العودة إلى تفاصيل المؤلَّف دراسات التابع والتأريخ ما بعد الكولونيالي

دراسات التابع والتأريخ ما بعد الكولونيالي

Subaltern Studies and Postcolonial Historiography

ديبيش شاكرابارتيDipesh

Chakrabarty

ترجمة: ثائر ديب

Deeb *Thaer

الملخّص

يتقصى البحث الأجندة التأريخية الأصلية ل دراسات التابع، عند ملهمها راناجيت جحا خصوصًا، ويرى أنّها لم تكن مجرد نسخة أخرى من التاريخ الماركي الراديكالي، على النحو الذي كان عليه التقليد الإنكليزي الماركي في كتابة "التاريخ من أسفل"، بل كانت تتّسم أصلً، وبالضرورة، بنظرةٍ ما بعد كولونيالية، وزادها تعمقًا اتصالها بنقد الاستشراق لدى إدوارد سعيد، وبتفكيكية غاياتري سبيفاك، وتحليل هومي بابا للخطاب. طرحت دراسات التابع، منذ انطلاقتها، أسئلة حول كتابة التاريخ، وجعلت الافتراق الجذري عن التقاليد التأريخية الماركسية الإنكليزية أمرًا لا مفرّ منه. وتتركّز المناقشة في هذا البحث على كتابات يمكن عدّها النصوص المؤسِّسة للمشروع، لتبيان أنَّ دراسات التابع لم تكن مجرد أخذٍ لطرائق البحث التاريخي التي سبق أن صاغتها تقاليد "التاريخ من أسفل" الماركسية. صحيح أنَّ دراسات التابع كانت في جانب منها سليلة هذا النَّسَب، لكن طبيعة الحداثة السياسية في الهند الكولونيالية جعلت من هذا المشروع في كتابة التاريخ شيئًا لا يقلّ عن نقد فرع التاريخ الأكاديمي، ذلك النقد المُلْزِم الذي لا مناص منه. كلمت مفتاحية: الرأس لااية، ثورة الفلاحين، الجمعات المسيطرة، التاريخ من أسفل، مدرسة كامبردج، الماركسية، تاريخ الهند.

Abstract

The author focuses on Subaltern Studies, and pays particular attention to Neo-Marxist Ranajit Guha, widely credited wish establishing this field. The author further argues that subaltern studies would escape the confines of Marxism and would found itself inescapably linked with post-colonial studies. This, suggests the paper, means that subaltern studies in fact surpassed a tradition of writing "history from below", which had been pioneered by British Marxist writers. It instead had a post-colonial view, linked to Edward Said’s critique of orientalism, as well as to Homi Bhabha’s discourse analysis and Gayatri Spivak’s ideas. From its onset, Subaltern Studies has asked questions about the methods of writing history, and separated inevitably from the traditional English Marxist method of chronicling working-class history. While Subaltern Studies indeed descended from this tradition, it quickly became a critique of the academic field of history.

الكلمات المفتاحية:
  • الرأسمالية
  • ثورة الفلاحين
  • الجماعات المسيطرة
  • التاريخ من أسفل
  • مدرسة كامبردج
Keywords:
  • Capitalism
  • Peasant rebellions
  • Ruling classes
  • History from below
  • Cambridge School
  • Marxism
  • History of India

