العودة إلى تفاصيل المؤلَّف استراتيجية الموحّدين العسكرية في غرب البحر المتوسط

استراتيجية الموحّدين العسكرية في غرب البحر المتوسط

The Almohads Military Strategy in the Western Mediterranean

عز الدين جسّوس*Azeddine

Guessous

الملخّص

ضمّ الموحدون إلى دولتهم مجالًا شاسعًا من الغرب الإسلامي بتوسّعهم شرقًا; ففتحوا على أنفسهم جبهةً مع القبائل العربية التي كانت في إفريقية ومع بني غانية أصحاب الجزر الشرقية (البليار) الذين ركّزوا هجماتهم على شرق الدولة. وولّ الموحدون وجهة اهتمامهم شطر الشرق، وتمثّل ذلك بالحملات العسكرية الضخمة التي كانت توجّه إليه تحت قيادة الحكام الموحدين أنفسهم. في حين كانت لهم جبهة شمالية في الأندلس أخطر بكثير، لم يحشدوا لها ما كان ينبغي من جهد وإعداد. ولم يكن ما خصصوه عسكريًا للأندلس بحجم ما بذلوه على الجبهة الشرقية التي لم يكن التوجّه إليها منذ البداية ملحًا ولا ضروريًا. ولم يتمكن الموحدون من المحافظة على ما كان تحت يد سابقيهم المرابطين من الأندلس بسبب الثورات الداخلية وتحرشات حركة الاسترداد المسيحية. وكشف هذا التوجّه خطأ الاستراتيجية العسكرية الموحدية في غرب المتوسط عقب هزيمة العقاب. وكانت له عواقب كارثية على الأندلس وعلى المغرب; إذ استطاعت حركة الاسترداد الاستيلاء على الجزر الشرقية بعد وقت وجيز من دخول الموحدين إليها. وسقطت زمن الموحدين أيضًا حواضر كبرى من قبيل قرطبة وبلنسية ومرسية وجيان وإشبيلية وحصون مهمّة في يد المسيحيين الذين هاجموهم في عقر دارهم في المغرب أيضًا. وهذا يفسر غياب نظرة جيو-سياسية متّزنة ومبنية على واقع التحولات التي كان عليها الحوض الغربي للمتوسط، فالخطر كان قادمًا من الشمال، وليس من الجهة الشرقية.

Abstract

Almohads (al - muwa ḥḥ idun) annexed a vast area of the Islamic West to their state by extending their conquest to the East. They then entered into conflict with the Arab tribes in Ifriqiya (or al-Maghrib al-Adna, i.e. Lower West) and Banu Ghaniya, rulers of the Eastern Islands (Balearic Islands). The Almohads attached great importance to this eastern front, leading them to wage huge military attacks there under the leadership of the Almohads rulers themselves. They had however a far more dangerous front to deal with in the North, but failed to accord it its due attention. Despite all the military efforts exerted by the Almohads in Al Andalus, their efforts did not match the losses incurred because of the Eastern Front the conquest of which was neither urgent nor necessary. Additionally, they were unable to preserve what their predecessors, the Almoravids, had achieved in Al Andalus due to internal revolts and the attrition resulting from the Reconquest Movement (Reconquista). Such an orientation and vision clearly showed the deficiencies of the Almohads' military strategy in the West Mediterranean whose catastrophic consequences for their domains Al Andalus and North Africa clearly materialized after the defeat in the battle of Las Navas de Tolosa (al Uqa¯b). As a result, the Reconquista seized the Eastern Islands shortly after the Almohads conquest. Major cities such as Cordoba, Valencia, Murcia, Jaen, Sevilla and important fortresses thus fell in the hands of the Christians who also attacked Almohads in their own territories in Al-Maghreb.

الكلمات المفتاحية:
  • الدولة الموحدية
  • الأندلس
  • عالم متوسطي
  • معركة العقاب
Keywords:
  • Almohad dynasty
  • Andalus
  • Mediterranean world
  • Battle of Las Navas de Tolosa
  • Military strategy

أسفر الانتصار في معركة الزلاقة سنة 479 ه / 1086 م في الأندلس وما تلا ذلك من إسقاط نظام الطوائف، عن بقاء الوجود الإسلامي في ما كان بيد المسلمين في البلاد لما يناهز ثلاثة قرون ونيف. وكانت المعركة سببًا حاسمًا في المحافظة على هذا المجال الإسلامي المهمّ في غرب حوض البحر الأبيض المتوسط. وأضحى للأسطول المرابطي السيادة على المنطقة، وبالأخص بعد الوحدة السياسية التي ألّفت بين المغرب والأندلس. وتلا انتصار معركة الزلاقة انتصارٌ آخر في معركة الأرك سنة 591 ه/ 1195 م زمن الموحدين. وهي المعركة التي لم تكن لنتائجها الق يمة المهمة والتداعيات البعيدة المدى التي كانت للزلاقة بسبب الوضعية الجديدة التي أضحت عليها الأندلس، وبسبب الإستراتيجية العسكرية التي نهجها الموحدون. ولم يتمتع الموحدون بنشوة الانتصار طويلً حتى تكبّدوا هزيمةً نكراء في معركة العقاب سنة 609 ه/ 1212 م، وهي الهزيمة الكارثة التي غيّت موازين القوة في غرب المتوسط وفي العلاقات بين المغرب والأندلس. وتُجمع أدوات البحث من مصادر ودراسات حديثة على أنّ هزيمة العقاب كانت بداية النهاية الطويلة والمأساوية للدولة الموحدية التي تمزقت أشلاؤها بين الانفصال والتشتت والحروب الأهلية؛ بسبب تنازع السلطة بين أفراد البيت الحاكم. وإن كانت الدولة الموحدية قد وحّدت مجالً شاسعًا في الغرب الإسلامي وأضافت إليه ما تبقّى من الأندلس بعد جهدٍ جهيد، فإنّ هذا التوسع بهذه الطريقة نحو الشرق الذي ضمّ ما يسمّى الآن بالمغرب العربي، تسبّب لها في مشاكلَ سياسية وعسكرية إضافةً إلى الخلل العضوي لتداول السلطة. وهو الخلل الذي نشأ مع تأسيس الدولة منذ ثورة أخوي المهدي. ثم برز بجلاء بعد وفاة المستنصر عام 620 ه/ 1223 م وأزهقت فيه أرواح كثيرة، وصرفت فيه أموال طائلة، واستُنزفت فيه قوة عسكرية هائلة.

أولً: هل كانت للموحدين أولويات عسكرية؟

قد يُعدّ وصول الموحدين إلى إفريقية وطرد النورمانديين من المهدية ثم ضمّهم ما تبقّى من الأندلس، هيمنةً على الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط. وهذا الوضع إن كان قد منحهم السيادة العسكرية على المنطقة، فإنّه ألقى على عاتقهم الذود عمّا أصبح في أيديهم من البلاد. فلم يرث الموحدون مجال السيادة المرابطية في الغرب الإسلامي فحسب، بل وسّعوا نفوذهم نحو المشرق بالقضاء على دولة بني حمّاد المنهارة. ثم واصلوا توسّعهم نحو إفريقية. فقضوا على الدولة الزيرية التي كانت تحتضر بسبب مشاكلها الداخلية وما تسبّبت فيه القبائل العربية. وكان وصول الموحدين بزعامة عبد المؤمن بن علي إلى المنطقة تخليصًا لها من هجمات المسيحيين في صقلية، عندما تمكّنوا من طردهم من المهدية. أمّا الأندلس فدخلها الموحدون بطلبٍ من أهلها في وقت مبكر من تأسيس الدولة، قبل الاهتمام بالجبهة الشرقية، وحتى قبل إتمام توحيد المغرب في قبضة عبد المؤمن1. لقد مرّ دخول الموحدين الأندلس بمراحلَ تخللتها تقلبات2. والراجح أنّ نظرة أهل الأندلس إلى الموحدين وإلى قوّتهم العسكرية استندت إلى ما اضطلع به المرابطون في البلاد من قبل. فقد ظل الملثّمون يدافعون عن الأندلس حتى عشية سقوطهم. وارتأى أهل الأندلس أنّ اللجوء إلى المغرب لحسم الفتنة أمر في مصلحة البلاد التي كانت تتشرذم بسبب الحرب الأهلية، وتضعف أمام ضربات حركة الاسترداد.

  1. ابن عذاري المراكشي، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب: قسم الموحدين، محمد إبراهيم الكتاني وآخرون (محقق)، (بيروت/ الدار البيضاء: دار الغرب الإسلامي / دار الثقافة، 1406  /  1985)، ص 33  -  34؛ شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويري، نهاية الأرب في فنون الأدب، مصطفى ضيف (محقق)، (الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 1984)، ص 412  -  413.
  2. ابن عذاري، ص 32  -  45.

ولم يتوجه الموحدون إلى الأندلس بل هي التي جاءت إليهم قبل أن يجري توحيد المغرب. وقدّمت وفود من الأندلس بيعتها لعبد المؤمن في مدينة سلا3. ولم يشفع سبق أهل الأندلس في البيعة ولا الأخطار التي كانت تحدق ببلادهم لدى الموحدين، لكي يشملوا البلاد بعناية كانت في مسيس الحاجة إليها. فلم تلق مشاكل الأندلس عند عبد المؤمن ما تستحقه من الاهتمام، لأنّه توجَّه شرقًا إلى بجاية عام 547 ه /  1152 م ثم إفريقية قبل أن يضبط أمور الأندلس. مع أنّ هذا الاختيار، أي التوجّه نحو المشرق، لم يكن حاجة ملحّة ولا اختيارًا يستحق التقديم، لأنّ الجهة الشرقية لمجال النفوذ الموحّدي لم تكن مجال عدوّ ولا مصدر غزو أو خطر داهم4. في حين كانت الأندلس وقتئذ تعرف اضطراباتٍ عميقة بسبب تَوثّب الثوار بعد زوال حكم المرابطين. فتكالبت الدويلات المسيحية على طليطلة وعلى غرب الأندلس. ومن ثمّة كان على عبد المؤمن أن يهتم بأمور الأندلس عوض التركيز على التحركات العسكرية في المغرب وبجاية وإفريقية، بخاصة بعد أن جاءته بيعة زعماء القبائل العربية في إفريقية5. والظاهر أنّ اهتمام عبد المؤمن بالأندلس لم يكن يرقى إلى ما ينبغي. فقد اكتفى عندئذ بالعمل على تركيز أقدام الموحدين في قرطبة وإشبيلية والمرية وغرناطة ونواحيها6. وكانت هزيمة زغبولة في ربيع الأول عام 552 ه بالقرب من إشبيلية نذيرًا بالوضع الخطير الذي كانت عليه المنطقة. وكاد ابن عبد المؤمن أبو يعقوب يوسف أن يلقى حتفه فيها. وما نجده من ردة فعل الموحدين تجاه هذه الهزيمة، لم يكن إلّ لأنّ عبد المؤمن قرّر استجلاب القبائل العربية من إفريقية لحماية الأندلس7. والظاهر أنّ هذا التوجّه السياسي والعسكري على الرغم ممّا قد ينطوي عليه من اهتمام بالجبهة الشمالية، لم يكن في موضعه؛ لأنّ عبد المؤمن نفسه في شوال عام 553 ه / 1159 م، أي سنة بعد هزيمة زغبولة، جهّز جيشًا ضخمًا بريًا وبحريًا لمهاجمة مهدية، ما يظهر عدم التوازن في الرؤية للجبهة الشرقية والجبهة الشمالية. ومما يزكّ هذا أيضًا ما أعقب ذلك من حملات عسكرية على المنطقتين8. ولنا أن نتساءل عن عدم تجهيز ذلك الجيش لتأمين غرب الأندلس لمواجهة تحرشات ابن الرنك Alfonso Enriquez ملك البرتغال وللقضاء على ابن مردنيش، ومن ثمّة إخضاع المنطقة للموحدين. ولم يكن أمر الجبهة الشمالية مرتبطًا بالجانب المسيحي فحسب بل كان على الموحدين أيضًا مواجهة الثوّار المتحالفين مع الممالك النصرانية. زيادةً على أنّهم منذ دخولهم الأندلس لم يتمكنوا من بسط سيطرتهم على ممتلكات المرابطين ممّا تبقّى من البلاد. والظاهر أنّ هذا الوضع لم يكن من بين اهتمامات الموحدين الأساسية في علاقاتهم بالأندلس؛ ففي سنة 554 ه/ 1160 م تعرّضت المناطق الموحدية في جيان وقرطبة وإشبيلية إلى غارات محمد بن مردنيش9. ولقد كان عبد المؤمن عندئذ منشغلً بإخضاع المهدية لطرد النورمانديين منها. وبعد عودته جاز سنة 555 ه الأندلس ولكن دون كبير طائلة. على الرغم من أنّ ابن صاحب الصلاة

  1. المرجع نفسه، ص 44  -  45؛ ابن سماك العاملي، الحلل الموشية في ذكر الأخبار المراكشية، سهيل زكار (محقق)، (الدار البيضاء: دار الرشاد الحديثة، 1979)، ص 147  -  148.
  2. ابن عذاري، ص 45  -  47؛ ابن سماك، ص 149  -  150، 153  -  154.
  3. ابن عذاري، ص 49.
  4. المرجع نفسه، ص 53  -  61.
  5. عبد الواحد المراكشي، المعجب في تلخيص أخبار المغرب، محمد سعيد العريان ومحمد العربي العلمي (مصحح)، ط 7 (الدار البيضاء: دار الكتب العلمية، 1978)، ص 328  -  331؛ ابن عذاري، ص 61؛ ابن أبي زرع الفاسي، روض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس (الرباط: دار المنصور، 1972)، ص 199  -  200؛ النويري، ص 427؛ مصطفى أحمد أبو ضيف، أثر القبائل العربية في الحياة المغربية خلال عصري الموحدين وبني مرين (الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 1982)، ص 71.
  6. ابن عذاري، ص 61  -  62؛ النويري، ص 421  -  424؛ يفيد ابن سماك بأنّ الجيش الذي توجّه به عبد المؤمن إلى تونس والمهدية ضم 75 ألف فارس و 500 ألف من الرجالة، ص
  7. ابن صاحب الصلاة، المن بالإمامة على المستضعفين، عبد الهادي التازي (محقق)، (بيروت: دار الأندلس، 1964)، ص 117  -  120، 213  -  215، 398  -  402؛ ابن عذاري، ص 63  -  64، 121  -  122؛ ابن الخطيب، الإحاطة في أخبار غرناطة، محمد عبد الله عنان (محقق)، (القاهرة: الشركة المصرية للطباعة والنشر، 1984)، ص 121  -  127.

