مذكرات أسير برتغالي في مغرب القرن السادس عشر
A reading of Antonio de Saldanha’s memoirs of captivity by Sultan Ahmad al-Mansur of Morocco
الملخّص
قُسمت القراءة إلى محاور عدة، جرى فيها تناوُل شكل الكتاب ومضمونه الذي يمكن اختصاره في كونه مذكرات سجلها المؤلف عندما كان أسيراً في مراكش وتحدث فيها عن السلطان المغربي أحمد المنصور الذهبي المتوفى سنة 1603م، والأسرى البرتغاليين، وتنافس القوى الكبرى، خاصة إسبانيا وتركيا وإنكلترا، بشأن المغرب. ثم عولجت الموجهات الناظمة التي وجهت تقنيات السرد للمؤلف، فتبيّن أنه جعل مسألة افتداء الأسرى البرتغاليين في المغرب القضية المركزية والإشكال الأساسي في مذكراته، كما هيمنت عليه النزعة الوطنية البرتغالية والانتماء المسيحي. أما في ما يخص القراءة في منهج المؤلف، فقد استُخلص أنه تأسس على ثلاثة مرتكزات: استحضار التاريخ كأداة لإعادة الاعتبار للبرتغال والأسرى البرتغاليين، ثم مقاومة الذاكرة للفراغ والنسيان، والرؤية للآخر بمنظور التعالي والدونية، إذ تبيَّن أنه على الرغم من ربط الأحداث بأسبابه، فإن هيمنة التحليل الديني على إنتاجه بدا واضحًا. وتمت مناقشة مدى موضوعيته في سياق انجذابه إلى انتمائه الحضاري. من ناحية الإضافات التاريخية، أُبرز أن الكتاب يساهم في رسم صورة جديدة عن المغرب والجوالي الأوروبية المقيمة فيه. كما يساهم في اختراق المسكوت عنه في تاريخ المغرب خلال عصر حكم السلطان أحمد المنصور، ويتجاوز ما لم تستطع المصادر العربية البوح به، ويضيف نصوصاً جديدة تتعلق بالتاريخ الاقتصادي والاجتماعي للمغرب في تلك الحقبة، ومن ثم يسمح بإعادة طرح أسئلة جديدة حول عوائق التطور التاريخي للدولة المغربية.
Abstract
A review of this book must go beyond merely introducing the subject matter and the author to the readership, but must also include a description of the author’s contributions to historical knowledge and to the foundations laid by him for the understanding of the states of the Arab Maghreb. The review included here is sub-divided into a number of themes, which address the content of the memoirs recorded by Antonio de Saldanha, a Portuguese seafarer who was held captive during the reign of Morocco’s Ahmad al-Mansur (1578-1603). Beyond being a chronicle of the court life of the fabled Moroccan Sultan, de Saldanha’s work also addresses such questions as the competition between the Great Powers of his day—including especially Turkey, Spain and England—with regards to Morocco. The review goes on to focus on the principles that informed the author’s drafting of the work and his narrative style, emphasizing his own Portuguese patriotic sentiments and identification with Christendom. Further, the review of this book takes in the nature of the source materials used by de Saldanha, including his reliance on oral narratives; his reliance on his own memory; and written materials. The memoirs reviewed here certainly provide an addition to the historical canon, and in particular with regards to contemporaneous Morocco and the European communities living within it. The book is particularly valuable because of its ability to surpass the self-censorship of Arab sources dating from the same period, allowing present-day historians to raise questions about the obstacles to the historical progress of states in the Arab Maghreb.
- أسير
- مذكرات
- البرتغال
- أحمد المنصور الذهبي
- أنطونيو دي صالدانيا
- Prisoners
- Memoirs
- Portugal
- Ahmad al-Mansur
- António de Saldanha
| * Brahim AL- Kadiri Boutchich ابراهيم القادري بوتشيش| | |||
|---|---|---|---|
| Brahim AL ابراهيم القادري بوتشيشKadiri Boutchich | | قُسمت القراءة إلى محاور عدة، جرى فيها تناوُل شكل الكتاب ومضمونه الذي يمكن اختصاره في كونه مذكرات سجلها المؤلف عندما كان أسرًا في مراكش وتحدث فيها عن السلطان المغربي أحمد المنصور الذهبي المتوفى سنة 1603 م، والأسرى البرتغاليين، وتنافس القوى الكبرى، خاصة إسبانيا وتركيا وإنكلترا، بشأن المغرب. ثم عولجت الموجهات الناظمة التي وجهت تقنيات السرد للمؤلف، فتبيّ أنه جعل مسألة افتداء الأسرى البرتغاليين في المغرب القضية المركزية والإشكال الأساسي في مذكراته، كم هيمنت عليه النزعة الوطنية البرتغالية والانتمء المسيحي. أما في ما يخص القراءة في منهج المؤلف، فقد استُخلص أنه تأسس على ثلاثة مرتكزات: استحضار التاريخ كأداة لإعادة الاعتبار للبرتغال والأسرى البرتغاليين، ثم مقاومة الذاكرة للفراغ والنسيان، والرؤية للآخر بمنظور التعالي والدونية، وبُيِّ أن على الرغم من ربطه الأحداث بأسبابه، فإن هيمنة التحليل الديني على إنتاجه بدا واضحًا. وتمت مناقشة مدى موضوعيته في سياق انجذابه إلى انتمئه الحضاري. من ناحية الإضافات التاريخية، أ برز أن الكتاب يساهم في رسم صورة جديدة عن المغرب والجوالي الأوروبية المقيمة فيه. ُ كم يساهم في اختراق المسكوت عنه في تاريخ المغرب خلال عصر حكم السلطان أحمد المنصور، ويتجاوز ما لم تستطع المصادر العربية البوح به، ويضيف نصوصًا جديدة تتعلق بالتاريخ الاقتصادي والاجتمعي للمغرب في تلك الحقبة، ومن ثم يسمح بإعادة طرح أسئلة جديدة حول عوائق التطور التاريخي للدولة المغربية. A review of this book must go beyond merely introducing the subject matter and the author to the readership, but must also include a description of the author’s contributions to historical knowledge and to the foundations laid by him for the understanding of the states of the Arab Maghreb. The review included here is sub-divided into a number of themes, which address the content of the memoirs recorded by Antonio de Saldanha, a Portuguese seafarer who was held captive during the reign of Morocco’s Ahmad al-Mansur (1578 - 1603). Beyond being a chronicle of the court life of the fabled Moroccan Sultan, de Saldanha’s work also addresses such questions as the competition between the Great Powers of his day—including especially Turkey, Spain and England—with regards to Morocco. The review goes on to focus on the principles that informed the author’s drafting of the work and his narrative style, emphasizing his own Portuguese patriotic sentiments and identification with Christendom. Further, the review of this book takes in the nature of the source materials used by de Saldanha, including his reliance on oral narratives; his reliance on his own memory; and written materials. The memoirs reviewed here certainly provide an addition to the historical canon, and in particular with regards to contemporaneous Morocco and the European communities living within it. The book is particularly valuable because of its ability to surpass the self-censorship of Arab sources dating from the same period, allowing present-day historians to raise questions about the obstacles to the historical progress of states in the Arab Maghreb. مذكرات أسير برتغالي في مغرب القرن السادس عشر A reading of Antonio de Saldanha’s memoirs of captivity by Sultan Ahmad al-Mansur of Morocco Brahim AL ابراهيم القادري بوتشيشKadiri Boutchich | | ||
| مذكرات أسير برتغالي في مغرب القرن السادس عشر A reading of Antonio de Saldanha’s memoirs of captivity by Sultan Ahmad al-Mansur of Morocco | |||
| الكتاب: أخبار أحمد المنصور سلطان المغرب. | ||
|---|---|---|
| الكتاب: أخبار أحمد المنصور سلطان المغرب.. Cronica de Almançor sultao de Marrocos: العنوان الأصلي الكاتب: أنطونيو دي صالدانيا Saldanha de.António ترجمة وتحقيق: إبراهيم بو طالب؛ عثمن المنصوري؛ لطفي بو شنتوف. مكان النشر: الرباط. الناشر: الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر. تاريخ النشر: 2011. عدد الصفحات: 320 صفحة. | ||
يجسِّد هذا الكتاب نصًّا تاريخيًا متميزًا، وذاكرة أجنبية تلقي الضوء على زمن تاريخي يُعَدّ من المنعطفات الحاسمة في تاريخ المغرب الحديث، ويميط اللثام عن جملة من أسراره الملغزة. كما أنه نص وثائقي يخرج عن المألوف في الكتابة التاريخية المغربية، ويتجاوز مجرى النصوص العربية المعروفة التي دأبت على تمجيد الحاكم، وعدم الجرأة على تخطي الخطوط الحُمر لثوابت الدولة ومقدّساتها، بفضل ما يحويه من مادة خبرية جريئة، وإيماءات غنية، وشذرات قيّمة، ولحظات تأمّل تزخر بالمعاني والدلالات. كما يفتح ورشًا جديدة للمؤرخ، ويتيح للباحثين مساحات معرفية متنوعة في التاريخ الحضاري لمغرب القرن السادس عشر في مجاليه المتوسطي والصحراوي على السواء. نظرًا إلى ما يكتسيه هذا النص من أهمية بالغة، فإننا سنسعى إلى قراءته ضمن زوايا معرفية تتراوح بين التعريف به، وتحديد الموجهات الناظمة لمؤلفه، وتفكيك بنائه المنهجي، وقاعدته المصدرية، وتشريح مادته الخبرية لاستجلاء إضافاته التاريخية، من دون إغفال الصورة التي أسسها مؤلفه عن المغاربة وعن الدولة المغربية وقيادتها السياسية المتمثلة في السلطان أحمد المنصور الذهبي، انطلاقًا من رؤية معيارية خارجية تحاكم المغرب بسننها وقيمها وأعرافها. أما زاوية الترجمة والتحقيق، فإن قراءتنا لها لن تتجاوز سقف المعاينة التقنية، باعتبار أن الأفكار المطروحة للنقاش والتحليل هي أفكار المؤلف التي تنأى بنفسها عن أي مسؤولية من جانب المترجم أو المحقق.
