العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الكارمية في مصر خلال العصر العثماني (1517-1630م / 923-1040هـ) أضواء وثائقية جديدة على تجارة التوابل

الكارمية في مصر خلال العصر العثماني (1517-1630م / 923-1040هـ) أضواء وثائقية جديدة على تجارة التوابل

"Karimi", Egypt during the Ottoman Era (1517-1630/ 923-1040 H)

حسام عبد المعطي

الملخّص

سادت مقولة أصبحت ثابتة في أذهان أجيال عديدة بأنّ اكتشاف البرتغاليين طريق رأس الرجاء الصالح، أدّى إلى انهيار الاقتصاد العربي والمصري إبان العصر العثماني، وأنّ ذلك أدّى إلى انهيار الطبقة التجارية الوسطى وأهمّ شرائحها، وهم التجار الكارمية العاملون في تجارة التوابل عبر البحر الأحمر. غير أنّ هذه الدراسة تناقض هذه الفكرة تمامًا; فتؤكّد أنّ أثر وصول البرتغاليين إلى طريق رأس الرجاء الصالح لم يكن طويلًا، فقد أخذ التجار العاملون في تجارة البحر الأحمر في العمل على استعادة هذه التجارة المربحة. وقد ساعدهم على ذلك العديد من العوامل التي ساعدت على عودة تجارة التوابل للوصول إلى أوروبا عبر طريق البحر الأحمر، وعاد التجار الكارمية إلى الظهور في المصادر والوثائق الرسمية; إذ قاموا بدور كبير في الاقتصاد المصري خلال هذه الفترة التاريخية. غير أنّ عام 1040 ه/ 1630 م وما يليه شهد تحوّلًا كبيرًا في مواد التجارة الدولية، فقد حلّ البن اليمني محلّ التوابل بوصفه أهمّ سلعة منقولة عبر البحر الأحمر. وحلّت الأقمشة القطنية المنقوشة محلّ التوابل بوصفها أهمّ سلعة متبادلة مع الهند، بينما تراجع دور التوابل في حركة التجارة عبر البحر الأحمر من المرتبة الأولى إلى المرتبة الثالثة. ومع هذا التراجع اختفى مسمّى التجار الكارمية.

Abstract

There is a common misconception thatthe discovery of the Cape of Good Hope by the Portuguese led to the collapse of the Arab and Egyptian economies during the Ottoman era, and to the downfall of the Karimi caste of Muslim merchants who dominated the spice trade along the Red Sea beginning in the Mameluke and Ayyubid periods. This study challenges these misconceptions, demonstrating how these merchants maintained their supremacy in this profitable trade thanks to the relatively short distance between India and Europe via the Red Sea, as well as the Ottoman presence there which allowed the Egyptians access to ship-building wood. The Ottoman abolishment of monopolies allowed for traders to trade freely, away from state interference, enabling Egyptians to build a strong shipping fleet in the Red Sea and to regain a large part of the African gold dust market, which was necessary for buying spices from India. Portugal's ability to control the entrance to the Red Sea had also suffered a setback after the year 1572 (980 H) when Spain overtook Portugal. All these factors contributed to the spice trade continuing to reach Europe through the Red Sea and to the reemergence of the Karimi traders in official documents and sources highlighting their prominent role in the Egyptian economy during that period. What did eventually lead to the downfall of the Karimi merchants was a major shift in the global trade market occurring c. 1630 (1040 H), when Yemeni Coffee replaced spices as the most important product shipped through the Red Sea, and dyed cotton cloth replaced spices as the most traded item from India.

الكلمات المفتاحية:
  • كارمية
  • مصر العثمانية
  • تجارة التوابل
  • البحر الأحمر
  • رأس الرجاء الصالح
Keywords:
  • Karimi
  • Egypt Ottoman
  • Spice trade
  • The Red Sea
  • Cape of Good Hope
حسام عبد المعطي| Abdelmoti *Hussam
حسام عبد المعطي | Abdelmoti Hussamسادت مقولة أصبحت ثابتة في أذهان أجيال عديدة بأنّ اكتشاف البرتغاليين طريق رأس الرجاء الصالح، أدّى إلى انهيار
الاقتصاد العربي والمصري إبان العصر العثمني، وأنّ ذلك أدّى إلى انهيار الطبقة التجارية الوسطى وأهمّ شرائحها،
وهم التجار الكارمية العاملون في تجارة التوابل عبر البحر الأحمر. غير أنّ هذه الدراسة تناقض هذه الفكرة تمامًا؛ فتؤكّد
أنّ أثر وصول البرتغاليين إلى طريق رأس الرجاء الصالح لم يكن طويلً، فقد أخذ التجار العاملون في تجارة البحر الأحمر في
العمل على استعادة هذه التجارة المربحة. وقد ساعدهم على ذلك العديد من العوامل التي ساعدت على عودة تجارة
التوابل للوصول إلى أوروبا عبر طريق البحر الأحمر، وعاد التجار الكارمية إلى الظهور في المصادر والوثائق الرسمية؛ إذ
قاموا بدور كبير في الاقتصاد المصري خلال هذه الفترة التاريخية. غير أنّ عام 1040ه1630/م وما يليه شهد تحوّلً كبيرًا
في مواد التجارة الدولية، فقد حلّ البن اليمني محلّ التوابل بوصفه أهمّ سلعة منقولة عبر البحر الأحمر. وحلّت الأقمشة
القطنية المنقوشة محلّ التوابل بوصفها أهمّ سلعة متبادلة مع الهند، بينم تراجع دور التوابل في حركة التجارة عبر البحر
الأحمر من المرتبة الأولى إلى المرتبة الثالثة. ومع هذا التراجع اختفى مسمّى التجار الكارمية.
There is a common misconception thatthe discovery of the Cape of Good Hope by the Portuguese led to the
collapse of the Arab and Egyptian economies during the Ottoman era, and to the downfall of the Karimi caste of
Muslim merchants who dominated the spice trade along the Red Sea beginning in the Mameluke and Ayyubid
periods. This study challenges these misconceptions, demonstrating how these merchants maintained their
supremacy in this profitable trade thanks to the relatively short distance between India and Europe via the Red
Sea, as well as the Ottoman presence there which allowed the Egyptians access to ship-building wood. The
Ottoman abolishment of monopolies allowed for traders to trade freely, away from state interference, enabling
Egyptians to build a strong shipping fleet in the Red Sea and to regain a large part of the African gold dust market,
which was necessary for buying spices from India. Portugal's ability to control the entrance to the Red Sea had
also suffered a setback after the year 1572 (980 H) when Spain overtook Portugal. All these factors contributed
to the spice trade continuing to reach Europe through the Red Sea and to the reemergence of the Karimi traders
in official documents and sources highlighting their prominent role in the Egyptian economy during that period.
What did eventually lead to the downfall of the Karimi merchants was a major shift in the global trade market
occurring c. 1630 (1040 H), when Yemeni Coffee replaced spices as the most important product shipped through
the Red Sea, and dyed cotton cloth replaced spices as the most traded item from India.
الكارمية في مصر خلال العصر العثمني
(923 - 1040ه1517/ - 1630م)
أضواء وثائقية جديدة على تجارة التوابل
" Karimi ", Egypt during the Ottoman Era (1517 - 1630 / 923 - 1040 H):
New Documents Shed Light on the Spice Trade
حسام عبد المعطي | Abdelmoti Hussam
ي|م
م ب
الكارمية في مصر خلال العصر العثمني
(923 - 1040ه1517/ - 1630م)
أضواء وثائقية جديدة على تجارة التوابل
" Karimi ", Egypt during the Ottoman Era (1517 - 1630 / 923 - 1040 H):
New Documents Shed Light on the Spice Trade

مقدمة

روّجت العديد من الكتابات للرأي القائل إنّ مصر أصبحت كمًا مهملً بعد اكتشاف الطريق التجاري عبر رأس الرجاء الصالح، وترتّب على ذلك في رأيهم فقدان مصر أهميتها التجارية ثم تدهورها الصناعي والحرفي في تلك الحقبة1. وقد جرى صوغ تلك الآراء قبل أن يبدأ المؤرخون دراسة ما كان يحدث في مصر والمنطقة في تلك الحقبة دراسةً جادّة من خلال مصادرها الوثائقية الضخمة والمتراكمة في الأرشيف المصري. وقد سادت فترة طويلة مقولة أصبحت ثابتة في أذهان أجيال عديدة بأنّ اكتشاف البرتغاليين طريق رأس الرجاء الصالح أدّى إلى انهيار الاقتصاد العربي والمصري إبان العصر العثماني2. وقد قدّم العديد من المؤرخين أسبابًا عديدة لتفسير حالة الركود التي أصابت في رأيهم التجارة المحلية في مصر العثمانية؛ إذ أرجعوا ذلك دائمًا إلى فكرة التفوّق الغربي (البرتغالي - الإسباني)، أو بالأحرى المركزية الأوروبية. وترتّب على ذلك النظر نظرة سلبية إلى كلّ ما هو ليس على النمط الأوروبي في مصر العثمانية3. ومن بين العوامل التي ساقها هؤلاء، ضعف مركز التجار الذين عملوا في الأسواق الداخلية، فقيل إنّهم خضعوا لسيطرة الدولة التي كانت تصادر الفوائض المتجمّعة عندهم. وبذلك أحبطت الدولة مساعيهم للدخول في مشروعات تجارية وصناعية ذات عائد كبير، مما حال دون تزايد رأس مالهم بصورة كبيرة. وأرجع بعض التفسيرات أيضًا التراجع التجاري إلى الأدوات التجارية التي استخدمها التجّار، ونظام طوائف الحرف الذي لم يطوّر على قدر التحديات الاقتصادية4. والحقّ أنّ ذلك التفسير في حاجة إلى مراجعة جوهرية؛ فإنّ إلقاء نظرة فاحصة على الوثائق المصرية المتعلقة بالتجارة والنشاط الاقتصادي سوف يكشف حقيقة التناقضات الواضحة في تلك المقولات. بيد أنّ الدراسات الحديثة التي اعتمدت على الأرشيفات المحلية تشير إلى أنّ كميات التوابل الواردة إلى الإسكندرية عبر البحر الأحمر خلال نهاية النصف الثاني من القرن السادس عشر، أصبحت أكبر ممّا كانت عليه خلال العصر المملوكي5؛ أي قبل وصول البرتغاليين إلى الهند6. فكيف حدث ذلك؟ ولماذا لم يفقد البحر الأحمر أهميته بعد اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح؟ وكيف عاد الجزء الأكبر من التوابل ليمرّ عبر البحر الأحمر؟ ولماذا؟ وما هي القوى التي حاولت إعادة تجارة البحر الأحمر والتجارة مع الهند إلى قوّتها؟ وهل نجحت في ذلك؟ ولماذا نسمّي هؤلاء التجار بالكارمية؟ وكيف نجح هؤلاء التجار في تكوين شبكات تجارية من أجل نقل البضائع الهندية من مصادر إنتاجها إلى السويس، على الرغم من الحصار البرتغالي؟ ولماذا يتوقّف البحث عند عام 1630 م؟ وما هي النتائج التي ترتّبت على عودة تجارة التوابل إلى البحر الأحمر مرةً أخرى؟ ترتكز الدراسة على تحليل المادة التاريخية ونقدها، وتحليل ما ورد في المصادر المختلفة من آراء، والمقارنة بينها؛ فمن خلال مقارنة مادة الدراسة وتحليلها سنلقي الضوء على جانب مهمّ من جوانب تاريخ التجارة والتجّار في هذه الفترة التاريخية التي ظلّ يكتنفها الكثير من الغموض. وتعتمد الدراسة على العديد من المصادر؛ منها سجلّت المحاكم الشرعية في مصر7، بخاصة منها سجلات محاكم

  1. هايد، تاريخ التجارة في الشرق الأدنى في العصور الوسطى، أحمد رضا محمد (مترجم)، عز الدين فوده (مراجع)، ج 4 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1994)، ص 30.
  2. محمد فهمي لهيطه، تاريخ مصر الاقتصادي في العصور الحديثة (القاهرة: مطبعة التأليف والترجمة والنشر، 1944)، ص 39.
  3. روبرت يانج، أساطير بيضاء، كتاب التاريخ والغرب، أحمد محمود (مترجم)، (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2003)، ص 67.
  4. عبد السلام عامر، طوائف الحرف في مصر 1805  -  1914 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1993)، ص 15.
  5. نللي حنا، تجار القاهرة في العصر العثماني سيرة أبو طاقية شاهبندر التجار، رؤوف عباس (مترجم)، (القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 1997)، ص 64.
  6. رولان موسنييه، تاريخ الحضارات العام القرنان 16، 17، يوسف أسعد داغر (مترجم)، ج 4 (بيروت: منشورات دار عويدات، 1994)، ص 609؛ فرناند بروديل، الحضارة المادية والاقتصاد والرأسمالية، مصطفى ماهر (مترجم)، ج 1 (القاهرة: دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، 1994)، ص 293.
  7. هناك دراسات عديدة حول هذه الوثائق وأهميتها في كتابة تاريخ مصر والمنطقة العربية من خلال الاعتماد عليها، راجع مثلً: سلوى علي ميلاد، الوثائق العثمانية دراسة أرشيفية وثائقية لسجلات محكمة الباب العالي (الإسكندرية: دار الثقافة العلمية، 2001.)

القسمة العسكرية والقسمة العربية والباب العالي، والإسكندرية ورشيد، إضافةً إلى اعتماد الدراسة على العديد من المخطوطات والمصادر والحوليات العربية، من أجل كشف العديد من التطورات التي لحقت بالتجارة في البحر الأحمر إبان هذه الحقبة التاريخية.

الكارمية يف نهاية الدولة المملوكية

كان التجار الكارمية8 دعامة من الدعامات الأساسية في بناء الاقتصاد المصري والعربي خلال العصر الفاطمي والأيوبي والمملوكي9. بيد أنّ دور هؤلاء التجار أخذ في التراجع، بعد احتكار السلاطين المماليك منذ عصر السلطان برسباي تجارة التوابل منذ عام 836 ه/ 1432 م؛ إذ تحوّل هؤلاء التجّار في مصر إلى مندوبين للسلطان يكسبون عيشهم في ركابه بعد فرض سيادته على تجارتهم. وتدريجيًا أدّى احتكار السلاطين المماليك تجارة التوابل ورفعهم أسعارها في أوروبا في النهاية إلى تواصل البعثات الاستكشافية الأوروبية من أجل الوصول إلى منابع التوابل في الهند10. ومع تراجع دور التجّار الكارمية في تجارة التوابل تراجع دورهم أيضًا في تمويل تجارة التبر الوارد من تمبكتو وكانو. وكانت هذه التجارة المموّل الأوّل لتجارة التوابل؛ إذ كان الهنود يفضّلون دائمًا النقد الذهبي للتبادل التجاري. ولم تعر الإدارة السلطانية المملوكية هذه التجارة أهميتها. ما أدّى إلى توقّف وصول التبر الأفريقي. وهو ما دفع السلاطين المماليك إلى المصادرات المتتالية من أجل توفير النقد11. وأدّى كلّ ذلك إلى حدوث اضطراب نقدي كبير في الدولة المملوكية، فصكّ المماليك النقود من النحاس، وعادت عمليات التجارة بالمقايضة. كان لوصول البرتغاليين إلى مشارف خليج غينيا في الساحل الغربي لأفريقيا في عام 865 ه/ 1460 م ونجاحهم في جذب تجارة التبر la poudre d'or إليهم بما يحملون من الأقمشة والأواني النحاسية، إضافةً إلى سلع مراكش من الخيل والقمح وغيرها، أثرٌ كبير في التغيرات التي حدثت في المنطقة؛ فعن طريق ذلك استطاع البرتغاليون أن يأخذوا لأنفسهم النصيب الأكبر من كلّ المعدن الثمين الذي تنتجه مناجم غرب أفريقيا12. وبذلك فقد تغيّ طريق التبر الأفريقي؛ فبدل المرور ببلاد الشمال الأفريقي، اتّجه إلى المحيط الأطلسي، حيث قام البرتغاليون باستخدامه في تمويل تجارة التوابل عبر رأس الرجاء الصالح13. هكذا نشأت أزمة في وجود الذهب، تلتها أزمة في وصول التوابل إلى مصر أصابت كلتاهما اقتصاد الدولة المملوكية بضرباتٍ عنيفة، إن لم تكن قاضية14. وقد خسرت مصر منذ 904 ه/ 1498 م موردًا من أهمّ مواردها الاقتصادية، وهي الأرباح التي كانت تجنيها من تجارة العبور. وفشل المماليك في صدّ البرتغاليين

  1. هناك تعريفات عديدة لكلمة الكارمية، بيد أنّ جميع هذه الدراسات يُجمع على أنّ هؤلاء التجار كانوا هم التجار المتخصصون في التجارة الدولية وبصورة خاصة تجارة التوابل، ويشار إلى أنّ كلمة الكارمية لا معنى لها في اللغة العربية ويقال نّ أصلها "الكانمي" بالنون نسبةً إلى الكانم "كانو إ "، وهي مدينة مهمة من مدن الذهب كان عدد من أفرادها الذين استقروا في مصر يعمل في تجارة التوابل. ويشير القلقشندي إلى أنّ هذه التسمية عرفت بهم، راجع: شوقي عبد القوي عثمان، التجارة بين مصر وأفريقيا في عصر المماليك (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 1999)، ص 45.
  2. لمزيد من التفاصيل عن هذا الموضوع يمكن الرجوع إلىمقالة: صبحي لبيب، "التجار الكارمية وتجارة مصر في العصور الوسطى"، مجلة الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، (القاهرة)، المجلد الرابع، العدد الثاني، أيار/مايو 1952، ص 6  - 62.
  3. تشير الدراسات المملوكية إلى اختفاء التجار الكارمية، فقد عمدت الدولة إلى احتكار أقسام كبيرة من النشاط مما كان يعدّ اقتصادًا خاصًا، فخلال العقود الأولى من القرن الخامس عشر اتخذت الدولة خطوات كبيرة لاستيعاب التجار استيعابًا كاملً في الدولة ولإضعاف طبقة التجار المستقلين، وأنشأ السلطان برسباي أوّل جهاز لاحتكار تجارة الكارم مر سلطاني صدر في عام بموجب أ 1428 م، وأجبر الأوروبيين على شراء مقادير محددة من التوابل بأسعار محددة بواسطة وكلائه: عثمان علي محمد عطا، الأزمات الاقتصادية في مصر في العصر المملوكي وأثرها السياسي والاقتصادي والاجتماعي 648  -  923 ه/ 1250  -  1517 م (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2002)، ص 222.
  4. البيومي إسماعيل الشربيني، مصادرات الأملاك في الدولة الإسلامية عصر سلاطين المماليك، ج 1 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1997)، ص 89.
  5. مارك بلوك، بحوث في التاريخ الاقتصادي، توفيق إسكندر (مترجم)، (القاهرة: دار النشر للجامعات، 1961)، ص 86.
  6. Fernand Braudel, La Méditerranée et le monde méditerranéen à l'époque de Philippe II. (Paris: Armand Colin, 1966), pp. 423 , 426.
  7. الشربيني، ص 91.

