العودة إلى تفاصيل المؤلَّف تونس من المخزن إلى الدولة الوطنية في ضوء مسيرة محمد الصالح مزالي

تونس من المخزن إلى الدولة الوطنية في ضوء مسيرة محمد الصالح مزالي

Tunisia: From the Makhzen to the Modern State – Revisiting Mohamed-Salah Mzali's Intellectual Journey

خالد جدي

الملخّص

المنسق : إلياس جويني. عنوان الكتاب : تونس من المخزن إلى الدولة الوطنية في ضوء مسيرة محمد الصالح مزالي . العنوان الأصلي : La Tunisie du makhzen à l'État national: À la lumière de l'itinéraire de Mohamed-Salah Mzali . الناشر : تونس: معهد البحوث المغاربية المعاصرة. سنة النشر : 2025. عدد الصفحات : 348.

Abstract

Editor: Ilyes Jouini Book Title: Tunisia from the Makhzen to the Nation-State in Light of the Trajectory of Mohamed Salah Mzali Original Title: La Tunisie du makhzen à l'État national: À la lumière de l'itinéraire de Mohamed-Salah Mzali Publisher: Tunis: Institut de Recherche sur le Maghreb Contemporain (IRMC) Year of Publication: 2025 Number of Pages: 348 pages.

الكلمات المفتاحية:
  • الاستعمار
  • النخب التونسية
  • البروسبوغرافية
  • المخزن
  • الدولة الوطنية
Keywords:
  • Colonialism
  • Tunisian elites
  • Prosopography
  • The Makhzen
  • The Modern State
DOI: https://doi.org/10.31430/ILPL2334 الرقم التعريفي:
خالد جدي | Jeddi *Khalid
تونس من المخزن إلى الدولة الوطنية في ضوء مسيرة
محمد الصالح مزالي
Tunisia: From the Makhzen to the Modern State –
Revisiting Mohamed-Salah Mzali's Intellectual Journey
المنسق: إلياس جويني.
عنوان الكتاب: تونس من المخزن إلى الدولة الوطنية في ضوء مسيرة محمد الصالح مزالي.. La Tunisie du makhzen à l ’ État national: À la lumière de l ' itinéraire de Mohamed - Salah Mzali العنوان الأصلي:
الناشر: تونس: معهد البحوث المغاربية المعاصرة.
سنة النشر: 2025.
عدد الصفحات: 348.

مقدمة

وجدت "نظرية النخب"، بعد الضجّة التي أحدثها علماء الاجتماع خاصة، في مطلع القرن العشرين في أوروبا، امتدادًا طبيعيًا في حقل التاريخ، الذي نظر إليها باعتبارها سلسلة من أفعال تقوم بها أقلية من الرجال. وقد أثّرت هذه النظرية في بعض فروع السيرة الذاتية التاريخية التي أصبحت لاحقًا محلّ جدل. ومع بروز مدرسة الحوليات منذ ثلاثينيات القرن العشرين، انفتحت آفاق جديدة للبحث التاريخي، شملت مجالات الاقتصاد والمجتمعات والحياة المادية. وبعد الحرب العالمية الثانية، ظهرت دراسات "تاريخ العقليات"؛ ما أبعد جيلًا كاملًا من المؤرخين عن الاهتمام المباشر بالتاريخ السياسي للنخب. ومع ذلك، لم يختفِ هذا المجال، بل اكتسب حيوية جديدة مع صعود البروسبوغرافيا. وعلى الرغم من أن الأخيرة تقع في ملتقى التاريخ الاجتماعي والسياسي، فإنها تركّز على فئات قريبة مما توصف اجتماعيًا ب "النخب" Elites. وقد ظهرت هذه الأبحاث المنهجية منذ القرن التاسع عشر في الدراسات الكلاسيكية، لكنها ازدهرت في السبعينيات بفضل تأثير مدرسة الحوليات. وفي السياق ذاته، ساهم المؤرخون في توسيع دائرة البحث لتشمل فئات أقلّ حظوة كالفلاحين والمهمّشين والنساء، على الرغم من ندرة المصادر المتوافرة عنهم. وأدخلت البروسبوغرافيا أيضًا بُعدًا سوسيولوجيًا إلى دراسة النخب، من خلال تحليل البيانات لربط الفرد بالمجموعة، وتحديد الخصائص الجماعية. ومع ذلك، ظلّت دراسة النخب تواجه شكوكًا لدى عدد من المؤرخين، لا سيما بسبب صعوبة تحديد "النخب" موضوعًا تاريخيًا. تعالت، بعد الاستقلال، دعوات بين مؤرخي دول المغرب العربي إلى ضرورة كتابة علمية لتاريخ النخب المغاربية؛ إذ يُنظر إلى تاريخ النخب بوصفه قادرًا، بحكم طبيعته، على تفكيك السرديات الجاهزة، عبر توثيق أدوار سياسية طُمست عن قصد أو عن غير قصد. وفي هذا السياق، صدر في عام 2025 عن معهد البحوث المغاربية المعاصرة في تونس، كتاب، هو في الأصل أعمال ندوة دولية، من تنسيق إلياس جويني، بعنوان: تونس من المخزن إلى الدولة الوطنية في ضوء مسيرة محمد الصالح مزالي. ينطلق الكتاب من إشكالية محورية مفادها ضرورة تتبّع المسار الشخصي لمزالي بوصفه مثقفًا من أصول مخزنية، انخرط في العمل السياسي في خدمة الحاكم والسيادة الوطنية. وعلى الرغم مما قد تثيره هذه المسيرة من جدل، فإنها تشكّل جزءًا من تاريخ النصف الأول من القرن العشرين. ومن خلال هذه البيوغرافيا التاريخية، يمكن رصد الرؤى التاريخية حول تونس خلال تلك الحقبة، عبر متابعة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي شهدتها البلاد، منذ عهد الحماية الفرنسية حتى مشارف الاستقلال. وقد جاءت مساهمات الكتاب منسجمة في أربعة أقسام متكاملة على النحو التالي.

