العودة إلى تفاصيل المؤلَّف عرض كتاب

عرض كتاب

The Revival of Japan in the Meiji Period from an Arab-Islamic Perspective: A Reading

عزيز العرباوي

Aziz al-Arabawi

الملخّص

تتناول هذه المراجعة عصر النهضة اليابانية المعروفة باسم نهضة ميجي، والتي ساهمت مساهمة كبيرة في صوغ اليابان الحديث، وتأسيس دولة حديثة على جميع المستويات، من خلال مراجعة كتاب أحمد المكاوي الذي عمل على تغطية العديد من الوقائع والحوادث والقضايا التي كانت مثار نقاش واهتمم العديد من الباحثين المنتمين إلى المنظومة الحضارية العربية والإس مااية، والذين تعاطوا مع نهضة اليابان الاقتصادية والاجتمعية وحتى الثقافية، من خلال تنبههم إلى الصعود القوي لليابان في مضمر الرقي قبل انتصارها على روسيا بسنوات طويلة، ومن هؤلاء نجد محمد بيرم الخامس الذي يعدّ أول مؤلّف عربي تطرّق بنوع من التفصيل إلى اليابان بصفتها قطرًا يخطو خطوات نحو التقدم والقوة. فقد تناول محمد بيرم الخامس، ومحمد رشيد رضا انطلاقًا من مجلته "المنار" التي حاولت التنويه بالإمبراطور الياباني والثناء على دوره في النهضة اليابانية والوقوف بندية إزاء القوى الغربية. كم تطرقت المراجعة إلى موضوع إسلام اليابان الذي يراه المؤلف مجرد وهم ارتبط الاعتقاد به بالانتمء المشترك للعالم الإس مااي واليابان إلى الشرق، وما يمكن أن يترتب عليه من امتيازات في العلاقات بين الجانبين، سواء من خلال رحلة علي بن أحمد الجرجاوي التي لم تكن موفقة في تحقيق أهدافها التي رسمت لها ومن بينها نشر الدعوة الإس مااية باليابان، أو مع المصلح والمجدد التتاري عبد الرشيد إبراهيم الذي قام برحلته الأولى إلى هذا البلد بين عامي 1908 و.1910

Abstract

Al- Arabawi offers a reading of Ahmed Al-Makkawi's book on the Meiji Restoration, an era which paved the way for the formation of the modern Japanese state. The Revival of Japan in the Meiji Period covers critical events and issues of interest to many researchers from an Arab-Islamic civilizational perspective, which deal with Japan's economic, social, and even cultural revival. This interest generated among scholars who were alert to the rise of Japanese power, years before its 1905 victory over Russia, and among whom were Mohammed Bayram Al-Khamis, the first Arab writer to examine Japan as a rising power, and Mohammed Rashid Rida, who, in his magazine Al Manar praised the Japanese Emperor for his role in Japanese revival, and his quest to be an equal with Western powers. This reading considers the subject of Islam in Japan and makes reference to the travels of Ali bin Ahmed al-Jarjawi, who failed in his mission of Islamic proselytization in Japan, and to the Tartar reformist and innovator Abdel Rashid Ibrahim, who made his first visit to Japan between 1908 and 1910. From an academic perspective, the author recognizes the existence of a time gap between the Arab Near East and the Maghreb in their approaches to the Japanese revival. He notes the precedence and superiority in the academic studies from the Near East, and finds the Maghreb a latecomer to interest in the Japanese experience.

الكلمات المفتاحية:
  • نهضة اليابان
  • عهد الميجي
  • منظور عربي-إسلامي
  • أحمد المكاوي
Keywords:
  • Revival of Japan
  • Meiji Period
  • Arab-Islamic Perspective
  • Ahmed mekaoui
المؤلف: أحمد المكاوي.
ومي
ؤم
عنوان الكتاب: نهضة اليابان في عهد الميجي من منظور عربي - إسلامي.
الناشر: دار مفاتيح العلوم، المغرب.
سنة النشر: 2013.
عدد الصفحات: 186 صفحة من القطع المتوسط.

