العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الميكروستوريا

الميكروستوريا

Microstoria

جاك روفيل

الملخّص

ترتبط الميكروستوريا (التاريخ المجهري) بالإستوغرافيا التي طوَّرتها المدرسة التاريخية الإيطالية خلال سبعينيات القرن العشرين. في الأصل، كان رواد هذا التيار، وفي مقدمتهم كارلو بونيه، وإدواردو غرينديه، وجيوفاني ليفيه، وكارلو غانزبورغ، قد عُرفوا في دراساتهم بالاشتغال بالتاريخ الاقتصادي والاجتماعي، وبالانفتاح على التوجهات الفكرية الكبرى في الجامعات الأوروبية والأمريكية. حمل هذا التيار تجديدا كبيرا، بتغيير الاهتمام من مستوى البُنى الاجتماعية، كونها وقائع قائمة بذاتها، إلى مستوى مجهري في شخص الأفراد بصفتهم فاعلين اجتماعيين، ومؤثرين في الأنساق الذهنية والاجتماعية والاقتصادية التي ينتمون إليها، انطلاقا من مساراتهم الشخصية وخياراتهم، التي تمكن في نهاية المطاف من إعادة بناء هذه الأنساق. ولذلك، لقي استحسانا ملحوظا في فرنسا وألمانيا العالمين الإسباني والأمريكي اللاتيني، وصار من المرجعيات الأساسية في الكتابة التاريخية.

Abstract

Microhistory is linked to the historiography developed by the Italian historical school in the 1970s. Initially, the pioneers of this movement, including Carlo Poni, Edoardo Grendi, Giovanni Levi, and Carlo Ginzburg, were recognized for their work in economic and social history and their openness to the major intellectual currents of European and American universities. This movement generated a significant renewal, shifting the focus from social structures viewed as autonomous entities to a microscopic approach examining individuals as actors and influencers within the mental, social, and economic systems to which they belong. This change in perspective, based on the life trajectories of these individuals and their personal choices, enabled the reconstruction of these systems. As a result, microhistory resonated widely in France, Germany, and the English- and Spanish- speaking worlds, becoming a fundamental reference point in historical writing.

الكلمات المفتاحية:
  • إبستيمولوجيا
  • هيستوغرافيا
  • أنثروبولوجيا تاريخية
  • تاريخ اجتماعي
  • الفاعل/الفرد
Keywords:
  • Epistemology
  • Histography
  • Historical Anthropology
  • Social History
  • Actor/Individual
DOI: https://doi.org/10.31430/QWYL6331 الرقم التعريفي:
الميكروستوريا
Microstoria ***