الكتاب بنية وشكلً
يرجع أصل الكتاب إلى مخطوطة قديمة في الخزانة الوطنية في لشبونة، كُتبت باللغتين البرتغالية والفرنسية، من دون ذكر اسم المؤلف أو العنوان، ثم نُسخت منها نسخة أخرى في القرن التاسع عشر، موجودة حاليًّا ضمن أرشيفات كازا كادافال C. Cadaval. وقد نشُر النص المخطوط في لشبونة سنة 1997 باللغتين الفرنسية والبرتغالية، بعناية أنطونيو دياش فارينيا Farinha. A. D الذي أولى رعاية فائقة للنص وظروف نشره، كما حرص على تزويده بالإحالات والحواشي والتعليقات والصور والخرائط. وقام أنطونيو بوردون A. Bourdon بترجمة النسخة البرتغالية إلى اللغة الفرنسية. تتوزّع فصول الكتاب في 146 فصلً، بحسب تقسيمات المؤلف، مع مقدمة يطرح فيها حوافز تأليفه للكتاب: خصص الفصل الأولمنه لوصف عادات المغاربة، بينما جاء الفصل الأخير تحت عنوان: "كيف افتقد النبلاء والفرسان الثلاثون الذين رافقوهم وما واكب ذلك من الأحداث". ويلخص عنوان كل فصل الفكرة الرئيسة التي يتناولها المؤلف في مضمون الفصل. وقد دبّج مترجمو الكتاب صفحاته الأولى بمداخل مفتاحية لفهم النص المحقق وإدراك مغالقه وظرفيته وأبعاده، ووضعه في سياق التحولات التي شهدها العالم المتوسطي في القرن السادس عشر من حيث ظهور توازنات جديدة هندستها قوى سياسية جديدة (إسبانيا، وهولندا، وإنكلترا، وتركيا)، وانتقال المغرب إلى دولة تاجرة منفتحة على جميع الأجناس والأطياف. كما زودوه بصور من صفحات المخطوط الأصلي، وصور لملوك إسبانيا وإنكلترا والبرتغال وبعض السفراء المعاصرين للسلطان أحمد المنصور
الذهبي، وخريطة المغرب لسنة 1576، فضلً عن أشكال ورسومات، وملاحق شملت شجرة العائلة السعدية، وفهارس للأعلام البشرية والجغرافية والببليوغرافيا المساعدة في التحقيق، إضافةً إلى الفهرس العام. النص في مجمله مذكرات سجّلها المؤلف أنطونيو دي صالدانيا عندما كان أسيرًا في مراكش لدى السلطان المغربي أحمد المنصور الذهبي، وهو بذلك يغطي أحداث مرحلة تمتد من سنة 1578، إلى وفاة السلطان المشار إليه سنة 1603، وما أعقبها من صراعات بين أبنائه في السنين الثلاث التي تلت وفاته، فضلً عمّا يحويه من أخبار ذات صلة بالإسبان والأتراك وبعض دول الشمال المتوسطي. بيد أن هذه المذكرات ليست يوميات مسرودة بانتظام، بل هي مادة خبرية سياسية، وردت متقطعة، لكن بخيط رابط نسجه من خلال تدوين كل ما كان يرى فيه فائدة للتاريخ، أكان ما تعلق بتاريخ المغرب أم بتاريخ الجوالي الأوروبية والأسرى المقيمين بمراكش، إلى جانب بعض الإشارات بشأن تاريخ القوى الكبرى آنذاك، مضيفًا إليها ما كان له صلة بتجربته الفردية، كذات فاعلة ومنفعلة مع الأحداث. ومن ثمة، فإن هذا النص هو، بمعنى من المعاني، ذاكرة أجنبية منتجة لتمثلات مرحلة تاريخية مغربية، وسفر في الزمان والمكان، واسترداد تاريخي يحلّق في ذاكرة الوجدان حينًا، وفي ذاكرة الوطن وبلد الأسر حينًا آخر. الجدير بالملاحظة أن هذه المذكرات لم تدوَّن إلا بعد مرور ثلاثة عقود على عودة صاحبها إلى البرتغال، وذلك على يد كاتب مجهول الاسم. وقد قام المؤلف بمراجعة ما خطّه قلم الكاتب المجهول، وأدخل عليه تعديلات وتصويبات حفاظًا على تماسك مشاهد ذاكرته، وتناسق النص، ولو أنها لم تسلم من عبث الأخطاء كما سيأتي ذكره في موضعه. بيد أن من الإنصاف القول أن الكاتب الذي كلّفه بتحرير المذكرات كان متمرسًا بالكتابة، مالكًا ناصية اللغة، فجاءت الصياغة بأسلوب طليق يستهوي القارئ، ويجذبه بسلاسته وطرافته، وبسحر التشويق الذي ينبعث من متن المذكرات.