لقد كانت نهضة اليابان المرتبطة بعهد الاستنارة والتنوير محط إعجاب عربي – إسلامي، دعا الكثير من المفكرين والمثقفين العرب إلى احتذائها وجعلها قدوة حديثة لمواجهة الغرب القوي والمتقدم على العديد من الأصعدة. وقد مثّلت قدرة اليابان على تحقيق النصر على روسيا القيصرية في حرب 1904  -  1905، منطلقًا لحوادث تطور واضح ومتميز في المنطقة التي تنتمي إليها وفي تاريخها الحديث. كما أن ذلك كان سببًا في خروج العديد من التفسيرات والتحليلات وتجليها بخصوص تقدم هذه الدولة في سرعة مذهلة، فاستمر الانبهار بها خلال مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، خاصة عندما ينظر المرء إلى الإرادة التي تميّز شعب اليابان في النهوض من هزيمة ساحقة وتدمير عظيم، تعرضت لهما اليابان خلال الحرب العالمية الثانية، وإلى القدرة على تجاوز الأزمة والخطر وتحقيق الاستقرار والازدهار والنهضة في زمن قصير. وفي هذا الإطار يتنزل كتاب أحمد المكاوي نهضة اليابان في عهد الميجي من منظور عربي إسلاميالصادر في 2013، والذي يحاول من خلاله الإجابة عن استفهامات كثيرة من أهمها: ما هي تجليات الإعجاب باليابان قبل انتصارها على روسيا؟ وكيف تفاعلت الأدبيات العربية الإسلامية المجايلة لعهد ميجي مع الانتصار الياباني؟ وهل تمكن الكتّاب والمفكرون العرب والمسلمون المجايلون لنهضة ميجي من استيعاب شروطها؟

التفاعل مع نهضة ميجي

يستحضر أحمد المكاوي في هذا المجال بعض الكتّاب والصحفيين المنتمين إلى المنظومة الحضارية العربية - الإسلامية، والذين تنبهوا إلى الصعود القوي لليابان في مضمار الرقي قبل انتصارها على روسيا بسنوات طويلة، ومن هؤلاء نجد محمد بيرم الخامس الذي يعدّ أول مؤلّف عربي تطرق بنوع من التفصيل إلى اليابان بصفته قطرًا يخطو خطوات نحو التقدم والقوة. فقد تناول محمد بيرم الخامس نهضة اليابان عند تعريفه بعدة أقطار من مختلف القارات ضمن مؤلّفه الجغرافي - التاريخي " صفوة الاعتبار بمستودع الأمصار والأقطار "، في الفصل التاسع عشر من المجلد الأول من هذا المؤلَّف. ويشدد محمد بيرم الخامس على أنّ التغير الحاصل في اليابان، قد جاء من داخل الأسرة الحاكمة ولم يذكر ثورة ميجي، فهو يرى أنّ هناك عاملين وراء الاقتداء بالغرب الذي دعا إليه الحاكم الياباني، وهما الوعي بواقع اليابان المتسم بالضعف والتخلف من جهة، والإعجاب بأوروبا ومنجزاتها من جهة ثانية. فقد كان الإجراء الأول الذي قام به الحاكم هو "اختبار مدى تفاعل اليابانيين إيجابيًا مع التغيير، هو الزي، إذ أوعز إلى الموظفين ورجال السلطة بارتداء اللباس على النمط الأوروبي، وبما أنه لم يحصل اعتراض على ذلك بل استحسان، فإنّ الميكادو بدل زيه كذلك، دليلً على النجاح في أول اختبار، وهذا ما يمكن نعته بالتغيير المتواتر حاليًا، تكسير الحاجز النفسي" (ص. 10) يذكر المؤلّف أنّ الحاكم الياباني بعد أن نجح في أول خطوة أقدم عليها رغم بساطتها، فقد كانت مقدمة لسلسلة من الإجراءات التي همّت قطاعات مختلفة من الحياة كالتعليم،