يجعل سبب ذلك: "ليجتمع بطلبة الموحدين الذين فيها وينظر كيف يكون غزو الروم المحاربين لها"10. ولم يكن ممكنًا عسكريًا وسياسيًا مواجهة حركة الاسترداد إلا بعد أن يجري الفراغ من مشاكل الأندلس الداخلية بالقضاء على حركات التمرد؛ فالاضطراب الداخلي يؤثّر سلبيًا في حماية الثغور. ثم إنّ عبد المؤمن لم يباشر العمليات العسكرية في الأندلس بنفسه على غرار ما قام به في بجاية وإفريقية، بل استقر في جبل طارق حيث استقبل وفود المناطق الخاضعة للموحدين وأرسل جيشًا التقى بالمسيحيين وهزَمهم. وعندما عاد الجيش إلى مركز القيادة في جبل طارق لإخباره بالوضع، كان عبد المؤمن قد عاد إلى المغرب لسبب لا نعلمه. وفي صراعهم مع ابن همشك حليف ابن مردنيش، تمكّن الموحدون من دخول قرمونة واستعادة غرناطة منه11. ولم يتولَّ عبد المؤمن قيادة الحملة بنفسه بل عهد بها إلى ابنه يوسف الذي ينسب إليه دخول غرناطة. ثم جرَت محاصرة ابن همشك في جيان بينما بقي عبد المؤمن في المغرب يترقّب الأخبار12. ثم أصدر قرارًا بأن تصبح قرطبة عاصمة للأندلس13. وهو قرار إستراتيجي عسكري مهمّ لموقع قرطبة جغرافيًا ولمكانتها التاريخية في الأندلس وفي العالم الإسلامي؛ قرار يوحي بتوجّهٍعسكري جديد. ويقع ابن عذاري في تناقضٍ تامّ بين ما يقدّمه عن جواز عبد المؤمن هذا وإنجازاته العسكرية والتنظيمية مدة هذا المقام؛ ولذلك فإنّه: "لم ينفصل عن الأندلس حتى مهدها ورفق برعيتها فاستقامت بذلك الأمور للموحدين"14. ونحن نعلم - ويخبر بذلك ابن عذاري نفسه - أنّ الوضع ظل مضطربًا بسبب التحرشات المسيحية وما قام به ابن همشك وابن مردنيش من اضطرابات ظلت تبزّ في عضد الدولة زمن عبد المؤمن وبعده15. ولقد فطن عبد المؤمن إلى المشاكل التي تعرفها الجبهة الشمالية؛ ففرضت عليه أن يجهّز جيشًا ضخمًا ويتوجه به إلى الأندلس في 15 ربيع الأول من عام 558 ه/ 1163 م. وخطّط عبد المؤمن لهجومٍ بري وبحري بحملة كبيرة ضمّت أزيد من 100 ألف فارس ومثلها من الرجالة16. وتوحي هذه الاستعدادات أنّ القيادة الموحدية غيّت سياستها تجاه الأندلس وأيقنت أنّ الأمر لا يحسم إلّ بإستراتيجية عسكرية متفوقة. وممّا يؤكد ذلك أنّ عبد المؤمن ترأ س مجلسًا عسكريًا عندما اجتمع له الجند بالقرب من الرباط وسلا لوضع خطة لحسن استعمال الجيش الضخم في معالجة وضع الأندلس. وكان للحاكم الموحدي رأيٌ عسكري سديد سيدعمه أحد مستشاريه العسكريين سيد راي بن وزير القيسي، فكان الرأي أن لا يقود 200 ألف مقاتل إلى وجهةٍ واحدة، والرأي أن يقسم الجيش ويرسل إلى أكثر من وجهة، ما سيسهّل تحرّك المقاتلين، وأن يقسم الجند إلى أربعة جيوش يتوجّه كلٌ منها إلى جهةٍ من جهات الأندلس. ثمّ حدّد ابن وزير القيسي الوجهات الأربع كما يلي: يتوجّه الجيش الأوّل نحو ابن الرنك ملك البرتغال في قلمرية. يتوجّه الثاني إلى السبطاط Cuidad Rodrego de Leon مملكة ليون لمواجهة الببوج وهو El Baboso Fenando II de Leon. يتوجّه الثالث إلى قشتالة في طليطلة لمواجهة أذفونش ألفونسو الثامن Alfonso VIII de Castilla. ӵ ӵ يتوجّه الرابع إلى برشلونة في أرغون17.

  1. ابن صاحب الصلاة، ص 147؛ المراكشي، ص 310  -  311؛ ابن عذاري، ص 69؛ ابن أبي زرع، ص 199.
  2. ابن صاحب الصلاة، ص 181  -  190؛ ابن عذاري، ص 73  -  77.
  3. ابن صاحب الصلاة، ص 199.
  4. المرجعنفسه، ص 203؛ ابن عذاري، ص 77.
  5. ابن عذاري، ص 70؛ وما يقدّمه ابن سماك، ص 155  -  157.
  6. ابن عذاري، ص 73  -  77.
  7. ابن صاحب الصلاة، ص 218  -  219.
  8. المرجع نفسه، ص 218  -  222.

أقرّ عبد المؤمن ومجلسه العسكري الخطة وجرى استحسانها. وكانت خطةً محكمة وشاملة تهاجَم فيها الإمارات المسيحية التي كانت تتربّص بالأندلس شرقًا وغربًا وشمالً في وقتٍ واحد. ومن شأن هذه الإستراتيجية العسكرية أن تعمل على تغيير موازين القوة على الجبهة الأندلسية وتبرهن عمليًا لتلك الإمارات على أنّ الموحدين قادرون على مهاجمتهم دفعةً واحدة. وأي نظرة إلى الأندلس كان عليها أن تنطلق من هذا الأساس الذي كان ينبغي أن يجعله الموحدون قاعدةً في السياسة العسكرية تجاه الجبهة الشمالية الخطرة. إلّ أنّ ما يؤخذ على الخطة من وجهة النظر العسكرية، أنّها كانت ترمي إلى حماية الحدود لتأمين مجال الأندلس أكثر من اهتمامها بما كان يسبّبه ابن مردنيش داخليًا. غير أنّ الحملة المنسَّقة تعذّرت لمرض عبد المؤمن المباغت الذي توفّ على أثره. وبُعيد ذلك صرف خلفه يوسف الجند صرفًا يصعب تعليله. وأجّلت الحملة التي لم يُكتب لها أن تتمّ بعد ذلك18. ولا نعثر على أيّ موقف لأفراد من المجتمع السياسي أو من القادة العسكريين الذين شاركوا في المجلس الاستشاري، يدافع عن أهمية الحملة ويحثّ على إنفاذها. فالأمر كان يتطلب إصدار الأوامر من الحاكم فقط، لأنّ كلّ شيء كان جاهزًا. وانهمك المجتمع السياسي في بيعة خليفة عبد المؤمن؛ فعُقدت البيعة ليوسف بن عبد المؤمن وعارضها بعض إخوته19وانتهى أمر الخطة، ولن نسمع بخطةٍ مماثلة في الجبهة الشمالية الخطرة. وسنسمع بحملةٍ عسكرية سنة 560 ه/ 1165 م ضدّ ابن مردنيش قادها أخوَا يوسف أبو حفص وأبو السعيد20. ولم تنته قضية ابن مردنيش إلّ عام 566 ه/ 1171 م بعد أن انفصل عنه صهره ابن همشك ومال إلى الموحدين، كما تخلّت عنه الإمدادات العسكرية المسيحية التي كان يعوّل عليها، لمّا رأوا أن لا فائدة من البقاء معه. وتمكّن الموحدون من دخول لورقة وبسطة ومرسية21. فكان على الموحدين حتى هذه السنة القتال في الأندلس على واجهتين؛ واحدة داخلية والأخرى خارجية. ولعلّ في الأمر ما يوضح أهمية الخطة العسكرية التي وضعها عبد المؤمن للهجوم على الممالك المسيحية دفعةً واحدة، لتطويق ما كان يقوم به ابن مردنيش بسبب لجوئه إلى الاستعانة بالجند المسيحي. تزامن العزم على القضاء على ابن مردنيش مع توالي الاستعدادات ابتداءً من سنة 563 ه/ 1168 م للقيام بحملة عسكرية كبيرة في الأندلس. ومهّد الحاكم الموحدي لذلك بتنصيب أخيه أبي إسحاق إبراهيم واليًا على قرطبة، فوصل بجيشٍ عديد، وبرسالة رسمية تتضمن مرامي هذه الاستعدادات. وحدّد الحاكم في رسالته الرسمية التي عُمّمت على أهل الأندلس بأنّ الهدف من الحملة هو: "الجهاد وحماية البلاد والنظر في المصالح" وأنّ النظر في مشاكل الأندلس من أوكد السياسات وأهمّها22. وفي أثناء ذلك، تعرّضت مدينة وادي آش شمال غرناطة إلى هجوم جراندة الجيليقي Giralda Sem pavor الذي كان يتلقّى مساعداتٍ عسكريةً من ملك البرتغال. إلّ أنّ الموحدين تمكّنوا من صدّ الهجوم وتمزيق الجيش المهاجم23. ثمّ عقد الموحدون

  1. ابن صاحب الصلاة ص 232  -  233؛ المراكشي، ص 343؛ ابن أبي زرع، ص 202.
  2. عن المعارضة التي واجهها أبو يعقوب يوسف عند بيعته، انظر: ابن صاحب الصلاة، ص 237  -  240؛ المراكشي، المعجب، ص 344  -  345؛ ابن عذاري، 78  -  79 وص 84  -  86. ولم يتّخذ يوسف لقب أمير المؤمنين إلّ عام 563 ه عندما استقرت له الأمور داخل أسرته وفي البلاط الموحدي؛ ابن صاحب الصلاة، ص 338  -  346؛ ابن عذاري، ص 98.
  3. ابن صاحب الصلاة، ص 269  -  274؛ ابن عذاري، ص 88  -  91.
  4. ابن صاحب الصلاة، ص 388  -  384 وص 394 وص 405  -  407؛ المراكشي، المعجب، ص 360  -  363؛ ابن عذاري، ص 110 وص 112  -  114 وص 121  -  122؛ محمد عبد الله عنان، عصر المرابطين والموحدين في المغرب والأندلس (القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1964)، ص 53.
  5. ابن صاحب الصلاة، ص 355.
  6. ابن صاحب الصلاة، ص 356  -  357؛ ابن عذاري، ص 102  -  102.