المؤلف والموجّهات الناظمة للتأليف
تسمح المعطيات المتوافرة في الكتاب بالكشف عن شخصية المؤلف: فهو أنطونيو دي صالدانيا المنتمي إلى أسرة برتغالية من البيوتات النبيلة، حيث شغل والده منصب حاكم مدينة طنجة سنة 1591، ومعه انتقل الفتى الشاب ليشتغل فارسًا ضمن حامية المدينة قبل أن يقع أسيرًا في قبضة السلطات المغربية، ويرحَّل إلى مراكش التي كانت عاصمة المغرب آنذاك وهناك بقي في الأسر ما يربو على 14 سنة، ثم أ طلق سنة 1606 (ص. 22)، أي بعد وفاة أحمد المنصور الذهبي بثلاث سنوات. وقد كلف أحد الكتاب بتحرير ما ظل عالقًا في ذاكرته من أحداث بعد مرور ما يزيد على ثلاثة عقود، كما سلف القول. أمّا الموجهات التي حفزت المؤلف على تأليف كتابه، فتكمن - بحسب ما يُستشف من مقدمته - في حفظ الذاكرة قبل أن يطويها النسيان، خاصة أن سنّ المؤلف كانت قد أشرفت عند سرد مذكراته على الستين سنة (ص. 21). كما أن التأليف جاء استجابة لرغبة بعض الوزراء الذين استهوتهم ذكرياته، فطلبوا منه تدوينها. بيد أن تتبّع متن المذكرات يسمح بتحديد الموجهات الأساسية التي أنجز الكتاب تحت سلطتها، وتتمثل في الظرفية الجديدة التي صار عليها المجال المتوسطي بعد أن هزم الجيش السعدي البرتغال في معركة المخازن سنة 1578؛ تلك الهزيمة التي شكلت عقدة تاريخية وصدمة نفسية للمؤلف، إذ كسرت شموخ الدولة البرتغالية، وهو ما عبّ عنه المؤلف بكلماته، متحدثًا عن الملك البرتغالي سيباستيان Sebastian I، رمز العظمة البرتغالية الذي سقط في تلك المعركة: "وكان يومئذ هو عز البرتغال وعنوان عظمته" (ص. 22). لذلك، فإن الطريقة السردية الواردة في المذكرات تحيل على المخزون النفسي للكاتب عبر تقنيات البوح والاعتراف المتستر، وردّات الأفعال المتشنجة أحيانًا تجاه الطرف المنتصر. وبالمثل، أنتجت هذه النكسة معطيات جديدة تجلت في تحييد دولة البرتغال، وبروز قوى جديدة تتصارع على الهيمنة البحرية، وخاصة الإسبان والإنكليز والأتراك، ومحاولة كل قوة الاستفراد بالمغرب، وهو صراع كان محكومًا أيضًا بسعي السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي إلى تحقيق التوازن في تعامله مع هذه القوى الكبرى التي كانت تملك أوراق ضغط خطِرة تمثلت في تشجيع إخوته على إقصائه عن السلطة. لذلك جاء الكتاب
أشبه بتقرير يقدمه المؤلف إلى السلطات الإسبانية التي انتهزت فرصة ضعف البرتغال لابتلاعها: "وقيدت العديد من الأشياء التي من الضروري أن تطلع عليها هذه المملكة الإسبانية، فنحن اليوم طوعًا أو كرهًا من رعاياها" (ص. 21). ولا يجد قارئ النص عناء في الوقوف على بعض النواظم المتحكمة في تقنية السرد التي ميزت مذكرات أنطونيو دي صالدانيا، وحسب أنها خضعت لسلطة النزعة الوطنية، وهو ما يمكن أن نلمسه في ثنايا الكتاب في مواضع عدة، نقتصر فيها على مؤشرين: أوّلهما حرص المؤلف على جعل مسألة افتداء الأسرى البرتغاليين في المغرب القضية المركزية والإشكال الأساسي في مذكراته؛ فعلى امتداد صفحات الكتاب، يتضخم سؤال الأسرى والسفراء والمبعوثين لافتكاكهم، فيحزن المؤلف عند ذكر كل خبر يشي بفشل عملية الافتداء، في حين يعرب عن سعادته بكل مسعى يكلَّل بالنجاح، ومن هذا القبيل يأتي ذكر خبر نجاح السفارة في إطلاق سراح النبلاء البرتغاليين الثمانين (ص. 47). وبهذه الوتيرة تسيطر النزعة الوطنية على الكاتب، وكأنه ألّف الكتاب لمعالجة أخبار افتكاك الأسرى البرتغاليين في المقام الأول. ويتجلّ المؤشر الثانيلهيمنة سلطة النزعة الوطنية التي وقع الكاتب في شراكها، وحركت جماح قلمه، في انتقاده بعض الكتابات "المغرضة" عن هزيمة وادي المخازن، واعتبارها أسوأ لحظة في تاريخ البرتغال، حتى أنه وصفها ب"المصيبة"(ص. 34) التي تستوجب "الصدع بالحقيقة" (ص. 22)، وهو ما يُفهم من دفاعه عن وطنه البرتغال بالقول: "إن المؤرخين الأجانب يحسبون البرتغال شيئًا هيّنًا، نظرًا لمساحة أقاليمه وليس لما أنجزه سكانه من عظيم المنجزات"(ص. 35). وفي المنحى نفسه، هيمنت على المؤلف فكرة دعم حركة المطالبة باستقلال البرتغال عن إسبانيا التي ضمتها إلى مجالها الترابي بعد معركة وادي المخازن. وبذلك يمكن القول إن المذكرات التي يحويها الكتاب مدار القراءة ليست سردًا لزمن فردي، بل لزمن وطن وأمة، فمن البديهي أن تهيمن فيه النزعة الوطنية على حساب الحقائق التاريخية، وتحضر الرقابة الرسمية التي تحصّن مقدسات الوطن وتاريخه. كما يتمظهر ثانيًا في تشخيص الروح الوطنية حين يعارك حنين ذاكرة وطنه البرتغال، فيستدرج القارئ للإنصات إليه، وهو ما ساهم أيضًا في توجهات كتابته. وفي سياق الموجهات الناظمة لتأليف الكتاب أيضًا، ينبغي استحضار الشعور الذي كان ينتاب المؤلف بالأخطار المحدقة بإسبانيا على الرغم من الإعلام المضلل والدعاية بقوّتها، وهو ما يُستشف من قول المؤلف من أن نص هذا الكتاب "يرمي إلى غايات بعيدة" على ما يحمله من شحنة سياسية ودلالات لها مغزى عميق.
يف المنهج والمقاربات
تسمح القراءة الراصدة للمنهج الذي وظّفه المؤلف بالقول إن إستراتيجية التأليف التي تبنّاها تأسست على ثلاثة مرتكزات: ӵ استحضار التاريخ كأداة لإعادة الاعتبار إلى البرتغال والأسرى البرتغاليين؛ ӵ ӵ مقاومة الذاكرة للفراغ والنسيان؛ ӵ ӵ رؤية الآخر بمنظور التعالي والدونية. شكّلت هذه المرتكزات الخيط الناظم لمذكراته، وهو ما يطرح السؤال المنهجي الكلاسيكي عن الموضوعية والحياد في سرد تلك المذكرات، التي تستند أحيانًا إلى الذاتية والأهواء، وإلى سلطة ثقافية تمتح من الهوية الأجنبية والانتماء الحضاري عند تدوين مفاصل الأحداث، الأمر الذي يجعلها أحيانًا تبريرات واتهامات مجانية توجَّه إلى الآخر، وتأملات شخصية وذاتية تعكس بصمات صاحبها وزمن الثقافة الذي عاش فيه. وبما أن صاحب المذكرات يعتمد على ذاكرته الذاتية في سياق الاسترجاع التاريخي، فإن الأمر يطرح مدى قدرته على تقديم المعلومات بموضوعية، ومقاومته كل شكل من أشكال الرقابة الرسمية أو الذاتية؛ فهو يوظف مذكراته بوصفها وسيلة تعبير يتعايش داخلها النص التاريخي والشعور الوجداني، والانعكاسات النفسية، وهو ما يحول دون تحقيق التوازن في عملية التواصل الرمزي مع الآخر، ويسمح باختراق الذات الكاتبة للنص المستعاد. صحيح أن المؤلف لبس عباءة المؤرخ الموضوعي في بعض مواضع مذكراته، ومنها، على سبيل المثال، حديثه عن السجن الذي خصصه المولى محمد السعدي للأسرى المسيحيين، والذي يصفه بأنه كان فسيحًا ومزودًا بكل اللوازم (ص. 29)، بيد أن معظم نصوصه قفز عن روح الموضوعية انطلاقًا
من نزعة الاستعلاء التي وجَّهت منهجه في قراءة الأحداث، وجعلته غير قادر على الخروج من جلده، والتحليق خارج دائرة ثقافة عصره، فظل في أغلب أحكامه مرتبطًا بذاته عبر مواقفها المتعصبة، إقبالً وإدبارًا، فهو لا يخفي تفضيله المسيحية على الإسلام (ص. 92)، ويصف المغرب ببلد الفتنة والفوضى وبلد الأعراب (ص. 44) والرشوة واستعمال المال (ص. 71)، ويسم القضاء المغربي بالتجاوزات (ص. 118)، ويصور سلطان المغرب أحمد المنصور بأنه راع للأجانب، لكنه يفسر ذلك برغبته في تحقيق النهضة على أكتافهم (ص. 43). ويصف حملة القائد جؤذر للسودان بأنها أمعنت في السلب والنهب (ص. 126)، ويصف أهل شنقيط بأنهم همج يأكلون لحم الأسود والفيلة (ص. 86). ويذكر في موضع آخر أن اختلاط غلمان القصر النصارى بالمغاربة جعلهم ينساقون معهم في الانحلال الخلقي بحيث "تلطّخوا إلى درجة نسيان ما لُقنوا من الشريعة النصرانية"(ص. 90)، إلى غير ذلك من الأحكام التي تنبو عن الحقيقة. وقادته نزعته الاستعلائية إلى استعمال عبارات نابية في وصف المغاربة، مثل "الدناءة" (عنوان الفصل ص 92، 191)، و"التصرف الهمجي" (ص 193، 145)، وغيرهما من عبارات الشارع التي تفوح منها رائحة التعصب والاستعلاء العرقي، وتقتضي من القارئ الحصيف كثيرًا من