والتجنيد، والاقتصاد، والتجهيزات والبنى التحتية، واستقدام الأطر الأجنبية، وإيفاد البعثات الدبلوماسية.. إلخ، إذ إنّ محمد بيرم الخامس لم "يقمْ بإخضاع هذه الإجراءات لتراتبية معيّنة، لأنها تمّت دفعة واحدة وبكيفية تكاملية، بمعنى أنّ أي عملية إصلاح أو تحديث قطاع معيّ كانت تسند بإجراء مماثل في قطاع آخر" (ص. 11) يرى أحمد المكاوي أنّ محمد بيرم الخامس قد أسس رؤية سادت في الكتابات العربية الإسلامية بشأن نهضة اليابان، وهي النظرة العجائبية - الانبهارية التي تجد ما يماثلها في سائر الأدبيات العربية بل والدراسات الأكاديمية إلى الوقت الراهن. فقد أسس هذا الخطاب ثلاثة ثوابت ظلت مهيمنة في الأدبيات العربية الإسلامية، وهي التعجب والانبهار، والطفرة والتقدم السريع، والتغيير من أعلى أي التغيير الفوقي. لكنّ الكاتب يردّ على محمد بيرم الخامس بملاحظات حول ما أورده هذا الأخير في مؤلفه، بأنّ اليابان كانت غنية بالمعادن، بينما هي كانت تعاني دومًا من نقص فظيع في المواد الطاقية والأولية، أو حديثه عن ملك اليابان، والصحيح هو الإمبراطور أو الميكادو، موضحًا أنّ محمد بيرم قد استعان بمصطلحات من الحقل المعرفي العربي الإسلامي. كما أنه إبّان تغطيته التدخل الأجنبي في اليابان لم يشرْ إلى الولايات المتحدة الأميركية، علمًا أنها هي التي فتحت اليابان قسرًا. يذكر المؤلّف أيضًا بعض الصحف والمجلّت التي واكبت أخبار اليابان ونهضته منذ التأسيس، مثل مجلةالمنار لمحمد رشيد رضا، إذ عملت على التنويه بالإمبراطور الياباني والثناء على دوره في النهضة اليابانية والوقوف بندية إزاء القوى الغربية. لقد ترك هزمُ اليابان روسيا في حرب 1904  -  1905 صدىً في الأدبيات العربية - الإسلامية المجايلة، ويرى المكاوي أنه يمكن تفسير هذا الاحتفاء والصدى بالنصر الياباني على روسيا القيصرية بمجموعة من العوامل، أهمها أنه أول هزيمة تلحقها أمّة شرقية بأمّة غربية قوية، واتخاذ هذا النصر أداة للتعبئة والتحفيز على الاقتداء باليابان في مواجهة الغرب، وأنه يعبّ عن التشفي في روسيا القيصرية بما أنّها العدو اللدود لأكبر دولة إسلامية وهي الخلافة العثمانية. لقد كانت رحلة الأمير محمد علي باشا عام 1909 التي ألفَ فيها كتابًا مليئًا بالمشاهدات والانطباعات والآراء والمواقف عن التقدم الياباني، رحلة يهدف من خلالها تمرير رسالة معيّنة، خدمة للإنسانية وللعرب والمسلمين. ويرى المؤلّف أنّ هذه الرحلة تحفل بتفاصيل متنوعة عن اليابان، بدءًا بتقديم نُبَذ تاريخية عن مدن اليابان، مرورًا بكل المعلومات التي تتعلق بالحياة اليومية للفرد الياباني، انتهاءً عند الأمور الاقتصادية والسياسية والثقافية في الدولة. ومن هنا يخلص الأمير إلى تحديد العوامل المفسرة للنهضة اليابانية ومنها النظام، والتشبث بالوطنية وخدمة الوطن، والدقة والسرعة في إنجاز الأعمال، والحب الشديد للعمل والتعود عليه منذ الصغر، وامتهان جل اليابانيين الحرف والصنائع، والقابلية للأخذ عن الآخر وعدم النفور منه، والقدرة على تحويل الضغط إلى حافز، والدور المركزي للحاكم في التغيير.