وتحطيم مراكزهم في الهند خلال معركة ديو البحرية في عام 915 ه/ 1509 م. وكان ذلك بدايةً لانهيار الدولة المملوكية التي ما لبثت أن سقطت على أيدي العثمانيين في عام 923 ه/ 1517 م. ومنذ وصولهم إلى الهند، رأى البرتغاليون أنّ مهمتهم الأساسية تنحصر في فرض احتكارهم على تجارة التوابل. ولهذا حاولوا تدمير القوى البحرية العربية سواء المملوكية أو العثمانية في البحر الأحمر، ومن هنا إيقاف تجارة العرب البحرية وإغلاق طريق البحر الأحمر والخليج العربي التجاري مع الهند15. غير أنّ البرتغاليين أخذوا يستغلون الحصار البحري الذي فرضوه على البحار العربية ورفعوا أسعار التوابل في أوروبا بصورة كبيرة، بخاصة أنّ رحلتَي الذهاب إلى الهند والعودة منها كانتا مكلفتين، وكانتا تستغرقان عامًا ونصف العام، ما أدّى إلى زيادة الطلب على التوابل في الإسكندرية. وكان على التجار في مصر البحث عن طرق أخرى لإخراج هذه التجارة من القبضة البرتغالية من أجل إعادة جنْي الأرباح الهائلة لتجارة التوابل، بخاصة بعد أن فتح الباب أمامهم للعمل التجاري الحر بعيدًا عن قبضة الدولة مع وصول العثمانيين إلى القاهرة16، وبعد الصراع الضاري بين العثمانيين والبرتغاليين في المحيط الهندي والبحر الأحمر، واستسلامهم للأمر الواقع بالسيادة البرتغالية على المحيط الهندي، والعثمانية على البحر الأحمر؛ فقد كانت تجارة التوابل تشهد نموًا كبيرًا منذ عام 948 ه/ 1540 م، حيث تفاعلت العديد من العوامل لتعيد التجارة الدولية العابرة إلى طريق البحر الأحمر مرةً أخرى. فماهي تلك العوامل التي أدّت إلى ذلك؟

العوامل التي أدّت إلى عودة تجارة التوابل إىل البحر الأحمر

أول: تميز البحر الأحمر جغرافيًا مقارنةً بطريق رأس الرجاء الصالح؛ فقد كانت الرحلة للوصول إلى أوروبا عبر رأس الرجاء الصالح تستغرق عامًا ونصف العام على الأقل17. بيد أنّ الرحلة نفسها للوصول إلى أوروبا عبر البحر الأحمر كانت تستغرق ثلاثة أشهر. وتميّز البحر الأحمر أيضًا بالأمن النسبي خلال النصف الثاني من القرن السادس عشر، بعد أن تراجعت المواجهات العثمانية البرتغالية، وفرض العثمانيون سيطرتهم على شواطئه. ثانيًا: حرية التجارة وإلغاء الدولة العثمانية الاحتكارات؛ إذ تركت للتجار حقّ ممارسة نشاطهم التجاري بصورة كاملة، فتخلّصوا من السياسة الاحتكارية المملوكية. والواقع أنّ الدولة العثمانية لم تعتن طيلة أغلب فترات حكمها باحتكار أيّ سلعة، فكان قانون العرض والطلب هو المتحكّم الأول في السوق18، ولم تتدخّل الإدارة السياسية إلا في حالات الأزمات الغذائية التي تؤدّي إلى أزمات سياسية، مثل غياب القمح أو السلع الضرورية19. وبذلك، فقد أنيط بالتجار تحريك التجارة المصرية الداخلية والخارجية مما دعم قواهم وقام بدور كبير في زيادة مواردهم. وقد دفعتهم الرغبة في تحقيق أرباح طائلة من وراء تجارة التوابل، إلى تكوين شبكات تجارية فعّالة من أجل الوصول إلى مصادر الإنتاج في الهند، على الرغم من المخاطر التي كانوا يتعرضون لها. وقد أدّى ذلك إلى ظهور نخبة تجارية أعادت الحيوية للنشاط التجاري في البحر الأحمر مرةً أخرى؛ فقد أدّى سعي هؤلاء التجار من أجل زيادة ثرواتهم وتحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية، إلى قيامهم

  1. هايد، ج 4، ص 30.
  2. حنا، تجار القاهرة...، ص 48.
  3. يشير بروديل إلى أنّ أحد التجار الإنكليز سافر في عام 1780 من لندن ووصل في 72 يومًا إلى كلكتا في الهند: بروديل، ج 3، ص 614.
  4. عبد الحميد سليمان، تاريخ الموانئ المصرية في العصر العثماني (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1995)، ص 276.
  5. ناصر أحمد إبراهيم، الأزمات الاجتماعية في مصر في القرن السابع عشر (القاهرة: دار الآفاق العربية، 1998)، ص 35.

بمبادرات فردية لإدخال أنماط جديدة على العمل التجاري من أجل تنمية تجارة التوابل المربحة، فعملوا على السفر بأنفسهم20، أو عن طريق أتباعهم21 ووكلائهم22. وسرعان ما أقاموا شبكات تجارية متكاملة من أجل جلب التبر الأفريقي والتوابل الهندية والحرير الفارسي والشامي والتركي، فمع منتصف القرن السادس عشر، ظهرت فئة تجارية قوية متماسكة تمتلك ثروات هائلة من خلال عملها في تجارة التوابل التي كان الطلب عليها يتزايد في الإسكندرية بصورة كبيرة23. وتتميز الحقبة التالية لضمّ العثمانيين مصر بعودة التجار إلى احتلال موقع الصدارة من حيث الثروة والنفوذان الاقتصادي والاجتماعي24. ويمكن إرجاع ذلك في الواقع إلى أمرين، أوّلهما: ما اتّسم به النشاط التجاري من حيوية بالغة خلال هذه الحقبة في حوض البحر المتوسط، حيث ساد هذه الفترة المعروفة بعصر التجاريين تطلّع الأوروبيين من الفرنسيين والبنادقة المنافسين للبرتغاليين إلى توسيع نشاطهم التجاري مع الشرق25. وعزّز ضمّ مصر إلى الدولة العثمانية فرص توسّع تجارتها في أرجاء الدولة العثمانية؛ فقد أدّى احتكار البرتغاليين تجارة التوابل ورفعهم أسعارها في أوروبا معتمدين على محاصرتهم السواحل العربية، إلى تزايد طلب البنادقة والفرنسيين عليها، ومن ثمّة فقد أخذ التجار في مصر يبحثون عن مخارج لعودة هذه التجارة المربحة. وثانيهما: أنّ الدولة العثمانية أسهمت بصورة غير مباشرة في زيادة أعداد التجار في القاهرة، عندما أخذت في صبغ الإدارة والقضاء في مصر بالصبغة العثمانية منذ عام 935 ه/ 1528 م بإحلال قضاة وإداريين عثمانيين محلّ المصريين26؛ فقد دفع ذلك العديد من العائلات المصرية التي كانت تمتهن العمل فيهما، إلى التوجّه نحو العمل التجاري. وتمثّل حياة عائلات ابن نجيم والدميري والبساطي والسنباطي27 والمسيري28، فصلً مهمًا من هذا التحوّل. وسمح ضمّ الدولة العثمانية لعدد كبير من أقاليم المنطقة بهجرة كبيرة إلى القاهرة من أقاليم الدولة العثمانية، بوصفها أهمّ مراكز التجارة في الدولة، وتمثّل حياة عائلات أبو طاقية والذهبي وعريقات والرويعي وأمغار والشرايبي جزءًا من الاندماج في الكيان التجاري المصري29. هكذا أنيط بالتجار تحريك التجارة المصرية الداخلية والخارجية، ما دعم قواهم وأدى دورًا كبيرًا في زيادة مواردهم30. ثالثًا: الوجود العثماني في البحر الأحمر؛ فالواقع أنّ وصول حملة سليمان باشا الخادم إلى اليمن وفرض العثمانيين سيطرتهم على عدن، مكّنا العثمانيين من السيطرة على مدخل البحر الأحمر الجنوبي31. وعلى الرغم من أنّ سليمان باشا الخادم فشل في إقصاء

  1. حنا، تجار القاهرة...، ص 137.
  2. الدشت، س 155، ص 702، بتاريخ 1048 ه/ 1638 م.
  3. القسمة العربية، س 6، ص 204، م 316، بتاريخ 987 ه/ 1579 م.
  4. تشير إلى ذلك تركات هؤلاء التجار بوضوح في سجلات المحاكم الشرعية، القسمة العربية، س 1، ص 441، م 947، بتاريخ 970 ه/ 1562 م؛ راجع أيضًا: رفعت موسى محمد، الوكالات والبيوت الإسلامية في مصر العثمانية، ط 1 (القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 1993)، ص 18.
  5. مثلً يشير الغزي إلى أنّ أحمد باشا الشهير بالخاين عندما قام بتمرده ضد العثمانيين أنّه "قبض على الخواجا قاسم الشرواني والخواجا عبد الرحمن بن الجمال والخواجا ابن الصيرفي الإسكندري، وطلب من كل واحد منهم مئة ألف دينار"، نجم الدين الغزي، الكواكب السائرة في أعيان المائة العاشرة، جبرائيل سليمان جبور (مترجم)، ج 1 (بيروت: المطبعة الأميركانية، 1945)، ص 157.
  6. موسنييه، ج 4، ص 609.
  7. سليمان، ص 86.
  8. الصالحية النجمية، س 464، ص 267، م 779، بتاريخ 991 ه/ 1583 م.
  9. مثال ذلك عائلات البرديني والوقاد والبساطي، ففي عام 930 ه/ 1523 م كان قاضي القضاة الشافعي هو الشيخ شرف الدين البرديني، والقاضي المالكي كان بدر الدين الوقاد، راجع: الغزي، ص 157.
  10. حسام محمد عبد المعطي، العائلة والثروة البيوت التجارية المغربية في مصر العثمانية (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2008)، ص 91.
  11. حنا، تجار القاهرة...، ص 136.
  12. محمد نصر الدين محمد إبراهيم عثمان، "السياسة العثمانية في جنوب البحر الأحمر وساحل الصومال (1538 1578)"، رسالة ماجستير، معهد الدراسات الأفريقية، جامعة القاهرة، 1994، ص 188.

البرتغاليين عن مراكزهم في الهند، فإنّ استيلاءه على عدن سمح للسفن والشبكات التجارية للتجار العرب بالعمل بصورة أكثر فاعلية؛ فقد نجح في الاستيلاء على جزيرة قمران في مدخل باب المندب. ونجح في تحصينها بإنزال بعض المدافع الكبيرة إليها32. وسمح ذلك للسفن العمانية والهندية واليمنية بالعمل بصورة أفضل في نقل التوابل33. وأدّى وصول العثمانيين إلى مياه البحر الأحمر إلى التحسّن في نوعية السفن34 المستخدمة في البحر الأحمر تحسّنًا كبيرًا35. ويرجع ذلك إلى غنى غابات الأناضول بالأخشاب؛ فمع وصول العثمانيين إلى البحر الأحمر، أنشأوا ترسانة بحرية في السويس، وقاموا بنقل أعداد كبيرة من البحّارة وصنّاع السفن من الإسكندرية ورشيد36وبولاق إلى ميناء السويس. وقد أدّى ذلك إلى انتعاشٍ كبير في السويس؛ إذ جرى نقل كميات كبيرة من الأخشاب إلى بولاق حيث جرى نقلها على ظهور الجمال إلى السويس. وهناك جرى تصنيع سبعين سفينة مسمارية كانت هي السفن التي استخدمها سليمان باشا في حملته إلى الهند. ومع استخدام السفن المسمارية أصبحت السفن تعمل بالأشرعة والمجاديف، كما جرى تزويد هذه السفن بالمدفعية. ومع إعمار السويس، جرى نقل النشاط التجاري إليها37 بدلا عن الطور. وقد أصبح هؤلاء البحّارة أو النواخيذ38 يعملون في التجارة إلى جانب عملهم بحّارة بين الموانئ اليمنية والحجازية والسويس39. وتشير الوثائق إلى أنّه منذ عام 947 ه/ 1540 م، كان هناك ارتفاع كبير ومتتالٍ في كميات التوابل الوافدة من الهند من خلال هؤلاء البحّارة. وتشير المصادر إلى أنّ بعض البشوات الذين تولَّوا حكم اليمن حاول احتكار تجارة البهار40 الوارد من الهند. ويقول الإسحاقي في ذلك: "وتوجّه إلى باشاوية اليمن، ولمّا تمكن منها احتكر البهار

  1. فاروق عثمان أباظة، أثر تحول التجارة العالمية إلى رأس الرجاء الصالح على مصر وعالم البحر المتوسط أثناء القرن السادس عشر (القاهرة: دار المعارف، 1985)، ص 127.
  2. تشير هذه الوثيقة مثلً إلى وجود إدارة جمركية في جزيرة كمران، حيث كان يجري تحصيل الرسوم الجمركية عن السلع والبضائع الوافدة من الهند: دشت، س 155، ص 702، بتاريخ 1048 ه/ 1638 م.
  3. تشكّل الأسطول المملوكي في البحر الأحمر في الأساس من سفن الداوات ومفردها داوة وغيرها من السفن الهندية، فقد أدى عدم وجود غابات خشبية في مصر والمنطقة العربية إلى الاعتمادأساسًا على شراء السفن الهندية، ولم يكن في الإمكان في ذلك الوقت أن تحمّل هذه السفن بالمدفعية الثقيلة، إذ كانت هذه السفن تخاط بخيوط ليف النارجيل، وعلىالرغم منكلّ ما يمكن أن يقال عن أهمية هذه السفن فهي لم تكن مجهزة للمعارك الحربية، ذ كانت مخصصة للرحلات التجارية حيث كانت تسود روح إ المودة والتعاون داخل المحيط الهندي قبل وصول البرتغاليين، شوقي عبد القوي عثمان، تجارة المحيط الهندي في عصر السيادة الإسلامية 41  -  904 ه/ 661  -  1498 م، سلسلة عالم المعرفة (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1990)، ص 89.
  4. منذ وصولهم إلى الهند، حرص البرتغاليون على عدم بيع الهنود أيّ سفن للموانئ العربية التي كانت في مجملها لا تمتلك الموارد الخشبية من أجل بناء السفن، إذ تفتقد المنطقة العربية الموارد الخشبية من الغابات، ولعل ذلك هو الذي دفع المماليك إلى طلب المساعدة من العثمانيين في عام 1509.
  5. ويجب أن نشير إلى أنّ العثمانيين قاموا بتغييرات مهمة في شكل الملاحة النهرية في مصر، فخلال العصر المملوكي كانت فوه هي المركز الأساسي لحركة التجارة مع الإسكندرية، بيد أنّ حركة التجارة تغيّت لتصبح رشيد هي الميناء الأساسي لإمداد الإسكندرية ويبدو أنّ ذلك قد أثّر بالإيجاب في حركة التجارة والنقل، إلهام محمد علي ذهني، مصر في كتابات الرحالة في القرنين السادس عشر والسابع عشر (القاهرة: الهيئة العامة للكتاب، 1991)، ص 116.
  6. وعلى الرغم من ذلك ظلت بعض السفن التجارية تتخذ من الطور ميناءً لها حتى بداية السبعينيات من القرن السادس عشر، فمثلً وصل للخواجا محمد بن قاسم الشهير بابن الحلبي إلى ميناء الطور كميات كبيرة من النيلة الهندي والزنجبيل والفلفل والكودة، القسمة العربية، س 1، ص 12، م 16، بتاريخ 970 ه/ 1562 م؛ عبد القادر بن محمد الجزيري، درر الفرائد المنظمة في أخبار الحاج وطريق مكة المعظمة، محمد حسن محمد حسن إسماعيل (محقق)، (بيروت: منشورات دار الكتب العلمية، 2002)، ص 623.
  7. ناخوذه وجمعها نواخيذ هي كلمة أعجمية تتكون من مقطعين هما "نا" وتعني السفينة، و"خوذه" وتعني صاحب، فتصبح الكلمة تعني صاحب السفينة،، وقد استخدمت هذه الكلمة في مصر للإشارة إلى أصحاب السفن في البحر الأحمر قادة السفن والقباطين العاملين بين السويس وجدة وعدن، أحمد السعيد سليمان، تأصيل ما ورد في الجبرتي من الدخيل (القاهرة: دار المعارف، 1960)، ص 183.
  8. توجد أمثلة وثائقية عديدة تشير إلى ذلك، فمثلً في عام 1013 ه/ 1604 م توفي محمد بن نوار السكندري "من أرباب الريس بالسويس بلوك 32 علوفته 9، وكان من المخلف عنه 18 قنطار فلفل، و 12 قنطار بن، وكميات كبيرة من الأقمشة والنقود، ما يوضح تحوّل هؤلاء البحارة إلى تجار وهو ما سيؤدي مع مرور الوقت إلى حلول لقب النوخذة محل لقب الخواجا عند منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، القسمة العسكرية، س 25، 37، م 694، بتاريخ 1013 ه/ 1604 م؛ س 34، ص 52، م 66، بتاريخ 1038 ه/ 1628 م.
  9. كان ديوان أو قلم البهار هو المكتب (القلم) المختص بتحصيل الضرائب الجمركية في ميناء السويس، نظرًا لأنّ البهار كان العنصر الأساسي المستورد إلى السويس ومثّل الغالبية العظمى من الجمارك المحصّلة في هذا الجمرك، راجع: ليلى عبد اللطيف أحمد، دراسات فيتاريخ ومؤرخي مصر والشام في العصر العثماني (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1980)، ص 23.