التحوّط والاحتراز. ومما زاد في الخلل المنهجي للمؤلف، حسبما سبقت الإشارة إليه، هو أنه كتب مذكراته بعد ثلاثة عقود من الأحداث التي عاصرها، وفي وقت كان قد بلغ من الكبر عتيًا، الأمر الذي يجعلها نصوصًا غير آنية، علمًا أن المسافة الزمنية الفاصلة بين وقوع الحدث وتاريخ الكتابة عنه تكتسي بُعدًا مهمًّا في الكتابة الاسترجاعية، واستحضار المعلومات بشكل انتقائي يخضع لشروط وظرفية لحظة التدوين، فصورة المجتمع المغربي التي التقطها الكاتب البرتغالي أُعيد تركيبها مرتين: المرة الأولى حين سجّل الأحداث في ذاكرته، والثانية حين روى تلك الأحداث لكاتب النص، وجعلها تتحول من سارد داخلي إلى سارد خارجي، وهذا ما يجعل التحريف والنسيان وضياع التفصيلات أكثر احتمالً لاختراق الصورة الأصلية التي شاهدها المؤلف في حينها. ويلاحَظ أيضًا أن منهجية المؤلف اتسمت أحيانًا بتقطيع سياق الحدث؛ فعند معالجته استعداد الجيش السعدي لغزو السودان (ص. 124)، يقطع المؤلف الخبر وينتقل إلى معالجة هزيمة إنكلترا أمام البرتغال، ثم يعود في الصفحة 126 لمواصلة الحديث عن غزو السودان (انظر أيضًا روايته عن غزو شنقيط وانتقاله إلى معالجة علاقة المنصور بإسبانيا ص 87 - 88). في سياق منهجية الكتابة عند أنطونيو دي صالدانيا، يستشف قارئ النص عجزه عن الانفلات من سلطة التفسير الديني للأحداث والوقائع المسرودة، وهو ما يمكن وضع الأصبع عليه في مواطن عدة من نص المذكرات؛ فهو يفسر النكسة التي تعرضت لها البرتغال بمشيئة الله (ص. 34). وفي خضم حديثه عن انتصار الأمير السعدي مولاي الناصر على الأمير مولاي الشيخ وتوقعاته بأن المغرب سيخضع له بعد هذا الانتصار، يقول: "لكن كانت مشيئة الله خلاف ذلك، فلم يحالفه النجاح في خطته" (ص. 157). وترد أحيانًا بعض الصيغ التعبيرية التي تؤكد المرجعية الدينية للمؤلف في التفسير، من قبيل القول: "وكان ذلك من تجليات القوة الإلهية" (ص. 193)، أو قوله: "أقدم لكم تقريرًا لتتمكنوا من إدراك أن ما قدره الله لا توجد أي معرفة ولا أي احتياط يمكن دفعه" (ص. 293). وفي موضع آخر، عَدّ الطاعون الذي حل بمراكش سنة 1598 عقابًا من السماء (ص. 215)، ناهيك عن عدم قدرته النأي بنفسه عن سرب المؤرخين المسيحيين الذين كانوا يبنون أحكامهم على تنبؤات الرهبان (ص. 221)، وهو ما جعله جبريًا في التفسير، وعاجزًا عن تجاوز النظرة التي ترى في التاريخ صورة لتجلّ الفعل الإلهي، وتعطيلً للإرادة البشرية.لكن في مقابل ذلك، نجد المؤلف يقرأ بعض الأحداث قراءة تفسيرية قائمة على التحليل والتعليل وربط الحدث بمسبباته؛ إذ إنه فسّ تسيير الحملة العسكرية نحو السودان عن طريق الساحل بأنها كانت لغرض تقصير المسافة من جهة، وتجنب الرمال من جهة أخرى. ويحلل دوافع الغزو بعدم قدرة المنصور على أداء مرتبات الجنود (ص 84 - 85). كما حلل إخفاق حملة حمو بن سالم للسودان ببُعد نظر ليستخلص أنها لم تشكل هزيمة بالنظر إلى نتائجها البعيدة؛ إذ إن المنصور صادر خلالها ثروات قادته وعوض بها خسائره، وتمكن في الوقت ذاته من التخلّص من جنود أهل الشرق الذين كانوا يزعجونه ويتطاولون على حكمه (ص 86 - 87). ومن باب الإنصاف أيضًا أن نثبت ما تميز به المؤلف من روح نقدية للأحداث والوقائع التاريخية؛ فتعامله مع الروايات الشفوية التي استقاها من قلب المجتمع المغربي لم يكن تعاملً آليًّا، بل اعتمد على إثبات صحة الخبر من خلال اختبار من سمع منهم، كالقائد ابن السفياني، سيد القصر الذي حكى عنه صداقته للنصارى، واختبره في ذلك فوجد موقفه منهم صحيحًا (ص. 134)، وهو ما يؤكده بقوله في موضع آخر: "وقد وقفنا على صحة
ذلك عدة مرات فيما بعد، وتبين من التباحث معه" (ص. 70). كما أنه لم يكتف بسماع الخبر، بل حرص على متابعة مستجداته، وهو ما يُفهم من قوله: "سمعنا فيما بعد" (ص. 145). والراجح أيضًا أنّ الرجل كان يقرأ بعض الوقائع بتمعّن وتبصّ. ولا غرو، فقد استطاع أن يكتشف مؤرخيَن كتبا عن معركة المخازن برؤيتين متعصبتين ومتضاربتين: أحدهما فرانكي الذي تحدث في أحد مؤلفاته عن البرتغاليين من دون دراية ومعرفة بطبائع البرتغاليين لأنه أجنبي، وبالغ في سرد التفصيلات، بينما رد عليه الآخر، مندوصا، في كتاب آخر، لكنه وقع في فخ سورة الغضب. وهذا الانتقاد في حد ذاته يبين موقف أنطونيو دي صالدانيا من كتابة التاريخ، والموقف المحايد الذي ينبغي أن يتقمصه المؤرخ، ولو أنه وقع هو نفسه في الفخ ذاته في رؤيته ل"الآخر" حين نعت المغاربة ب"كفار بلاد البربر" (ص. 131)، وشوّه عاداتهم على لسان الكتّاب الأجانب من دون أن يجرؤ على انتقادهم، وكال لهم تهم الخيانة والكذب، والطمع والبخل والاندفاع والرغبة في النهب والتخريب (ص. 23)، وتقلّب الأحوال (ص. 157) من غير أن يكلف نفسه وضع هذه الأحكام على محك المساءلة والتحقيق. يتضح من خلال تتبّع النصوص والروايات الواردة في الكتاب أنّ منهجية المؤلف اتسمت أيضًا بالاختصار وعدم الإغراق في التفصيلات كما يُفهم من سياق كلماته: "ولأنني قررت ألا أطيل في هذه المذكرات" (ص. 254)، وكأنه وضع ميثاقًا مع متلقي النص بعدم الانجرار في متاهات التطويل. ومع ذلك، لم تكن الأخبار الواردة في كتابه مبتسرة ولا مخلة بالمعنى، بل جاءت أحيانًا دقيقة في تحديد تاريخ الحادثة باليوم والشهر والسنة، وحتى التوقيت بالساعة في بعض الأحيان، حيث ضبط إحدى الوقائع بالساعة الرابعة ظهرًا (ص. 158). وتميز كثير من المعطيات النصية عنده بالدقة كما يتبين ذلك من وصف السيف الذي كان السلطان أحمد المنصور يتقلده، إذ يذكر أنه كان مرصعًا بالجواهر (ص. 133). ومما زاد في قيمة رواياته ومشاهداته حرصه على التنقيب عن الوقائع المسكوت عنها والمطموسة في مصادرنا العربية. تميزت منهجية المؤلف أيضًا بمقارنة الروايات المتضاربة وترجيح الصحيحة منها بالأدلة، وهو ما يتجلى في المقارنة التي عقدها بين روايته عن الغلمان النصارى السبع الذين يسمّيهم الشهداء، وهم الذين قُتلوا بسبب تعلقهم بالمسيحية وعدم إذعانهم لاعتناق الإسلام، والرواية المخالفة التي أوردها مندوصا بقوله: "لكن ما قلت هو الحقيقة، فإنني تعرفت تمام المعرفة على الغلامين اللذين انتزعهما القائد جؤذر من الاستشهاد" (ص. 95). ثمة ميزة أخرى اتسم به منهج أنطونيو دي صالدانيا وهو اعتناؤه بالمعطيات الرقمية؛ إذ تتناثر في كتابه مجموعة من الإحصاءات الدقيقة بشأن عدد الجنود المشاركين في المعارك، وعدد الخيام المنصوبة لهم، وكذا مقدار الضرائب والجبايات والقياسات، وعدد معاصر السكر (ص 30-31-39- 41-43-52-73-77.....)، وغيرها من الإحصاءات التي تفتقر إليها المصادر المغربية. لكن هذه الإحصاءات لم تسلم من شطط المبالغة وتهويل الأرقام أحيانًا؛ فعند سرده خبر معركة جرت في عام 1575 بين زعيم مغربي متصوف، وهو علي بن مسعود، وقوات دورانتي دي مينيس Duranta de minas، يذكر أن هذا الأخير فقد رجلً واحدًا فقط، بينما كانت خسائر المغاربة فادحة؛ إذ قُتل جميع محاصري مدينة طنجة، وأ سر 900 شخص ما بين نساء وأطفال، وهو قول لا تخطئ العين السليمة في إصابة إسفافه ومغالاته. في بعض الأحيان، يبدي أنطونيو دي صالدانيا، في تعامله مع الخبر، ما ينهض حجة على وعيه التاريخي والسياسي وعمق التفكير وبُعد النظر؛ فعندما يصف بعض النواحي الزراعية في المغرب كدكالة وتامسنا، يذكر أنها لو كانت مستثمرة استثمارًا جيدًا لاستطاعت أن تموّن كل المغرب (ص. 26). كما تنبه، وهو يذكر خبر إدخال السلطان المنصور السلاح إلى المغرب بكثرة، إلى أن ذلك سيشكل خطرًا داهمًا على الاستقرار السياسي في المغرب بعد وفاته (ص. 43)
يف الآليات المصدرية
تعددت مصادر الكتاب وتنوّعت بين اشتغال آلية الذاكرة واعتماد النص المكتوب، وما التقطته أذن المؤلف من روايات شفوية، ناهيك عن المشاهدة المباشرة التي سرد فيها من الأحداث ما وقع تحت بصره.