دخل مصطلح "الميكروستوريا" (التاريخ المجهري) معجمَ الكتابات التاريخية منذ ثلاثين عامًا. وقد ارتبط في البداية، من حيث التعريف، بالمشروع الذي طَّوَرته جماعة من المؤرخين الإيطاليين خلال سبعينيات القرن العشرين الذين تنوعت اهتماماتهم؛ إذ انحدر العديد منهم مما كان يُعرف آنذاك بالتاريخ الاقتصادي والاجتماعي: كارلو بونيه (1927 - 2018)، وإدواردو غرينديه (1932 - 1999)، وجيوفاني ليفيه (1939 -)، وكارلو غانزبورغ (1939 -). وكان غانزبورغ، خصوصًا، قد اكتسب شهرةً واسعةً في وقتٍ مبكرٍ جًّدًا بفضل أعماله التي اهتمت بالهرطقات والعلاقات بين الثقافة العالمة والثقافة العاميّة خلال المراحل الأولى من الحداثة. وإضافةً إلى الروابط الشخصية التي جمعت بينهم، يتقاسم هؤلاء المؤرخون عددًا من التوجهات الفكرية، منها الانفتاح الواسع على الكتابات التاريخية الأجنبية، وهو أمرٌ لم يكن شائعًا في تلك الأعوام، والاهتمام الدائم بالعلوم الاجتماعية، وهو ما شَّكَل استثناءً في بلدٍ ظلّ فترةً طويلة شديدَ التحُّفّظ تجاهها، ووفًّيًا في المقابل لتعاليم بينيديتو كروتشه. ورافقت هذا المشروع الجماعي وحملت رايته مجلةُ دفاتر تاريخية Storici Quaderni، وسلسلة أعمال "ميكروستوريا" Microstoria التي صدرت ابتداءً من عام 1980. وتطورت هذه المجموعة الأولى الصغيرة، فسمحت لجيلٍ ثانٍ من "المؤرخين الميكروستوريين" بالتعريف بأعمالهم وفتح آفاق للنقاش فيما بينهم ومع العالم الخارجي. وهكذا، تشكلت جماعة من المؤرخين قليلة العدد، بكل تأكيد، لكنها متألقة ومنتجة. كان الاستقبال الذي حظي به هذا التيار في الكتابة التاريخية داخل إيطاليا متفاوتًا، بل عدائيّا في كثير من الأحيان. لكن العرض الميكروستوري لم يبقَ حبيس النقاش الإيطالي، بل لاقى استحسانًا سريعًا في فرنسا وألمانيا والعالم الأنكلوسكسوني والعالمين الإسباني والأميركي اللاتيني. ولم يتخذ هذا الاستقبال الأوسع شكلًا موحدًا، بل أتاح - على العكس من ذلك تمامًا - لكل تقليد هيستوريوغرافي فرصة طرح أسئلة جوهرية بصيغ جديدة، في وقتٍ كانت فيه العديد من اليقينيات الراسخة قد صارت موضع تساؤل. وفي هذا الصدد، ربما يكون من الصواب القول إن التاريخ المجهري كان بمنزلة علامة وأداة نقدية في آن واحد. وهذا ينطبق، على وجه الخصوص، على التجربة الفرنسية. لطالما ذَّكَر الباحثون بغياب ميثاق تأسيسي للميكروستوريا. فالنصوص المنهجية، إن وُجدت، لا تقترح البتّة مكونات المذهب، بل تُرافق مقاربات البحث. وفي الواقع، يجب فهم الأفق الميكروستوري، أولًا وقبل كل شيء آخر، على أنه استقصاء نق يد وعملي لشروط البحث وطموحاته. في عام 1977، حينما تساءل غرينديه عمّا يحق للباحث توقعه من التاريخ الاجتماعي، شَّدَد على حدود المفهوم السائد آنذاك؛ لأنّ هذا المفهوم يفضل دراسة "الترُّسُبات والبُنى الاجتماعية بافتراض أنها وقائع قائمة بذاتها"، وقابله بمقاربة تستند إلى الكشف عن العلاقات لتحديد الكيانات الاجتماعية المستوعَبة في ديناميتها، وتصنيفها. وأكّد الصفة التبسيطية بالضرورة للبيانات التي تنتجها مقاربات التاريخ الاجتماعي الكلاسيكي، التي تركز على التحليل الكمي لعدد محدود من الخصائص العامة (الثروة، ومستويات الدخل، والمهنة) التي تميز التجمعات البشرية على أوسع نطاق ممكن. فهذه المقاربات، بحسب قوله، تفتقر إلى كل ما يتعلق بالظروف الملموسة "المعيشة" للتجربة الاجتماعية، وخاصةً ما يُشكّل بُعدها العلائقي. وبعد عامين، أكد غانزبورغ وبونيه هذا التشخيص: "إن تعقيد العلاقات الاجتماعية التي أعادت الأنثروبولوجيا بناءها في عملها الميداني يتناقض مع الطبيعة الأحادية الجانب للبيانات الأرشيفية التي يعتمد عليها المؤرخ؛ ولذلك نخاطر بفقدان العلاقات المعقدة التي تربط الفرد بمجتمع معيّن". من الواضح أن الإشارة إلى عملِالأنثروبولوجِّيِ لم تكن عرضية؛ فهي لم تكن أمرًا استثنائيّا في تلك السنوات التي فرضت فيها برامج الأنثروبولوجيا التاريخية نفسها في المجال البحثي. لكن النماذج التي أشار إليها المؤرخون الميكروستوريون لم تكن هي تلك التي جذبت انتباه المؤرخين الفرنسيين في ذلك الوقت. فقد اهتموا بتحليل أشكال التجمع البشري ودينامياته أكثر ممّا اهتمّوا بالأنساق (القرابة والتحالف والتمُّثلُات)، التي وجدوا لها أمثلة مقنعة في بعض أعمال الأنثروبولوجيا الأنكلوسكسونية أو أعمال النرويجي فريدريك بارث.