أولًا: من النخبة الجهوية إلى الدخول في المخزن: استراتيجيات عائلية وزوجية

تناول محمد الوال يد استراتيجيات أحفاد المماليك في تونس خلال فترة الحماية الفرنسية (1881 – 1956)، وكيفية تعاملهم مع التحولات السياسية والاجتماعية في البلاد. وقد ركّز على أربع استراتيجيات: الأولى، التكيّف مع الإدارة الاستعمارية، حيث سعى

أحفاد المماليك للحصول على مناصب إدارية تحت الحماية الفرنسية، مستخدمين خطابًا يُبرز خدمة أسلافهم للدولة وولاءهم لفرنسا. غير أن طلباتهم واجهت تحديات، من أبرزها نقص الكفاءة اللغوية (الفرنسية) وارتباطاتهم السابقة بالنظام العثماني؛ ما جعل الإدارة الفرنسية تشكّ في ولائهم. وقد نجح قلةٌ، مثل منوبي بن فرحات، في الحصول على مناصب مثل "قايد"، في حين فشل معظمهم بسبب السمعة السيئة أو انعدام المهارات المطلوبة (ص. 20). الثانية، الانخراط في الحركات الإصلاحية والوطنية، مثل "الشباب التونسي" و"الحزب الدستوري"، حيث اعتمدوا خطابًا إصلاحيًا مستمًّدًا من تراث أسلافهم (مثل خير الدين التونسي)؛ ما ساعدهم في تشكيل هوية وطنية معارضة للاستعمار. الثالثة، الحفاظ على الإرث العائلي. الرابعة، الهجرة خارج تونس إلى إسطنبول أو مناطق أخرى في الإمبراطورية العثمانية، كما في حالة أبناء خير الدين التونسي الذين توَّزَعوا بين تونس وتركيا (ص. 29). وخلص الباحث إلى أن أحفاد المماليك أبدوا تفاعلًا متباينًا مع الاستعمار؛ إذ تجسّدت استراتيجياتهم في مزيج من التعاون والمقاومة، مع محاولات للتكيّف مع النظام الجديد من دون التخلي الكامل عن الهوية العثمانية. وسعوا إلى إخفاء أصولهم العبودية، وركّزوا بادلًا من ذلك على "النبل" وخدمة الدولة لتبرير مكانتهم. وقد ساهموا في تشكيل الإدارة الاستعمارية من خلال نقل ثقافة بيروقراطية عثمانية، في حين أثّر انخراطهم في الحركة الوطنية لاحقًا في مسار الحركة التحرّرية. وعرضت فاطمة شلفوح مسألة الاستراتيجيات العائلية والتحالفات الزوجية (ص 33 – 52)، وأشارت إلى أنّ الإدارة خلال الفترة الاستعمارية في تونس شهدت عملية "عقلنة" هدفت إلى تبنّي معايير مهنية، مثل المؤهلات الدراسية والامتحانات المهنية للمسابقات لاختيار الموظفين. ومع ذلك، ظلّت الشبكات العائلية والتحالفات الزواجية تؤدي دورًا محوريًا في التعيينات والترقيات، ما قلّل من فاعلية الإصلاحات. وقد اعتمدت السلطات الاستعمارية سياسة تعزيز ولاء النخب المحلية عبر التركيز على "العائلات الكبرى"، حيث فُضّل أفراد هذه العائلات في المناصب الإدارية، على الرغم من الإصلاحات القانونية اللاحقة مثل نظام الخدمة المدنية لعام 1926 (ص 41 – 42). ومن أبرز النقاط التي ناقشتها الباحثة: التناقض بين المعايير المهنية والممارسات الفعلية: على الرغم من أن الاستعمار أدخل معايير مهنية، فإن التعيينات ظلّت خاضعة للعلاقات العائلية والوساطات، لا سيما عبر الزواج والقرابة. دور الشبكات العائلية: سيطرت عائلات، مثل بوصند وباكوش، على مناصب إدارية على مدى أجيال، بدعم من تحالفات زواجية مع عائلات نافذة، واستخدمت نفوذها الاجتماعي للضغط على السلطات الاستعمارية. التمييز بين الموظفين: عاملت السلطات الموظفين من العائلات الكبرى بتساهل في حالات الفساد أو المخالفات، في حين عوقِب الموظفون من الطبقة الوسطى بقسوة. التحالفات الزواجية بوصفها استراتيجية للترقي: شكّل الزواج أداةً لتعزيز النفوذ داخل الإدارة، كما في حالة فخر الدين بن مراد الذي تزوّج ابنة شاذلي العقبي لضمان تعيينه. التأثير الاستعماري: اعتمدت فرنسا على العائلات التقليدية (المعروفة بالبلديين) لإدارة البلاد، ما أدى إلى تكريس نظام "البطريركية" (وفقًا لمفهوم ماكس فيبر)، حيث احتكرت النخب المحلية الإدارة عبر شبكات مغلقة. وخلصت الباحثة إلى أن الإدارة الاستعمارية في تونس حافظت على بنية "أبوية" تعكس هيمنة العائلات الكبرى من خلال التحالفات الزواجية والوساطات، على الرغم من محاولات فرنسا تطبيق نموذج إداري عقلاني؛ ما أضعف الفصل بين المعايير المهنية والمصالح الشخصية، وأسهم في إنتاج نخبة إدارية مغلقة تستمد شرعيتها من الروابط العائلية أكثر من الكفاءة.

أما مساهمة منسّق هذا الكتاب، إلياس جويني، فتتبّعت العائلات المخزنية الكبرى في المنستير، واهتمت بتحليل تكوّن نظام "المخزن" وتجدده في تونس، مع التركيز على عائلة مزالي مث لًا بارزًا. وأظهر الباحث اعتماد العائلة على آليات متعدّدة لتعزيز نفوذها، منها: الارتقاء العسكري والإداري، والتحالفات الزوجية، والتعليم والجدارة، والتكيّف مع الحداثة. أما الاستنتاج الذي خلص إليه فيُبرز نجاح عائلات المخزن في الحفاظ على موقعها عبر القرون من خلال مرونة تجمع بين التوريث الاستراتيجي والانفتاح على آليات الحداثة، ما يوضح ديناميكية النخب التونسية في مواجهة التحّولّات السياسية والاجتماعية (ص 71 – 72).

