العودة إلى تفاصيل المؤلَّف تاريخ الدراسات المندائية وأبرز المستجدات في دراسة أصول الصابئة المندائيين ومصادر ديانتهم

تاريخ الدراسات المندائية وأبرز المستجدات في دراسة أصول الصابئة المندائيين ومصادر ديانتهم

A History of Mandean Studies with Highlights on the Study of their Origins and of their Beliefs

أحمد العدوي

الملخّص

سواء أهاجر المندائيون من فلسطين إلى بلاد ما بين النهرين، حسبما يعتقد أنصار نظرية الأصل الغربي، أم كانت بلاد ما بين النهرين هي موطنهم الأول حسبما يعتقد الباحثون من القائلين بنظرية الأصل الشرقي، فإنّ المنطقة الممتدة ما بين واسط والبصرة، والتي شكلتها منذ القدم البحيرات العذبة وروافد نهر الفرات وأطلق عليها الجغرافيون المسلمون اسم البطائح، هي المجال الذي استوطنه المندائيون الأوائل منذ عصور ما قبل الفتح الإسلامي للعراق وحتى يومنا هذا؛ ففي هذه البيئة الزراعية الخصبة والغنية بمجاري الأنهار والمستنقعات العذبة تبلورت عقائد المندائيين المتعلقة بتقديس الماء الجاري وعدِّه رمزاً للحياة. ولمّا كان الاهتمام بتاريخ المندائيين وأصول عقائدهم قد ظلّ حكراً على المستشرقين حتى يومنا هذا -إذ قلَّما سجّل فيه باحث عربي إسهاماً ذا بال- فقد قسمت هذه الدراسة إلى شطرين، عُني الأول منهما وعنوانه "تاريخ الدراسات المندائية"، بتسجيل نقدي شبه حصري للدراسات القيّمة التي أثّرت دون غيرها في اتجاه البحث العلمي بخصوص طائفة الصابئة المندائيين، ومثّلت انعطافًا يستحق التسجيل. أمّا الشطر الثاني من الدراسة، فهو تحت عنوان "أبرز المستجدات المتعلقة بأصول المندائيين ومصادر ديانتهم". وقد ناقشت فيه أصول الصابئة المندائيين، وإلى أيّ عرق ينتمون، ومصادر ديانتهم عبر دراسة عقائدهم وكتبهم المقدسة. كما ناقشت نظريتَي الأصل الشرقي، والأصل الغربي والإشكالات المحيطة بهما، وأبرز المستجدات في الجدل الدائر بين الباحثين في هذا الصدد.

Abstract

Whether or not Mandaeans emigrated from Palestine to Mesopotamia, as the supporters of the Western origin theory suggest, or if Mesopotamia was the area from which the group emerged, as proponents of the Eastern Origin theory maintain, it remains true that the area between Wasit and Basra—noted for its sweet water lakes, and known by early Islamic geographers simply as "the Marshes"—was the region which saw their earliest settlement, beginning with the pre-Islamic era and extending to the present day. It was within this lush and aquatic ecosystem that the Mandeans’ religious beliefs took shape, with their emphasis on the sanctity of flowing water and its identification with vitality and life itself. Interest in the Mandeans and their religious beliefs has been largely restricted to Orientalists, with very few Arabic sources dealing with this topic. The author intends to use this article as part of a remedy of this problem, and does so in two distinct sections. The first section is devoted to a literature review covering the most important contributions to the scholarship surrounding the Sabean Mandeans. The second section of the study concerns the ethnic origins of the Sabean Mandeans, and the influences which shaped their religious beliefs, based on the author’s reading of their sacred texts. It further surveys both the Eastern and Western Origins theories, examining in detail the difficulties which plague both and the major milestones in the controversy that engrosses these two theories.

الكلمات المفتاحية:
  • المندائية
  • الصابئة
  • بلاد ما بين النهرين
  • الإسلام
  • فلسطين
Keywords:
  • Palestine
  • Mesopotamia
  • Sabean
  • Mandeans
  • Islam
أحمد العدوي| Al-Adawy Ahmed *
أحمد العدوي | Adawy Al Ahmedسواء أهاجر المندائيون من فلسطين إلى بلاد ما بين النهرين، حسبم يعتقد أنصار نظرية الأصل الغربي، أم كانت بلاد ما
بين النهرين هي موطنهم الأول حسبم يعتقد الباحثون من القائلين بنظرية الأصل الشرقي، فإنّ المنطقة الممتدة ما بين
واسط والبصرة، والتي شكلتها منذ القدم البحيرات العذبة وروافد نهر الفرات وأطلق عليها الجغرافيون المسلمون اسم
البطائح، هي المجال الذي استوطنه المندائيون الأوائل منذ عصور ما قبل الفتح الإسلامي للعراق وحتى يومنا هذا؛ ففي
المتعلقة بتقديس
هذه البيئة الزراعية الخصبة والغنية بمجاري الأنهار والمستنقعات العذبة تبلورت عقائد المندائي
الماء الجاري وعدِّه رمزًا للحياة.
م بتاريخ المندائيين وأصول عقائدهم قد ظلّ حكرًا على المستشرقين حتى يومنا هذا - إذ قلَّم سجّل
ولمّا كان الاهت
فيه باحث عربي إسهامًا ذا بال - فقد قسمت هذه الدراسة إلى شطرين، عُني الأول منهم وعنوانه "تاريخ الدراسات
المندائية"، بتسجيل نقدي شبه حصري للدراسات القيّمة التي أثّرت دون غيرها في اتجاه البحث العلمي بخصوص طائفة
الصابئة المندائيين، ومثّلت انعطافًا يستحق التسجيل.
أمّا الشطر الثاني من الدراسة، فهو تحت عنوان "أبرز المستجدات المتعلقة بأصول المندائيين ومصادر ديانتهم". وقد ناقشت فيه
أصول الصابئة المندائيين، وإلى أيّ عرق ينتمون، ومصادر ديانتهم عبر دراسة عقائدهم وكتبهم المقدسة. كم ناقشت نظريتَي
الأصل الشرقي، والأصل الغربي والإشكالات المحيطة بهم، وأبرز المستجدات في الجدل الدائر بين الباحثين في هذا الصدد.
Whether or not Mandaeans emigrated from Palestine to Mesopotamia, as the supporters of the Western origin theory
suggest, or if Mesopotamia was the area from which the group emerged, as proponents of the Eastern Origin theory
maintain, it remains true that the area between Wasit and Basra—noted for its sweet water lakes, and known by
early Islamic geographers simply as "the Marshes"—was the region which saw their earliest settlement, beginning
with the pre-Islamic era and extending to the present day. It was within this lush and aquatic ecosystem that the
Mandeans’ religious beliefs took shape, with their emphasis on the sanctity of flowing water and its identification
with vitality and life itself.
Interest in the Mandeans and their religious beliefs has been largely restricted to Orientalists, with very few Arabic
sources dealing with this topic. The author intends to use this article as part of a remedy of this problem, and does so
in two distinct sections. The first section is devoted to a literature review covering the most important contributions
to the scholarship surrounding the Sabean Mandeans. The second section of the study concerns the ethnic origins of
the Sabean Mandeans, and the influences which shaped their religious beliefs, based on the author’s reading of their
sacred texts. It further surveys both the Eastern and Western Origins theories, examining in detail the difficulties
which plague both and the major milestones in the controversy that engrosses these two theories
تاريخ الدراسات المندائية وأبرز المستجدات
في دراسة أصول الصابئة المندائيين ومصادر ديانتهم
A History of Mandean Studies
with Highlights on the Study of their Origins and of their Beliefs
أحمد العدوي | Adawy Al Ahmed
تاريخ الدراسات المندائية وأبرز المستجدات
في دراسة أصول الصابئة المندائيين ومصادر ديانتهم
A History of Mandean Studies
with Highlights on the Study of their Origins and of their Beliefs
which plague both and the major milestones in the controversy that engrosses these two theories.

مدخل إىل تاريخ الدراسات المندائية منذ القرن السادس عشر حتى أوائل القرن العرشين

يعود اهتمام الباحثين بالصابئة إلى وجود بقية باقية منهم بين ظهرانينا في العراق، قدّر لها أن تكون الفرقة الغنوصية1 الوحيدة التي تمكنت من البقاء، وهي طائفة الصابئة المندائيين، وفي الحقيقة يمكن القول إجمالً إنّ الدراسات الخاصة بتاريخ الصابئة وعقائدهم قد جرت – باستثناءات طفيفة - تحت راية البحث في تاريخ الصابئة المندائيين وعقائدهم؛ إذ بدأ المستشرقون في لاهتمام المتزايد بالصابئة المندائيين في بلاد ما بين النهرين، وتركزت دراساتهم حول ديانتهم وأصولهم العرقية، منذ وقت مبكر جدًّا. ففي القرن السادس عشر ذهب بعض المبشّ - وبخاصة البرتغاليين منهم - الذين تعرّفوا عن كثب إلى الصابئة المندائيين في البصرة - إلى قول ين إنّ المندائيين هم إحدى الفرق النصرانية، معتمدين في هذا القول على الشعائر الغامضة لهذه الفرقة وصمتها حيال ما يتعلق بديانتها وطقوسها، وممارستها طقس التعميد2 في المياه الجارية، ممّا جعلهم يعتقدون أنّهم نصارى على مذهب القديس يوحنا المعمدان (يحيى بن زكريا)، ووضعوا عنهم تقريرا أوليًا بالبرتغالية بعنوان Riccuti Indie di Portogallo ' Diversi avisi particolari dall، أشاروا فيه خطأ إلى أنّهم فرقة نصرانية غير تامة الإيمان، وأنّ القديس يوحنا المعمدان كان قد بشّ في بلاد ما بين النهرين. إلا أنّ تقريرًا ثانيًا أرسل إلى جوا Goa - قاعدة مستعمرات البرتغال في المحيط الهندي – قد استدرك هذا الخطأ، وإن كان قد أشار بدوره إلى أنّ المنطقة المحيطة بالبصرة تضم عددًا كبيرًا من أتباع يوحنا المعمدان. وبهذا ظلت دوائر البحث تعتقد وجود صلة ما بين المندائية والنصرانية، ولم يجْر عدّ تلك الطائفة طائفة مستقلة تمامًا عن النصرانية إلا بعد عام 615 13. وفي عام 622 1 أشار الرحالة الإيطالي دي لوجليو Di Luglio إلى أنّ هذه الطائفة تعرف بالمنادي [المنداي] أو الصابي، كما دعاهم إغناطيوس - وهو من المبشرين الكاثوليك - بأتباع يوحنا المعمدان وبالمندائيا. وقد ظلّ الخلط في التسميات والأوصاف قائمًا حتى النصف الثاني من القرن الثامن

  1. الغنوصية Gnosticism نزعة فلسفية - دينية برزت منذ القرن الأول الميلادي، وبعض الدراسات الحديثة تردّ بداياتها إلى زمن أقدم بكثير من ظهور النصرانية، ومن الخطأ عدّ الغنوصية مذهبًا واحدًا له ملامحه الفكرية المميزة، وإنّما هي في حقيقة الأمر خليط معقد من المذاهب و لاعتقادات التي لم تستطع في أيّ وقت توحيد صفوفها ضد مناوئيها من النصارى، بل ظلت مذاهبهم تتحارب فيما بينها، وكان ذلك من عوامل ضعفها وانهيارها في نهاية الأمر. انظر: عزيز سباهي، أصول الصابئة وعقائدهم الدينية، ط 3 (دمشق: دار المدى، 002 2)، ص 40 1. أمّا الغنوصيون فيرون أنهم وحدهم يمتلكون المعرفة السامية، وحقيقة الذات الإلهية والإنسان، وهي معرفة تفيض عليهم من قبل الذات الإلهية، وهذه المعرفة أيضًا هي سبيل الإنسان للخلاص، والأعمال الطيبة إذنْ هي وسيلة الترقّي إلى هذه المعرفة، وليست غاية في حد ذاتها، ويكمن خلاص البشر - عند الغنوصيين - في الجنوسيس Gnosis وهي كلمة يونانية معناها معرفة الله، وهي المعرفة التي تتجلى فقط للمختارين من أنقياء الروح، وهذا التجلي لا يأتي للمريدين المستنيرين إلا من خلال طقوس تتضمن ما يشبه المناجاة والتأمل الصوفي، وهي جميعا ممارسات تتسم بالسرية والغموض، ولم يقف الباحثون بعد على أبعادها بوضوح، وقد آمن الغنوصيون بوجود الله الكائن الأعلى الذي ليس كمثله شيء، والذي لا يمكن للعقل البشري أن يدركه، ومن هذا الكائن الأعلى تتنزل أيونات (فيوضات) شتى تنبثق منها النفوس والملائكة، أمّا مادة الجسد نفسها فهي رمز لانحطاط والشرّ، والتي تولد بدورها قوة الخلق Demiurge وهي التي أوجدت العالم المادي، وهذه القوة الخلاقة هي التي سيطرت على الأرض التي كانت مليئة بالشرور ولا تعرف الروحانيات. انظر: هنري س. عبود، معجم الحضارات السامية (بيروت: دار الجيل، 991 1)، ص 638. وعن الغنوصية وصراعها مع المسيحية الأولى، انظر: K. Rudolph, Gnosis, the nature and history of Gnosticism (London: 1998), pp. 275 - 343 ; Alastair Logan, Gnostic truth, and Christian Heresy , (London: Glasgow, 1996) , pp. 71 - 98 ; يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية (القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والنشر، 936 1)، ص 6-327 23؛ عزيز سوريال عطية، تاريخ المسيحية الشرقية، إسحاق عبيد (مترجم)، (القاهرة: منشورات المجلس الأعلى للثقافة، 005 2)، ص 53.
  2. التعميد Baptism كلمة أُخذت عن الكلمة اليونانية Baptizein وتعني لانغمار في الماء، ويكافئها الجذر العبري الآرامي "عمد" ومعناه "وقف منتصبا"، وهذا شأن المعتمد في المياه الجارية. وهو مصطلح يجرى على كل طقس ديني يشترط الغمر في الماء الجاري، إمّا للتطهر من الخطايا، أو للندم و لاستغفار. وهو طقس كان يمارس في العديد من أديان الشرق قبل ظهور المسيحية بصور مختلفة، فالبابليون - ومن قبلهم السومريون والأكاديون - كانوا يرون في لارتماس في الماء الجاري امتلاء بالحياة، سباهي، أصول الصابئة، ص 63. ولا يزال الطقس يستخدم إلى اليوم عند الهندوس، وهي الطقوس ذاتها التي يمارسها المندائيون اليوم، سباهي، المرجع نفسه، ص 8 11. ودخل الطقس في طور جديد بعد ظهور يوحنا المعمدان، والذي أدى إلى حدوث طفرة بالطقس حين عمد اليهود ولأول مرة على نحو جماعي بنهر الأردن، وكان عماده بمنزلة إعلان للتوبة والندم على الخطايا، لكن الطقس ذاته اتّخذ معنى جديدًا في ظل المسيحية البولسية، إذ أصبح رمزا للدخول في العهد، ويلزم الطفل حديث الولادة، أو المعتنق البالغ المسيحية أن يتعمد لمرة واحدة في حياته علامة على دخوله في العهد وقبوله أسرار الإيمان. انظر: Everett Ferguson, Baptism in the Early Church, History, Theology, and Liturgy in the First five centuries (Cambridge: Eerdmans, 2009), p. 75.
  3. للمزيد من التفصيل، انظر: W. Brandt, "Mandaeans", in: Encyclopedia of religion and ethics, James Hastings & others (edit) , Vol. VIII (Edinburgh, T. & T. CLARK , 1971), pp. 391 – 393. سباهي، ص 33 – 35.

