مدينة القنيطرة من الڤيلاج إلى الدوّار: توسّع المجال الحضري وظهور البروليتاريا العمّالية المغربية (1912 - 1975)
Kenitra from the Village to the Douar: The Expansion of the Urban Environment and the Emergence of the Moroccan Proletariat (1912 - 1975)
الملخّص
تعتبر مدينة القنيطرة، في تاريخها المعاصر، نموذجًا للمدن المغربية التي عرفت تحولات اجتماعية نتيجة اعتمادها على الإنتاج الاقتصادي التسويقي. فقد مثّلت المدينة فضاءً حاضنًا للوافدين من الأوروبيين والمغاربة وتعايشت فيها فئات اجتماعية متباينة على مستوى الأصول والمواقع الطبقية. وقد تشكّلت المدينة على أرض الواقع من قسمين: القسم الأوروبي المعروف بـ (الڤيلاج)، والقسم الأهلي (لَمْدِينة)، مع تباين واضح في نمط السكن، وسكان كل حيّ، وأسلوب المعيشة. تطوّر حي الڤيلاج ضمن إطار تخطيطي حضري منظّم، في حين عرفت "لَـمْدينة" وأطرافها تحوّلات تدريجية، من حيّ أهلي إلى ما يشبه الدوّار، وهو تجمع سكني يطغى عليه الطابع القروي. ومع مطلع الاستقلال، أصبحت الضواحي وجهة للنازحين القرويين، الذين استقروا في دواوير متجددة، شكلًا ومضمونًا، على مستوى الزمان والمكان والبنية البشرية. وأسفر هذا التفاعل بين البعدين البشري والمجالي عن نشوء فئة اجتماعية عمالية أُطلق عليها اسم "البروليتاريا". وتشير المعطيات المتوافرة حول هذه الفئة إلى أنّها مثّلت قوة دافعة في توسّع النسيج الحضري للمدينة، وقوة إنتاجية أساسية بفضل ما وفّرته من طاقة بشرية، كما أصبحت لاحقًا خزانًا انتخابيًا مهمًا للأحزاب اليسارية والتنظيمات النقابية. ومن الأجدر مقاربة التاريخ المونوغرافي للحواضر من خلال تحليل مكوناتها المجالية والبشرية معًا.
Abstract
The contemporary history of Kenitra represents a model of Moroccan cities that underwent social transformations as a result of their reliance on market-oriented economic production. The city functioned as a host for Europeans and Moroccans alike, within which social groups of diverse backgrounds and classes coexisted. The city took shape in two distinct sections: the European quarter known as the Village, and the local quarter known as L'Mdina, with a clear disparity in housing patterns, the social composition of residents, and ways of life. The Village developed within a framework of orderly urban planning, whereas L'Mdina and its outskirts underwent gradual transformations, evolving from a local neighbourhood into something resembling a douar, a predominantly rural residential settlement. Upon independence, the outskirts became a destination for rural migrants, who settled in constantly evolving douars. This interaction between human and spatial dimensions gave rise to a proletariat that data indicates constituted a driving force behind the expansion of the city's urban fabric and a key productive force by virtue of the human resources it supplied. This proletariat later also became an important electoral reservoir for left-wing parties and trade unions. Accordingly, this study argues for approaching the monographic history of cities through an analysis that brings together their spatial and human components.
- المدينة الكولونيالية
- القنيطرة
- الڤيلاج
- لَمْدِينة
- الدوّار
- التطور الحضري
- البروليتاريا
- Colonial City
- Kenitra
- Port-Lyautey
- Village
- L’Mdina
- Douar
- Urban Development
- Proletariat
القبولAccepted Received التسلمRevised التعديل
| d i ف 31430/AJMW4076 /10 الت ال ق | DOI: https://doi.org/10.31430/AJMW4076 الرقم التعريفي: | |
|---|---|---|
| سعيد البوزيدي | Bouzidi El *Said | ||
| مدينة القنيطرة من الڤيلاج إلى الدوّار: توسّع المجال الحضري وظهور البروليتاريا العمّالية المغربية (1975-1912) Kenitra from the Village to the Douar: The Expansion of the Urban Environment and the Emergence of the Moroccan Proletariat (1912 - 1975) |
تعتبر مدينة القنيطرة، في تاريخها المعاصر، نموذجًا للمدن المغربية التي عرفت تحولات اجتماعية نتيجة اعتمادها على الإنتاج الاقتصادي التسويقي. فقد مثّلت المدينة فضاءً حاضنًا للوافدين من الأوروبيين والمغاربة وتعايشت فيها فئات اجتماعية متباينة على مستوى الأصول والمواقع الطبقية. وقد تشكّلت المدينة على أرض الواقع من قسمين: القسم الأوروبي المعروف ب (الڤيلاج)، والقسم الأهلي (لَمْدِينة)، مع تباين واضح في نمط السكن، وسكان كل حيّ، وأسلوب المعيشة. تطوّر حي الڤيلاج ضمن إطار تخطيطي حضري منظّم، في حين عرفت "لَمْدينة" وأطرافها تحّولّات تدريجية، من حيّ أهلي إلى ما يشبه الدوّار، وهو تجمع سكني يطغى عليه الطابع القروي. ومع مطلع الاستقلال، أصبحت الضواحي وجهة للنازحين القرويين، الذين استقروا في دواوير متجددة، شكلًا ومضمونًا، على مستوى الزمان والمكان والبنية البشرية. وأسفر هذا التفاعل بين البعدين البشري والمجالي عن نشوء فئة اجتماعية عمالية أُطلق عليها اسم "البروليتاريا". وتشير المعطيات المتوافرة حول هذه الفئة إلى أنّها مثّلت قوة دافعة في توسّع النسيج الحضري للمدينة، وقوة إنتاجية أساسية بفضل ما وفّرته من طاقة بشرية، كما أصبحت لاحقًا خزانًا انتخابيًا مهمًا للأحزاب اليسارية والتنظيمات النقابية. ومن الأجدر مقاربة التاريخ المونوغرافي للحواضر من خلال تحليل مكوناتها المجالية والبشرية معًا.
The contemporary history of Kenitra represents a model of Moroccan cities that underwent social transformations as a result of their reliance on market-oriented economic production. The city functioned as a host for Europeans and Moroccans alike, within which social groups of diverse backgrounds and classes coexisted. The city took shape in two distinct sections: the European quarter known as the Village, and the local quarter known as L'Mdina, with a clear disparity in housing patterns, the social composition of residents, and ways of life. The Village developed within a framework of orderly urban planning, whereas L'Mdina and its outskirts underwent gradual transformations, evolving from a local neighbourhood into something resembling a douar, a predominantly rural residential settlement. Upon independence, the outskirts became a destination for rural migrants, who settled in constantly evolving douars. This interaction between human and spatial dimensions gave rise to a proletariat that data indicates constituted a driving force behind the expansion of the city's urban fabric and a key productive force by virtue of the human resources it supplied. This proletariat later also became an important electoral reservoir for left-wing parties and trade unions. Accordingly, this study argues for approaching the monographic history of cities through an analysis that brings together their spatial and human components.
Research Professor at Ibn Tofail University, Kenitra, Morocco. elbouzidisaid@gmail.com
مقدمة
تُعدّ مدينة القنيطرة نموذجًا للمدينة "الكولونيالية" في المغرب، حيث ارتبط تأسيسها بمشروع إنشاء ميناء نهري على وادي سبو، وهو مشروع صمّمته إدارة الحماية الفرنسية ضمن مخططاتها الاقتصادية. وقد تجسدت المدينة، على أرض الواقع، في قسمين متمايزين: القسم الأوروبي (الڤيلاج) والقسم الأهلي (لَمْدينة)، مع اختلاف واضح في نمط السكن وطبيعة السكان وأسلوب العيش. فبينما تميّز القسم الأوروبي بتنظيم عمراني وهيكلي متقن، خضع القسم الأهلي، على الرغم من إدماجه في بعض برامج التخطيط الحضري، لتحولات مستمرة؛ بدأت بنصب الخيام، ثم إقامة "بَّرَاكة" (كوخ) تتصل بها "زْرِيبة" (ملحق)، إلى أن يُبنى بيت دائم، وقد تنتهي مراحل الاستقرار هذه بالانتظام في دروب وأحياء سكنية شعبية. ومع ازدياد تدفّق الوافدين واستقرارهم في الضواحي، اضطر المجلس البل يد إلى تبنّي سياسة عمرانية تهدف إلى تنظيم هذا التوسّع وضبطه. وقد شكّل تصميم 1914، الذي وقّعه المقيم العام في المغرب الجنرال ليوطي، محطة مفصلية في التحول الحضري
للمدينة؛ إذ انطلق الامتداد العمراني من المركز نحو الضواحي، عبر ضمّ أراضٍ مجاورة إلى المدار الحضري، ودفع ساكنتها نحو أراضي الجماعات السلالية والجموع المحاذية. ورافقت هذه التوسعات تغييرات جوهرية في القسم الشرقي من المدينة، المعروف باسم "لَمْدينة"، تمثلت في ظهور أحياء سكنية اجتماعية ومراكز شعبية. وقد شكّلت هذه الفئة الاجتماعية المتنامية قوة عددية نشطة، تغذّت من مزيج من الروافد العمالية والحرفية والتجارية والوظيفية والخدماتية. وانتظمت هذه الشريحة لاحقًا في خلايا نقابية، قبل أن تلتحق بالأحزاب السياسية، لتُصبح خزانًا انتخابيًا فعّ لًا دعّم حضور
الأحزاب المعارضة داخل مدينة القنيطرة. وتنوعت التسميات التي أطلقت على هذه الفئة، تبعًا للأطر التنظيمية التي احتضنتها، فظهر لها توصيفات مثل "الطبقة الكادحة"، و"الطبقة العمالية"، و"الطبقة الشعبية"، و"البروليتاريا"، كما هو الحال في التجارب الأوروبية. ويُنظر إلى هذه الشريحة من ساكنة القنيطرة باعتبارها نموذجًا للفئة العمالية التي استوطنت المدن الكولونيالية في المغرب خلال النصف الأول من القرن العشرين.
أولًا: ميلاد مدينة القنيطرة واستقطاب الوافدين من الأوروبيين والمغاربة
تُعتبر القنيطرة نموذجًا للمدن المغربية العصرية التي احتضنت ساكنة قروية شغّيلة، أفرزت شريحة بروليتارية بالتوازي مع ظروف استقرارها وتطورها في ضواحي المدينة. وتساعد وثائق إحصاءات ساكنة المدينة وأرشيفاتها والدراسات الميدانية التي تناولت لَمْدينة والدوّار، خلال فترة الحماية أو بعد الاستقلال، في تسليط الضوء على خصوصياتها ضمن التركيبة السكانية، ودورها في تطور هذه المدينة بقسميها الأوروبي والأهلي، وامتدادها نحو الضواحي، حيث كان يبدأ استقرار الوافدين الجدد قبل ولوج لَمدينة، وربما إلى الڤيلاج إلى جانب باقي ساكنة المدينة.