معاهدة هدنة وتعاون عسكري مع فرناندة الببوج، نصّت على أن يساعد الببوج الموحدين عسكريًا مقابل مساعدته في حربه ضد بني عمّه في طليطلة، فتمكّن الموحدون بذلك في حملاتهم العسكرية، من الوصول إلى أشتريش شمال قشتالة وشمال ليون، وانتصروا فيها. وقام الببوج بإخراج قوات ابن الرنك ملك البرتغال وجراندة الجيليقي من بطليوس24. لكن تعرّض بعد ذلك غرب الأندلس في باجة ويابرة والمناطق المجاورة لهما على المناطق الثغرية إلى غاراتٍ قادها ملك البرتغال وحليفه جراندة25. فاتّخذ عندئذ يوسف بن عبد المؤمن قرارًا بتوجيه حملة عسكرية إلى الأندلس تولّ قيادتها بنفسه، بعد أن استنفر لها القبائل العربية من الولايات الشرقية، ووصل إليه جيش بقيادة عامل تونس أبي محمد عبد الواحد وعامل بجاية أبي زكريا يحيى بن عبد المؤمن26. فاجتمع للموحدين جيشٌ ضخم تطلّب عبوره إلى الأندلس نحو شهر رمضان من عام 566 ه/ 1171 م27. توجّه يوسف إلى إشبيلية. ثم رحل إلى قرطبة التي قضى فيها عيد الأضحى. وكان قبل ذلك قد وجّه في 20 من شوال حملة عسكرية ضد طليطلة عبرت نهر تاجه ثم عادت منتصرةً إلى قرطبة28. وانتقل إلى إشبيلية ثانيةً حيث استقبل أخاه أبا حفص العائد منتصرًا على ابن مردنيش. واتفقا في أوائل محرم عام 567 ه / 1172 م على إرسال المؤن الضرورية إلى بطليوس مع جندٍ من الموحدين والعرب29. وفي بداية ذي القعدة من سنة 567 ه/ 1172 م، غادر يوسف بن عبد المؤمن إشبيلية على رأس حملة عسكرية حاصرت مدينة وبذة، في أوّل عمل عسكري يقوده الخليفة الموحدي. وفي طريقه، استولى على بعض الحصون. ثم حوصرت وبذة. ووصلت الحملة العسكرية إلى هدفها من الحصار. وتمكّنت من هزم كلّ مقاومة. واستنادًا إلى التقديرات العسكرية ومجرى معارك الحصار، كان من المفترض أن يدخل الموحدون المدينة بالقوة بخاصة بعد أن التحق بالحملة جيش مرسية بقيادة الشيخ أبي حفص بمعيّة أبي الحجاج يوسف بن مردنيش مع أهل إشبيلية. وبلغ عديد الجيش 100 ألف مقاتل بين فارس وراجل30. إل أنّه لم يدخل وبذة لا صلحًا ولا عنوةً. ويفيد أبو العلاء بن عزون أحد القادة العسكريين الأندلسيين وشاهد عيان بأنّه في إحدى الجولات العسكرية كانت الفرقة التي يقودها على وشك دخول الحصن. وكان الأمر يتطلب دعمًا في مقدور الفرق العسكرية الأخرى تقديمه. وكان اضطراب القيادة في ميدان المعركة سببَ الفتور الذي دبّ في المقاتلين، إلى حدّ أنّ القائد ابن عزون لم يجد من يسانده لتحقيق نصرٍ حاسم. فتوجّه بنفسه إلى الحاكم الموحدي والقائد الأعلى للجيش. وعندئذ حدث أمرٌ غريب وخطير يصعب استيعابه؛ فلم يكترث الحاكم الموحدي ولا أعار الأمر أهميته واستمرّ منهمكًا في حديثه مع طلبة الموحدين، وكأنّه لم يستمع لمقالة ابن عزون31. ثم حدث بعد ذلك موقف آخر لا يقلّ غرابةً عن سابقه، ذلك أنّ حاكم البلدة كان قد أيقن بسقوط

  1. ابن صاحب الصلاة، ص 371  -  372 وص 380  -  383؛ ابن عذاري، ص 103  -  104.
  2. ابن صاحب الصلاة، ص 372  -  374.
  3. المرجع نفسه، ص 419؛ ابن عذاري، ص 116؛ وعن هذه الاستعدادات، انظر: ابن صاحب الصلاة، ص 409  -  438.
  4. ابن صاحب الصلاة، ص 351  -  352.
  5. المرجع نفسه، ص 452 وص 457؛ ابن عذاري، ص 118.
  6. ابن صاحب الصلاة، ص 462.
  7. المرجع نفسه، ص 497 وص 499.
  8. ابن صاحب الصلاة، ص 495  -  497، يقول ابن عزون: "لمّا قاتلت النصارى في البرج الذي كان عمدة امتناعهم فيه بمدينة وبذة وأشرفت على الفتح والغلبة لهم، ولم أر أحدا من أهل الأجناد، ولا من الشيوخ والقواد من يعينني، مشيت إلى أمير المؤمنين بن أمير المؤمنين، وهو جالس مع أخيه السيد الأعلى أبي حفص وطلبة الحضر يتكلم معهم في المسائل، فقلت يا سيدنا أمير المؤمنين: عسى عون فقد أشرفت على الفتح. وإنما كنت طامعا أن يركب فيراه الناس وجميع العسكر فيدخلون المدينة في حينهم، فلم يجاوبني واشتغل عني بما كان فيه ولا جاوبني السيد الأعلى أبو حفص. فعلمت أن النية في الجهاد قد فسدت وأن الغزوة قد تنكدت. ورجعت يائسا من النصر في غاية الهم والفكر. ودام القتال على انحلال وضعف وملال ما بعد أذان الظهر وارتفع وما نفع الجيش الكثير عديده ولا نجع إذ كان في نحو مائة ألف بين فارس وراجل وانصرف أمير المؤمنين بن أمير المؤمنين وانصرف الناس إلى أخبيتهم وقد فهم الحال من فهمها"، ابن صاحب الصلاة، ص 497.

وبذة وعدم جدوى المقاومة، وبالأخص عندما منع الموحدون الماء عن الحصن. فجاء إلى المعسكر لتسليم المدينة مقابل الأمان. وألحّ في ذلك مرّتين. لكن قوبل استسلامه بالرفض32. وتلا ذلك في اليوم الموالي هبوب رياح شديدة لمدة يومين أقلعت الخيام. ثم تلتها أمطار غزيرة مكّنت أهل وبذة من الحصول على الماء. وتسبّب هذا الجوّ في مشاكل للجيش الموحدي؛ إذ أصابته خلخلة واضطراب استغلّهما أهل وبذة في الهجوم على جناحٍ من العسكر. ثم رغبت القيادة الموحدية في قبول استسلام الحصن. وعندئذ رفض حاكم البلدة، بعدما وصلته أخبار بوصول إمدادات عسكرية من طليطلة. ثم عقد يوسف بن عبد المؤمن مجلسًا عسكريًا استشاريًا قرّر فيه رفع الحصار والانسحاب. وكان قرارًا مفاجئًا وذا وقعٍ سيء على نفسية الجند، فسادت الفوضى أثناء الانسحاب. واستغل الجانب المسيحي الوضع في تتبّع المنسحبين ومهاجمتهم، فألحقوا بهم بعض الأضرار، إلا أنّ الموحدين تمكّنوا من صدّهم دون التفكير في إعادة الكرّة على وبذة33. كان الفشل في دخول المدينة بهذه الطريقة، نذيرًا بضعف القيادة العسكرية وعدم بُعد نظرها في وضع إستراتيجية عسكرية خاصة بالأندلس. ولم يكن من حسن التدبير السياسي والعسكري في الاجتماع أن يقرّر الانسحاب. ولقد كان الانسحاب الذي نزل كالصاعقة على الجند تتويجًا لسوء التدبير السياسي والعسكري للقيادة التي لم تستغلّ مواطن النصر التي أتيحت لها. وظهر اضطراب القيادة بجلاء في لجوئها إلى قبول استسلام وبذة بعد أن جرى رفضه من قبل. وهذه علامة ضعف استغلّها حاكم المدينة فرفض ما كان قد ألحّ فيه. واستنادًا إلى التقديرات العسكرية ومجرى المعارك عند الحصار، كان من المنتظر أن يدخل الموحدون وبذة دون عناء؛ فالحصار نفسه لم يدم إلا أحد عشر يومًا فقط من 17 ذي القعدة إلى 29 منه. وهي مدة قصيرة لجيشٍ كبير ومتفوّق. لذلك فإنّ ما حدث لا نجد له ما يبرّره لا سياسيًا ولا عسكريًا. توجّه الجيش المنسحب إلى مدينة قونكة. وعندها ارتكب يوسف بن عبد المؤمن خطأ فادحًا آخر كانت له عواقب وخيمة على المدينة، وعلى شرق الأندلس؛ فعندما عاين الحاكم الموحدي الحال في قونكة وجد أهلها في حال سيئة. ولمّا أمر بإحصائهم، وجدهم لا يتعدّون ال 700 نسمة من رجالٍ مقاتلين ونساء وأطفال. فأمر لهم بأموال نقدية وعينية. وكان ذلك في غاية الكرم ساهم فيه رجال من البلاط الموحدي فتصدقوا بسخاء على أهل المدينة34. ولم تكن قونكة في حاجة إلى هذا الكرم والصدقة فقط. بل كانت في حاجة إلى حامية عسكرية تقيم في المدينة، وإلى مؤن وعتاد حربي. ولم يكن الأمر يحتاج إلى عميق تفكير وتخطيط. فقد حدث ما يؤكّد ذلك، ويوسف بن عبد المؤمن في قونكة. إذ وصل الخبر بوجود تجمّع عسكري لألفونسو الثامن Alfonso VIII والقمط نونة Nuno de Lara على مقربةٍ من المدينة في مجالها الزراعي. فارتأى يوسف نَقل المواجهة بعيدًا عن قونكة، حيث جرى عبور نهر شقر ونزل بالجبل المنيع المتّصل بالمدينة لاتّخاذ موقع حصين للجيش. وحدثت بين الجانبين بعض المناوشات. إلا أنّ الجيش المسيحي فضّل الانسحاب35. ثم اتّجه الجيش إلى بلنسية. ولقي في طريقه مشاكلَ عديدة؛ من نقص المؤن وموت الدوابّ والناس36. ولقد ترتّب عن اللامبالاة بقونكة أن سقطت المدينة سنة 573 ه/ 1178 م في يد ملك قشتالة ألفونسو الثامن بمساعدة ملك أرغون. ولا شكّ في أنّ هذا المصير كان بسبب السياسة العسكرية الموحدية وضعف القيادة وقصر نظرها وتقديرها الأمور. فقد أسلم الخليفة

  1. المرجع نفسه، ص 498؛ المراكشي، ص 363  -  364.
  2. ابن صاحب الصلاة، ص 500  -  501؛ ابن عذاري، ص 123.
  3. ابن صاحب الصلاة، ص 505  -  506.
  4. المرجع نفسه، ص 506  -  508.
  5. المرجع نفسه، ص 510.

الموحدي المدينة بتركها دون أيّ حماية، بخاصة أنّ المساعدات والصدقات لا تبني سياسة ولا تعالج وضعًا حرجًا. أمّا في الجانب الآخر، فقد كانت سياسة الإمارات المسيحية تسير وفقًا للخطة المرسومة للوصول إلى أهدافها؛ فبعد حوالى سنتين من انسحاب الخليفة الموحدي إلى المغرب، حاصر ألفونسو الثامن المدينة لتسعة أشهر، وأعانه ملك أرغون باعتراضه جيش النجدة الموحدي. وكان الاستيلاء على قونكة التي لا تبعد عن طليطلة إلا 110 كيلومترات مفتاحًا للتوسّع نحو بلنسية ومرسية في الجنوب الشرقي37، ذلك أنّ المدينة كانت لها أهمية رئيسة في حماية المناطق الثغرية التي تقع في مجالها. وترتّب عن سقوط قونكة أن عقد ألفونسو الثامن هدنةً مع ملك نبرة سانشو السادس Sancho VI. ثمّ أبرم اتفاقية كاسولا Cazola في شوال 574 ه الموافق ل 20 آذار / مارس 1179 م مع ألفونسو الثاني ملك أرغون لتقسيم الأندلس. فاختصت مملكة أراغون بمنطقة بلنسية جنوبًا إلى غاية حصن لقنت. واقتطعت مملكة قشتالة لنفسها جميع الأراضي جنوب هذا الثغر38. ما يؤكّد الرؤية العسكرية الواضحة لدى الإمارات المسيحية. ثم وصل الجيش إلى مرسية في بداية عام 568 ه/ 1172 م حيث طلبت فرق من الجند تسريحهم إلى أوطانهم بسبب طول الحملة، وما أصاب الجيش في طريقه39. واستقر خليفة الموحدين في إشبيلية، بعد أن عرّج على غرناطة. ووجّه منها حملة عسكرية ضد حاكم آبلة أبي بردع، ويسمّى شان منوش Sancho Jimeno الذي هاجم إستجة ونواحي قرطبة. وكلّلت الحملة التي عهد بها إلى أخيه أبي زكريا يحيى بالنجاح؛ إذ تمكّنت من تمزيق الجند المهاجم وقتل شان منوش40. وأعقب ذلك إرسال إمدادات ومؤن مرةً أخرى مع جند إلى بطليوس. وفي طريقه، مال الجيش المرافق للمؤن بغارة على طلبيرة. ثم صدرت الأوامر بغزو طليطلة وجهاتها. ولم تستطع القوات المسيحية مواجهتهم ولا صدّهم. فكانت حملات ناجحة41. ثم ما لبثت مدينة باجة غرب الأندلس أن تعرّضت لهجوم ابن الرنك ملك البرتغال وحليفه جراندة الجيليقي. فخرّبت المدينة، وعانى أهلها الكثير. وكان سبب ذلك استنادًا إلى ما يقدّمه ابن عذاري سوء اختيار عامل المدينة، بعد عزل أحد أبرز القادة الأندلسيين سيد راي بن وزير عن باجة وعن غرب الأندلس، وتعويضه بأحد الطلبة الموحدين الذي كان وبالً على المدينة42. ولم يكن للسلطة ردّة فعل في مهاجمة المعتدين؛ فبعد هدم سورها وإحراقها، عملت السلطة على معاقبة المسؤولين، وأمر الخليفة الموحدي بإعادة بناء ما هدم وعودة سكان المدينة إليها، بعد أن تفرّقوا في إشبيلية وعبَ بعضهم البحر إلى مرّاكش. وكذلك كانت حال سكان الحصون المجاورة لباجة. ثم أرسل جندًا موحديًا للاستقرار فيها43. والظاهر أنّ إعادة إعمار باجة ونواحيها، وإرسال فرق عسكرية، لم يرْقَ إلى ما كان تتطلّبه الأخطار المحدقة بغرب الأندلس، بما في ذلك إشبيلية نفسها؛ فقد عاود ابن الرنك الهجوم على باجة عام 573 ه/ 1178 م. وأتلف مزروعاتها وضيّق عليها. ثم توجّه نحو إشبيلية. ودخل قرية طريانة. وأتلف محاصيلها الزراعية. وبسبب ذلك، أخلى أهل باجة مدينتهم وساروا إلى مرتلة. وهذا ما عاينه ابن الرنك، عند

  1. هشام أبو رميلة، علاقة الموحدين بالممالك النصرانية والدول الإسلامية في الأندلس (عمان: دار الفرقان، 1984)، ص 249  -  251، 252  -  253؛ معمر الهادي القرقوطي، جهاد الموحدين في بلاد الأندلس (الجزائر: دار هومه، 2005)، ص 154  -  159؛ Joseph F. O'Callagan, Reconquest and Crusade in Medieval Spain (United States: University of Pennsylvania Press, 2004), p. 56 ; داود عمر سلامة عبيدات، الموحدون في الأندلس (إربد: دار الكتاب الثقافي، 2006)، ص 100  -  105.
  2. عنان، ص 443، 586؛ O'Callagan, p. 56.
  3. ابن صاحب الصلاة، ص 514  -  515؛ ابن عذاري، ص 124.
  4. ابن صاحب الصلاة، ص 518  -  525؛ ابن عذاري، ص 124  -  126.
  5. ابن صاحب الصلاة، ص 525  -  526.
  6. ابن عذاري، ص 127  -  132؛ وانظر مكانة سيدراي بن وزير في غرب الأندلس: محمد بن عبد الله بن الأبار، الحلة السيراء، حسين مؤنس (محقق)، ج 2 (القاهرة: الشركة العربية للطباعة والنشر، 1963)، ص 256، 271.
  7. ابن عذاري، ص 134.