عشر، حيث كان الباحثون يخلطون بينهم وبين السبئيين Sabeans في جنوب اليمن للتقارب الصوتي بين الكلمتين، بخاصة حين ينطق لاسم أو يكتب بالحروف اللاتينية4. وأحدثت بعض التسميات العامية التي عرف بها الصابئة ك"الصبة"، و"الصبة"، و"الصابئة" و"المندايي" و"المنداي"، بعض لارتباك في دوائر البحث، فعمّ الخلط الدراسات الأولية الخاصة بهذه التسمية التي ترد في الكتابات الدينية المندائية القديمة برسم "الناصوراثا" و"الناصوراثيين" و"الناصورائي"5 وكان من نتيجة ذلك أن جرى الخلط بينهم وبين النصيريين- وهم فرقة من غلاة الشيعة - وأرجعت أصولهم إلى مدينة الناصرة في الجليل، وهي المدينة نفسها التي ينتمي إليها المسيح. منذ ذلك الحين تزايدت الإشارات إلى الصابئة المندائيين، ومع تزايدها بدأ الباحثون يولون تاريخ هذه الطائفة اهتمامًا أكبر؛ ففي القرن السابع عشر وصل إلى أوروبا 5 2 تقريرًا عنهم. وفي القرن التالي تضاعف عدد تلك التقارير ليصل إلى 74 تقريرًا. وحفّزت الأخطاء التي وقع فيها الرحالة بشأنهم الباحثين على ترجمة كتبهم المقدسة؛ ففي عام 660 1 نشر الماروني إيخلينيس مقتبسات من بعض كتبهم بعد ترجمتها بمساعدة أحد الصابئة ممن اعتنقوا النصرانية وأقاموا بروما. ثم تتابعت الترجمات، على الرغم من أنّها افتقرت إلى الدقة إلى حدٍّ بعيد، وكان أبرزها ترجمة الباحث السويدي م. نوربيرغ Matthias Norberg عام 816 1 لكتاب "الگنزا ربا" (الكنز العظيم Ginza Rabba)، وهو الكتاب المقدس الرئيس للصابئة المندائيين. وفي عام 867 1 نشر بيترمان Peterman. J. H ترجمة جديدة "للگنزا ربا" إلا أنّها هي الأخرى أعادت أخطاء نوربيرغ، وتلاه ما قام به ج. إيتنغ Julius Euting من ترجمة لكتاب "القلستا" Qulasta وهو كتاب يحتوي على شعائر طقوس التعميد وصلوات المندائيين. وخلال عام 820 1 زار الرحالة الألماني ج. بيترمان Peterman. J. H الأهوار جنوبي العراق، وقضى ثلاثة أشهر هناك، مراقبًا عن كثب أبناء الطائفة المندائية وطقوسهم، وكتب تقريرًا وافيًا عن مشاهداته ضمنها كتابه الضخم الذي يحمل عنوان Reisen im orient (رحلة إلى الشرق) وقدّر للمعلومات التي دوّنها بيترمان عن طقوس المندائيين وعاداتهم أن تكون المرجع الأول لجمهور المستشرقين لوقت طويل. وفي عام 856 1 نشر المستشرق الأوكراني دانيال خوالسون D. Chwolsohn دراسة وافية وضع لها عنوان Die Ssabier und der Ssabismus (الصابئة ومذهب الصابئية)، صدرت طبعتها الأولى في جزأين كبيرين بسان بطرس برج في روسيا القيصرية، وكان خوالسون من أوائل المستشرقين الذين درسوا الموضوع أساسًا من خلال المصادر العربية والسريانية والعبرية. وتعود أهمية دراسته إلى أنّها بحثت بطريقة جدية - ولأول مرة على ما يبدو – في علاقة المندائيين بطائفة أخرى التصق بها المسمى نفسه - أعني الصابئة - وهم الحرنانية أو صابئة حران. وفي جميع الأحوال، تعدّ دراسة خوالسون دراسة محورية في تاريخ الأبحاث التي تناولت عقائد الصابئة وتاريخهم عمومًا، ولا تزال طروحاته والنتائج التي توصّل إليها تجد طريقها حتى اليوم إلى دراسات الباحثين المحدثين، وفي الموسوعات الكبرى والمعاجم ودوائر المعارف العالمية. وكانت أهمّ هذه النتائج ما خلص إليه خوالسون من أنّ الصابئة المندائيين هم الصابئة الحقيقيون، وأنّهم هم الصابئة الذين أشار إليهم القرآن الكريم، وأنّه لا علاقة لهم البتة بصابئة حران الذين انتحلوا لاسم أيام الخليفة المأمون لأغراض سياسية. وفي عام 880 1 نشر نيقولا م. سيوفي Sioufi. N. M دراسة ضخمة في عقائد الصابئة المندائيين عنوانها Etudes sur la religion des Seubbas ou Sabeens (دراسات في عقائد الصبة أو الصابئين)، صدرت طبعتها الأولى في باريس، وقد اعتمد فيها بالأساس على أحد المندائيين الذين اعتنقوا النصرانية. وعلى الرغم من التضليلات التي أوقع ذلك المندائي فيها سيوفي عمدًا، واستنتاجات سيوفي الخاطئة لبعض الرموز والأسرار الدينية المندائية، عدّت بين المستشرقين أعظم إسهام علمي في عقائد الصابئة ممّا كُتب خارج نطاق تحقيق كتب الطائفة المقدسة ونشرها.

  1. منذ ذلك الحين درج المستشرقون على رسم كلمة الصابئة بالحروف اللاتينية Sabians حتى يتجنبوا الخلط بين الفريقين. ومن الطريف أنّه على الرغم من ذلك الإجراء الشكلي الحاسم؛ فإنّ العديد من الباحثين اختلط عليهم الأمر، فاعتقدوا أنّ الصابئة هم أنفسهم السبئيون من أهل سبأ، وأبرزهم المستشرق أوليري، والباحث العراقي مصطفى جواد.
  2. لا تزال دلالة هذه الكلمة غامضة، لكن الباحثين الآن يجمعون أمرهم على أنها تعني رجل الدين الحاذق بممارسة الشعائر والطقوس. والملاحظ بالفعل أنّ أغلب المواضع في الكتابات الدينية المندائية القديمة التي ذكرت فيها كلمة ناصورائي لا تنطبق إلا على رجال الدين فحسب. لكنها قد تأتي أيضًا في بعض المواضع اسم علم يطلق على الديانة ذاتها. أمّا العامة من أتباع الديانة، فيشار إليهم في أغلب المواضع بلقب المندائيين، انظر: دراور، الصابئة المندائيون، ص 42-43.

وفي عام 895 1 نشر عالم الساميات المرموق ثيودور نولدكه Th. Nöldéke كتابه عن القواعد القياسية للنحو والصرف في اللغة المندائية Manduische Grammatik، وصدرت طبعته الأولى في مدينة هاله Halle الألمانية عام 895 1. ثم تلاه وليام برانت W. Brandt. وهو أحد أكبر المستشرقين المتخصصين في دراسة عقائد المندائيين وتاريخهم. وكان أعظم نتاج جهوده مؤلفه الكبير Die Mandaische Religion (الديانة المندائية) الذي صدرت طبعته الأولى في ليبتسج Leipzig عام 889 1، وساهم أيضًا بمادة غنية عن الديانة المندائية في دائرة معارف الدين والأخلاق، ودائرة المعارف اليهودية.

الدراسات المندائية حتى منتصف العقد السادس من القرن العشرين

تمثّل أعمال مارك ليدزبارسكي M. Lidzbarski نقطة تحوّل حقيقية في تاريخ الدراسات المندائية؛ فقد عمل هذا الباحث على ترجمة العديد من المصادر المندائية ونشرها، سواء تلك التي وجدت منها نسخ في المتاحف العالمية، أو التي نجحت بعثات التنقيب في العراق في العثور عليها. وترجم العديد من الكتب المندائية، أهمّها: "دراشة د يهيا" (دراسة تعاليم يحيى) عام 905 1، ثم استغرقه العمل في إعداد ترجمة دقيقة لكتاب "الگنزا ربا" تتلافى أخطاء نوربيرغ ونشرها عام 925 1، إضافةً إلى نشره العديد من النصوص المندائية الأخرى. وعليه، توافرت لدى الباحثين ثروة أولية من الكتابات المندائية الأصلية. وفي غضون عام 922 1 وأثناء اعتزام مجلة الدراسات الشرقية Oriental Studies (عجب نامة) إعداد عدد تذكاري تكريمًا للمستشرق إدوارد براون Edward Brown بمناسبة بلوغه الستين، نشر جوس بيدرسن J. Pedersen في هذا العدد مقالة بعنوان The Sabians. وعلى الرغم من صغر حجم هذه المقالة نسبيًّا (من الصفحة 83 3 إلى الصفحة 91 3)، كان لها شأن عظيم في تاريخ الدراسات الصابئية؛ إذ تعود أهميتها إلى أنّها مثل أوّل دراسة نقدية لطروحات الأوكراني دانيال خوالسون Daniel Chwolson، بخاصة ما يتعلق بقضية لاشتقاق اللغوي لمسمّى "الصابئة" كما تورده المصادر العربية، ومن هنا مهّد السبيل لظهور مدرسة جديدة من الباحثين الرافضين نظرية خوالسون. على أنّه بعيد ذلك بعامين، وبالتحديد عام 924 1 نشر ج. ر. ميد Mead. G. R دراسته تحت عنوان Baptizar The Gnostic John the (غنوصية يوحنا المعمدان)، وتعرّض فيها لحياة يوحنّا المعمدان وآثاره، وعلاقة الصابئة المندائيين به، ودعا إلى تكثيف الجهود بين المستشرقين وتعزيز التعاون مع أبناء الطائفة في دراسة التراث المندائي، لأنّ هؤلاء الأخيرين هم الأقدر على شرح طقوسهم ودقائق ديانتهم على نحوٍ أفضل ممّا قد يفهمه المستشرقون بالنظر والمراقبة. وأعاد د. بورخيت D. Burkitt كتابة علاقة الكنيسة بالحركات الغنوصية الأولى من خلال دراسته القيّمة Church and Gnosis (الكنيسة والغنوصية)، والتي صدرت في كمبردج Cambridge في المملكة المتحدة عام 932 1، ومن ثم تعرّض لنشأة المندائية وتطوّرها بوصفها الديانة الغنوصية الوحيدة التي قدّر لها البقاء. كان من الواضح أنّ دوائر البحث تشكو من نقص المادة العلمية الأصلية؛ فمن ناحية كان المندائيون يضنّون بكتاباتهم الدينية؛ إذ تحرّم الديانة مطلقًا إطلاع الأغيار على كتب الطائفة المقدسة، بل تحرّم على رجال الدين إطلْاع عامة المندائيين أنفسهم عليها. وقد أدّى ذلك النقص الكمي في المادة إلى تضارب آراء الباحثين، وبعد البون بين آرائهم بخاصة مسائل أصل المندائيين، ومن أين استقوا أبجديتهم، وعلاقتهم بصابئة حران، والأصل اللغوي لكلمة "الصابئة"، وكيف التصقت بهم. وكان من الواضح أنّ حسم الكثير من هذه التساؤلات يكمن في وضع كتب المندائيين المقدسة على طاولة البحث علّها تسفر عن تبديد الغموض الذي يلفّ هذه القضايا، وباتت المسألة تتمثّل في نجاح الباحثين في حثّ الطائفة على تقديم تلك الرقوم والكتابات المقدسة لتخضع للدراسة. وبدت الطائفة المندائية تبدي قدرًا أكبر من المرونة فيما يخصّ التواصل مع الأغيار للحديث عن أصول الديانة، على الرغم من أنّ هذا ممّا تحرّمه العقيدة المندائية بإطلاق؛ ففي عام 925 1 استطاع باحث يُدعى عبد الحميد أفندي عبادة الحصول على تسجيل موثق لحوارٍ دار بينه وبين الگنزربا دجيل بن عيدان بن داموك أحد الرؤساء الروحانيين للطائفة المندائية في منطقة الناصرية في العراق. وقد نشر عبادة هذا الحوار في كُتيب بعنوان "مندائي، أو الصابئة الأقدمون" في بغداد من العام نفسه، وعلى الرغم ممّا شاب حديث الرجل عن الصابئة الأقدمين من أخطاء أبرزها إشارته