سعيد البوزي يد، القنيطرة: رحلة تاريخية (الرباط: مطابع الرباط نت، 2022)، ص 17 - 23.
الخريطة (1)
التوسع الحضري لمدينة القنيطرة في عام 1935
Plan de Port - Lyautey et de Mehdia / Service géographique du Maroc , Rabat , 1935 , accessed on 25 / 7 / 2024 ,: المصدر
at: https:// www. sudoc. fr /
كان لقرار الجنرال ليوطي، القاضي بإحداث تجمّع حضري على النمط الأوروبي بالقرب من الميناء النهري لوادي سبو، الذي
يخترقه خطّ السّكة الحديدية الرّابط بين فاس والدار البيضاء، أن بدأت معه المدينة في استقطاب أفواج من الوافدين من المغاربة
والأجانب. وارتكز إحداث هذا المشروع الحضري على تخطيطٍ مسبق اعتمد وضعَ تصميم حضري؛ إذ أوكلت الإقامة العامّة للحماية
الفرنسيّة، تحت إشراف مصالح الهندسة العسكرية، مهمّة تهيئة التصميم المحِّدِد للمدار الحضري لمدينة القنيطرة إلى المهندس
أنجيلو لغريغ يد Ligiardi Angelo، الذي سبق أن اشتغل في جنوب أفريقيا والكونغو وموزمبيق، ثم خلَفه لاحقًا المهندس البلجيكي نيسبولا Nespola. H. عمدت سلطات الحماية الفرنسية إلى تقسيم مدينة القنيطرة بين الحي الأوروبي والحي الأهلي. وتوسعت المدينة بين عامَي
1912 و 1914، حيث اقتُطع 190 هكتارًا من الأملاك المخزنية ومن الأراضي السلالية الواقعة جنوب القصبة، فتضاعفت المساحة
المخصصة للإقامات الخاصة، كما تضاعفت مساحة الحي الأوروبي بين عامَي 1913 و 1915، في حين ظلت المساحة المخصصة
L.-H. Laplanche, "Kénitra (ex-Port-Lyautey): Historique de la ville européenne sous le protectorat français, 1911–1956," Mémoire de maîtrise en histoire, Faculté des lettres et civilisations, Université Jean-Moulin Lyon III, 1986, p. 39.
للأهالي محدودة وفق ما جاء في تصميم عام 1913. وعقب زيارة المقيم العام الجنرال ليوطي لمدينة القنيطرة في عام 1915، تقرر وضع تصميم ثانٍ لتوسيع المدار الحضري للمدينة وتحديده، وجرى التصديق عليه في 9 آذار/ مارس 1915. تطورت المدينة الأهلية وضواحيها، في القسم الشرقي، على نحو حلزوني على حساب الأراضي السلالية وأراضي الجموع. وساهم تمركز الدوّار على الأطراف في تشكيل حزام للمدينة من جهة، ومن جهة أخرى في ضم الأراضي التي استقرت عليها ساكنة
الدوّار، قبل أن تُعاد هيكلة هذه الأحياء بحسب الظروف التي مرّت بها.
الشكل (1)
تطور ساكنة مدينة بور ليوطي في الفترة 1912 - 1950
. M. Belarabi , Kénitra du Rharb: Étude de géographie urbaine (Casablanca: Najah El Jadida , 2006), p. 25 المصدر:
عرفت مدينة القنيطرة تحولًا ديموغرافيًا منذ نشأتها، بفعل موقعها الجغرافي، وتوفّرها على ميناء تجاري ساهم في استقرار
مجموعة من الشركات والمؤسسات الخدماتية، وإحداث مرافق إدارية عمومية. فقد أصبحت تستقطب الوافدين من البوادي والحواضر المغربية، وكانت في الوقت نفسه محطةً للمغامرين والمستثمرين الأجانب الراغبين في تحقيق "الحلم الغربي". وقد جرى أول إحصاء لسكان المدينة في عام 1912، حيث بلغ عدد الأوروبيين 600 نسمة، مقابل 500 من المغاربة المسلمين واليهود. وبعد أربعين عامًا؛ أي في عام 1952، ارتفع هذا التجمع السكاني من 1100 نسمة إلى 55000 نسمة؛ ما جعل القنيطرة واحدة من كبرى
المدن المغربية العصرية، ومن أكثرها استقطابًا للهجرة القروية؛ إذ التحق بها، بين عامَي 1936 و 1952، ما يزيد على 29800 نسمة
من العالم القروي. وتؤكد إحصاءات السكان أن الوافدين من المغاربة والأوروبيين قد أحدثوا تحولات مجالية واجتماعية متعددة، ساهمت في توفير قوة فاعلة على المستويَين الاقتصادي والخدماتي، وأثّرت في المشهد الحضري للمدينة.
J. Le Coz, Le Gharb: Fellahs et colons. Étude de géographie régionale , vol. 2 (Rabat: Centre universitaire de la recherche scientifique, 1964), p. 893. Ab. El Aloui, "Les quartiers sous-intégrés de Kénitra," Thèse de 3ᵉ cycle, Université de Tours, 2 tomes, 1985, pp. 20-23. "Notice sur Kénitra," La Revue marocaine (1914), p. 27. H. Nespola, "Kénitra: Historique et analyse du développement de l'agglomération et du port, et ses incidences sur l'évolution de l'économie du Gharb," Bulletin économique et social du Maroc , vol. 85, no. 34 (1960), p. 61.
وشهدت المدينة تزايدًا ديموغرافيًا مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية، نتيجة ارتفاع حجم الاستثمارات الأجنبية، وإقامة القاعدة
الجوية الأميركية. واستقبلت أيضًا وافدين من قبائل بني احسن ومنطقة الغرب، ومن جهات أخرى من المغرب. وتُقدّر الإحصاءات أن
نسبة الوافدين القرويين إلى حدود نهاية الحرب العالمية الثانية بلغت 96 في المئة، في حين لم يتجاوز الوافدون من الحواضر المغربية نسبة 5. 3 في المئة، بينما لم تتعَّدَ نسبة الأجانب 5. 0 في المئة. وارتفع عدد سكان المدينة بثلاثة إلى أربعة أضعاف عدد الأوروبيين،
بفعل قرار ليوطي القاضي بإحداث تجمّع حضري نموذجي قرب الميناء، وربطه بخط السكة الحديدية بين فاس والدار البيضاء. ومع حصول المغرب على الاستقلال، انكبّت الدولة، خلال الفترة الممتدة 1957 - 1970، على إنجاز مشاريع البنية التحتية
الأساسية، والتجهيزات والمرافق العامة، من خلال توسيع مساحة الحي الصناعي في اتجاه الحدود الشمالية الشرقية للمدينة، وتعزيز المرافق التجارية. وظهرت تجزئات سكنية جديدة، من بينها توسيع حي عرصة القاضي وتمديده، وإعادة هيكلة أحياء أفكا، ودرب الخير، وحي الأطلس، وديور المخزن (ديور لَحْريگة سابقًا)، لتدخل المدينة مرحلة جديدة من التطور والتوسع العمراني. وفي منتصف الثمانينيات، عرفت المدينة تحولات في وظائفها وأنشطتها الاقتصادية، تمثلت في تزايد عدد القواعد العسكرية، سواء وسط المدينة أو في محيطها. فإلى جانب القاعدة الجوية، تحتضن المدينة مراكز للدرك والأمن والوقاية المدنية، وثكنات للقوات المساعدة وقوات التدخل السريع (القشلة في منطقة السبت)، إضافة إلى ثكنات الفرق العسكرية من قبيل بيدانصي، والجيني، وثكنة ترونسميسيو (كامب ألبير) Albert Camp)، فضلًا عن الثكنات العسكرية في كل من سي يد بوقنادل وسي يد يحيى وسي يد سليمان. وقد أدى ذلك إلى استقرار عدد كبير من الجنود في المدينة، حتى إن بعض الأحياء باتت تُعرف باسم "دوّار العسكر".
فهد صبرو، "القنيطرة في عهد الحماية الفرنسية والتواجد العسكري الأمريكي: النشأة والوظائف والمكانة الجيوستراتيجية"، مجلة الذاكرة الوطنية أبحاث
ودراسات، العدد 31 (2021)، ص 147 – 162.
8 Laplanche, pp. 50-54.
أحمد الكليتي، "دراسة جغرافية لمدينة القنيطرة: نموذج حي عرصة القاضي"، رسالة ماجستير، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة ابن طفيل، القنيطرة، 2011،
ص 25 - 40.
10 المندوبية الجهوية لجهة الرباط سلا القنيطرة، مونوغرافية إقليم القُنيطِرة (الرباط: المندوبية السامية للتخطيط، 2016)، ص 18.
الشكل (2)
تطور ساكنة مدينة القنيطرة في الفترة 1912 - 2014
المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى معطيات لدى المندوبية السامية للتخطيط، بالقنيطرة، السنوات: 1960، و 1971، و 1982، و 1994، و 2004.
تميزت الفترة 1971 - 1982 بإعداد تصميم جديد لتهيئة مدينة القنيطرة، حيث أنشئت وحدات سكنية في الأقسام الشمالية الشرقية والجنوبية الشرقية، وعلى طول طريق عين السبع، إضافة إلى بناء وحدات أخرى في المساحات الفارغة الواقعة في الجزء الشرقي من
المدينة. كما أقيمت بعض التجهيزات والمرافق العمومية، من مدارس ومستوصفات، في الجهة الشمالية من غابة المعمورة. وإلى جانب توسع التجزئات السكنية الجديدة، تنامت ظاهرة سكن الصفيح وانتشار الدواوير، فأصبحت تشكّل جزءًا من مكونات النسيج
الحضري للمدينة. مثّلت مدينة القنيطرة موضعًا التقى فيه المغربي بالأوروبي والأميركي، وتجاور فيه العربي بالأمازيغي وتلاقح الريفي بالسوسي
والشاوي بالغرباوي وتعايش فيه المسلم والمسيحي واليهودي. وقد أفرز هذا التنوع تركيبات سكانية اتخذت من المدينة موطنًا لها،
ومن الانتماء إليها هويةً لها، حتى أصبح يُشار إلى الفرد المنتمي إليها ب "لَقْنِيطِري". وتشكّلت صورة نمطية عن هذه الساكنة بين
الانتماء إلى النموذج الأميركي أو الأوروبي، والانتماء إلى "العروبية" (أي الطابع البدوي). وظهرت فئات اجتماعية لها مجالات سكنية
خاصة، يُميّز فيها بين الڤِيلاج، ولَمْدينة، والدوّار.