وهْم إسلام اليابان

يؤكد المكاوي أنّ إسلام اليابان لم يكنْ الهمّ الوحيد المسيطر على الأذهان، بل ارتبط به وهم جديد تجلّ في الاعتقاد بالانتماء المشترك للعالم الإسلامي واليابان إلى الشرق، وما يمكن أن يترتّب عليه من امتيازات في العلاقات بين الجانبين. وفي هذا الصدد، يذكر المؤلّف، رحلة علي بن أحمد الجرجاوي التي كانت عبارة عن مشاركة في مؤتمر الأديان الذي انعقد باليابان عام 1906، إذ عمل الجرجاوي في مداخلته على القدح في معتقدات اليابانيين ونزع صفة العقلانية عنها، عادًّا الدين الثغرة الأكبر في تمدن اليابان. كما رفع من مستوى الذمِّ في خطابه في أشغال المؤتمر بأسلوب انفعالي واستعلائي يسفّه معتقداتهم، ويصنّفهم في خانة الزيف والضلال، مع دعوتهم إلى نبذ معتقداتهم واعتناق الإسلام. فكتب الجرجاوي صاحب الرحلة بأسلوب احتفالي مغال فيه "عن

نجاحه في إدخال اليابانيين إلى الإسلام في فترة محدودة مقارنًا بإخفاقاته غيره من الدعاة المسلمين، مستحضرًا كذلك فشل المبشرين بالعقائد الأخرى، راسمًا صورة لمستقبل الإسلام في هذا القطر الأسيوي" (ص. 60) يرى المؤلف أنّ الأمير محمد علي باشا كان ممّن توهّموا الحصول على مكسب، ولو بروتوكولي، من تقاسم الانتماء الشرقي مع اليابان، لكنه وقف على ما بدد وهمه، إذ ظنَّ الأمير كونه من مصر وهو بلد شرقي يخوله مقابلة الإمبراطور الياباني من دون عوائق، لكنه سرعان ما تبين له زيف هذا الاعتقاد. ففي رحلته التي ألفها بعد 1909، لم يشرْ إلى الحضور الإسلامي كيفما كان حجمه على الخارطة الدينية باليابان، خلافًا للجرجاوي الذي ردد إسلام بضعة آلاف من اليابانيين على يده قبل ثلاثة أعوام فقط من رحلة الأمير محمد علي. وفي إطار تصحيح صورة الإسلام والمسلمين في الأوساط اليابانية، يذكر المكاوي المصلح والمجدد التتاري عبد الرشيد إبراهيم الذي قام برحلته الأولى إلى هذا البلد بين عامي 1908 و 1910، ثم استقر نهائيًا من 1933 إلى حين وفاته 1944. إذ قام بترجمة القرآن إلى اللغة اليابانية، ونشر مقالات على أعمدة الصحف اليابانية للتعريف بالإسلام، إضافة إلى خطب ألقاها في مناسبات ومحافل متنوعة كانت الغاية منها إبراز عناصر التقارب الياباني - الإسلامي. وكان عبد الرشيد إبراهيم مدركًا أهمية المسألة الدينية في اليابان، ويؤكد المكاوي ذلك بوجود أسباب موضوعية منها "تنافس الإرساليات التبشيرية لاستقطاب اليابانيين، في خضم انفتاح بلادهم على الأفكار والمعارف إبان عهد ميجي، وحزَّ في نفس عبد الرشيد عدم توافر مؤلفات باللغة العربية لشرح العقيدة الإسلامية، بينما تنشط البعثات التبشيرية في رسم صورة قاتمة وغير سليمة عن الإسلام وتقديمها، ولذلك حثَّ الحكام في البلاد الإسلامية على بعث الإرساليات إلى اليابان" (ص. 67) وتعدّ مجلة المنار أول مؤسسة إعلامية عربية وإسلامية تهتم بإسلام اليابان، بالنظر إلى التوجه العام لهذه المجلة المرتكز على الدعوة إلى الإصلاح من منظور سلفي نهضوي. فقد تمنت إسلام اليابان، وعقدت على ذلك آمالً وتمنيات كثيرة كعدد من المسلمين بكل تجلياتهم الفكرية والسياسية. وقد تنبهت " المنار " إلى أنّ الدافع للخوض في إسلام اليابان في المجمل دافع سياسي وليس لباعث ديني محض"، وفي ذلك جاء كتاب لويس شيخو الآداب العربية في الربع الأول من القرن العشرين، يشرح هذا الأمر، أي أنّ الدافع وراء الخوض في مسألة إسلام اليابان مرجعه الدافع السياسي لا غير، إذ يقول المؤلّف: "إنّ ما تطلبونه بدعوة هذه الأمّة (اليابان) إلى الإسلام هو الاعتزاز السياسي بهم والتمتّع العاجل بحمايتهم" (ص. 74)