إلى وحدة أصول صابئة حران والمندائيين، فقد مثّل بادرة تشير إلى انفراجة وشيكة فيما يخص رفع رؤساء الطائفة الحرج عن رجال الدين وكذلك عامة المندائيين في التواصل مع الباحثين والمتحرّين عن الطائفة. وأخيرًا كان المجتمع العلمي على موعدٍ مع حراك قويّ في موقف الطائفة من إطلْاع الأغيار على كتاباتهم المقدسة وأدبياتهم الدينية، ذلك أنّ الطائفة المندائية التي عاشت في عزلة لقرون طويلة، كان وعيها قد بدأ يتفتح على مشاركة القوى الوطنية العراقية سلطات لاحتلال البريطاني في الحكم، وأرادت الطائفة تحديد وضعها السياسي في المجتمع العراقي من حيث لاعتراف الدستوري بها بوصفها إحدى الديانات الرسمية المعترف بها، وذلك ضمانًا لحقوقها السياسية و لاجتماعية. وقد اصطدم هذا الطموح بدعاية مضادة نشأت على إثر نشر أحد الكتاب العراقيين - ويدعى عبد الرزاق الحسني - دراسة عنوانها "الصابئة قديمًا وحديثًا"، صدرت طبعتها الأولى في القاهرة عام 925 1 بتقديم ومراجعة للعلامة أحمد زكي باشا. وفي هذه الدراسة خلط الحسني جهلً بين صابئة حران والمندائيين؛ وتحدّث عن تطوّر ديانة المندائيين إلى ما هي عليه اليوم عبر مراحل تطوّر اخترعها اختراعًا، ومن ثم خلص إلى اتهام عموم الصابئة بالشرك وعبادة الكواكب والنجوم. أثار نشر كتاب الحسني عاصفة من الغضب بين أبناء الطائفة التي كانت تتطلع إلى اعتراف الأغلبية المسلمة في البلاد بهم بوصفهم أقلية شرعية. وأدّى ذلك إلى خروجهم عن الصمت وعدم لاكتراث بما يُكتب عنهم؛ فقاضت الطائفة المؤلف، وذهب رئيسها الروحي إلى المحكمة يحمل في يده كتاب الطائفة المقدس "الگنز" ويقرأ على القاضي فقرات منه يثبت بها لاتجاه التوحيدي لديانته. ودفعت الخصومة التي وقعت بين الحسني والطائفة المندائية إلى توثيق الطائفة علاقتها بباحثة إنكليزية شابة، كان لها أكبر الأثر في حقل دراسات الصابئيات، وهي السيدة إثيل ستيفنسون دراور Drower.  E. S، والتي اشتهرت في أوساط البحث باسم الليدي دراور. كانت إثيل ستيفنسون - في الأصل - أديبة بريطانية مغمورة. وكان اهتمامها منصبًّا على كتابة الرواية. ونجحت في نشر عددٍ من رواياتها، إلا أنّها لم تحقق ما كانت تصبو إليه من شهرة بين النقاد والمهتمين بهذا الصنف من الأدب. ثم لم تلبث أن تزوجت من أحد الديبلوماسيين البريطانيين العاملين في العراق وهو السيد إدوين دراور E. Drower. وعندما ذهبت إلى العراق استهوتها دراسة أساطير ديانات بلاد ما بين النهرين القديمة؛ فأصدرت باكورة دراساتها الفلكلورية بعنوان wine in water (خمر في الماء). وسرعان ما أولت انتباهها إلى إحدى الديانات القديمة التي كانت لا تزال تنبض بالحياة، وهي المندائية. فقامت ب لاتصال الودي برؤساء الطائفة والنافذين فيها لحضور الطقوس، وتسجيل ملاحظات عنها. فأذنوا لها بعد لأْي. وكتبت عنهم مقالة أولية بعنوان Mandaean writings (الكتابات المندائية) نشرتها في العدد الأول من مجلة العراق الذي صدر في تشرين الثاني / نوفمبر من عام 934 1. ثم قدّمت للعالم أول دراسة فلكلورية شاملة لقيت ترحيبًا واسعًا لدى دارسي الصابئيات، جاءت بعنوان Mandaeans in and folklore , magic legends , Iraq and Iran, their cults, customs (المندائيون في العراق وإيران: ديانتهم، أعرافهم، أساطيرهم، ممارساتهم الشعبية). وهي الدراسة التي صدرت طبعتها الأولى في لندن عام 19376. كان الجديد في دراسة دراور أنّها دوّنت أخبار الصابئة بالتعاون مع أبناء الطائفة ذاتها، تمامًا كما أمل ميد Mead ذات يوم. ذلك أنّ كلّ ما أُنجِز من دراسات عن المندائيين حتى صدور دراسة دراور قد جرى داخل أروقة المكتبات وجدران دور البحث الأكاديمية. ولم يكن ثمة تعاون جدّي بين عموم الباحثين وأبناء الطائفة. وكانت ملاحظات الرحالة العابرة، وما دوّنه بيترمان ونيقولا سيوفي هما كلّ المادة المتاحة في ما يتعلق بطقوس الصابئة المندائيين. وبينت دراور أنّ حضورها الطقوس وإجراء بعضها بنفسها بكلّ دقة قد أثبتا خطأ تصوراتٍ واستنتاجات وهمية سادت في أوساط لاستشراق حيال بعض تلك الطقوس. ازدادت ثقة المنتمين إلى الطائفة المندائية بالسيدة دراور؛ فانفتحوا عليها بعدما لاحظوا نزاهتها، وأمدّوها بالكتابات الدينية التي كانوا يضنّون بها حتى على عامة المندائيين. فنشرت تباعًا تلك الرقوم والمخطوطات الثمينة التي طالما تلهّفت دوائر البحث عليها. فقامت بترجمة عدد كبير من

  1. ترجمها إلى العربية الباحثان المندائيان؛ نعيم بدوي وغضبان رومي. وصدرت طبعة الترجمة العربية الأولى في بغداد عام 1969. وقد أقرّ المترجمان برغبتهما في تأليف كتاب مستقل عن الطائفة المندائية وديانتها، وأقرّا أنّهما أنهياه بالفعل، إلا أنّهما ضربا صفحًا عن هذه الفكرة واكتفيا بترجمة كتاب دراور القيّم والفريد في بابه. انظر مقدمة المترجمين في الطبعة الثانية الصادرة في بيروت. ومؤخرًا قامت الدار العربية للموسوعات في بيروت بطرح الطبعة الثانية من كتاب الليدي دراور عام 2005، والبون الواسع بين تاريخ الطبعتين يكشف عن أنّ الموضوع نفسه لم يدخل بعد في نطاق اهتمام الباحثين العرب.

الدواوين والرقوم المندائية أبرزها Sfar malwasia (سفر البروج) الذي ظهرت طبعته الأولى في لندن عام 949 1، و Diwan Abatur (ديوان أباثر) الذي رأى النور في الفاتيكان عام 950 1، و Gawaita Harran (حران الداخلية [السفلى]) الذي ظهر في الفاتيكان أيضًا في العام نفسه، وديوان القلستا المعروف بالصلوات الكهنوتية الذي يحمل عنوان The Canonical Prayerbook of the Mandaean، وظهر بليدن عام 959 1، وكتاب The secret Adam (آدم الخفيّ) الذي ظهرت طبعته الأولى في أوكسفورد عام 960 1، وديوان suialia Alf trisar (ألفا واثنا عشر سؤالً) الذي صدر في برلين عام 960 1، وديوان Alma risaia rba (العالم الرئيس الكبير) الذي رأى النور في ليدن عام 963 1. ونشرت أيضًا قاموسًا للمندائية، لمساعدة من يرغب من الباحثين في تعلّمها بالتعاون مع عالم الساميات رودلف ماشوخ R. Machuch عام 1963. هذا، وقد سار إريك سيجلبرج E. Segelberg بعد ذلك على خطى السيدة دراور. وأعدّ دراسة بعنوان Masbuta, Studeis in the ritual of the Mandaean Baptism (المصبطا7؛ دراسات في طقس التعميد المندائي) صدرت طبعتها الأولى عام 958 1 في مدينة أبس لا Upsalla السويدية.

الوضع الراهن للدراسات المندائية

الوضع الراهن للدراسات المندائية على صعيد الاستشراق

تسبّب الإفراج عن كتب المندائيين المقدسة ووضعها على طاولة البحث بين أيدي المتخصصين، في تعقيداتٍ شبيهة بتلك التي أثارها نشر مجموعات وثائق قمران8، فبدلً من أن تميط اللثام عن ديانة الطائفة وأصول معتقداتهم زادت الغموض غموضًا، بخاصة في ما يتعلق بمسألة الأصل والجذور والنشأة. وفي جميع الأحوال مثّلت الليدي دراور بدراساتها وترجماتها وتحقيقاتها نقطة انتقال حقيقية، إلى درجة أنّه من الناحية الوصفية للطقوس والعادات وسائر الممارسات الفلكلورية للمندائيين، فإنني أقرّر بثقة أنّ إسهامًا جديًا لم يجر في هذا المجال منذ وفاة هذه الباحثة العظيمة عام 19729.

  1. المصبتا" كلمة مندائية ذات أصل آرامي تعني التعميد، انظر: J. Jacobsen Buckley, The Mandaeans; ancient texts and modern people ‎ , (Oxford university press, 2002), p. 80.
  2. بدأت معرفة العلماء بتلك الوثائق في ربيع عام 947 1 عندما جاء اثنان من تجّار العاديات السوريين إلى المطران مار أثناسيوس صموئيل Mar Athanasius Samuel بدير القديس مرقص في القدس الشرقية، يحملان إحدى المخطوطات القديمة. وعندما تفحّص المطران المخطوطة للوهلة الأولى بدت له قديمة للغاية، ومتهالكة ومكتوبة بخط عبري قديم من الصعب قراءته، وعندما سألهما المطران عن كيفية عثورهما على تلك المخطوطة أجاباه بأنهما اشترياها من أحد رعاة الشاة البدو، والذي زعم لهما أنه عثر عليها في إحدى المغارات أثناء مطاردته لماعز ضلّت عن قطيعه في منطقة خربة قمران بالقرب من البحر الميت. وبطبيعة الحال فقد أثار قدم المخطوطة فضول المطران أثناسيوس، فطلب منهما إمداده بكل ما يقع تحت أيديهما من تلك المخطوطات. وعلى مدار صيف ذلك العام نفسه استطاع المطران شراء خمس مخطوطات إضافية. في تلك الأثناء نفسها أثار ظهور هذه المخطوطات الغريبة في أسواق العاديات فضول أحد أساتيذ الآثار اليهود في جامعة القدس وهو الأستاذ أ. سكينيك Sukenik. E والذي نجح في شراء ثلاث مخطوطات من تجار العاديات، ومنهم عرف أيضًا أنّ المطران أثناسيوس يحتفظ بخمس مخطوطات كاملة من نوع تلك المخطوطات نفسها، من ثمّ تقصّ علماء الآثار في المعهد الفرنسي للآثار العربية في دمشق المكان الذي زعم البدو العثور على المخطوطات فيه، وتوالت أعمال التنقيب في الموقع، وأسفرت عن العثور على كميات هائلة من المخطوطات والشقف والآثار المادية لأخوية يهودية مارقة انشقت عن المؤسسة الدينية الرسمية في أورشليم، وعاشت بالمكان قرابة القرن الأول الميلادي. ودعوا أنفسهم باسم أصحاب الميثاق أو "الأسينيين". واستطاعت إسرائيل بعد ضغوط كبيرة مارستها على الهيئات العلمية المعنيّة بالمكتشفات تجميعها لحساب وزارة الآثار الإسرائيلية، ثم حجبتها تمامًا عن جمهور الباحثين. وماطلت في نشرها لأكثر من أربعين عامًا ذهبت خلالها جهود الباحثين في حثّ الحكومة الإسرائيلية على الإفراج عن تلك الوثائق وإتاحة الميكروفيلمات الخاصة بها أدراج الرياح. ثم تحوّلت جهودهم إلى محاولة إقناع الحكومة الإسرائيلية بتقديم قوائم ببليوغرافية من هذه المخطوطات تحتوي على توصيف لها، لا سيّما بعد أن سرت شائعات قوية في الأوساط العلمية بأنّ بعض هذه الوثائق قد جرى إعدامها لأنّها تحتوي على قنابل لاهوتية تمسّ الإيمان اليهودي والمسيحي معًا، وظلّ الأمر كذلك إلى أن حدثت انفراجة غير متوقّعة عام 000 2، حيث قام أحد العلماء الأميركيين ويدعى فوتشولدر B. Wacholder ب لاتصال بأسرة أحد العلماء الذين شاركوا في أعمال التنقيب عن هذه الوثائق وترميمها، وتمكّن من الحصول منهم على ميكروفيلم فيه وصفٌ ببليوغرافي للمخطوطات والوثائق الكاملة التي تمّ العثور عليها وترميمها، ونشرها وسط مشاعر متناقضة من الغضب العارم من جانب الحكومة الإسرائيلية، وترحيب كبير من جانب الباحثين والمؤسسات العلمية المعنية. وفي نهاية الأمر رضخت إسرائيل لضغوط المؤسسات العلمية. وبدأت في الإفراج تدريجيًّا عن تلك الوثائق. وقد عمّقت تلك الوثائق معرفة الباحثين بمجتمع اليهود قبيل بدء دعوة المسيح، لكنّها أثارت قدرًا أكبر من التساؤلات والإشكاليات بخاصة ما يتعلق بعلاقة المسيحية الأولى بجماعة الأسينيين، ويعتقد بعض الباحثين بوجود صلة قوية ما بين "الأسينيين" في فلسطين والمندائيين في بلاد ما بين النهرين. ويتّسع هذا الظن عند البعض للقول بوجود علاقة قوية بين المسيحية الأولى والمندائية. للتوسّع بخصوص هذه الوثائق الفريدة، وكيفية العثور عليها، والجدل الدائر حول نشرها، وتكتّم الحكومة الإسرائيلية عليها لنصف قرن، انظر مقالتي: "وثائق قمران"، مجلة تراث، العدد 211، إصدارات مركز زايد للتاريخ والتراث، دبي (009 2)، ص 60 - 67.
  3. نالت دراور تقدير المجتمع البحثي لجهودها المتميزة في مجال تقدّم دراسات الصابئيات، إذ جرى لانتباه إلى تميّز جهودها مبكرًا، فقد منحتها جامعة أكسفورد درجة الدكتوراه الفخرية عام 1954، على الرغم من أنّ دراور لم تتلقَّ تعليمًا جامعيًّا في صباها. ثم تلتها جامعة أوبس لا‏ Uppsala السويدية في خطوةٍ مماثلة عام 1959، ومنحتها الحكومة الألمانية أعلى وسام علمي وهو وسام ليدزبارسكي Lidzbarski M. عام 1964. وأنعمت عليها الملكة بلقب ليدي بعد تكريمها في الجمعية الملكية الآسيوية عام 1969. وتوفّيت دراور عام 1972 عن عمر ناهز 93 سنة في إحدى دور رعاية المسنيّن في لندن.