ثانيًا: مدينة الأهالي وظهور الأحياء السكنية الاجتماعية
كان المجال الحضري للڤِيلاج منَّظَمًا، ويخضع كل توسع أو استقرار للمراقبة، لكن كانت الهوامش تعيش عشوائية وتكدّسًا،
على مستويَي السكن والسكان معًا. ومثّل حادث اندلاع حريق في جناح سلاح المدفعية في الحي العسكري Artillerie في عام 1922،
11 فهد صبرو، "التمدين والمركزية الحضرية"، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة ابن طفيل، القنيطرة، 2014 - 2015، ص 88 – 93.
12 M. Belarabi, Kénitra du Rharb: Étude de géographie urbaine (Casablanca: Najah El Jadida, 2006), pp. 103-107.
منطلقًا لظهور السكن الهامشي على أطراف المدار الحضري للمدينة، حيث سمحت السلطات العسكرية الفرنسية لمجموعة من المجندين المغاربة، وبعض العمال أيضًا، بالاستقرار في بنايات هشّة من لوح وقصدير، بادلًا من الإقامة في الثكنة العسكرية. وكانت
النتيجة أن نشأت عن هذا التجمع نواة لمجتمع سكني يذ طابع قروي داخل المجال الحضري، أطلقت عليه الساكنة المحلية اسم "دوّار العسكر"، وسرعان ما تضاعف بفعل الوافدين من القرويين المغاربة على جنبات حي الأهالي، فأصبح يُعرف ب "دوّار لانتيري"،
ارتباطًا بالقاعدة العسكرية الفرنسية للعتاد.
الخريطة (2)
تطور أحياء الصفيح في مدينة بور ليوطي
المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى: Ab. El Aloui, "Les quartiers sous-intégrés de Kénitra," Thèse de 3 ᵉ cycle, Université de Tours, 2 tomes, 1985 , p. 24.
13 البوزي يد، ص 21 - 23.
بدأت عملية التوسع شرقًا مع بداية عام 1925، لتشمل المجال الجغرافي الممتد بين طريق باب فاس شرقًا ووادي سبو غربًا،
وبين سي يد العربي بوجمعة شم لًا إلى الطريق المؤدية إلى سي يد علال التازي عبر وادي سبو جنوبًا. وقد عرف هذا المجال الحضري
تطورًا على مستوى ظهور أحياء سكنية شبه قروية، تكوّنت من الخيام و"النوايل" و"الزرايب" و"البراريك". ويمكن التمييز فيها بين
مجموعتين: الأولى بين عامَي 1915 و 1925، وكانت محاذية لحي الأهالي، والثانية بين عامَي 1925 و 1930، واستقرت جنوب طريق
فاس إلى طريق سي يد علال التازي. وفي أواخر العقد الثاني من القرن العشرين، أصبح حي الأهالي غير كافٍ لاستيعاب المزيد من التجار والمهاجرين المغاربة، فجرى التصديق، في عام 1932، على التصميم الجديد للمدينة شمال السكة الحديدية، في اتجاه ما
بين عامَيSociété Port - Lyautéen d ' Aconage et de Manutention , SPLAM حدثت تجزئة. وأُ "أصبح يُعرف ب "لَمدينة
1932 و 1936، حيث ضمّت 84 وحدة سكنية تراوح بين غرفة واحدة وثلاث غرف، وشملت 36 متجرًا، ليصل عدد سكانها في عام
1940 إلى 1400 نسمة. وموازاةً مع هذا الحي السكني، تكونت بين عامَي 1930 و 1935 المجموعة الثالثة من الأحياء السكنية شبه القروية شمال طريق
فاس. وقد أدت الدينامية التي عرفها هذا الحي إلى إعداد تصميم مديري ثانٍ لحي الأهالي، وهو تصميم عام 1933، تضمّن توسيع
الحي انطلاقًا من "بيدانصي" (السجن)، مع إحداث مجموعة من التجزئات السكنية، من قبيل حي "ديور سنياك"، وحي "ديور المخزن"، وحي "ديور البلدية"، التي كانت تحيط بحي الخبّازات. وجرت تهيئة حي البلدية بين عامَي 1936 و 1939، فضم 350
وحدة سكنية من فئة غرفة واحدة إلى ثلاث غرف، قُدّر عدد سكانها ب 1800 نسمة. وقد واكب توسيع حي الأهالي تكوين المجموعة
الرابعة من السكن شبه القروي، وراء طريق سي يد علال التازي في اتجاه فاس، بين عامَي 1935 و 1938. وسجلت الفترة 1940 - 1946 أكبر عملية توسيع لأحياء الصفيح في مدينة القنيطرة، خاصة في الجزء الشرقي منها، الذي كان يقطنه المهاجرون القرويون من ذوي الأوضاع المادية المتواضعة. وتقدّم إحصاءات المجلس البل يد للمدينة أرقامًا عن سكان المدينة
الشرقية، انطلاقًا من دوّار لانتيري في اتجاه روضة البوشتيين، موزعين بحسب الأحياء على النحو التالي: تقدّر الإحصاءات عدد سكان أحياء الصفيح في القنيطرة، في أواخر الخمسينيات، بنحو 30000 نسمة من أصل 86000 نسمة
تمثّل الساكنة الإجمالية للمدينة. وكان من نتائج تكدّس السكان في بنايات قصديرية أن شهدت المدينة أحداثًا وكوارث لا تزال
راسخة في ذاكرتها، بل منها ما يُعدّ كارثة وطنية؛ فقد شهدت القنيطرة في حزيران/ يونيو 1946 حريقًا مهولًا، يُعرف محليًا ب "عام
لَحْريگة"، أتى على دواوير مختلفة ومتباعدة في وقت واحد، مثل دوّار الساكنية، ودوّار البوشتيين، ودوّار لارما، ودوّار باب فاس.
واستمر الحريق يومين في ذروة فصل الحرّ، خاصةً أن تقارب "النوايل" و"البراريك"، وضعف توزيع صنابير الماء والسقايات، ساهما
في صعوبة إخماده.
14 الخيم: من الخيمة، وهو سكن مؤقت ومتنقل يقام من الُّطُوب فوق أعمدة؛ النْوايَل: مفرد نوالة، بناية قروية من القش والأعمدة وغالبًا ما تكون على شكل دائري؛
الزْرايب: مفرد زريبة، مخصصة للحيوانات وقد تأوي أيضًا الإنسان، وغالبًا ما تكون من الخشب وبعض المتلاشيات من القصدير؛ البْرارِيك: مفرد بَّرَاكة، تقام من
الخشب والقصدير. 15 فهد صبرو وطارق الصبحي، المركز والمركزية: مدينة القنيطرة (القنيطرة: [د. ن].، 2008)، ص 83 - 86. 16 هي شركة تتولى تدبير خدمات المناولة وتسيير الرافعات داخل الميناء.
17 A. Aissaoui, "Kénitra, commerce et structure Urbaine," Thèse de doctorat dactylographiée, Ecole des Hautes Etudes en science Sociales, Paris, 1991, pp. 102-134. 18 Ibid., p. 43. 19 R. Montagne, Naissance Du Prolétariat Marocain , enquête collective exécutée de 1948 à 1950 (Rabat: Centre Jacques-Berque, 2016), pp. 163-180.
الشكل (3)
توزيع الساكنة (بالنسمة) على الأحياء الشرقية لمدينة القنيطرة في عام 1946
المصدر: من إعداد الباحث، استنادًا إلى: 92. p , Aloui El.
عقب كارثة "لَحْريگة"، وما خلّفته من ضحايا على مستوى السكان والمساكن والماشية، أدركت مراكز القرار هول معضلة الأحياء
الهامشية، التي تنمو كالفطريات في ضواحي المدينة، فشرعت سلطات الحكومة في بناء مجموعة من الدور في المناطق المنكوبة أو المجاورة. وقد أنجزت "الشركة الشريفة للسكن" 1221 منزلًا و 52 متجرًا على طول طريق عين السبع، وبالقرب منها، هيّأت كٌّلٌ من
الشركة الشريفة العقارية F. C. O والبلدية، مجموعة من التجزئات السكنية على جانبي الطريق المؤدية إلى باب فاس، والتي أصبحت تُعرف ب "لمدينة". وانطلقت أشغال حي تجزئة M. A. L. P. S (2) في الفترة 1947 - 1948، وقد ضّم 28 وحدة سكنية من فئة غرفتين.
وكان من نتائج التوسّع الحضري لمدينة بور ليوطي نحو الشرق، وظهور البنايات الصلبة والأحياء السكنية، أن تكوّنت ثلاث مجموعات
من التجمعات الهشة، انقسمت إلى: مجموعة باب فاس، ومجموعة "شانطي ديور سنياك"، وأخيرًا مجموعة "الساكنية"، بين طريقي
عين السبع والفوّارات. يُعتبر حي أفكا A. C. F. A من الأحياء المهمة للبروليتاريا العمالية في القنيطرة، وقد بدأ العمل فيه بين عامَي 1947 و 1948، وضم
24 مسكنًا من فئة غرفتين. كما يُعد حي H. C. O من أكبر المجموعات السكنية التي استوطنتها الطبقة العمالية في المدينة؛ إذ كانت
هذه التجزئة تضم 852 وحدة سكنية من فئة غرفة واحدة، و 251 من فئة غرفتين، ويُقَدَّر عدد سكان الحي ب 8500 نسمة. وقد خصصت
سلطات الحماية بنايات خاصة لهذه الطبقة في حي الملاح تُعرف ب "الفندق"، بلغ عددها 14 وحدة سكنية (ينظر الجدول 1).
20 البوزي يد، ص 146 - 168. 21 علي لوجيعن، "التحولات المجالية والسوسيو-اقتصادية لحي الملاح، المدينة القديمة للقنيطرة"، رسالة ماجستير، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة ابن طفيل،
القنيطرة، 2017 - 2018.
