العودة إلى تفاصيل المؤلَّف في الأنثروبولوجيا الكولونيالية بالمغرب: منسيّات الاستعمار

في الأنثروبولوجيا الكولونيالية بالمغرب: منسيّات الاستعمار

On Colonial Ethnography in Morocco: Artefacts of Colonialism

يحيى بن الوليد

الملخّص

تسعى هذه المراجعة لتقديم قراءة في كتاب بوسبير "البغاء في المغرب الكولونيالي: إثنوغرافيا حي محجوز". وهذا الكتاب في الأصل -بحسب بعض الدارسين- تقرير Rapport أو تحقيق Enquête، من إنجاز الطبيبيْن الفرنسيَّيْن ماتيو Mathieu وموري Maury في الفترة 1949-1950. لم يكن غريبًا أن تُختار الدار البيضاء التي يوجد فيها بوسبير موضوعًا لهذا التحقيق؛ فهي المدينة التي كانت الأكثر تعبيرًا عن التحوّلات المجتمعية السريعة التي طبعت كبرى حواضر المغرب تحت تأثير الاستعمار، والتي كانت كذلك المختبر الملائم للبرهنة على "دهاء الاستعمار"، إضافةً إلى أنها كانت المجال الملائم أيضًا لـ"ميلاد البروليتاريا الحضرية بالمغرب" التي سيكرِّس لها روبار مونتاني Robert Montagne 1893-1954 جانبًا مهمّاً من أبحاثه، وكان قد خصّص لها قبل ذلك تحقيقًا جماعيًّا، في الفترة 1948-1950 ، ظهر عام 1952. وضمن هذا السياق المعرفي والتاريخي، يَرِدُ التحقيق الذي هو موضوع المراجعة. وتعرض المراجعة، علاوةً على مدينة الدار البيضاء وسياق التحقيق، محتويات غزيرةً في ما يتعلّق بمعطياته، وأرقامه، ورسومه. وتحرص هذه المراجعة على استخلاص مفهوم "البغاء" الناظم للتحقيق في إطار من طبيعة الطرح الإثنوغرافي والسوسيولوجي الماسك بالتحقيق، وتثير موضوع "العلم الكولونيالي"، في تداخله مع "المنظور الاستشراقي"، لتخلص إلى "البعد الإنساني" الكامن في تفاعل المحققين مع الموضوع، على النحو الذي يكشف عن موقف قوامه التضامن ومناهضة العبودية، على الرغم من "المسافة" التي كثيرًا ما تطرح في البحث الأنثروبولوجي. وفضلاً عن ذلك تعرّج المراجعة على "بوسبير الآن"، في دلالة على "الأماكن" التي تقيم في "الذاكرة"، وعلى ما يلازم ذلك من "جراح كولونيالية مفتوحة" تعيد شريط البؤس والاستغلال تحت وطأة "الرغبة البيضاء".

Abstract

The author reviews Bousbir: Prostitution in Colonial Morocco: Ethnography of a Red-light District, a study conducted between 1949 and 1950 in Casablanca by two French medical doctors, Jean Mathieu and P.H. Maury. The review underscores the contemporaneity and authentic originality of a study that continues to rank as a landmark sociological investigation in the Maghreb decades after it was written. The context for the Bousbir study was the rapid social changes which colonialism introduced to Morocco. This book review presents the doctors’ inquiry into the city and outlines the definition of prostitution that informs their ethnographic and sociological investigation. The reviewer detects an overlap of "colonial science" with Orientalist perspectives and a "humanist dimension" to the investigators’ approach: in solidarity with their subjects, and against all forms of servitude – notwithstanding the distance which is often a question of debate in anthropology-related scholarship. Finally, a glimpse of contemporary Bousbir is offered: a place that acts as the living memory of colonialism, retelling the misery and exploitation prompted by the urges of "white desire".

الكلمات المفتاحية:
  • استعمار
  • أنثروبولوجيا
  • إثنوغرافيا
  • دعارة
  • جان ماتيو
Keywords:
  • Colonialism
  • Anthropology
  • Ethnography
  • Prostitution
  • Jean Mathieu
يحيى بن الوليد| Alwaleed Ben Yahya *
يحيى بن الوليد | Alwaleed Ben Yahyaتسعى هذه المراجعة لتقديم قراءة في كتاب بوسبير - البغاء في المغرب الكولونيالي: إثنوغرافيا حي محجوز. وهذا
الكتاب في الأصل - بحسب بعض الدارسين - تقرير (Rapport) أو تحقيق (Enquête)، وهو من إنجاز الطبيبيْ الفرنسيَّيْ ماتيو
Mathieu وموري Maury في الفترة 1949 - 1950.
لم يكن غريبًا أن تُختار الدار البيضاء التي يوجد فيها بوسبير موضوعًا لهذا التحقيق؛ فهي المدينة التي كانت الأكثر
تعبيرًا عن التحولّات المجتمعية السريعة التي طبعت كبرى حواضر المغرب تحت تأثير الاستعمر، والتي كانت كذلك المختبر
الملائم للبرهنة على "دهاء الاستعمر"، إضافةً إلى أنها كانت المجال الملائم أيضًا ل "ميلاد البروليتاريا الحضرية بالمغرب"
التي سيكرِّس لها روبار مونتاني Montagne Robert (1893 - 1954) جانبًا مهمًّ من أبحاثه، وكان قد خصّص لها قبل ذلك
تحقيقًا جمعيًّا، في الفترة 1948 – 1950، ظهر عام َ 1952. وضمن هذا السياق المعرفي والتاريخي، يَرِدُ التحقيق الذي هو
موضوع المراجعة.
وتعرض المراجعة، علاوةً على مدينة الدار البيضاء وسياق التحقيق، محتويات غزيرةً في ما يتعلّق بمعطياته، وأرقامه،
ورسومه. وتحرص هذه المراجعة على استخلاص مفهوم "البغاء" الناظم للتحقيق في إطار من طبيعة الطرح الإثنوغرافي
والسوسيولوجي الماسك بالتحقيق، وتثير موضوع "العلم الكولونيالي"، في تداخله مع "المنظور الاستشراقي"، لتخلص
إلى "البعد الإنساني" الكامن في تفاعل المحققين مع الموضوع، على النحو الذي يكشف عن موقف قوامه التضامن
ومناهضة العبودية، على الرغم من "المسافة" التي كثيرًا ما تطرح في البحث الأنثروبولوجي. وفضلً عن ذلك تعرّج
المراجعة على "بوسبير الآن"، في دلالة على "الأماكن" التي تقيم في "الذاكرة"، وعلى ما يلازم ذلك من "جراح كولونيالية
مفتوحة" تعيد شريط البؤس والاستغلال تحت وطأة "الرغبة البيضاء".
The author reviews Bousbir: Prostitution in Colonial Morocco: Ethnography of a Red-light District, a study
conducted between 1949 and 1950 in Casablanca by two French medical doctors, Jean Mathieu and P.H. Maury.
The review underscores the contemporaneity and authentic originality of a study that continues to rank as a
landmark sociological investigation in the Maghreb decades after it was written. The context for the Bousbir
study was the rapid social changes which colonialism introduced to Morocco. This book review presents the
doctors’ inquiry into the city and outlines the definition of prostitution that informs their ethnographic and
sociological investigation. The reviewer detects an overlap of "colonial science" with Orientalist perspectives
and a "humanist dimension" to the investigators’ approach: in solidarity with their subjects, and against all
forms of servitude – notwithstanding the distance which is often a question of debate in anthropology-related
scholarship. Finally, a glimpse of contemporary Bousbir is offered: a place that acts as the living memory of
colonialism, retelling the misery and exploitation prompted by the urges of "white desire".
في الأنثروبولوجيا الكولونيالية بالمغرب
منسيّات الاستعمر
On Colonial Ethnography in Morocco: Artefacts of Colonialism
يحيى بن الوليد | Alwaleed Ben Yahya
في الأنثروبولوجيا الكولونيالية بالمغرب
منسيّات الاستعمر
On Colonial Ethnography in Morocco: Artefacts of Colonialism
المؤلف: جان ماتيوMathieu JوموريMaury H P
المؤلف: جان ماتيوMathieu J. وموري Maury H..P.
الكتاب: بوسبير- البغاء في المغرب الكولونيالي: إثنوغرافيا حي محجوز.. BOUSBIR La prostitution dans le Maroc colonial: Ethnographie d'un quartier réservé العنوان الأصلي:
مكان النشر: فرنسا.
الناشر: دار الآمان - الرباط.
سنة النشر: 2011.
عدد الصفحات: 316 صفحة.