ثانيًا: من المخزن إلى الاستقلال

تعقّب هذا القسم المرحلة الانتقالية في تاريخ تونس من الاستعمار إلى الاستقلال، من خلال مقاربات متعددة. استهلّه أحمد ونيس، بورقته "الحلقة المعقّدة"، حيث استعرض تحّولّات سياسية حاسمة شهدتها تونس في عام 1954، تُوّجت بنهاية الحماية الفرنسية وبداية انهيار النظام الاستعماري. وشهدت تلك الفترة اضطرابات حكومية متتالية؛ فقد تعاقبت أكثر من ثلاث حكومات، ما يعكس أزمة النظام الاستعماري وفشل سياسة "الحكم الذاتي" التي طرحتها فرنسا. وجاءت حكومة مزالي في آذار/ مارس 1954 باعتبارها محاولة لإنقاذ الوضع، لكنها سقطت بعد مئة يوم فقط؛ ما أكّد فشل الإصلاحات الجزئية وعجزها عن تلبية طموحات الحركة الوطنية المتصاعدة. وقدّم الباحث أبرز محطات السياق السياسي، منها: فشل الحكومات المتعاقبة التي ارتبطت بقمع الحركة الوطنية وتصاعد العنف، وتدويل القضية التونسية من خلال تقديم شكوى إلى الأمم المتحدة، ثم تصاعد الكفاح المسلح ومفاوضات الاستقلال التي تُوّجت بإعلان الاستقلال في عام 1956. وركّز على دور مزالي، بوصفه مثقفًا من نخبة الزيتونيين، جمع بين الثقافتين العربية والفرنسية، واشتهر بولائه للنظام التقلي يد (المخزن) والسلطة الفرنسية. وقد قدّم خطة إصلاحية بالتعاون مع المقيم العام الفرنسي، لكنها قوبلت برفض الحزب الحر الدستوري الجديد (يُعرف باسم النقابيين) والقوى الوطنية، نظرًا إلى تركيزها على "السيادة المشتركة" مع فرنسا. وفشل مزالي في كسب ثقة الوطنيين، واعتُبرت إصلاحاته غير كافية ومتأخرة، خاصة مع تصاعد المطالبة بالاستقلال التام. ومن ثمّ، د ينَ مع أعضاء حكومته بتهمة "الخيانة الوطنية"، وسُجِن. خلص الباحث إلى أن عام 1954 اعتُبر نقطة تحوّل في تاريخ تونس؛ إذ إن مقاومة الشعب وانهيار الشرعية الاستعمارية أظهرا أن الاستقلال بات الحل الوحيد. وعلى الرغم من فشل تجربة مزالي، فإنها ساهمت في تسريع الانهيار النهائي للنظام الاستعماري، ما فتح الطريق أمام الحبيب بورقيبة والنقابيين لبناء الدولة الوطنية. وتناول نور الدين الدقّي تطوّر الحركة الوطنية التونسية في فترة ما بين الحربين العالميتَين، مُبِرزًا تفاعل الأحزاب السياسية مع المؤسسات المدنية في تشكيل الهوية الوطنية ومقاومة الاستعمار الفرنسي. وركّز على عدة نقاط رئيسة، منها: السياق التاريخي والهوية الوطنية، ودور المجتمع المدني، والتفاعل بين الأحزاب والنقابات، والأدوار الفكرية والفنية، والأحداث المحورية (ص 98 – 99). ساد تلك الفترة صراع تونسي مركّب لبناء هوية وطنية حديثة، تتجاوز الانقسامات الدينية والقبلية، وتستفيد من التفاعل الديناميكي بين النخب السياسية والمؤسسات المدنية، على الرغم من التوترات الناتجة من التنافس بين استقلالية الحركات الاجتماعية ورغبة الأحزاب في السيطرة عليها بوصفها أدوات للنضال السياسي. ثم تتبّعت سامية المشاط مسيرة عبد العزيز الثعالبي، مقترحةً تقسيمها إلى حقبتين تاريخيتين: الحقبة الأولى، من الإصلاح الثقافي إلى السياسي (1897 – 1919)، حيث قدّمت الباحثة سلسلة من المحطات المهمة في مسار الثعالبي، من بينها نشأته وتكوينه الفكري؛ فقد وُلد في تونس في عام 1873، وتلقّى تعليمه في جامع الزيتونة، حيث تأثّر بأفكار جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده الداعية إلى تجديد الفكر الإسلامي. ثمّ انتقل من نقد الأوضاع الدينية إلى معارضة الاستعمار الفرنسي، فأسس مع علي باش حامبة