المنظور الأكاديمي لنهضة ميجي

إنّ الأساس الثابت في كل مقاربات الدارسين والمفكرين العرب لنهضة اليابان في عهد ميجي، هو الاستحضار الواعي وغير الواعي لحقيقة العالم العربي - الإسلامي، وبذلك كان حضور المقارنة الصريحة أو المضمرة هي القاسم المشترك والهاجس الحقيقي عندهم. ويرى المؤلّف أنّ الانطباعية ظلت حاضرة في العديد من المقاربات والدراسات الأكاديمية لنهضة ميجي، وهذا يعني أنه لم تظهر قطيعة تامة في شأن الرؤية الفكرية العربية الإسلامية لهذه النهضة. يؤكد أحمد المكاوي وجود تفاوت زمني وتراكمي، بين المشرق والمغرب في مقاربة النهضة اليابانية، بحيث يلاحظ وجود سبق وامتياز بين الدراسات الأكاديمية بين المشرق والمغرب، فهو يجد أنّ المغرب متأخّر في الاهتمام بالتجربة اليابانية، ما عدا استثناءات قليلة جدًا، إذ لم ينخرط الأكاديميون والمفكرون والكتاب المغاربة في مناقشة إشكالية النهضة اليابانية إلّ في وقت متأخّر وبنسق متقطع أو عرضي.

1 لويس شيخو، الآداب العربية في الربع الأول من القرن العشرين (بيروت: المطبعة الكاثوليكية، 1926)، ص 94.