فبخصوص آلية المصدر المكتوب، يمكن القول إن المؤلف تجاوز سقف ذاكرته الشخصية، واستعان بمصادر إضافية من أجل إحياء مجرى الحدث في ذاكرته واستعادته لتحميل الأحداث التي لم يشارك فيها شخصيًا، وتعزيز آرائه وتبرير مواقفه. لذلك، استند إلى بعض المصادر المكتوبة، مثل كتاب وصفالبرتغاللدورانتي نونش D. Nunes (ص. 96)، بالإضافة إلى الرسائل التي كان يتبادلها مع بعض الفاعلين والمؤثرين في الأحداث، من قبيل الرسالة التي تلقاها من بيرو كاليكو، وأورد نصّها في الصفحة 146. أمّا بالنسبة إلى آلية المصدر الشفوي الذي أثّث معظم معمار مذكراته، فالفضل يعزى إلى أن المؤلف كان شاهد عيان ومعاصرًا للأحداث، فروى عنها من موقع المنصت المباشر، أو من مصدر الإنصات الخلاسي، أو نقل عمن عاينوها من مصادر موثوقة (ص. 92). ومما زاد في قيمة مصادره السمعية أن صداقة متينة كانت تجمعه بالأسرة الحاكمة، ومن ضمنها أحد الأمراء السعديين، وهو الحسن بن أحمد، ابن خال السلطان أحمد المنصور (ص. 204) الذي نقل عنه بعض الروايات. كما نقل أقوالً منسوبة إلى السلطان نفسه وعلى لسانه، إذ كان يورد بين الفينة والأخرى عبارة: "كان الشريف يقول:....." (ص 36- 194). بل استطاعت أذنه أن تلتقط بعض الحوارات الساخنة، ومن بينها حوار السلطان أحمد المنصور مع الغلمان المسيحيين السبعة الذين أعدمهم بعد أن تحدوه في زعزعة ثوابت هويتهم الدينية (ص. 94). مع أنّ أنطونيو دي صالدانيا كان يُحسب في عداد الأسرى، فإنه كان يتمتع بحق التنقل داخل المدينة وتبادل المراسلات، وكان قد تمكن من الاختلاط بأسرى وادي المخازن (ص. 168)، كما كان على صلة بالتجار والسفراء والمبعوثين وقباطنة البرتغال في مدينة مازغين. وكانت تجمعه أيضًا علاقة مع بعض القادة العسكريين مثل كاوحي بوكرزية الذي حكى له بنفسه معارضته خطة أبي فارس بالهرب إلى مكان آمن (ص. 253). وبفضل مخالطته جميع هذه الشرائح الاجتماعية، تمكن من توسيع مساحة معلوماته، والتعرف إلى أدق تفصيلات الحياة في البلاط السعدي، وما كان يروج من دسائس ومؤامرات. أمّا الآلية المصدرية الثالثة التي استند إليها المؤلف في كتابه، فتتجلى في المشاهدة بالعيان، وهو ما يعكسه قوله: "وهذا الأخير – المؤلف - هو الذي يكتب لكم ذكريات هذه الأحداث، وهو شاهد على أغلبها"(ص. 139). ولا شك أن قراءة راصدة لنصوص مذكراته تؤكد حضوره في الميدان، والتقاط كل المشاهدات التي رآها بأم عينه ليحتفظ بها في مخزون ذاكرته. وإذا كانت الآليات المصدرية التي أنتجت هذه المذكرات تُعَدّ من الآليات المألوفة والمطلوبة في المصنفات التاريخية، فإن المؤلف اعتمد في بعض الحالات على مصادر مجهولة الهوية، وأورد الخبر عنها في صيغة المبني للمجهول، وهو ما يتجلى في ما كتبه في الفصل الأول من مذكراته عن عادات المغاربة، حيث استند في رصدها إلى "كتّاب" لم يذكر أسماءهم، وعوّم معلوماته بطريقة تنم عن إحدى نقط ضعفه المصدري (ص. 23).
صورة الدولة والمجتمع بين المسكوت عنه ومحاولات التشويه
تساهم مذكرات أنطونيو دي صالدانيا في اختراق ثنايا المسكوت عنه في تاريخ المغرب خلال عصر حكم السلطان أحمد المنصور أفقيًا وعموديًا، وتسمح بإعادة سبك أسئلة جديدة ومفتوحة بشأن عوائق التطور التاريخي للدولة المغربية؛ ذلك أن نصوص مذكراته تبوح بما لم تتمكن المصادر العربية البوح به، لأن صاحبها شغّل ذاكرته في اتجاه يلمّع صورة السلطان المغربي، لكن من دون وضعه في مرتبة الذات المتعالية عن مرتبة البشر، ومن دون خشية المساس بسمو مكانته التي كرست المصادر التاريخية العربية كل طاقتها لاستنباتها في المخيال الشعبي بهدف الرفع من رمزية السلطان وهيبته أمام الرعية؛ فبقدر ما تعاملت معه كرجل سياسي محنك، تعاملت معه أيضًا كبشر يمتلك من العورات ما لم تجرؤ المصادر العربية على فضحها. إن فحص متن تلك المذكرات يثبت أن المؤلف قدّم صورة السلطان أحمد المنصور الذهبي كسياسي ذكي وداهية من الطراز الرفيع، وذكّر بدبلوماسيته البارعة ومهارته السياسية التي وظفها للحفاظ على علاقات متوازنة مع كل من إسبانيا والأتراك (ص 36- 37). كما نوّه في مواضع عدة بحنكته وقدرته على مراوغة ملك إسبانيا فيليبي الثاني Felipe II بهدف الحيلولة من دون تسليمه مدينة العرائش (ص. 88-89)، واللعب ضده بورقة الإنكليز (ص 103 - 104). ويصوره أيضًا بأنه كان على دراية ووعي بمصير اقتصاد بلاده، إذ تعلم من التجربة أن التجارة في زمانه هي من أسباب النهضة، فجند إمكاناته كلها لتطوير هذا القطاع وتنميته (ص. 76). كما يصفه بأنه بعيد النظر في اتخاذ احتياطاته من المال والذهب لمواجهة التحديات المستقبلية (ص. 84).