"الحزب الحر الدستوري التونسي" في عام 1920 وطالب بإصلاحات سياسية. الحقبة الثانية، النضال السياسي والإخفاقات (1919 – 1944)؛ حيث نُفي بعد أن نشر كتاب تونس الشهيدة (1919) الذي فضح فيه جرائم الاستعمار، ما أدى إلى سجنه ثم نفيه إلى الخارج (1923 – 1937). وشهدت هذه المرحلة أيضًا صراعه مع الحزب الدستوري الجديد، فقد حاول توحيد الحركة الوطنية، لكن خلافاته مع بورقيبة أفشلت مساعيه. وانزوى لاحقًا، وتوفي في عام 1944 منبوذًا بعد أن تجاوزته الأحداث. خلصت الباحثة إلى أن الثعالبي كان رائد الفكر الإصلاحي والحركة الوطنية، لكن افتقاره إلى التنظيم السياسي الفعّال وصراعه مع جيل جديد (بورقيبة) حَّدَا من تأثيره. ورسمت صورته باعتباره شخصية مثقفة وجريئة، عانت القمع الاستعماري والانقسامات الداخلية، فغدت مسيرته نموذجًا للزعيم المغدور بفعل التحّولّات التاريخية. وتناول حبيب القزدغلي فترة الخمسينيات في تونس، مرِّكِزًا على حكومة مزالي وموقف الحزب الشيوعي التونسي منها، في سياق النضال من أجل الاستقلال عن فرنسا، خاصة مع تصاعد المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي بعد عام 1951. وقد بدأت تلك المرحلة بمشاورات لتشكيل حكومة تونسية بقيادة مزالي بين عامَي 1953 و 1954. تمثّل موقف الحزب الشيوعي التونسي آنذاك في رفض الإصلاحات، وتوجيه النقد العلني، والمشاركة في الاحتجاجات (ص 125 – 126). ورجّح الباحث أن سقوط حكومة مزالي يعود إلى عوامل داخلية، تمثّلت في تصاعد الاحتجاجات الشعبية، وانتقاد الحكومة لعجزها عن تلبية مطالب الشعب واستمرار القمع؛ وأخرى خارجية، مثل هزيمة فرنسا في الخارج، ومحاولة اغتيال مزالي في أيار/ مايو 1954، ما عجّل باستقالته في الشهر التالي. وخلص الباحث إلى أنّ حكومة مزالي مثّلت محاولة فرنسية فاشلة لاحتواء الثورة التونسية عبر إصلاحات شكلية، في حين أكّد رفض القوى الوطنية، بما في ذلك الحزب الشيوعي، أنّ الاستقلال لا يمكن أن يتحقّق إلا بالنضال الموحّد، وهو ما مهّد الطريق لانتصار الحركة الوطنية بقيادة بورقيبة. وناقش هشام عبد الصمد فترتَين انتقاليتَين في تاريخ تونس السياسي، عبر مدخلَين: أولًا، الانتقال من الحكم المخزني في أواخر الخمسينيات إلى الدولة المستقلة؛ ثانيًا، الانتقال من نظام زين العابدين بن علي إلى الديمقراطية بعد ثورة 2010 – 2011، مع تركيز خاص على مفهوم "التطهير" أو "التصفية السياسية" آليةً لقطع الصلة مع الماضي. تميّز التطهير في مرحلة ما بعد الثورة (2011)، بطابع وقائي لا انتقامي؛ فقد هيمنت فكرة "التحصين" أداةً لمنع عودة رموز نظام بن علي إلى الساحة السياسية من خلال إقصائهم. وُأ نشئت الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي، برئاسة عياض بن عاشور، لتحديدُ قوائم الاستبعاد، التي شملت نحو 8000 شخص، إضافة إلى 3000 من المنشقّين. لكنّ هذه العملية واجهت انتقادات عديدة، خاصة من رئيس الوزراء المؤقت الباجي قائد السبسي، الذي عارض سياسة التصفية الواسعة. وفشل مشروع التحصين لاحقًا، وتحوّل إلى مسار مصالحة تجسّد في إنشاء هيئة الحقيقة والكرامة. أما أبرز أسباب الإخفاق فتمثّلت في غياب إجماع سياسي، وتأثّر النخب بالصراعات الداخلية والظروف الإقليمية، لا سيما بعد الانقلاب على الإخوان المسلمين في مصر في عام 2013. أما بخصوص التطهير في مرحلة ما بعد الاستقلال (1957 – 1959)، فقد انطلق بعد إعلان الجمهورية في تموز/ يوليو 1957، عندما شنّ بورقيبة حملة تطهير ضد اليوسفيين (أنصار صالح بن يوسف، منافسه الرئيس)، وكذلك رموز النخبة المخزنية القديمة الموالية للباي. وشملت آليات هذا التطهير إصدار قوانين مثل "قانون العار الوطني"، الذي استُلهم من التجربة الفرنسية بعد الحرب العالمية الثانية، إضافة إلى محاكمات صورية استهدفت شخصيات مثل الطاهر بن عمار ومزالي. وقد جاءت دوافع بورقيبة في هذا السياق بهدف تصفية أيّ منافسة سياسية أو رمزية، وبناء شرعية جديدة قائمة على الزعامة الفردية، وإقصاء النخب القديمة المستقلّة عنه. أما خلاصة الباحث فقد صاغها في تساؤل مركزي: هل "التطهير" شرط ضروري لتحقيق انتقال ديمقراطي؟