والبن والبضائع وكان التجار لا يأخذون إلا ما فضل منه"41. مما يبرز تزايد أهمية التوابل بصورة كبيرة في تجارة البحر الأحمر، وكانت سفينة حربية عثمانية على الأقل ترافقها العديد من سفن التجار تتحرّك من السويس في اتجاه عدن كلّ عام. وتعود محمَّلة بالبضائع الهندية واليمنية والحبشية. لقد استفادت مصر بصورة كبيرة من وصول العثمانيين إلى البحر الأحمر؛ إذ سمح لها ذلك بامتلاك أسطول بحري قويّ يحمل المدفعية، ما جعل البرتغاليين يتراجعون عن المغامرة بمهاجمة البحر الأحمر. وهو ما سمح بعودة وصول التجار بصورة كبيرة من جديد إلى عدن وجدة. رابعًا: نجاح تجار القاهرة في استعادة جزء كبير من تجارة التبر الأفريقي؛ ففي الواقع، للوهلة الأولى، تبدو التجارة بين مصر والهند تجارة مباشرة وبسيطة، فمصر تصدّر بعض السلع إلى الهند وتجلب بدلً منها التوابل. ولكن المدقق في الأوضاع التجارية يجد أنّ الموضوع أعقد من ذلك بكثير؛ ففي ذلك الحين لم تكن الهند ولا حتى الصين ترغبان في سلعٍ أو بضائعَ من مصر أو الدولة العثمانية، ولا حتى من أوروبا. ولم تكن تقبل بديلً للتوابل إلّ الذهب، وحتى الفضة لم تكن مقبولة إلا على مضض42. وعليه، فقد حتّم ذلك على تجار القاهرة العمل على استعادة تجارة التبر الأفريقي؛ وذلك لسببين، الأوّل: إدراكهم أهمية الذهب في تمويل شراء التوابل من الهند. والثاني: أن المستوردين الأوروبيين (البنادقة، والفرنسيين) والعثمانيين أيضًا لم يكن في إمكانهم توفير الذهب الذي لا يقبل الهنود غيره بدلً لتصدير التوابل، وكان على المستوردين الأوروبيين البحث عن منتجات بديلة للذهب تجد إقبالً من الهنود، من أجل استمرار دورهم التجاري في التجارة الشرقية. هكذا وقع على تجار القاهرة عبء إعادة الذهب الأفريقي الذي سلبه البرتغاليون بعد وصولهم إلى خليج غينيا. وليس ثمة شك في أنّ الشبكات التجارية التي كوّنها هؤلاء التجار هي التي ساعدت على اجتياز أزمة النقود وتوفير الذهب للخزانة المصرية؛ إذ عمل التجار على تمويل هذه التجارة بانتظام. وعملوا أيضًا على تطوير آلياتها؛ فعدلوا المنسوجات المصدرة إلى هذه المناطق حتى تتلاءم مع ذوق أهالي هذه المنطقة؛ فقد كانت تصنع لهم ملابس خاصة عُرفت ب"التكرورية"43، كان يجري تصنيعها من الكتّان ورسم أشكال عليها بالخيوط الحريرية. وأصبحت منفلوط وأسيوط وحي طولون في القاهرة مناطقَ رئيسة لإنتاج هذه المنسوجات لتصديرها إلى كانو وتمبكتو44. وكانوا يجلبون لهذه التجارة الخيول التي أُعدّت خصيصًا لذلك في الفيوم45. وكان يرسل من مصر بعض السلع الغذائية كالسكر والأرز46، إذ كان السكر المصري يجد إقبالً كبيرًا في بلاد التكرور حيث كان يقدّم بوصفه نوعًا من الهدايا إلى العظماء والنساء. ولذلك فقد كان يباع بأضعاف ثمنه47. واستوردوا لهذه التجارة كلّ ما كانت تحتاج إليه من بضائع من فارس والأناضول وأوروبا؛ فقام تجار القاهرة باستيراد الحرير والكودة واللؤلؤ من فارس وبغداد48. واستوردوا من إسطنبول المسك والأقمشة الصوفية (رومية) والنحاس والأواني النحاسية التي

  1. محمد عبد المعطي الإسحاقي، أخبار الأول فيمن تصرف في مصر من أربابالدول، ط 1 (القاهرة: المطبعة العثمانية، 1304 ه)، ص 183.
  2. محكمة الإسكندرية الشرعية، س 11، ص 315، م 1272، بتاريخ 978 ه/ 1570 م.
  3. كارستن نيبور، رحلة إلى بلاد العرب وما حولها (1761 / 1767)، مصطفى ماهر (مترجم)، ج 1 (القاهرة: المطبعة العالمية، 1977)، ص 261.
  4. محكمة طولون الشرعية، س 162، ص 21، م 130، بتاريخ 944 ه/ 1533 م.
  5. طولون، س 178، ص 281، م 1090، بتاريخ 991 ه/ 1583 م.
  6. الباب العالي، س 17، ص 433، م 1177، بتاريخ 966 ه/ 1558 م.
  7. علي محمود، ص 91.
  8. القسمة العسكرية، س 64، ص 202، دون رقم، بتاريخ 1070 ه/ 1659 م.

كانت مطلبًا قويًا في هذه المناطق49. واستوردوا من أوروبا الأسلحة والمنتجات الزجاجية من الخرز والمرايا والسكاكين إضافةً إلى النحاس أيضًا50. وكانت الكتب والمخطوطات الدينية والفقهية، وأجزاء القرآن الكريم محلّ طلب كبير في هذه المناطق التي أخذ الإسلام ينتشر فيها51. وبذلك فقد كان تجار القاهرة يرسلون من مصر الأقمشة الكتانية والأواني النحاسية والسيوف والخرز والكوده والأدوات الزجاجية والخيل والحرير والأثواب المخيطة خصيصًا لأهالي (التكرور) فهذه البضائع منقولة حرفيًا عن قائمة بضائع شحنها التاجر علي بن يوسف بن سلطان من القاهرة إلى كانو؛ من أجل جلب التبر في عام 970 ه/ 1562 م52. ومنذ الربع الثاني من القرن السادس عشر، ساعدت هذه الشبكات التجارية وزيادة الطلب على الذهب في عودة وصول الذهب الأفريقي إلى شرايين مصر، ومن ثمة الدولة العثمانية مرةً أخرى، فمن دون تمويل هذه التجارة مسبقًا من القاهرة لم تكن لتصل الكميات المطلوبة للوفاء باحتياجات مصر وإسطنبول من الذهب53. لذلك فقد موّل كبار تجار القاهرة جماعات التجار الذين يعملون على خطوط التجارة مع كانو وتمبكتو54، وأكدر بالبضائع والسلع لجلب التبر55؛ فتشير الوثائق إلى قيام الخواجا سعيد بن قاسم بن أمغار الشهير بابن أيوب بتمويل سفر زكريا بن محمد الدمسيطي من أجل جلب 1032 مثقالً من الذهب56. وعند وفاة الخواجا يحيى بن عمر الجمال شاه بندر تجار القاهرة في عام 976 ه/ 1568 م كان له بذمّة تاجر واحد فقط هو أحمد بن محمد بن عبد الله بن محمد المسراتي، 2337 مثقالً من تراب الذهب تسلّمها ورثته57. ويشير الجزيري إلى أنّه عند وفاة حاكم كجرات بهادر خان في عام 943 ه/ 1536 م، كان له في جدة 25 قنطارًا من الذهب58. خامسًا: نجاح التجار الأوروبيين سواء البنادقة أو الفرنسيين في أن يوفروا بضائع وسلعًا تجد قبولً لتمويل جلب التوابل أو الذهب59؛ فقد كان على الشركاء الأوروبيين في التجارة من البنادقة والفرنسيين أن يبحثوا عن سلعٍ أخرى يمكن عن طريقها تمويل تجارتهم مع مصر. وقد وجد التجار الأوروبيون ضالّتهم في سلعتين كانت إحداهما تتّجه إلى الهند60 حيث تجد إقبالً كبيرًا من الهنود وهي المرجان؛ فقد كانت مغاصات استخراجه منتشرة في بلدان البحر المتوسط منذ القدم، حيث أسهمت العلاقات الجيدة بين الدولة العثمانية وفرنسا

  1. الباب العالي، س 21، ص 29، م 75، بتاريخ 970 ه/ 1562 م؛ جيرار، الحياة الاقتصادية في مصر في القرن الثامن عشر، زهير الشايب (مترجم)، " وصف مصر "، ط 1 (القاهرة: الخانجي، 1984)، ج 4، ص 322.
  2. أشتور، التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للشرق الأوسط في العصور الوسطى، عبد الهادي عبلة (مترجم)، أحمد غسان سبانو (مراجع)، (بيروت: دار قتيبة، 1985)، ص 389؛ القسمة العسكرية، س 1، ص 161، م 355، بتاريخ 969 ه/ 1561 م.
  3. محكمة طولون الشرعية، س 162، ص 21، م 130، بتاريخ 944 ه/ 1533 م.
  4. الباب العالي، س 21، ص 274، م 769، بتاريخ 970 ه/ 1562 م.
  5. يقول ليون الأفريقي Leo Africanus عند وصفه مملكة غاو "ويأتي إليها عدد لا يحصى من السود حاملين معهم كمية وافرة من الذهب ليشتروا بها أشياء مستوردة من بلاد البربر وأوروبا، لكنهم لا يجدون أبدًا ما يكفي منها لإنفاق ذهبهم، فيعودون دائمًا إلى بلادهم بنصفه أو ثلثه. الحسن بن محمد الوزان الفاسي، وصف أفريقيا، عبد الرحمن حميدة (مترجم)، (القاهرة: منشورات الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر/ الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2005)، ص 543.
  6. الباب العالي، س 33، ص 287، م 1170، بتاريخ 972 ه/ 1564 م.
  7. الباب العالي، س 21، ص 29، م 75، بتاريخ 970 ه/ 1562 م.
  8. القسمة العربية، س 7، ص 100، م 220، بتاريخ 967 ه/ 1559 م.
  9. القسمة العربية، س 7، ص 7، م 17، بتاريخ 976 ه/ 1568 م.
  10. عبد القادر بن محمد الجزيري، الدرر الفرائد المنظمة في أخبار الحاج وطريق مكة المعظمة، محمد حسن محمد حسن إسماعيل (محقق)، (بيروت: دار الكتب العلمية، 2002)، ج 1، ص 525.
  11. الإسكندرية الشرعية، س 11، ص 315، م 1272، بتاريخ 978 ه/ 1570 م.
  12. كانت السلعة الثانية هي الخرز أو المشغولات الزجاجية من الكريستال، وكانت تأتي من ألمانيا أساسًا عن طريق البندقية، وكان يجري إعادة تصدير جزء منه في اتجاه التكرور حيث يجري به تمويل عمليات جلب الذهب، وجزء خر في اتجاه جدة آ.

خلال حكم السلطان سليمان القانوني في توقيع اتفاقية تجارية مهمة بين الدولتين في عام 942 ه/ 1535 م حصلت بموجبها فرنسا على حقّ التجارة في الموانئ العثمانية بحرّية كبيرة، وسمحت لهم باصطياد المرجان في شمال تونس61. وقد أتاح ذلك فرصة جيدة للفرنسيين الذين تزايد وجودهم التجاري في الإسكندرية؛ إذ سمح لهم وجود المرجان بالحصول على كميات كبيرة من التوابل. وكان معروفًا لدى تجار القاهرة أنّ المرجان سلعة يمكن تصديرها دون خوف إلى الهند وحتى وسط أفريقيا62. ولم يكن المرجان فقط هو ما حاول الأوروبيون توفيره من أجل شراء التوابل؛ فقد كانت المشغولات الزجاجية (الخرز) والكريستال تجد سوقًا مهمة في مصر. وكانت هذه المشغولات الزجاجية والكريستال تورّد من النمسا وألمانيا. وكانت تجد إقبالً كبيرًا سواء في وسط أفريقيا أو الحجاز. وقبل عام 998 ه/ 1589 م كانت الكميات التي ترد منه قليلة الأهمية في هذه التجارة. ولكن في أعقاب هذا العام ارتفع الوارد من الخرز والمشغولات الزجاجية إلى 200 صندوق كبير في كلّ عام. وهو ما دفع السلطات الجمركية في الإسكندرية إلى فرض ضرائب 10 % على الكميات الواردة منه إلى الإسكندرية؛ إذ كان تجار مصر يصدّرون ما لا يقلّ عن مئة وخمسين صندوقًا منها إليهم من أجل جلب التبر (كانت مصر تستخدم أيضًا أصداف البحر والشعاب المرجانية في هذه التجارة)، فمثلً في عام 972 ه/ 1564 م، دفع الخواجا عمر بن يحيى الجمال 428 شدة من الخرز في مقابل جلب 131 مثقالً من تراب الذهب63، وفي العام نفسه كان وكيله في الإسكندرية يبيع 200 قنطار من الفلفل الأسود إلى جوان تيمودا أخ القنصل البندقي في الإسكندرية في مقابل 2425 رطلً من المرجان64. وكان التجار الأوروبيون يصدّرون إلى مصر الزئبق والجوخ وأقمشة حريرية أو أيّ معادن أخرى سواء النحاس65 أو الحديد في مقابل التوابل. وتشير الوثائق إلى الدور الكبير للتجار الفرنسيين في هذه التجارة من خلال اعتراض القنصل الفرنسي في الإسكندرية على زيادة أجرة حزامي البهار في الثغر، مما يوضح ضلوعهم في هذه التجارة بصورة كبيرة66. ولا يمكننا إغفال تزايد وصول الفضة إلى شرق البحر المتوسط بصورة كبيرة خلال النصف الثاني من القرن السادس عشر، فلا شك في أنّ وصول فضة العالم الجديد إلى شرق البحر المتوسط قد أحدث سيولة مالية كبيرة في حركة التجارة بين الموانئ الأوروبية والعثمانية كلّها وبخاصة المصرية، فقد أدّى ذلك إلى تزايد الطلب على سلع الرفاهية سواء التوابل أو البنّ أو السكر أو التبغ67. هكذا فقد عمل جميع عملاء تجارة التوابل القدماء على السعي إلى استعادة دورهم الذي فقدوه مع الوصول البرتغالي إلى رأس الرجاء الصالح، وعمل العثمانيون والبنادقة والفرنسيون على التعاون من أجل مصالحهم لاستمرار تجارة التوابل عبر الإسكندرية. سادسًا: تراجع قدرة البرتغاليين في السيطرة على المنافذ البحرية. لقد حاول البرتغاليون بكلّ ما يملكون من قوة عسكرية وسياسية أن يحتكروا تجارة التوابل ويمنعوا وصولها إلى البحر الأحمر. وقد قلّل هذا النجاح الضعف العددي للقوى العسكرية البرتغالية الموجودة في الهند، تزامنًا مع الوصول العثماني إلى اليمن مما عزّز قوة المسلمين في المحيط الهندي وأشعر البرتغاليين بالخطر. كما أنّ إغلاق البحر

  1. مشيل تشرير، " مرسوم تجديد امتيازات طائفة الفرنج الفرانسة والكتيلان في الإسكندرية سنة 935 ه/ 1528 م "، مجلة الروزنامة، العدد 10، دار الكتب والوثائق القومية، (القاهرة، 2013)، ص 65.
  2. إسكندرية الشرعية، س 27، ص 252، م 780، بتاريخ 993 ه/ 1585 م.
  3. الباب العالي، س 33، ص 287، م 1170، بتاريخ 972 ه/ 1564 م.
  4. إسكندرية الشرعية، س 49، ص 310، م 800، بتاريخ 972 ه/ 1564 م.
  5. للمزيد عن أهمية النحاس يمكن مراجعة: حسام محمد عبد المعطي، " أثر النحاس في تطور الصناعات الحرفية في مصر خلال العصر العثماني "، في: جدل الموضوعية والذاتية في كتابة تاريخ مصر، ناصر أحمد إبراهيم (محرر)، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2012)، ص 219.
  6. تشير الوثائق إلى طائفة حزم البهار بالثغر، حيث كان هؤلاء يقومون بإعداد البهار وتغليفهمن أجل شحنة في بالات من الخيش وسعف النخيل، إسكندرية الشرعية، س 29، ص 412، م 1192، بتاريخ 1000 ه/ 1591 م.
  7. بروديل، ج 1، ص 294.

الأحمر أمام رحلات المسلمين من الهنود لأداء الحج، كان مسألة صعبة للغاية، وكان الحج فرصة طيبة للتجارة؛ فقد حرص كلّ حاج من الهنود على التزوّد بكميات من التوابل والأقمشة الهندية ما يسمح لهم بتحقيق تغطية نفقات رحلتهم68. وتشير المصادر المحلية في مصر إلى وصول عدد من تجار الهند إلى مصر؛ فتشير الوثائق إلى علام بن عبد الله الهندي؛ إذ كان من أهمّ ما خلفه الفلفل والنيلة الهندية69. وتشير الوثائق أيضًا إلى "الخواجا جعفر بن إبراهيم بن الحسين المدني عين أعيان التجار ببندر سورات من بنادر الهند"، فقد كان وصيًا على تركة تاجر كبير آخر هو محمد بقي بن محمد صالح بن السيد بقي الحسيني النيسابوري. وكان محمد بقي يعمل في التجارة بين الهند والحجاز ومصر70. والحقيقة أنّ البرتغاليين المقيمين في الهند وجدوا أنفسهم بمعزل عن تجارة ضخمة في المحيط الهندي، في وقت يعملون هم فيه بوصفهم قراصنة، على إعاقة هذه التجارة. وأدركوا أنّ اندماجهم وعملهم في هذه التجارة سيعود عليهم بأرباح أكبر من التجارة مع أوروبا عبر رأس الرجاء الصالح. لذلك، فقد أخذوا في الاندماج في هذه التجارة والعمل في نقل البضائع والتوابل بين الصين والهند. ثم سرعان ما سمحوا بمرور التوابل عبر البحر الأحمر مقابل تحصيل عوائد لفائدتهم دون ملكهم الموجود في لشبونة. وبذلك قرروا أن يندمجوا في هذه التجارة المربحة. ولا شكّ في أنّ ذلك وصل إلى القمة منذ عام 980 ه/ 1572 م في أعقاب استيلاء إسبانيا على البرتغال، مما جعلهم يندمجون بصورة أكبر في تجارة المحيط الهندي؛ فأصبحت تجارتهم بين البلدان الآسيوية تحقق لهم أرباحًا تصل إلى 80 %من حجم تجارتهم. بينما نجد أن 20 %فقط هي التي حصلوا عليها من تجارتهم عبر رأس الرجاء الصالح71. لذلك فقد انهمكوا في العمل في التجارة بين البلدان الآسيوية والبحر الأحمر.