يتقصى البحث الأجندة التأريخية الأصلية ل دراسات التابع، عند ملهمها راناجيت جحا خصوصًا، ويرى أنّها لم تكن مجرد نسخة أخرى من التاريخ الماركي الراديكالي، على النحو الذي كان عليه التقليد الإنكليزي الماركي في كتابة "التاريخ من أسفل"، بل كانت تتّسم أصلً، وبالضرورة، بنظرةٍ ما بعد كولونيالية، وزادها تعمقًا اتصالها بنقد الاستشراق لدى إدوارد سعيد، وبتفكيكية غاياتري سبيفاك، وتحليل هومي بابا للخطاب. طرحت دراسات التابع، منذ انطلاقتها، أسئلة حول كتابة التاريخ، وجعلت الافتراق الجذري عن التقاليد التأريخية الماركسية الإنكليزية أمرًا لا مفرّ منه. وتتركّز المناقشة في هذا البحث على كتابات يمكن عدّها النصوص المؤسِّسة للمشروع، لتبيان أنَّ دراسات التابع لم تكن مجرد أخذٍ لطرائق البحث التاريخي التي سبق أن صاغتها تقاليد "التاريخ من أسفل" الماركسية. صحيح أنَّ دراسات التابع كانت في جانب منها سليلة هذا النَّسَب، لكن طبيعة الحداثة السياسية في الهند الكولونيالية جعلت من هذا المشروع في كتابة التاريخ شيئًا لا يقلّ عن نقد فرع التاريخ الأكاديمي، ذلك النقد المُلْزِم الذي لا مناص منه. كلمت مفتاحية: الرأس

لااية، ثورة الفلاحين، الجمعات المسيطرة، التاريخ من أسفل، مدرسة كامبردج، الماركسية، تاريخ الهند.

The author focuses on Subaltern Studies, and pays particular attention to Neo-Marxist Ranajit Guha, widely credited wish establishing this field.. The author further argues that subaltern studies would escape the confines of Marxism and would found itself inescapably linked with post-colonial studies. This, suggests the paper, means that subaltern studies in fact surpassed a tradition of writing "history from below", which had been pioneered by British Marxist writers. It instead had a post-colonial view, linked to Edward Said’s critique of orientalism, as well as to Homi Bhabha’s discourse analysis and Gayatri Spivak’s ideas. From its onset, Subaltern Studies has asked questions about the methods of writing history, and separated inevitably from the traditional English Marxist method of chronicling working-class history. While Subaltern Studies indeed descended from this tradition, it quickly became a critique of the academic field of history.

باحث ونائب مدير وحدة ترجمة الكتب في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات - لبنان. Researcher and deputy director of the book translation unit, Arab Center for Research and Policy Studies, Lebanon.

مقدمة5

) Subaltern Studies: Writings on Indian History and Society (دراسات التابع: كتابات في التاريخ والمجتمع الهنديين بدأتْ في عام 982 1 على هيئة سلسلة من التدخلّات في بعض النقاشات المتعلقة بكتابة التاريخ الهندي الحديث11. وكان ملهمها هو

راناجيت جحا Guha Ranajit (1923 -)، المتخصّص بتاريخ الهند الذي كان يدرّس حينئذ في جامعة سَسِكْس. وتألّفت هيئة تحرير

دراسات التابع، حتى عام 988 1 الذي تقاعد فيه جحا من الفريق، من جحا وثمانية من الباحثين الشباب المقيمين في الهند والمملكة المتحدة وأستراليا13. وبات للسلسلة الآن حضور عالميّ يتخطّى الهند أو جنوب آسيا كنطاقٍ للتخصص الأكاديمي. وتجاوز مداها الفكري

ذلك المدى الذي يبلغه فرع التاريخ؛ إذ أبدى منظّرون ما بعد كولونياليين من خلفيات تخصصية مختلفة اهتمامًا بهذه السلسلة. وكثيرًا

ما نوقشت، مثلً، تلك الطرائق التي ساهم بها كتّاب دراسات التابعفي الانتقادات المعاصرة للتاريخ والقومية والاستشراق والمركزية

الأوروبية وما أدّوه من دورٍ في بناء المعرفة العلمية الاجتماعية. وبالمقابل، كانت هنالك أيضًا مناقشات ل  دراسات التابعفي كثيرٍ من