ثالثًا: مجتمع تونسي في تحول

تتبّع الهادي جّلاب تطوّر البرجوازية التونسية في فترة ما بين الحربين العالميتين، مقتِرحًا ثلاثة مداخل متكاملة لفهمه: أولًاِ، ازدهار البرجوازية الكبرى في عشرينيات القرن العشرين، حيث شهدت البرجوازية التونسية نمًّوًا ملحوظًا بفضل دعم السلطات الاستعمارية الفرنسية، من خلال تقديمها قروضًا ومساعدات لتحديث الزراعة، ودعمت إنشاء مؤسسات مالية مثل: النهضة الاقتصادية، والتعاونية التونسية للقرض، وصندوق القرض الزراعي. ثانيًا، تأثير الأزمة الاقتصادية العالمية لعام 1929 في تونس. ثالثًا، تحوّل البرجوازية التونسية إلى المعارضة، حيث أدّت هذه التطوّرات إلى تأسيس نقابات مثل نقابات المزارعين والصناعيين والتجار. وخلص الباحث إلى أنّ الأزمة الاقتصادية كشفت عن تضارب في المصالح، على الرغم من مساندة فرنسا الأولية للبرجوازية؛ ما دفع هذه النخب إلى المطالبة بإصلاحات ومقاومة السياسات الاستعمارية. وقد شكّلت هذه المرحلة تمهيدًا لتصاعد الحركة الوطنية التونسية، لا سيما بعد الحرب العالمية الثانية. وتابعت قمر بن دانة حياة المؤرخ التونسي صلاح الدين التلاتلي ومؤلفاته، بوصفها حالة لفهم دور المثقفين خلال الفترة الاستعمارية وما بعدها. وقدّمت بدايةً سيرة مزالي، التي تعكس رؤية شخصية لتاريخ تونس، لكنها تظلّ، في نظرها، رواية ذاتية ل "خاسر" سياسي تعرّض للإقصاء بعد الاستقلال. ثم انتقلت إلى تتبّع شخصية التلاتلي بوصفه نموذجًا للمثقف المنبوذ. فمنذ نشأته وتعليمه، مرورًا بنشاطه السياسي والصحافي، انخرط في العمل النقابي والصحافة، وساهم في تأسيس صحف مثل الاستقلال والشبابالتونسي. وقد كان مقرّبًا من التيار المنافس لبورقيبة، ما جعله عرضة للإقصاء بعد الاستقلال (ص 180 – 181). وفي مرحلة ما بعد الاستقلال، ابتعد التلاتلي عن السياسة واتجه إلى البحث التاريخي، مركّزًا خصوصًا على الفترة البونيقية في تونس، إلا أنّه ظلّ مهمّشًا داخل المؤسسة الأكاديمية التونسية، ربما بسبب مواقفه السياسية السابقة (ص. 189). وخلصت الباحثة إلى أن ثمة صعوبات منهجية في تحليل النخب التونسية، نتيجة غياب النقد الموضوعي وهيمنة الخطاب السياسي. وأبرزت حالة التلاتلي كيفية تهميش شخصيات فكرية بسبب انتماءاتها السياسية، على الرغم من إسهاماتها العلمية. ودعت إلى إعادة قراءة هذه المرحلة التاريخية من منظور نق يد، لفهم التحّولّات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها تونس الحديثة.