وبدأ جيل جديد يظهر من الباحثين المهتمين بالمسألة المندائية خلال سبعينيات القرن المنصرم أمثال كورت رودلف Rudolph. K الذي يعد الآن عميد الباحثين المتخصصين في الشأن المندائي. وقد نشر رودلف عدة دراسات عن مختلف أوجه الديانة والعقائد والأصول المندائية أبرزها

history of the development the Mandaean religion Problems of a (إشكاليات في تاريخ تطوّر الديانة المندائية) عام 967 1، و Mandaeanism

(المندائية) عام 970 1، إلا أنّ دراسته حول Die Gnosis (الغنوصية) التي صدرت في ليبتسج Leıpzıg عام 977 1 تعدّ من أهمّ دراساته، وقد نفى فيها بالمطلق وجود علاقة بين الصابئة المندائيين والحرنانية. وتجدر الإشارة إلى أنّ أبرز لانتقادات التي توجَّه لدراسات رودلف هو تأثّره الشديد بآراء خوالسون، وتبنّيه بإصرارٍ وعناد معظم نظرياته. ويعدّ إدوين ماتسو ياموچي Yamauchi. E. M من العلماء البارزين في هذا الحقل. وقد تعرّض للمسألة المندائية في دراسته Gnostic Ethics and Mandaean origin (الغنوصية وأصول المندائية) عام 970 1، إضافةً إلى العديد من المق لات التي نشرها في الدوريات المعنيّة بخصوص جوانب مختلفة من الموضوع. وفي أوبس لا مجددًا، وبالتحديد عام 1972 - وهو العام نفسه الذي شهد وفاة الليدي دراور - قدّم باحث شاب يدعى جان هارب J. Hjarpe

(تحليل نقدي للأعراف العربية حول Analyse critique des traditions Arabes sur les Sabeens Harraniens أطروحته لنيل الدكتوراه بعنوان

الصابئة الحرنانية) أعاد فيها إحياء نقد بيدرسن J. Pedersen طروحات خوالسون ومدرسته. وحاول جاهدًا جمع الأدلة على صحة ما ذهب إليه بيدرسن من قبل وتقديمها، وذلك بتوسعٍ أكبر. وقد وفّق في ذلك إلى حدٍّ بعيد، وأهمّ ما قدّمته أطروحته هو وجوب دراسة تاريخ صابئة حران وعقائدهم بمعزلٍ عن دراسة تاريخ المندائيين وعقائدهم، فهم لا يشكّلون فريقًا واحدًا لا من الناحية الإثنية، ولا الدينية العقائدية. كما قلّل من أهمية المصادر العربية في دراسة عقائد صابئة حران، ولم يعط أولوية للمصادر العربية إلا من خلال كتابات النديم والمسعودي، والبيروني جزئيًّا. ومع هذا فهي في تقديري دراسة ممتازة، تشهد بذاتها على الجهد الذي بذله صاحبها، كما أنّها بلا شكّ إسهام متميز في تاريخ الدراسات الصابئية، كما قرظها الفرنسي ميشيل تارديو Michel Tardieu في دراسته النقدية التي أعدّها للردّ على جان هارب في بعض ما ذهب إليه، والتي جاءت بعنوان Sabiens Coraniques et Sabiens de Harran (صابئة القرآن وصابئة حران)10.

تابع جان هارب أبحاثه عن صابئة حران، ونشر مقالة بعنوان The holy year of the Harranians. Some remarks on the festival calendar

Sabians of the Harranians (العام المقدس للحرنانية، بعض ملاحظات على تقويم الأعياد عند صابئة حران) في دورية Orientalia Succana مجلد 4 2 / 32 لعام 976 1. وقد تخلّ في هذه المقالة جزئيًّا عن حذره بخصوص لاعتماد على المصادر العربية والسّيانية في دراسة ديانة صابئة حران وعقائدهم. وتوسّع في لاعتماد على المصادر العربية؛ كمؤلفات ابن الجوزي وأبي الفدا، والمقدسي، وشيخ الربوة الدمشقي، والمجريطي.

الوضع الراهن للدراسات المندائية في العالم العربي

نستطيع القول – بكلّ أسف - إنّ عدد الدراسات المتخصصة والحديثة عن الصابئة لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة في العالم العربي؛ إذ ليس هناك ما يمكن رصده في ما يتعلق بالنصف الأول من القرن العشرين إلا ما كتبه المستشرق صموئيل زويمر في مقالته المقتضبة عن الصابئة في مجلة المقتطف عام 899 1، وما نشره الأب أنستاس ماري الكرملي عن الصابئة المندائيين في مجلة المشرق البيروتية في حلقات ابتدأت عام 900 1 لتنتهي عام 902 1، مضافًا إليه ما كتبه عبد الحميد أفندي عبادة عن لسان الشيخ دجيل بن عيدان رجل الدين المندائي في كتابه "مندائي" أو "الصابئة الأقدمون"، إضافةً إلى كتاب عبد الرزاق الحسني عن "الصابئة قديمًا وحديثًا" الذي صدر عام 925 1، وما خصّصه المفكر الراحل عباس محمود العقاد من صفحات للمندائيين في كتابه "إبراهيم أبو الأنبياء" الذي صدرت طبعته الأولى في القاهرة عام 956 1.

  1. ترجمها إلى العربية الباحث السوري سلمان حرفوش، ونشرت في دمشق عام 1999.

أمّا في ما يتعلق بالنصف الثاني من القرن العشرين، فقد جاءت دراسات الباحثين العرب عيالً على هذه الكتابات، ولا تزال تردّد ما جاء فيها، فضلً عن أنّ الكثير ممّا ورد فيها لا يخلو من خرافة اتّخذت شكل حقيقة علمية بكثرة التواتر؛ إذ بدلً من أن تبدأ الدراسات العربية من حيث انتهت دراسات المستشرقين، أتت جميعها دونها في المستوى، وغلب عليها انعدام الإلمام بجوانب الموضوع وتعقيداته، كما غلب عليها الطابع الأيديولوجي، والتخريجات المذهبية عبر محاولات مطّردة للتوفيق بين أخبار الرواة والمفسرين القدامى وما أسفرت عنه نظريات العلم الحديث. في هذا السياق كتب محمد عمر حمادة دراسة بعنوان "تاريخ الصابئة المندائيين" نشُرت في دمشق عام 992 1، وعلي محمد عبد الوهاب دراسة بعنوان "الصابئة" ظهرت طبعتها الأولى في القاهرة عام 996 1، وعبد الله سمك دراسة بعنوان "الصابئون" صدرت في القاهرة أيضًا عام 995 1، وأحمد حجازي السقا دراسته "الصابئين11، الأمة المقتصدة في التوراة والإنجيل والقرآن" صدرت في القاهرة أيضًا عام 003 2. ولم يلق بحجر في هذا الماء الراكد سوى الباحث المندائي عزيز سباهي12 الذي فاجأ الدوائر المعنيّة بدراسة عنوانها "أصول الصابئة ومعتقداتها الدينية"، صدرت طبعتها الأولى في دمشق عام 996 1، وعلى الرغم من صغر حجم دراسته (59 2 صفحة من القطع الصغير) فهي بمنزلة مدخل لا غنى عنه للباحث المبتدئ الراغب في دراسة جانبٍ من جوانب هذا الموضوع الشائك؛ فقد استغلّ سباهي معرفته العميقة بالدراسات التي تمّت في هذا الصدد، وأبرز المستجدّات والإشك لات والتعقيدات المحيطة بالموضوع من مختلف وجهات النظر، من دون أن يقطع في القضايا الخلافية المعقّدة برأي.

أصول الصابئة المندائيين ومصادر عقيدتهم

مدخل إلى عقائد الصابئة المندائيين وكتبهم المقدسة

حول ضفتي الرافدين، وبخاصة في المناطق السفلى من النهرين – وفي ما يصطلح الجغرافيون على تسميته بالبطائح - حيث يصبّ النهران العظيمان مياههما في تلك الأهوار، استوطنت - ولا تزال - طائفة الصابئة المندائيين، وقد أطلق عليهم مجاوروهم اسم الصابئة، بينما لم يعرفوا هم أنفسهم بهذا لاسم قط - كما سبق القول - بل أطلقوا على أنفسهم اسم "المندائيين"، وهي لفظة آرامية مشتقة من الجذر الآرامي "مندع" بمعنى "عرف". فهم "أهل المعرفة"، أو "العرفانيين"13. وهي تسمية لها دلالتها الغنوصية التي لا تخفى. وبفضل باطنية هذه الملّة، والقيود المفروضة على إطلْاع الأغيار على دقائق هذا الدين، لم يعرف جيرانهم - وعلى الأخص المسلمين - هذه الحقيقة البسيطة، وظلّوا يدعونهم ب لاسم الذي أطلقوه عليهم - وهو الصابئة، أو صابئة البطائح، أو المغتسلة – فقد أحاط المندائيون دينهم وعقائدهم بسياجٍ هائل من السرّية بحيث لم يتمكن علماء المسلمين من الوقوف على حقيقة ديانتهم وعقائدهم، على الرغم من المحاولات الجادة التي حاولها البعض منهم، حتى إنّ البيروني ذكر أنّه بحث طويلً في أمر هؤلاء الصابئة الكائنين بسواد العراق حول قرى واسط فما حصّل من أسبابهم شيئًا البتة، على حدّ قوله14.تدور اعتقادات المندائيين حول وجود خالق أزلي واحد منزّه15، واعتقادهم في الله يشبه كثيرًا اعتقاد باقي الطوائف الغنوصية، فهم يدركونه عن طريق الفيض الإلهي، وهم لا يعبّون عنه إلا بصيغة الجمع، ويعتقدون أنّه انبعث من ذاته16، ويلي الإله- الكلي القدرة - مجموعة من المخلوقات النورانية (الملائكة)، ولهم القدرة على أفعال الآلهة بما فيها الخلق لكنهم ليسوا بآلهة، وهم مخلوقات متوسطة بين الروحانية والمادية؛

  1. كذا جاء العنوان على غلاف الكتاب وفي مرآته. والصواب "الصابئون" مرفوعة على لابتداء كما تنصّ أبسط قواعد اللغة العربية.
  2. باحث عراقي يساري يقيم في كندا، وهو مندائي الديانة.
  3. J. Jacobsen Buckley, Mandaean religion, in: the encyclopedia of religion, Vol. 9 , p. 150.
  4. البيروني، القانون المسعودي (حيدر آباد الدكن: منشورات دائرة المعارف العثمانية، 954 1)، ج 1، ص 367.
  5. E. S. Drower, the canonical prayer book of the mandaeans (Leiden: Brill, 1962), p. 9.
  6. العبارة المندائية "إله إد من نافشي أفريش". وتترجم بالعربية إلى "الإله الذي انبعث من ذاته"، انظر: دراور، الصابئة المندائيون (مقدمة النشرة العربية)، نعيم بدوي وغضبان رومي (مترجم)، ص 19.

فالروحانيات لديهم مخلوقة من كلام الله، وكلام الله لا يصل إلا بواسطة مخلوق بين النور والتراب17، ويعدّ ذلك تجسيدًا للمعتقدات الغنوصية بوجود وسائط بين الخالق وخلقه، وهذه المخلوقات تعمل على إدارة الكون وتحقيق مشيئة الخالق. كما يعتقد المندائيون بالبعث والحساب والحياة الأخرى بعد الوفاة. لكن العقيدة المندائية تتميز بنظرية العالم الموازي؛ إذ يعتقد المندائيون بنهاية العالم18، لكنّهم لا يعترفون بقيام الحياة الأبدية على أنقاض الحياة الأولى في هذا العالم، وإنّما يعرّفون العالم الآخر بأنّه عالم موازٍ، أي كائن في اللحظة نفسها، كما هي الحال بالنسبة إلى عالمنا المادي، فالروح تحاسب بعد الموت مباشرةً، ولا وجود للبرزخ ولا للقيامة في المندائية، فالمندائيون يؤمنون بنهاية العالم ولكن ليس بالضرورة قيام الدينونة لأنها قائمة الآن بالفعل، لذا فهم يعتقدون أنّ الروح خالدة بينما الجسد فانٍ19. ويؤمن المندائيون بالحساب والعقاب، وأنّ الأبرار منهم يذهبون بعد الوفاة إلى عالم النور، بينما يذهب المذنبون إلى عالم الظلام. ولا يصوم المندائيون ب لامتناع عن الطعام والشراب وإنّما يحظر عليهم أكل اللحوم لخمسة أسابيع فحسب من العام، وهم كذلك ينزّهون الله، ويعظّمون ملائكته، ويعتقدون أنّ مقرّ الملائكة في الكواكب السبع السيارة، ولذلك فإنّ تعظيمهم النجوم هو تقديس للملائكة لا للكواكب نفسها20. يؤمن المندائيون أيضًا أنّ دينهم دين قديم، بل إنّه أقدم الأديان على الأرض؛ فهم ينسبون كتابهم المقدس الرئيس "الگنز ربا" إلى آدم، كما يعتقدون أنّ سام بن نوح هو جدّهم الأعلى، ونبيّهم بعد آدم ونوح21. ويعتقدون بوجود صلات قوية بين عالم الأحياء وعالم الأموات. وهناك العديد من الطقوس الدينية التي تتعلق بخدمة أرواح الأسلاف أهمّها: الوجبة الطقسية لأرواح الأسلاف، وهي تقديم أطعمة وصدقات لأرواح الأسلاف "زدقة بريخا". ويعتقد المندائيون أيضًا في الأرواح الخبيثة "ملوخون"، ويعتقدون بتعدد جنسياتها وأديانها كما عند البشر، وأنّ منها ما هو موكل بعذاب النفوس "المطراثي"22. على أنّ أهمّ ما تتميز به المندائية هو تلك الطقوس المتعلقة بالتعميد؛ فالتعميد عند المندائيين يخالف ما هو معروف في المسيحية - اليهودية الأولى، فهو ليس طقسًا للندم وإعلان التوبة بالضرورة كما نجده في اليهودية - المسيحية الأولى، وإنما هو طقس تطهري بامتياز، فكلّ ما يمكن أن يتنجّس به البدن من أنواع النجاسات - كالجنابة أو الطمث أو الولادة أو مسّ الميت والحائض وغيرها - يستوجب العماد في الماء الجاري قبل ممارسة أيّ نشاط ديني أو حياتي اعتيادي. والتعميد في المندائية لا ينبع من الإيمان بقدرة الماء في حدّ ذاته على الذهاب بالنجاسات، وإنّما ينبع من تقديس الديانة المندائية الماء الجاري، فلا يجوز العماد إلا فيه23. ويعتقد المندائيون أيضًا في نبوّة يحيى بن زكريا (يهيى يوهانا). لكنّه عندهم ليس بنبيّ كصورة الأنبياء التقليديين كما في الأديان السماوية، وإنما تدور اعتقادات المندائيين فيه على أنّه مبعوث العناية الإلهية، جاء إلى الأرض لتنفيذ مهمة خاصة، وليس كنبيّ يبشّ بدين، أو حتى يجدد دعوةً قديمة24.