كتاب بوسبير - البغاء في المغرب الكولونيالي، وبعنوانه الفرعي إثنوغرافيا حي محجوز، هو في الأصل، "تحقيق" أو "تقرير" كما يستقر البعض على ذلك، أنجزه في ما بين سنتي 1949 و 1950 الطبيبان الفرنسيان جان ماتيو J. Mathieu وموري Maury. P. H؛ الأول معروف بأبحاث كثيرة، في حين أننا لا نظفر بمعلومات عن الآخر في بيبليوغرافيا السوسيولوجيا الكولونيالية بالمغرب. وكان التحقيق قد ظهر سنة 1951 تحت عنوان مغاير1، ولفائدة إدارة الصحة العمومية الفرنسية في فترة الاستعمار. قبل أن نشرع في وضع العمل في سياقه المعرفي والتاريخي، عارضين مضامينه ومستخلصين منهجيته وقيمته العلمية المتجددة، نؤكد أن التقرير ارتقى إلى مرجع أساس لفهم دينامية المجتمع المغربي الاجتماعية، وذلك من خلال لغم البغاء، وفي إطار مدينة الدار البيضاء في وضعيتها الكولونيالية وقتذاك.

سياق الدار البيضاء

لم يكن غريبًا أن يتمّ الاستقرار على الدار البيضاء، لأنها كانت المدينة الأكثر تعبيرًا للتحولات المجتمعية السريعة التي طبعت كبرى حواضر المغرب تحت تأثير الاستعمار، ولأنها كانت أيضًا المختبر الأنسب للبرهنة على "دهاء الاستعمار". وكما ورد في مستهل الكتاب، ارتفع عدد السكان في الدار البيضاء من حوالى 000. 20 نسمة في عام 1900 إلى 000. 700 نسمة في عام 1951، وهو ما كان له ثأثيراته الكبيرة في مستوى التشكيلات المجتمعية الوليدة وغير المتجانسة، نتيجة ذوبان الخصائص القبلية المميزة للمغرب ككل. وقد كان للهجرة القروية إلى المدينة بحثًا عن العمل وفرارًا من استبداد القواد والباشوات2، ولاسيما بعد سنة 1937، تأثيرها الجارف والكاسح، الذي كان من نتائجه قيام أحياء الصفيح وما صاحبها من فقر وبؤس وعطالة... إلخ.، ومن ثم "ميلاد البروليتاريا الحضرية بالمغرب"3. وكان الماريشال ليوطي Louis Hubert Gonzalve Lyautey قد أعفى روبير مونتاني Robert Montagne (الضابط الشاب، وقتذاك) من مهماته العسكرية، بعد أن لفت انتباهه في سنة 1921 ما كان مونتاني يتميّز به من موهبة

  1. ظهر التحقيق أوّل مرة تحت العنوان التالي: La prostitution marocaine surveillée de Casablanca: Le quartier réservé (Archives de la direction de la santé publique, inédit), قام الإثنوغرافي المغربي عبد المجيد عريف بإعادة نشر التحقيق، وخصّه بمقدمة/ دراسة مستفيضة. وقد ظهر التحقيق في كتاب تحت عنوان مغاير، هو التالي: Jean Mathieu & P.-H. Maury, Bousbir: La prostitution dans le Maroc colonial: Ethnographie d'un quartier réservé , éd. et présenté par Abdelmajid Arrif, Entre rives (Paris: Paris-Méditerranée, 2003). وسنعتمد، في مراجعتنا للكتاب الطبعة الصادرة عن دار الآمان المغربية (2011). وتلافيًا لإثقال المراجعة بالإحالات، فإننا سنحيل داخل المتن إلى الصفحات المتعلقة بالكتاب.
  2. تميّز "القواد" بنفوذ كبير في المغرب، بل ب "سلطة فوق السلطات"؛ وكان الاستعمار قد اعتمد الكثير من هؤلاء "القواد" في "اختراقه السلمي" للمغرب. وهم استحوذوا على آلاف الهكتارات من الأراضي الرعوية والمروية، كما أن بعضهم استثمر في "البغاء"، كما في حال الكلاوي الذي اشتهر ببسط نفوذه على مراكش، وهذا ما اصطلح عليه المؤرخ المغربي عبد الله العروي ب "ظاهرة القياد الكبار": عبد الله العروي، مجمل تاريخ المغرب (بيروت؛ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2007)، ص 566.
  3. كرّس روبير مونتاني) 1893-1954 (للبروليتاريا الحضرية في المغرب جانبًا مهمًّا من أبحاثه، وخصص لها بين سنتي 1948 و 1950 تحقيقًا جماعيًا ظهر في سنة 1952. وكان الماريشال ليوطي قد أعفى روبير من مهماته. Robert Montagne,   Naissance du prolétariat marocain: Enquête collective exécutée de 1948 à 195   (Paris: Editions Peyronnet, 1952).

ومعرفة جديرة بتجنيد البحث الاجتماعي في خدمة السلطة الاستعمارية. وكانت الأنثروبولوجيا الميدانية في فرنسا قد انطلقت، من قبل، وبمبادرة من بعض الحكام الذين رغبوا في معرفة "الشعوب" الخاضعة لسيطرتهم معرفة صحيحة4. لم يكن ما لفت انتباه مونتاني توزع الدار البيضاء بين "نارين": "نار التقليدانية المغربية" و"نار الحداثة الوليدة"، حيث السيارات الأميركية في مقابل العربات المتهالكة، وحيث لباس المعمرين العصري في مقابل جلابيب القرويين، بل إن ما لفته هو "ميلاد البروليتاريا" ذاتها ضمن هذه "الجدلية الخليطة"، ولا سيما في مدينة من "المدن التقليدية Impériales "5التي لم تكن الدار البيضاء تمانع في الانتساب إليها، وعلى النحو الذي صعَّد أشكالً من "الباطولوجيا الاجتماعية"، وفي مقدّمها البغاء وما لازمه من جرائم وأمراض وعمران شائه، وهذا ما جعل من الوقاية الصحية والتعمير والدعارة ثالوثًا في واقع الدار البيضاء إبان المرحلة الكولونيالية، ومنذ السنوات الأولى للحماية، كما تتصور الباحثة الفرنسية كريستيل تارود

.6Christelle Taraud

تشكلت في ذهنية الإدارة الكولونيالية قناعة مفادها أن حداثة الدار البيضاء ينبغي ألا تستقر في إستراتيجيا سياسية واقتصادية ومعمارية هجومية فحسب، بل أيضًا في انهماك مؤكد بمراقبة الأخلاق العامة، ومن هنا ظاهرة البغاء التي ينبغي مراقبتها وتنظيمها وضبطها7. احتل موضوع البغاء حيّزًا صغيرًا في التحقيق الذي أشرف عليه مونتاني، مقارنة بموضوعات أخرى كانت تعكس مجموع Totalité المغرب، وقتذاك، مثل التعمير والهجرة القروية واستقرار اليد العاملة وانتشار البروليتاريا والتصنيع... (عريف، ص 16)، وهذا ما جعل مونتاني يستعين بدارسين وإداريين ومراقبين مدنيين وأطباء...8، من أجل إنجاز تقارير ومونوغرافيات بخصوص المغرب، وفي هذا الصدد كان الانفتاح على الدكتور ماتيو إلى جانب أسماء أخرى. جاء التحقيق في سياق المرحلة الكولونيالية، لكن في إطار من "تحوّل" في العلوم الاجتماعية ككل، ومن نقل الاهتمام بالقرية إلى المدينة9. على أن الاهتمام، هنا، لن ينصب على "الإسلام" أو "التنظيم السياسي"10، وإنما على "أزمة البروليتاريا الحضرية الجديدة"، في دلالة على الالتصاق بمناط التحول المجتمعي.

  1. جيرار لكلرك، الأنثروبولوجيا والاستعمار، جورج كتورة (مترجم)، ط 2 (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1990)، ص 45.
  2. مفهوم "المدن التقليدية" مفهوم خلافي. وعلى مستوى المغرب يمكن الرجوع إلى كتاب: Mohamed Métalsi, Cécile Tréal et Jean-Michel Ruiz, Les villes impériales au maroc (Paris: Terrail, 1999). هذا وإن كان الكتاب لا يُدرج الدار البيضاء ضمن هذه المدن؛ إذ هو يستقر على فاس ومكناس ومراكش والرباط باعتبارها مدنًا "تقليدية mpériales I "، واعتمادًا على ما يميِّز كل مدينة على حدة. فمن الجلي أن التسمية سادت خلال حقبة الحماية وفي إطار من البحث الفرنسي، وفي مقابل "الحواضر السلطانية الكبرى". انظر: عبد الأحد السبتي، التاريخ والذاكرة: أوراش في تاريخ المغرب (بيروت؛ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2012)، ص 45.
  3. Christelle Taraud, La prostitution coloniale: Algérie, Maroc, Tunisie (1830 - 1962) (Paris: Payot, 2003), p. 105.
  4. Ibid,. p. 101 - 102
  5. انظر: Regards sur le Maroc: Actualité de Robert Montagne   (Paris: CHEAM [Centre des hautes études sur l'Afrique et l'Asie modernes]; diffusion la documentation française, 1986). وانظر أيضًا: François Pouillon & Daniel Rivet, Dir Sociologie musulmane de Robert Montagne (Paris: Maisonneuve Et Larose, 2000).
  6. انظر: Hassan Rachik, Le proche et le lointain: Un siècle d’anthropologie au Maroc , Série savoirs et savants (Marseille: Edition Parenthèses; Aix-en-Provence: MMSH, impr. 2012). انظر أيضًا: يحيى بن الوليد، "قراءة مقرّبة ونبيهة: مراجعة لكتاب القريب والبعيد - مائة عام من الأنثروبولوجيا بالمغرب (بالفرنسية) لحسن رشيق" مجلة عمران للعلوم الاجتماعية، العدد 8 (2014). ص 159 166.
  7. ستتأكد هذه الموضوعات مع منعطف الأنثروبولوجيا البريطانية والأميركية بالمغرب، وبزخمها النظري أيضًا. وقد شهدت الأبحاث الأنثروبولوجية الأنغلوسكسونية والأميركية أوجَها في المغرب بدءًا من ستينيات القرن المنصرم، وهي الفترة التي سيبدو فيها الفضاء المغربي شيئًا مألوفًا، وبعيدًا جدًّا أيضًا بالنسبة إلى الفرنسيين، كما يقول فرانسوا بويون François. Pouillon François Pouillon,  "La société segmentaire et ses ennemis: Notes sur un moment des sciences sociales au Maghreb",  Prologues , no. 32 (Hiver 2005), p. 15.