في مقابل هذه الصورة اللامعة، تقدم ذاكرة أنطونيو صورة سوداوية للسلطان المغربي؛ فهو الرجل المعجب بالنساء إلى حد التخمة، إذ شيد إقامة لم يكن لها نظير في عالم الترف الملوكي، وفي داخلها "غرف لأزيد من ألف امرأة، من جملتهن العديد من النصرانيات" (ص. 76). و"أنشأ له ولنسائه حمامات لا يوجد لها نظير في العالم" (ص. 198). كما تقدمه المذكرات على أنه الرجل الشبقي الذي لا يخرج عن عادات المغاربة في حب الشهوة، واستغلال النفوذ، والضرب بالعواطف الإنسانية عرض الحائط. ولتماسك شهاداته، يدرج المؤلف خبر إجبار السلطان المغربي ابنة أحد أعيان مدينة القصر الكبير على الزواج منه رغم إرادتها وإرادة أبيها، ويروي كيف أن أبا الفتاة توفي حزنًا وكمدًا على اغتصاب إرادة ابنته وقتل مشاعرها بعد ست ساعات من توجيه الأمر بقدومها إلى القصر، ثم وفاة الابنة نفسها بعد شهرين نتيجة الصدمة العاطفية التي ألمّت بها (ص. 188). وعلى عكس ما نسجته الإسطوغرافيا العربية حول آداب السلطان السعدي وسموّ أخلاقه وسمته وحلاوة لفظه، لا يتورّع أنطونيو عن سرد بعض الكلمات البذيئة والعبارات الساقطة التي كان يتفوّه بها أحمد المنصور في وجه خصومه (ص 94، 194). كما يخبرنا أن أخاه الأمير مولاي الشيخ حاكم فاس كان من المدمنين على معاقرة الخمر التي كانت لا تفارق مجلسه (ص 111، 194). وبخلاف نبرة المتون العربية التي تبُرز السلطان السعدي بطلً ذا قدم راسخة في الجهاد، تذهب مذكرات أنطونيو دي صالدانيا إلى تصويره مظاهرًا للمسيحيين ومواليًا لهم (ص. 30-31). ونكتفي في هذا الصدد بثلاثة نماذج: أولها تبرير المؤلف عدم تسليم السلطان المغربي مدينة العرائش إلى الإسبان بأنه لم يكن نابعًا من روح الوطنية والجهاد، بل من خوف من هيجان الرأي العام المغربي ضده إذا ما تجرأ على مبادرة من هذا القبيل (ص. 88). والنموذج الثاني هو عزم السلطان السعدي على إلغاء قرار إعدام الغلمان النصارى الذين أساءوا غلى العقيدة الإسلامية لو أنهم صرحوا أمامه وأمام من حضر معهم بأن ما نُقل عنهم مجرد كذب وافتراء، بل يشير إلى أنه ندم على قتلهم (ص. 94-95). ويتجلى النموذج الثالث في سعي المؤلف إلى جعل مسافة بين الروح الجهادية للسلطان المغربي وحملاته العسكرية التي لم تكن تستهدف سوى التوسع وجمع الأموال، وهو ما يوضحه بالقول: "لم يكن يشغل الشريف سوى توسيع ممالكه والتحكم في أمرها وملء خزانته بالأموال" (ص. 96). وفي المنحى نفسه قدّمه في موضع آخر بوصفه السلطان الذي تنكّر للحمية الإسلامية عندما نُزعت الراية العثمانية من مقدمة ركبه، وسُحبت على الأرض ومُزّقت تحت بصر قائده العسكري بضغط من السفير الإسباني (ص. 60). أمّا صفات الزهد والتقوى الرائجة في المصادر العربية المغربية بشأن السلطان المغربي أحمد المنصور، فهي مطمورة وغائبة في قاموس أنطونيو؛ فالعاهل السعدي يحضر في مذكراته رجلً سفاحًا عطشًا للدماء، ولإعطاء القرينة على ذلك، يذهب المؤلف إلى سرد إحدى رواياته التي تزعم أنه ذبح ثمانية آلاف نفر من قبيلة زواوة في مساحة زمنية قياسية لم تتجاوز ساعة واحدة، وإن كان يبرر ذلك بأن هؤلاء كانوا سيُدخلون المغرب في أتون فتنة لا تبقي ولا تذر (ص. 54). وتصوره تلك المذكرات أيضًا بأنه رجل قمع يمتلك من آليات العنف والقهر ما لم يشهده تاريخ المغرب، فقد كانت له غرفة في قصره يقتل فيها الناس شنقًا، ويلقي بجثثهم في البئر (ص. 96). وهو أيضًا رجل مزاجي لا عتمد في سلوكه وحروبه على القدر الإلهي بقدر ما يعتمد على الغيب وأقوال المنجمين (ص 194 - 241)، ناهيك عن بروزه في نصوص تلك المذكرات كأحد الزعماء الضالعين في المتاجرة بالعبيد (ص. 138). وبالمثل، كان اغتيال المعارضين – بحسب هذه المذكرات - يمثّل الهاجس الموجّه لتحركات أحمد المنصور الخارجية (ص. 39). وفضلً عن ذلك، كان مسكونًا بروح الانتقام، ويقيم دليلً على ذلك الرواية التي تناول فيها انتصاره على أخيه مولاي الناصر: فعندما هزم الأخير، حمل رأسه إلى السلطان، ورغم الرائحة الكريهة التي كانت تنبعث من الرأس المتعفن، فقد أبدى ارتياحه وصرح بأنه "لم يستروح أبدًا من العنبر أزكى من ذلك طيبًا" (168). من ناحية أخرى، تحرص نصوص المذكرات كذلك على إظهار الطرق الهمجية التي كان السلطان أحمد المنصور يطبقها في معاقبة الخصوم: فبعد اغتيال الأمير أخيه مولاي الحسن، قرر العقاب الجماعي لكل المقرّبين منه، إذ جمعهم أمام نار ملتهبة، وجعلهم في سفود من خشب "وشواهم في ساحة تادلة". كما لم يتورع عن إخصاء الفتيان النصارى وحرمانهم من حقهم في المتعة الجنسية (ص. 145). وبحسب مشاهدات أنطونيو، لم تكن هذه النزعة الشرسة تجاه خصومه وإمعانه في استئصال شأفة معارضيه يعكسان صورة السلطان الحازم القوي، بل كانا يخفيان وراءها سلطانًا يتملكه الخوف والذعر في المواقف الحاسمة؛ فهو الرجل الذي يتحين فرصة الهروب كلما تبيّ له أن خصمه على وشك الظفر به. هكذا صوّرته مذكراته رجلً ترتعد فرائصه حين كشفت عن استعداده للفرار من مراكش إلى جبل سوس توقعًا لهزيمة محتملة مع
أخيه مولاي الناصر (ص. 168). كما صورته سلطانًا ضعيف الشخصية، مسلوب الإرادة أمام الشخصيات المتنفذة في الدولة من أمثال القائد مصطفى باشا الذي كان يتحكم في قراراته حتى أنه رفض تعيينه لابنه أبي الحسن ليجعله تحت قيادة الجيش المتجه نحو تنبكتو (112-113). وبالمثل تصور مذكرات أنطونيو دي صالدانيا الدولة السعدية على أنها دولة هشّة في بنيتها لاعتمادها بالأساس على الخبرة الأوروبية، فالأوروبيون هم الذين يسيّون اقتصاد المغرب، وهم الذين يديرون المصانع وورش العمل، والموانئ والمعاملات المالية، حتى أن العاصمة مراكش اكتظت بالصناع والتجار وأصحاب رؤوس الأموال الأجانب (ص 43، 110). ولتأكيد صحة ما يذهب إليه، يذكر أنواع المدافع التي كان يصنعها الصنّاع والخبراء الأوروبيون بمراكش (ص. 110)، ومعاصر السكر الواقعة تحت إشرافهم، ويورد مراسلات أحمد المنصور إلى ملوك أوروبا طالبًا إرسال المزيد من اليد العاملة الماهرة (ص. 76). وعلى الرغم من الازدهار الاقتصادي الذي عرفته الدولة المغربية في تلك المرحلة التاريخية، فإن مذكرات أنطونيو تجعل القارئ يلمس أنها لم تكن سوى دولة الريع التي تبني مجدًا هشًّا يقوم على قاعدة العنف لتحصيل الجباية، ومصادرة ثروات الأغنياء (ص. 52-53). كما تقوم على اقتصاد الغزو والحرب التي تؤدي إلى حضارة ترفية غير منتجة، مزدهرة سطحيًا، ولكنها فجة في العمق، حضارة لا تتسم بالاستمرارية لأن مواردها رخوة وغير قابلة للاستثمار، وهو ما يسمح بإعادة طرح السؤال بشأن أحد العوامل الأساسية المتحكمة في إجهاض الصيرورة التاريخية للمجتمع والقوى السياسية في المغرب. فالدولة المغربية باحتكارها السوق الأعظم، على حد التعبير الخلدوني، وبلجوئها إلى العنف في تحصيل الضرائب كمؤشر للولاء بدل المواطنة، لم تسمح بظهور طبقة اجتماعية قادرة على تحقيق إرهاصات الدولة الحديثة. كما تؤكد مذكرات أنطونيو أن الدولة المغربيةلم تكن سيدة القرار، بل كانت تتجاذبها القوى الأوروبية الكبرى، وهو ما جعلها تضطر إلى الاستظهار بها حفاظًا على مصالحها، الأمر الذي عمّق الفجوة ووسّع شق الانفصال التاريخي بين الدولة والمجتمع.