الجدول (1) فنادق حي المّلاح في القنيطرة
| اسم الفندق | عدد الأسر | عدد الساكنة | المكان |
|---|---|---|---|
| فندق بليلطة | 42 | 405 | زنقة رحبة الزراع |
| فندق القيد المعطي | 55 | 101 | زنقة رحبة الزراع |
| فندق برادة | 35 | 35 | زنقة رحبة الزراع |
| فندق لمراني | 42 | 107 | الملاح |
| فندق صنياك | 45 | 235 | رقم 5، زنقة ولد القايد المعطي |
| فندق امشيش | 43 | 220 | شارع مولاي يوسف |
| فندق سي احميدة | 19 | 50 | زنقة الكزارة |
| فندق بلحسن | 60 | 222 | شارع مولاي يوسف |
| فندق الداودي | 35 | 135 | زنقة ولد القايد المعطى، رقم 5 |
| فندق لحلاقي | 10 | 51 | شارع مولاي يوسف |
| فندق لهود | 22 | 142 | شارع مولاي يوسف |
| فندق الخربة | 6 | 46 | زنقة ولد القايد المعطي، رقم 5 |
| فندق سي براهيم | 11 | 22 | زنقة الَّدَهابية |
| فندق بوجمعة | 39 | 194 | شارع مولاي يوسف |
المصدر: علي لوجيعن، "التحولات المجالية والسوسيو-اقتصادية لحي الملاح، المدينة القديمة للقنيطرة"، رسالة ماجستير، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة ابن طفيل، القنيطرة، 2017 - 2018، ص 63 - 65.
يتوسط هذه الأحياء أشهر حٍّيٍ معروف بالنشاط التجاري في القنيطرة، وهو "الخبازات"، ويتكوّن من سوق تجاري وفنادق، إلى
جانب مساكن التجار والعمال، ويبدأ من الزنقة 8، التي أصبحت في ما بعد شارع جون كيني يد، إلى الزنقة 29 المعروفة بسوق سبتة، ثم زنقة 36 (أو زنقة حمام الأنف) التي تؤدي إلى ساحة بئر أنزران. ويحد شارع فلسطين حي الخبازات من الجهة الشرقية، ويفصله عن حي الأطلس والبوشتيين. وقد أصبح حي الخبازات، بهذا الموقع المتميز داخل لَمْدينة، وبتنوع أنشطته التجارية، أهم نقطة في المجال الحضري في القنيطرة، وسوقًا مركزيًا بامتياز. وتصل الزنقة رقم 36 بين وسط الخبازات وساحة بئر أنزران، وتنتشر بها أهم المحالّ التجارية. ويفصل هذا الدرب بين الأحياء السكنية للخبازات وحي أفكا، في اتجاه حي الرياض وباب فاس.
22 عبد القادر بوراس، "الظروف التاريخية التي ساهمت في بروز وتطور مدينة القنيطرة"، في: القنيطرة في أفق سنة 2000، أعمال الأيام الدراسية، 20 - 21 / 11 / 1993
(القنيطرة: مؤسسة البوكيلي، 1995)، ص 35 - 43.
وبين الخبازات والسكة الحديدية، توزعت أحياء كانت في البداية عبارة عن مخازن للتجار الفاسيين، قبل أن تظهر فيها عمارات لعمّال المصانع وموظّفي البلدية. ومن هذه الأحياء: حي باب فاس، الذي يمتد جنوب الخبازات في اتجاه العَصّام، ويُعد من الأحياء
العصرية التي آوت الساكنة القروية المجاورة للمدينة، إلى جانب التجار الوافدين من سوس وغيرها من مناطق المغرب، وحي جردة القاضي أيضًا، الذي يحيط بمدخل المدينة من جهة الشمال، وهو اسم يُحيل إلى عرصة القاضي بوسلهام الرزوقي.
الخريطة (3)
المجال الحضري لحي لمدينة في القنيطرة
المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى: 32. p , Aloui El.
تُعتبر الفترة 1957 - 1970، مرحلة إعداد تنظيم المجال الترابي لمدينة القنيطرة؛ إذ انكبّت خلالها الجهود على إنجاز مشاريع البنية
التحتية الأساسية ومنشآتها، والتجهيزات، والمرافق في الأحياء المجاورة لمركز المدينة، مثل: حي عرصة القاضي، وأفكا، ودرب الخير،
ﺣﻲ اﻟﻣدﯾﻧﺔ اﻷوروﺑﯾﺔ
والأطلس، والرياض، وديور المخزن، وحي المستعجلات. وُأ نشئت تجزئات سكنية جديدة في الأجزاء الشمالية الشرقية والشرقيةُ الجنوبية، وعلى طول طريق عين السبع، وجرى تقسيم المساحات الفارغة الواقعة في الجزء الشرقي من المدينة إلى وحدات سكنية. وتوسعت حدود لَمْدينة، فأصبحت تمتد من حي المّلاح والسكة الحديدية جنوبًا إلى قناة الفوّارات غربًا، ومن طريق عين السبع
شم لًا إلى المعمورة شرقًا. وسُمح للبنايات المشرفة على الشوارع والطرق الرئيسة ببناء طابقين. وتعززت الأحياء الجديدة بمراكز
إدارية، ومجموعات مدرسية، ومراكز صحية، إلى جانب المسجد. وسعت السلطات الإدارية للحد من انتشار دور الصفيح والسكن العشوائي وتوسّعها نحو الجنوب من المدينة. غير أن انتشار الأنشطة غير المهيكلة، وتزايد توافد المهاجرين من البوادي على المدينة،
حال دون تحقيق الهدف المنشود، فعمدت السلطات، بعد ذلك، إلى إحداث منطقة وراء خط السكة الحديدية لاستيعاب دور الصفيح، وتشكيل ما أصبح يُعرف ب "الدوّار". شكّل حي الساكنية، في الشمال الشرقي لمدينة القنيطرة، أحد أكبر الأحياء الشعبية في المدينة. ويتكوّن هذا الحي من تجمعات
سكنية متنوعة، تمتد من غابة المعمورة جنوبًا إلى وادي الفوّارات شم لًا، ومن سوق السبت شرقًا إلى دوّار "الرّجا فالله" غربًا. ويحيط به
مدار حضري ينطلق من موقع سوق الجملة (لَكرِّيِي سابقًا) في اتجاه عين السبع، قبل أن يُحا يذ معلمة "الصمعة"، ويمتد إلى حي "لبيطا"،
ليعرّج غربًا على طول دوّار "لعريبي"، إلى أن يصل إلى "فرّان ماما"، ثم يعود إلى نقطة انطلاقه عند الخط الفاصل بين الدوّار والساكنية. يتكوّن حي الساكنية من "البَطِمات" (المباني المتعددة الطوابق) في جزئه الجنوبي، وهو نموذج البنايات ذات الطوابق التي
بُنيت ابتداءً من 30 آذار/ مارس 1951، ليصل مجموع العمارات إلى ست عشرة، تحتوي على 484 شقة، تختلف بين تلك التي تتكوّن
من طابق أرضي وآخر علوي بمساحة تصل إلى 65 مترًا مربعًا، وتلك التي لا تتجاوز مساحتها 45 مترًا مربعًا، وتضم طابقًا أرضيًا وثلاثة
طوابق علوية. وشكّل هذا الصنف من البنايات سكنًا جماعيًا جديدًا، أشرفت على بنائه شركة العقارات الفرنسية المغربية. M. F. I. C،
استفاد منه، في البداية، من تبقَى من المتضررين من كارثة "لَحْريگة" في عام 1946، ومن فيضانات وادي سبو في عام 1955، وعُرض
قسم منه على ساكنة الدوّار الراغبين في الانتقال إليه، مقابل سومة كرائية لا يزال شاغلوها يؤدّونها إلى اليوم لفائدة الأملاك المخزنية
(أملاك الدولة حاليًا). وجرى إحداث حي "لبِيطا" في النصف الثاني من الخمسينيات، عقب توالي الفيضانات التي عرفتها مرجة
الفوّارات بين عامَي 1955 و 1958، والتي تسببت في إغراق قسم كبير من دوّار البوشتيين، حيث جرى إيواء قسم من المتضررين به. وبحلول أواسط الستينيات، جرت تهيئة تجزئة "ديور عَشرلاف" المحاذية لحي البَطِمات. وتنقسم هذه التجزئة إلى شطرين:
الأول يُطل على دوّار "الرّجا فالله"، ويُسمى حيّ المجموعات (مجموعة السرور، مجموعة البهاء... إلخ)، في حين يُعرف الشطر الثاني
بحيّ المدن (مجموعة أزرو، مجموعة خريبكة... إلخ)، والذي يُطل على معلمة "الصمعة" من جهة الشرق. وجاء سكن هذا الحي
بنمط جديد من البناء، يقوم على نظام البقع الأرضية التي تصل مساحتها إلى 70 مترًا مربعًا، والتي تتيح لصاحبها إمكانية وضع هندسة
تستجيب لبعضٍ من خصوصياته الأسرية. وفي إطار مشروع التنمية الحضرية PDU، الهادف إلى إعادة هيكلة الأحياء الصفيحية في القنيطرة، جاء مشروع التهيئة المعروف ب "بام" PAM، الذي ساهم فيه برنامج التغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، تحت إشراف
23 البوزي يد، ص 146 - 168.
24 Nespola, p. 45. 25 Khadija Karibi & Ouafa Messous, "Les documents d'urbanisme à l'épreuve de la gestion des risques d'inondations, étude de cas du Grand Kénitra au Maroc," African and Mediterranean Journal of Architecture and Urbanism , vol. 1, no. 2 (2019), pp. 213-243.
26 سعيد جقلال وديور عشْرلاف، "حي الساكنية بمدينة القنيطرة: دراسة جغرافية وأفاق التنمية"، بحث شهادة الماجستير في الجغرافيا، كلية الآداب والعلوم الإنسانية،
جامعة ابن طفيل، القنيطرة، 2016، ص 12 – 23.
وزارة السكنى والتعمير، والرامي إلى القضاء على أحياء الصفيح، بإحداث حي بام، بشطريه: 1 و 2. وقد بدأت الأشغال في بام 1 خلال 26 أيار/ مايو 1970، وفي بام 2 خلال آب/ أغسطس 1971، ليشكّل النموذج الثالث من البنايات في حي الساكنية. وقد قامت هذه التجزئة على بقعة أرضية ذات مساحة متوسطة تصل إلى 80 مترًا مربعًا في بام 1، وبلغت في شطر بام 2 ما يقارب 90 مترًا مربعًا. يعتبر الجزء الشرقي من مدينة القنيطرة، الخاص بالأهالي، نموذجًا لظهور الأحياء السكنية الشعبية في المدن المغربية العصرية.
وقد عرف تباينات على مستوى السكن والأحياء، بحسب الساكنة ونشاطها الاقتصادي. ويميز فيه الجغرافيون المختصون في
الحواضر بين الأحياء التجارية، من قبيل: الخبازات، وباب فاس، من جهة، وأحياء سكن الموظفين والحرفيين، من قبيل: "لاسِكون"،
و"بِيدَانصِي"، و"ديور صنياك"، وأحياء إعادة إيواء المتضررين من الكوارث الطبيعية التي عرفتها المدينة، مثل: ديور المخزن، وديور
البلدية، وأحياء محاربة السكن العشوائي المنحدرة من الدوّار، من قبيل البوشتيين، من جهة أخرى. وعلى الرغم مما عرفته هذه الأحياء
من تنظيم حضري على مستوى البنية التحتية، فقد بقيت شعبية، تسكنها شريحة اجتماعية مكَّوَنة من الموظفين الصغار والعمال.