كان من المفهوم ألا تسلم المرأة من هذا التحوّل، وتحديدًا من ناحية التأثر بميلاد البروليتاريا، ومن ناحية "الثابت" الذي كان يتحكم في المرأة أيضًا. هكذا تعرَّض مفهوم الأسرة، من حيث هو مفهوم عضوي، ومفهوم الضبط الاجتماعي ككل ل"خلخلة"، ولا سيما من ناحية الخضوع التقليدي لسلطة الأب أو الزوج. وفي هذا السياق، وتحت تأثير عوامل الفقر والبؤس والبطالة أيضًا، أُتيح للمرأة هامش للخروج من البيت، مع ما لازم ذلك كله من عواقب "الاستعمار المضاعف": الاستعمار السياسي والاستعمار الذكوري، ومن ثم منشأ تعاطي الدعارة، وبشكل مغاير لما ساد سابقًا، بالنظر إلى أن الدعارة كانت موجودة قبل دخول الاستعمار كي لا نرد كل شيء إلى هذا الأخير كما في المنظور الوطني المتصلِّب. بلغ عدد النساء البغايا حتى سنة ظهور التقرير (1951) رقمًا هائلً: 000. 30 امرأة. وما كان لهذا الرقم أن يتغوّل، وفي الدار البيضاء تعيينًا، لولا الشروط الاقتصادية والاجتماعية المساعدة على تطور الدعارة. وبما أن تعاطي الدعارة السرية، أو "المنفلتة" إذا جاز القول، عمل لا يمكن الإحاطة به، صمّم صاحبا التحقيق على تناول تعاطي الدعارة التي كانت مقننة ومراقَبة في حي واحد فقط هو حي بوسبير 11 Bousbir المنغلق، وذلك من خلال عيّنة ضمّت 640 امرأة.

سياق التحقيق/ الدراسة

أُعدَّ التقرير لفائدة إدارة الصحة العمومية، كما سبقت الإشارة، وكان ماتيو وموري يعملان في تلك الإدارة، مثلما كان لهما تكوين في المجال الطبي. ولا بد من أن نشير إلى أن الصحة كانت تشكِّل، وقتذاك، هاجسًا حقيقيًا في وسط المرأة بصفة عامة وفي وسط المتعاطيات البغاء بصفة خاصة، علاوة على أن المغاربة، ككل، لم يكن لديهم في تلك الفترة وعي بالوقاية الصحية ولا بعدوى الأمراض التناسلية (ص. 239). وكما ورد في الكتاب، سجِّل في البيضاء أن 47 امرأة من مجموع 100 امرأة كن مصابات بأمراض تناسلية (ص. 105). وبالنظر إلى الرهان على "مشروع الدعارة" وإلى اندراجه في "المشروع الكولونيالي" ككل، ومن ناحية تلبية رغبات الجنود الغزاة، كان لا بد من تقنين البغاء11وفي المدار ذاته الذي كان يدرج البغاء ضمن السياسة الصحية للسلطات الفرنسية الاستعمارية. ولذلك كان تطبيب البغايا يجري مجانًا، بل كان هناك حرص على عدم تسريحهن إلا بعد المعالجة التامة (ص. 190). وكان السبب الأساسي في ذلك الخوف من داء "الزهري" (السيفيليس) الذي كان منتشرًا بين الرجال على نطاق واسع12. شكّلت الدعارة تحديًا للصحة العمومية؛ ذلك أن 13. 2 في المئة من النساء كن مراقبات في الدار البيضاء بوليسيًا وطبيًا، وكان لشكل الحي المحجوز ولبيوت الدعارة المرخَّصة دور على مستوى إنقاذ بعض الأرواح، غير أنها لم تخفض أخطار العدوى (ص. 241). ولذلك، وكما في ورد خلاصة الكتاب، فإن ما يستحق مرسومًا ليس الدعارة في حد ذاتها، بل فعل تعاطيها، وعلى النحو الذي يضمن الاستفادة من خدمات الصحة العمومية (ص. 241).

محتويات الكتاب

كانت "الخلفية الطبية" في أساس الإقدام على إنجاز التحقيق، وإن كانت الخلفية تلك مندرجة في "الطرح الإثنوغرافي". وقبل أن نعرض لمنهجية الطرح الإثنوغرافي، لا بد من تأكيد أن الكتاب ثري بالمعلومات والأفكار وشذرات من الفلسفة، وهو ما يجعل تلخيصه عملً صعبًا، ولا سيما في ظل الإحصاءات المحكمة والصور الفوتوغرافية والوثائق الإدارية التي تشد من أزر التحقيق في الكتاب.

  1. سمّي الحي بوسبير نسبة إلى بروسبير فيريي Prosper Ferrieu الذي كانت الأراضي التي سيقام فيها بوسبير في حوزته منذ سنة 1908. وبروسبير هذا كان "المهندس اليهودي الذي امتلأت صناديقه بالذهب" كما في "المخيال الاجتماعي البيضاوي" لتلك الفترة. كما أنه كان قد تقلد مناصب عدة، آخرها منصب مستشار التجارة الخارجية لفرنسا. وفي سنة 1914 قررت السلطات المحلية، ولأسباب صحية وأخرى تتعلق بالمراقبة السياسية أيضًا، تجميع البغايا في أحياء سهلة المراقبة. ومن ثم حصل الاستحواذ على أراضيه وحمل الحيّ اسمه: "بوسبير". وقد جرى ذلك بعد تعديل الاسم من Prosper إلى Prosber ثم Bousbir، وهذا في الوقت الذي عارض فيه بروسبير المشروع. وكان المستشرق الفرنسي جاك بيرك Jacques Berque يعدّ الحيّ "نجاحًا معماريًّا" و"أوحد مشروع سكني أهلي"... وحدث ذلك "كسخرية منه [أي جاك بيرك Jacques Berque] تجاه تخلّف سلطات الحماية عن توفير سكن لائق للمجتثين"، كما يعلِّق عادل المستاني في الدراسة التي خصّصها ل "مساهمة جاك بيرك Jacques Berque " في: عادل المستاني، سوسيولوجية الدولة بالمغرب: إسهام جاك بيرك، سلسلة المعرفة الاجتماعية (الرباط: [د. ن].، 2010)، ص 85. 12 ChristelleTaraud, La prostitution coloniale: Algérie, Maroc, Tunisie (1830 - 1962) , p. 16.
  2. انظر: بوجمعة رويان، الطب الكولونيالي الفرنسي بالمغرب 1912 1945 (الرباط: مطبعة الرباط نت، 2013.)