عودة التوابل إىل عرشها

هكذا شهد النصف الثاني من القرن السادس عشر استعادة القاهرة والإسكندرية دورهما الأساسي لتزويد أوروبا بالتوابل، بعد أن استطاع تجار القاهرة توفير الذهب والمرجان لتمويل هذه التجارة المربحة. وتشير دراسة فريدريك لين Fredrik Lane إلى مدى تزايد قلق البرتغاليين من الوجود العسكري العثماني، وتزايد حجم تجارة التوابل عبر البحر الأحمر؛ فيشير لين إلى أنّ الإسكندرية تلقّت 40.000 قنطار من التوابل يكون الفلفل الجزء الرئيس منها في عام 968 ه/ 1560 م. وأكّد مدى ما أصبحت تمثّله تجارة البحر الأحمر في التوابل من التحدي الكبير للتجارة البرتغالية في أوروبا. وفي عام 972 ه/ 1564 م قدّرت كميات التوابل الواردة إلى جدة ب 30.000 قنطار. بيد أنّه في عام 974 ه/ 1566 م وصلت ثماني سفن فقط إلى جدة من الهند. وكانت حمولتها 24.000 قنطار من التوابل. إنّ هذه الأرقام التي يقدّمها لين تدلّ على أهمية كميات التوابل الواردة إلى الإسكندرية. ويذكر لين أنّ كميات التوابل الواردة إلى الإسكندرية خلال القرن السادس عشر كانت أكبر مما كانت عليه خلال العصر المملوكي، وقبل وصول البرتغاليين إلى الهند72. ويرجع ذلك في الواقع إلى تزايد الطلب على التوابل، وبخاصة الفلفل الأسود، نتيجة لارتفاع مستوى المعيشة في أوروبا، بعد توافد الفضة من العالم الجديد. وإضافةً إلى ذلك، يجب

  1. تشير المصادر الهندية إلى أنّ السلطات المغولية خلال فترة حكم السلطان جلال الدين محمد أكبر (963  -  1014 ه/ 1556  -  1605 م) نجحت في عقد معاهدة مع البرتغاليين سمحت للحجاج المسلمين بالحج من ميناء سورات في كلّ عام دون مهاجمة منهم، أحمد زين الدين المعبري المليباري (ت 991 ه)، تحفة المجاهدين في أحوال البرتغاليين، محمد سعيد الطريحي (مقدم ومحقق)، (بيروت: مؤسسة الوفاء، 1985)، ص 297.
  2. القسمة العربية، س 6، ص 204، م 316، بتاريخ 987 ه/ 1579 م.
  3. الدشت، سجل 139، ص 79، بتاريخ 1029 ه/ 1619 م.
  4. فرانك، ص 275.
  5. Fredrik G. Lane, "Notes and suggestions, The Mediterranean spice trade", American historical review , Vol. Xl April, 1973 , pp. 589 , 588.

أن نشير إلى الدور الكبير للتجار الفرنسيين في تجارة التوابل؛ فقد استورد تجار مرسيليا التوابل من الإسكندرية. وكانت سفنهم تعود مليئة بالتوابل من الإسكندرية. وقد أبرز فرناند بروديل Fernand Braudel آلاف الوثائق الفرنسية التي أثبتت على نحوٍ قاطع أنّ طريق التوابل عبر البحر الأحمر قد عاد إلى كامل نشاطه في الفترة الواقعة بين السنوات 957  -  978 ه/ 1550  -  1570 م. وبدأت أوروبا الغربية بأسرها باستثناء إسبانيا والبرتغال ومقاطعات فرنسا الأطلسية، من جديد تتزود بالبهارات من الإسكندرية73. وبحلول عام 993 ه/ 1585 م، أصبح ما ينقل عبر البحر الأحمر ثلاثة أضعاف ما يُنقل عبر رأس الرجاء الصالح. أمّا المصادر والوثائق المصرية، ففيها مشكلة أساسية تعرقل تقديم بيانات إجمالية عن كميات التوابل الواردة إلى مصر من الهند عبر ميناء الطور ثم السويس. هذه المشكلة هي فقدان أوراق ديوان البهار وسجلاته التي كان من الممكن أن تقدّم لنا صورة إجمالية أكثر وضوحًا عن كميات التوابل الواردة إلى مصر في كلّ عام. وما زاد المشكلة صعوبةً فقدان سجلات المحكمة الشرعية في السويس أيضًا في ظروفٍ غامضة أثناء الحصار الإسرائيلي للسويس في عام 1393 ه/ 1973 م. وعلى الرغم من أنّ محكمة الإسكندرية الشرعية، وبعض محاكم القاهرة قد سدّت جزءًا من الثغرة التي فتحت بغياب هذه الأوراق الوثائقية المهمة، فدائمًا نقول ونؤكّد أنّ هذه الصفقات التي جرى ذكرها في المحاكم هي الصفقات التي كانت تحتاج إلى اللجوء إلى القضاء؛ بمعنى أنّ هذه الصفقات كانت تجري إمّا بالائتمان (الأجل) أو لمشكلة ما على هذه الصفقات. بينما لم تكن الصفقات التي تجري بالدفع المباشر، وهي بالطبع تمثّل الجزء الأكبر من العمل التجاري، تحتاج إلى التسجيل في سجلات المحاكم. ولكن هذه الصفقات كانت تسجّل في سجلات القبانية (الوزانين) في كلّ سوق حيث يتمكّن القضاء من اللجوء إليها عند الحاجة إلى ذلك. وتشير الوثائق المحلية إلى أنّ عام 980 ه/ 1572 م قد شهد تغيًّا كبيرًا في حجم الواردات والصادرات من التوابل؛ فقد تزايدت كميات التوابل بصورة كبيرة. وتشير سجلات المحاكم إلى عددٍ هائل من الحجج المتعلقة ببيع الفلفل والقرفة وجوز الطيب والنيلة وغيرها74؛ فمثلً في عام 981 ه/ 1573 م توفي الخواجا علي القواهري، ولم يكن قد سلّم بعد إحدى الصفقات إلى أحد التجار البنادقة في الإسكندرية، فقام هذا التاجر بتوكيل القنصل البندقي في القاهرة من أجل أن يتسلم ما له بذمة القواهري؛ إذ تقدّم القنصل إلى المحكمة لتسلّم هذه الصفقة من التوابل، وكانت على النحو التالي: 495 قنطارًا من الفلفل، و 32 قنطارًا من القرفة، و 74 قنطارًا من جوزة الهند، و 12 قنطارًا من القرنفل، و 119 قنطارًا من الزنجبيل، و 52 قنطارًا من اللبان، و 110 قناطير من النيلة الهندي75. ويبُرز ذلك في الواقع تزايد حجم تجارة التوابل بصورة كبيرة خلال النصف الثاني من القرن السادس عشر. ويكفي أن نشير إلى أنّ الخواجا عبد العزيز بن يحيى الشهير بالفهمي في عام 982 ه/ 1574 م، والذي كانت تطلق عليه الوثائق عين أعيان التجار الكارمية، بلغت تركته 100314 دينارًا، عندما توفي. وكانت له شركة واحدة مع الخواجا سعيد بن قاسم أمغار الشهير بابن أيوب متخصصة في الأساس في جلب التوابل من الهند برأس مال يبلغ 50 ألف دينار، لكلّ واحد منهما النصف76. ولأنّ هذه التجارة كانت تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة، فقد تكوّنت شركات تجارية كبيرة بين التجار، من أجل تقليل المخاطر، ومن أجل استثمارات متعددة؛ فمثلً تكوّنت شركة بين الخواجا محمد بن يغمور والخواجا عامر جعفر برأس مال قدره 30000 دينار كان لكلّ منهما النصف. وكان يجري حسابها الختامي في كلّ عام. ويجري خصم الأرباح من ذلك77.

  1. Braudel, pp. 424  -  428.
  2. إسكندرية الشرعية، س 43، ص 9، م 21، بتاريخ 1018 ه/ 1609 م.
  3. الباب العالي، س 34، ص 219، م 1162، بتاريخ 981 ه/ 1573 م.
  4. القسمة العربية، س 6، ص 92، م 153، بتاريخ 982 ه/ 1574 م.
  5. الباب العالي، س 79، ص 258، م 1146، بتاريخ 1011 ه/ 1602 م.
التاريخاسم المشترياسم البائعالكمية بالقنطار/
والنوع
الثمن
بالدينار
14 ربيع الأول
977 ه / 1569 م
شركة بين الخواجا سعيد أمغار والخواجا عبد
الرحمن الفهمي
الخواجا يحيى
بن عبد الحق السنباطي
131 قنطارًا/ فلفل2096 دينارًا
2 رمضان
977 ه / 1569 م
الخواجا سعيد بن محمد الحضريالخواجا سعيد بن أمغار350 قنطارًا/ فلفل5600 دينار
16 محرم
977 ه / 1569 م
الخواجا علاء الدين بن بدر الدين الجمالالخواجا سعيد بن أمغار89 قنطارًا/ فلفل1790 دينارًا
ذو الحجة
977 ه / 1569 م
المعلم موسى بن يعقوب
بن موسى اليهودي الريان
الخواجا سعيد أمغار128 قنطارًا/ زنجبيل
6 قناطير/ قرنفل
86 قنطارًا/ فلفل
3346 دينارًا
979 ه / 1571 مالخواجا علاء الدين بن بدر الدين الجمالالخواجا سعيد أمغار100 قنطار/ فلفل1475 دينارًا
979 ه / 1571 مالخواجا سعيد بن محمد الحضريالخواجا سعيد أمغار16 قنطارًا/ زنجبيل
110 قناطير/ فلفل
1518 دينارًا
979 ه / 1571 مالخواجا بهاء الدين عبد العزيز الديرنيالخواجا سعيد أمغار89 قنطارًا/ فلفل1790 دينارًا
979 ه/ 1571 ماملخواجا سعيد أمغارالمعلم باولو ميونشيني الفرنسي1093 قنطارًا/ فلفل21980 دينارًا
979 ه/ 1571 مميخائيل النصرانى البندقي وجبران فرانسيسالخواجا سعيد أمغار والخواجا
عبد الرحمن الفهمي
355 قنطارًا/ فلفل
200 قنطار/ لوبان
9939 دينارًا
979 ه/ 1571 مالخواجا سعيد أمغارمصطفى بن عبد الله الرومي54 قنطارًا/ فلفل857 دينارًا
17 ذو القعدة
979 ه/ 1571 م
المعلم شموال بن يوسف اليهودي
الشهير بكوهان
الخواجا سعيد أمغار319 قنطارًا/ فلفل5480 دينارًا
5 ذو الحجة
979 ه/ 1571 م
الخواجا سعيد أمغارالخواجا محمد بن عثمان
الدنجيهي
جوز الطيب "دون ذكر
الكمية"
4000 دينار
ذو الحجة
979 ه / 1571 م
محمد بن حسن الغزاوي الشهير بالرمليالخواجا سعيد أمغار283 قنطارًا/ فلفل5670 دينارًا

979 ه / 1571 م محمد بن حسن الغزاوي الشهير بالرملي

وقد وقع على الإسكندرية78 دور تزويد إسطنبول79 والأناضول80 والمغرب العربي بالتوابل. وتشير الوثائق إلى أنّ جزءًا مهمًا من التوابل كان يجري إرساله إلى تونس81. وقد تمكّن الباحث من متابعة بعض الصفقات التي عقدها أحد التجار العاملين في تجارة التوابل، وهو الخواجا سعيد بن قاسم بن أمغار خلال سنتي 977 ه/ 1569 م، و 979 ه/ 1571 م. ويمكن توضحيها في الجدول (1:) الجدول (1)

من إعداد الباحث من خلال سجلات المحاكم الشرعية، وإسكندرية الشرعية، والقسمة العربية، والصالحية النجمية.

  1. إسكندرية الشرعية، س 8، ص 226، م 643، بتاريخ 973 ه/ 1565 م.
  2. إسكندرية الشرعية، س 33، ص 187، م 378، بتاريخ 980 ه/ 1572 م.
  3. الصالحية النجمية، س 478، ص 120، م 481، بتاريخ 1015 ه/ 1606 م.
  4. إسكندرية الشرعية، س 26، ص 72، م 223، بتاريخ 997 ه/ 1588 م.

وهكذا يوضح الجدول (1) الدور الكبير الذي قام به هؤلاء التجار في تجارة التوابل. أمّا عن أسباب اختلاف أسعار الفلفل في الجدول، فترجع إلى أنّ الفلفل كان نوعين: خوري، وأشي. وكان الأول أفضل من الثاني؛ إذ كان فارق السعر بينهما يصل إلى حوالى 15 %لفائدة الخوري82. هكذا عادت التوابل إلى طريق البحر الأحمر بصورة أساسية، ونتج من ذلك تكوّن نخبة تجارية بارزة نجحت في تكوين ثروة كبيرة83. وتشير الألقاب التي أصبح يحوزها هؤلاء التجار إلى تطور وضعهم الاقتصادي والاجتماعي بصورة كبيرة.

الكارمية: المسمّى والدلالة

في البداية، علينا أن نشير إلى أنّ كلمة الكارمية أ طلقت على التجار العاملين في التجارة الدولية العابرة في البحر الأحمر (بخاصة التوابل) خلال العصر الفاطمي والأيوبي والمملوكي. ويذكر صبحي لبيب في مقالته المهمة عن "التجار الكارمية وتجارة مصر في العصور الوسطى" أنّ مسمّى الكارمية ربما يعود إلى العنبر الذي يقال له الكارم وأنّه كان يوجد في مصر سوق مشهور به، ونتيجة لتجارتهم به فقد أخذوا اسمهم منه84. ويرى البعض أنّه مرتبط ببلاد الكانم. وهي إحدى مقاطعات بلاد التكرور. وهو اعتقاد يؤيده أنّ الكانم كانت مصدر الذهب الذي كان يجري من خلاله تمويل شراء التوابل؛ إذ تشير بعض النقوش الأشورية إلى (الكركم Karkuma) بمعنى الأصفر85. على العموم، فمن الثابت اليوم أنّ تجار الكارم كانوا في الأساس هم تجار التوابل. ويشير الأشقر إلى أنّه لم يكن هناك مسمّى واحد للتجار العاملين في تجارة التوابل. ويشير إلى أنّ المصادر المملوكية كانت تنعتهم بألقاب؛ مثل الخواجا والخواجكي وعين أعيان الجواجكية، والكارمي وعين أعيان التجار الكارمية86. وعليه، لم يكن هناك مسمّى واحد لهؤلاء التجار الكبار. والمعروف أنّ وجود هؤلاء التجار الكارمية قد انتهى مع نهاية العصر المملوكي، خلال عصر برسباي أو على الأكثر قايتباي. فلماذا إذًا نطلق على هؤلاء التجار الكارمية؟ في الواقع، إنّ وثائق الأرشيف في مصر هي التي تشير إلى استمرار الألقاب نفسها التي كانت سائدة خلال العصر المملوكي، طيلة القرن السادس عشر والنصف الأول من السابع عشر؛ فقد ظلّت الوثائق تطلق على هؤلاء التجار العاملين في تجارة التوابل ألقاب الخواجا، والخواجكي، وعين أعيان الخواجكية، والكارمي، وعين أعيان التجار الكارمية87. وكان لهؤلاء التجار الكارمية أو الخواجكية رئيس منهم، كانت الوثائق تطلق عليه ملك التجار88، أو ريس التجار89، أو شاه بندر التجار90، أو عين أعيان التجار الكارمية91؛

  1. سليمان محمد حسين، تجار القاهرة في القرنين السادس عشر والسابع عشر (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2003)، ص 40.
  2. نللي حنا، حرفيون مستثمرون بواكير تطور الرأسمالية في مصر، كمال السيد (مترجم)، (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2011)، ص 77.
  3. لبيب، ص 10.
  4. نّه إذا اقتطعنا لفظة كارم قسمين وجدناها تتكوّن من هناك تفسير يقولإ كلمتين: "كار" في المقطع الأول ثم "يم" في المقطع الثاني، وكار معناها الحرفة أو العمل أو التجارة أو الوظيفة، و"يم" معناها المحيط أو البحر البعيد الشواطئ أو النهر الكبير، ثم سقط حرف الياء من كاريم فأصبحت كارم وبذلك تصبح الكلمة تعني حرفة التجارة في البحار أو التجارة البعيدة، الوقاد، ص 202 إلى ص 204.
  5. الأشقر، ص 160.
  6. تشير الوثيقة إلى "الخواجكي السامي الكبير الأصيلي جلال الدين محمد بن الخواجكي نور الدين علي بن المرحوم عمر بن محمد الشهير نسبه بابن يعقوب عين الخواجكية الكارمية بالثغر"، محكمة الإسكندرية الشرعية، س 1، ص 147، م 693، بتاريخ 957 ه/ 1550 م.
  7. نجد الوثائق تشير مثالً لذلك إلى الخواجا محمد بن نجيم الشهير بابن أبو علي الرشيدي "بلقب ملك التجار بالديار المصرية"، محكمة الصالحية النجمية، س 466، ص 339، م 1445، بتاريخ 992 ه/ 1584 م.
  8. تقول الوثائق مثل: "الخواجا يحيى بن الخواجا عمر بن عبد الله الشهير نسبه بابن الجمال ريس التجار الخواجكية بالديار المصرية"، محكمة الإسكندرية، س 16، ص 212، م 780، بتاريخ 969 ه/ 1561 م.
  9. القسمة العسكرية، س 41، ص 232، م 341، بتاريخ 1039 ه/ 1629 م.
  10. القسمة العسكرية، س 5، ص 467، م 1489، بتاريخ 973 ه/ 1565 م.