رابعًا: الإرث الفكري لمحمد الصالح مزالي

ركّز عادل بن يوسف (ص 219 – 231) على العلاقة بين مزالي وخير الدين التونسي، ومساهمة الأول في الحفاظ على إرث الأخير وتقديمه رمزًا للإصلاح والهوية الوطنية التونسية. واستند في ذلك إلى عدة عناصر، منها: الارتباط التاريخي بين الشخصيتين، والتشابه في الأفكار الإصلاحية، وتوظيف الأرشيف وتوثيق التاريخ، إضافة إلى نقد الاستغلال الاستعماري لصورة خير الدين، وتحوّله لاحقًا إلى رمز وطني بعد الاستقلال. وقد بيّن أنّ كتابات مزالي اضطلعت بدور محوري في تحويل خير الدين من شخصية تاريخية إلى أيقونة في السردية الوطنية التونسية. وخلص إلى أنّه يُعدّ جسرًا بين الماضي والحاضر؛ إذ حافظ على تراث خير الدين الإصلاحي وساهم في تشكيل الوعي التاريخي التونسي. وعلى الرغم من محاولات الاستعمار توظيف هذا التراث لمصلحته، فإن مزالي، إلى جانب مؤرخي ما بعد الاستقلال، أعادوا تقديم خير الدين باعتباره رمزًا لتونس الحديثة، المبنية على الإصلاح، والتوازن بين الأصالة والحداثة. وقاربت سامية قصاب الشرفي شخصية مزالي من زاوية مختلفة، مركّزةً على مذكراته باعتباره صاحب أول أطروحة في الاقتصاد السياسي عن تونس (1921). كتب مزالي مذكراته في عام 1969، ونشرها في عام 1972، حيث جمعت بين السيرة الذاتية والشهادة التاريخية على القرن العشرين بكل انتصاراته وإخفاقاته. وأبرزت الباحثة أن هذه المذكرات تتميّز بطابعها الشهادوي، وتتفرد، من حيث

الأسلوب والمضمون، بالدقة في السرد اللغوي والتركيز على التفاصيل التاريخية، مع نقد ذاتي للأحداث وتقييمها من منظور شخصي وموضوعي في آنٍ معًا. وتناولت تأثّر مزالي الواضح بالأدب والفلسفة، حيث يستشهد بأسماء، مثل ميشيل دي مونتين وجان جاك روسو وفيكتور هوغو، ما يعكس سعة ثقافته وانفتاحه على الفكر الإنساني. وتتميّز المذكرات كذلك ببُعدٍ إنساني وكوني، من خلال وصف رحلاته إلى أوروبا وآسيا والعالم العربي، مع إبراز القواسم المشتركة بين الحضارات. وخلصت الباحثة إلى أنّ مذكرات مزالي تمثّل نصبًا تذكاريًا لتونس الحديثة، بجمعها بين الأصالة والانفتاح؛ فهي ليست سيرة ذاتية، بل وثيقة تاريخية تجسّد رؤية مثقف آمن بالحوار الإنساني، وبقوة الكلمة في مواجهة النسيان (ص 300 – 302).

خامسًا: ملاحظات حول الكتاب