ثالثًا: الدوّار: مجمع وحدات دور الصّفيح وتكدّس البروليتاريا العمالية
تتطلب مقاربة التجمعات السكنية في ضاحية مدينة القنيطرة تحديدَ مفهومَي الدوّار و"دُور الصفيح" بوصفهما وحدتين سكنيتين
طبعتا المجال الهامشي للمدينة. فإذا كان الدوّار يُحيل إلى وحدة إثنية وعرقية وجغرافية، فإن "دُور الصفيح" تشير إلى تحولات
اجتماعية واقتصادية مرتبطة بتطور المدينة الحديثة، وبنمط اقتصادي جديد. وكان من نتائج التحولات التي عرفتها ضواحي مدينة القنيطرة أن تعايش الدوّار مع دُور الصفيح، حتى تمكّنت الأخيرة من ابتلاع سكن الدوّار، لينمحي نهائيًا من المشهد السكني، وتحتفظ
بتسمية "الدوّار" التي أصبحت تُحيل إلى دُور الصفيح. يُحيل مصطلح "الدوّار" إلى وحدة سكنية بدوية في المغرب، ولذلك فهي تسمية ذات خصوصية قروية، بيد أنها تُطلق أيضًا
على تجمعات سكنية في ضواحي المدن. ويتفق الدارسون في ميدان الجغرافيا الحضرية على أن تسمية الدوّار تُطلق كذلك "على
كل تجمع سكني حضري يحمل خاصيات الفقر والهشاشة". يُحَدَّد الدوّار باعتباره مج لًا جغرافيًا لوحدة إثنية ذات قواسم وأصول
مشتركة، وخصوصيات سوسيو-اقتصادية (دوّار صحراوة، دوّار الرجا فالله، دوّار الطبيب... إلخ). ويُستعمل مصطلح الدوّار، عمومًا،
للإحالة إلى مجموع دُور الصفيح التي تنتظم في مجموعة من الدواوير على شكل شبكة مترابطة من المساكن، تمزج بين القروي،
الذي كان يتجسّد في "النْوَالة"، والحضري الذي اتخذ من القصدير سقفًا للبيوت وحظائر البهائم. وتُشكّل "النْوَالة" رمز الدوّار؛ إذ
تُحيل إلى أصوله القروية وانتمائه الجغرافي. وجاء في وصف "النْوَالة" بدوّار الرجا فالله عند أحد أبناء هذا الحي ما يلي: "أذكر بأن
شمس ذاك اليوم الذي ارتبط بالحكي عن أمي، كانت قد أوشكت على المغيب، حين أمسك خالي بي يد، واستأذن أبي كي أرافقه إلى
'نْوالَتِه'، خلف دكاننا ب 'دوّار الرجا فلّله'، شرط أن يعيدني إليه قبل صلاة العشاء. كانت هذه 'النْوَالة' معلمة، لأنها خرجت عن مألوفِ
المنازل المشَّكَلة من الأخشاب والقصدير. فراشُها 'دَرْبالة' مشَّكَلة من مجموعة من الأثواب المخاطة إلى بعضها كيفما اتفقا". تُقدّم
هذه الشهادة الأدبية صورةً عمّا تبقّى من آثار "النْوَالة" ضمن "زْرَايب" القصدير، قبل أن تحلّ محلّها "الزْرِيبَة".
27 عبد اللطيف أبو ريشة، تاريخ الأحياء الهامشية بمدينة الرباط من 1930 إلى 1980: حالة دوار الدوم ودوار الدباغ نموذجًا (الرباط: منشورات المندوبية السامية
لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، 2020)، ص 19 - 39.
28 B. Belaadi & A. Debla, "Typologie des bidonvilles, Analyse critique," Revue des Sciences Humaines (Février 2004), pp. 301-304.
29 محمد الجلاي يد، أوراق: دوّار الَّرَجا فالله: بطولة مكان (القنيطرة: 2020)، ص 1 - 2. (عمل مرقون أمدّني به الجلاي) يد
30 البوزي يد، ص 146 - 168.
الصورة (1)
صورة جوية لدوّار باب فاس والبوشتيين في أواسط السبعينيات من القرن العشرين
المصدر: أرشيف بلدية مدينة القنيطرة.
يميّز الجغرافيون بين دُور الصفيح Bidonville والدوّار Douar بوصفهما مُجمّعين سكنيين يُحيطان بالمدار الحضري للمدينة.
ويستند هذا التمييز إلى نمط السكن، والخصوصيات السوسيولوجية والأنثروبولوجية للساكنة. قد يُشكّل الدوّار نواةً لظهور دُور
الصفيح، وإن كانت الأخيرة تُعدّ نتيجةً لتطور مركز المدينة، الذي يُلقي بفضلاته نحو الضاحية، حيث يُعاد استعمال المتلاشيات في
إقامة "الزْرايَب". وقد أطلقت تسمية "دُور الصفيح" في البداية على مأوى غير متجانس، قبل أن تتجذر وتتوسع لتشمل كل أشكال
السكن الحضري ذات الهشاشة التي تعكس مستوى عيش الساكنة. وبناء عليه، فدُور الصفيح هي تجُّمُع من "البْرَارِيك" الملَّفَقة
من الصفيح، تتكدّس فيها الساكنة الفقيرة على جنبات المدن والتجمعات الحضرية. ومن ثم، فدُور الصفيح بنية سكنية طفت في
ضاحية المدن نتيجة التحولات التي عرفتها على مختلف المستويات، وأصبحت تؤدي أدوارًا في تطور المدينة، بدءًا من توسع مجالها
العمراني، وصولًا إلى المساهمة في صيرورة تطور مجالها الحضري. وتتكوّن دُور الصفيح من مجموعة من الوحدات السكنية الهشّة،
تمتزج فيها "البْرَارِيك" و"النْوَايَل" و"الزْرَايِب"، ويتعاش فيها الإنسان والحيوان.
31 Montagne, pp. 163-180.
وتعدّدت الدواوير المحيطة بالمدينة، وحملت أسماءً تُحيل إما إلى أصول ساكنتها، مثل: "دوّار البوشتيين"، و"دوّار صحراوة"،
وإما إلى تداعيات انتشار هذه التجمعات السكنية، مثل: "دوّار الطبيب"، و"دوّار لارما"، و"دوّار الرجا فالله". وقد شكّلت هذه الدواوير
تجمعات سكنية هائلة، تفصل بينها أزقة تُعدّ بمنزلة حدود. وكان مركز هذه الدواوير هو دوّار "العلامة"، على الطريق الفاصلة بينه وبين
دوّار "لنتِيري". ولا نتوفّر على خريطة دقيقة لانتشار مجموع هذه الدواوير، غير أن العارفين بهذه الأحياء يتفقون على ما يلي: "إذا
وقف المرء قبالة شروق الشمس، فدوّار لنتِيري أمامه، لا يفصل بينهما إلا شارع يُفضي يسارًا إلى دوّار العلامة، وخلفه دوّار الرجا فالله،
ثم دوّار صحراوة".
الصورة (2)
دوّار "الرجا فالله" في الساكْنية
المصدر: صورة خاصة لمحمد الجلاي يد (أمدّني بها الجلاي يد.)
مع بداية الثمانينيات من القرن العشرين، كانت الساكنية تضم 11 دوّارًا، منتشرةً على مساحة 78 هكتارًا، تمتدّ من غابة المعمورة في
الجنوب الشرقي إلى وادي الفوّارات. ويستعصي التجوال داخل هذا الحي، عبر دهاليزه وأزقته الضيّقة المظلمة، من دون تحاشي جنبات
بيوته الهشّة، من "النْوَايَل" و"البْرَارِيك" و"الَّزرَايِب". يتكَّوَن هذا المُجمّع من مجموعات سكنية، ذات خصوصيات جغرافية وتاريخية
واجتماعية واقتصادية، تجتمع كُّلُها حول ما كان يُعرف ب "العَلامة". وقد شكّل الدوّار، في حي الساكْنية، موطنَ استقرارٍ لليد العاملة،
وخزانًا بشريًا لكل التفاعلات التي عرفتها القنيطرة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية، وأيضًا الثقافية والسياسية والنقابية. أمّا "دوّار الرجا فالله"، فيُعدّ من أكبر تجمعات دُور الصفيح التي اشتهرت بها مدينة القنيطرة مع بداية النصف الثاني من القرن
العشرين. وقد سُِّمِي بهذا الاسم عقب حريقٍ شبّ في الدواوير المجاورة للَعلَامة، حيث خرج المتضررون يتضرعون إلى الله (رجانا فالله)
ويتلون اللطيف؛ وهو أصل التسمية. ونقرأ في وصف هذا الدوّار، عند أحد أبناء هذا الحي: "من عاش بدوّار الرّجا فالله أو بالقرب منه،
بالعمارات السّكنية على يمينه، والتي تُسمى ب 'البِط مات'، لا يمكن إلا أن يستحضر الصّنبور العموميّ، وكان يسَّمَى ب 'البُومْبَة'، ومنه
كانت ساكنةُ الدوّار تستجلب الماء الصّالح للشرب، إّلا من كان يتوفّر في 'براكته' على بئر، وهذا قليل. وبجانب 'البُومْبَة'، زنقة تُفْضي
إلى براريك 'الَّشَاوية'، وبعدَهم براريك 'صحراوة'. وأغلبهم هَجّرتهم مجاعة سنة 1945. هذا الدوّار من 'البراريك' المركّبة من توليف
القصدير والخشب، أو من الأعشاش من القصب والقشّ. كان موقعه الجهة الشرقية لمدينة القنيطرة".
الخريطة (4)
مكونات دوّار الرجا في الله
المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى: 223. p , Aloui El.
تبرز "العَلامة" بوصفها نقطة تلاقٍ لدواوير الحي الصفيحي، وفي الوقت نفسه بداية دوّار العَلامة، الذي كانت ساكنته تفتخر
بالانتساب إليه. وتعود تسمية هذا الحي ب "العَلامة" إلى صندوقٍ مكعبٍ كبير مصنوعٍمن الخشب، مرتفعٍعن الأرض بمقدار صومعةٍ
متوسطة، يتناوب على المرابطة به شخصان، في الصباح وفي المساء. كانت هذه "العَلامة" عبارةً عن برجٍللمراقبة، تُطل على دوّار
البوشتيين، ودوّار صحراوة، ودوّار لارما، ودوّار لنتِيري، ودوّار الطبيب، وصولًا إلى مشارف دوّار "لعْريبي" بمحاذاة مرجة الفوّارات.
32 الجلاي يد، ص 1 - 2.