  1. المرجع نفسه، ص 21.
  2. دراور، ص 49.
  3. بدوي ورومي، مقدمة كتاب الصابئة المندائيون، ص 19.
  4. بدوي ورومي، المرجع نفسه، ص 12. قارن أيضًا تشابه بعض الأفكار ذات الأصل الغنوصي مع بعض الفرق المسيحية التي وسمت بالهرطقة بشأن خلق الملائكة السبعة للعالم في: ماري بن سليمان، "أخبار بطارقة كرسي المشرق"، في: المجدل الكبير، هنريكوس جيسموندي (محقق) Henricus Gismondi (رومية: 899 1)، ص 14- 5 1. ومن الواضح أنّ عبادة الملائكة وعدّها خالقة العالم قد تسرّبت بصورةٍ ما إلى شبه الجزيرة العربية حيث وجدت فيها بعض الأفكار الغنوصية المشابهة، نستدلّ على ذلك بقوله تعالى: ﴿ويَوْمَ يَحْشهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْملاَئِكَةِ أهَؤلُاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبدُونَ﴾ [سبأ: 40].
  5. بدوي ورومي، ص 0 2؛ W. Brandt, "the Mandaean", Encyclopedia of religion and ethics , J. Hastings(edit), Vol. VIII, p. 380.
  6. وهي قريبة من مفهوم التطهير؛ ففي هذا المحلّ تعذّب الأرواح التي اقترفت الخطايا، ويكون عذابها محدودًا بأمدٍ معلوم، وبحسب نوع تلك الخطايا ودرجاتها. ثم تستطيع تلك الأرواح بعد ذلك لالتحاق بعالم النور "إلمي د نهورا."
  7. Kurt Rudolph, Mandaeism (Leiden: 1978), p. 10.
  8. أدّى اعتقاد الصابئة المندائيين في نبوّة يحيى بن زكريا إلى أن عدّهم المسلمون فرقة من النصارى منذ دخول الإسلام العراق وحتى نهاية القرن السابع عشر الميلادي. وأتاحت هذه الميزة لهم طيلة العصور الإسلامية معاملة أهل الذمة. وقد أدرك المندائيون بالفطرة أهمية اعتقادهم في نبوّة يحيى u في تضييق الهوّة بينهم وبين المسلمين والنصارى. وقد لاحظت دراور أنّ المندائيين يجسّمون نقاط التشابه الصغيرة بينهم وبين مجادليهم من أهل الأديان الأخرى؛ فهم يجيبون السائل بأنّ يحيى نبيّنا كما أنّ عيسى أو محمد - حسبما يتطلب الحال - نبيّكم. انظر: دراور، ص 41.

أمّا عن كتب المندائيين الدينية، فيصطلح الباحثون على تقسيم الأدبيات الدينية المندائية إلى ستّ مجاميع: المجموعة الأولى: نصوص سرية خاصة بالكهنة، وهي مدونة في شكل لفائف، الواحدة منها تدعى - اصطلاحًا - بالديوان ككتاب "ألف ترسر شيالة" (ألف واثنا عشر سؤالً)، و"آلما ريشا ربا" (العالم الرئيس الكبير)، و"آلما ريشا زوطة" (العالم الرئيس الصغير)، و"ديوان ملكوتا إليتا" (ديوان مملكة السماء العليا). المجموعة الثانية: وهي كراريس تشرح كيفية أداء الطقوس الدينية ومنها: "شرح طراسة د تاغة شيشلام ربا" (شرح تتويج شيشلام العظيم)، و"شرح د قايين شيشلام ربا" (شرح زواج شيشلام العظيم)، و"شرح د بروانايا" (شرح الأيام الخمسة)، و"ديوان مصبتا د هيبل زيوا" (ديوان تعميد هيبل زيوا). المجموعة الثالثة: وتضمّ مجموعة الأناشيد والتراتيل والصلوات التي تتلى في طقوس التعميد، وكذلك الصلوات على أرواح الموتى ككتاب "إنياني" أو "القلستا" [كتاب الصلوات القانونية]. المجموعة الرابعة: النصوص التي تتحدث عن الأساطير المندائية التي تدور حول خلق الكون والإنسان والصراع بين قوى النور والظلام ويوم الحساب، ومن أبرزها "الگنز ربا" (الكنز العظيم)، و"دراشة د يهيا" (دارسة تعاليم يحيى u)، و"ديوان أباثر"، ديوان "حران جويثا" (حران السفلى [الداخلية]). المجموعة الخامسة: وهي المجموعة التي تضمّ كتب الفلك وفقًا للعقيدة المندائية ومنها "سفر ملواشة" (كتاب البروج)، وكتاب "شباني شبايي" (ساعات النهار). المجموعة السادسة: وهي تتألف من كتب الطلاسم والأدعية والنصوص السحرية لطرد الأرواح الخبيثة وأدعية أخرى لاستجلاب عطف القوى الروحانية، وما أشبه25.

أصول الصابئة المندائيين وإلى أيّ عرق ينتمون؟

المثيولوجيا المندائية وانعكاساتها على قضية الأصل ونشأة الديانة

تضاربت آراء العلماء بخصوص الصابئة المندائيين منذ أن بدأ لاهتمام بهم وبأصول عقائدهم ونشأتها وبالموطن الذي انحدروا منه، حتى بات عرض هذه الآراء على كثرتها وتناقضها أمرًا شديد التعقيد. ويعدّ النقص الكمّي الشديد في المادة سواء التاريخية منها أو الأثرية أبرز عوامل هذا التضارب، وهو الأمر الذي يستلزم من المؤرخ الكثير من لاجتهاد في محاولةٍ لرأب تلك النقاط الخلافية التي لا تحسمها الأدلة المادية. وتظلّ مسألة أصل الصابئة المندائيين من المسائل الخلافية الشائكة، ذلك أنّ أساطيرهم تذكر أنّ المندائيين الأوائل من أهل الشمال، وهذا يعني أنّهم قدموا من جهة فلسطين، كما يظهر ذلك جليًّا في كتابهم "حران جويثا"26. ويعتقد المندائيون أيضًا أنّ أصولهم مصرية، وأنّهم كانوا على ديانة المصريين القدماء27، وأنّ أسلافهم الذين يعرفون باسم "الناصورائي" (أي المندائيين الأوائل) قد هاجروا من مصر إلى أورشليم، ولمّا اضطهدهم اليهود غادروا فلسطين إلى حران حيث وجدوا إخوة لهم في الدين (يعنون صابئة حران على الأرجح). ثم هاجروا من حران إلى منطقة أسطورية تدعى جبل ماداي وهناك تخلّصوا كليًّا من مضطهديهم، ثم توجّهوا في وقتٍ لاحق إلى جنوب العراق28.

  1. Buckley, The great stem of souls: reconstructing Mandaean history (New Jersey: Gorgias Press, 2005), pp. 9 - 12 ; سباهي، أصول الصابئة، ص 13 – 6 1. ويقرّ سباهي بأنّه من الصعب الضرب بسهم في مسألة تحديد الفترة الزمنية الفاصلة بين تبنّي المندائيين هذه العقائد وبداية تدوينها. انظر: المرجع نفسه، ص 9 1.
  2. لم تكن السيدة دراور تعير - في بادئ الأمر - أقوال الكهنة بأنّهم جاءوا من الشمال أيّ التفات. لكنها اكتشفت فيما بعد أنّ هناك سببًا وراء إصرار رجال الدين المندائيين على القول بأنّهم جاءوا من الشمال؛ فقد لاحظت أنّ المندائيين يعتقدون أنّ الشمال هو الأرض المرتفعة، وهي أرض النور، أمّا الجنوب فهو الأرض المنخفضة، وهي أرض الظلام، وأولئك الذين يسكنون في الشمال يتميزون ببياض البشرة، أمّا أولئك الجنوبيون فهم سود ومظهرهم قبيح كالشياطين. وعليه، طرحت دراور احتمال أن يكون ذلك الإصرار مبنيّ على اعتقادات دينية أكثر منها على ذكريات هجرة تاريخية واقعية. انظر: دراور، ص 49.
  3. تجد دراور صعوبة في فهم إصرار المندائيين على أنّ المصريين القدماء كانوا على دينهم. وتعتقد أنّ ذلك عصيّ على التفسير، انظر: المرجع نفسه، ص 50 – 51. الطريف أنّ المندائيين لا يزالون يحتفلون بإقامة وجبة طقسية (لوفاني) لأرواح الموتى المصريين الذين غرقوا في البحر أثناء مطاردتهم بني إسرائيل. انظر: المرجع نفسه، ص 139.
  4. المرجع نفسه، ص 45 - 46؛ رشدي عليان، "أصحاب الروحانيات"، مجلة المورد العراقية، مج 5، ع 2، (بغداد 976 1)، ص 61.

يبدأ مخطوط حران جويثا هكذا29: "واستقبلهتم [أي الناصورائي] حران؛ المدينة التي كان فيها الناصورائي، ولهذا فليس من سبيل لملوك اليهوطايي [اليهود] إليهم، وكان على رأسهم ملك أردوان[؟!]، وقد عزلوا أنفسهم عن العلامات السبع، ودخلوا في جبل ماداي، حيث أصبحوا أحرارا من تسلط جميع الأجناس"30.

العلم الحديث وقضية أصل المندائيين وأصول ديانتهم

نظرية الأصل الشرقي

لقد تمخّض البحث طيلة قرنين تقريبًا عن نظريتين: هما نظريتا الأصل الشرقي والأصل الغربي، وكلتاهما تنطوي على قدر كبير من التعقيد، فضلً عن افتقارهما لأدلّة قاطعة، وكلتاهما أيضًا لا تستطيعان السير قُدمًا إلى آخر الدرب دون أن تتركا بعض الثغرات العصيّة على التفسير، وسبب هذا الخلط والتعقيد هو ذلك المزيج العجيب الذي تتلاقى فيه عقائد الصابئة، وتلك الطقوس التي هي خليط من عقائد ومذاهب شتى جمعت بين عقائد بلاد ما بين النهرين وفلسطين بحيث يمكن القول بأنّ المعتقدات المندائية ذات طبيعة توفيقية، وأنّه من قبيل التسطيح القول بأنّ لها مصدرًا واحدًا فقط. وتتلخص نظرية الأصل الشرقي في أنّ المندائيين إمّا هم بقايا سكان بلاد ما بين النهرين القدماء، أو ربّما كانوا من الوافدين الآراميين على البلاد31، وفي كلتا الحالتين فهم قد ورثوا قدرًا كبيرًا من العقائد الدينية البابلية، لكنّهم تأثروا إلى حدٍّ كبير بالمعتقدات الدينية الفارسية - وبخاصة الزرادشتية، بحكم تجاورهم مع الفرس، وباليهودية من خلال الجماعات اليهودية التي كانت تسكن بلاد ما بين النهرين32. كما تأثّروا بالمسيحية من خلال لاحتكاك المباشر بالمانويين والنساطرة وأخيرًا بالمسلمين بحكم الجوار المباشر. وقد تزعّم هذه النظرية خوالسون، وبرانديت، وكيسلر، وزيمرن، وليدزبارسكي (لا سيّما في أبحاثه الأخيرة)، والليدي دراور (في أبحاثها الأولى)33. ويستند أصحاب نظرية الأصل الشرقي إلى ذلك التشابه القويّ بين المندائية في صورتها الحديثة والعقائد البابلية القديمة؛ فالمندى - وهو بيت العبادة المندائي - كوخ يشبه في رسمه وتصميمه "البيت" وهو المعبد البابلي الصغير المقام من القصب المطليّ بالطين34، حيث كان الكهنة البابليون يجلسون بالخارج، ويستقبلون الناس لعرض مسائلهم على الإله القابع في الكوخ الطيني. وتقترب شعائر الموت والوفاة عند المندائيين من نظيرتها البابلية؛ فاعتقاد المندائيين بأنّ روح المتوفَّ تحوم ثلاثة أيام حول القبر، ثم تبدأ رحلتها في الحياة الأخرى للحساب، ويتولى راشنو البابلي - وهو نظير أباثر المندائي - وزن أعمال الشخص، فإذا مالت موازينه نحو الخير فهذا يعني أنّ أمامه فرصة للتكفير عن ذنوبه، ويلزم ذويه أن يقدّموا كفارة عنه، وهذا ما يقابل "المسخثة" في العقيدة المندائية35.