الدوريات المعنية بالتاريخ وعلم الاجتماع. ونُشَِت مختارات من السلسلة باللغات الإنكليزية والإسبانية والبنغالية والهندية وهي قيد الصدور بالتاميلية واليابانية. وتأسست جمعية أميركية لاتينية لدراسات التابع في أميركا الشمالية في عام 992 1. ولا نجافي الصواب لو قلنا إنّ تعبير "دراسات التابع" الذي سبق أن كان اسم سلسلة من المنشورات تتناول التاريخ الهندي، بات الآن تسمية عامة لحقل من الدراسات غالبًا ما يُنظر إليه على أنه وثيق الصلة بما بعد الكولونيالية. كيف أمكن لمشروعٍ بدأ كتدخّلٍ محدَّدٍ ومركَّزٍ في الفرع الأكاديمي المعنيّ بالتاريخ (الهندي) أن يقترن بما بعد الكولونيالية؛ ذلك

الميدان من الدراسات الذي موطنه الأصلي أقسام الأدب؟ أحاول الإجابة عن هذا السؤال من خلال مناقشة الكيفية والمعنى اللذين يمكن بهما أن يُنْظَر إلى دراسات التابعكمشروع ما بعد كولونيالي في كتابة التاريخ. وعليَّ أن أوضح هنا أنّ تركيزي على العلاقة بين ما

بعد الكولونيالية والتأريخ يغفل المساهمات التي قدَّمتها فروعٌ أخرى إلى حقل دراسات التابع؛ مثل العلوم السياسية والدراسات القانونية

والأنثروبولوجيا والأدب والدراسات الثقافية والاقتصاد. وما يحفز هذا المقال هو سؤال يتركّز على فرع التاريخ: ما الطرائق التي يمكن بها قراءة الأجندة التأريخية الأصلية ل دراساتالتابعبوصفها ليست مجرد نسخة أخرى من التاريخ الماركسي/ الراديكالي بل على أنّها تتّسم

بنظرةٍ ما بعد كولونيالية بالضرورة؟ وأنا أركّز على فرع التاريخ لسببين: أولهما، أنَّ العلاقة بين حقل الكتابة ما بعد الكولونيالية الجديد والتأريخ لم تحظ إلى الآن بالاهتمام الذي تستحقه، وثانيهما، هو الردّ على المنتقدين الذين يرون أنَّ دراسات التابعكانت ذات يوم

1 شكري العميق لكلّ من راناجيت جحا وآن هاردغروف وسانجاي سيث والزملاء في دراساتالتابع على النقاشات التي أعانتني في كتابة هذه المقالة التي ستظهر نسخة

باكرة منها في مختارات حول الدراسات ما بعد الكولونيالية تنشرها "بلاكويل" Blackwell، في المملكة المتحدة. (هذا النص ترجمة للنص الأصلي المنشور عام 000 2، في:

المترجم).- Dipesh Chakrabarty , " Subaltern Studies and Postcolonial Historiography ," Nepantla: Views from South ,Volume 1 , Issue 1 (2000), pp. 9 - 32

2 أكتب دراسات التابععلى هذا النحو، بخطّ ثخين، حين تشير إلى مجلدات السلسلة التي تحمل هذا الاسم أو إلى السلسلة ذاتها. أمّا حين تَرِد بخطّ عادي، دراسات

التابع، فهي تشير إلى المشروع الفكري الذي انطوت عليه أو إلى حقل الدراسات الذي عُنيَت به أو إلى هيئة تحريرها.

3 تتألّف هيئة التحرير الآن من الأعضاء التالية أسماؤهم: شهيد أمين Amin Shahid، ديفيد أرنولد DavidArnold، غوتام بادرا Bhadra Gautam،

ديبيش شاكرابارتي Chakrabarty Dipesh، بارتا شاترجي Chatterjee Partha، ديفيد هارديمان Hardiman David، سوديبتا كافيراج Kaviraj Sudipta، شايل مايارام

Mayaram Shail، جيان باندي Pandey Gyan، م. س. س. بانديان Pandian. S. S. M، جيان براكاش Prakash Gyan، سوزي ثارو Tharu Susie، غاياتري شاكرافورتي

سبيفاك Spivak Chakravorty Gayatri، أجاي سكاريا Skaria Ajay. وكان سُميت سركار Sarkar Sumit عضو الهيئة لفترة محددة في ثمانينيات القرن العشرين.