33 M. Souafi, "Kénitra: L'utilisation de l'espace et son aménagement," Diplôme Universitaire, en Géographie Urbaine, Université Paris I, Paris, 1976, pp. 62-63.
بعدما كان دوّار العَلامة يضطلع بدورٍ إنذاري، من قبيل مراقبة الحرائق، أصبح، في ظرف وجيز، مركزًا اقتصاديًا واجتماعيًا
وإداريًا، تتوافد عليه الساكنة المجاورة لقضاء مآربها. فقد بُني مسجد بالقرب منه، فصارت تُقام به صلاة الجمعة، هذا إضافة إلى دروس
في حفظ القرآن والتعليم الأولي، كان يقدّمها فقيه "المسِيد" (الكُتّاب). وإلى جانب المسجد كانت توجد "بَّرَاكة" التلقيح، التي تُعنى
بتلقيح أطفال الدواوير غير المتمدرسين. وفي الجهة المقابلة للمسجد، كانت تتوزع محالّ لبيع اللحوم والدواجن، بينما كانت تُعرض
الخضر صباحًا في ساحة مجاورة، إلى جانب سوقٍ للسمك. وغير بعيد عن هذه المرافق، كانت تنتصب المراحيض العمومية، وكانت محروسةً ومؤدى عنها. وكانت تنتشر على جنبات الطريق، التي تخترق العَلامة في اتجاه الخيرية، مجموعةٌ من الدكاكين المشهورة، التي كان يرتادها
الزبائن من داخل الأحياء السكنية ومن خارجها، مثل حانوت "السي المحفوظ"، ومخزن "بّا سَعِيد"، ومتجر "بڭّار"، وحانوت "ولد
العطّار". وفي الجهة المقابلة، كانت "الرّحبة" تعرف نشاطًا تجاريًا طوال اليوم، بدءًا من وصول الحبوب والقطاني في العربات خلال
الفترة الصباحية، فإعدادها وتنقيتها، إلى نقلها إلى الطاحونة، التي كانت تشتغل ما بعد عصر كل يوم، عدا يوم الجمعة. وبين "الرّحبة"
ومدرسة وادي المخازن، امتدت مساحة للفرجة، كانت تتكوّن من ساحة "لفوّار"، التي احتضنت محالّ الفرجة والتسلية، ونشطت
في الأعياد الدينية والوطنية. وإلى جانبها كانت ساحة "الحلايقية" تضم رواد الفكاهة، أمثال "ازْرِيوِيل"، و"ولد الجبوري"، و"بّا
الحسناوي"، الذين كانوا متخصصين في الطرائف والمستملحات المروية في قوالب تمثيلية. أما حلقة "بن داود" فكانت مخصصة للأزليات والأساطير، وإلى جوارهم تألقت حلقات المطربين والفنانين الشعبيين، مثل "اعْبِيدات الرْمَى"، و"مول المقاس"، و"الروايس الأمازيغيين". كما كانت هناك حلقاتٌ للحكواتيين، أصحاب الروايات والعنتريات،
و"حلقات البوكس" (الملاكمة)، مثل حلقة "عيروض"، التي تنافس الشباب فوق حلبتها، وأخيرًا حلقات الدين، التي كان ينشط فيها
صنف خاص من الفقهاء. أما بالنسبة إلى دوّار الطبيب (نسبةً إلى أحد العشابين الذي اشتهر صيته إلى أن أصبح يُنعت بالطبيب)، فقد امتد على مساحة 10
هكتارات وسط هذا المجمع من الدواوير. ومنه كان يجري الانتقال إلى "دوّار العرابي"، الذي امتد إلى حدود مرجة الفوّارات. وعلى جنبات الأخيرة، نمت دواوير صغيرة وحديثة، مثل دوّار "المرجة" ودوّار "الله على راحة". ويُعتبر دوّار البوشتيين من أقدم الدواوير
في الجهة الشرقية لمدينة القنيطرة، حيث امتد على مساحة 14 هكتارًا، وتزايدت ساكنته من 6000 نسمة في عام 1974 إلى 7200
نسمة في عام 1982، بما يزيد على 240 أسرة. يكشف تتبّع خريطة توزيع الدواوير في الجهة الشمالية الشرقية لمدينة القنيطرة عن تمركز ساكنة وافدة من مختلف أنحاء
المغرب، وهي من أصول قروية غيّرت من مسار حياتها ونمط عيشها، وأصبحت تُشكّل الساعد الأساسي للخدمة في مركز المدينة
والمصانع المحاذية للميناء. وشكّلت هذه الفئة من الساكنة، وخصوصًا منها التي كانت تستوطن "البْرَارِيك" و"الَّزرَايِب"، قاعدة بروز
البروليتاريا العمالية، إلى جانب البروليتاريا الوظيفية التي كانت تسكن دور الأحياء الشعبية المحاذية للمْدينة والساكْنية.
34 El Aloui, pp. 84-90; Deliste, pp. 105-228, 181-200. 35 Montagne, pp. 182-201. 36 EL Aloui, p. 94.
| عدد السكان (نسمة) | عدد الأسر | المساحة (هكتار) | اسم الدوّار | المنطقة |
|---|---|---|---|---|
| 1026 | 162 | الساكْنية | الساكْنية | |
| 7390 | 230 | 25. 4 | الرجا فالله | |
| 1555 | 65 | 3. 5 | صحراوة | |
| 980 | 72 | 2. 6 | بيريي Pierri (الهروي) | |
| 4260 | 142 | 4. 2 | لارما Larma | |
| 380 | 120 | 10 | طبيب | |
| 1850 | 74 | 8 | لارتبليي Artillerie ' L | |
| 3520 | 84 | لعريبي | ||
| 725 | 18 | المرجة | ||
| 640 | 15 | الله على راحة | ||
| 1042 | 188 | لمكليط | ||
| 7200 | 240 | 14 | البوشتيين | البوشتيين |
| 1023 | 94 | 10. 6 | باب فاس 1 | باب فاس |
| 5125 | 198 | 10. 6 | باب فاس 2 | |
| 3990 | 137 | 5. 7 | باب فاس 2 | |
| 323 | الغابة | |||
| 3740 | 140 | السبت | السبت | |
| 670 | 16 | دوّار الشيخ | أولاد أوجيه |
دوّار الشيخ 16
مجالها الحضري تدريجيًا من المركز نحو الضواحي، وتحوّلت معالمها العمرانية من المبنى الأفقي إلى المبنى العمودي.
الجدول (2) توزيع الساكنة بحسب الدواوير في ضاحية القنيطرة إلى حدود عام 1982
المصدر: 92. p , Aloui El.
يبين الجدول (2) أن المساحات التي كانت تستحوذ عليها الدواوير، كانت تفوق 130 هكتارًا، يقطنها 45439 نسمة، موَّزَعة على
1979 أسرة. وبناء عليه، إذا كانت ساكنة مدينة القنيطرة قد انطلقت من نواة الساكنة الوافدة، ومن التجار والمعِّمِرين، خلال الفترة التي
كانت تُعرف ببور ليوطي، فإنها أصبحت تضمّ أيضًا العمال والموظفين، عقب استعادة المدينة لاسمها الأصلي- قنيطرة - بعد حصول
المغرب على الاستقلال. ويشهد ذلك على الحيوية التي عرفتها المدينة باعتبارها قطبًا اقتصاديًا، تغيّرت ساكنتها وتنوعت، وتوسّع
ولا تزال مدينة القنيطرة من المدن المغربية التي تستقطب الوافدين، نظرًا إلى شهرتها بوصفها مدينةً شعبية، تتميّز بموقع
استراتيجي على ضفاف وادي سبو، غير بعيد عن المحيط الأطلسي، وعلى بُعد نصف ساعة من عاصمة المملكة. وساهم افتتاح
المنطقة الحرة لأولاد بُورحمة، التي تحتضن العديد من المصانع المتخصصة في مهن السيارات، إلى حد بعيد، في استقطاب المدينة
وافدين جددًا، أغلبهم من المهنيين المتخصصين ومن اليد العاملة.
الشكل (4)
ساكنة دُور الصفيح في القنيطرة في الفترة 1960 - 1982
المصدر: معطيات لدى المندوبية السامية للتخطيط، إحصاء السنوات 1960 و 1971 و 1982.
كان من تبعات هذا المشهد السكّاني والسكني لمدينة القنيطرة، أن تحوّلت إلى موطنٍ للحركة النقابية، وتمركزٍ لأحزاب
المعارضة، فبرزت أحداث كثيرة مع بداية الاستقلال. فقد عاشت مظاهرات كبرى قام بها التلاميذ والأساتذة في آذار/ مارس 1965،
احتجاجًا على ما أصبح يُعرف ب "قانون بلعباس" للعبور من الإعدادي إلى الثانوي، كما شهدت مواجهاتٍ مع السلطة في إثر إحياء
ذكرى اختطاف المه يد بن بركة في عام 1973. وكانت أيضًا من المدن التي شاركت في الإضراب العام الذي عرفه المغرب في عام 1975. وحيث إن ساكنة المدينة كانت في غالبيتها من البروليتاريا العمالية، فقد كانت القنيطرة "مركزية نقابية" للعمال والموظفين، تتنافس للاحتفال بالأول من أيار/ مايو من كل عام، وتنخرط في الإضرابات والاحتجاجات التي كانت تدعو إليها التنظيمات العمالية. ولعل هذا ما جعل مدينة القنيطرة "قلعةً للأحزاب الوطنية"؛ إذ تناوبَ على تمثيلها في المجالس النيابية مجموعة من زعماء الأحزاب
السياسية المعارضين، حتى أصبحت تُعرف ب "مدينة المعارضة".