يثير هذا الكتاب عدة ملاحظات نوجزها على النحو الآتي: تتبّع مداخلاتٍ سعى أصحابها لتقديم رؤى متقاطعة حول تونس في النصف الأول من القرن العشرين، من خلال رصد التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي شهدتها مرحلةٌ تمتد من عهد الحماية الفرنسية حتى فجر الاستقلال. وهي مرحلة اتسمت بالتعقيد، وساهم فيها عدد من الفاعلين بإضافات بارزة قبل أن يُستثنَوا لاحقًا من الرواية التاريخية الرسمية للدولة. ومن خلال هذه المساهمات، التي ضمّت مثقفين ومؤرخين مختصين في علم الاجتماع والاقتصاد والأدب، يظهر مزالي باعتباره خيطًا ناظمًا يربط فصول هذا الكتاب، بوصفه شخصية محورية تمثّل جيلً جديدًا من النخب الحاكمة المنفتحة على الحداثة والمنخرطة في خدمة تونس. فإلى أيّ مدى تُعدّ شخصية مزالي قادرة على إعادة قراءة نقدية لتاريخ تونس المعاصر، وتفكيك السرديات الجاهزة من خلال توثيق أدوار تاريخية طُمست حوله عن قصد أو غير قصد؟ ناقش دور سيرة مزالي الذاتية بوصفها مصدرًا تاريخيًا لتتبّع تطوّر النخبة التونسية خلال الفترة الاستعمارية وما بعدها، مع التركيز على التحولات في تشكّل النخب من خلال التعليم، والكتابة، وتولّي مناصب سياسية رفيعة. وقد شهدت دراسات النخب إحياءً ملحوظًا منذ سبعينيات القرن العشرين، لا سيّما مع بروز مفهوم تعدّدية النخب (السياسية، والثقافية، والاقتصادية)، وهو مفهوم وافد من السوسيولوجيا السياسية أثبت فائدته التحليلية في مجال التاريخ. كما ساهمت تطورات العلوم الاجتماعية، مثل أعمال بيير بورديو حول "رأس المال الرمزي" ونوربيرت إلياس حول تشكّل النخب، في إثراء التحليلات التاريخية المتعلقة بهذه الفئة. لم تُقارَن تجربة تونس في الانتقال من المخزن إلى الدولة الوطنية، في هذا الكتاب، بالتجارب المغاربية الموازية، خصوصًا المغرب والجزائر. ويُعدّ في هذا السياق عمل بيير فيرمرين حول تكوين النخب المغربية والتونسية نموذجًا مهمًا، حيث تناول تطوّر النخب السياسية والفكرية في البلدين على مدى ثمانية عقود. ويمثّل هذا العمل دراسة تاريخية - سياسية مقارنة تكشف تشكّل النخب في المغرب وتونس، وتفاعلها مع التحولات الكبرى، مثل الاستعمار والاستقلال وتغيّر الأيديولوجيات والعولمة. ويرصد التحوّل التاريخي للنخب من النضال القومي ضد الاستعمار (1920 – 1956) إلى تبنّي المشاريع الوطنية بعد الاستقلال. وبناء عليه، يلُاحَظ أنّ الكتاب حافظ على منهجية وإشكالية قريبتين من طرح فيرمرين، لكنه أغفل المقاربة المقارنة المذكورة سابقًا.