4 انظر، مثلً، الندوة التي عُقدت حول دراسات التابعفي عدد كانون الأول/ ديسمبر 994 1 من مجلة American Historical Review وساهم فيها ثلاثة مؤرّخين من

جنوب آسيا (جيان براكاش) وأفريقيا (فريدريك كوبر Cooper Frederick) وأميركا اللاتينية (فلورنسيا مالون Mallon Florencia.)

5  Guha and Spivak 1988 ; Cusicanqui and Barragán 1998 ; Chatterjee and Bhadra 1997 ; Amin and Pandey 1996.

6 انظر بيانها التأسيسي في بيفرلي وأوفيدو وأرونا 1993.

  1. Guha and Spivak 1988 ; Cusicanqui and Barragán 1998 ; Chatterjee and Bhadra 1997 ; Amin and Pandey 1996. "Marxism and Modern India," in Alan Ryan 1992 , 79 - 84.

ذلك التاريخ الماركسي "الجيد" على النحو الذي كان عليه التقليد الإنكليزي في كتابة "التاريخ من أسفل"، لكنها ضلّت طريقها حين اتصلت باستشراق إدوارد سعيد Said Edward، وتفكيكية غاياتري سبيفاك، وتحليل هومي بابا Bhabha Homi للخطاب. وكان عارف ديرليك Dirlik Arif (302 , 1996 Dirlik) قد رأى، في نقد واسع المدى للمفكّرين ما بعد الكولونياليين، أنَّ ضروب التجديد

التي أدخلتها دراساتالتابعإلى كتابة التاريخ، ليست، على الرغم من الترحيب بها، سوى تطبيقات لطرائق كان المؤرّخون الماركسيون

البريطانيون روّادها، وإن تكن "الحساسيات العالمثالثية" قد عدّلتها. يقول ديرليك: معظم التعميمات التي تظهر في خطاب المفكرين ما بعد الكولونياليين في الهند قد تبدو جديدة في التأريخ الهندي

لكنها ليست بالاكتشافات إذا ما نُظِرَ إليها من منظورات أوسع... الكتابة [الكتابات] التاريخية التي يقدّمها مؤرّخو

دراسات التابع... تمثل تطبيقًا على التأريخ الهندي لاتجاهاتٍ في كتابة التاريخ كانت واسعة الانتشار في سبعينيات القرن العشرين بفضل مؤرّخين اجتماعيين مثل إ. ب. طومسن Thompson. P. E وإريك هوبسباوم Hobsbawm Eric

وغيرهما كثير. لا رغبة لديّ في أن أبالغ بمزاعم باحثي دراسات التابعأو أن أنكر ما يمكن أن يكونوا قد تعلّموه بالفعل من المؤرّخين الماركسيين

البريطانيين. ما أسعى إليه هو تبيان أنَّ هذه القراءة ل  دراسات التابع- باعتبارها مثالً على مؤرّخين هنود أو عالمثالثين يكتفون بالتقاط

التبصّات المنهجية التي سبقهم إليها التاريخ الاجتماعي الإنكليزي وتطبيقها  - هي قراءة تسيء الحكم بشدّة على ما كانت السلسلة تدور

حوله. وما أراه هو أنَّ دراساتالتابعطرحت، منذ انطلاقتها، أسئلة حول كتابة التاريخ جعلت الافتراق الجذري عن التقاليد التأريخية

الماركسية الإنكليزية أمرًا لا مفرّ منه. وسوف أدفع مناقشتي قدُمًا بالتركيز بصورة أساسية على أعمال المؤرّخ راناجيت جحا في الفترة

التي شغل فيها منصب رئيس التحرير المؤسِّس ل  دراسات التابع. وسوف أناقش من كتابات جحا تلك التي يمكن عدّها النصوص

المؤسِّسة للمشروع.