عودته من طريانة44. ولعلّ أبرز عملية ثغرية قام بها أبو يعقوب يوسف، كانت إعادة بناء حصن القلعة لتقوية الدفاع عن إشبيلية سنة 569 ه /  1173 م45. إلا أنّ ما قام به ما كان ليحمي إلا مجالً صغيرًا من الأراضي الداخلية في جهة غرب الأندلس؛ لأنّ الاضطلاع بالسياسة الثغرية كان يتطلب جهدًا أكبر من ذلك بكثير. وفي سنة 570 ه / 1174 م، وجّه الخليفة الموحدي حملةً عسكرية أوكل قيادتها لأخيه أبي حفص ضدّ أراضي الببوج صاحب مملكة ليون. فتوجّه إلى العاصمة السبطاط. وافتتح بعض الحصون. وكان سبب الحملة نقض الببوج المعاهدة التي عقدها مع الموحدين46. وكانت الحملات المتتالية ضد طلبيرة وطليطلة وآبلة، وإعادة تعمير باجة، وبسبب ما كان يجري بين الممالك المسيحية من صراع على السلطة ومن حرب أهلية، أن سعى القومس نونه في طليطلة وابن الرنك ملك البرتغال إلى طلب عقد هدنة مع الموحدين يؤرّخ لها ابن صاحب الصلاة بذي الحجة من عام 568 ه/ 1172 م47. ولم تكن السلطة الموحدية في حاجة إلى عقد اتفاقية الهدنة تلك لتفوّقها العسكري ولأنّ الممالك المسيحية كانت تعرف حروبًا فيما بينها، وكانت تلجأ إلى طلب المساعدة العسكرية من الموحدين. ولم يستفد الموحدون من هذا الأمر على وجه الخصوص، ولم يستغلّوه في سياستهم الثغرية وفي حربهم مع الدويلات المسيحية، وفي استعادة الأراضي الأندلسية. ويُستبعد ألّ يكون الموحدون على علمٍ بأسباب الصراع وأهدافه مع الإمارات المسيحية التي كانت تعقد الاتفاقيات فيما بينها لتقسيم الأندلس وطرد المسلمين منها. ومن ثمّة ينبثق التساؤل عن الإستراتيجية العسكرية للموحدين في الأندلس، وعن رؤيتهم للحرب على الجبهة الشمالية. فقد قضى أبو يعقوب يوسف في الأندلس أربعة أعوام وعشرة أشهر ونصف. وعاد إلى مراكش في رمضان 571 ه/ 1176 م48. وكانت حصيلة هذه الإقامة عقد اتفاقية هدنة مع عدوٍ له أهداف واضحة؛ فكانت للحملة آثارٌ عكسية سياسيًا وعسكريًا، لأنّها ستحثّ العدوّ على السير قدمًا في مخططه. واستنادًا إلى ما سبق، قد نخلص إلى أنّ الموحدين لم تكن لهم رؤية واضحة لوضع إستراتيجية عسكرية محدّدة لها أهداف. على عكس الجانب المسيحي الذي كان على الرغم من تمزّقه وحروبه الأهلية يتقدّم بعزمٍ ثابت لتحقيق غاياته. وهذا ما حصل في ما استقبله الموحدون والغرب الإسلامي من أيّام. فهل كان الموحدون يدركون حجم الخطر المحدق من الشمال؟ ومن ثمّة لم يدم أمر الهدنة التي رضي بها الموحدون إلا قليلً حتى نقض حاكم طليطلة الاتفاقية وهاجم قونكة، مستغل عودة الخليفة الموحدي إلى المغرب49. وردّت السلطة على ذلك بأن أغار جند قرطبة وإشبيلية على طليطلة وطلبيرة؛ لإزعاج الجيش المحاصر قونكة لعلّه يرفع الحصار. وعلى الرغم من نجاح هذه الخطة العسكرية، فإنّ الموحدين لم يهتمّوا بأمر هذه المدينة

  1. المرجع نفسه، ص 134.
  2. المرجع نفسه، ص 130.
  3. المرجع نفسه، ص 130  -  131.
  4. ابن صاحب الصلاة، ص 526  -  527؛ بينما يجعلها ابن عذاري سنة 570 ه، ويحددها للصلح الذي عُقد مع ابن الرنك، ص 131.
  5. ابن عذاري، ص 135  -  136؛ ابن أبي زرع، ص 212؛ عبد الرحمان بن خلدون، تاريخ ابن خلدون، خليل شحادة وسهيل زكار (محقق)، ج 6 (بيروت: دار الفكر، 1981)، ص 322؛ وقبل أن يعود الخليفة الموحدي إلى مراكش تزوّج ابنة ابن مردنيش. وأضحت لأسرة ابن مردنيش بهذا الزواج حظوة كبيرة في البلاط الموحدي، ابن عذاري، ص 135.
  6. ابن عذاري، ص 137.

الإستراتيجية بالتفكير في تقويتها50. ثمّ ما لبث حاكم السبطاط الببوج أن أغار على جهات إشبيلية ونواحي أركش وشريش. فصدّهم جيش إشبيلية، ومزّق طائفة منهم شرّ ممزّق51. ثمّ عاشت الأندلس بعد ذلك اضطرابًا بسبب المشاكل العسكرية مع المسيحيين في غرب الأندلس حيث عاث ملك البرتغال ابن الرنك فسادًا في منطقة الشرف52 القريبة من إشبيلية وتعرّضت مدينة الأشبونة وشلطيش سنة 574 ه/ 1179 م لهجوم بحري قتلت على إثره طائفة من الأهالي وأسرت طائفة53. ثم تمادى حاكم طليطلة. وأخذ يقود غارات ضد المجال الإسلامي. ويجمل ابن عذاري ما تعرضت له الأندلس سنة 575 ه/ 1180 م، بقوله: "اشتدت فتنة النصارى في البر والبحر"54. كان على القيادة السياسية والعسكرية عندئذ أن تضع خطة لمعالجة الوضع وإعداد حملة عسكرية طويلة الأمد في الأندلس حيث تتوجّه إلى الأشبونة برًا وبحرًا، ثم تهتم بعد ذلك بطليطلة لحسم الموقف مع من عقدت معه الهدنة. وتوقيع الهدنة في حدّ ذاته أمرٌ في غير محلّه، وهو خطأ سياسي وعسكري. وإنّ ما يدعو إلى الاستغراب أنّ أيًا من ذلك لم يحدث. وفي 15 شوال 575 ه/ 1180 م، وجّه الموحدون حملة عسكرية ضخمة أ نفقت في تجهيزها أموال جمّة نقدية وعينية إلى إفريقية بسبب ما كانت تحدثه القبائل العربية من قلاقلَ، وللحدّ من مشاكلها باستجلابها نحو المغرب55. ودخل الموحدون قفصة. واستتبّ الأمن بالمنطقة. ونصّب الحاكم الموحدي أخاه أبا علي الحسن على تونس وأخاه أبا موسى على بجاية. ثم عاد إلى مراكش56. ولكن، استنادًا إلى الأولويات العسكرية، يظهر أنّ ما كان يحدث في الجهة الشرقية كان أقلّ خطرًا ممّا يحدث في الشمال في الأندلس المتعددة الجيوب والثغرات والأعداء. ويؤكد هذه الرؤية ما تلا نقض الهدنة لحاكم طليطلة والمشاكل التي تسبّب فيها حاكم أشبونة؛ فقد حدث سنة 576 ه/ 1181 م أن: "كلب العدو.. في البحر وكان النصارى من أهل طليطلة وشنترين.... قد ألحوا على بلاد الأندلس بالنكاية وشن الغارات"57. ولم يكن لنجاح حملة محمد بن وانودين الهنتاتي على يابرة وعلى حصن قليج والانتصار البحري الذي أحرزه عبد الله بن جامع وأبو العباس الصقلي على أسطول أشبونة كافييَن لثني عزم المسيحيين عن الهجوم على المناطق الثغرية في الأندلس لأنّهم ما لبثوا أن هاجموا شنترين وما لبث حاكم طليطلة يضيق الخناق على إستجة وقرطبة، حتى عزم على مهاجمة قرطبة؛ فأغار على إستجة وإشبيلية، وعاث فسادًا في القرى المحيطة بهما. ثم استولى على شنتفيلة أحد الحصون المهمة58. إنّ التفكير في مهاجمة قرطبة الحاضرة الأندلسية الكبرى بما وقر في الأذهان وفي المتخيل عن هذه المدينة بقيمتها التاريخية في العالم الإسلامي، يوضح أمورًا عديدة عن السياسة العسكرية في الأندلس؛ فمن جانب العدوّ يظهر أنّه كان يعي جيدًا الوضع العسكري الموحّدي في هذه المنطقة وعدم جدوى السياسة العسكرية الموحدية التي تتميز بالضعف. وهذا ما شجّع الجانب المسيحي إضافةً إلى اتفاقيات الهدنة، على التفكير في مثل هذه الخطوة الجريئة. وكان قبول الموحدين بما سُمّي باتفاقيات الهدنة قرارات خاطئة لأنّه لم يجْر استغلالها للاستعداد لمواجهة الوضع العسكري المتردّي على الثغور. والظاهر أنّ الأندلس لم تحظَ بمثل ما حظيت به الجهة الشرقية

  1. المرجع نفسه، ص 138.
  2. المرجع نفسه.
  3. الشرف: جبل كبير قريب من إشبيلية، يقال إنّه كان يضمّ ثمانية آلاف قرية عامرة وديارها حسنة"، وسُمّي بذلك لأنّه يشرف على إشبيلية من الجنوب، انظر: محمد بن عبد المنعم الحميري، الروض المعطار في خبر الأقطار، إحسان عباس (محقق)، ط 2 (بيروت: مكتبة لبنان، 1984)، ص 339  -  340.
  4. ابن عذاري، ص 140.
  5. المرجع نفسه، ص 140.
  6. المرجع نفسه، ص 140  -  143
  7. المرجع نفسه، ص 140  -  143.
  8. المرجع نفسه، ص 143.
  9. المرجع نفسه، ص 145، 149.