لم يكن من الممكن تصُّوُر مثل هذا البرنامج إلا بتغيير سَُّلَم رصد العالَم الاجتماعي. وقد ذهب غانزبورغ وبونيه إلى حدّ اقتراح جَعْل الفرد موضوع البحث الأبرز في التاريخ الاجتماعي، وجعْل الاسم- الاسم الشخصي؛ أي المؤشر الأكثر فردية - الخيط المشترك الذي يسمح بإعادة بناء نسيج العلاقات والمسارات في أقصى درجات تعقيدها. كان غانزبورغ يعمل، في الوقت نفسه، على مَنْح مفهوم هذا المؤشر مكانةً إبستيمولوجية وجيهة في مجموع العلوم الإنسانية ("علامات وآثار ومسالك"، 1979). لم يكن القصد من الملاحظة المكثفة لعنصر محدود من العالَم الاجتماعي توسيع نطاق موضوع الدراسة فحسب، بل إنها طرحت من حيث المبدأ ما مفاده أن ما يلُاحظ على المستوى المجهري يتضمن خصوصية؛ إذ يكشف كل سَّلَم من سلالم الملاحظة عن صنف محدد من الأشياء، فضلًا عن تنظيم معيّن للمجتمع. ففي حين اعتُبرت الدراسات المونوغرافية الكلاسيكية، بصفة عامة، بمنزلة عيّنات موجّهة إلى المساهمة في معرفة كليات أكبر، كانت فرضية العمل المعروضة متقطعة على نحو واضح. وهكذا، في اختيار موضوعاته، وفي استراتيجيات البحث التي طبقتها، اقترحت الميكروستوريا بديلًا واضحًا من النماذج السائدة في التاريخ الاجتماعي. وفي الوقت نفسه، دعت إلى التفكير في افتراضات مسبقة لمقاربات هذه النماذج، وهي الافتراضات غالبًا ما تكون ضمنيّة أو حتى منسيّة. وبعيدًا عن النشاط الملحوظ لجماعة المؤرخين، التي حملت هذا المشروع في الأصل، تحولت الميكروستوريا إلى رهان حسّاس في النقاشات الهيستوريوغرافية خلال العقدين المواليين، وعلى وجه الخصوص في فرنسا. تتنوع المجالات والموضوعات التي اختُبر فيها البرنامج الميكروستوري إلى حد بعيد؛ بدءًا من تحليل الاستراتيجيات الاجتماعية، ومرورًا بتحليل أشكال العمل السياسي، ووصولًا إلى تحليل المعتقدات أو الأعمال. إلا أن هذه الأعمال تشترك في عدد من السمات، منها: الاهتمامُ الخاص بشروط إنتاج مصادر المؤرخ، مع ضرورة وضع الشهادات في سياقها الصحيح، وتقنياتُ الاستغلال المكثف للمصَّنَفات الوثائقية، والحرصُ على مراعاة الفئات التي من خلالها كانت المجتمعات المدروسة تفهم نفسها، ومنحُ الأفضلية للفاعلين الاجتماعيين - التاريخيين ومنطق صنيعهم مقارنةً بالأنساق (الذهنية والاجتماعية والاقتصادية) التي ينتمون إليها؛ أو بتعبير أدق، تحديد هذه الأنساق انطلاقًا من مساراتها الفردية ومن خياراتها، التي يمكن إعادة بنائها. وتقترح هذه الأعمال أيضًا إعادة النظر في الرؤية التبسيطية لتراتبية الرهانات التاريخية، بناءً على مستويات فهمها. فعلى المستوى المجهري، لا نتعامل مع مجرد "سرد صغير" يذ طبيعة حكائية، في وقت لا تُفهم فيه العمليات الكبرى إلا على المستوى الكلّي. وهكذا، يجري تبسيط البديل بطريقة مبالغ فيها؛ إذ يُمكن مضاعفة سلالم الملاحظة على نحو تجريبي، بل يُستحسن ذلك. والأهم أن أعمال المؤرخين الميكروستوريين أظهرت أنّ تحليل الظواهر الضخمة، مثل تثبيت الدولة الحديثة، وأشكال التجمعات الحِرفية، والحركية الجغرافية، أو تكُّوُن المجتمع الصناعي، وغير ذلك، يمكن إثراؤه كلّه بطرائق جوهرية وجعله أكثر تعقيدًا، من خلال أخذ ما يحدث على مستوى السلوكيات الفردية في الحسبان. وقد لخّص ليفيه هذا الأمر بدقة حين قال إنه يسعى جاهدًا لفهم "مشاركة كل فرد في التاريخ العام، وفي تشكيل البُنى الحاملة للواقع الاجتماعي وتعديلها". ماذا بقيَ من هذا البرنامج بعد جيل من التجارب؟ لقد ناقش المؤرخون الميكروستوريون فيما بينهم هذا السؤال؛ إذ طُرحت التفضيلات، بل حتى الخيارات الإبستيمولوجية والمنهجية، التي تأكدت، والخيارات التي انتُقدت أحيانًا (كانت حاضرة، بلا شك، قبل ذلك منذ وقت كثير). وفي منتصف التسعينيات، كان غرينديه قد اعتقد أنه يستطيع أن يقابل بين الخيار الثقافي (مثّلته أعمال غانزبورغ) والميكروستوريا الاجتماعية التي بدت له أكثر وفاءً للمشروع الأصلي كما تصوّره. وقد زادت الكتاباتُ التي ألّفها سيمونا سيروتيه، وأنجيلو توريه، وريناتا آغو، وغيرهم، هذا الأمر تعقيدًا، لكنْ علينا أن نقرّ بأنها عَّمَقت التفكير أيضًا على نحو مفيد، وساهمت أحيانًا في إعادة صياغة السؤال الذي تبلور على مدى ثلاثة عقود.