  1. لسوء الحظ، الصفحات الأولى مفقودة كما نوّهت السيدة دراور.
  2. The Haran Gawaita. and The Baptism of Hibil-Ziwa , E. S. Drower (trans.), (cita del Vaticano: 1953), p. 3 ; ويصف ديوان حران جويثا اليهود بأنّهم خبثاء وأنّهم "حليفي الروهة" (روح الشر والظلام). بل إنّهم جندها المطيعون. انظر: عليان، ص 63. وطبقًا للأساطير المندائية فإنّ يسوع المسيح كان ناصورائيًّا لكنّه "حرف كلمات النور، وأبدلها بالظلام، وغيّ دين أولئك الذين كانوا على الدين الصحيح، وبدّل جميع الشعائر". انظر: المرجع نفسه، ص 62. أمّا بالنسبة إلى يحيى بن زكريا، فالأسطورة المندائية تصفه بأنّه معلم ومعمد وشاف. وتصفه أيضًا بأنّه علم الحواريين، وجعل الكسحان يسيرون على أرجلهم. انظر: دراور، ص 47.
  3. الطريف أنّ الأنثروبولوجي الأميركي هنري فيلد الذي عمل في العراق لمدة طويلة، ذهب إلى أنّ الصابئة المندائيين ربما ينحدرون من أصول آرامية قديمة، استنادًا إلى الدراسة التي أجراها لقياسات الجمجمة وبعض السمات الجسدية لعيّنة من الكهنة المندائيين الذين لا يتزاوجون إلا فيما بينهم طبقًا لما تقتضيه شريعتهم، وهذا جعل من الكهّان ورجال الدين طبقة منغلقة على نفسها، انظر: دراور، ص 64.
  4. توزّع يهود ما بين النهرين وفقًا لمعطيات تاريخية بين الأماكن النائية في مرتفعات كردستان وهم أسرى السبي البابلي الأول، وعند بابل القديمة إلى الجنوب من الأنبار. انظر: أحمد سوسة، ملامح من التأريخ القديم ليهود العراق (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 000 2)، ص 40 – 44؛ قارن أيضًا: يوسف رزق الله غنيمة، نزهة المشتاق في تاريخ يهود العراق (بغداد: 924 1)، ص 50 وما بعدها.
  5. Edwin M. Yamauchi, Gnostic ethics and Mandaean origins (Cambridge: 1970), p. 8.
  6. دراور، ص 99 1؛ سباهي، ص 65.
  7. المرجع نفسه، ص 67 - 68.

المندائية في جوهرها أقرب إلى الروح الإيرانية الشرقية من الروح اليهودية المسيحية36. لقد قررت دراور - لا سيّما في أبحاثها الأولى - أنّ طقوس المندائيين الدينية تقترب من المنابع المزدكية إلى درجة عبّت عنها بأنّها جاءت أكثر ممّا توقعت؛ فالتشابه بين الطقوس الصابئية (المندائية) والمسيحية النسطورية والبارثية37 قويّ. كما أنّها لم تُخف دهشتها من وجود طابع بابلي قديم يمكن تمييزه بسهولة في ديانة المندائيين، وبخاصة في ما يتعلق ببناء "المندى" ووظيفته كما سبق القول. كما أنّ المبادئ التي تشخص الطقوس المندائية والبارثية متطابقة بصورة مذهلة، بينما تبتعد كثيرًا في الروح والمبادئ عن الطقوس المسيحية، وهذا وحده كان دافعًا لكي تقرّر دراور أنّ الشعائر

"كروكي" للمندى (بيت العبادة المندائي)38.

ومن وجهة نظر أنصار الأصل الشرقي، فإنّ المؤثرات الرئيسة في ديانة الصابئة وخطوطها العريضة يمكن اقتفاء أثرها بعمق في التراث البابلي القديم39، في حين تظهر بعض المؤثرات الأخرى وكأنّها مؤثرات ثانوية تطورت إليها الديانة فيما بعد؛ ف لاعتقاد بقدرة الأجرام السماوية على التأثير في مصير الإنسان هو تأثير بابلي محض كما يبدو لأوّل وهلة، وكذلك تشابه نظرية الخلق البابلية الأولى مع نظرية نشأة الكون عند الصابئة المندائيين،

  1. البارثيون هم بقايا الفرس الزرادشتيين الذين انتقلوا بعد الفتح الإسلامي إلى الهند واستقروا هناك. انظر: سباهي، ص 100.
  2. دراور، ص 28.
  3. انظر: التطهر بالماء الحيّ (الجاري) وعلى رأسها التعميد، وتطهير الأواني الطقوسية.
  4. شرحت دراور تفصيلً تشابه دور الكهّان المندائيين ووظائفهم مع وضع كهنة بابل القديمة ووظائفهم، انظر: دراور، ص 8 2 وما بعدها. Rudolph, Mandaeism , p. 8. ويلاحظ أنّ المندى لا تصحّ إقامته إلا على مجرى مائي، وتحفر قناة من ذلك المجرى إلى داخل المندى - كما هو مبيّ في الشكل - كي يتسنّى للكهنة إجراء الطقوس الدينية التي تتطلّب

إضافةً إلى بعض التأثيرات الرئيسة الأخرى في ديانة المندائيين؛ كمظاهر الحياة الأخرى بعد الموت، والحساب والدينونة، وبعض الظواهر العقائدية كتقديس الماء الجاري40، فرسوم التعميد لها ما يماثلها على نحوٍ أو آخر في التراث البابلي القديم41، وبعض ما ورد في الأساطير المندائية القديمة يظهر أكثر تلاؤمًا مع بيئة الأهوار - جنوب بلاد ما بين النهرين - أكثر منها مع بيئة مجرى نهر الأردن جنوبي فلسطين42. أمّا عن كيفية وصول التقاليد والعادات الغنوصية وبعض الشعائر اليهودية والتعميد و لاعتقاد بنبوّة "يوحنا المعمدان" (يحيى بن زكريا)، فهي - في نظر أنصار نظرية الأصل الشرقي - تقاليد وافدة أتت من فلسطين إلى المندائيين في بيئتهم الأصلية بحوض ما بين النهرين في العراق، فذلك الأثر الغنوصي الواضح في الديانة وفد على ديانة الصابئة على مراحل وتبعًا لاحتياجاتٍ معيّنة. وقد مثّلت رواية النديم عن علاقة الحسح أو الحسج EL-Kesai43 بالمندائيين جسرًا ملائمًا لتلك التأثيرات الغنوصية القادمة من الشرق، فحسبما جاء في رواية النديم: "المغتسلة؛ هؤلاء القوم كثيرون بنواحي البطائح، وهم صابئة البطائح، يقولون ب لاغتسال، ويغسلون جميع ما يأكلونه، ورئيسهم يُعرف بالحسج، وهو الذي شرع الملة، ويزعم أنّ الكونين ذكر وأنثى، وأنّ البقول من شعر الذكر، وأنّ الأكشوث من شعر الأنثى، وأنّ الأشجار عروقه. ولهم أقاويل شنيعة تجري مجرى الخرافة، وكان تلميذه يقال له شمعون، وكانوا يوافقون المانوية في الأصلين، وتفترق ملّتهم بعد، وفيهم من يعظّم النجوم إلى وقتنا هذا"44. من غير المعروف من أين استقى النديم روايته عن الحسج، لكنها مثّلت مخرجًا مريحًا للقائلين بانتقال شعائر التعميد من بيئة نهر الأردن إلى بلاد ما بين النهرين، وكذا علاقة المندائيين بيوحنا المعمدان، ولذلك تمسّك بها خوالسون بشدة45. لكنّ القول بوجود علاقة مباشرة بين الحسج والمندائيين لا يخلو من تعقيداتٍ كثيرة يغضّ أصحاب نظرية الأصل الشرقي النظر عنها؛ فمن المعروف أنّ الحسج كان يهوديًّا معروفًا بصرامته

  1. طقوس تقديس الماء الذي تدعوه المندائية بالماء الحي وممارسة التعميد لها ما يناظرها في التراث البابلي القديم الذي يقدس الماء الجاري. بل هناك من بين الباحثين من يشكّ في أنّ تلك الطقوس والممارسات تقاليد تسرّبت إلى اليهودية من الشرق. وليست طقوسًا أصيلة في اليهودية – لا سيّما في عصورها الأخيرة - ولم تمارس على نطاق واسع بين مختلف الجماعات المنشقّة عن اليهودية إلا في الجنوب حيث تصلح بيئة نهر الأردن لذلك. أمّا عن مهد تلك الممارسات، فيعتقد الباحثون القائلون بالأصل الشرقي أنّها سادت في حوض ما بين النهرين حيث البيئة الملائمة أكثر لتلك الطقوس. انظر: سباهي، ص 62- 63.
  2. طه باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، تاريخ الفرات القديم، ط 2 (بغداد: د.ن، 955 1)، ص 5 22. فعلى سبيل المثال كان ينبغي لكبير كهنة بابل لاغتسال في ماء الفرات الجاري قبل دخول قدس الأقداس في أعياد بابل القديمة، انظر: مارجريت روثن، تاريخ بابل، زينة عازار وميشال أبي فاضل (مترجم)، (بيروت- باريس: منشورات عويدات، 984 1)، ص 33. وكان الماء المقدس وحده هو الذي يستخدم لتطهير المعبد؛ المرجع نفسه، ص 131.- 231
  3. مثال شديد الوضوح كما في كتاب "دراشة د يهيا" أو "كتاب تعاليم يحيى" يرد في فصل "الصياد وقصة الأنفس" الكثير من الرموز والمصطلحات، وهو ما يدلّ على أنّ المؤلف- أو ربما المؤلفين - لهذا السفر من بيئة الصيادين في الأهوار. وقد علّق ميد Mead على هذا الجزء بقوله إنّه عسير بالفعل على الترجمة، وذلك لكثرة لاصطلاحات التقنية المتعلقة بعملية الصيد التي ترد فيه، وعلى الرغم من كل الجهود والتحرّيات اللغوية الواسعة التي بذلها المترجم فقد عجز عن فهم معنى عددٍ غير قليل من الكلمات التي وردت فيه، وفي هذا ما يؤكد أيضًا محلية البيئة العراقية التي كتب في ظلّها هذا النص. انظر: G. R. Mead, The Gnostic, John the Baptizer (London: J. M. Watkins, 1924), pp. 72 - 73 ; قارن أيضًا: سباهي، ص 79. وفي الوقت ذاته نجد ارتباطًا يمكن وصفه بالوثيق بين الأساطير المندائية ومثيلتها السومرية، من ذلك لارتباط بين ليليث الشيطانة في الفكر السومري والتي تتسبب في وفاة الأطفال وزهرييل زوجة هيبل زيوا في الفكر المندائي، وذلك بحسب ملاحظة أحد رجال الدين المندائيين، انظر: عبد الحميد أفندي عبادة، مندائي أو الصابئة الأقدمون، رشيد الخيون (تقديم)، (لندن: دار الحكمة، 003 2)، ص 32.
  4. رُسم اسم الحسح (وهي الصيغة الأكثر تداولً بين جموع الباحثين) بطرق مختلفة في مختلف نشرات الفهرست للنديم، فقرأها فلوجل في أول نشرة من نشرات الفهرست والتي صدرت في ليبزج عامي 1871 - 1872 م "الحسح"، وفي طبعة القاهرة التي قدّم لها وراجعها الأستاذ أحمد أمين، والتي ظهرت للمرة الأولى عام 1929 "الحسيح". وفي نشرة رضا تجدد التي صدرت في طهران عام 1971 "المحسح" [؟!]، وإن ذكر في حواشيه أنّ إحدى النسخ التي اعتمدها فلوجل تؤكد على قراءة نشرة القاهرة لاسم "الحسيح"، وقرأها أيمن فؤاد سيد في أفضل النشرات التي حظي بها كتاب الفهرست على الإطلاق، وهي نشرته الصادرة في لندن عام 2009 "الحسج". وقد سألت الدكتور أيمن فؤاد سيد عمّا إذا كان متأكدًا من أنّ هذه هي القراءة الصحيحة لاسم رئيس المغتسلة من واقع مطالعته لعددٍ كبير من النسخ الخطّية لكتاب الفهرست فأفاد بالإيجاب، واستبعد قراءة نشرة القاهرة لاسم الحسيح لأسباب فنية تتعلق بالنسّاخ والنسخ الخطية. وبغضّ النظر عن هذا فقد أثار ورود لاسم بهذه الصيغة "الحسيح" التساؤل في أوساط البحث عمّا إذا كان المقصود به هو المسيح ووقع التحريف بفعل النساخ. انظر: 6 38 p. , The Sabians Pedersen,؛ سباهي، ص 105. غير أنّ التمعّن في نص النديم الوارد أعلاه، بخاصة عبارته التي يقول فيها "ورئيسهم يعرف بالحسج" لو افترضنا أنّ قراءتها الصحيحة "ورئيسهم يعرف بالمسيح"، فلا بدّ أن تنتابنا الدهشة، إذ لو أراد النديم الإشارة إلى علاقة المغتسلة بالمسيح لما استخدم أبدًا كلمة يعرف في سياق الجملة. وعلى ذلك، لا أعتقد في صحة ذلك الرأي الذي يميل إلى ربط المسيحية مباشرةً بالمندائية عبر افتراضاتٍ واهية لا تصمد أمام النقد.
  5. ابن النديم، الفهرست، ج 2، ص 411.
  6. Chwolsohn, Die Ssabier , Vol. I, p. 119.