حرص التحقيق، بما له من قيمة تحليلية، على عدم الانغلاق في رصد البغاء في حد ذاته وحصره في أبعاده المهنية والمؤسساتية والاجتماعية فقط. لذلك وجدناه، وإن بإيجاز، يعرض للتحول الذي كان في أساس الانتهاء إلى البغاء داخل الحي المحجوز ليختم بطبيعة نظرة المجتمع إلى البغايا. وليس في وسع المنظور الطبي، على أهميته البالغة، أن يخوض في عمل من هذا النوع بمفرده، ولا بد من الانتظام، من ناحية موازية، في العلوم الاجتماعية، وضمنها الأنثروبولوجيا في تداخلها مع الإثنوغرافيا. إنّ التحقيق يعرض، بإيجاز وتدقيق، لموقع الحي المحجوز (في "درب السلطان"، وبعيدًا عن الأنظار، مع وجود خط يربطه بوسط المدينة)، ومساحته (24 ألف م 2) ودكاكينه، ولحياة البغايا قبل هجرتهن الحي المحجوز، ولانتمائهن الجغرافي وأعمارهن وزواجهن السابق وأسباب طلاقهن... وصولً إلى بيوتهن في الحي (150 سكنًا)، مع وصف لأثاث تلك البيوت المتواضع والبسيط، ولمراحيضها، ومن ثم مواد التغذية وأنواعها، والطابا والكيف والكحول التي يسمّي أنواعًا منها ويذكر كميات استهلاكها. كما أن التحقيق يصف لباس البغايا، ولا تفوته الإشارة إلى ارتداء مسلمات ويهوديات سراويل رجال، ويصف زينتهن التي كان منها الوشم باعتباره "لغة جسد" تندرج ضمن ما يصطلح عليه في اللسانيات الإثنية ب"المتن الإثني" Corpus Ethnique، إلى أن يصل إلى إحصاءات تتعلق بالجماع، وما كان يستتبع هذا الأخير من اغتسال بالماء البارد في الأغلب الأعم (90 في المئة)، وكيف أن الرجال، مسلمين ويهودًا، كانوا لا يغسلون أعضاءهم، على عكس الأوروبيين. نهار الحي هادئ، عكس مسائه الصاخب الذي كان يأخذ فيه شكل انطلاقة موسم. أما خروج البغايا من الحي، فكان لا يُسمح به إلا بعد ترخيص من مفتش الشرطة، ومرتين في الأسبوع، ولمدة نصف يوم في الأغلب الأعم، وهو فرصة للحمام أو لزيارة سيدي بليوط (الوليّ الأشهر بالدار البيضاء)، وأحيانًا فرصة للظفر بإقامة سريعة في فنادق المدينة لمزاولة المهنة، أو فرصة للفرار من الحي. ومن الطبيعي أن يعرض التحقيق لخدمات المستوصف، مع التشديد على معدلات الأمراض التناسلية في الدعارة المراقبة، وكانت معدلات مرتفعة، لكنها كانت أقل كثيرًا مقارنة بالدعارة غير المنظَّمة. وفي ما يخص نظرة المجتمع إلى البغايا، فإنهن كن محتقَرات ولكن غير منبوذات داخل المجتمع. ولا بد من الإشارة إلى أن المقيمات بالحي كن من مدن أخرى، إلى جانب الدار البيضاء، مثل آسفي والصويرة وأغادير، في دلالة على نوع من "التمثيلية" للمغرب ككل. تضمّن التحقيق تفصيلات إثنوغرافية مثيرة، وخصوصًا في ما يتعلق بمعاقرة الكحول على نحو صادم، كما في حال فطومة التي شربت صندوقًا من الجعة في ساعة واحدة، إذ إنها تجرعت كل كأس منها دفعة واحدة. ويورد الكاتبان حكاية غريبة عن ثلاث نساء شربن ثلاثة صناديق من الجعة، أي 200 زجاجة، وثلاثة صناديق من "الويسكي"، أي 30 زجاجة. ولم يفُت التحقيق الإشارة إلى اليهودية سويسة التي كانت تفضل النبيذ الأبيض وتحتسي زجاجات بأكملها في اليوم الواحد. وقد كان معدل شرب الكحول عاليًا على الرغم من المراقبة، علاوة على الطابا الذي كان، إلى جانب الكحول، مصدر إذلال للنساء ومصدر عبوديتهن. بالنظر إلى التركيبة المجتمعية في المغرب، وخصوصًا قبل نكسة 1967، كان من الطبيعي أن تحظى اليهوديات اللواتي كنّ يمارسن البغاء في الحي أو في خارجه بمكانة في التحقيق، وقد خصّص الكتاب لهن الفصل 17، علاوة على إشارات إليهن على مدار التحقيق بأكمله. فاليهود شاركوا المغاربة جميع الأحداث، مثلما ساهموا في أشكال من الإنتاج المادي والرمزي، وكتبوا بدورهم عن بلدهم المغرب. غير أن اليهوديات، ومن ناحية تعاطي البغاء، كن أقرب إلى الأوروبيات، وقد تميَّزن بمستوى من العيش أرفع من مستوى أخواتهن المغربيات. وكان المطبخ، بالنسبة إليهن، مقدسًا، ويشترط فيه اللحم والنبيذ. وكنّ يتميزن، بسبب علاقتهن بالجنود الأميركيين من المتردّدين على الحي، بتعاطي "الشوينكوم"13؛ عكس المغربيات من اللواتي لم تجذبهن هذه العادة. كما أنهن كنّ أكثر ذكاءً وجنسانية، ومتطورات ومتقدمات كثيرًا، مقارنة بالمسلمات، وكنّ يفضلن أبناء ديانتهم، إضافة إلى الإسرائيليين من المتأوربين Européanisés، في حين كانت البغايا المسلمات يرفضن التعامل مع اليهود. من خارج الصورة النمطية القائلة: "مغاربة يهود أو يهود مغاربة"14، تعرضت يهوديات، بدورهن، للطلاق والاغتصاب، وانتهين إلى المواخير ودور الدعارة المرخص لها وغير المرخص لها. وحكاية آنا، وعلى نحو ما ورد في التحقيق، لافتة ودالة على "مرارة الواقع المغربي" وقتذاك. فقد ولدت هذه الأخيرة في موكادور (الصويرة)، لأب توفي وترك 11 طفل (8 ذكور و 3 إناث)، وتعرضت لاغتصاب في إنزكان، وعاشت في ما بعد مع قوَّادة يهودية

  1. العلك أو المسكة بالعاميةِ.
  2. انظر: Edmond Amran El Maleh, "Juifs marocains et Marocains juifs,"  Les temps modernes , no. 375 (1977).

في منزل مرخص له ومع ثلاث نساء إسرائيليات، وفي شروط صحية ورفاهية نسبية. واللافت أنها كانت تقرأ كثيرًا في أوقات الفراغ، وكانت تفضل الروايات البوليسية وروايات أميركية من تأليف روائيين سود. وفي ما يخص البغايا، لا يخلو التحقيق من "خلفية ثقافية"؛ فالزبون الأوروبي محتقَر ومستغَّل، وهو من الجنود العابرين ومن جميع الجنسيات، ومن العمال الإيطاليين، والبرتغاليين، ومن إسبانيي المدينة، إضافة إلى بعض الفرنسيين البرجوازيين، ومن التجار أو الصناعيين؛ فهؤلاء كانوا معروفين جدًا في الحي، ويدفعون أكثر. وكانت بعض البغايا المسلمات أو اليهوديات لا يعملن عادة إلا مع الأوروبيين أو الإسرائيليين المتأوربين (15 في المئة من العينة). ثم إن البغايا في المغرب كن لا يمارسن الجنس خلال دورتهن الشهرية إلا في حالات استثنائية، خلافًا للأوروبيات، وهذا ما كان يعبّ عن معنى أنثروبولوجي في إطار "مفهوم الثقافة". كما يشير التحقيق إلى أن البغايا كنّ لا يلمسن أعضاء الرجال التناسلية للرجال، بل كن لا ينظرن إليها.

مفهوم الدعارة

استند المحققان في التعامل مع "البغاء" في المغرب الكولونيالي إلى مفهوم محكوم بتصور منهجي كان له تأثيره في مستوى توجيه التحقيق ككل، وفي مستوى بعض خلاصاته المضمرة. فهما لا يعالجان موضوع البغاء بمصطلحات أخلاقية أو بسيكولوجية، ولا يستندان إلى أي منظور قيمي. ثم إن التربية أثبتت فشلها في وقف زحف الدعارة وانتشارها، كما كانا يتصوّران؛ فالدعارة ليست "انحرافًا"، وقد عالجاها باعتبارها فعلًاقتصاديًا مرتبطًا بحركة البروليتاريا المدنية؛ هي جزء من "البلترة" Prolétarisation بآلياتها الجارفة والساحقة والمفتتة. ولا ريب في أن من غير الممكن التغافل عن العوامل الأخرى، غير أن العامل الاقتصادي والاجتماعي يظلّ الأرجح والأهمّ بالنسبة إلى التحقيق؛ ألم يؤْثَر عن الزعيم والعالِم المغربي علالالفاسي قوله الشهير: "الذي يريد القضاء على الدعارة فليعمل على تغيير النظام الاقتصادي القائم في البلاد"؟ وقوله: "إن المرأة التي لا تقدر على عول نفسها ولا تستطيع أن تقوم بعمل مشرف يؤول بها الحال إلى إلقاء نفسها في أحضان الرذيلة لتأكل الخبز ممزوجًا بالدموع"، و "إن للاقتصاد أثره الكبير في تكوين البغاء ونشره، ولو زال هذا العامل من الوجود لما بقي من البغاء إلا لون يسير من السهل علاجه بوسائل الخلق والتهذيب"15. الدعارة إذًا فعل اقتصادي يخضع ل "لعبة العرض والطلب" المرتبطة بأي نشاط تجاري، إضافة إلى أنها تتموقع في حقل العلاقات الاجتماعية وديناميات التحولات الاجتماعية التي ميَّزت، في تلك الفترة، المجتمع المغربي. والدعارة، باعتبارها تجارة، محرَّرة من التابوهات الأخلاقية والاجتماعية التي تسقط في مقاربة تضليلية للمشكل، بل تسقط حتى في "لفة نفاق" كما يقول التحقيق، والأهم هو الأبعاد الاجتماعية والاحترافية والمؤسساتية في البغاء.