رابعًا: البروليتاريا العمالية والانخراط في التنظيمات الحزبية النقابية في مدينة القنيطرة
ظهر مصطلح البروليتاريا Proletarius، خلال القرن التاسع عشر في كتاب بيان الحزب الشيوعيلكارل ماركس وفريدريك أنجلز، ويشير إلى الطبقة التي تظهر نتيجة تحوّل الاقتصاد التنافسي إلى الاقتصاد الاحتكاري، وهي التي لا تملك وسائل الإنتاج
وتعيش من بيع مجهودها العضلي. ويحمل المصطلح دلالة سياسية؛ إذ يُطلق على طبقة العمال الُأجراء الذين يشتغلون في الإنتاج
الصناعي بما يقدّمونه من عمل، كأيّ سلعة تجارية. وتنمو البروليتاريا وتتطوّر بموازاةٍ مع تراكم الثروة في أي يد الرأسماليين؛ ما يؤدي
إلى تكديسها في تجمعات سكنية خاصة. تناولت الدراسات التاريخية والسوسيولوجية ظهور طبقة البروليتاريا في المغرب المعاصر مع الحماية الفرنسية، واستثمار الرساميل الأجنبية في إحداث الشركات ومؤسسات الإنتاج الرأسمالية الكبيرة. وتبقى من أهم الأعمال التي تناولت هذا الموضوع، الدراسة التي أشرف عليها روبير مونتاني Montagne Robert حول "ميلاد البروليتاريا المغربية"، ودراسة ستيفان دليسل Delisle Stéphane حول "البروليتاريا المغربية ببور ليوطي". وأعقبت هذه الدراسات أبحاثٌ جامعية تناولت موضوع ساكنة العمال والموظفين في المدن المغربية،
التي عرفت تحولات اجتماعية نتيجة اعتماد اقتصاد السوق والمنافسة في الإنتاج والتسويق بعد الاستقلال. وقد اعتمدت هذه الدراسات على أبحاث ميدانية لمختلف الأحياء الشعبية، وتناولت جوانب من حياة البروليتاريا التي كانت تسكن في الُّدُور أو "البراريك". شكّلت القنيطرة، بتاريخها الحديث، المدينة الحاضنة لهذه الشريحة الاجتماعية الجديدة، التي صار يُطلق عليها اسم البروليتاريا
العمالية المغربية. فهي مدينة قامت على اقتصاد السوق بدءًا من الميناء، إلى التجارة، فتمركُز المعامل في الضواحي وتنوّع الخدمات
في مركز المدينة. وكان لطبيعة هذه الأنشطة الاقتصادية أن جلبت أفواجًا من العمال استقروا على الهامش من مركز المدينة
"الڤيلاج"، وغير بعيدين عن مقارّ عملهم. وقد كانت أغلبية هؤلاء العمال من أصول فلاحية، لكن دخولهم إلى المدينة جرّدهم من
هويتهم القروية، فأداروا ظهورهم للعمل في الحقول والمزارع، وانخرطوا في العمل اليومي بإجارة قوّتهم العضلية. وكان من نتائج
هذه القطيعة بينهم وبين العمل في الحقول، وتحوّلهم إلى العمل في المصانع والمعامل، أن تغيّرت العقليات والسلوكيات الاجتماعية،
لتظهر هذه الشريحة الاجتماعية الجديدة. تجدر الإشارة إلى أن بروليتاريا مدينة القنيطرة، باعتبارها نموذجًا للفئات الاجتماعية الهشة التي أفرزها اقتصاد الإنتاج والسوق
والمنافسة الليبرالية في المغرب، خلال فترة الحماية ومع الاستقلال إلى عام 1975، لم تجد قاعدة من ساكنة المدينة القديمة التي كان من شأنها أن تأخذ بيدها، وإنما على العكس من ذلك، وجدت نفسها في مواجهة فئة اجتماعية عصرية، تسكن في مجال خاص بها،
ولها خصوصياتها الاجتماعية وسلوكياتها الحضارية، في الوقت الذي تكدّست فيه في سكنٍ شبه قروي، وفي ظروف معيشية فقيرة.
37 مصطلح ماركسي للدلالة على الطبقة العاملة وخاصة أولئك الذين لا يملكون سوى عملهم. إن ما يميز البروليتاريا من الحرفيين أن هؤلاء يملكون أجهزتهم وآلاتهم.
38 Montagne. 39 Jean d'Étienne, Louis Villème & Stéphane Delisle, L'évolution sociale du Maroc , Cahiers de l'Afrique et de l'Asie I (Paris: J. Peyronnet, 1951), pp. 113-230. 40 Aissaoui; EL Aloui; Laplanche; Villeme.
41 ألبير عياش، "المناضلون النقابيون المغاربة في الاتحاد العام للنقابات الموحدة بالمغرب"، ترجمة حسان المعروفي، أبحاث: مجلة العلوم الاجتماعية، السنة الرابعة،
العدد 13 (1986.) 42 شكيب أرسلان، "حول تاريخ الحركة النقابية بالمغرب: الاتحاد العام للنقابات الموحدة بالمغرب"، أبحاث: مجلة العلوم الاجتماعية، السنة الرابعة، العدد 13 (خريف
1986)، ص 41 - 54.
الشكل (5)
مناطق توافد المهاجرين على مدينة القنيطرة في الفترة 1971 - 1982
المصدر: 43. p , Belarabi.
يتيح تناول موضوع بروليتاريا ضواحي مدينة القنيطرة، من الوجهة التاريخية، تسليطَ الضوء على الخصوصيات التي تميزت بها
هذه الفئة الاجتماعية من ساكنة المدينة. وبناء عليه، سنعمل على تشريح بعضٍ من هذه الخصوصيات، اعتمادًا على معطيات ميدانية
همّت تطور المجال الحضري للقسم الشرقي من المدينة، من "لَمْدينة" إلى "الساكْنية"؛ ذلك المجال الجغرافي الشاسع الممتد بين
وادي سبو وغابة المعمورة، الذي تتوسطه مرجة الفَوّارات، وتتنوّع بناياته ومساكنه بين البيوت والمنازل والفنادق والدواوير المكَّوَنة من
"الخيم" و"البْرارِيك" و"الزْرايَب". أما المعطى الثاني، فيهمّ معطياتٍ إحصائية عن ساكنة هذه الأحياء، عبر مراحل تطورها، سواء على
المستوى الجغرافي أو الوظيفي. تنحدر بروليتاريا القنيطرة من البوادي المجاورة، وخصوصًا من منطقة الغرب. واستقطبت المدينة كذلك موجات بشرية من أقصى
الجنوب المغربي، ومن مناطق عبدة والحوز والرحامنة ودكالة وزعير وزمور، ومن جبالة والريف والشرق. وقد أفرزت هذه الموجات البشرية تجمعات سكانية إثنية، فتكوّنت دواوير تُحيل إلى أصولها، من قبيل دوّار صحراوة أو ديور المخزن. وشكّل التدرّج في السكن
مؤشّرًا على الترقي في السلّم الاجتماعي لهذه البروليتاريا، يبدأ من السكن في "الخيمة"، ثم في "براكة"، ثم الانتقال إلى حيازة
"الزريبة"، التي منها قد ينتقل البروليتاري إلى "منزل" في حي سكنيّ، ينتظم في أزقة تتوفّر على الماء والكهرباء وقنوات الصرف
الصحي الجماعي.
43 عبد القادر بوراس، "القنيطرة"، معلمة المغرب، العدد 20 (2024)، ص 6689 - 6694.
الصورة (3)
الحياة اليومية في دوّار الرجا فالله خلال الثمانينيات من القرن العشرين
المصدر: الصورة لعائلة "أبا ستيتو" في دوّار "الرجَا فالله"، القنيطرة (أمدّني بها سعيد أحمانو.)
تتوزع بروليتاريا القنيطرة على أحياء "لَمْدينة"، و"الخبازات"، و"ديور صنياك"، و"ديور البلدية"، و"باب فاس"، و"البوشتيين"،
وتضم أيضًا "الدوّار (" 12 دوّارًا)، ثم لاحقًا أحياء "الساكْنية"، بما فيها "ديور عشر لاف"، و"بام"، و"لبيطا". ويعكس هذا التوزيع
السكني تمايزًا داخل طبقة البروليتاريا ذاتها. فإذا كانت البنية الأولى لهذه الشريحة قد انطلقت من ساكنة الخيم، مرورًا ب "الزرايب"،
وصولًا إلى ساكنة المنازل، فإن هذا الترتيب سرعان ما اضطرب عقب المسيرة الخضراء في عام 1975، بسبب استقرار عدد كبير من
المشاركين فيها في مدينة القنيطرة. وقد ساهم ذلك في ظهور مآوٍ جديدة من القصدير والخشب، كما شُيّدت تجزئات سكنية في تراب
"الساكْنية"، بدءًا من "البَطِمات"، ثم "لَبِطا"، و"ديور عشر آلاف"، وأخيرًا "بام " 1 و 2. كما شهدت أحياء "لَمْدينة"، و"الخبازات"،
و"الرياض"، و"الأطلس"، و"باب فاس" تحولات اقتصادية أثرت في طبيعة ساكنتها. ظلّ تعليم أبناء هذه الأحياء ضعيفًا جدًا، حيث كان من النادر أن يحصل أحدهم على شهادة البكالوريا. وعلى الرغم من جهود
الدولة في بناء المدارس والثانويات، فإن نسب التمدرس ظلت متدنية؛ إذ لم تتجاوز 12 في المئة من الذكور في التعليم الابتدائي، و 10 في المئة بالنسبة إلى الإناث، بينما لم تتعَّد 5 في المئة من الذكور و 6 في المئة من الإناث في التعليم الثانوي. وعمومًا، لم تكن نسبة
التمدرس تتجاوز في أفضل الحالات 30 في المئة من الأطفال في سن الدراسة. تُقدّم دراسة دليسل حول ساكنة الأحياء الهامشية لمدينة بور ليوطي مجموعة من المؤشرات على ظروف هذه الشريحة
الاجتماعية، وطبيعة أعمالها. فقد كانت الوظائف المرتبطة بالدولة، في قطاعات التعليم والصحة والإدارة، شبه منعدمة، ولم تتجاوز