فكلّ تلك الألقاب أطلقتها الوثائق الرسمية عليهم، فقد استخدمت المحاكم جميع هذه الألقاب؛ إذ ساد في محكمة الإسكندرية إلى حدٍ كبير لقب عين أعيان التجار الكارمية. في حين ساد لقب عين أعيان الخواجكية في محكمة الباب العالي. واستخدمت الصالحية النجمية كلّ الألقاب92. وقد ميزت الوثائق بصورة واضحة بين كبار التجار أو الخواجات العاملين في تجارة التوابل والتجارة الدولية، ومتوسطي التجار وأصاغرهم بأنّها كانت تشير إلى هؤلاء باسم التاجر وتشير إلى محلّ عمله فتقول التاجر بسوق الشرب، أو التاجر بسوق خان الخليلي. وقد شهد القرن السادس عشر صعودًا متتاليًا لعدد التجار الخواجكية أو الكارمية؛ ففي بداية العصر العثماني كان عدد هؤلاء التجار محدودًا إلى حدٍ كبير وقلّما يظهر لقب الخواجا في الوثائق93. غير أنّ الربع الثاني من القرن السادس عشر شهد تحوّلً كبيرًا في عدد هؤلاء التجار حيث تزايد عددهم تزايدًا كبيرًا، وأخذ لقبا شهبندر التجار وملك التجار يترددان بصورة واضحة94. ويتماشى ذلك في الواقع مع عودة تجارة التوابل للمرور عبر البحر الأحمر مرةً أخرى. وظلّ لقب التاجر الكارمي أو الكارمية يُطلق على كبار التجار في مصر حتى الثلاثينيات من القرن السابع عشر، عندما أخذ هذا اللقب في التلاشي والاختفاء. في حين استمرت ألقاب الخواجا، والخواجكي، وعين أعيان التجار. ويتفق ذلك في الواقع مع تراجع نشاط تجارة التوابل لفائدة تجارة البنّ. ويتفق أيضًا مع بروز دور النقد الفضي بصورة أكبر في حركة التجارة، وتراجع دور النقد الذهبي وبمعنى آخر تراجع تجارة التكرور وعدم سفر التجار بصورة دورية إلى كانو وتمبكتو. كما يتفق مع تغيرات جوهرية أخرى في شكل الحركة التجارية في المنسوجات؛ إذ تراجع دور الحرير الوارد من فارس وبورصة لفائدة القطن والملابس القطنية؛ فقد كان الحرير يُستخدم بصورة واسعة في التجارة مع مراكز الذهب في أفريقيا.

طائفة التجار

الطائفة هي كلّ مجموعة بنيوية من الأشخاص لهم مواقف ومظاهر سلوك مشتركة. ويملك الكلّ داخل هذه الطائفة هدفًا مشتركًا ومجموعة مصالح مشتركة، تحدّد تماسك أعضائها. وتمثّل طائفة التجار في القاهرة العثمانية جماعة ذات ملامح واضحة. غير أنّ هذه الجماعة كانت ضخمة لدرجة تجعل من الصعب أن نطلق عليها جماعة نوعية واحدة؛ فقد انقسمت طائفة التجار إلى طوائف عديدة داخلية. ولكنّها ظلت دائمًا تتميز بالعمل في المجال التجاري. ويهمّنا هنا تجار التوابل أو البهار. وهم تجار التجارة الدولية في البحر الأحمر. وكان هؤلاء يؤلّفون شريحة عليا من التجار. وليس ثمّة شكوك في أنّ لكلّ جماعة زعامة أو قيادة تعمل من أجل إدارتها وتنظيمها وتوجيهها وتنسيق جهودها وبثّ روح الحماس والأمل في أعضائها، بقصد تحقيق الأهداف والمصالح المشتركة. ويفرض الزعيم أو الرئيس نفسه على الأعضاء بقدرته وبراعته الواقعيتين على حلّ مشاكل الجماعة الطارئة، وبلوغ أهدافها، وتحقيق مصالحها المشتركة. وكان ذلك الرئيس هو شاه بندر التجار. وكان اختيار شاه بندر التجار يخضع أساسًا للتجار أنفسهم. ولم تتدخّل الدولة غالبًا في هذا التعيين إلّ لإقراره وصبغه بالصبغة الشرعية والقانونية؛ فقد كان هذا الاختيار يقرّر أمام القاضي ويدوَّن في المحاكم اعترافًا رسميًا من السلطة بهذا الاختيار. وإذا لم يكن لدى التجار ما يشْكون منه من التعامل مع شاه بندر التجار، فإنّه لم يكن باستطاعة السلطة أن تغيّ شاه بندر التجار. والواقع أنّ منصب شاه بندر التجار لم يكن منصبًا إداريًا تابعًا لأجهزة الإدارة. بل كان منصبًا شرفيًا. لذلك فقد كان أوّل واجب يناط به وأهمّه، الدفاع عن

  1. الصالحية النجمية، س 471، ص 11، م 41، بتاريخ 1000 ه/ 1591 م.
  2. القسمة العربية، س 21، ص 214، م 310، بتاريخ 1025 ه/ 1616 م.
  3. الصالحية النجمية، س 486، ص 286، م 1176، بتاريخ 990 ه/ 1582 م.

مصالح التجار والتجارة المصرية، وحماية التجار من أيّ اعتداء على مصالحهم وتجارتهم. وكان يختاره التجار أنفسهم. ولم يكن الجهاز الإداري غالبًا يتدخل في عمليات تعيينه إلّ بعد ترشيح التجار له وموافقتهم عليه95؛ فكان تدخّل الدولة هنا لإقرار هذا التعيين وإعطائه الصبغة الشرعية96. وكان من أهمّ الواجبات الموكولة إلى شاه بندر التجار محاولة الحدّ من المنافسة العنيفة بين التجار للمحافظة على تحقيق أرباح عالية تعوّض تجار النخبة التجارية عن أيّ خسائر قد تلحق بهم من وراء غرق الشحنات أو نهب العربان التجارة. فكانت الأسعار غالبًا مستقرة في الأسواق. وبالطبع لم يكن ذلك في مصلحة المستهلكين وإن كان في مصلحة التجار؛ فكان التجار دائمًا يعوّضون خسائرهم من أسعار السلع المصدّرة أو المستهلكة، فإذا غرقت سفينة من الخمس عشرة سفينة الوافدة من جدة والمحمَّلة بالتوابل، كانت أسعار التوابل ترتفع على الفور لتعوّض هذه الخسارة. وبالطبع كان شاه بندر التجار يقوم بالدور الأكبر في محاولة تقريب أسعار هذه السلع لتعويض خسائر التجار97. وتشير الوثائق إلى مدى قدرة هذه الطائفة على الدفاع عن حقوقها؛ ففي عام 1017 ه/ 1608 م حضر إلى المحكمة عدد من كبار التجار "العاملين في تجارة البهار" بعد شكوى وكلائهم في السويس من شيخ طائفة العتالين صالح بن جرباش الذي كان يقوم بتحصيل رسوم إضافية على أحمال البهار الواردة للتجار. وفور وصول هذه الشكوى من وكلائهم، صعد تجار البهار إلى محمد باشا في القلعة. ونجحوا في الحصول منه على بيورلدي بعزل صالح جرباش من منصبه وتعيين نور الدين بن عبيد. وقد أخذوا على نور الدين تعهّدًا في المحكمة بعدم تحصيل أيّ رسوم إضافية على بضائعهم وأحمالهم سواء الصادر منها أو الوارد. وعلى حدّ قول الوثيقة "فإنّه متى فعل ذلك كان معزول "98. وثمة قائل إنّ التجار الكارمية خلال العصر المملوكي لم يكونوا مصريين بالأساس، وأنّهم كانوا متعددي الأصول99. وهو أيضًا ما تميز به هؤلاء التجار خلال القرن السادس عشر؛ فلم يكونوا من موطنٍ واحد. بل كانوا متعددي الأعراق والبلدان؛ فكان منهم اليمني والحجازي والشامي والفارسي والتركي والمغربي والتكروري واليهودي100. ولم يكن المصريون أكثرية في عددهم. بل كانوا في مكانة وسط من حيث عدد التجار، إن لم يكونوا أقلية. أمّا من حيث ثروات هؤلاء التجار فقد كانت لا تقلّ بحال من الأحوال إن لم تزد عن ثروات التجار في العصر المملوكي؛ فقد ترك الخواجا صالح بن عبد المنعم البساطي بضائعَ وأموالً وشركات قُدّرت بأكثر من مئتي ألف دينار دون العقارات والوكالات101. ومن المثير للجدل أنّ أحد التجار الكارمية (العجم) الفرس العاملين في خان الخليلي قد دفعه الطموح لتحقيق أرباحٍ أكبر إلى التفكير في السفر والإقامة في البندقية، من أجل العمل وكيلً تجاريًا لبني جنسه فيها، حيث كان البنادقة والفرنسيون واليهود يحتكرون عمليات نقل التوابل من الإسكندرية. وكان صراعًا ضاريًا يدور فيما بينهم. إلا أنّ قنصل البنادقة في القاهرة تصدّى بكلّ قوة لهذه المحاولة. وعمل على إثناء هذا التاجر عن السفر إلى البندقية102.

  1. رفعت موسى، ص 108.
  2. حنا، تجار القاهرة...، ص 63، 64.
  3. الدشت، س 141، ص 257، بتاريخ 1030 ه/ 1620 م.
  4. الباب العالي، س 90، ص 96، م 416؛ م 417، بتاريخ 1017 ه/ 1608 م.
  5. عبير كريم عبد الرضا الشاوي، "تجار الكارم، أثرهم الاقتصادي والحضاري من القرن الرابع وحتى القرن التاسع الهجري"، رسالة دكتوراه (غير منشورة)، كلية التربية، جامعة بغداد، 2005، ص 23.
  6. عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم، فصول من تاريخ مصر الاقتصادي والاجتماعي في العصر العثماني (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1990)، ص 158؛ القسمة العسكرية، س 15، ص 249، م 359، بتاريخ 995 ه/ 1586 م.
  7. احتوت التركة على كميات كبيرة من التوابل، مثل اللك الدابولي، والبخور والشبة والصمغ والقرفة والورق الهندي: القسمة العربية، س 36، ص 379، م 608، بتاريخ 1049 ه/ 1639 م.
  8. هذا التاجر هو الخواجا محمد شريف بن الخواجا كمال بيك بن الخواجا محمود العجمي القزويني: الباب العالي، س 86، ص 54، م 363، بتاريخ 1015 ه/ 1606 م.

وتوضح دراسة تركات هذه العائلات بصورة واقعية مدى ضخامة حجم التوابل في هذه التركات؛ ففي تركة الخواجا أحمد الرويعي المسجَّلة في عام 1020 ه/ 1611 م مثّلت التوابل حوالى 65 %من إجمالي التركة البالغة مليونَ بارة103. وتشير تركة القاضي علي بن علي الخطيب المسيري الشهير بابن القاق إلى ضخامة التركة التي خلفها؛ إذ بلغت التركة 208.101 دينارًا دون احتساب ثمن العقارات والقصور والتوابل الموجودة في عدن وجدة. وقد بلغت كميات الفلفل المخلّفة في التركة 421 قنطارًا كانت قيمتها 10115 دينارًا، إضافة إلى 86 قنطارًا من اللك الشمطري كانت قيمتها 2076 دينارًا104. هكذا يمكننا القول إنّ إطلاق لقب الكارمية على تجار التوابل خلال القرن السادس عشر والربع الأول من القرن السابع عشر، كان امتدادًا طبيعيًا للفترة المملوكية، وإنّ ذلك لم يكن استمرار مسمّى فقط بقدر ما كان استعادة التجار العاملين في تجارة البحر الأحمر دورهم الفاعل في تجارة التوابل. وقد أدّت عودة تجارة التوابل إلى التدفّق عبر البحر الأحمر مرةً ثانية، إلى تراكمٍ كبير في الثروة لدى كبار تجار القاهرة العاملين في هذه التجارة105؛ فقد كانت التوابل إبان هذه الحقبة تحقّق أرباحًا تراوح بين 40 و 50 %للتجار العاملين فيها بعد خصم المصاريف والضرائب؛ فكان قنطار الفلفل يصل إلى جدة بحوالى 6 إلى 8 دنانير أشرفية. وكان يباع في القاهرة ما بين 14 و 16 دينارًا. في حين كان سعره في الإسكندرية يراوح بين 21 و 30 دينارًا. لذا كان من البداهة أن تكون عوائد التوابل مهمة في تكوين ثروات كبيرة بالنسبة إلى التجار العاملين فيها106. وقد أدّى ذلك إلى تكوّن رأسمالية تجارية كبيرة في مصر، قامت بدور مهمّ في دعم النشاط الاقتصادي في جميع نواحي الحياة في المجتمع المصري107. هكذا، أسهمت تجارة التوابل في تراكم رأسمالي واضح لدى العديد من العائلات التجارية في مصر إبان القرن السادس عشر والنصف الأول من القرن السابع عشر. وقد أسهم ذلك في خلق طبقة تجارية وسطى عريضة في المجتمع المصري. وقد بلورت هذه الفئة التجارية العديد من الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية في بنيان المجتمع المصري. وتمكّننا وثائق الأرشيف المصري من توضيح أسماء ستين عائلة كانت من أهمّ العائلات التجارية التي عملت في تجارة التوابل، والتي يمكن توصيفها بأنّها نخبة مالية للمجتمع المصري، إبان القرن السادس عشر والنصف الأول من القرن السابع عشر، كانت منها عائلات مصرية، وشامية، وتركية، وتكرورية، وحجازية، ويمنية، ومغربية. أمّا عن دور العائلات اليهودية في تجارة التوابل، فالواقع أنّه ظلت هناك مبالغات كبيرة في دور اليهود في تجارة التوابل؛ فقد قال البعض إنّ تجّار الكارم هم من اليهود فقط. وقال آخرون إنّ الجزء الأكبر منهم كان من اليهود108. وتشير وثائق المحاكم الشرعية إلى دورٍ محدود لليهود في تجارة التوابل. وقد تركّز دورهم الأكبر في إدارة الجمارك وعمليات السمسرة والوساطة بين التجار المسلمين والبنادقة والفرنسيين109. والحق أنّ اليهود ظلوا جزءًا أصيلً من المجتمعات العربية والإسلامية خلال العصر العثماني، ولم يقع عليهم تمييز طائفي أو عنصري إلّ خلال الأزمات التي كان لبعضهم دورٌ في صنعها. وقد كان عملهم الأهمّ والأبرز في إدارة الجمارك دافعًا لهم للاضطلاع بدور تجاري أقرب إلى عمليات السمسرة منه إلى النشاط التجاري110؛ فقد فضّل الجزء الأكبر منهم القيام بشراء التوابل

  1. محافظ الدشت، س 131، ص 77، بتاريخ 1020 ه/ 1611 م.
  2. القسمة العسكرية، س 17، ص 307، م 412، بتاريخ 997 ه/ 1588 م.
  3. القسمة العربية، س 4، ص 265، م 498، بتاريخ 983 ه/ 1575 م.
  4. الصالحية النجمية، س 466، ص 364، م 1562، بتاريخ 992 ه./ 1584
  5. القسمة العسكرية، س 39، ص 385، م 592، بتاريخ 1037 ه/ 1627 م.
  6. محاسن محمد الوقاد، اليهود في مصر المملوكية في ضوء وثائق الجنيزة 648  -  923 ه/ 1250  -  1517 م (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1999)، ص 208.
  7. محسن علي شومان، اليهود في مصر العثمانية حتى القرن التاسع عشر، ج 1 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2000)، ص 182.
  8. المرجع نفسه، ج 2، ص 258.

من القاهرة أو رشيد أو الإسكندرية، بيعها للتجار الأوروبيين في مقابل أرباح أقلّ، ولكنّها كانت أكثر ضمانًا111. ولم يكن ذلك يعني عدم امتلاك اليهود شركات تجارية في البحر الأحمر؛ فقد كان بعضهم شركاء لعدد من كبار تجار التوابل. كما أنّ عددًا من التجار اليهود كان يقطن في البندقية112؛ ما أعطى الشبكات التجارية اليهودية مدى أوسع في اتجاه أوروبا، وجعلهم في حالة من الصراع والمنافسة مع البنادقة والفرنسيين ما أدّى إلى الصدام بينهما. وتشير وثائق الإسكندرية بوضوح إلى شكاوى القناصل الأوروبيين الممارسات اليهودية113. والجدير بالذكر أنّ التجار الكارمية موّلوا التزام المعلمين اليهود لمقاطعة البهار؛ إذ كان جمرك البهار أكبر العوائد والجمارك التي تحصّلها الدولة لتمويل التزاماتها من دفع رواتب الجنود وحراس القلاع ورواتب رجال الإدارات المختلفة. ونتيجة لضخامة المبالغ المحصَّلة على التزام جمرك البهار، لم يكن أمام الأمراء والمعلمين اليهود الراغبين في التزام الجمارك إلّ التجار الذين يمتلكون الثروة والأموال114. وغالبًا ما كان هؤلاء التجار يقومون بتمويل المعلمين والأمراء الملتزمين الجمارك؛ فقد كان يجري خصم هذه المبالغ من الرسوم المفروضة على بضائعهم مع تخفيضات خاصة لهم كانت تراوح بين 2 %و 5 %مقابل تسلّم هذه الأموال مسبقًا وللبعد عن شبهة الربا115. وكان هؤلاء الملتزمون وبخاصة اليهود يستغلون وجودهم في إدارة الجمارك وعملهم مترجمين، ويقومون بشراء التوابل من التجار ووكلائهم وإعادة بيعها للبنادقة والفرنسيين. لذلك، فقد حاول ملتزمو الجمارك منع وصول الأوروبيين إلى القاهرة، من أجل أن يحقّقوا أرباحًا كبيرة من عمليات الوساطة والسمسرة116.