معطيات نصية جديدة بشأن الاقتصاد والمجتمع
يجد القارئ في كتاب أخبار أحمد المنصور سلطان المغربنصًّا نابضًا بالحياة، قابلً للاكتشاف، ومتنًا جديدًا يسلط الضوء على بعض الحلقات المعتمة من التاريخ المغربي، حيث تتخلله بين الفينة والأخرى معطيات نصية طريفة، أو خارجة عن المألوف، وتأتي أحيانًا في سياق تيار مضاد لتصورات كتاباتنا التاريخية المشدودة إلى مراكز النفوذ والرقابة الرسمية. لا يمكن في هذا المقام حصر جميع المعطيات النصية الجديدة التي يحويها الكتاب، ولذلك سنقصر الكلام على أبرزها، وخاصة ما له علاقة بنصوص التاريخ الاقتصادي والاجتماعي التي ظلت مطمورة في غياهب الإهمال والتهميش في كتابتنا التاريخية المغربية، أو في بعض المعلومات النادرة والطريفة التي أخطأتها عين المؤرخ المغربي، فشكلت بياضًا في تاريخ السعديين. يمكن التنويه في البداية ببعض الأخبار الجزئية الدقيقة التي ترد في ثنايا المذكرات، من قبيل الاهتمام الكبير الذي كان السلطان أحمد المنصور في حياته الخاصة يوليه للمجوهرات، والإشارات المتكررة بخصوص اقتنائها لترصيع السيف الذي كان يتقلده (ص. 98). وفي مجال العادات والتقاليد التي انتشرت في المجتمع المغربي، سواء بسب الموروث الثقافي أو نتيجة القيم الوافدة بفضل الانصهار والاندماج بين المسلمين والجوالي الأوروبية، نستشف من مذكرات أنطونيو دي صالدانيا عادة بروتوكولية رسمية مرتبطة بالبلاط السعدي وهي تقبيل الفتيان النصارى يد السلطان السعدي تارة أو ركبته تارة أخرى، كرمز معنوي للطاعة والتفاني في خدمة الدولة المخزنية (ص 146، 231). كما يكشف أحد نصوص مذكراته عادات السلطان السالف الذكر في احتفالات عيد الأضحى (ص. 103)، فضلً عن الضوء الذي تسلطه على السحر والتطيّ من بعض الأحداث، وهي العادات التي كانت منتشرة لدى المغاربة، ولم ينج منها حتى السلطان نفسه الذي كان يخضع للسلطة المعنوية للمنجمين الذين يدورون في فلكه (ص 205 - 206).
ومن العادات والتقاليد التي انتشرت في المغرب، ويمكن عدّها من العادات الناجمة عن المثاقفة بين عادات شعبين متساكنين نتيجة الحضور الأوروبي في المغرب، شيوع لعبة المصارعة التي كان الفتيان النصارى يمارسونها، وكان بطلها هو المصارع بيرو غاليغو Pero Galego (ص. 144). ويميط أنطونيو في مذكراته اللثام أيضًا عن أسلوب الرسائل المشفرة التي كان السفراء يستخدمونها كرسائل سفير الملك فيليبي في مراكش (ص. 101). كما يكشف عن بعض البيوتات التي كانت متعاطفة مع النصارى، ومنها عائلة آل بوكرزية التي كان أحد أفرادها واليًا على تافلالت (ص
وعند تناول أحداث غزو السودان، يتحدث المؤلف عن إهداء ملك شنقيط فتيات إلى الجنود مقابل مسالمته، كما يتحدث عن الحيلة التي قام بها جنوده لمواجهة قوات حمو بن سالم الذي أخطأ في حسم المعركة لمصلحته مبكرًا (ص. 86). ومن القضايا الاجتماعية الطريفة التي تنبث في نصوص مذكرات أنطونيو، طريقة إصدار الأحكام القضائية والعقوبات التي تنفذ في حق المتهمين والسجناء، وخاصة الأشخاص الذين لم يسددوا مستحقاتهم من الديون (ص. 219)، وكانت الأحكام تصدر شفويًا ومن دون محاضر أو مساطر معقدة (ص. 118). كما ترد نتف خبرية عن تدخل القضاء المغربي للفصل في المنازعات التي كانت تقع بين الإنكليز والإسبان القاطنين في مراكش؛ ففي هذا الباب نجد إضافة نوعية وسدًّا لثغرات تركتها المصادر العربية. وتمدنا مذكرات أنطونيو في مجال التاريخ الاجتماعي أيضًا بخبر ثورة اجتماعية قام بها أهالي الأطلس سنة 1583 كردة فعل احتجاجية على سماح السلطان السعدي للنصارى باستغلال معامل السكر الموجودة على أراضيهم، بناء على العقود المبرمة بينهم وبين السلطان، وهي عقود مكّنت المسيحيين من الاستحواذ على الأراضي المغربية لإنتاج قصب السكر وتسويقه (ص. 72)، وهو ما رأى فيه الأهالي نوعًا من "الاحتلال" وتفويت ثروات البلاد للأجنبي. وفي منحى التهافت الأجنبي على المغرب خلال عهد السلطان السعدي أحمد المنصور، تلقي مذكرات أنطونيو ضوءًا على الجوالي الأوروبية التي كانت تقطن في مراكش بأعداد كبيرة، ومن أجناس مختلفة: إنكليز وفرنسيين وإسبان وفلامانيين وإيطاليين. وكانت كل جالية تسعى إلى كسب ودّ السلطان المغربي (ص. 197) الذي شيّد لهم دورًا فخمة جعلت منهم مجتمعًا أوروبيًا قائمًا بذاته، وفيه تمتعوا بحرية العقيدة، ومُنحوا جميع التسهيلات في معاملاتهم. وكان للأسرى المتزوجين دُور خاصة يعيشون فيها في رغد من العيش حتى أنهم لم يكونوا يفكرون في العودة إلى أوطانهم (ص. 74). بيد أنّ هذا الحضور الأوروبي كان – بحسب هذه المذكرات – وراء النهضة الاقتصادية التي عرفها المغرب في عهد السلطان أحمد المنصور، إلى جانب الاستقرار الذي نجح في تحقيقه، لذلك أصبحت الموانئ تمور بالحركة التجارية بفضل الأوروبيين فيها، كما نشطت معاصر السكر بفضل "الخبرة" الأوروبية فبلغ عددها 18 معصرة وفّرت الشغل لمن ناهزوا ال 36 ألف عامل (ص. 76)، وارتفع إنتاج النخيل عن طريق التخصيب بالتأبير قبل أن يكتمل طوله (ص. 73). وقد أثبتت المذكرات ارتفاع دخول خزينة الدولة، ورخص الأسعار، وازدهار مراكش العاصمة (ص. 102-103). وفي هذا الاتجاه، يأتي المؤلف إلى ذكر الإجراءات الاقتصادية التي اتخذها أحمد المنصور لتنمية اقتصاد بلاده، ومنها عدم السماح بإخراج الأموال من المغرب، واحتكار إنتاج الملح (ص. 79). كما يتفرد بذكر معلومة اقتصادية طريفة، مفادها أنّ السلطان أحمد المنصور يعَدّ أول من استعمل التبريد بالثلج، بهدف تبريد الماء وحفظ الفواكه طازجة (ص 102- 103). وفي المجال الصحي، تنبثّ في ثنايا مذكرات أنطونيو إشارات طريفة أيضًا حول بناء مستشفى كبير خُصص لعلاج الأسرى النصارى، ويعرف ب"دار الرحمة" (ص 73، 214). كما تفصح مشاهداته عن تشييد السلطان أحمد المنصور قصرًا يضم دورًا ومجالات خضراء وحدائق غناء، إلى جانب صيدلية كانت تُستغل لتركيب الأدوية (ص. 73). علاوة على هذه المعطيات الخاصة بمجال العلاج والاستشفاء، تزودنا مذكرات أنطونيو دي صالدانيا بمعلومات عن بعض الكوارث الصحية، مثل وباء الطاعون الذي حل بمراكش وبعض المدن المغربية الأخرى، خاصة مدينة القصر الكبير التي عصف بها هذا الوباء في 25 نيسان / أبريل 1591، ولم ينج من الموت سوى واحد من كل خمسة أفراد من سكان مراكش (ص 186، 189). ويتبين من خلال سرد أنطونيو المتقطع أن هذه
الكارثة الصحية دامت ثماني سنوات أعقبها وباء آخر سنة 1601، أتى على الأخضر واليابس، وعصف هذه المرّة بأرواح ثلثي ساكنة مراكش (ص 204، 205). كما أورد إشارات حول ظواهر طبيعية تتعلق بكسوف الشمس في المغرب في 2 ايار/ مايو 1591 (ص. 186). على الرغم من هذه المعطيات النصية المهمة والإيماءات الجديدة التي نستشفّها من متن كتاب أخبار أحمد المنصور سلطان المغرب، فمن المفارقات العجيبة أنّ مجتمع المعرفة يغيب في سماء المشهد العام الذي قدمه المؤلف في ما يتعلق بالثقافة والفكر، سواء في البلاط السعدي أو في قلب المجتمع المغربي عامة، وهو ما يطرح سؤال الكتابة الأجنبية ومزالقها، فهل كان المغرب بلدًا يغرق في غياهب الجهل ودهاليز الأمية بشكل لافت جعل المؤلف يضرب صفحًا عن إضاءة هذا الجانب؟ أم هي من "دسائس" المؤرخ الأجنبي؟ قد لا نضيف جديدًا إذا التمسنا الجواب عن المشهد الثقافي الذي يعج بالحركة والنشاط في المؤسسات الرسمية الحكومية، ومؤسسات الزوايا والمساجد والكراسي العلمية بالمغرب في تلك الحقبة، في الكتاب القيم الذي أنجزه محمد حجي عن "الحياة الفكرية بالمغرب في عهد السعديين". ومع ذلك، نقول إنّ المؤرخ الأجنبي يبقى أجنبيًّا في كلّ مناسبة لنعارض بها عبارة أنطونيو دي صالدانيا القائلة إنّ "المغربي يبقى مغربيًّا في كلّ مناسبة" (ص. 55).