44 EL Aloui, pp. 158-164. 45 Delisle, pp. 140-160.
ثلاثة أرباب أسر، في حين اشتغل 45 فردًا فقط في السلك المخزني، موزعين بين الجنود و"المخازنية". أما الأغلبية الساحقة من
العمال، فكانوا يعملون في المرسى حمالين؛ أكثر من 598 منهم مياومون، و 1031 عاملًا مؤقتًا، في حين توزعت باقي المهن بين
البائعين المتجولين، والبائعين في الأسواق الأسبوعية، والحراس في المباني والمؤسسات والمعامل. وحتى حدود عام 1975، كانت الوظائف في القطاع الخاص تُمثّل مورد الرزق الأساسي لأرباب الأسر في "لَمْدينة" و"الدوّار"، بينما انخرطت الساكنة الوافدة بعد
المسيرة الخضراء في العمل مع الدولة، خاصة في قطاع التعليم والإدارة العمومية والجيش. أفرزت هذه الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية فئة سكانية مهمّشة على مستوى المجال الحضري، استوطنت ضواحي مركز
المدينة (الڤيلاج)، واستمرت في التوسع نحو الهوامش، مع تطور أحياء "لَمْدينة"، حتى تحولت، مع بداية الثمانينيات، إلى حزام واسع
من الدواوير يُطوّق مدينة القنيطرة. وقد ظلّت معيشة هذه البروليتاريا قائمة على بيع الجهد البدني، في ظل محدودية فرص الشغل في
الوظائف العمومية أو العسكرية. وترافق هذا الوضع مع هشاشة صحية وتعليمية، وانتشرت فيه مظاهر اجتماعية مقلقة، مثل التوترات، وتفشّي الدعارة، والمخدرات، والخمور، وظهور "جُناة" أرعبوا السكان، خاصة في المناطق المجاورة والمجالات الغابوية المحيطة. ومن جهة أخرى، وجدت الأحزاب السياسية والهيئات النقابية المغربية في البروليتاريا الفقيرة في القنيطرة قوة انتخابية خلال الانتخابات البلدية والبرلمانية. فبعد كتلة "السعادة" خلال فترة الحماية، استقرت في المدينة أغلبية الأحزاب الوطنية كحزب الاستقلال منذ عام 1944، وحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية UNFP في عام 1959، وحزب الحركة الشعبية في عام 1959، والحزب الشيوعي المغربي في عام 1943 وحزب الشورى والاستقلال في عام 1964، وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية USFP في عام 1975، وحزب التجمع الوطني للأحرار RNI في عام 1978، وحزب العدالة والتنمية في عام 1996، وقبل هذه الأحزاب جميعًا، الحزب الشيوعي
المغربي في عام 1943. وقد وظفت كل هذه القوى الحزبية "الخزان الانتخابي" الذي وفّرته بروليتاريا القنيطرة؛ ما جعل بعضها يُحدث
فروعًا في الأحياء، خاصة في "الساكْنية" و"الدوّار"، إضافة إلى المقر المركزي في المدينة. دفعت الأحزاب السياسية الهيئات النقابية الموالية لها إلى استقطاب الساكنة العمالية وتنظيمها في ضواحي المدينة، بدءًا من
نقابة الاتحاد المغربي للشغل UMT التي تأسست في آذار/ مارس 1955، وبعدها الاتحاد العام للشغالين بالمغرب UGTM في عام 1960، ثم الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب UNTM في عام 1973، فالكونفدرالية الديمقراطية للشغل CDT في عام 1978. وقد استقطبت كل هذه التنظيمات النقابية قوتها من مختلف الأحياء العامرة بالبروليتاريا في المواجهات والاحتجاجات والإضرابات التي عرفتها القنيطرة، وأفرزت بعض القياديين المحليين والوطنيين، وخصوصًا في العمل النقابي. شهدت المدينة مجموعة من الأحداث السياسية والاجتماعية التي وسمت تاريخ المغرب، نتيجة الاحتقان الذي كانت تعرفه هذه الأحياء وساكنتها، بدءًا من تنظيم مظاهرة 15 آب/ أغسطس 1953، ثم مظاهرة 8 آب/ أغسطس 1954، قبل الإقدام على تنفيذ عمليات
تخريب السكة الحديدية في 23 آب/ أغسطس 1954، وذلك في سياق مكافحة الاستعمار الفرنسي. كما عرفت القنيطرة إضرابًا عامًا
يوم 7 آب/ أغسطس 1957، بُعيد حصول المغرب على الاستقلال. وعاشت المدينة تظاهرات كبرى، تمثلت في تلك التي قام بها
46 Delisle , pp. 158, 193. 47 EL Aloui, pp. 165-197.
48 انتقل الحزب الشيوعي المغربي إلى حزب التحرر والاشتراكية بين عامَي 1969 و 1974، ثم إلى حزب التقدم والاشتراكية PPS في عام 1995.
49 عياش، ص 41 – 54. 50 عبد القادر بوراس، "نشأة الحركة الوطنية وتطورها بمدينة القنيطرة"، ندوة "منطقة الغرب: التاريخ والمجتمع"، كلية الآداب والعلوم الإنسانية (2002)، مجلة البحث
التاريخي، العدد 5 - 6 (2007 - 2008)، ص 223 - 241.
التلاميذ والأساتذة في آذار/ مارس 1965 الذي عُرف ب "قانون بلعباس" للانتقال من الإعدادي إلى الثانوي، كما شهدت مظاهرات
ومواجهات مع السلطة في إثر إحياء ذكرى اختطاف المه يد بن بركة، هذا إضافة إلى المشاركة في الإضراب العام الذي عرفته البلاد في عام 1975. تساعد هذه الدراسة التاريخية المجهرية على الوقوف على الأحداث التي عرفتها مدينة القنيطرة مع بداية الاستقلال إلى نهاية القرن العشرين. ولعل موضوع البروليتاريا في المدينة من المواضيع التي تفتح أبوابًا جديدة في دراسة تاريخها الاجتماعي. صحيح أن
المادة التاريخية شحيحة، لكن تجميع المعطيات المتوافرة، سواء المكتوبة أو الرواية الشفوية، يسمح بالقول إن مدينة القنيطرة هي نتاج لحركة دافعة من ساكنة استقرت في الهامش، واشتغلت في المعامل والمصانع، وشيّدت المباني، وانخرطت في الحركات النضالية
لتغير وضعيتها. وهذا في حد ذاته جانب جديد في البحث في التاريخ المونوغرافي القائم على دراسة الظواهر الاجتماعية. أخيرًا، من شأن تناول التطور العمراني لمدينة القنيطرة، من خلال أحيائها الشعبية، وخصوصًا دور الصفيح، أن يفتح مشاريع
بحثية حول جوانب كثيرة من التاريخ الاجتماعي والسياسي الذي لا يزال في حاجة إلى النبش ورفع اللثام. فقد شهدت القنيطرة أحداثًا
تاريخية نتيجةً للأوضاع التي كانت عليها ضاحيتها، وشهدت الأخيرة تحولات عمرانية بفعل ديناميتها التي مارست ضغطًا على مركز المدينة (الڤيلاج). ومن شأن الاهتمام بتاريخ ضواحي مدينة القنيطرة أن يساهم في تسليط الضوء على دور المدينة النقابي والسياسي على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين، حيث تعاقبت على تسييرها أحزاب المعارضة والأحزاب الإدارية، كما أن من شأن هذه الدراسة التاريخية أن تُفسر وصول الأحزاب الإسلامية إلى تسيير الشأن المحلي في المدينة.
المراجع
العربية
أبو ريشة، عبد اللطيف. تاريخ الأحياء الهامشية بمدينة الرباط من 1930 إلى 1980: حالة دوار الدوم ودوار الدباغ نموذجًا.
الرباط: منشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، 2020. أرسلان، شكيب. "حول تاريخ الحركة النقابية بالمغرب: الاتحاد العام للنقابات الموحدة بالمغرب". أبحاث: مجلة العلوم الاجتماعية. السنة الرابعة، العدد 13 (خريف 1986). بوراس، عبد القادر. "القنيطرة". معلمة المغرب. العدد 20 (2024). البوزي يد، سعيد. القنيطرة: رحلة تاريخية. الرباط: مطابع الرباط نت، 2022. جقلال، سعيد وديور عشْرلاف. "حي الساكنية بمدينة القنيطرة: دراسة جغرافية وأفاق التنمية"، بحث شهادة الماجستير في الجغرافيا، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة ابن طفيل، القنيطرة، 2016. صبرو، فهد. "التمدين والمركزية الحضرية". أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. القنيطرة، 2014 - 2015. ________. "القنيطرة في عهد الحماية الفرنسية والتواجد العسكري الأمريكي: النشأة والوظائف والمكانة الجيوستراتيجية". مجلة الذاكرة الوطنية أبحاث ودراسات. العدد 31 (2021). صبرو، فهد وطارق الصبحي. المركز والمركزية: مدينة القنيطرة. القنيطرة: [د. ن].، 2008. عياش، ألبير. "المناضلون النقابيون المغاربة في الاتحاد العام للنقابات الموحدة بالمغرب". ترجمة حسان المعروفي. أبحاث: مجلة العلوم الاجتماعية. السنة الرابعة، العدد 13 (1986). القنيطرة في أفق سنة 2000، أعمال الأيام الدراسية 20 - 21 / 11 / 1993. القنيطرة: مؤسسة البوكيلي، 1995. الكليتي، أحمد. "دراسة جغرافية لمدينة القنيطرة: نموذج حي عرصة القاضي". رسالة ماجستير. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. جامعة ابن طفيل. القنيطرة. 2011. لوجيعن، علي. "التحولات المجالية والسوسيو-اقتصادية لحي الملاح، المدينة القديمة للقنيطرة". رسالة ماجستير. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. جامعة ابن طفيل. القنيطرة. 2017 - 2018. المندوبية الجهوية لجهة الرباط سلا القنيطرة. مونوغرافية إقليم القُنيطِرة. الرباط: المندوبية السامية للتخطيط، 2016. ندوة "منطقة الغرب: التاريخ والمجتمع". كلية الآداب والعلوم الإنسانية (2002). مجلة البحث التاريخي. العدد 5 - 6 (2007 - 2008).
الأجنبية
Aissaoui, A. "Kénitra, commerce et structure urbaine." Thèse de doctorat dactylographiée. École des Hautes Études en Sciences Sociales. Paris, 1991.
Belaadi, B. & Debla, A. "Typologie des bidonvilles, analyse critique." Revue des Sciences Humaines (Février 2004). Belarabi, M. Kénitra du Rharb: Étude de géographie urbaine. Casablanca: Najah El Jadida, 2006. D'Étienne, Jean, Louis Villème & Stéphane Delisle. L'évolution sociale du Maroc. Cahiers de l'Afrique et de l'Asie I. Paris: J. Peyronnet, 1951. Delise, St. "Les conditions et la prolétarisation de l'habitat en médina." Cahiers de l'Afrique et de l'Asie. vol. 9, no. 1 (1954). El Aloui, Ab. "Les quartiers sous-intégrés de Kénitra." Thèse de 3ᵉ cycle. Université de Tours, 1985. Karibi, Khadija & Messous, Ouafa. "Les documents d'urbanisme à l'épreuve de la gestion des risques d'inondations: Etude de cas du Grand Kénitra au Maroc." African and Mediterranean Journal of Architecture and Urbanism. vol. 1, no. 2 (2019). Laplanche, L.-H. "Kénitra (ex-Port-Lyautey): Historique de la ville européenne sous le protectorat français, 1911-1956." Mémoire de maîtrise en histoire. Faculté des lettres et civilisations. Université Jean-Moulin Lyon III, 1986. Le Coz, J. Le Gharb: Fellahs et colons. Étude de géographie régionale. Rabat: Centre universitaire de la recherche scientifique, 1964. Montagne, R. Naissance du prolétariat marocain: Enquête collective exécutée de 1948 à 1950. Rabat: Centre Jacques-Berque, 2016. Nespola, H. "Kénitra: Historique et analyse du développement de l'agglomération et du port, et ses incidences sur l'évolution de l'économie du Gharb." Bulletin économique et social du Maroc. vol. 85, no. 34 (1960). Souafi, M. "Kénitra: L'utilisation de l'espace et son aménagement." Diplôme universitaire en géographie urbaine, Université Paris I, Paris, 1976.