الشبكات التجارية للكارمية

الحقيقة أنّ القرن السادس عشر شهد تطوّرًا للشبكات التجارية للتجار الكارمية العاملين في التجارة الدولية بصورة كبيرة؛ فقد نجح هؤلاء التجار في اختراق الحصار البرتغالي للبحار العربية والوصول مرةً أخرى إلى مصادر إنتاج التوابل في الهند والجزر الهندية. فتشير الوثائق إلى نجاح هؤلاء التجار في بناء شبكات تجارية فعّالة أصبحت ذات قدرة كبيرة على جلب التوابل عبر البحر الأحمر. وقد أخذ بناء هذه الشبكات ثلاثة أشكال يمكن تحديدها من خلال الوثائق، وهي: أول: سفر التجار بأنفسهم أو أبنائهم إلى الهند. تشير الوثائق إلى أنّ عددًا من تجار القاهرة سافر إلى الموانئ الهندية في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن السادس عشر، على الرغم من الظروف الصعبة في ذلك الوقت. إلا أنّ الأرباح الكبيرة التي كانوا يحقّقونها كانت الدافع وراء هذه المغامرات الكبيرة؛ فمثلً نجد الخواجا علي بن أحمد بن محمد الشجاعي التاجر السفار إلى بلاد الهند والتكرور حيث

  1. تشير الوثيقة التالية مثلً إلى شراء المعلم موسى بن يهود بن إبراهيم الربان الشهير بابن هاني في الإسكندرية 79 قنطار فلفل خوري كانت قيمتها 968 دينارًا من وكيل الخواجا عمر الجمال: الإسكندرية الشرعية، س 8، ص 157، م 459، بتاريخ 973 ه/ 1565 م.
  2. تشير الوثيقة التالية مثلً إلى المعلم مردخاي بن شالوم البندقي: الباب العالي، س 11، ص 903، م 316، بتاريخ 957 ه/ 1550 م.
  3. الإسكندرية الشرعية، س 4، ص 38، م 119، بتاريخ 974 ه/ 1566 م.
  4. الإسكندرية الشرعية، س 43، ص 288، م 847، بتاريخ 1019 ه/ 1610 م.
  5. نشأت بين الملتزمين والتجار آلية للتعامل شبه منتظمة، كانت تسمح للملتزم بتقاضي مبالغ كبيرة تحت مسمَّى "موجبات ومعشرات سلطانية وذخيرة وترجمة ومصاريف ورسم جاري به العادة"، على أن يتحاسبا كلّ فترة، ويخصم منها ما يتعين على التاجر أداؤه من رسوم، ويستردّ الباقي: شومان، ج 2، ص 256.
  6. في عام 931 ه/ 1524 م مثلًالتزم المعلم إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بجمرك الإسكندرية لمدة سنتين وقد اشترط في عقد الالتزام ما نصّه "أن لا يأتوا تجار الفرنج إلى القاهرة المحروسة بل يجلسون بالثغر السكندري ويبيعون ويشترون فيه على العادة القديمة في زمن السلطان قايتباي والسلطان قانصوه الغوري": الدشت، س 4، ص 475، بتاريخ 931 ه/ 1524 م؛ الإسكندرية الشرعية، س 43، ص 288، م 847، بتاريخ 1019 ه/ 1610 م.

كان من كبار تجار الكارمية ومن أعيان الخواجات في القاهرة117. وفي عام 976 ه/ 1568 م، كان الخواجا أحمد بن عمر الدريني التاجر بوكالة قايتباي غائبًا في الهند118. ثانيًا: عن طريق التاجر السفار، جذبت الأرباح الكبيرة التي يمكن جنيها من وراء القيام بالرحلات الطويلة عددًا من التجار للمغامرة بهدف الحصول على الأرباح العالية التي يمكن جنيها من وراء هذه التجارة119. وتوضح السجلّ ت المحلية في مصر ظاهرة التاجر السفار بصورة واسعة خلال القرن السادس عشر120. وقد نجح هؤلاء التجار في اختراق الحصار البرتغالي في المحيط الهندي مدفوعين بهامش الربح الكبير جراء ذلك121. والواقع أنّ التاجر السفار هو تاجر متوسط الثراء لديه طموح كبير في الثراء السريع؛ فكان يسافر سنويًا بين السويس والهند. وكان يجمع أكبر عدد من الصفقات التجارية للتجار الراغبين في جلب التوابل122. ولم يكن التجار الكبار يغامرون بوضع أموالهم كلّها مع تاجرٍ واحد. بل كانوا يمنحون أموالهم لأكبر عدد ممكن؛ بحيث يقللون نسبة المخاطرة؛ وإذا ضاعت هذه الأموال أو توفّ هذا التاجر لأيّ سبب لا يضيع كلّ المال؛ فخلال عام 944 ه/ 1537 م قام الحاج سليمان بن سعيد بن موسى المغربي الجربي الشهير بالفلاح بتمويل سفر الحاج محمد بن يفرن المعروف بابن بليحه إلى كيلكوت في الهند123. وفي عام 995 ه/ 1586 م توف تقي الدين بن عثمان الحلبي التاجر السفار، وقد ترك كميات كبيرة من التوابل شملت نيلة هندي، ولك وكابلي، وفلفل قُدّرت قيمتها بثلاثة آلاف دينار124. ثالثًا: إرسال العبيد أو المماليك في المهام التجارية؛ فقد قام بعض كبار التجار بشراء عدد من الرقيق وقاموا بتدريبهم على العمل التجاري في محالّهم. وعندما كانوا يثقون بهم كانوا يقومون بإرسالهم في مهام تجارية بعيدة، (كان هؤلاء العبيد وكلاء غير دائمين لأسيادهم)، مع الوعد بمنحهم العديد من المنح والعطايا؛ فقد عمل كبار التجار الكارمية على إرسال عبيدهم في هذه المهام التجارية حرصًا منهم على حياتهم، وحتى يظلّوا إلى جانب إدارة أعمالهم في القاهرة؛ ففي عام 970 ه/ 1562 م كان جوهر بن عبد الله مملوك الخواجا قاسم الحضري في الهند يقوم بشراء التوابل لحسابه هو وأخيه ولعددٍ كبير آخر من تجار الإسكندرية125. لقد نجحت هذه الشبكات التجارية في إعادة الحيوية للمحاور التجارية المصرية مع الهند بصورة فعلية؛ فخلال عام 987 ه/ 1579 م كان الخواجا كريم الدين البرديني غائبًا في الهند مع مملوكه مرجان، وكان أخواه يقومان بإدارة شؤون شركتهم في القاهرة126. وفي عام 1017 ه/ 1608 م كان الخواجا محمد بن زيان وهو تاجر من أسرة سكندرية عريقة غائبًا في الهند، وكان يحمل أمانات لعدد كبير من كبار تجار القاهرة العاملين في تجارة التوابل127. وكوّن بعض التجار شركات بينهم غالبًا ما كان يقوم أحدهم، وهو الذي لا يمتلك رأس مال كبيرًا لكنّه كان يقوم بالسفر والمخاطرة، في مقابل اشتراكه في الأرباح وحصة صغيرة من رأس المال.

  1. القسمة العربية، س 1، ص 108، م 165، بتاريخ 970 ه/ 1562 م.
  2. الصالحية النجمية، س 452، ص 441، م 1210، بتاريخ 976 ه/ 1568 م.
  3. الباب العالي، س 37، ص 476، م 1804، بتاريخ 984 ه/ 1576 م.
  4. القسمة العربية، س 11، ص 342، م 544، بتاريخ 1004 ه/ 1595 م.
  5. القسمة العربية، س 6، ص 199، م 309، بتاريخ 987 ه/ 1579 م.
  6. القسمة العسكرية، س 1، ص 568، م 1170، بتاريخ 969 ه/ 1561 م.
  7. الدشت، س 19، ص 556، بتاريخ 944 ه/ 1537 م.
  8. الدشت، س 102، ص 12، م 21، بتاريخ 995 ه/ 1586 م.
  9. الباب العالي، س 21، ص 464، م 1241، بتاريخ 970 ه/ 1562 م.
  10. القسمة العربية، س 6، ص 153، م 244، بتاريخ 987 ه/ 1579 م.
  11. القسمة العربية، س 19، ص 238، م 344، بتاريخ 1017 ه/ 1608 م.

تغيّ الطلب عىل التوابل

مع منتصف القرن السابع عشر، حدثت تغيرات عديدة جعلت الطلب على التوابل يتراجع تراجعًا كبيرًا؛ فقد تراجع الطلب على التوابل في السوق الأوروبية، بسبب تزايد استهلاك الخضروات واللحوم الطازجة الواردة من المستعمرات الأميركية في العالم الجديد إلى أوروبا خلال فصل الشتاء، وعليه، تراجع استهلاك اللحوم المحفوظة والمتبّلة في أوروبا، بعد وجود البدائل من المستعمرات في العالم الجديد. ويشير بروديل إلى تراجع استهلاك التوابل منذ عام 1061 ه/ 1650 م. ويعزو ذلك إلى تزايد استهلاك موادّ ترفيه جديدة مثل البن والكاكاو والتبغ. على العموم، لم تعد أوروبا في حاجة كبيرة إلى التوابل. ومن هنا، أخذ الطلب عليها في التراجع. ويشير بروديل إلى أنّ عام 1038 ه/ 1620 م هو العام الذي شهد إحكام الهولنديين سيطرتهم على تجارة التوابل، وأنّ هذا التحكّم الهولندي هو الذي أدّى إلى توقّف تدفّق التوابل عبر البحر الأحمر128. والواقع أنّه على الرغم من حلول التجارة الهولندية محلّ التجارة البرتغالية في شرق آسيا وجنوبها، فلم تكن لدى الهولنديين رغبة في إيقاف وصول التوابل إلى عدن، بل على العكس من ذلك حاول الهولنديون أنفسهم الوصول إلى عدن من أجل بيع التوابل في مقابل البنّ اليمني الذي أخذ يتزايد عليه الطلب في شرق آسيا. غير أنّ السلطات العثمانية التي كانت لا تزال تتوجّس خيفةً من الأوروبيين لم تسمح لهم بزيارة عدن. وهو ما دفع الهولنديين إلى قذف الميناء بالمدفعية129. والواقع أنّ الهولنديين لم يفرضوا حصارًا على الشواطئ العربية كما فعل البرتغاليون. بل على العكس من ذلك، فقد كانت السياسة الهولندية والإنكليزية قائمة على العمل في التجارة بين موانئ الشرق، حيث عملت الشركتان الهولندية ثم الإنكليزية على تحقيق مكاسبَ وأرباح كبيرة من جراء المتاجرة بين موانئ الشرق الأقصى وفارس والموانئ العربية. ومن أجل هذه الأرباح أخذ الهولنديون يضغطون على العثمانيين في اليمن من أجل فتح موانئ اليمن للتجارة الحرّة معهم. وقد انتهج الهولنديون أساليب عدة للوصول إلى ذلك الهدف؛ منها ما هو دبلوماسي، ومنها ما هو عسكري؛ فأخذوا في القيام بعمليات قرصنة واسعة النطاق ضد السفن التجارية العربية والهندية. وقد مثّل هذا الاتجاه ورقة رابحة في أيدي الهولنديين للضغط على اليمن لفتح الموانئ اليمنية للتجارة الأوروبية. إلا أنّه من المرجَّح أن يكون ذلك الأسلوب قد زاد من إصرار الإدارة العثمانية في اليمن على ضرورة الحصول على إذن مسبق من السلطان العثماني لفتح الموانئ اليمنية أمام الهولنديين والإنكليز130. على العموم، تشير المصادر الهولندية إلى رغبة الهولنديين في ممارسة التجارة بصورة كبيرة مع عدن ومخا حيث يمكن الحصول على البنّ اليمني بالتبادل بالتوابل؛ فمن خلال التقارير الهولندية التي جرى نشرها يتّضح أنّ السفن الهولندية كانت تحمل التوابل إلى عدن من أجل جلب البنّ. ويبدو أن ذلك استمر حتى عام 1140 ه/ 1712 م عندما تمكّن الهولنديون من نقل شجرة البنّ إلى أميركا131. وفي الحقيقة، فإنّه أمام التقلبات في سوق التوابل وتراجع أرباحها، لجأ التجار في البحر الأحمر إلى تنويع أنشطتهم التجارية؛ فعملوا على توسيع استيراد الأقمشة القطنية من سورات وبومباي، إذ تزايد عليها الطلب في الأسواق العثمانية والأوروبية. هكذا، كانت تجارة التوابل تشهد تراجعًا كميًا منذ ثلاثينيات القرن السابع عشر. غير أنّ ذلك لم يَعْن توقّف وصول التوابل عبر البحر الأحمر؛ فقد ظلّت التوابل طيلة القرن السابع عشر تحتلّ المركز الثالث بين السلع الوافدة إلى مصر عبر البحر الأحمر132، فقد تقدَّم عليها

  1. بروديل، ج 3، ص 594.
  2. راجع: أحمد فؤاد متولي، " الوجود الروسي المبكر في البحر الأحمر "، في: دراسات في الأدب والتاريخ التركي المصري (القاهرة: دار الفكر العربي، 1989)، ص 64، 65.
  3. إريك مكرو، اليمن والغرب (1571 1962)، حسين عبد الله الغمري (مترجم)، (دمشق: دار الفكر، 1978)، ج 1، ص 32.
  4. فاروق عثمان أباظة، " النشاط الاستعماري الهولندي في البحر الأحمر وجنوب الجزيرة العربية أثناء القرن السابع عشر الميلادي "، في: دراسات في تاريخ العالم العربي والإسلامي الحديث والمعاصر (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1994)، ص 511.
  5. تشير الوثيقة التالية مثلً إلى تركة أحمد جوربجي النحال حيث ورد له من السويس كميات كبيرة من البن والفلفل والكودة: القسمة العسكرية، س 61، ص 79، م 143، بتاريخ 1064 ه/ 1653 م.

البنّ ثم تلته المنسوجات القطنية الهندية منذ منتصف القرن السابع عشر. والواقع أنّ وصول التوابل لم يتوقّف كما قيل مرارًا بسبب السيطرة الهولندية على هذه التجارة في عام 1038 ه/ 1620 م133. غير أنّ التطوّر الأكبر في التغيّ جاء من دخول البنّ إلى السوق التجارية بصورة كبيرة، والذي أصبح يجد إقبالً كبيرًا في إسطنبول وأوروبا بصورة كبيرة؛ فقد توسّع تجار القاهرة في تجارته بسبب استقرار أسواقه وأرباحه الطائلة. وشهدت بذلك تجارة التوابل تراجعًا كبيرًا في حجمها الوارد عبر البحر الأحمر لفائدة البنّ؛ فمنذ عام 1030 ه/ 1620 م كانت التوابل تشهد تراجعًا في حجم تجارتها الإجمالية عبر البحر الأحمر؛ إذ في تركة الخواجا إسماعيل أبو طاقية شاه بندر التجار وأهمّ تجار القاهرة في التوابل خلال الربع الأول من القرن السابع عشر، لم يترك إسماعيل أبو طاقية إلا سبعة قناطير من الفلفل وخمسة من اللك وكميات قليلة جدًا من القرفة والزنجبيل. بيد أنّ السكّر سيطر على مجمل عامّ التركة؛ فقد ترك أبو طاقية 397 قنطارًا من السكّر. كما ظهر البنّ أيضًا بصورة واضحة. والسؤال الذي يبدو ذا دلالة وأهمية هنا، هو كيف تطوّرت نسبة تجارة البنّ إلى تجارة التوابل من حيث الكميات والأسعار؟ في البداية، علينا أن ندرك أنّ البنّ كان يجد مشكلة أساسية في تسويقه منذ منتصف القرن السادس عشر؛ فلم تكن عملية تسويقه كبيرة، وكانت سوقه لا تزال صغيرة، بينما كان الطلب على التوابل لا يزال كبيرًا. وعليه، فقد كان البنّ يأتي بصورة أقلّ من التوابل في المرتبة سواء من حيث الربح أو سرعة التسويق134. غير أنّ أسواق البنّ عند بداية القرن السابع عشر، كانت في تزايدٍ مستمر، وكانت أسعاره باستمرار في تزايد كبير من جراء تزايد الطلب العالمي عليه. كما كان سعره في القاهرة يراوح بين 7 و 11 دينارًا للقنطار في عام  1003 ه/ 1594 م. بيد أنّ سعر قنطار الفلفل في العام نفسه كان يراوح بين 19 و 22 دينارًا في القاهرة135. وهو ما كان يعني أنّ الاستثمار في التوابل يحتاج إلى ضعف الأموال المستثمرة في البنّ؛ فقد كان قنطار الفلفل يساوي ثمن قنطارين من البنّ في الوقت الذي كان هامش الربح فيهما قد تقارب إلى حدٍ كبير. وعليه، كان الإقبال من التجار يتزايد باتجاه تجارة البنّ بصورة أكبر كلّما تقدّمت السنوات. وعلى الرغم من ذلك، فقد كان حجم البنّ لا يتعدى حوالى 15 إلى 30 % من تركات النخبة التجارية في مصر وتعاملاتها، حتى كانت الفترة الواقعة بين 1042 - 1047 ه/ 1632  -  1637 م عندما انهمك أغلب تجار مصر في تجارة البنّ مع تزايد الطلب العالمي عليه، وتضاعفت أرباح البنّ بعد أن وسّع تجار البحر الأحمر شبكاتهم التجارية باتّجاه إسطنبول وسالونيك وإزمير بدلً من سورات وجوجورات136. وعلى الرغم من تحفّظ الدوائر السياسية الحاكمة في إسطنبول إزاء المحاولات التي بدأ يبذلها الهولنديون ثم الإنكليز من أجل الوصول إلى البحر الأحمر، فقد وجدت السلطات العثمانية أنّ من الحكمة تنشيط الحركة التجارية في الموانئ اليمنية بالسماح للقوى الأوروبية الجديدة بالوصول إلى عدن ومخا، بخاصة وأنّ هذه الدول الأوروبية أظهرت عدم تركيزها على التعصب الديني – على عكس ما كان عليه البرتغاليون – لذلك فقد سمح السلطان العثماني للإنكليز بحرية التجارة في الموانئ اليمنية في عام 1027 ه/ 1618 م، وسمح لهم أيضًا بإقامة وكالة تجارية في مخا، وحدّدت الضريبة على البضائع ب 3.5 % تدفع نقدًا أو عينًا. وفي عام 1029 ه/ 1620 م منح السلطان فرمانًا مماثلً للهولنديين. وأخذت السفن الإنكليزية والهولندية تزور مخا بانتظام دوري في كلّ عام تقريبًا، تحمل معها الأقمشة الهندية والفلفل وجوز الطيب والقرنفل واللبان الجاوي، لتبادله بالبنّ اليمني أو بالنقد من الفضة أو الذهب137. وعلى الرغم من ذلك، لم يكن تجار القاهرة في حاجة كبيرة إلى التوابل التي تراجع الطلب عليها بصورة كبيرة، وظلّت جدة تزوّد القاهرة وإسطنبول باحتياجاتهما من التوابل138.