الطرح الإثنوغرايف والسوسيولوجي

سبق أن ذكرنا أن التحقيق أُنجز بخلفية طبية، وظلت هذه الخلفية واردة ما بقيت الدعارة تشكّل تحديًا حقيقيًا لإدارة الصحة العمومية، وللسياسة الصحية الكولونيالية بصفة خاصة، غير أن أهمية التحقيق/ الدراسة نابعة – كما سبق القول - من انتظامه في الطرح الإثنوغرافي، وتحديدًا ضمن البحث الأنثروبولوجي بشأن "ميلاد البروليتاريا المغربية" الذي كان يوجِّهه روبير مونتاني في إطار العلوم الاجتماعية لتلك المرحلة، وكان أوسع وأشمل. وضمن هذا التحقيق كانت أزمة المدينة، وبالتحديد من حيث قدرتها على دمج البروليتاريا المدينية وتمكينها من شروط الحياة البسيطة والضرورية، من عمل وتعليم وصحة.

  1. علال الفاسي، النقد الذاتي، لجنة نشر تراث زعيم التحرير علال الفاسي، ط 5 (الرباط: الرسالة، 1979)، ص 273.

نتيجة أزمة المدينة، لا يبدو غريبًا أن تحظى الدعارة بمكانة في التحقيق، خصوصًا أن الاستعمار كان قد حرص على السماح بممارستها بل عمل على ترسيمها منذ دخوله المغرب، مثلما جرى من قبل في الجزائر ثم في تونس. غير أن ما يسجَّل على تحقيق مونتاني، وبسبب من شموليته أيضًا، معالجته موضوع الدعارة بطريقة اختزالية ومحتشمة، إضافة إلى أنه أدمجها ضمن فصل يعالج تفكك العائلة المغربية نتيجة العلاقة الجديدة مع المدينة، كما يسجّل عبد المجيد عريف (ص. 21)، وعلى النحو الذي أفضى إلى ما ينعته ب"الدراما العائلية" التي كانت - بدورها - ضمن الأسباب الوجيهة للدعارة. جاء تحقيق جان ماتيو وموري P. Maury بشأن البغاء في المغرب الكولونيالي في سياق معرفي ينقل البحث الاجتماعي من الاهتمام بالقرية إلى زيادة العناية بالمدينة. واللافت أن معالجة موضوع البغاء، ومن خلال أبعاده الطبية والوقائية Prophylactique، شكَّلت هامشًا ليس إلا؛ فالرهان كان تقديم عمل للسوسيولوجيا والإثنوغرافيا كما ورد في نص التقديم (ص. 25) وليس الانحصار في المنظور الطبي. وكان إنجاز مونوغرافيا أحسن منهجية لدراسة البغاء، وقد اسعف حي بوسبير في تحقيق المبتغى. فرض التحقيق على صاحبيه الرجوع إلى مستندات تحتل صميم المنهجية الإثنوغرافية، وذلك بالتركيز على تجمع مختزل ومتحقق في فضاء محدد بدوره في مكان وزمان، وعلى النحو الذي جعل منه "عالمًا" سعى المحققان إلى النفاذ إلى "مجموعه" من خلال التركيز على وقائعه الاجتماعية والاقتصادية والمؤسساتية (ص. 39)، وهو ما فرض عليهما استعمال منهج الملاحظة وتجميع المعطيات واعتماد الإحصاءات واستعمال محكيات اليومي... إلخ. يرى عبد المجيد عريف أن التحقيق لا يخفي أسماء محددة أفاد منها التحقيق، أكان ذلك في مجال الإثنوغرافيا أم في مجال العلوم الاجتماعية بصفة عامة؛ فقد تأثر التحقيق ب لوبلاي Le Play وتلامذته (ص. 27)، كما تأثر، من ناحية شبكات التحقيق، بكلٍّ من رونيه هوفير René Hofferr (ص. 28) وموريس. كما كان لمارسيل موس Marcel Mauss تأثيره هو الآخر من خلال "كرّاس الإثنوغرافيا") 1947  (ethnographie ’ Le Manuel d   الذي يشدّد فيه على الإثنولوجيا باعتبارها علم أدلة وإحصاءات. وفي الإجمال، أفاد التحقيق من التيارات السوسيولوجية لنهاية القرن 19 وبداية القرن 20، كما أفاد من سياق نقاش خمسينيات القرن المنصرم الذي طبع السوسيولوجيا الفرنسية. وفي السياق نفسه، وهو سياق الطرح الإثنوغرافي بصفة عامة، تمّ التشديد على أن الأنثروبولوجيا هي الأكثر التصاقًا بالواقع، كما أن الإثنوغرافي يقاسم الناس - الذين يدرسهم - تفصيلات حياتهم اليومية16. وعلى هذا المستوى، يلخص عبد المجيد عريف، وبدقة، مواصفات البحث الميداني، في حال كتاب "بوسبير"، وفي مقدّمها اعتماد "الحوار" بدلً من "الاستنطاق"، ولاسيما "الاستنطاق البوليسي" الذي يتم تحت الإكراه والعنف الفيزيقي. ومن المفهوم، في إطار من الحوار بمعناه الموسّع هذه المرة، إعطاء "فرصة الكلام" للمغاربة بعامة وللباغيات بصفة خاصة، وكل ذلك من أجل التوثيق (ص. 41) أو من أجل "محاولة تقديم البرهان"، كما قالت الباحثة الفرنسية كريستيل الآنفة الذكر. ChristelleTaraud تارو لم يكن اعتماد طريقة من هذا النوع يخلو من صعاب. وعلى الرغم من الارتباك الذي أظهره المحققان تجاه المفردات العامية، فإنهما لم يترددّا في الأخذ بها واستخلاص ما هو أهم فيها، الأمر الذي مكّنهما من استيعاب تعددية البغايا وتنوع معيشهن، ومن اختراق المكان والنفاذ إلى داخل المناطق الأكثر سرية وحميمية فيه، ومن تقديم معرفة عميقة، وأحيانًا حميمة، بحياة المقيمات في الحي. ولعل من ميزات هذا التحقيق أيضًا، بحسب عبد المجيد عريف، أنه حرك "تقنيات التحقيق المتغايرة"، والأهم من ذلك هو أنه تمكن من التخلص من "نتوءات"17التحقيق. كما كان للغة التحقيق المحكمة والشفَّافة دورها في هذا المكسب، على الرغم من تكسيرها بالأرقام والصور والمحكيات والوثائق.

  1. عبد الله عبد الرحمن يتيم، "الأنثروبولوجيا إزاء مشكلات السلطة،" مجلة العلوم الإنسانية (محور دراسات في الأنثروبولوجيا) (جامعة البحرين)، العدد 6 (صيف 2003)، ص 144.
  2. نستعمل مفردة "نتوءات التحقيق المونوغرافي"، هنا، كمقابل لعبارة عبد المجيد عريف هاته ": enquête monographique ’ Les écueils de l. " Mathieu & Maury, Bousbir: La prostitution dans le Maroc colonial: Ethnographie d'un quartier réservé , p. 31.

العلم الكولونيايل

إنّ ما سلف من إلحاح على انتظام التحقيق في "المنهج الإثنوغرافي" لا يحول دون تأكيد انتظام التحقيق ذاته، في سياق معرفي أوسع هو سياق "السوسيولوجيا الكولونيالية" وسياق النقاش السائد في العلوم الاجتماعية على مدار الفترة الممتدة من سنة 1930 إلى سنة 1950 (ص. 15). وكان هذا السياق قد انطبع، وبقوة، بالألغام والزوابع الاجتماعية التي كانت تزعج السلطات الاستعمارية وتضع أطروحة "المهمة التحضيرية" على المحك؛ ومن تلك الألغام التعمير والصحة والتعليم، وهذا ما كان يحتم استثمار نتائج العلوم الاجتماعية والسوسيولوجيا والإثنوغرافيا والأنثروبولوجيا والجغرافيا والإحصاءات... في تدبير السلطات الاستعمارية "شؤون الأهالي" (ص. 17). ولذلك، يبدو جليًا أن تكون العلوم الاجتماعية التطبيقية المنشغلة بالحقل المديني، وعلى الرغم من طابعها التحليلي، أكثر براغماتية انشغالً بالإجابة عن الأسئلة العملية (عريف، ص 18)؛ فوظائفها لا تنحصر في تفسير الوقائع الاجتماعية، وإنما تتعدى ذلك إلى وصل التفسير بالتخطيط للتحوّل المجتمعي المستقبلي (ص. 16-18). إنه خيار "الأفكار" بدلً من خيار "اليد الثقيلة" التي نهجها الغرب، في أغلب الأحيان، في معرض التعامل مع أبناء المستعمرات. إن "الفهم" شرط لازم في العلوم الاجتماعية، على أن يكون له دور في التغيير لكي لا نسقط في مقولة "التغيير" بمفردها، وعلى نحو ما كانت متداولة في "الطرح الماركسي" في سنوات سابقة، وحتى في بلدان مغاربية مثل الجزائر18. وعلى مستوى آخر، وفي الوقت الذي كانت فيه العلوم الاجتماعية تأخذ صفة "الفرع المعرفي" في أوروبا، فإذا بها، تقوم في البلدان التي هي في وضعية كولونيالية، أو في حال الغيرية Altérité، بتخطّي التفسير نحو خدمة "المشروع الكولونيالي"، وهو ما يعني أنها "أداة للحكم". في هذا الإطار، تُطرح مسألة السوسيولوجيا الكولونيالية أو العلم الكولونيالي، مثلما تُطرح مسألة "تحرير هذه العلوم" Décolonisation، سواء من منظور وطني أو من منظور "نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي". وكانت النظرية الأخيرة قد أخذت تفصح عن ذاتها منذ أواخر السبعينيات من القرن الماضي، وبالتحديد مع كتاب إدوارد سعيد الاستشراق (1978)، وهي لا تزال حتى الآن تفرض سلطتها المعرفية، ولاسيما من ناحية الوصل بين الإمبريالية والثقافة، ومن ناحية دور العلوم الاجتماعية في "مباركة الاستعمار"19. وقد نادى بعض السوسيولوجيين المغاربة في سنوات الاستقلال الأولى بأن تكون السوسيولوجيا وطنية، وهو ما يبدو، في نظر عبد المجيد عريف، عبثًا، لأنه لا يمكن "تأميم" فرع معرفي علمي (ص. 22).