أبرزت فصول الكتاب شخصية مزالي بوصفه نموذجًا للنخبة التونسية، وهي نخبة اتسمت إجم لً بطابع تصادمي، يعود في جانب منه إلى غياب مؤسسة موحّدة (مثل الملَكية في المغرب التي استطاعت بفضل مرونتها استيعاب النخب أو تهميشها)، ما أدى إلى صراع دائم بين النخب داخل البلاد، وهو ما انعكس بوضوح في مواد هذا الكتاب.

خاتمة

سعى الكتاب لتتبّع مسار مزالي وإبراز دوره التاريخي في لحظة مفصلية من تاريخ تونس؛ هي لحظة الانتقال، كما سمّاها، من نظام الحكم المخزني إلى نموذج الدولة الوطنية التونسية الحديثة. وتُعدّ شخصيته نموذجًا للنخب التي برزت في البلاد خلال المرحلة الانتقالية، بين تونس التقليدية؛ أي عالم التقاليد الإدارية والسياسية المتجذّرة في التاريخ، وتونس الحديثة؛ أي عالم الأفكار والتحديث. وتتقاطع شخصية مزالي مع هذين العالَمين، ما يجعل الكتاب بمنزلة نقاش أكاديمي مفتوح حول تاريخ تونس المعاصر، ونافذة لفهم التحديات التي واجهت بناء الدولة الوطنية التونسية في سياق التحّولّات الكبرى.

المراجع

العربية

يناير 2020).

الفلق. الرباط: مؤسسة الغني للنشر، 2004.

الأجنبية

ج يد، أحمد. محنة النهضة ولغز التاريخ: في الفكر العربي الحديث والمعاصر. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2005. عنقود، رجاء. "البروسبوغرافيا: منهج لدراسة النخب والفئات الاجتماعية، محاولة تعريف". أسطور. مج 6، العدد 11 (كانون الثاني/ واتربوري، جون. أمير المؤمنين: الملكية والنخب السياسية المغربية. ترجمة عبد الغني أبو العزم وعبد الأحد السبتي وعبد اللطيف

Bourdieu, Pierre. Raisons pratiques: Sur la théorie de l'action. Paris: Seuil, 1994.

Colloque. "Mohamed-Salah Mzali (1896-1984): La Tunisie du makhzen à l'État national." Tenu les 14 et

15 Décembre 2023 à l'Académie des Sciences, des Lettres et des Arts Beït al-Hikma. Carthage. Tunisie.

Jouini, Elyès (dir.). La Tunisie du makhzen à l'État national: À la lumière de l'itinéraire de Mohamed-Salah Mzali.

Tunis: Institut de recherche sur le Maghreb contemporain, 2025.

Vermeren, Pierre. La formation des élites marocaines et tunisiennes des nationalistes aux islamistes 1920-2000.

Paris: Institut de recherche sur le Maghreb contemporain, 2022.