  1. بروديل، ج 3، ص 594.
  2. القسمة العربية، س 4، ص 395، م 498، بتاريخ 983 ه/ 1575 م.
  3. القسمة العربية، س 10، ص 177، م 275، بتاريخ 1003 ه/ 1594 م.
  4. القسمة العسكرية، س 44، ص 36، م 51، بتاريخ 1044 ه/ 1634 م.
  5. جاكلين بيرين، اكتشاف جزيرة العرب: خمسة قرون من المغامرة والعلم، قدريقلعجي (مترجم)، (بيروت: دار الكاتب العربي، 1963)، ص 85.
  6. يمكننا أن نشير أيضًا إلى تحسّن عمليات طهي الطعام خلال هذه الفترة تحسّنًا ملحوظًا مع تزايد استخدام الأواني النحاسية، إذ أدّى ذلك إلى تراجع استهلاك كميات التوابل تراجعًا كبيرًا.

ومع بداية النصف الثاني من القرن السابع عشر، كانت تجارة البنّ قد تمكّنت من إزاحة التوابل عن عرشها القديم في الهيمنة على حركة التجارة بين الشرق والغرب عبر البحر الأحمر؛ فقد قفزت أرباح البنّ139 إلى ما بين 34 و 74 %140، ما أدّى إلى عزوف التجار في جدة والقاهرة عن جلب التوابل مفضّلين عليها البنّ. ولم يكن ذلك هو التغير الوحيد في شكل العلاقة الاقتصادية مع الشرق، فقد حلّت الأقمشة القطنية الهندية المنقوشة محلّ التوابل في العلاقة بين الهند ومصر. وأصبحت تجد إقبالً كبيرًا في أنحاء الدولة العثمانية وأوروبا141. ومع نهاية القرن السابع عشر، أصبح عدم وصول البنّ أو الأقمشة القطنية الهندية إلى الأسواق العثمانية أو الأوروبية يمثّل أزمة اقتصادية. وبعد البنّ والأقمشة القطنية الهندية، ظلّت التوابل تأتي بصحبة السفن الهندية والهولندية والإنكليزية إلى عدن وجدة142. ولكنّها في النهاية لم تبْق في صدارة المشهد الاقتصادي؛ فقد أصبح البنّ والقطن هما اللذان يحتلّ ن صدارة العلاقات الاقتصادية في البحر الأحمر143. وعلى الرغم من ذلك، فقد ظلت التوابل تصل بكميات كبيرة إلى مصر عبر عدن وجدة، إذ تشير إلى ذلك وثائق الأرشيف المصري، فتؤكّد استمرار تدفّق التوابل عبر جدة. وإن حدث تراجع نوعي في الكميات الوافدة إلى جدة، فإنّ ذلك لم يكن يرجع إلى إحكام الهولنديين سيطرتهم على هذه التجارة كما ذكر المؤرخون الغربيون؛ فتشير الوثائق المحلية إلى استمرار وصول التوابل في الفترات التالية وأن التجار كانوا يقومون بجلب التوابل والأقمشة القطنية الهندية معًا؛ ففي تركة التاجر أحمد بن شحادة المتوفّ في عام 1060 ه/ 1650 م نجد أنّه جلب من جدة 156 قنطارًا من البنّ و 35 قنطارًا من الفلفل. وفي تركة سليم جلبي بن قاسم الجزار الشهير بجلمام المتوفّ في عام 1069 ه/ 1658 م نجد أنّه ورد له من جدة 1590 قنطارًا من البنّ كان سعر القنطار عشرين غرشًا أسديًا144. في حين أنّه ورد له 350 قنطارًا من الفلفل كان ثمن القنطار 15 ريالً أسديًا145. ويبرز ذلك في الواقع تراجع أسعار التوابل في مقابل البنّ، وذلك مع تراجع الإقبال على التوابل أيضًا مما عزز إقبال التجار على جلب البنّ بدلً من التوابل. فمنذ النصف الثاني من القرن السابع عشر، أخذت التوابل في التراجع من حيث الأهمية من المرتبة الأولى إلى المرتبة الثالثة في تجارة البحر الأحمر. وعلى الرغم من ذلك، فقد ظلّ عدد غير قليل من التجار يعمل في الاتجار بها، وظلت التوابل تمثّل في تركات العديد من كبار التجار العاملين في البحر الأحمر حوالى 10 إلى 15 %146؛ ففي تركة الخواجا محمد الوفائي الشهير بالصباغ مثلً كانت التوابل لا

  1. أصبحت مصر تستورد من اليمن في كل عام ما بين مئة ألف ومئة وخمسين ألف قنطار من البن اليمني، كانت تعيد تصدير 75 %سطنبول وبلاد المغرب منها في اتجاه إ العربي وأوروبا، وكان البن في أواخر القرن الثامن عشر يمثّل ثلث الواردات المصرية حوالى 200 مليون بارة، من أصل 830 مليون بارة، وكانت الجمارك المحصلة عليه تمثّل أحد أهم مصادر دخل الإدارة المصرية، (60 مليون بارة): آندريه ريمون، " مصر وقهوة اليمن "، مجلة المعهد الفرنسي للدراسات القانونية والاجتماعية "سيداج"، مجلد 12، القاهرة، 1995، ص 189.
  2. آندرية ريمون، الحرفيون والتجار في القاهرة في القرن الثامن عشر، ناصر أحمد إبراهيم، وباتسي جمال الدين (مترجم)، رؤوف عباس (مراجع ومشرف)، (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2005)، ج 1، ص 269.
  3. القسمة العربية، س 19، ص 355، م 462، بتاريخ 1020 ه/ 1611 م.
  4. القسمة العسكرية، س 117، ص 291، م 402، بتاريخ 1131 ه/ 1718 م؛ نيبور، ص 261.
  5. القسمة العربية، س 42، ص 448، م 686، بتاريخ 1063 ه/ 1652 م.
  6. كلمة ريال من Royal "" بمعنى ملكي، وكان الإسبان أول من تداول هذا النقد في الأسواق التجارية، وقد وردت أقدم إشارة إلى الريال الإسباني تحت اسم الريال الحجر، وهو نقد فضي، وكان قد أطلق اسم الريال في الدولة العثمانية على عملات أوروبية عديدة منها الهولندي والإسباني والنمساوي والفرنسي، وقد سمّى الإسباني بالريال المشط الحجر أو أبو مدفع نسبة لأعمدة هرقل المرسومة على أحد وجهي الريال، بينما سمّي الريال النمساوي أو التالير باسم الريال الحجر أبو طاقة نسبة للنافذة المرسومة على صدر النسر المصوّر على أحد وجهي الريال، وقد أصبح أكثر تداولً في تجارة البحر الأحمر منذ القرن الثامن عشر، وعرف الريال الهولندي بأبي كلب نسبةً للأسد المرسوم على أحد وجهي الريال، وظل الريال الهولندي متداولً فيالأسواق المصرية حتى النصف الثاني من القرن الثامن عشر حين أقصاه الريال الفرنسي والإسباني: أحمد الصاوي، النقود المتداولة في مصر العثمانيةالقاهرة:(مركز الحضارة العربية، 2008)، ص 162؛ ريمون، الحرفيون والتجار، ج 1، ص 104.
  7. دشت، س 178، ص 540، بتاريخ 1069 ه/ 1658 م.
  8. القسمة العسكرية، س 77، ص 392، م 522، بتاريخ 1094 ه/ 1683 م.

الجدول (2) حجم التوابل في تركته.

السلعةالكمية والوزنالثمن بالريال
كودة18 إردب1260 ريالً
لوبان495 قنطارًا2475 ريالً
قرفة385 قنطارًا6930 ريالً
فىلفل91 قنطارًا5060 ريالً
كروركم يمانى24 قنطارًا388 ريالً
صبر28 قنطارًا200 ريال
سم حوت63 قنطارًا945 ريالً
مر102 قنطارًا1342 ريالً
لك16 قنطارًا224 ريالً

لك

تراجعًا كميًا. ولكن لم ينقطع وصولها عبر البحر الأحمر. وكان هذا التراجع يتماشى إلى حدٍ كبير مع الاستهلاك العالمي للتوابل.

النتائج التي ترتّبت عىل عودة تجارة التوابل

تزال تمثّل حوالى 45 %من إجمالي تركته البالغة نحو نصف مليون بارة147، وفي تركة الخواجا محمد بن قاسم الشرايبي الجد الأكبر لآل الشرايبي، والذي توفّ في سنة 1067 ه/ 1656 م كانت التوابل لا تزال تمثّل حوالى 65 %من إجمالي تركته البالغة 29 ألف ريال. ويوضح

الجدول (2)

224ً ريال 16 قنطارًا

المصدر: سجلات محكمة القسمة العسكرية، س 67، ص 138، م 194 بتاريخ 1067 ه/ 1656 م.

وهكذا يوضح الجدول (2) أنّ التوابل لم ينقطع وصولها عبر البحر الأحمر. وتشير تركة الخواجا حدو بن عربي المنجور أيضًا والمتوفّ عام 1133 ه/ 1720 م إلى ذلك؛ فقد ورد له من السويس بصحبة المراكب 490 قنطارًا من الفلفل كانت قيمتها 55354 بارة، والخواجا طاهر بن حدو الزرهوني المغربي التاجر في وكالة الحمزاوي وصل له عند وفاته عام 1131 ه/ 1718 م بصحبة المراكب من جدة 79 قنطارًا من الفلفل إلى جانب كميات أخرى من البخور والقرفة. وعند زيارته مصر في سنة 1178 ه/ 1764 م، أكّد الرحّالة الدنماركي كارستين نيبور Carsten Niebuhr148 استمرار وصول التوابل إلى مصر عبر البحر الأحمر بكميات كبيرة. هكذا شهدت تجارة التوابل

ليس ثمة شكّ في أنّ انتعاش النشاط الاقتصادي للسوق الخارجية كان له أثره الإيجابي في تطوّر السوق المحلية؛ فقد كان يعاد ضخّ أرباح هذه التجارة الخارجية وفوائضها، واستثمارهما في أنشطة اقتصادية داخلية، فقد حرص التجار على استثمار جزء كبير من

  1. القسمة العربية، س 50، ص 415، م 767، بتاريخ 1075 ه/ 1664 م. (1761 / 1767)، مصطفى ماهر (مترجم)، (القاهرة: المطبعة العالمية، 1977)، ج 1، ص 261.
  2. يقول نيبور: "وتحمل السفن القادمة من جدة والقوافل الآتية من مكة الكثير من التوابل المستوردة من الهند"، كارستن نيبور، رحلة إلى بلاد العرب وما حولها

عوائدهم وأرباحهم المالية في النشاط التجاري والصناعي المحلي، وذلك بدافع تنويع نشاطهم التجاري، والعمل في النشاط الاقتصادي الأكثر ضمانًا وإن كانت أرباحه أقلّ. فلا شكّ في أنّ النشاط التجاري المحلي داخل مصر كان أقل عرضةً للخطر؛ فقد شهدت مصر نموّ جماعة تجارية منظمة ارتكزت في وجودها على العديد من المحاور الأساسية، وهي تجارة خارجية نشطة في تجارة التوابل، وتجارة داخلية رائجة في منتجات بلد زراعي كانت سلعه لا تزال محلّ طلب واسع ليس في أوروبا فحسب بل في أنحاء الدولة العثمانية والمغرب وحتى في قلب أفريقيا، حيث شهدت هذه الفترة رواجًا للعديد من المنتجات الزراعية، بخاصة الكتان والسكر149. ومن أجل استثمارٍ أكثر أمنًا وأعلى ربحية، فقد أخذ هؤلاء التجار في استثمار جزء من أموالهم في التجارة الخارجية وتوجيه جزء أساسي إلى التجارة الداخلية وتفعيلها؛ فعملوا على تمويل زراعة قصب السكر وتصنيعه وإعادة تصديره، وموّلوا أيضًا عمليات زراعة الكتان وصناعة الأقمشة الكتانية والحريرية وإعادة تصديرها في مناطق عديدة سواء في أفريقيا أو ولايات الدولة العثمانية150. وكانت مصر قد شهدت منذ الربع الأخير من القرن السادس عشر أزمة اقتصادية من جراء تزايد وفرة النقد وتزايد الإقبال بصورة كبيرة على السلع الغذائية والترفيهية، مثل السكر والبنّ والملابس151. وعليه، فقد كان على أصحاب الثروات من التجار ضخّ مزيد من النقد في القطاع الإنتاجي الزراعي والحرفي من أجل تلبية احتياجات الأهالي المتزايدة. وكان التجار يرون ضرورة تنويع استثماراتهم، بخاصة أنّ الاستثمار الداخلي ظلّ الأكثر أمنًا، وإن كان الأقلّ ربحًا. لذلك فقد تزايدت استثمارات التجار في الزراعة تزايدًا كبيرًا خلال هذه الفترة، حيث قاموا بتمويل زراعة قصب السكر والكتان والقطن والسمسم. وتشير تركات التجار إلى تزايد استثماراتهم في القطاع الزراعي والحرفي بصورة كبيرة خلال هذه الفترة152. فقدّموا للبعض الأموال أو الأدوات اللازمة لهذه الصناعة بأجر ثابت شهريًا153؛ فمثلً نجد في تركة إسماعيل أبو طاقية شهبندر تجار القاهرة العديد من المراجل النحاسية المؤجّرة لأمراء من هؤلاء الملتزمين كما يوضحها الجدول (3.) الجدول (3)

اسم الأميرعدد المراجلالوزن بالقنطارالثمن بالقرش
الأمير دلاور أغا520 قنطارًا300 قرش
الأمير ساغوس19 قناطير179 قرشًا
الأمير بالي بن سليمان1152 قنطارًا886 قرشًا
الأمير مصطفى الدنهاجي415 قنطارًا225 قرشًا
الأمير محرم بن حسين350 قرشًا

المصدر: سجلات محكمة القسمة العسكرية، س 38، ص 113، م 134 بتاريخ 1034 ه/ 1624 م.

  1. القسمة العربية، س 10، ص 321، م 501، بتاريخ 1003 ه/ 1593 م.
  2. القسمة العربية، س 18، ص 269، م 448، بتاريخ 1016 ه/ 1607 م.
  3. أندريه جوندر فرانك، الشرق يصعد ثانية الاقتصاد الكوكبي في العصر الآسيوي، شوقي جلال (مترجم)، (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2000)، ص 231.
  4. القسمة العربية، س 13، ص 251، م 359، بتاريخ 991 ه/ 1583 م.
  5. الباب العالي، س 75، ص 787، م 2893، بتاريخ 1010 ه/ 1601 م.