من اهتمام؛ فقد صرف الموحدون جلّ جهدهم العسكري شطر شرق المغرب الأقصى. يدلّ على ذلك قيادة الخليفة الموحدي نفس ه كل الحملات العسكرية. ويدلّ على ذلك أيضًا ما حصل في الأندلس من غياب ردة فعل الموحدين على الغارات التي تعرّضت لها إشبيلية وقرطبة عام 578 ه/ 1183 م، وانصراف الحاكم الموحدي أثناء ذلك في حملة عسكرية إلى بلاد المصامدة قادها بنفسه لتقويم وضعٍ له صلة بمنجم تصارعت عليه قبائل المنطقة59. إنّ هذا السلوك يخلو من دون شكّ من أيّ بعد نظر سياسي، ومن كلّ نظرة ذات بعد إستراتيجي يقتضيه السياق التاريخي في تلك الأثناء. وتظهر مرةً أخرى المكانة الثانوية للأندلس في السياسة العسكرية الموحدية في ما حدث بعد حملة طلبيرة سنة 578 ه/ 1183 م؛ ففي هذه السنة قاد ابن وانودين حملة انتصر فيها على طلبيرة وعاد إلى إشبيلية. إلا أنّ هذا النصر نفسه لم يجْر استغلاله سياسيًا وعسكريًا، إذ ما لبثت إشبيلية أن تعرضت إلى عمليات تخريبية. وبسبب هذا الوضع المتردي الذي لم يحرّك السلطة في مراكش، اضطر أشياخ إشبيلية إلى الذهاب إلى الحاكم لكي يبسطوا له الحالة التي تعيشها البلاد والمشاكل الخطيرة التي تلوح في الأفق60. فعندئذ، تحرّك الخليفة بنفسه سنة 579 ه/ 1184 م على رأس جيش كبير قدّر عدده ب 130 ألف مقاتل بين فارس وراجل من العرب والقبائل المغربية والجند الأندلسي. وسيعرف هذا الجيش مشاكل تكتيكية في تحركاته61. وعندها تعامل الحاكم الموحدي مع الأندلس بالطريقة التي عالج بها معضلة منجم المصامدة. وما يثير الاستغراب أنّ الحملة الضخمة المنطلقة من مراكش، لم تكن وجهتها الأندلس، بل كانت حركة استعراضية، الغرض منها وصول الخبر عن حجمها وقوّتها إلى القبائل العربية في إفريقية لإخافتها. وفي المهدية توصّل الخليفة بتقرير عن الوضع العام في إفريقية قدّمه له أبو محمد بن إسحاق بن جامع الذي قدم من المنطقة62. ومن قبيل الغرابة أيضًا أنّ القيادة العسكرية لم يكن قد استقر لها رأي على وجهة الجيش. وكأنّ ما كانت تعانيه الأندلس من تحرشات مسيحية وعدم أمن على الحدود ومقْدم أشياخ إشبيلية، لم يكن كافيًا لاتّخاذ قرار حاسم. فكان أن دعا الخليفة الأشياخ والقواد العسكريين للاجتماع؛ لكي "يستشيرهم في هذه الحركة إمّا لإفريقية وإمّا للأندلس"63. ولم يحضر الحاكم الاجتماع. وأناب عنه ابنه يعقوب. فأجمع مجلس الحرب هذا على ضرورة التوجّه إلى الأندلس. وأقر يوسف القرار. وحُدّدت أخيرًا الجبهة. لا يوجد في الوضع العسكري للأندلس ما يدعو إلى هذه الاستشارة. ولم يكن الحاكم في حاجة إليها. وللمرء أن يتساءل عن الأسباب التي حدت بالخليفة إلى أن يجعل إفريقية والأندلس سيّان في العناية والاهتمام، على الرغم من وجود القبائل العربية وما كان يحدثه بنو غانية في الجبهة الشرقية. ثم إنّ مجال التحرّك إلى هذه الجبهة أبعد بكثير عن الجبهة الشمالية القريبة. كما أنّ نوايا الإمارات المسيحية وأهدافها كانت أخطر على الموحدين وعلى مجال دولتهم ممّا كان يقوم به بنو غانية والقبائل العربية. وما يفرّق بين هؤلاء والموحدين أقلّ بكثير ممّا يفرّق بين الموحدين وحركة الاسترداد. وهذه السياسة العسكرية هي التي كانت لها آثار كارثية في الأندلس وفي مصير المسلمين فيها. ويفيد إجماع مجلس الحرب على التوجّه إلى الأندلس الرأي العسكري الصائب والراجح، وبأنّ الجميع كان على علم بالحالة المزرية التي أضحت عليها هذه المنطقة.

  1. ابن عذاري، ص 147، 149.
  2. المرجع نفسه، ص 154.
  3. المرجع نفسه، ص 157  -  158.
  4. المرجع نفسه، ص 157.
  5. المرجع نفسه، ص 157.

أمّا بخصوص حصار شنترين عام 580 ه/ 1184 م وأهداف هذه الحملة التي كانت مهمة ترمي إلى قطع أسباب التحرشات المسيحية في غرب الأندلس، فقد كانت نتائجها على الشاكلة التي عرفها حصار وبذة، بسبب ضعف القيادة. ولم يتمكّن الجيش الموحدي من دخول شنترين على الرغم من أنّه كان بإمكانه القيام بأكثر من ذلك64. وهذا ما نجده زمن المنصور الذي واجه الإمارات المسيحية في جميع الجهات بعمليات عسكرية أحسن تدبيرها وإدارتها. والظاهر أنّ السياسة الموحدية تجاه الأندلس تغيّت ابتداءً من سنة 584 ه/ 1188 م، عند عودة يعقوب المنصور الذي خلف أباه من تونس حيث عمّم قرارًا عبر رسائل إلى جميع جهات الدولة: "تتضمن تتميم الحركة الشرقية والاعتناء بالبلاد الغربية والبلاد الأندلسية"65. ويتضمّن هذا القرار الذي فيه عناية بالجهة الشرقية السياسة العسكرية الجديدة، السياسة العسكرية التي كان على الدولة اتّباعها في مجالها الشاسع وتخصيص العناية ذاتها للجهة الغربية في المغرب الأقصى والأندلس. وكأنّ المنصور بعمله هذا قد فطن إلى ما كان يتطلّبه الوضع العسكري للدولة في مشرقها وفي مغربها، من دون تركيز الاهتمام على منطقة دون غيرها. والراجح أيضًا أن الأمر كان بسبب الاضطرابات التي باتت تعرفها هذان الجبهتان. ويوحي هذا القرار الحاسم الذي أقدم عليه المنصور بجسامة المهمة التي كان على الدولة الاضطلاع بها في غرب المتوسط. ومن ثمّة فإنّ ما كان يقع على عاتقها، لم يكن بالأمر السهل لما يتطلبه هذا التوجّه من نفقاتٍ وتكاليفَ مرتبطة بالجهد العسكري. لقد تمكّن المنصور في حملته على الجهة الشرقية من إعادة الهدوء إلى المنطقة في بلاد الجريد وتونس. وكان قد عانى الأمرّين قبل ذلك في استرجاع بجاية من بني غانية. ثم عاد إلى المغرب، بعد أن حقّق انتصاراتٍ في حروبه مع العرب والأغزاز وبني غانية66. لكن الوضع في الأندلس كان مضطربًا، فقد استفادت الإمارات المسيحية من انشغال الموحدين بالجبهة الشرقية، وشنّت الهجمات لتحقيق أهداف الاسترداد. وهذا ما كان على الموحدين الانتباه إليه في سياستهم العسكرية؛ فقد حدث سنة 585 ه/ 1189 م أن هاجم ابن الرنك غرب الأندلس برًا وبحرًا، مستعينًا بالبحرية الصليبية المتّجهة إلى بيت المقدس. وأسفرت هذه الحملة عن سقوط شلب67. ثم استولى ألفونسو في السنة ذاتها على حصن المنار، وهاجم قرطبة وإشبيلية. واستولى في هجومه على أم الغزالة وربينة. ووصل إلى قلعة جابر وحصن شلير68. ولا تفاج ئ هذه الهجمات الناظر إلى وضع الأندلس؛ لأنّه كان من المرتقب أن تتعرّض البلاد إلى مثلها لمكانة الأندلس في السياسة العسكرية الموحدية، ولعزم حركة الاسترداد على بلوغ أهدافها. ولم يتأخر ردّ المنصور الموحدي؛ فتوجّه إلى الأندلس على رأس حملة عسكرية برية وبحرية69. ولم يكن الوضع الداخلي الأندلسي على ما يرام؛ لأنّ العلاقة بين الولاة والرعية كانت متوترة، وتتطلب معالجة السلطة المركزية70. كانت هذه الحملة ترمي إلى ردع ابن الرنك في غرب الأندلس بالوصول إلى قلمرية. وكانت لها آثار إيجابية في غرب الأندلس، بعد العمليات العسكرية على قصر أبي دانس إلى شلب. فاستعاد المنصور شلب71. وبرز ذلك في أن أسرع ابن الرنك إلى

  1. المرجع نفسه، ص 157  -  162؛ ابن أبي زرع، 214  -  215؛ عنان، ص 116  -  121.
  2. ابن عذاري، ص 197.
  3. المرجع نفسه، ص 181، 191  -  194.
  4. المرجع نفسه، ص 201  -  202.
  5. المرجع نفسه، ص 202.
  6. المرجع نفسه، ص 205.
  7. المرجع نفسه، ص 204، 207. لا يسمح المقام ببسط هذا الموضوع، والظاهر أنّ بعض العمال الموحدين في الأندلس لم يكونوا أهلً للمنصب في منطقة ثغرية تعيش حربًا دائمة. ولم تكن السلطة المركزية تنتقي العمال المناسبين من قبيل ما حدث في باجة مع طائفة ما كان يسمّى "حفاظ الموحدين" بإشبيلية وفي باجة إلى أن أدّى الأمر إلى تنصيب أحد طلاب الموحدين يسمّى عمر بن سحنون وكان لا دراية له بأمور السياسة وغيرها. وانتهى ذلك بأن دخل ملك البرتغال المدينة وخرّبها سنة 568 ه/ 1172 م، انظر: ابن عذاري، ص 127 – 128.
  8. الحميري، ص 342  -  343.

طلب عقد هدنة، وكذلك فعلت الإمارات المسيحية الأخرى التي أرسلت سفراء إلى مراكش لعقد هدنة تخدم مصالح المسيحيين. فأغضب المنصور هذا التمادي، وردّ السفارة دون جواب، ممّا يفسّ الحزم السياسي والقوة العسكرية اللذين تمتّع بهما هذا الحاكم الموحدي72. وقد تزامنت مشاكل الأندلس هذه مع حدوث قلاقل في الجبهة الشرقية تمثّلت بثورة الأشل وما أحدثته من اضطرابات73. وكان المنصور قد عزم على التوجّه إلى إفريقية. فاستغلّ ألفونسو الوضع ونقض العهد الذي عقده مع الموحدين. فعرفت الأندلس اضطرابًا أمنيًا عمّ جهاتها الشرقية والغربية. ووقع المنصور بين خيارَين؛ إمّا تأكيد العزم على الوجهة الأولى، وإمّا التوجّه نحو الجبهة الشمالية. وكان اختيار المنصور صائبًا. فظهرت العناية الخاصة التي تتطلبها الأندلس. وكانت معركة الأرك التي أحرز فيها الموحدون انتصارًا كبيرًا. وقد كانت هذه الحملة موجّهة في الأصل إلى إفريقية. وكان المنصور قد استقر آنئذ في رباط الفتح مستعينًا في ذلك بولاته على الأندلس. فاستغلّ ملك قشتالة هذا الوضع ونقض الهدنة ووجّه غاراته شرقًا وغربًا في الأندلس. وبوصول هذه الأنباء إلى المنصور، جرى تغيير الوجهة لخطورة الموقف في الجبهة الشمالية. والأكثر من ذلك أنّ الجند استبشر ونشط عندما علم بتغيير الوجهة نحو الأندلس، لقربها، ولِما كان يأتيهم منها من مؤنٍ وخيرات74. ويدلّ تغيير الوجهة بهذه السرعة وما أسفرت عنه الحملة من انتصار، على الإمكانات التي كانت بيد الموحدين لتغيير ميزان القوة في الأندلس وفي غرب المتوسط. وهو ما قام به الموحدون زمن المنصور الذي استوعب ما كان على عاتق الدولة عسكريًا. كانت الجبهة الشمالية تتطلّب مثل هذه المعركة؛ لأنّ الانتصار فيها كان سيسفر عن وضعٍ جديد سياسيًا وعسكريًا يلائم ما تتطلّبه البلاد، وسيكون بداية عهد جديد وإستراتيجية عسكرية لها رؤية مغايرة لسابقتها ممّا قد يعمل على تغيير موازين القوة في غرب المتوسط. لقد وعت السلطة الموحدية بهذا الأمر. وأجمع المجلس العسكري الذي عقده المنصور على نقل العمليات العسكرية إلى أرض العدوّ، بمهاجمته في عقر داره، ووضع خطة لاسترجاع الحصون والمدن التي سلبها. فكان الاتفاق على غزو طليطلة عاصمة ألفونسو سنة 592 ه/ 1196 م. فتمكّن الموحدون في هذه الغزوة من الاستيلاء على بعض الحصون، وحاصروا طليطلة. وأغاروا على جميع جهاتها75. وكانت هذه السياسة أعود على الموحدين وعلى الوجود الإسلامي بالأندلس، بدليل إرسال سفارة إلى المنصور لعقد هدنة. وكان ردّ المنصور على السفارة يتّسق مع سياسته الجديدة في الأندلس؛ فقد رفض الصلح، ما يعني أنّ عقد المعاهدات والهدنة كان رأيًا غير صائب وأنّ الحلّ في ميادين القتال76. ولم يتأخّر الجواب العسكري؛ فغزا المنصور طليطلة ثانية. ووصل الخبر آنئذ أنّ حاكم برشلونة أمدّ ألفونسو بمساعدة عسكرية، وأنّهما اجتمعا في حصن مجريط. وممّا يؤكّد الحزم العسكري للمنصور أنّه توجّه إلى الحصن وحاصره. والظاهر أنّ المدد البرشلوني انسحب وبقي ألفونسو وحده؛ ممّا أثناه عن المواجهة. ثمّ عرج المنصور شرقًا على وادي الحجارة على رأس غزوةٍ أثبت أثناءَها القوة العسكرية الموحدية في المجال الأندلسي. ثم عاد إلى قرطبة77. أسفرت هذه العمليات العسكرية في الأندلس برًا عن منح الموحدين التفوّق العسكري في هذه المنطقة غرب المتوسط. وهو ما يفسّ ه جنوحهم إلى عقد اتفاقيات الهدنة. وكان للأمر تأثيره في المجال البحري لمساهمة الأسطول الموحدي في هذه العمليات. وكان سعي الإمارات المسيحية إلى عقد الهدنة يرمي إلى تحقيق أهداف سياسية بتنشيط العمليات العسكرية في الجبهة الشمالية. وما زاد من تأكيد التفوّق الموحدي بقاء المنصور في الأندلس إلى غاية

  1. ابن عذاري، ص 214.
  2. المرجع نفسه، ص 215  -  216.
  3. المرجع نفسه، ص 217.
  4. أحمد عزاوي، رسائل ديوانية موحدية (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1985)، ص 237  -  246؛ المراكشي، ص 406؛ ابن عذاري، ص 224؛ أحمد بن محمد المقري، نفح الطيب، يوسف الشيخ محمد البقاعي (محقق)، ج 6 (بيروت: دار الفكر، 1986)، ص 163؛ عمر سلامة، ص 106.
  5. ابن عذاري، ص 226.
  6. المرجع نفسه، ص 227.