ونزاهته، وكانت له شعبية كبيرة بين طوائف البحر الميت، وكانت دعوته يهودية أصولية تقوم على التمسّك بالشريعة اليهودية، والتقيّد بأحكام السبت، وممارسة الختان، وكان يقرّ الزواج ويتوجه بالصلاة نحو الهيكل بأورشليم46. ليست أوّل تلك التعقيدات الناجمة عن قبول رواية النديم والتصديق على وجود علاقة مباشرة بين الحسج والمندائيين هو خلوّ كتب المندائيين من أيّ إشارة إلى هذا الحسج وجماعته. هذه واحدة، أمّا الثانية، فهي كيف تأتّ أن تحوّلت جماعته من جماعة يهودية أصولية محافظة تتقيد بأحكام السبت إلى ما هي عليه الآن من شدة العداوة لليهود واليهودية؟! أمّا الثالثة، فهي أنّه لا شيء ممّا ذكره النديم عن جماعة الحسج يمتّ بصلة للمندائيين سوى لاغتسال في مياه النهر الجارية (التعميد)، خلا ذلك فجميع ما ذكره النديم بعد ذلك لا ينطبق على المندائيين بحال من الأحوال. وكما يترتب على قبول رواية النديم على علّتها بخصوص علاقة الحسج بالمندائيين من إثارة إشكاليات كثيرة، فإنّه يترتب أيضًا على رفضها مشكلة كبيرة؛ فالتسليم برفض العلاقة بين الحسج والمندائيين من شأنه أن يصرف الذهن تلقائيًّا إلى افتراض خطير، وهو أنّ النديم كان يتحدث عن طائفةٍ أخرى هي المعنيّة بوصفه "صابئة البطائح"، وكانت تدعى بالمغتسلة، ومارست التعميد، وعاشت في المنطقة نفسها التي عاش المندائيون فيها، وهذا من شأنه أن يجعلنا على حذرٍ كلما تكررت عبارة "صابئة البطائح" في المصادر العربية، والتي- وبموجب هذا الطرح - لا تشير إلى المندائيين وحدهم في كل الأحوال كما يذهب ج. ب. سيجال Segal. J. B47، وهذا من شأنه أن يزيد الأمور تعقيدًا. ويعلّل أنصار نظرية الأصل الشرقي كراهية المندائيين لليهود بأنّ الجاليات اليهودية الكبيرة على ضفّتَي الفرات هي التي دار بينها وبين المندائيين النزاع، وربما وصل الأمر إلى حدّ إرغام يهود العراق لأعدادٍ من المندائيين على لارتداد عن دينهم؛ إذ تشخص الأساطير المندائية ذلك النزاع في محاولات اليهود المستمرة إرغام ميرياي ابنة هيرودس الملك على لارتداد عن المندائية لدينها القديم (اليهودية)، ثم ما أعقب ذلك من اضطهادات قاسية مارسها اليهود تجاه الناصورائي (المندائيون الأوائل). وعلى هذا يعتقد أنصار نظرية الأصل الشرقي أنّ الصراع بين اليهود والمندائيين دار فعليًّا على شواطئ دجلة والفرات، وحين استعادتها الذاكرة المندائية بعد قرون - حينما بدأ تدوين الكتابات المقدّسة - جعلت أماكن هذا الصدام أورشليم نفسها48. وتبقى مسألةٌ شائكة أخرى عند أصحاب نظرية الأصل الشرقي، وهي علاقة المندائيين بيوحنا المعمدان. وأنصار نظرية الأصل الشرقي يعتقدون أنّه ليست ثمة علاقة مباشرة تربط بين المندائيين ويوحنا المعمدان، فهم ليسوا من تلاميذه؛ فيوحنا لا يظهر في نصوص الطقوس والسحر والتعميد في التراث المندائي القديم، كما أنّ الإشارات التي وردت بشأنه - ومن دون استثناء - متأخرة تمامًا، ولا تظهر في النصوص المندائية الأولى، وفي الغالب تذكر اسمه - عليه السلام - بالصيغة العربية يحيى "يهيا" وحدها، أو مقترنة - جنبًا إلى جنب - بالصيغة العبرية الآرامية للاسم وهي يوحنا "يهيا يوهانا" لكنّها لا تذكره أبدًا باسم يوهانا منفردًا من دون الصيغة العربية يهيى، وفي هذا دليلٌ كافٍ على أنّ تلك الصلة مفتعلة، وبدأت مع دخول الإسلام العراق وليس قبل ذلك. هذا إضافةً إلى أنّه لم يترك تعاليم لهم، ولم يصوّر نبيًّا تقليديًّا، أو حتى مسيحًا أو مخلّصًا أو مؤسسًا للطائفة، بل إنّه لم يؤسس حتى طقس التعميد في ديانة الصابئة المندائيين49، كما أنّ الإشارات الواردة بشأن الأردن لا تقرن بيحيى في أيٍّ من الح لات التي وردت فيها، يضاف إلى ما تقدَّم أنّ التعميد عند المندائيين ليس طقسًا للندم والتوبة ابتداءً كما في تعاليم يوحنا المعمدان، وأنّ كلّ المادة التي تدور حول يحيى مستمدة

  1. عن الحسج وحياته وتعاليمه وبيئته التي عاش فيها انظر: W. Brandt, "El-Kesaites", Encyclopedia of Religion and Ethics , Vol. IX, pp. 202 - 209 ; سباهي، ص 105 – 107.
  2. J. B. Segal, "Pagan Syriac Monuments in the Vilayet of Urfa", in: Anatolian studies , Vol. 3 - 4. (1953), p. 110.
  3. سباهي، ص 139.
  4. النوراني "هيبل زيوا" هو من تنسب إليه الأساطير المندائية تأسيس ذلك الطقس، وتأخذ دراور هذه النقطة حجّة على أنّ علاقة يوحنا المعمدان بالمندائيين غير مصطنعة، وأنّه كان على علاقة فعلية بالناصورائي القدماء، الصابئة المندائيون. وانظر أيضًا تفنيد سباهي الأدلة التي ساقها والتر ونك محاولً إثبات صلة يحيى بالمندائيين قبل الفتح الإسلامي، سباهي، ص 124 – 130.

من إنجيل لوقا والقرآن الكريم، وهناك ما يشير إلى أنّها لم تأخذ صورتها النهائية في المعتقدات المندائية إلا مع الفتح العربي، أي ليس قبل القرن السابع50، وذلك لأغراضٍ تتعلّق بتطلّع المندائيين لمعاملة المسلمين لأهل الذمة.

نظرية الأصل الغربي

أمّا أنصار نظرية الأصل الغربي للصابئة المندائيين، وهي النظرية التي تمثّل الوجه المعكوس لنظرية الأصل الشرقي، فيعتقد أنصارها أنّ منشأ الصابئة كان إلى الغرب من العراق وبين طوائف البحر الميت - في بيئة شرقيّ الأردن - ممّن كانوا يمارسون طقوس التعميد هناك، وقد تزعّم هذا لاتجاه ليدزبارسكي (في أبحاثه الأولى ثم تراجع عنه إلى القول بالأصل الشرقي في أبحاثه الأخيرة). وعلى العكس منه تخلّت الليدي دراور في أبحاثها الأخيرة عن حماسها لنظرية الأصل الشرقي. وتبنّت بحذرٍ نظرية الأصل الغربي، دون التخلّ عن علاقة الحسج بالمندائيين. وتحمّس لها أيضًا رودلف ماكوخ، وكورت رودلف51. ويرى أصحاب هذه النظرية أنّ الصابئة المندائيين هم في الأصل أنصار أحد المذاهب التي تفرّعت عن اليهودية، وأنّهم هاجروا هربًا من اضطهاد المؤسسة الدينية اليهودية، وذلك على نحو أقرب لما تؤدّيه الأسطورة المندائية. ويحتجّ القائلون بنظرية الأصل الغربي للصابئة بأنّ الصابئة المندائيين هم خليط من المهاجرين من فلسطين ممّن يحملون معتقدات يهودية مسيحية مشتركة هربًا من لاضطهاد. واختلط هؤلاء المهاجرون بأهل بلاد ما بين النهرين في بيئاتهم، والذين كانوا يحملون بدورهم بقايا من ديانة البابليين الأولى. وأدّى هذا لامتزاج إلى ذلك التعقيد في أصول العقائد الذي تتميز به ديانة الصابئة المندائيين.

كاهن مندائي يباشر تعميد أحد أبناء طائفته52

  1. Walter Wink, John the Baptist in the Gospel tradition (Cambridge: 1968), p. 100 ;
  2. Edwin M. Yamauchi, Gnostic , pp. 9 - 10.
  3. Buckley, The Mandaeans: ancient texts and modern people.

ومن القرائن التي يسوقها أنصار الأصل الغربي أنّ الأساطير المندائية تُظهر المندائيين على أنّهم قوم جاءوا من الشمال، وأنّهم هاجروا من فلسطين بتأثير اضطهاد المؤسسة الدينية الرسمية اليهودية لهم، ولا يمكن أن يكون كل ذلك محض اختلاق. كما أنّ قوة أثر الغنوصية في المندائية جعلت العديد من الباحثين القائلين بالأصل الغربي يعتقدون أنّ الغنوصية هي العنصر الأصيل في الديانة، وما عداها هي تأثيرات ثانوية، حتى إنّهم ينعتون المندائية بأنّها آخر الديانات الغنوصية الحية. وقد أصاب الزخم نظرية الأصل الغربي للمندائيين بعد اكتشاف مخطوطات البحر الميت الشهيرة بوثائق قمران، وكذلك اكتشاف مكتبة كاملة لبعض الطوائف الغنوصية في نجع حمادي في صعيد مصر53. وأظهرت هذه الوثائق تلك الجذور العميقة لبعض الممارسات الدينية المندائية وتشابهها الشديد مع طقوس أتباع هذه المذاهب على نحوٍ يرجّح أنّها ظهرت في البيئات التي انتشرت فيها تلك العقائد على الأقل. فمثلً تقارب لاعتقاد بثنائية الظلام والنور، والخير والشر، وهي ثنوية شاعت بتأثير التعاليم البابلية الفارسية في منطقة الشرق الأدنى54، كما يقترب المندائيون من الأسينيين55 في طقوس التطهر وارتداء الملابس البيضاء أثناء طقس التطهر، وهو أمر مماثل عند المندائيين، وكذلك في نظرتهم العامة تجاه صرامة مراعاة المقاييس الأخلاقية كاحترام الناس، والنزاهة في التعامل، والتزام العدالة والحق، وتوقير من هم أكبر سِنًّا، والتقوى بصورة عامة. وهي قيم شاعت في منطقة الشرق الأدنى بتأثير الفلسفة الرواقية الإغريقية. وهناك بعض النواحي الأخرى التي يقترب فيها المندائيون من الأسينيين كطرق الدفن، واستقبال الشمال قبلة56. وهي أمور تثير التساؤل عن علاقة كلتا الفرقتين ببعضهما البعض. والأهمّ من ذلك وجود تماثل بين بعض النصوص المندائية ونصوص إنجيلية لا سيّما في افتتاحية إنجيل يوحنا57 إضافةً إلى العثور على كتابات مندائية وسط أوراق الجنيزة اليهودية58.

  1. اكتشفت مخطوطات نجع حمادي عام 945 1 م، وقصة اكتشافها وأخيرًا استقرارها في المتحف القبطي في القاهرة لا تخلو من الطرافة؛ حيث اكتشف أخوان أمّيان يعملان بالزراعة، ويدعيان خليفة ومحمد ابنا علي السمان عندما كانا يبحثان عن سماد لحقلهما، جرة خزفية أسفل هضبة "جبل الطريف" بالقرب من دير القديس باخوم، على الضفة الشرقية للنيل قبالة نجع حمادي، فظنّا أنّهما عثرا على خبيئة من الذهب، وقاما بكسر الجرة، فوجدا بداخلها عددًا كبيرًا من اللفائف والمخطوطات البردية، ولم يفطنا أوّل الأمر لقيمتها، واستخدما أكثرها وقودًا للفرن في منزلهما، وسلمت من ذلك الإعدام العفوي 31 مجموعة نفيسة (مخطوطة مجلدة) من البردي بطريق الصدفة؛ فقد هرب الشقيقان من القرية لنزاعات ثأرية بعد أن تورّط والدهما في جريمة قتل، وسلّما دارهما وما تحويه لأحد القساوسة على سبيل الأمانة، وعندما شاهد مدرس قبطي كان زوج شقيقة القسّ تلك اللفائف شكّ في أنّها مدوّنة بالقبطية القديمة، وربّما كان لها بعض الأهمية من الناحية الأثرية، فحمل واحدة من تلك المخطوطات إلى القاهرة حيث توجّه بها إلى المتحف المصري، وعلى الفور أثارت اهتمام البروفسيور إبيين دريوتون مدير المتحف في ذلك الوقت فاشتراها لحساب المتحف بمبلغ 50 2 جنيهًا مصريًّا، وأثار ظهور تلك المخطوطات فضول تجّار الآثار والعلماء الأجانب فبدأوا مفاوضات جادة مع مالكيها الذين اشتطّوا في مطالبهم المادية، وكان المقابل المادي الذي طلبوه فوق إمكانات المتحف القبطي. وخوفًا من تسرّب المخطوطات إلى خارج مصر وتكرار مأساة أوراق الجنيزة القاهرية الشهيرة، نجح المتحف القبطي في استصدار إذن من النيابة العامة بمصادرة تلك المخطوطات وتعويض مالكيها وفقًا للأحكام التي كانت تنظّم لاتجار في الآثار آنذاك، وسرعان ما أتيح للعلماء دراسة المخطوطات لمعرفة أصحابها، وعرفت المجموعة لاحقًا بين العلماء ب"مكتبة نجع حمادي". وهي مصنفات لإحدى الفرق الغنوصية التي عاشت في صعيد مصر، وتحتوي هذه المخطوطات الثمينة على بعض الأناجيل والكتابات الغنوصية المحظورة كنسيًّا، وكان لها شأنٌ عظيم في معرفة الغنوصية عن كثب، وبأقلام الغنوصيين أنفسهم، إذ حتى زمن اكتشاف تلك المخطوطات لم نكن نعرف عن الغنوصية إلا ما وصل إلينا عن طريق آباء الكنيسة المعادين لها، بصفة خاصة إيريناوس، هيبوليتس، أبيفانيوس، وتشمل مخطوطات نجع حمادي الثلاث عشرة 48 كتابًا، تبلغ في مجملها 000 1 صفحة، من بينها 794 صفحة حُفظت كاملة وبحالة ممتازة، واللغة التي كتبت بها هي اللغة القبطية، إذ دوّنت 0 1 مجلدات "بالقبطية الصعيدية"، أمّا الثلاث الأخر فقد دوّنت ب"الأخميمية الجنوبية". ويمتدّ زمن تدوين هذه المجموعة من المخطوطات من نهاية القرن الثالث إلى بداية القرن الرابع الميلادي، عن تلك الوثائق الفريدة وأهميتها وكيفية العثور عليها، انظر مقدمة النشرة الإنكليزية لتلك الوثائق: The Nag-Hammadi library in English , James Richard Smith (trans. & edit), (Leiden: 1977), pp. 3 - 26 ; وللمزيد عن مكتبة نجع حمادي تجد مجموعة متنوعة من الدراسات عن تلك المخطوطات من مختلف الجوانب الدينية والتاريخية في العمل التجميعي: Essays on the Nag-Hammadi texts , Pahor Labib & Martin Krause (edit), (Leiden: 1975).
  2. Wayne A. Meeks, The prophet-king; Moses traditions and the Johannine Christology (Leiden 1976), p. 267.
  3. الأسينيون: أخوية مارقة تأسست بعيدا عن سلطة كهنة الهيكل اليهودية، وأقامت مستوطنات جنوب البحر الميت، واشتهروا بورعهم، وكراهيتهم للمظاهر الدنيوية الفانية، واحتقارهم للمال والثروات، وكذلك كراهيتهم للنساء الذي وصل عند البعض منهم إلى حد التبتل ورفض الزواج، كما عرفوا بحرصهم على التطهر الجسماني، وذلك بواسطة المبالغة في لاغتسال بالماء، وعلى الأرجح فإن نشأة التعميد كرمز للتوبة والندم قد نشأت في وسط أسيني، أو متأثر بالأسينية انظر: مقدمة موسى ديب خوري للنشرة العربية من مخطوطات قمران، "القسم الأول: التوراة: كتابات ما بين العهدين" (دمشق: 998 1)، ص 5 3 وما بعدها؛ Dolores Cannon, Jesus and the Essenes (New York: 1992), pp. 28 - 56 ; Christian David, Ginsburg: The Essenes; their history and doctrines (London: 1955), pp. 5 - 31.
  4. سباهي، ص 99 - 101.
  5. المرجع نفسه، ص 36.
  6. Edwin M. Yamauchi , Gnostic , p. 2.