يف المنظور الاستشراقي

من المؤكَّد أن الطب كان أداة للاستعمار، وهذا ما يقر به مؤرخون فرنسيون متخصصون بالمرحلة الكولونيالية في المغرب، بل مشهود لهم ب"النزاهة العلمية". وكان للماريشال ليوطي (أوّل مقيم عام بالمغرب) دور بارز في هذا الصدد. كما ربط دانييل ريفي D. Rivet بين التعليم والطب من جهة وأدوات السلطة والسيطرة من جهة ثانية. ولذلك، لم يكن الهدف من التعليم والطب التخلّص من الأمراض والظلامية، وإنما الانتظام ضمن إستراتيجيا مصمِّمة على المراقبة الاجتماعية، وحفظ النظام القائم، وتكييف الجماهير العوام. بكلام موجز: كان الهدف مراقبة الجسد الاجتماعي، والتحكم فيه، من خلال العلاج والبيداغوجيا20. في هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى حرص السلطات الاستعمارية على إنشاء مكاتب الصحة في كبريات المدن المغربية. وكان من صلاحيات هذه المكاتب مراقبة البغايا أو "العواهر"، كما يسميهن الباحث بوجمعة رويان في بحثه التاريخي المتميز "الطب الكولونيالي بالمغرب 1912 1945 ".

  1. انظر: Djamel Guerid, "D’une Articulation a une autre: Les trois périodes d’une sociologie en Algérie," In: R. Bourqia & N. Hopkins , eds.,  Le Maghreb: approches des mécanismes d'articulation (Rabat: Al Kalam, 1991), pp. 19 – 30.
  2. انظر الفصل الأول: "نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي: الأسس النظرية والمستندات التصورية"، في: يحيى بن الوليد، الوعي المحلق: إدوارد سعيد وحال العرب)القاهرة: دار رؤية للنشر والتوزيع، 2010)، ص 26 122.
  3. Daniel Rivet, Lyautey et l'institution du protectorat français au Maroc: 1912 - 1925 (Paris: L'harmattan, 1988), p. 252.

غير أن الدافع إلى ذلك، كما يضيف رويان، هو تكاثر الأمراض الجنسية بين جنود الاحتلال، ومعظمهم عزّاب، نتيجة عدم إجبار البغايا على الفحص الطبي. ومن هذه الناحية تم تسجيل عشرة آلاف رجل من أسطول المتوسط نزلوا مدة أسبوعين في حي بوسبير، سنة 1930، من دون أن تظهر بينهم أي حالة من حالات الزهري21. لذلك لا يبدو غريبًا تورّط المؤسسة الطبية في تسيير بوسبير مؤسساتيًا، ومن خلال رقابة طبية "مذلة". وكان للشرطة الدور الممهد، حيث إنها أجبرت عددًا كبيرًا من الفتيات على الإقامة ببوسبير، بالإضافة إلى أنها كانت تحرس مدخل الحي. وكان الأطباء، بدورهم، من وجوه السلطة/ المراقبة: ألم يقُل الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو Michel Foucault، في كتابه مولد العيادة Naissance de la clinique، "لا يوجد دواء للأوبئة إلا إذا عززته الشرطة"22؟ علمًا أن فوكو كان هنا يتحدث في إطار "المركزية الأوروبية". لكن، هل كان التحقيق، الذي نحن بصدد تحليله، واقعًا في "المربع" ذاته أم خارجه أم في منزلة بين المنزلتين؟ إن أوّل ما يشد الانتباه في التحقيق هو أن صاحبيه كانا على وعي تام ب"المنظور الاستشراقي الجارف" الذي يلوي بصاحبه قبل أن يلوي بخطابه، خصوصًا أمام موضوع في حجم موضوع البغاء الذي يغري بالارتماء في حضن الاستشراق. ومن قبيل الاستطراد وتأكيد منظور الاستشراق، كان بوسبير – كما يقول المحققان، مليئًا بالشعر والأصالة والاستشراق، على الرغم من أنه كان محتقرًا وخط رًا على الصحة العمومية، ولذلك ينبغي معرفته عن قرب (ص. 113)، والفكرة هذه تتردد في أكثر من موضع من الكتاب. وفي السياق نفسه، حرصت السلطات الاستعمارية على تعميق المنظور الاستشراقي بصورة تجعل بوسبير مجلى ل"الهوة الاستشراقية التي تبارك الاستعمار"23، كما نعتها إدوارد سعيد؛ ف"المرشد السياحي" للدار البيضاء كان يدعو السياح وهواة دراسات الأعراف إلى الظفر بمعرفة مدينة بوسبير المغلقة (ص. 9). كما كان يجري تزويد الجنود النازلين في المغرب، بصور فوتوغرافية وبطاقات بريدية تحدّد أماكن الأحياء المحجوزة في تصاميم مدن مغربية، بل كان يجري بطريقة صريحة وداعمة في أحيان تقديم طبوغرافيا الغرائبية، وضمنها الدعارة وأماكنها التي تمثّل أكثر من فرصة للاختيار (ص. 9). على أن المسألة لم تتوقف عند حد الجنود الذين كانوا ينزلون في الدار البيضاء أو يعبرونها، بل خاض في الموضوع رسامون يبحثون عن "ألوان الشرق"، وشعراء ملاعين يحلمون بلذات الشرق، وصحافيون عطشون لنوادر الشرق، ورحالة تستهويهم توابله الإثنوغرافية... إلخ. وكانت الخلاصة أن تم تجاوز "الجغرافيا التخييلية" نحو الارتقاء بالمكان إلى "الأسطورة". وكما قيل، هناك مدن وأمكنة "مزدوجة": توجد في الواقع مثلما توجد في الأسطورة24؛ وهو قول متداول في "نصوص الاستشراق" وفي "الكتابات الكولونيالية" بصفة عامة. ثم إن أشكال الديكور والبخور الغرائبية والحناء والمقاهي والموسيقى العربية... كانت، بدورها، تحفِّز على التعامل مع الشرق باعتباره "حلمًا". وبوسبير، منذ ميلاده، صار "مرجعًا"، ومن ثمّ الروبورتاجات الغرائبية والاستعارات التعويضية والصور النمطية التي كانت تجعل من الحي "حاجة" أكثر مما تجعل منه "واقعًا". في حال بوسبير، وعلى الرغم من صغر حجمه العمراني، تتأكد مقولة "الغرب الذي يتقدم نحو الشرق وليس الشرق الذي يتقدم نحو الغرب". والتقدم، هنا، بدافع من تحويل الشرق إلى "موقع جنسي" كما قال إرفن جميل شك Schick. Irvin C في كتابه الشيق الاستشراق جنسيًّا. وقد كان للجنس Sexualité دور مركزي في تشكيل وجهات نظر الغرب بشأن الشعوب والأمكنة الأخرى، وكل ذلك في إطار مما يُعرف ب"إنتاج الشرق"، وقد أدى الفتح الجنسي والفتح الاستعماري أدوارًا عدة في وقت واحد25.

  1. رويان، الطب الكولونيالي الفرنسي بالمغرب 1912 1945، ص 279، 368.
  2. ديبيش شاكرابرتي، مواطن الحداثة -  مقالات في صحوة دراسات التابع، مجيب الرحمان (مترجم)، (أبو ظبي: هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث (كلمة)، 2011)، ص 171.
  3. إدوارد سعيد، الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق، محمد عناني (مترجم)، (القاهرة: دار رؤية للنشر والتوزيع، 2006)، ص 31.
  4. حاولنا معالجة جانب من المشكل في كتابنا: يحيى بن الوليد، تدمير النسق الكولونيالي: محمد شكري والكتاب الأجانب (الرباط: منشورات وزارة الثقافة المغربية، 2010). وإن من خلال "كتابات" الكاتب المغربي العالمي محمد شكري عن الكتّاب الأجانب من الذين أقاموا بمدينة طنجة المغربية.
  5. إرفن جميل شك، الاستشراق جنسيًا، عدنان حسن (مترجم ومحقق)، (دمشق: قدمس للنشر والتوزيع، [د. ت.])، ص 294، ص 45، ص 38، ص 36؛ وانظر أيضًا: رنا قباني، أساطير أوروبا عن الشرق: لفق تسد، صباح قباني (مترجم)، (دمشق: دار طلاس، 1988.)