سنة  594 ه/  1197 م. وهي إقامة أزعجت القوة المسيحية وأربكتها وأخافتها، بخاصة أنّها تخللتها استعدادات عسكرية جعلت الجند في حالة استنفار دائم78. فكان طلب عقد الهدنة. وقبل المنصور ذلك. والظاهر أنّ عقد الهدنة لا في زمن المنصور ولا قبله ولا بعده، كان خطأ سياسيًا ترتّبت عنه عواقب عسكرية وخيمة. وتؤكد جميع الأحداث في الأندلس عدم جدوى اتفاقيات الهدنة أو الصلح الواهية. وهي اتفاقيات وقف عندها الموحدون، ونبذها المسيحيون. لذلك انضاف إلى خطأ القيادة السياسية والعسكرية خطأ معاهدات الصلح؛ فلطالما طالبت الإمارات المسيحية بعقد اتفاقيات الهدنة. ولطالما نقضتها. لذلك ما جدوى عقد مثل هذه الاتفاقيات التي خُرقت أكثر من مرة؟ والراجح أنّ السلطة الموحدية لم تدرك جيدًا الأهمية الكبرى التي كانت للجبهة الشمالية، ولخطورة الموقف فيها، إلا زمن المنصور فقط، وما كان قد خطّط له عبد المؤمن من قبل. أمّا ما عدا ذلك فكانت تعمّ المنطقة اضطرابات عميقة. وسيجري استغلال الأندلس في الصراع على السلطة بين الحكّام الموحدين عندما تخلَّوا عنها نهائيًا؛ ما ساعد المسيحيين على إنهاء الوجود الإسلامي فيها. وتوحي التحركات العسكرية للناصر الذي خلف أباه المنصور، بأنّ ثمة توجّهًا إستراتيجيًا عسكريًا على الجبهة الشمالية، ومن ثم استمرار التفوّق العسكري الذي دشّنه المنصور؛ ففي عهده دخل الموحدون الجزر الشرقية ابتداءً من 599 ه - 600 ه / 1203 م، وأنهَوا حكم بني غانية، وتخلصوا من عدوٍ أذاقهم المرارة منذ قيام دولتهم. ثم قاد الناصر حملة عسكرية ضخمة ضد الأندلس انتهت بهزيمة العقاب لسنة 609 ه/ 1212 م. الهزيمة التي تكبّدها الموحدون بسبب المشاكل الداخلية وضعف القيادة79. وبعدها مباشرةً هاجم ألفونسو الثامن بياسة وأبدة مستغلًانتصاره ومؤكدًا عزمه على سياسته العسكرية التوسعية في الأندلس؛ لأنّ الرؤية كانت واضحة80. وعندئذ ستتسارع وتيرة انهيار القوة العسكرية ليس في الأندلس فحسب بل في جميع الدولة. لم تكن هزيمة العقاب إلا حلقة في سجال الحرب بين الموحدين والإمارات المسيحية. وكان بإمكان الموحدين معاودة الكرّة مرةً أخرى، لأنّهم كانوا يملكون القدرات البشرية والمؤن والعتاد للقيام بذلك. إلا أنّه لم يكن لهم أيّ ردّ عملي تجاه هذه الهزيمة التي باتت حاسمة وللوجود الموحدي بخاصة والإسلامي عامة في الأندلس؛ فعوض أن ينغلق الناصر على نفسه بسبب ما حدث81 كان عليه إعداد العدّة للقيام بحرب شاملة في الأندلس، على غرار ما قام به أبوه، أو كما كان قد خطّط له جدّه عبد المؤمن. وقد تلا هزيمة العقاب كارثة أخرى في قيادة الدولة، عندما عمد أشياخ الموحدين إلى تنصيب ابن الناصر الذي لُقّب بالمستنصر الطفل ذي العشر سنين خليفة للموحدين. يصف ابن عذاري نقلً عن ابن رشيق حال هذا الحاكم في مدة حكمه، بقوله: "وكان أبوه قد أوصى عليه بعض أشياخ الموحدين بحضرته فتغلبوا عليه في أيام دولته. فلم تكن له حركة تشهر ولا غزوة تذكر لكن أيامه كانت هادنة ليس فيها مفاتنة"82. كانت الوضعية الحرجة التي أضحت عليها الدولة تتطلب حاكمًا صاحب خبرة وحنكة سياسية وتجربة وقيادة. فقد ظهر أشياخ الموحدين بتنصيبهم المستنصر وكأنّهم يتقاسمون تركة أو إرثًا استأثروا به وتنازعوه، بينما تركوا الدولة كالسائمة التائهة دون توجيه أو قيادة. ويوضح موقف أشياخ الموحدين قصور رؤيتهم لمصلحة الدولة وقلة اهتمامهم بالحفاظ على ما أسّسه الحكام السابقون؛ فلم تكن لديهم رؤية سياسية ولا بعد نظر سياسي وإستراتيجي. وقد أمضى الطفل الحاكم أوقاته في ما كان يلهو به أقرانه، أمّا أمور

  1. المرجع نفسه، ص 226؛ المقري، ج 6، ص 163.
  2. المراكشي، ص 457؛ ابن عذاري، ص 262  -  263؛ ابن خلدون، ج 6، ص 334  -  335؛ المقري، ج 6، ص 164.
  3. المراكشي، ص 458؛ O'Callaghan, p. 74  -  76.
  4. المراكشي، ص 458  -  459؛ ابن عذاري، ص 265.
  5. ابن عذاري، ص 265.

الدولة فقد تولّها الأشياخ الذين كانوا فئة لها مصالح مختلفة ومشارب متباينة. ولم يفكّر أحدهم أو لم يفكّر بعضهم في القيام بأيّ غزوة. ولم يكن المستنصر الطفل ليضطلع بهذه الأمور العسكرية. ولذلك كانت مدة حكمه زمن انكماش وانطواء انتهت بصراعٍ على السلطة، وليس بصراع مع الأعداء وبحرب أهلية بين أفراد البيت الحاكم. ومن سوء التدبير السياسي لدى الوزير ابن جامع ولدى فئة أشياخ الموحدين هذه عقد هدنة وصلح مع مملكة قشتالة باسم المستنصر، وإلزام ولاة الأندلس بها83. وهذا ما زكّ أمر الوهن العسكري الذي خيّم على بطانة الحاكم بعد العقاب وقصر نظرهم. ثم إنّه لا فائدة من عقد مثل هذا الصلح لأنّه لن يجري التزامه. والغالب على الظن أنّ أفرادًا من الأشياخ كانوا على علم يقين بعدم جدوى عقد الاتفاقية مع عدوٍ لا يفي بوعوده واتفاقياته. كما ظهر زمن حكم المستنصر أيضًا سنة 613 ه/ 1216 م. في نواحي فاس، بنو مرين الذين التقوا بالجيش الموحدي وهزموه84. ثم استولى ملك البرتغال ألفونسو الثاني على قصر أبي دانس سنة 614 ه/ 1217 م غرب الأندلس. ومُني الجيش الذي خرج من قرطبة وإشبيلية وجيان لإنقاذ المدينة بالهزيمة. ثم توفي المستنصر سنة 620 ه/ 1223 م دون أيّ ردة فعل85. ولذلك فنَعْتُ ابن عذاري حكم المستنصر بأنّه كان زمنًا هادئًا خاليًا من "المفاتنة" أمر يصعب استيعابه لأنّ أيّ هدوء لا يخلو من مشاكلَ ويخفي عواقبَ وخيمة. وقد يكون بداية نهاية. ولذلك قلّما يطمئن أهل الحكمة والرأي للهدوء وللاستقرار لتخوّفهم من مفاجآتهما. فكانت الهدنة التي أمر ولاة الأندلس بتنفيذ بنودها إعلانًا عمليًا أكّده ما جاء من بعد من انسحابٍ من المواجهة العسكرية في الجبهة الشمالية وترْك الأندلس تلقى مصيرها بنفسها86. والأفظع من ذلك أنّها استُعملت واستعمل ما تبقّى منها في الصراع على السلطة بين أفراد البيت الحاكم؛ فبعد المستنصر تولّ الحكم عبد الواحد المخلوع ثم المقتول خنقًا، وقد حكم حوالى ثمانية أشهر وقتل بعد ثلاثة أيام من خلعه سنة 621 ه/ 1124 م87. وثار عليه في مرسية زمن حكمه الوجيز ابن أخيه عبد الله بن يعقوب المنصور الذي تلقَّب بالعادل، وذلك بعد شهرين من بيعته، وسانده في ذلك أخوه أبو العلاء المأمون والي قرطبة وعبد الله البياسي والي إشبيلية. ولم تكن بيعة العادل بالإجماع في الأندلس. فلم تبايعه بلنسية ودانية وشاطبة وجزيرة شقر، لكونها في سلطة أبي زيد أخي عبد الله البياسي وأخي أبي دبوس88. ثم ما لبث البياسي الذي عيّنه العادل عاملً على قرطبة أن ثار على العادل وخرج عن الموحدين سنة 623 ه/ 1226 م؛ مستعينًا بالمسيحيين. وهاجم إشبيلية. ودلّهم على مواطن الضعف في الأندلس. وعرفت البلاد غاراتٍ وتخريبًا بسبب ما وقع بين البياسي والمأمون إلى أن انتصر المأمون وثار أهل قرطبة على البياسي وقتلوه89. وفي هذا الوضع المكفهرّ، انسحب العادل إلى المغرب ليدافع عن حكمه وترك الأندلس تئنّ تحت ضربات القوة المسيحية التي صعّدت غاراتها على إشبيلية ومرسية، وتوالت الهزائم على ما تبقّى للموحدين من جند90. وما لبث أن تفاقم الأمر بعد ذلك سنة 624 ه/ 1226 م؛ بأن ثار المأمون على أخيه العادل في إشبيلية، وأعلن نفسه حاكمًا للموحدين91. ولجأ إلى طلب مساعدة المسيحيين مقابل تنازلات ضخمة عنت التخلي عن الأندلس وأهلها. ثم دخل المغرب بالمساعدة العسكرية المسيحية وبجيش الأندلس التي أ فرغت من الجند بهدف الدخول إلى

  1. ابن عذاري، ص 268؛ ابن خلدون، ص 337.
  2. ابن عذاري، ص 266؛ ابن خلدون، ج 6، ص 337.
  3. ابن خلدون، ج 6، ص 337؛ عمر سلامة، ص 126.
  4. أكّد ابن عذاري هذه النتيجة بقوله عن معركة العقاب: "وفي هذه السنة كانت واقعة العقاب التي كانت السبب في هلاك الأندلس إلى الآن"، ص 263؛ ويقول ابن سماك: "وفي صفر 609 ه كانت عليه (أي الناصر) وعلى المسلمين الهزيمة العظمى التي فنى فيها أهل المغرب والأندلس"، ص 161.
  5. ابن عذاري، ص 269.
  6. ابن عذاري، ص 270؛ ابن خلدون، ج 6، ص 338؛ وانظر ما عانته الأندلس بعد بيعة العادل: عمر سلامة، ص 128  -  134.
  7. ابن عذاري، ص 271؛ ابن خلدون، ج 6، ص 339.
  8. ابن خلدون، ج 6، ص 339.
  9. ابن عذاري، ص 273، 275؛ ابن خلدون، ج 6، ص 338.