وذلك العداء الشديد الذي تضمره المندائية لليهودية في كتاباتها المقدسة، يشير بوضوح - في نظر أصحاب نظرية الأصل الغربي - إلى حقبةٍ مريرة من الصراع بين الديانتين. ومن الطبيعي أن تكون فلسطين هي مسرح النزاع في صراع مثل هذا؛ فإله إسرائيل الذي تدعوه المندائية ب"أدوناي" هو إله شرير، لا يضمر للمندائيين ودًّا، وهو يقرن بشامش (أحد الكواكب السبعة الأشرار المكلّف بالشمس)، وإن ميشا (موسى) هو نبيّ للروها (قوى الظلام)59. كذلك مكانة يوحنا المعمدان المتميزة في العقيدة المندائية مقارنةً بالموقف العدائي الذي تتّخذه من دعوة المسيح على نحوٍ يمكن تفهّمه في ضوء العداء الشهير والمعروف بين تلاميذ المسيح وتلاميذ يوحنا المعمدان60، إضافةً إلى مراسم التعميد، والتطهير بالماء الجاري هي- كما يرجّح أنصار نظرية الأصل الغربي - ما يميز طقوس تلاميذ يوحنا المعمدان، ويشير بوضوح إلى بيئة البحر الميت جنوبي فلسطين. على ذلك يرجّح أنصار نظرية الأصل الغربي أنّ المندائيين الفارّين بدينهم من فلسطين هم قوام المهاجرين إلى بلاد ما بين النهرين، حيث اختلطوا بسكانها وتأثروا إلى حدٍّ ما بتعاليم الديانة البابلية الأولى. ومن هنا خرجت لنا تلك العقائد الدينية الفريدة التي تميز المندائية اليوم. وحدثت هذه الهجرة المفترضة إلى جنوب العراق في وقتٍ متأخر ما بين القرنين الثاني والثالث الميلاديين. وهناك اكتسبت تلك الديانة ذلك المظهر الشرقي الخالص ذا السمات البابلية والآشورية، إضافةً إلى ذلك المظهر الغنوصي المميز لها61. أمّا اللغة المندائية، فهي بدورها أحجية أخرى. لكنّها تميل إلى تعضيد نظرية الأصل الشرقي؛ فهي لغة تفرعت - ولا شك - عن الآرامية القديمة62؛ فالمندائية تحوي قدرًا هائلً من المفردات ذات الأصل الآرامي والأكدي والبابلي والفارسي في مزيج واحد يوحي بتأثّرها بظروف بلاد ما بين النهرين؛ تاريخيًّا وجغرافيًّا، في حين أنّ تأثّرها بالعبرية كان في أضيق نطاق. وعزّز ذلك نظرية القائلين بالأصول الشرقية للمندائيين. وعلى ذلك قرّر كلٌّ من بركيت ونولدكه أنّ لغة المندائيين بشكلها الحالي لا تدعم نظرية الأصل الغربي63؛ فاللغة المندائية أقرب إلى لغة التلمود البابلية، وكلتا اللغتين متجاورتان من الناحية الجغرافية. ويميل علماء الساميات الآن إلى أنّ لغة التلمود البابلية كانت تُستخدم في بابل العليا، والمندائية في بابل السفلى64. أمّا الأبجدية المندائية، فيعتقد روبرت ماكوخ، وهو أحد أبرز مناصري قضية الأصل الغربي للصابئة المندائيين، أنّها صورة مطوّرة عن الأبجدية النبطية، وقد جاء بها المندائيون من الغرب. ولكن بعض الباحثين أمثال نيفيه وكوكسن يعتقدون أنّ الأبجدية المندائية هي صيغة مطوّرة عن الأبجدية العيلامية التي انتشرت في فارس وبلاد ما بين النهرين قبيل ظهور المسيحية. خلاصة القول، لم يتمخّض عن البحث في أصول الصابئة المندائيين بين الشرق والغرب أيّ حسمٍ لقضية الأصل سواء على الصعيد الإثني أو العقائدي؛ لأنّ النظريتين معًا لا تقومان على دليل، وإن كان الباحثون اليوم يميلون أكثر للقول بالأصل الغربي للمندائيين فذلك بتأثير عاملين فحسب؛ أوّلهما: ظهور وثائق قمران ووثائق نجع حمادي ونشرهما في توقيت متزامن، وتأثيرهما العميق في الدفع بالدراسات الخاصة بالغنوصية إلى آفاقٍ أرحب من ذي قبل، وما نجم عن ذلك بطبيعة الحال من انعكاس جزئي على قضية أصل المندائيين ونشأتهم. وثانيهما: ميل ثلاثة من

  1. سباهي، ص 102.
  2. إنّ الفقرات الواردة في إنجيل متى: "أنَا أُعمِّدكُم بمَاء للتَّوبَة، ولكنَّ الذي يَأتِ بَعْدي هُو أقْوَى منِّي، الذِي لَسْتُ أهْلً أن أحْمِل حِذاءَه، هُو سيُعمِّدكُم بالرُّوح القدُس". متى 3: 11؛ "حينئ ذٍ جَاء يسُوع من الجَليل إلى الأرْدُن إلى يُوحنَّا ليَعْتَمُِد مِنْهُ، ولكِنَّ يُوحنَّا منَعهُ قائِلً: أنَا مُحْتاجٌ أنْ اعْتَمِد مِنْك، وأنْتَ تَأتِ إليَّ، فأجَاب يسُوع وقَال لهُ: اسْمَح الآن لأنَّه هكَذا يليقُ بِنا أنْ نُكْمِل كُلَّ بِرّ". متَّى 3: -16 31؛ "الحَقُّ أقُول لكُم: لمْ يَقُم بيَْ المَوْلُودِين من النِّسَاء أعْظَم من يُوحنَّا المَعْمَدان، ولكنَّ الأصْغَر في مَلكُوت السَّماوات أعْظَم منْهُ". متَّى 11: 9-12، وهي فقرات لها علاقة - في نظر البعض - بالمعارك والنزاعات التي كانت مستعرة بين تلاميذ يوحنا وتلاميذ المسيح وقت تدوين متى إنجيله، وأراد فيها تمجيد المسيح وإظهار يوحنا على أنّه ممهّد لدعوته، ولعلّ تلاميذ يوحنا كانوا يحتجون بتقدم أستاذهم بأنّه قام بتعميد المسيح كما يتضح من قراءة ما بين السطور لفقرات إنجيل متى المذكورة سلفًا.
  3. سباهي، ص 111 ; 62 - 60 ; E. M. Yamauchi, pp 101 - 95), pp. 1960 (Oxford: The secret Adam E. S. Drower, 61
  4. كانت اللغة الآرامية قد أصبحت منذ القرن الرابع ق. م لغة عالمية، فقد ابتلعت جميع اللهجات واللغات الأخرى في منطقة الشرق الأدنى باستثناء شبه الجزيرة العربية ومصر. انظر: موريس لومبار، الإسلام في مجده الأول، من القرن الثاني إلى القرن الخامس الهجري، إسماعيل العربي (مترجم)، (الدار البيضاء: منشورات دار الآفاق الجديدة، 990 1)، ص 6 31؛ وعن اللغة المندائية وعلاقتها بالآرامية الأم وتأثيرات العربية فيها بصورتها الأخيرة بصورة أخص انظر: أديبة الخميسي، "علاقة المندائية بالعربية"، مجلة المورد العراقية، مج 4، ع 2، (بغداد 975 1)، ص 67 - 70؛ إبراهيم السامرائي، دراسات في اللغة، (بغداد: مطبعة العاني، 961 1)، ص 112 وما بعدها؛ صبحي الصالح، دراسات في فقه اللغة (بيروت: دار العلم للملايين، 968 1)، ص 51.
  5. Burkitt F. C, Church and Gnosis (Cambridge university press, 1932), p. 111 ; Noldeke, Mandaean bibliography (Oxford university press: 1933), p. 63.
  6. مراد كامل ومحمد حمدي البكري وزاكية محمد رشدي، تاريخ الأدب السرياني (القاهرة: د. ن، 987 1)، ص 12.

على الرغم من لافتقار إلى أدلة مادية حاسمة65.

خاتمة

هذه المسألة معلَّقة إلى أن يعثر الآثاريّون على أدلةٍ جديدة من شأنها أن ترجّح كفّة إحدى النظريتين على الأخرى. كبار العلماء المتخصصين في المندائيات - في الحقبة الأخيرة - وهم السيدة دراور ورودلف ماكوخ وكورت رودلف إلى نظرية الأصل الغربي، وما كان له من تأثير كبير في دعم الأوساط العلمية لها، بخاصة في ضوء خفوت صوت أصحاب نظرية الأصل الشرقي التي أصبح يُنظر إليها على أنّها نظرية كلاسيكية قديمة. ومع ذلك فإنّ جميع ما ساقه دعاة الأصل الغربي لا يكفي - باعترافهم أنفسهم - لحسم هذه القضية. وتظلّ فكرة البحث عن أصول الصابئة بين من تبقّى من البابليين القدماء أو الأقوام الآتية من الشرق ممّن اندمج معهم من الجماعات والشعوب الآرامية، تغري المرء بالبحث فيها

من الصّعوبة بمكان القَطع بصورة حاسمة وباتّة في مسألة أصل المندائيِيّن، وما إذا كان هذا الأصل يعود إلى الغرب حيث الشعوب التي انتشرت في منطقة البحر الميّت جنوبيّ فلسطين أم أنّ هؤلاء القوم من السكان المحليين لبلاد ما بين النهرين، إذ تبقى الأدلة متوازنة في هذا وذاك، وسوف تظلّ

  1. سباهي، ص 61-62.

قائمة المصادر والمراجع

المراجع العربية

باقر، طه. مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، تاريخ الفرات القديم. ط 2. بغداد: د.ن، 955 1. البيروني، أبو الريحان محمد بن أحمد. القانون المسعودي. ج 1، حيدر آباد الدكن: منشورات دائرة المعارف العثمانية، 954 1. الخميسي، أديبة. "علاقة المندائية بالعربية"، مجلة المورد العراقية، مج 4. العدد 2. بغداد، 975 1. دراور، الليدي. الصابئة المندائيون. نعيم بدوي وغضبان رومي (مترجمان). ط. بغداد: دار المدى، 969 1. سباهي، عزيز. أصول الصابئة ومعتقداتها الدينية. دمشق: دار المدى، 996 1. سوسة، أحمد. ملامح من التأريخ القديم ليهود العراق. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 000 2. الصالح، صبحي. دراسات في فقه اللغة. بيروت: دار العلم للملايين، 968 1. عبادة، عبد الحميد أفندي. مندائي أو الصابئة الأقدمون. رشيد الخيون (مقدم). لندن: دار الحكمة، 003 2. العدوي، أحمد عبد المنعم. "وثائق قمران"، مجلة تراث، العدد 211. دبي: إصدارات مركز زايد للتاريخ والتراث، 009 2. عطية، عزيز سوريال. تاريخ المسيحية الشرقية. إسحاق عبيد (مترجم). القاهرة: منشورات المجلس الأعلى للثقافة، 005 2. عليان، رشدي. "أصحاب الروحانيات"، مجلة المورد العراقية، مج 5، ع 2. بغداد، 976 1. روثن، مارجريت. تاريخ بابل. زينة عازار وميشال أبي فاضل (مترجمان). بيروت-باريس: منشورات عويدات، 984 1. مراد كامل ومحمد حمدي البكري وزاكية محمد رشدي. تاريخ الأدب السرياني. القاهرة: د. ن، 987 1. عبودي، هنري س. معجم الحضارات السامية. بيروت: دار الجيل، 991 1. غنيمة، يوسف رزق الله. نزهة المشتاق في تاريخ يهود العراق. بغداد: د. ن، 924 1. كرم، يوسف. تاريخ الفلسفة اليونانية. القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والنشر، 936 1.

المراجع الأجنبية

• Brandt, W. Brandt. Encyclopedia of Religion and Ethics, James Hastings & others (edit) , Vol. IX. Edinburgh: T. & T.

Clark, 1 971.

• _____________. Encyclopedia of religion and ethics, Vol. VIII.

• Buckley, J. Jacobsen. the encyclopedia of religion, Vol. IX.

• _____________. The Great Stem of Souls: reconstructing Mandaean history. New Jersey: Gorgias Press, 2 005.

• _____________. The Mandaeans: Ancient Texts and Modern People ‎. Oxford: Oxford University Press, 2 002.

• Burkitt, F. C. Church and Gnosis.Cambridge: Cambridge university press, 19 32.

• Dolores, Cannon. Jesus and the Essenes. New York: Ozark Mountain Publishing, 1992.

• Drower, E. S. The secret Adam.Oxford: Clarendon Press, 1 960.

• Ferguson, Everett. Baptism in the Early Church, History, Theology, and Liturgy in the First five centuries. Cambridge:

Eerdmans, 20 09.

• Ginsburg , Christian D. The Essenes: their history and doctrines. London: Routledge, 1955.

• Segal, J. B. Anatolian studies, Vol. III - IV, 19 53.

• Logan, Alastair. Gnostic truth and Christian Heresy. London: Glasgow, 1996.

• Meeks, Wayne A. The prophet-king: Moses traditions and the Johannine Christology. Leiden: Brill, 1 976.

• Noldeke , Theodor. Mandaean bibliography. Oxford: Oxford university press, 19 33.

• Rudolph, Kurt. Gnosis: the nature and history of Gnosticism. London: 19 98.

• Smith, James Richard (trans. & edit). The Nag-Hammadi library in English. Leiden: Brill, 19 77.

• Wink, Walter. John the Baptist in the Gospel tradition. Cambridge: University Press, 19 68.

• Yamauchi, Edwin M. Gnostic Ethics and Mandaean origins. Cambridge: Harvard University Press, 19 70.