دراسات التابع والجدال حول التاريخ الهندي الحديث

أبدأ برسم الخطوط العامة لبعض الجدالات الرئيسة حول التاريخ الهندي الحديث التي كانت دراسات التابعفي أيامها الأولى قد تدخّلت فيها. والموضوع الأكاديمي الموسوم ب "التاريخ الهندي الحديث" هو تطور حديث نسبيًا، وثمرة بحث ونقاش في جامعات

شتّى في الهند والمملكة المتحدة والولايات المتحدة وأستراليا وسواها بعد انتهاء الحكم الإمبراطوري البريطاني في آب/ أغسطس 947 1.

وحمل هذا الميدان البحثي في طوره الأول هذا كلَّ علائم صراع جارٍ بين نزعات مرتبطة بالتحيزات الإمبريالية في التاريخ الهندي ورغبة قومية في تصفية استعمار الماضي عبّ عنها مؤرّخون في الهند. وكان منطقيًا بالطبع أن تُعبَّأ الماركسية إلى جانب المشروع القومي

الرامي إلى تصفية الاستعمار الفكرية. وكانت أعمال مثل عمل بيبان شاندرا Chandra Bipan نشوء القومية الاقتصادية في الهند وتطورها (969 1)، وعمل أنيل سيل Seal Anil نشأة القومية الهندية (968 1)، وعمل أ. ر. ديساي Desai. R. A الخلفية الاجتماعية للقومية الهندية (966 1)، والكتاب الذي حرره د. أ. لو Low. A. D مناقشات في تاريخ جنوب آسيا الحديث (968 1)،

7 هذه هي اللازمة المتكررة في قدر كبير مما كتبه سُميت سركار (1997 Sarkar) في نقد دراسات التابع.

8 انظر مناقشتي العلاقة بين القومية والماركسية في التأريخ الهندي في:

"Marxism and Modern India," in Alan Ryan 1992 , 79 - 84.

ويقدّم سنجاي سيث (1955 Seth) تحليلً جيدًا للصلات التاريخية بين الفكر الماركسي والأيديولوجيات القومية في الهند البريطانية.

وعدد من المقالات المؤثرة التي نشرها برنارد كوهن Cohn Bernard (وجُمعت الآن في كتابه أنثروبولوجيّ بين المؤرّخين [1988)]،

والجدالات حول تقييم موريس ديفيد موريس Morris David Morris نتائج الحكم البريطاني في الهند، وأعمال باحثين آخرين في ستينيات القرن العشرين، قد طرحت أسئلة جديدة وخلافيّة في شأن طبيعة الحكم الاستعماري في الهند ونتائجه. هل يعود لبريطانيا

الإمبريالية الفضل في جعل الهند بلدًا ناميًا وحديثًا وموحَّدًا على الرغم من كلّ شيء؟ هل كانت النزاعات الهندوسية-المسلمة التي

أسفرت عن تشكيل دولتي باكستان والهند عاقبةً لسياسات فرّق تَسُد البريطانية أم انعكاسًا لانقسامات داخلية خاصة بمجتمع

جنوب آسيا؟ عادةً ما تصوّر وثائقُ الحكم البريطاني في الهند - وتقاليد كتابة التاريخ الإمبراطوري - الحكمَ الكولونيالي على أنّه كان

نافعًا للهند وشعبها. وهي تشيد ببريطانيا لأنها جلبت لشبه القارّة كلً من الوحدة السياسية والمؤسسات التعليمية الحديثة والصناعات

الحديثة والقومية الحديثة وحكم القانون، وما إلى ذلك. لكنّ المؤرّخين الهنود في ستينيات القرن العشرين تحدّوا تلك النظرة، مع أنَّ

كثيرًا منهم كان ينتمي إلى جيلٍ ترعرع في السنوات الأخيرة من الحكم البريطاني. ورأوا بدلً من ذلك أنّه كان للكولونيالية آثار ضارة

على التطور الاقتصادي والثقافي. ورأوا أيضًا أنَّ الحداثة والرغبة القومية في الوحدة السياسية لم تكن أعطيات بريطانية للهند بقدر