مراكش ومحاربة أخيه عوض محاربة الخطر المسيحي92. فسقطت الجزر الشرقية. وانفصلت إفريقية. وعاشت البلاد تمزّقًا آخر، عندما ثار المتوكل بن هود على الموحدين في مرسية وشرق الأندلس، وأعلن اعترافه بالعباسيين93. فعانت الأندلس والمغرب والحوض الغربي للبحر المتوسط من تعفّن الوضع السياسي والعسكري الموحدي، ممّا كان يخدم التطلعات المسيحية بأكثر ممّا كانت تحلم به. وليس من الغريب أن يسفر هذا الوضع عن سقوط قرطبة بعد أن جرَتْ مهاجمتها من قبل، في حركة الاسترداد في 23 شوال 633 ه/ 1235 م في وقتٍ وجيز من هذا الانحدار، ما يؤكّد الخطر الكبير الذي كانت تمثّله الجبهة الشمالية94. ولم يحرّك الموحدون ساكنًا؛ فقد كانوا منهمكين في صراعاتهم على السلطة في ما تبقّى لهم من المغرب الأقصى، مستخدمين في ذلك التحالف مع القبائل العربية والاستعانة بالعدوّ في الجبهة الشمالية. ولم تُحدث هذه الكارثة هزّةً لدى السلطة السياسية. فالحاكم الموحدي الرشيد كان منهمكًا في حربه مع يحيى بن الناصر، واستعان في ذلك بالمسيحيين95؛ فسقوط طليطلة جاء بعد حوالى سبعين سنة من التمزّق السياسي والوهن العسكري بعد الفتنة البربرية والأزمة التي عاشتها الأندلس مع ملوك الطوائف. أمّا سقوط قرطبة برمزيتها ومكانتها في العالم الإسلامي، فقد كان إبان حكم الموحدين الذين أخطأوا التقديرات الجيوسياسية والعسكرية بما فيها مصلحة الدولة ومصلحة الغرب الإسلامي. فكان التوسّع شرقًا خطأ فادحًا؛ لأنّ الموحدين كانوا يعلمون علم اليقين أنّ أخطر جبهة لديهم بعد قضائهم على المرابطين هي الأندلس وليس المشرق. وفي هذا الصدد يقول ابن عذاري عن الوضع الذي باتت عليه الأندلس في تلك الأثناء: "فلقد حل بالأندلس من الروم ما يلين له القاسي وتنهد له الجبال الرواسي ولا قوة إلا بالله العلي العظيم"96. ثم سقطت بلنسية ومرسية سنة 636 ه/ 1238 م، وجيان سنة 644 ه/ 1246 م، وشاطبة سنة 645 ه/ 1247 م، وإشبيلية سنة 646 ه/ 1248 م.

ثانيًا: قضية الجزر الرشقية "جزر البليار"

للجزر الشرقية مكانة إستراتيجية في غرب المتوسط عمومًا، ولها أهمية خاصة في شرق الأندلس. والسيطرة عليها تدعم القوة العسكرية البحرية للدفاع عن شمال إفريقية وعمّا تبقّى من العدوة الأندلسية وبالخصوص الشواطئ الشرقية. لقد عانى الموحدون مشاكلَ كثيرة من حكّام بني غانية بقية المرابطين الذين كانوا يحكمون هذه الجزر للعداء الذي كان بين الجانبين. وقد تمكّن بنو غانية من السيطرة لمدة على بجاية وعلى إفريقية بمساندة القبائل العربية، ممّا كان يكلف الموحدين الكثير ماليًا وعسكريًا97. ولم ينته مشكل بني غانية إلا عام 599 ه -  600 ه / 1203 م عندما ضمّ الموحدون الجزر الشرقية إلى مجال سيادتهم98. والظاهر أنّ السياسة التي نهجها الموحدون مع بني غانية لم تكن ترمي إلى القضاء على هؤلاء فحسب بل كان لها أيضًا بعد إستراتيجي عسكري مرتبط بالدفاع عن الأندلس أو تثبيث التفوّق العسكري في غرب المتوسط. وهكذا كانت الحرب سجالً بين الفئتين. وكانت جلّ المعارك تدور في مجال الموحدين الشرقي، حيث كان يهاجم بنو غانية. امتزج فيه الصراع المذهبي والعسكري.

  1. ابن أبي زرع، ص 250  -  251؛ ابن عذاري، ص 273  -  274؛ لسان الدين بن الخطيب، الإحاطة في أخبار غرناطة، محمد عبد الله عنان (محقق)، (القاهرة، د.ن، 1973)، ج 1، ص 411  -  412؛ ابن خلدون، ج 6، ص 340  -  341.
  2. ابن عذاري، ص 276  -  278؛ المقري، ج 1، ص 427  -  428.
  3. ابن عذاري، ص 331؛ المقري، ج 1، ص 427؛ O'Callagan, p. 78  -  98.
  4. ابن عذاري، ص 331  -  332.
  5. عزاوي، ص 248  -  253؛ ابن عذاري، ص 331.
  6. يجمل ابن خلدون ما عاناه الموحدون مع بني غانية في شرق الدولة، انظر: ابن خلدون، ج 6، ص 252  -  263.
  7. عن السبي والأموال التي استولى عليها الموحدون بعد دخولهم ميورقة، انظر: المراكشي، ص 448  -  449.

غير أنّ هذه العلاقة العدائية للموحدين مع بني غانية تختلف في تقلباتها عن علاقاتهم العدائية مع الإمارات المسيحية في الأندلس. فقد كانت العلاقات العدائية بين الموحدين والإمارات المسيحية على الرغم من طابعها العدائي المتأصّل تتخلّلها أوقات هدنة واتفاقيات كان يخرقها في كلّ الحالات الجانب المسيحي. أمّا مع بني غانية، فانعدمت اتفاقيات الهدنة. وكان الموحدون يرون أنّ من حقّهم ضمّ الجزر الشرقية إلى ممتلكاتهم لكونهم ورثة المرابطين99. وقد تمثّل السياسة السلمية التي اتّخذها الموحدون تجاه بني غانية نوعًا من الاستثناء زمن أبي يعقوب يوسف؛ وذلك لمّا أرسل سفارة إلى ميورقة ترأ سها أبو الحسن علي بن الربرتير. ولم تكن سفارة القائد العسكري بهدف عقد هدنة أو البحث عن حل للصراع، بل كان موضوع السفارة هو ضمّ الجزر إلى السيادة الموحدية - وهذا ما يطلق عليه ابن عذاري "الجماعة" - وإنذار بني غانية من عواقب موقفهم. فكان الردّ أن جرى رفض "جماعة" الموحدين وإلقاء القبض على أبي الحسن. ثم هاجم بنو غانية بعد ذلك بجاية ودخلوها في صفر 581 ه/ 1185 م100. ولم نسمع بهذا النوع من السفارات يرسَل إلى الممالك المسيحية في الأندلس أو إلى إحداها، ممّا سيكون له أبعاد سياسية، بخاصة إذا جاء الأمر بعد الانتصارات العسكرية التي كان يحرزها الموحدون. وقد ظهر من خلال ما سبق أنّ سياسة الموحدين تجاه بني غانية كانت ترمي إلى القضاء عليهم وكسر شوكتهم. وهذا ما تمّ لهم في سنة 599 ه/ 1202 م حين ضمّوا الجزر إلى مجال نفوذهم101. وبات على الموحدين الحفاظ على أمن الجزر التي تساعدهم بموقعها في حماية الشواطئ الشرقية للأندلس102. غير أنّ أيًا من ذلك لم يحدث؛ فلا الجزر الشرقية حُميت ولا الشواطئ الشرقية أمنت. ويخبرنا الحميري عن تجهيزات الأسطول البحري الذي أرسله الناصر ضد ميورقة، وهو ما أسفر عن دخول الموحدين إليها والقضاء على حكم بني غانية فيها، فكان الأسطول مكوّنًا من "ثلاثمائة جفن منها سبعون غرابا وثلاثون طريدة وخمسون مركبا كبارا، وسائرهم قوارب منوعة. وأما العدد والسلاح والمجانيق والسلالم والمساحي والفؤوس والمعاول والرقائق والحبال فشيء لا يأخذ عددا، وكذلك الدروع والسيوف والرماح والبيضات والأتراس والدرق والقسي وصناديق النشاب وجملة وافرة من الطعام"103. كان توجيه هذا الأسطول الضخم بهذه المؤن والمعدات إلى ميورقة قرارًا صائبًا من الناحية العسكرية لأنّه كان موجَّهًا ضد عدوٍ قوّض مضاجع الموحدين من بجاية إلى إفريقية. وهو ما يذكّرنا بالجيوش الموحدية التي كانت تتّجه نحو إفريقية. وما هذا الأسطول الكبير إلّ لقطع أسباب القلاقل التي كان يحدثها بنو غانية بتحالفهم مع القبائل العربية. فالأمر مرتبط مرةً أخرى في هذا القرار العسكري بالجبهة الشرقية. وعلى المرء أن يتساءل عن الكسب السياسي والعسكري لضمّ الجزر الشرقية للموحدين، وما ترتّب عن ذلك عسكريًا في غرب المتوسط. لم يكن لدخول الموحدين الجزر الشرقية وقعٌ لدى أهل حركة الاسترداد. والظاهر أنّ استيلاء الموحدين على هذه الجزر قد شجّع سنة 601 ه/ 1204 م بيدو الثاني على التفكير في ضمّها لأراضيه؛ فأخذ يعدّ العدّة لمشروعه. وتوجّه بنفسه إلى روما للحصول على دعم البابوية وتزكيتها104.

  1. ابن عذاري، ص 175.
  2. المرجع نفسه، ص 175؛ عصام سالم سيسالم، جزر الأندلس المنسية: التاريخ الإسلامي لجزر البليار (بيروت: دار العلم للملايين، 1984)، ص 353  -  367.
  3. انظر أحداث الحملة: سالم سيسالم، ص 398  -  407.
  4. اتبع بنو غانية سياسة عسكرية للدفاع عن مجال سيادتهم ضد الهجمات المسيحية، وقد نظموا حملات عسكرية لمهاجمة المعتدين حفاظًا على مكانتهم في المنطقة، انظر: المراكشي، ص 397؛ سالم سيسالم، ص 331  -  341.
  5. الحميري، ص 567  -  568.
  6. سالم سيسالم، ص 404.

ويرى أحد الباحثين أنّ ضمّ الموحدين ميورقة جاء متأخرًا ولم تكن تُرجى منه فائدة؛ لأنّ دولة الموحدين أخذت في الانهيار، وأنّ دخول الموحدين الجزر على عهد الخلفاء السابقين للناصر كان من الممكن أن يكون له وقعٌ أفضل على الجيش الموحدي بعدم بعثرة جهوده شرقًا وغربًا، ومن ثمّة تركيز جهوده على الأندلس105. إلا أنّ الأمر في جوهره لم يكن كذلك؛ لأنّ هذه الرؤية لم تأخذ في حسبانها الإستراتيجية العسكرية للموحدين في غرب المتوسط. فمصدر القلاقل في الجبهة الشرقية لم يمثّله بنو غانية وحدهم، بل كان ثمّة العرب والأغزاز والرفض المذهبي للعقيدة التومرتية. ثمّ هنالك العناية الخاصة التي حظيت بها هذه الجبهة. وحسبنا دليلً أنّ عبد المؤمن مؤسّس الدولة عرج على المشرق قبل أن تستقيم له أمور الأندلس التي كانت تعيش آنئذ اضطراباتٍ عميقة. ثم إنّ الأندلس، كما ذكرنا سابقًا، كانت تأتي من الناحية العسكرية بعد الجبهة الشرقية. لم يمض زمن طويل على دخول الموحدين الجزر الشرقية حتى أخذت هذه الجزر تتعرض إلى تحرشات حاكم برشلونة؛ فابتداءً من سنة 607 ه/ 1210 م نهج هذا الحاكم سياسةً عسكرية واضحة المعالم في شرق الأندلس بما في ذلك الجزر الشرقية106. ولم يكن دخول الموحدين إليها ليثني عزمه أو ليغيّ جانبًا من سياسة الإمارات المسيحية تجاه الوجود الإسلامي في الأندلس، بل بدَا كأنّه عاملٌ مشجّع، ما دفع أعيان شرق الأندلس إلى التوجّه إلى مراكش لتقديم شكواهم بسبب الوضع العسكري والأمني المتردّي107. يؤكّد لنا هذا الواقع ضعف القدرة العسكرية الموحدية وقوة ردعها في الأندلس، والنظرة التي كانت للإمارات المسيحية لها على الرغم من تمكّنها من السيطرة عل الجزر الشرقية. ويفيد توصّل الناصر في مراكش بشكاوى أهل شرق الأندلس أن ثمة وهنًا عسكريًا لدى الولاة ولدى الجند، لأنّهم لم يستطيعوا مواجهة المشكل. وممّا يسير في اتّجاه الخلاصة ذاتها ما قام به الناصر عسكريًا في الأندلس استجابةً للشكوى التي توصّل بها. فقد أعدّ جيشًا توجّه به إلى الأندلس في أواخر سنة 607 ه/ 1210 م في ظروفٍ عصيبة عانت فيها البلاد مسغبة أثّرت في الجند، وتلا ذلك أمطارٌ غزيرة تسبّبت في فيضانات سنة 608 ه/ 1211 م108. وارتأت القيادة العسكرية مهاجمة الأراضي القشتالية. وأسفر ذلك عن فتح حصن شلبطرة109. ولم نسمع بتحركات ضد برشلونة؛ فالوضع العسكري كان يتطلب توجيه أسطول حربي لمهاجمة برشلونة بحرًا أو انطلاقًا من الجزر الشرقية على شاكلة الأسطول الذي أعدّ للقضاء على حكم بني غانية. ما يدعو إلى الاستغراب ويفسّ من جانب تركيز الموحدين على الجبهة الشرقية. ولم يكن لهذه التحركات بعد نظر عسكري ولا إستراتيجي؛ إذ حدثت قبيل هزيمة العقاب لسنة 609 ه/ 1212 م وقد تكون مهّدت لها ومن بين أسبابها. وبعد واقعة العقاب كانت نهاية الأندلس بأن تخلّ عنها الموحدون نهائيًا؛ فتساقطت مدنها الكبرى بسرعة فائقة. وأثّرت هزيمة العقاب في القوة البحرية الموحدية، فتقوَّت أساطيل أراغون وجنوة وبيزة والبندقية. وقد تمكّن ملك قطلونيا وأرغون خايمي الأوّل من الاستيلاء على الجزر الشرقية، بعد أعمال وحشية في 14 صفر سنة 627 ه/ 1229 م110. ونتيجة لهذا الضعف العسكري البحري - وبسببه - هاجمت جنوة سبتة، وحاولت احتلالها سنة 633 ه/ 1236 م111.

