Editions Bouslama, 1978. Bompiani, Laffont. Dictionnaire des auteur s. Paris: Robert Laffont, 1990. Brunschvig, Robert. La Berbérie Orientale sous les Hafsides des origines à la fin du XV° siècle. Paris: Adrien-Maisonneuve, 1940 & 1947. Chater, Khalifa. Dépendance et mutations précoloniales: La régence de Tunis de 1815 à 1857. Tunis: Université de Tunis, 1984.

Chérif, Mohamed-Hédi. "Introduction de la piastre espagnole) riyâl (dans la Régence de Tunis au début du XVIIe siècle." Les Cahiers de Tunisie: Revue des sciences humaines. vol. 16, no. 61-64 (1 er -4 e trim. 1968). Cressot, Marcel. Le style et ses techniques: Précis d'analyse stylistique. Paris: Presses Universitaires de France, 1947. Ganiage, Jean. Les origines du Protectorat français en Tunisie (1861-1881). 2 ème éd. Tunis: Maison tunisienne de l'édition, 1968. _______. Propriété et stratégies sociales à Tunis (16 e –19 e siècles). IVe série Histoire. vol. 34. Tunis: Faculté des Sciences Humaines et Sociales de Tunis, 1999. _______. Le frère, le sujet et le citoyen. Dynamique du statut politique de l'individu en Tunisie. Tunis: L'Or du Temps, 2015. Hénia, Abdelhamid (coord.). Itinéraire d'un historien et d'une historiographie. Mélanges de DIRASET offerts au professeur émérite Mohamed-Hédi Chérif. Tunis: Publications de DIRASET et du Centre des Publications Universitaires (CPU), 2008. Idris, Hady Roger. La Berbérie orientale sous les Zirides: Xe-XIIe siècles. vol. 1-2. Paris: Publications de l' Institut d' études orientales, 1962. Maingueneau, Dominique. "Le style, au-delà de la littérature." Acta fabula. vol. 24, no. 10 (Novembre 2023). at: https://acr.ps/1L9F2rm Poncet, Jean. La colonisation et l'agriculture européennes en Tunisie depuis 1881, Etude de géographie historique et économique. Paris/ La Haye: Mouton et Co, 1962. Vatin, Jean-Claude (ed.). Etudes politiques du monde arabe. Dossier du CEDEJ. Le Caire, Égypte/ Soudan: CEDEJ, 1991.