وفي هذا الإطار، يذكر المؤلّف، الكاتب المصري رؤوف عباس (ت. 2008) الذي يُعدّ من أبرز الدارسين المعاصرين الذين قاربوا النهضة اليابانية من منظور تاريخي محض. فقد خصّص لنهضة ميجي العديد من الأبحاث والدراسات، إذ أنتج في أواسط السبعينيات دراستين نشرهما في المجلة التاريخية المصرية، كانتا منطلقًا لتأليف كتابه المجتمع الياباني في عصر ميجي 1868  -  1912، فقد درس فيه "بنفس تحليلي عميق، آليات التحديث في اليابان، والحركات السياسية والتيارات الفكرية المحددة لمسار التاريخ الياباني الحديث والمعاصر، وما استتبعها من تغيرات في البناء الاجتماعي والعادات والتقاليد والقيم، وبصفة إجمالية، كل ما أسهم أو ساعد على خلق مناخ التغيير الملائم الذي عرفه المجتمع الياباني، إنها دراسة تاريخية دقيقة" (ص. 93) بينما كان المفكر الفلسطيني هشام شرابي (ت. 2005) من بين المفكرين الذين لم يألّفوا كتبًا في التجربة اليابانية، ولكنه استحضرها في العديد من أعماله سواء في كتبه أم في مقالاته أم في حواراته، ذلك أنّ هشام شرابي قد استدعى اليابان ومثقفيها للمقارنة الصريحة في كتابه المثقفون العرب والغرب، حيث يؤكد على وجود أوجه تماثل بين اليابان والعرب في مواقف وأوضاع، منها العداء المشترك للمفكرين إزاء الغرب في مرحلة من المراحل، كما أبرز ردود الفعل الإيجابية جدًا لدى العرب في شأن انتصار اليابان على روسيا. وعالج الدارس المصري الباحث في العلوم السياسية عبد الغفار رشاد في كتابه التقليدية والحداثة في التجربة اليابانية، كما يعبّ عن ذلك المؤلف في الصفحة 104 وما يليها، إشكالية التقليدي والحداثي أو الأصالة والمعاصرة في النموذج الياباني. إذ أكد تنوع عناصر الحداثة في اليابان واختلاف كيفية نقلها إلى هذا المجتمع، ومنها المحدد الجغرافي وعزلتها وتحصينها من الغزو الأجنبي، والاندفاع إلى الإنجاز الاقتصادي وإلى مزيد من الحداثة تحت تأثير سيكولوجية الحرمان، والنأي عن التبعية المالية للغرب، وتأسيس قاعدة تعليمية صلبة. ويذكر المكاوي أيضًا، المفكر التونسي هشام جعيط الذي خصّص ضمن مؤلّفه أزمة الثقافة الإسلامية فصلً عن تقدم اليابان وتعثر العرب، إذ أجرى من خلاله مقارنة بين فشل المشروع النهضوي العربي، ونجاح اليابان في الترقي ودخول المدنية والقوة. كما أكد الطابع الفريد الاستثنائي للنهضة اليابانية، وعقد مقارنات كثيرة بين اليابان والعالم العربي من جهة، وبين اليابان وأقطار أوروبية من جهة أخرى، همت العديد من المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ويُعدّ أستاذ التاريخ في الجامعة اللبنانية، مسعود ضاهر، من الباحثين العرب المتخصصين في الشؤون اليابانية، من خلال إقامته في اليابان لمدة عشرة أشهر، فقد شارك في العديد من الأبحاث والندوات والرحلات العلمية في هذا البلد، وقد أصدر كتابه العرب واليابان: أضواء على تجربة التحديث اليابانية ويورد المؤلف العديد من الإشارات والأفكار المتعلقة برؤيته لثورة ميجي وعقيدة الشنتو من خلال حديثه عن موضوع له من الأهمية الكثير، وهو "إشكالية الدين والدولة في نهضة ميجي"، فيركز على تجربة التحديث في اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، محاولً إبراز سماتها الكبيرة، كما قارب التحولات المهمة في علاقة الدين بالدولة منذ عام 1600 إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية. ويستحضر المؤلف المفكر المصري أنور عبد الملك الذي قارب النهضة اليابانية بدقة وشمولية بحكم عمله أستاذًا زائرًا في الجامعات اليابانية، فقد درس تجربة التحديث اليابانية في كتابه ريح الشرق، عادًّا ميجي حركة ثورية قوّت دينامية المجتمع، وشجعت على إطلاق الطاقة القومية، مصنفًا هذه الحركة الثورية في نطاق الثورة الثقافية من أجل إنشاء دولة عصرية. ولقد حاول أنور عبد الملك أن يدرس "في التراكم الخاص بالدراسات العربية عن النهضة اليابانية كمًّا ونوعًا، وأهم ما يمكن استحضاره في إسهامه النوعي، تشديده على محدودية الدين في النهضة اليابانية، وربما هذا ما يجعلها على مسافة مهمة من التجارب النهضوية العربية، إذ طغى عليها بقوة الهاجس الديني. يضاف إلى هذا قدرة الباحث [...]، على توظيف واحد من أكثر المفاهيم تداولً ولبسًا في الآن ذاته، وهو مفهوم الخصوصية المتعددة الأبعاد" (ص. 127)