إنّ أنثروبولوجيا روبير مونتاني هي "أنثروبولوجيا استشراقية"، و"الاستشراق" هنا هو بالمعنى الذي قدمه إدوارد سعيد26، غير أن التحقيق انتهج مسلكًا مغايرًا. وكما سجّل مراجعوه ومحاوروه، لا مجال للاستشراق في الكتاب، سواء على مستوى التضمن أو على مستوى اللزوم. هذا إضافة إلى أن التحقيق ليس من صنف الوثائق التي تغذي الغرائبية الكولونيالية والاستشراق الجنسي وتؤججهما، ولا سيما من خلال البغاء. فصاحباه ليسا، وفق مراجعة مقتضبة ومكثفة لكورين فيرنير Corinne Cauvin Verner، مبعوثين أو محسنين، بل محققان اعتمدا، على طريقة الإثنوغرافيين، الاستمارات والحوارات والإحصاءات والروبرتاج الفوتوغرافي وشهادات للباغيات، ظلت على حالها ودونما أدنى تصرف من جانب موقع "التخييل" بلغة "نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي" أو من جانب موقع التصرف كما تقتضي أشكال المراقبة. التقرير هو مثال دال على العلم الكولونيالي غير المؤدلج Désidéologisée، ودونما سقوط في "الغرائبية الكولونيالية". وقد ربط المحققان البغاء بميلاد البروليتاريا التي كانت، وحتى بداية فرض الحماية على المغرب (1912)، الأساس في محو "المدينة الغرائبية" المثيرة للإعجاب؛ تلك المدينة التي كان يتلهف إليها العطِشون ل"الشرق المتخيل " Imaginaire. ومع ميلاد هذه البروليتاريا، ما عاد ثمة من مجال للحديث عن "مجتمع الأهالي" أو "المغرب المجهول" أو "المغرب العجيب"... وغير ذلك من عناوين الرّحالة والإثنوغرافيين، ولا سيما من الممهِّدين للاستعمار. لقد شكَّل التحقيق منعطفًا في طريقة مقاربة "مجتمع الأهالي". وكما يضيف عبد المجيد عريف، توقفت التحقيقات السوسيولوجية ابتداء من الأربعينيات عن التكلم على الأهالي، وراحت تتحدث عن "المغرب الحديث" و"النيوبروليتاري" و"الحضري الجديد". تأكيدًا لذلك، يشير التحقيق إلى أن 60 في المئة من المقيمات في بوسبير هن من أحياء الصفيح بالدار البيضاء (بنمسيك والكريان سنطرال)، وكانت عائلاتهن قد أتت من نواحي الدار البيضاء في إطار الهجرة القروية. وخدوج، التي شملها التحقيق، مثال دال على المقيمات ممن كان يتردد عليهن أفراد من العائلة كل نصف شهر من أجل تسلم "الحصة" من المال الذي كانت تحصل عليه عن طريق عرض جسدها. وفي هذا السياق تيسر لنا فهْم السبب الذي كان يجعل الأسر تبعث ببناتها إلى الحي من أجل ممارسة البغاء27، وهذا ما يشير إليه عريف أيضًا. وحتى على مستوى الصور الفوتوغرافية، وبدورها المعهود على صعيد تعميق الاستشراق الفني، لا مجال ل"العري"، أو ما يُنعت ب"العري الكولونيالي"، الذي نألفه في كتابات ولوحات وتحقيقات، وفي نصوص "المغرب الغرائبي" بصفة عامة. بيد أن التحقيق لا يستجيب لما يُصطلح عليه ب"الإيكونوغرافيا الكولونيالية" Iconographie Coloniale التي تقوم على العري والفانتازم. وما يلفت النظر هو حرص المحققين على "التوثيق" عبر صور تبدو فيها البغايا نساء عاديات بل غير مختلفات عن بنات جنسهن من المغربيات؛ فلباسهن لا يدل على تعاطيهن البغاء، بل كن يرتدين الحجاب في بعض الأحيان. والتوثيق الفوتوغرافي محكوم بالتصوّر العام الذي يلوي بالتحقيق، ولذلك كانت الصور تتوخى "المطابقة" و"الصدق"، شأن المعلومات والأفكار والوثائق، أي مجموع ما يشكل "نسق" الكتاب. هذا في الوقت الذي كانت فيه المقيمات، ومن ناحية الحضور في الصورة الفوتوغرافية، جاهزات للعراء، في إطار "الترويج الكولونيالي" للحي، وفي السياق الكولونيالي - ككل - الذي هو "سياق علاقات القوة". وقبل ذلك، كان منظر امرأة شبه عارية وتدخن سيجارة ينم عن سلوك عادي ومألوف في الفضاء المغاربي ككل28. ليس في الكتاب مجال للاستشراق والإيروتيكية والغرائبية، ولا ل"الحريم الكولونيالي"؛ فبوسبيىر محاط من الخلف بأحياء الصفيح، حيث البؤس والفقر الذي يلوي بالمقيمات أيضًا، جنبًا إلى جنب الانغلاق والعبودية. لقد كان بوسبير، بحسب المحققين، وكما يستخلص عريف، يمثّلحدًّا بالنسبة إلى الغرائبية والغرائبية الكولونيالية على وجه التحديد. يستبعد المحققان الطرح الاستشراقي الذي جعل من الحي المحجوز "أسطورة" ونسخة من "ألف ليلة وليلة"... إلخ.؛ وممّا يقولانه في ختام الكتاب: "الحقيقة شيء آخر"، و"نحن ارتبطنا برؤية الدعارة في إطارها العادي، وحاولنا أن نصف، وبدقة، الطريقة التي تمارَس بها الدعارة، والمكانة التي تشغلها في المجتمع المغربي".

  1. Abdellah Hammoudi, "Construction de l'ordre et usage de la science coloniale: Robert Montagne, penseur de la tribu et de la civilisation", InFrançois Pouillon & Daniel Rivet: La sociologie musulmane de Robert Montagne (Paris: Maisonneuve et Larose, 2000), p. 269.
  2. Mathieu & Maury, Bousbir: La prostitution dans le Maroc colonial: Ethnographie d'un quartier réservé , http: chsim.ehess.fr/index.php.
  3. انظر، على سبيل المثال: Tahar Ben Jelloun & Alain D’Hooghe & Mohamed Sijelmassi, Le désir du Maroc (Paris: Marval, 1999).

إنّ التعامل مع الدعارة باعتبارها "مهنة"، وفي إطار عدم "التمركز الغربي"، وعلى الرغم من "الخلفية الأوروبية"، هو ما جعل المحققين يصلان بين الدعارة في المغرب والدعارة في الغرب، بهدف استخلاص عناصر التماثل وليس الاختلاف. الدعارة محكومة في كلتا الضفتين بثقافة متعينة، إلا أن الأمر، في حال التحقيق، لا يتعلق بمعارضة ثقافة بأخرى، بالنظر إلى أن الأهم هو الممارسات الاحترافية والتسيير المؤسساتي في الدعارة. والأمر يتعلق بمقارنة الوقائع وليس الثقافات، كما يستخلص عريف. وحتى على مستوى الحي، لم يكترث التحقيق بتفاعل الثقافات المرتبطة بإثنيات البغايا من مغربيات ويهوديات وعربيات وأمازيغيات. ليس الكتاب هذا وثيقة لمرحلة الحماية الفرنسية، ولا هو من الكتب الداعية إلى الإعجاب الشرقي من خلال الدعارة؛ إنه، كما جاء في الخاتمة، يناهض بحيوية هذه الدعاية ذات الخاصية السيئة، والضارة والدنيئة أيضًا. وفي سياق الخلاصة ذاتها، هناك مبالغة في التشديد على القوادة، وبالصورة التي تجعل من الدار البيضاء بوينس إيريس ثانية. وكما يقول المحققان بإلحاح: "سعينا قبل كل شيء في هذه النقاط أن نكون موضوعيين ودقيقين" و"مخلصين لوصف بوسبير".