لم يكن هذا فقط ما قدّمه إسماعيل أبو طاقية لتمويل صناعة السكر، فقد قدّم أبو طاقية نحاسًا قيمته 1790 قرشًا154 لعدد آخر من الأمراء لم يشر إليهم تفصيلً، كما كان لديه في مطبخه تعاقدات لتوريد 1275 قنطارًا من السكر155. ولم يكن أبو طاقية حالة فردية فقد قدّم التجار الكبار العاملون في التجارة الدولية الأموال اللازمة لتنمية هذه الصناعة بصورة واسعة، وأخذت الأموال تنساب من المدينة إلى الريف، وهو ما أدّى إلى تحسّنٍ ملحوظ في إنتاج القطاع الزراعي؛ فقد قدّم التجار الجزء الأكبر من أموال شراء السكر مقدّمًا إلى الملتزمين والفلاحين. وتطلق الوثائق على ذلك "رأس مال سلم شرعي"؛ فمثلً، قدّم الخواجا علي بن محمد الرويعي شاه بندر التجار في مصر مبلغ 1000 قرش (40000 بارة) في عام 1022 ه/ 1613 م إلى الأمير وإلى بن علي كاشف المنوفية، وكان عليه أن يورد له بها 152 قنطارًا من السكّر156. ولم تكن عقود السلم هذه ابتكارًا جديدًا؛ فالقوانين التي تحكمها كانت حددت في الشريعة الإسلامية بوضوح، منذ عدة قرون؛ والمذهب الحنفي مثلً يوجب دفع المال عند كتابة العقد، وتحديد صنف السلعة ومقدارها ونوعيتها إضافةً إلى زمن التسليم ومكانه157. غير أنّ الجديد هنا كان تسجيل هذه العقود في أوراق الدولة الرسمية من خلال المحاكم الشرعية، وعليه، ضمان سلامة هذه المعاملات وحسن أدائها158. إضافةً إلى ذلك، تزايدت استثمارات التجار الكارمية في الصناعات الحرفية الأخرى، وبخاصة صناعة الأقمشة الكتانية159والحريرية والزيوت؛ إذ كانت هذه الحرف تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة لم تكن تتاح غالبًا إلا لدى التجار. لذلك، فقد امتلك أغلب تجار الإسكندرية الكبار ورشًا لصناعة الحرير الخامّ؛ إذ كان يستورد من بيروت وحلب وبورصة160، ليجري تصنيعه وتوزيعه سواء في مصر أو في أفريقيا من أجل جلب الذهب. ووظّف التجار فائض ثرواتهم في شراء ممتلكات وعقارات ووكالات وحوانيت ومعاصر وحمامات وخانات. وهذا ما جعل منهم قوة اجتماعية هائلة أسهمت إسهامًا كبيرًا في تطوير بنية المدن والموانئ العمرانية. وتُظهر سجلات المحاكم الشرعية وحجج الأوقاف أنّ العديد منهم قد قام بإنشاء عدة منشآت معمارية كبرى سواء في ذلك مباني المنفعة العامة ذات الأهمية الكبيرة في حياة المدينة، كالمساجد161 والمدارس والتكايا والأسبلة162، أو القصور والمباني الشخصية163؛ فقد حوّلت ثروة التجار نفسها إلى قوة اجتماعية هائلة من خلال قيامهم بتقديم الخدمات العامة للأهالي داخل المدن المختلفة وبخاصة القاهرة، فقد كان يجري ضخّ جزء مهمّ من فائض هذه التجارة باتّجاه تنمية المجتمع المحلي في مصر. وقد تمثّل ذلك بقيام هذه النخبة التجارية وغيرهم من وسطاء تجارة التوابل بإنشاء العديد من المنشآت الخدمية والحرفية؛ مثل ورش صناعة الحرير والكتان والأفران والطواحين التي تساعد على استمرار الحياة بصورة جيدة في وقت تركت فيه الدولة الخدمات العامة لحياة الناس دون تدخّل كبير164. ولم يقتصر أثر هؤلاء التجار على المدن الكبرى

  1. كان القرش المعروف بالغرش الرومي والمضروب من الفضة يساوي 40 بارة.
  2. محكمة القسمة العسكرية، س 38، ص 113، م 134، بتاريخ 1034 ه/ 1624 م.
  3. االدشت، س 133، ص 620، بتاريخ 1022 ه/ 1613 م.
  4. بشارة دوماني، إعادة اكتشاف فلسطين أهالي جبل نابلس 1700 1900، حسين زينة (مترجم)، (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2002)، ص 166.
  5. القسمة العربية، س 46، ص 336، م 462، بتاريخ 1067 ه/ 1656 م.
  6. القسمة العربية، س 10، ص 321، م 501، بتاريخ 1002 ه/ 1593 م.
  7. إسكندرية الشرعية، س 49، ص 194، م 528، بتاريخ 985 ه / 1577 م.
  8. إسكندرية الشرعية، س 67، ص 108، م 157، بتاريخ 1133 ه/ 1623 م؛ إسكندرية الشرعية، س 58، ص 187، م 333، بتاريخ 1103 ه/ 1691 م.
  9. القسمة العسكرية، س 1، ص 622، م 1267، بتاريخ 969 ه / 1561 م.
  10. القسمة العربية، س 18، ص 538، م 844، بتاريخ 1015 ه/ 1606 م.
  11. إسكندرية الشرعية، س 39، ص 132، م 432، بتاريخ 1031 ه/ 1621 م.

فحسب بل امتد ليشمل تطوّر الزراعة المصرية، والقطاع الريفي العريض من السكان؛ فقد موّل هؤلاء التجار زراعة الكتان والسكر والسمسم وغيرها من الزراعات الصيفية التي احتاجت دومًا إلى مبالغَ واستثمارات كبيرة من أجل زراعتها165. والجدير بالذكر أنّ تجار التوابل قاموا بدور كبير في توفير الأموال للدولة من خلال تمويل الجمارك مسبقًا؛ فكثيرًا ما كانت الإدارة في حاجة إلى الأموال من أجل سداد جوامك (رواتب) الجنود العاملين في القلاع. وتشير محكمة الإسكندرية إلى قيام إدارة الجمارك بتسديد رواتب الجنود دوريًا166. ولجأت الإدارة العثمانية أيضًا إلى هؤلاء التجار من أجل تمويل الحملات العسكرية؛ فمثلً في عام 992 ه/ 1584 م طلب والي مصر إبراهيم باشا قرضًا من تجار القاهرة من أجل الوفاء برواتب جنود الفرق العسكرية. وكان مبلغ القرض 19984 دينارًا. وقد قام شاه بندر التجار الخواجا محمد بن أبي علي بتوزيع دفع هذا المبلغ على كبار التجار، كلّ بحسب مقدرته167. والحقيقة أنّ تجارة التوابل قد أسهمت في تراكم مالي واضح لدى النخبة التجارية التي أطلقت عليها الوثائق الرسمية لقب الكارمية، في القرن السادس عشر والنصف الأول من القرن السابع عشر. وبذلك يمكننا القول إنّ هؤلاء التجار لم يكونوا يقلّون بحال من الأحوال عن أسلافهم في العصر المملوكي؛ فقد أدار هؤلاء التجار نشاطًا اقتصاديًا كبيرًا، إذ كانوا يستوردون من الهند السلع الكارمية نفسها من التوابل المختلفة سواء الفلفل والزنجبيل والنيلة والبخور وغيرها، وكانوا يعيدون تصديرها إلى بلدان البحر المتوسط عبر الإسكندرية. ولم يكن يقتصر هذا الدور على الوساطة فقط، بل تدخّل هؤلاء التجار في إدارة منظومة تجارية متعددة الأطراف؛ إذ قاموا بتمويل جلب الذهب من وسط أفريقيا، عبر السلع المصرية والعثمانية والفارسية والأوروبية، وقاموا بدور كبير في تطوير بنية المجتمع الزراعي والحرفي والعمراني في مصر خلال هذه الفترة.

خاتمة

يمكننا القول إنّ القرن السادس عشر كان بتكوينه الاقتصادي أقرب إلى العصر المملوكي؛ فقد استمرت آليات النشاط التجاري في التوابل بصورة أساسية وعاد التجار الكارمية للظهور مرةً ثانية، فقد قاموا بدور كبير في تمويل زراعة قصب السكر والكتان والصناعات الحرفية، ما أدّى إلى ظهور نخبة تجارية قامت بدور محوري ومؤثّر في التغيرات الاقتصادية والاجتماعية داخل المجتمع المصري، غير أنّه مع منتصف القرن السابع عشر كان البنّ قد حلّ محلّ التوابل بصورة تامة وأزاحها عن عرشها الذي ظلّت تتربع عليه قرونًا خلت. وحلّت زراعة القطن والغلال محلّ الكتان وقصب السكر. وتغيّت إلى حدٍ كبير شبكات التجارة المصرية؛ فبدلً من التمدد في اتّجاه الهند، اكتفت بالوصول إلى اليمن، في حين عملت على التمدد في اتجاه الأناضول والروملي وشرق البحر المتوسط. وهو ما ظهر في تزايد حجم تجارة مصر الخارجية مع الدولة العثمانية منذ منتصف القرن السابع عشر.

  1. بولاق الشرعية، س 49، ص 231، م 547، بتاريخ 1064 ه/ 1653 م.
  2. إسكندرية الشرعية، س 9، ص 63، م 196، بتاريخ 1035 ه/ 1625 م.
  3. الدشت، س 93، ص 439، بتاريخ 992 ه/ 1584 م.

الملاحق

طائفة التجار تعزل شيخ طايفة التعالين في السويس بسبب ضرره بمصالحهم: المصدر/ الباب العالي، س 90، ص 96، م 416؛ م 417،

الخواجا قاسم بن الخواجا أحمد الغزي عين أعيان السادة التجار الكارمية بالديار المصرية المصدر:

الخواجا قاسم بن الخواجا أحمد الغزي عين أعيان السادة التجار الكارمية بالديار المصرية المصدر:
محكمةالقسمةالعسكرية،س 5،ص 467،م 1489
محكمة القسمة العسكرية، س 5، ص 467، م 1489

وثيقة تحث تجار التكرور على الوصول للقاهرة دون أي خوف من المظالم ومصادرة تركاتهم حال وفاتهم.

وثيقة تحث تجار التكرور على الوصول للقاهرة دون أي خوف من المظالم ومصادرة تركاتهم حال وفاتهم.
المصدر سجلات الدشت، س 142، ص 265
الم ل
ة
أن انالت ا الكا
ش اذةالق نط ن
انلخ ا ا ث ان
ت ادقت ا
سا 4 ص 5
رم ج
تصادق تجاري بين الخواجا عثمان بن شحاذة القسنطيني عين أعيان التجار الكارمية مع المعلم جرجس
ممجرجس
عا
ر ي
ي ي ينأ ي نا ج را
ا
نبن
واج
ق ج ريبينا
بقطر القبطي في صفقة من التوابل المصدر: محكمة الإسكندرية الشرعية، س 36، ص 105، م 282

حجة تصادق بين الخواجكي شحادة القسنطيني عين أعيان التجار الكارمية بالإسكندرية وقنصل الفرنسيين بالثغر المعلم غبريال ولد جوان. المصدر محكمة الإسكندرية الشرعية س 36، ص 105، م 282

ي
ك
بالثغر المعلم غبريال ولد جوان. المصدر محكمة الإسكندرية الشرعية س 36، ص 105، م 282
شر ي س 3 ص 5 م
ري
لإ
رم
مم بري لو جو ن
ر
ب
أ
أ
أ
/ال ش 8
ارلم
ا
أ ا ال
ال
أ
خلفاتالخ ا اأ
مخلفات الخواجا أحمد بن أحمد الرويعي من أعيان التجار بمصر: المصدر/ الدشت، س 131، ص 577، م 875

قائمة المصادر والمراجع

المراجع العربية

أباظة، فاروق عثمان. دراسات في تاريخ العالم العربي والإسلامي الحديث والمعاصر، الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1994. أرشيف دار الوثائق القومية بالقاهرة: سجلات محكمة القسمة العسكرية؛ سجلات محكمة الباب العالي؛ سجلات محكمة الصالحية النجمية؛ سجلات محكمة الإسكندرية؛ سجلات محكمة القسمة العربية؛ سجلات محكمة بولاق؛ محافظ الدشت.

أشتور. التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للشرق الأوسط في العصور الوسطى، عبد الهادي عبلة (مترجم)، أحمد غسان سبانو (مراجع)، دمشق: دار قتيبة، 1985.

إبراهيم، ناصر أحمد. الأزمات الاجتماعية في مصر في القرن السابع عشر، القاهرة: دار الآفاق العربية، 1988.

الإسحاقي، محمد عبد المعطي. أخبار الأول فيمن تصرف في مصر من أرباب الدول، ط 1، القاهرة: المطبعة العثمانية، 1304 ه.

بروديل، فرناند. الحضارة المادية والاقتصادية والرأسمالية، مصطفى ماهر (مترجم)، القاهرة: دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، 1994..________ بحوث في التاريخ الاقتصادي، توفيق إسكندر (مترجم)، القاهرة: مطابع دار النشر للجامعات المصرية، 1961.

بيرين، جاكلين. اكتشاف جزيرة العرب خمسة قرون من المغامرة والعلم، قدري قلعجي (مترجم)، بيروت: دار الكاتب العربي، 1963. تشرير، مشيل. "مرسوم تجديد امتيازات طائفة الفرنج الفرانسة والكتيلان في الإسكندرية سنة 935 ه/ 1528 م"، مجلة الروزنامة، العدد 10، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة: 2013.

الجزيري، عبد القادر بن محمد. درر الفرائد المنظمة في أخبار الحاج وطريق مكة المعظمة، محمد حسن محمد حسن إسماعيل (محقق)، بيروت: دار الكتب العلمية، 2002.

جيرار. الحياة الاقتصادية في مصر في القرن الثامن عشر، زهير الشايب (مترجم)، ط 1، القاهرة: الخانجي، 1984.

حسين، سليمان محمد. تجار القاهرة في القرنين السادس عشر والسابع عشر، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2003.

حنا، نللي. تجار القاهرة في العصر العثماني سيرة أبو طاقية شاهبندر التجار، رؤوف عباس (مترجم)، القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 1997..______ حرفيون مستثمرون بواكير تطور الرأسمالية في مصر، كمال السيد (مترجم)، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2011.

دوماني، بشارة. إعادة اكتشاف فلسطين أهالي جبل نابلس 1700 1900، حسني زينة (مترجم)، بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2002.

ذهني، إلهام محمد علي. مصر في كتابات الرحالة في القرنين السادس عشر والسابع عشر، القاهرة: الهيئة العامة للكتاب، 1991. رفعت موسى، محمد. الوكالات والبيوت الإسلامية في مصر العثمانية، ط 1، القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 1993.

ريمون، آندريه. "مصر وقهوة اليمن"، مجلة العهد الفرنسي للدراسات القانونية والاجتماعية "سيداج"، مجلد 12، القاهرة، 1995. عباس (مراجع ومشرف)، القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2005.

سليمان، أحمد السعيد. تأصيل ما ورد في الجبرتي من الدخيل، القاهرة: دار المعارف، 1960.

سليمان، عبد الحميد. تاريخ الموانئ المصرية في العصر العثماني، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1995.

دكتوراه (غير منشورة)، كلية التربية، جامعة بغداد، بغداد، 2005.

للكتاب، 1997.

عامر، عبد السلام. طوائف الحرف في مصر 1805  -  1914، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1993.

العامة للكتاب، 1990.

عبد اللطيف أحمد، ليلى. دراسات فيتاريخ ومؤرخي مصر والشام في العصر العثماني، القاهرة: مكتبة الخانجي، 1980.

للكتاب، 2012.

عثمان، شوقي عبد القوي. التجارة بين مصر وإفريقيا في عصر المماليك، القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2000.

المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1990.

ماجستير، معهد الدراسات الأفريقية، جامعة القاهرة، 1994.

والنشر/ الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2005.

للثقافة، 2000.

.________ الحرفيون والتجار في القاهرة في القرن الثامن عشر، ناصر أحمد إبراهيم وباتسي جمال الدين (مترجم)، رؤوف الشاوي، عبير كريم عبد الرضا. "تجار الكارم، أثرهم الاقتصادي والحضاري من القرن الرابع وحتى القرن التاسع الهجري"، رسالة الشربيني، البيومي إسماعيل. مصادرات الأملاك في الدولة الإسلامية عصر سلاطين المماليك، القاهرة: الهيئة المصرية العامة شومان، محسن علي. اليهود في مصر العثمانية حتى القرن التاسع عشر، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2000.

عبد الرحيم، عبد الرحيم عبد الرحمن. فصول من تاريخ مصر الاقتصادي والاجتماعي في العصر العثماني، القاهرة: الهيئة المصرية عبد المعطي، حسام محمد. العائلة والثروة البيوت التجارية المغربية في مصر العثمانية، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2008.._______________ جدل الموضوعية والذاتية في كتابة تاريخ مصر، ناصر أحمد إبراهيم (محرر)، القاهرة: الهيئة المصرية العامة.______________ تجارة المحيط الهندي في عصر السيادة الإسلامية 41  -  904 ه/ 661  -  1498 م، سلسلة عالم المعرفة، الكويت: عثمان، محمد نصر الدين محمد إبراهيم. "السياسة العثمانية في جنوب البحر الأحمر وساحل الصومال (1538  -  1578)، رسالة الغزي، نجم الدين. الكواكب السائرة في أعيان المائة العاشرة، جبرائيل سليمان جبور (محقق)، بيروت: المطبعة الأميركانية، 1945. الفاسي، الحسن بن محمد الوزان. وصف أفريقيا، عبد الرحمن حميدة (مترجم)، القاهرة: منشورات الجمعية المغربية للتأليف والترجمة فرانك، أندريه جوندر. الشرق يصعد ثانية الاقتصاد الكوكبي في العصر الآسيوي، شوقي جلال (مترجم)، القاهرة: المجلس الأعلى لبيب، صبحي. "التجارة الكارمية وتجارة مصر في العصور الوسطى"، مجلة الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، القاهرة، المجلد الرابع، العدد الثاني، أيار/مايو 1952.

لهيطه، محمد فهمي. تاريخ مصر الاقتصادي في العصور الحديثة، القاهرة: مطبعة التأليف والترجمة والنشر، 1944.

متولي، أحمد فؤاد. دراسات في الأدب والتاريخ التركي المصري، القاهرة: دار الفكر العربي، 1989.

محمد عطا. عثمان علي، الأزمات الاقتصادية في مصر في العصر المملوكي وأثرها السياسي والاقتصادي والاجتماعي 648  -  923 ه/ 1250  -  1517 م، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2002.

مكرو، إريك. اليمن والغرب (1571 1962)، حسين عبد الله الغمري (مترجم)، دمشق: دار الفكر، 1978.

المليباري، أحمد زين الدين المعبري. تحفة المجاهدين في أحوال البرتغاليين، محمد سعيد الطريحي (محقق ومعلق)، بيروت: مؤسسة الوفاء، 1985.

موسنييه، رولان. تاريخ الحضارات العام القرنان 16، 17، يوسف أسعد داغر (مترجم)، بيروت: منشورات دار عويدات، 1987.

ميلاد، سلوى علي. الوثائق العثمانية دراسة أرشيفية وثائقية لسجلات محكمة الباب العالي، الإسكندرية: دار الثقافة العلمية، 2001. نيبور، كارستين. رحلة إلى بلاد العرب وما حولها (1761 / 1767)، مصطفى ماهر (مترجم)، القاهرة: المطبعة العالمية، 1977.

هايد. تاريخ التجارة في الشرق الأدنى في العصور الوسطى، أحمد رضا محمد (مترجم)، عز الدين فوده (مراجع)، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1994.

الوقاد، محاسن محمد. اليهود في مصر المملوكية في ضوء وثائق الجنيزة 648  -  923 ه/ 1250  -  1517 م، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1999.

يانج، روبر. أساطير بيضاء كتابة التاريخ والغرب، أحمد محمود (مترجم)، القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2003.

المراجع الأجنبية

• Braudel, Fernand. La Méditerranée et le monde méditerranéen à l'époque de Philippe II , Paris: Armand Colin, 1966.

• Lane, Fredrik G. "Notes and suggestions, The Mediterranean spice trade", American historical review , vol. Xl,

April, 1973.