المغرب ونهضة ميجي

يرى أحمد المكاوي أنّ المقاربة بين اليابان والمغرب ظلت في شأن الاستفادة من الإرساليات التعليمية إلى أوروبا، مهيمنة بطريقة تكاد تكون كلية على ما تمًّ إنتاجه في المغرب عن نهضة اليابان سواء لدى المعاصرين لها أو من الجيل الحالي وخاصة الأكاديمي منه. ويعتقد أيضًا أنه لا يمكن إنكار محدودية المساهمة المغربية في التراكم العربي الإسلامي حول النهضة اليابانية في عهد ميجي، قياسًا بما راكمه مفكرون وباحثون من أقطار عربية أخرى. وفي هذا الصدد، يستحضر مشروع علي زنيبر السلوي الذي يُعدّ أول من استحضر من النخبة المغربية التجربة النهضوية اليابانية في محاولة لإقناع المخزن المغربي بضرورة إدخال إصلاحات سياسية ودستورية على منظومته السياسية. ثم مشروع عبد الكريم الطرابلسي الذي قام على تهيئة الأذهان لتقبل الاحتذاء بدولة وثنية (اليابان) كما كان رائجًا آنذاك، فقد استحضر كل العناصر المختلفة التي مكنت اليابان من الترقي السريع، كالانفتاح على أوروبا في الأمور الإيجابية. ويذكر المؤلف أيضًا، صحيفة لسان المغربالتي دعت إلى تبني الدستور والحياة النيابية في المغرب والاستناد في ذلك إلى النموذج الياباني. ثم محمد السليماني الملقب بابن الأعرج، والمؤرخ عبد الرحمان بن زيدان، وعبد الهادي بوطالب، والدكتور المهدي المنجرة الذي دعا إلى الترجمة والقضاء على الأمية والاقتداء باليابان في ذلك الأمر. إضافة إلى المفكرين الأكاديميين من أمثال جرمان عياش، ومحمد عابد الجابري، وعبد السلام المودن. لقد تمكن المكاوي في هذا الكتاب القيم من إبراز مختلف التفسيرات في مسألة ترقي اليابان وتقدمها الملحوظ، في محاولة للإقناع بضرورة تبني النهج الياباني، إذ يخلص إلى أنّ أغلب هذه التفسيرات لم تخلُ من الانطباعية والانفعالية، فقد ساد أغلب الأدبيات والدراسات العربية والإسلامية حول نهضة ميجي حضور هاجس المقارنة بين اليابان والعالم العربي والإسلامي. وبصرف النظر عن تفاوت المقارنات فيما بينها، فإنّ المؤلف يستنتج في النهاية عناصر متعددة تقود إلى تفسير نهضة ميجي بصفتها التوليفة الناجحة بين المحلي والوافد، والتماسك الإثني، والانصهار القومي للشعب الياباني. كما أنّ تعميم التعليم وإجباريته قد ساهم كثيرًا في محو كلي للأمية، في حين كان التخلص الفوري من الديون الأجنبية والسيطرة عليها، والانزواء الجغرافي لليابان ودخوله متأخرًا المجابهة مع الغرب طريقًا سالكًا نحو تحقيق الذات اليابانية، وتقوية الوجود الياباني عالميًا. بينما كان لوجود طبقة أو أكثر لها مصلحة في تغيير الأوضاع، وغياب البعد الديني أو محدوديته في الأخذ عن الغرب والتعامل معه، وردم الهوة الصناعية والتكنولوجية التي كانت تفصل اليابان عن الغرب في مدة يسيرة، عناصر أساسية في تحريك العجلة الثقافية والاقتصادية في اليابان، وبناء الدولة الحديثة. أما أهمية الحاكم الميكادو وحاشيته في تبنّي الإصلاح والتحديث والدفع بهما إلى الأمام، وأهمية الإصلاح السياسي وإقرار الدستور في إنضاج النهضة، فقد كانا أساسي البناء الديمقراطي في اليابان وتأسيس نظام سياسي جديد قادر على منافسة الأنظمة الديمقراطية القوية في العالم. وفي الختام، نخلص إلى أنّ نهضة ميجي قد مثّلت بالنسبة إلى اليابان دولة ومجتمعًا الطريق السالكة نحو التقدم الاقتصادي والاجتماعي الذي صارت اليابان تنافس به العديد من البلدان الديمقراطية القوية اقتصاديًا على مستوى العالم كله. ولا يمكننا أن ننكر الدور الكبير لهذه النهضة في تأسيس فهم جديد للسلطة السياسية والاجتماعية التي استمرت لمدة طويلة كانت كافية لجعل الشعب الياباني من الشعوب المحترمة عالميًا، والتي تمثل النموذج الأفضل لباقي شعوب العالم، وبالخصوص للشعوب العربية التي هي في حاجة إلى ثورة ثقافية واجتماعية، تقطع مع كل أنماط السلوك الثقافية المرتبطة بالفكر المتخلف والأمية والتموقع في ذيل المراتب على كافة المستويات.