ما كانت ثمرة نضال الهنود أنفسهم. لا غرابة، إذًا، في أنَّ القومية والكولونيالية برزتا بوصفهما نطاقي البحث والجدال الرئيسين اللذين حدّدا حقل التاريخ الهندي

الحديث في ستينيات القرن العشرين وسبعينياته. وكان في طرف أول من هذا الجدال المؤرّخ الكامبردجيّ أنيل سيل، الذي صوّر

"القوميّة"، في كتابه نشأة القومية الهندية الصادر في عام 968 1، على أنّها عمل نخبة صغيرة ترعرعت في المؤسسات التعليمية التي

أقامها البريطانيون في الهند. ورأى أنَّ هذه النخبة "تنافست" مع البريطانيين و"تعاونت" معهم في بحثها عن السلطة والامتياز. ولم

تمض سنوات قليلة حتى دُفِعَت هذه الفكرة إلى أقصاها في كتاب عنوانه المحلّة والمنطقة والأمّة (973 1) ساهم فيه سيل وزميله جون

غالاغر Gallagher John وجَمْعٌ من طلاّبهما في درجة الدكتوراه، حيث قلّلتْ كتاباتهم من شأن الدور الذي تنهض به الأفكار والمثُل

في التاريخ وأبدت نظرة ضيقة للغاية تجاه ما يشكّل "مصلحة" الفاعلين التاريخيين السياسية والاقتصادية. ورأوا أنَّ اختراق الدولة

الكولونيالية بنى السلطة المحلية في الهند - تلك الخطوة التي وقفت وراءها مصالح الراج الذاتية المالية وليس أي دوافع تتعلق بالإيثار - هو ما اجتذب النخب الهندية، في النهاية، وبدرجات متفاوتة، إلى سيرورة الحكم الكولونيالي. وبحسب هذا الرأي، فإنَّ انخراط الهنود

في المؤسسات الكولونيالية أطلق تدافعًا بين النخب المحلية التي اجتمعت - بصورة انتهازية وحول فصائل تشكّلت على أسس المحسوبية

"الشاقولية" (أي خلافًا للانتماءات الطبقية الأفقية) - كي تتسابق على السلطة والامتياز اللذين وفّرهما ما أتاحه البريطانيون من فرص الحكم الذاتي المحدودة. وزعم مؤرّخو كامبردج أنَّ هذه هي الدينامية الفعلية لما يمكن أن يحسبه المراقبون الخارجيون أو المؤرّخون

الساذجون صراعًا مثاليًا من أجل الحرية، وأنَّ القومية والكولونيالية تأتيان كلتاهما في هذا التاريخ بمنزلة شخصيتين ثانويتين واهنتين.

يقول سيل (2 , 1973 , Seal) إنّ تاريخ القومية الهندية هو تاريخ "التنافس بين الهندي والهندي، وعلاقته بالإمبريالية لا تعدو كونها

علاقة خيالي مآتة يتمسّك واحدهما بالآخر". يقف في الطرف الآخر من هذا النقاش المؤرّخ الهندي بيبان شاندرا الذي كان في سبعينيات القرن العشرين أستاذًا في جامعة جواهر

لال نهرو المرموقة في نيودلهي. نظر شاندرا وزملاؤه إلى التاريخ الهندي في الفترة الكولونيالية على أنّه معركة ملحمية بين القوى القومية والقوى الكولونيالية. واعتبر شاندرا (1979 Chandra)، استنادًا إلى أعمال ماركس وأعمال منظريّ مدرسة التبعيّة والتخلف الأميركية

اللاتينية، أنَّ الكولونيالية قوة رجعية شوّهت تطور المجتمع الهندي كله والدولة الهندية، وأنَّ من الممكن الإنحاء باللائمة على اقتصاد

9 الراج، أو الراج البريطاني، هو، باختصار، الحكم البريطاني في شبه الجزيرة الهندية منذ بداية القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين. (المترجم)

الكولونيالية السياسي لما في الهند بعد الاستقلال من عللٍ اجتماعية وسياسية واقتصادية، بما فيها علل الفقر الشامل والصراع الديني والطائفي. ونظر شاندرا إلى القومية نظرةً مختلفة مناقضة. ورأى فيها قوة تجديد، ونقيض الكولونيالية، والشيء الذي وحّد "الشعب