يف آلية ترجمة الكتاب وتحقيقه
أسدى المترجمون إلى قرّاء اللغة العربية خدمة طيبة بترجمتهم الكتاب إلى اللغة العربية، خاصة أن طبعته الأولى لم تكن في متناول معظم الباحثين، كما أنّ صدورها باللغتين البرتغالية والفرنسية لم يسمح للقارئ العربي بالاستفادة من نصوصه الدسمة، وكشف رؤية الآخر للمجتمعات العربية - الإسلامية. وينوّه القارئ بالترجمة التي اتسمت بالدقة والتفاعل مع النص الأصلي، ومراعاة المترجمين لسياق النص وتركيب الجمل، واحترام ترتيبها بما يتناسب مع تراكيب الجمل العربية، وإضافة مسحة لغوية جمالية إلى النص المترجم، مع صيغة مبسطة جعلت مذكرات أنطونيو في متناول المتلقي، بل شائقة في التواصل معها، وإن كنا نتساءل عن سبب غياب ترجمة هوامش وإحالات النص الذي نشره أنطونيو فارينيا Farinha António Dias. أما بخصوص آلية تحقيق نص المذكرات، فقد جيّش له المحققون ترسانة من المصادر العربية والأجنبية. كما استعانوا بجملة من الآليات التوضيحية، كالصور والرسوم والخرائط وشجرات الأنساب، وفهارس الأعلام البشرية والجغرافية، من أجل نقل النص الأصلي إلى العربية بصيغة دقيقة وعلمية. ولا يجد راصد عملية تحقيق النص عناء في الوقوف على الجهد المضني الذي بذله المحققون بغية تتبّع المصطلحات التي استعملها المؤلف، والحرص على شرحها في سياقها التاريخي، وذلك في الإحالات التي أثْروا بها المتن المحقق. كما تمكنوا من توضيح بعض الكتب والمصادر التي اختزلها المؤلف أو أغفل ذكر اسم مؤلفيها، فحرصوا على استكمال معلومات التوثيق بسرد عناوينها ومحققيها وناشريها (ص. 24). كما أنهم ساهموا مساهمة علمية في التعريف بالمعارك الواردة في نص المذكرات وذكر تواريخها، ثم التعريف بالشخصيات والأعلام الذين ورد ذكرهم في متن الكتاب (ص 24، ه 1 إلى 5)، وعرّفوا بالأماكن والمواقع الطوبونيمية التي عادة ما تستعصي على القارئ (ص 29، ه 2). وعلى هدي القواعد العلمية في التحقيق، تصدّى محققو الكتاب للتحريفات التي وقع المؤلف في شراكها، من قبيل زعمه أن السلطان السعدي عبد المالك كان يسمّى لدى البرتغاليين "ملوكو" بحجة أنه كان يتذلل للأتراك الذين كانوا يعاملونه كعبد، بينما يؤكد المحققون أن السلطان المذكور كان معروفًا بهذا الاسم في المغرب أيضًا، لكن من دون أن يكون المصطلح مرتبطًا بمفهوم العبودية والتذلل (ص 25، ه 2). وسعى المحققون أيضًا، فضلً عن وقوفهم على التحريفات التي تتناثر في ثنايا نص مذكرات أنطونيو دي صالدانيا، إلى تصحيح الأخطاء التي وقع فيها المؤلف من خلال مقارنتها بما ورد في المصادر العربية؛ فاعتمادًا على المؤرخ المغربي الإفراني في كتابه نزهة الحادي، صُحِّح ما ذكره المؤلف من أن أم السلطان أحمد المنصور كانت تسمّى "لالة جوهر"، وأكدوا أن اسمها الصحيح هو الذي أورده المؤرخ المغربي المذكور، وهو "مسعودة بنت الشيخ أحمد بن عبد الله الورززاتي" (ص 43، ه 3). كما صُحِّح خطأ وقع فيه المؤلف بشأن عادة احتفال المغاربة سنويًّا بوفاة الرسول محمد، بينما الصحيح هو
الاحتفال بمولده (ص 249، ه 2). وفي الاتجاه نفسه صُحِّحت المدة الزمنية التي حكم فيها السلطان أحمد المنصور وهو 25 سنة، وليس 26 سنة كما جاء عند المؤلف، إضافةً إلى تاريخ وفاته الذي هو 23 آب / أغسطس 1603، وليس 3 أيلول / سبتمبر 1604 كما ورد في المذكرات (ص 250 ه 2). وفي هذا السياق لاحظ المحققون أن المؤلف يُسقط دائمًا سنة واحدة في تواريخه، وأعطوا نماذج من هذه التواريخ المبتورة. كما سجّلوا الخلط الذي وقع فيه المؤلف بين جامع القرويين وجامع الكتبية من جهة، والمسجد والزوايا والعلماء والصلحاء من جهة ثانية (ص 207، ه 1)، إلى جانب تصحيحات أخرى لا يسع المجال لعرضها أولً بأول. ولإعطاء تحقيق النص صدقية عملية، عمد المحققون إلى منهج المقارنة بين الروايات، وهو ما يلاحظ في عدد من مواضع النص، كالمقارنة التي أجريت بخصوص عدد الجنود الذين غزوا شنقيط بما ورد عند دوكاستر، وعبد الرحمن السعدي في كتاب تاريخ السودان. كما قارنوا رواية المؤلف أنطونيو حول موت المنصور مسمومًا بما ورد في مصدر مغربي من تأليف مؤرخ مجهول ليؤكدوا تطابق الروايتين (ص 251، ه 1). مع ذلك، لم يسلم تحقيق النص من بعض الهفوات البسيطة التي وقع فيها المحققون، لعلّ أهمها مسألة تكررت في الإحالات، وتتجلى في خلوّ عدد من هوامش التحقيق وإحالاته من ذكر المصدر والصفحة المعتمدين في تحقيق وضبط القضايا التي قاموا بمراجعتها وتصحيحها، أعطي منها عشرة نماذج، على سبيل المثال لا الحصر، لأنها متعددة (ص 21، ه 1 - ص 30، ه 1 - ص 45، ه 1 - ص 47، ه 1 –ص 62، ه 1 – ص 104، ه 1، ص 212، ه 1 –ص 213، ه 1 -ص 217، ه 1 -ص 230، ه 1 – 243، ه 1). تُضاف إلى ذلك معلومة وردت خطأً في متن المذكرات (ص. 251) من دون أن يصححها المحققون في الإحالات؛ فقد أورد المؤلف أنّ بعض المدن الأندلسية، كغرناطة ومرسية وبلنسية وشذونة، هي من المدن التي فتحها طريف بن مالك، بينما تؤكد النصوص التاريخية أن الذي فتحها هو القائد الأمازيغي طارق بن زياد وبعده القائد العربي موسى بن نصير، لأن حملة طريف كانت حملة استطلاعية فحسب؛ وحبذا لو يُصحَّح هذا المعطى التاريخي في إحالات التحقيق عند طبع الكتاب طبعة ثانية. غير أن مثل هذه الهفوات التي يقع فيها أيّ باحث لا تُنقص البتة من قيمة الجهد العميق الذي بذله المحققون، والمعاناة التي كابدوها من أجل إخراج النص إخراجًا علميًّا يستحق كل تقدير وتنويه، إذ لولا هذا العمل لبقي هذا النص بعيدًا عن متناول الباحثين العرب، ولظلّ كثير من المعطيات النصية الجديدة الواردة في الكتاب طيّ الكتمان والنسيان.