  1. القرقوطي، ص 224.
  2. ابن عذاري، ص 258؛ المقري، ج 6، ص 259  -  262.
  3. ابن عذاري، ص 258.
  4. المرجع نفسه، ص 259  -  261.
  5. المراكشي، ص 453  -  454؛ ابن عذاري، ص 261.
  6. سالم سيسالم، ص 412  -  433.
  7. ابن عذاري، ص 350.

ثالثًا: الجبهة الرشقية والجبهة الشملية

لم تكن الجبهة الشرقية بالخطورة التي كانت عليها الحال في الأندلس؛ فالعدوّ في المشرق يختلف اختلافًا بيّنًا عن العدوّ في الشمال. ثم إنّ فقدان قفصة أو بلاد الجريد أو إفريقية وهو ما سيحدث فيما بعد، لم تكن له الآثار السلبية والعواقب الخطيرة سياسيًا وعسكريًا لفقدان حصنٍ واحد من حصون الأندلس. لقد كان على الموحدين عدّ الأندلس منطقة حرب دائمة وجبهة أكبر خطر على الدولة في جميع مجالها. وعوض التوسّع شرقًا وتبديد جهدهم العسكري في هذه المنطقة كان عليهم التركيز على الأندلس بالعمل على القضاء على التهديد الذي تمثّله والخطر الذي تشكّله ليس على الوجود الإسلامي في الأندلس بل بحماية الغرب الإسلامي من هذا الخطر. ثم إنّ الإمارات المسيحية كانت تعي جيدًا الانشغال العسكري بالجبهة الشرقية بما كانت تتطلّبه من أموال وجهد وجند واهتمام. إضافةً إلى أنّهم لاحظوا العناية الخاصة التي كانت تحظى بها لدى الحكّام الموحدين الذين ما فتئوا يقودون بأنفسهم الحملات العسكرية في هذه الجبهة التي ركّز عليها أيضًا بنو غانية112. ولم يكن يغيب هذا الأمر عن الموحدين في سياستهم العسكرية ولكنّهم لم يغيّوا موقفهم ولا أعادوا ترتيب سياستهم العسكرية بحسب الأهمية والخطر الذي تمثّله الجبهة113. من قبيل ما عمد إليه ألفونسو الثامن لمّا استغل ما حدث للناصر مع بني غانية، فنقض الهدنة التي سبق أن طالب بتوقيعها بعد هزيمته في الأرك، وعقد صلحًا مع ملكي نفارا (نبرة) وأرجون بغية الثأر لهزيمته114. لقد استأثرت العاصمة مراكش باهتمام أمراء الموحدين في صراعاتهم من أجل السلطة بعد أن تلاشى نفوذهم في المناطق التي كانت تحت حوزتهم. وبات حكّامهم المتناحرون بجيوش الهزيمة يستأسدون في الدفاع عن حكمهم – في ما تبقّى بين أيديهم من المغرب الأقصى - بحرب أهلية أنهكت المجتمع وأضعفت قدراته115، وهم يرون المدن الأندلسية وحصونها وقلاعها وسهولها وهضابها تتساقط بسرعة فائقة الواحدة تلو الأخرى. ولم يحرّك هذا المصير المأساوي أيّ إرادة للمقاومة أو أيّ إستراتيجية عسكرية ضد عدوٍ يعرفون نواياه وتوجّهاته وسياسته. ويجعل هذا المصير الناظر إليه يعيد النظر في بداية دولة الموحدين وحركة ابن تومرت ودعوته، ومتابعة هذا المشروع من جانب عبد المؤمن الذي رأى أن يذهب نحو الشرق إلى إفريقية؛ المجال الذي كان يعرف اضطرابًا وضعفًا وتمزّقًا وحظي باهتمام سياسي وعسكري كبير زاد من حدّته ما كان يقوم به بنو غانية بمساندة القبائل العربية. لقد كانت أبرز سياسة عسكرية مفيدة لوضع الأندلس ما اتّخذه يعقوب المنصور. وإذا ما ابتعدنا عمّا قام به عبد المؤمن وابنه يوسف لا نجد لدى السلطة الموحدية سياسة عسكرية ملائمة للحالة الخاصة التي تتطلّبها الأندلس سواء في ما يرتبط بالمواجهة العسكرية أو بالعلاقات مع الدويلات المسيحية الناشئة في ما كان ينهجه الحكّام الموحدون من توقيع ما يسمّى ب"الهدنة." والظاهر أنّ الدعوة الموحدية بعمليات التقتيل الرهيب التي قامت عليها لإخضاع المغرب لم تكن لديها نظرة جيوسياسية متّزنة مبنيّة على واقع التحولّات التي كان عليها الحوض الغربي للبحر المتوسط. والراجح أنّ العقيدة التومرتية قامت بدور سلبي في

  1. عمّا عاناه الموحدون في طرابلس وإفريقية وبجاية، انظر: لخضر بولطيف، فقهاء المالكية والتجربة السياسية الموحدية في الغرب الإسلامي (هرندن، المعهد العلمي للفكر الإسلامي، 2009)، ص 362  -  366.
  2. ابن عذاري، ص 217.
  3. القرقوطي، ص 226.
  4. يصف ابن عذاري الوضع في المغرب بقوله: "وكانت أكثر بلاد الغرب غالية الأسعار بسبب كثرة الفتن وقلة الأمطار في تلك الأقطار وبسبب عدم الحماة والأنصار لتلك الجهات والأمصار. فقد كان أهل تلك البلاد اشتعلت بالفتن نارهم وقلة حماتهم وأنصارهم حتى اشتدت حالهم وتكاثرت أوجالهم بسبب ما كان بين أمراء الموحدين من الحروب والوقائع والفتن والزعازع، واشتغالهم عنهم بأمور أحوالهم في حضرتهم المراكشية"، ص 351.

هذه الرؤية؛ لأنّ الموحدين عدّوا أنفسهم الفرقة الناجية التي كانت على حقّ، فاستحلّوا أموال المسلمين ودماءهم. ولهذا يقال إنّه كانت لهم نيّة في غزو مصر116، في الوقت الذي لم يستطيعوا فيه استرداد أيّ منطقة من الأندلس أمام عدوّ أخطر ممّا عدّوه عدوًا في الجبهة الشرقية. بل عقدوا معاهدات هدنة مع الإمارات المسيحية، ولم يستغلّوا هذا الجانب الدبلوماسي في علاقاتهم بالمشرق. لذلك، صنع الموحدون لأنفسهم انفصالً بين الرعيّة والسلطة الحاكمة لا من حيث العقيدة التومرتية التي رفضها المجتمع ونأى عنها، فاندثرت بزوال حكمهم، ولا من حيث إنهاك المجتمع بسياسة عسكرية للدفاع عن مجال دولة أكبر من الحكّام، ولم تكن ترجى منه فائدة في المشرق. ومن هنا، علينا أن نتساءل عمّا جناه الموحدون من ضمّ إفريقية، وهي منطقة ستنفصل عن قلب الدولة سنة 627 ه/ 1229 م، في وقت لم يبق فيه من الدولة الموحدية إلّ الاسم. وقد يؤكّد هذا الانفصال الخطأ الإستراتيجي الذي سقط فيه الموحدون في هذه الجبهة التي استنفدت فيها مجهودات عسكرية كبيرة من دون فائدة. أمّا الأندلس، فكان بإمكانها أن تمنح السلطة الموحدية دعمًا سياسيًا بنجاح السياسة العسكرية في مواجهة الخطر المسيحي الذي بات يهدّد منذئذ السواحل المغربية بصورة فظيعة، إذ أضحى للقوى المسيحية كلمة الفصل في الحوض الغربي للبحر المتوسط. ولذلك تمكّنت مملكة قشتالة من تخريب مدينة سلا واحتلالها سنة 657 ه/ 1259 م. وهو أمر له دلالته السياسية والعسكرية. ويؤكّد خطأ الإستراتيجية العسكرية الموحدية. لذلك لم تعمّر دولة الموحدين فعليًا في الغرب الإسلامي إلا خمسين سنة فقط بعد وفاة مؤسسها. وبعدها، أخذت في الانهيار117. وعلينا الأخذ في الحسبان في هذا المقام أنّ جزءًا من تأسيس الدولة مضى في عمليات التقتيل الرهيب. وانضاف إلى ذلك مشكل تداول السلطة وما ترتّب عنه من حروب أهلية وسوء تدبير سياسي وعسكري.

خلاصة

كانت سياسة الموحدين العسكرية في غرب المتوسط من بين أسباب ضياع الأندلس، بخاصة أنّ الغرب الإسلامي آنئذ كان ينظر بنوعٍ من التقدير البالغ إلى أيّ مبادرة عسكرية من شأنها أن توطّد دعائم الحكم الإسلامي بما تبقّى للمسلمين في الأندلس. ولذلك تكون الحرب في هذه الجبهة سياسة مُدعمة للموحدين وعامل ائتلاف ومساندة من الرعية؛ لأنّها حرب ضدّ عدوٍ مسيحي يهدف إلى طرد المسلمين من المنطقة. وهذا ما كان أعود على السلطة الحاكمة من التوجّه نحو الشرق والتركيز عليه. لقد تمكّن الموحدون من إسقاط دولة بني حماد وإسقاط الدولة الزيرية، وضمّ الجزر الشرقية. إلا أنّهم لم يستطيعوا استعادة أيّ حاضرة من الحواضر الأندلسية ولا إسقاط أيّ إمارة من الإمارات المسيحية ولا المحافظة على ما كان بين أيدي سابقيهم المرابطين من الأندلس.

  1. المراكشي، ص 407.
  2. روجي لوتورنو، حركة الموحدين في المغرب في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، أمين الطيبي (معرّب)، (الدار البيضاء: شركة النشر والتوزيع، 1998)، ص 68، 87.

قائمة المصادر والمراجع

المراجع العربية:

ابن الأبار. الحلة السيراء، حسين مؤنس (محقق)، القاهرة: الشركة العربية للطباعة والنشر، 1963.

ابن أبي زرع الفاسي. روض القرطاس، الرباط: دار المنصور، 1972.

ابن الخطيب. الإحاطة في أخبار غرناطة، محمد عبد الله عنان (محقق)، القاهرة: الشركة المصرية للطباعة والنشر، 1984.

ابن خلدون، عبد الرحمان. تاريخ، خليل شحادة وسهيل زكار (محقق)، بيروت: دار الفكر، 1981.

العاملي، ابن سماك. الحلل الموشية، سهيل زكار (محقق)، الدار البيضاء: دار الرشاد الحديثة، 1979.

ابن صاحب الصلاة. المن بالإمامة على المستضعفين، عبد الهادي التازي (محقق)، بيروت: دار الأندلس، 1964.

المغربية، 1982.

الحميري. الروض المعطار، إحسان عباس (محقق)، بيروت: مكتبة لبنان، 1984.

سالم، سيسالم. جزر الأندلس المنسية، التاريخ الإسلامي لجزر البليار، بيروت: دار العلم للملايين، 1984.

عزاوي، أحمد. رسائل ديوانية موحدية، الرباط: رباط نت، 2006.

عنان، محمد عبد الله. عصر المرابطين والموحدين، القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1964.

القرقوطي، معمر الهادي. جهاد الموحدين في بلاد الأندلس، الجزائر: دار هومه، 2005.

لوتورنو، روجي. حركة الموحدين في المغرب، أمين الطيبي (معرب)، الدار البيضاء: شركة النشر والتوزيع، 1998.

دار الكتب العلمية، 1978.

المقري. نفح الطيب، يوسف الشيخ محمد البقاعي (محقق)، بيروت: دار الفكر، 1986.

المراجع الأجنبية:

ابن عذاري. البيان المغرب، محمد إبراهيم الكتاني وآخرون (محقق)، بيروت/ الدار البيضاء: دار الغرب الإسلامي/ دار الثقافة، 1985. أبو ضيف، مصطفى أحمد. أثر القبائل العربية في الحياة المغربية خلال عصري الموحدين وبني مرين، الدار البيضاء: دار النشر بولطيف، لخضر. فقهاء المالكية والتجربة السياسية الموحدية في الغرب الإسلامي، هرندن: المعهد العلمي للفكر الإسلامي، 2009. عبيدات، داود عمر سلامة. الموحدون في الأندلس المغرب والأندلس ما بين سنتي 541 ه - 667 ه، إربد: دار الكتاب الثقافي، 2006. المراكشي، عبد الواحد. المعجب في تلخيص أخبار المغرب، محمد سعيد العريان ومحمد العربي العلمي (مدقق)، ط 7، الدار البيضاء: النويري، شهاب الدين. نهاية الأرب في فنون الأدب، مصطفى أبوضيف (محقق)، الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 1984.

• O'Callagan, Joseph F. Reconquest and Crusade in Medieval Spain , Pennsylvania State: University Press, 2004