لقد تضاعفت التجارب البحثية وتنوعت؛ ما أدى، من دون شك، إلى تشتت هذا البرنامج (ومن ثمّ تراجع منظوريته). وفي الوقت نفسه، دخلت الأسئلة التي طرحها المؤرخون الميكروستوريون، إلى حد بعيد، في النقاش الهيستوريوغرافي العام. ففي سياق الاضطرابات الإبستيمولوجية القوية التي يشهدها تخصص التاريخ (والعلوم الاجتماعية الأخرى)، من المؤكد أن البعد العملي والتجريبي الفعال بالنسبة إلى المشروع هو الذي ينبغي تقييم مدى ملاءمته وأهميته في الوقت الراهن.

ӵ إبستيمولوجيا  Epistémologie. هيستوريوغرافيا  Historiographie. ӵ. Anthropologie historique أنثروبولوجيا تاريخية تاريخ اجتماعي  sociale Histoire. ӵ. Echelle d ' observation سُلَم الملاحظة ӵ فاعل/ فرد   individu / Acteur. ӵ مؤرخون ميكروستوريون/ مؤرخون يشتغلون بالتاريخ المجهري  Microhistoriens. ӵ ميكروستوريا/ تاريخ مجهري  Microhistoire.

المراجع

Gargani, Aldo Giorgio (ed.). Torino: Einaudi, 1979. trad. fr. "Signes, traces pistes. Racines d'un paradigme de

l'indice." Le Débat. no. 6 (1980).

Grendi, Edoardo. In altri termini. Etnografia e storia di una società di antico regime. A. Torre & O. Raggio (eds.)

Milan: Feltrinelli, 2004.

Levi, Giovanni. L'eredità immateriale. La carriera di un esorcista nel Piemonte del Seicento. Torino: Einaudi,

1985. trad. fr. Le pouvoir au village, Paris, Gallimard, 1989.

Revel, Jaques (dir.). Jeux d'échelles: La micro-analyse à l'expérience. Hautes Études. Paris: Gallimard; Le Seuil, 1996.