التضامن ومناهضة العبودية

إنّ أهمّ ما تشدّد عليه كريستيل تارود في العنف الجنسي الكولونيالي هو العنف ذاته، إلى جانب الجوع والبؤس، وكيف أن هذه الآفات تدخل في صلب حياة البغايا اليومية29، وهو ما يستلزم "مباركة" هذا العنف أو مناهضته بشراسة، أو على الأقل انتقاده بهدوء. وفي الحقيقة، ثمة في التحقيق ما يتجاوز الإخلاص لبوسبير نحو "التضامن المضمر"، ونحو مناهضة العبودية التي تبدو العلامة الكبرى، الحاضرة/ الغائبة، والدالة على الحي؛ فالبغايا كن خاضعات لمراقبة وحشية وظالمة قبل أن يكنّ جاهزات لتلبية رغبات الزبائن. والأمر يتعلق ب"معمل للجنس" فيما المقيمات داخله مجرد "شي". و"التشييء" و"الإذلال" هما ما يمكن استخلاصهما من نص سيمون دوبوفوار Simone de Beauvoir في كتابها الجنس الثاني، الذي تصدّر التحقيق. لقد تعرضن ل"ذبح جماعي"، مع أن سن بعضهن لم تكن تتجاوز ال 12 سنة، علاوة على انقطاعهن عن وسطهن الأصلي وعن عائلاتهن وأزواجهن... فرارًا من نيران العنف وجروح الاغتصاب وهواجس الطلاق والملاحقة. غير أن ذلك كله لم يكن يضمن لهن عيشًا كريمًا؛ فالحي المحجوز "منفى"، أو "سجن بسماء مفتوحة" بالتعبير الفرنسي، وعلامة على العبودية. وثمة تيار كامل، وقوي كما يصفه عريف، يجعل من الدعارة عبودية أو امتدادًا لها؛ إنها الوجه الآخر ل"الشر الراديكالي" أو "الجذري"، تبعا للمصطلح الجامع والمتداول للفيلسوفة حنا ارنت Hannah Arendt. وعلى الرغم من "المسافة"، بمعناها الأنثروبولوجي المنهجي، التي ينتهجها التحقيق في التعامل الميداني أو الحقلي مع موضوعه، فإن التحقيق لا يخلو، في مضمره، من "نزعة إنسانية" كتلك التي اشترطها إدوارد سعيد في إطار نقده اللاذع للاستشراق، وعلى النحو الذي لا يستلزم القطيعة مع الغرب (طبعًا الغرب غير الإداري).

بوسبير الآن

في سنة 1953، أي بعد سنتين من التحقيق، أو قبل ثلاث سنوات من حصول المغرب على استقلاله، اتُّفق على إغلاق الأحياء المحجوزة بشكل نهائي، وكان حي بوسبير أوّلها. وكان للتحقيق، بنقده المبطن وبنزعته الإنسانية الخفية، تأثيره في اللجنة الاستشارية للصحة العمومية التي اتخذت القرار، كما كان للوطنيين تأثيرهم في هذا المستوى حين أخذوا يلحون بالتساؤل: كيف أغلقت فرنسا هذه الأوكار فيها بينما رعتها داخل المغرب؟ وبعد الاستعمار، لم يطرأ على معمار الحي الهندسي أي تغيير، ما عدا استبدال أسماء الأحياء التي كانت تشير إلى الأصول الجغرافية للباغيات (الفاسية، المكناسية، المراكشية، الرباطية، السلاوية، الدكالية، البيضاوية، العبدية، المزابية...) بأسماء أخرى، مع الإبقاء على الأسماء القديمة في

  1. Taraud, La prostitution coloniale: Algérie, Maroc, Tunisie (1830 - 1962) , p. 16.

مقابل الجديدة على جدران مدخل الحي. والهدف من فعل الاستحضار هذا هو تحصين الذاكرة وصونها من "آفة النسيان"، وجعلها "تعمل." وبوسبير من صنف "الأماكن" التي يصطلح عليها ("أماكن الذاكرة" Le lieux de mémoire حسب المؤرخ فرانسوا هارتوغ François Hartog)، وعلى النحو الذي تتأكد معه عبارة بينيديتو كروتشيه Benedetto Croce في شأن "التاريخ الذي يظلّ معاصرًا لنا".

أصالة البحث وراهنيته

على الرغم من أنّ التحقيق صدر في سنة 1951، فإنه لا يزال يحظى بمكانة أكاديمية رفيعة في تاريخ التحقيقات السوسيولوجية المغربية. إنه تحقيق متفرّد وأصيل بسبب منهجيته التي لا تفارق مناحي الأصالة والإضافة، وقيمته لا تزال محفوظة حتى اليوم، فهو مادة ضرورية لجميع التحقيقات المتعلقة بالدعارة والأشكال الجديدة للتبادل الجنسي في المغرب، وفق قول كورين فيرنير Corinne Cauvin Verner، إضافةً إلى أنه كان حافزًا لأبحاث تُعنى بالدعارة، وإن بلغات أجنبية، ما دام الباحثون الأنثروبولوجيون المغاربة، والمشتغلون بالعلوم الاجتماعية بصفة عامة، لا يزالون محجمين عن الخوض في "ألغام المسكوت عنه".

قائمة المصادر والمراجع

المراجع العربية

بن الوليد، يحيى. تدمير النسق الكولونيالي: محمد شكري والكتاب الأجانب. الرباط: منشورات وزارة الثقافة المغربية، 2010.

----------. الوعي المحلق: إدوارد سعيد وحال العرب. القاهرة: دار رؤية للنشر والتوزيع، 2010.

رويان، بوجمعة. الطب الكولونيالي الفرنسي بالمغرب 1912 1945. الرباط: مطبعة الرباط نت، 2013.

السبتي، عبد الأحد. التاريخ والذاكرة: أوراش في تاريخ المغرب. بيروت- الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2012.

سعيد، إدوارد. الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق. ترجمة محمد عناني. القاهرة: دار رؤية للنشر والتوزيع، 2006.

شاكرابرتي، ديبيش. مواطن الحداثة - مقالات في صحوة دراسات التابع. ترجمة مجيب الرحمان. أبو ظبي: هيئة ابو ظبي للثقافة والتراث (كلمة)، 2011. شك، إرفن جميل. الاستشراق جنسيًا. ترجمة وتحقيق عدنان حسن. دمشق: قدمس للنشر والتوزيع، [د. ت.].

الفاسي، علال. النقد الذاتي. لجنة نشر تراث زعيم التحرير علال الفاسي. ط 5. الرباط: الرسالة، 1979.

قباني، رنا. أساطير أوروبا عن الشرق: لفق تسد. ترجمة صباح قباني. دمشق: دار طلاس، 1988.

لكللرك، جيرار. الأنثروبولوجيا والاستعمار. ترجمة جورج كتورة. ط 2. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1990.

المستاني، عادل. سوسيولوجية الدولة بالمغرب. إسهام جاك بيرك. الرباط: [د. ن].، 2010.

ابن الوليد، يحيى. "قراءة مقرّبة ونبيهة، مراجعة لكتاب القريب والبعيد - مائة عام من الأنثروبولوجيا بالمغرب. (بالفرنسية) لحسن رشيق،" مجلة عمران للعلوم الاجتماعية، العدد 8، 2014.

يتيم، عبد الله عبد الرحمن. "الأنثروبولوجيا إزاء مشكلات السلطة." مجلة العلوم الإنسانية. (محور دراسات في الأنثروبولوجيا) (جامعة البحرين)، العدد 6، صيف 2003.

المراجع الأجنبية

• Mathieu, Jean et P.-H. Maury. Bousbir: La prostitution dans le Maroc colonial: Ethnographie d'un quartier réservé. Edité

• Montagne Robert. Naissance du prolétariat marocain: Enquête collective exécutée de 19 48 à 19 50. Paris: Editions

• Pouillon, Francois. "La société segmentaire et ses ennemis: Notes sur un moment des sciences sociales au Maghreb."

• Ben Jelloun, Tahar, Alain D’Hooghe et Mohamed Sijelmassi. Le désir du Maroc. Paris: Marval, 19 99.

• Bourqia, R. and N. Hopkins (eds.).  Le Maghreb: approches des mécanismes d'articulation. Rabat: Al Kalam, 19 91.

• El Maleh, Edmond Amran. «Juifs marocains et Marocains juifs.»  Les temps modernes: no. 37 5 , 1977.

et présenté par Abdelmajid Arrif. Paris: Paris-Méditerranée, 2 003. (Entre rives)

• Métalsi, Mohamed, Cécile Tréal et Jean-Michel Ruiz. Les villes impériales au maroc. Paris: Terrail, 1999.

Peyronnet, 19 52.

Prologues: (Le Maghreb dans les débats anthropologiques), no. 32, Hiver 20 05.

• La prostitution marocaine surveillée de Casablanca: Le quartier réservé. Archives de la direction de la santé publique,

inédit.Rachik, Hassan. Le Proche et le lointain: Un siècle d’anthropologie au Maroc. Marseille: Edition Parenthèses; Aix-

en-Provence: MMSH, impr. 2 012.

• Regards sur le Maroc: Actualité de Robert Montagne.  Paris: CHEAM [Centre des hautes études sur l'Afrique et l'Asie

modernes]; diffusion la documentation française, 1986.

• Rivet, Daniel. Lyautey et l'institution du protectorat français au Maroc: 19 12-1925. Paris: L'harmattan, 1988.

• La sociologie musulmane de Robert Montagne: Actes du colloque EHESS & Collège de France, Paris, 5 -7 juin 19 97.

Organisé par l'école des hautes études en sciences sociales et le collège de France. Sous la direction de François Pouillon et

Daniel Rivet. Paris: Maisonneuve et Larose, 2 000.

• Taraud, Christelle. La prostitution coloniale: Algérie, Maroc, Tunisie (1 830-1962). Paris: Payot, 2 003.