الهندي" وأوجده بتعبئته للنضال ضد البريطانيين. ورأى في القادة القوميين مثل غاندي Gandh ونهرو Nehru مؤسّسين لحركة مناهضة

للإمبراطورية ترمي إلى وحدة الأمّة. وزعم شاندرا أنّ صراع المصلحة والأيديولوجيا بين المستعمِرين و"الشعب الهندي" هو الصراع الأهم

في الهند البريطانية، وأنَّ جميع الصراعات الأخرى الطبقية أو الطائفية ثانوية بالنسبة إلى هذا التناقض الرئيس ويجب أن تُعامل على

هذا النحو عند كتابة التواريخ القومية. لكنّ سلسلة متزايدة من المصاعب راحت تواجه هاتين الروايتين كلتيهما مع تقدّم البحث في سبعينيات القرن العشرين. كان

واضحًا أنَّ رواية كامبردج عن "سياسةٍ قومية من دون أفكار أو مثُل" لن تروق لباحثين في شبه القارة اختبروا هم أنفسهم الرغبة في

التحرر من الحكم الكولونيالي. ومن ناحية أخرى، فإنَّ قصة المؤرّخ القومي عن "حرب أخلاقية" بين الكولونيالية والقومية كانت

تنكشف على نحو متزايد مع تسليط الباحثين الشباب في الهند وغيرها الضوء على مواد جديدة. وعلى سبيل المثال، فإنَّ معلومات جديدة

عن تعبئة زعماء النخبة القوميين للفقراء (الفلاحين، القبائل، العمال) في سياق الحركات الجماهيرية الغاندية في عشرينيات القرن العشرين وثلاثينياته أشارت إلى جانب رجعي قوي لدى الحزب القومي الرئيس، المؤتمر الوطني الهندي. كما قام جيانيندرا باندي

Pandey Gyanendra في أكسفورد، وديفيد هارديمان Hardiman David وديفيد أرنولد Arnold David في سَسِكْس (كلاهما أصبح

لاحقًا عضوًا في جماعة دراسات التابع)، وماجد صدّيقي Siddiq Majid وكابيل كومار في Kumar Kapil دلهي، وهيستيسرانجان

سانيال Sanyal Histesranjan في كلكتا، وبرايان ستودارت Stoddart Brian وستيفن هينينغهام Henningham Stephen وماكس هاركورت Harcourt Max في أستراليا، وآخرون في غير مكان، بتوثيق قمع القادة القوميين بيد من حديد نزوع الفلاحين أو العمال إلى تجاوز الحدود المفروضة ذاتيًا في الأجندة السياسية القومية والاحتجاج على القمع الذي ينزله بهم لا البريطانيون فحسب، بل

الجماعات الحاكمة من أهل البلد أيضًا. ومن وجهة نظر جيل شاب من المؤرّخين دعاهم جحا "أطفال منتصف الليل"، على

غرار عنوان رواية سلمان رشدي Rushdie Salman، لا تشكّل الأطروحة الكامبردجية التي تبدي تشككًا في القومية الهندية ولا الأطروحة القومية-الماركسية التي تموّه صراع الأفكار والمصالح بين النخبة القومية وأتباعها الخاضعين اجتماعيًا - أو المستوعبين في

أجندة تأريخية قومية - ذلك الردّ الوافي على مشكلات كتابة التاريخ ما بعد الكولونيالي في الهند. وقد تضافر استمرار الصراع الديني

والطائفي في هند ما بعد الاستقلال، وحرب عام 962 1 الهندية  - الصينية التي جعلت القومية الرسمية تبدو فارغة وأفضت في النهاية إلى انبهار الشباب الهندي المديني المتعلّم بالماوية، وانتشار حركة سياسية ماوية عنيفة (عُرفت باسم الحركة الناكسالية Naxalite

movement) اجتذبت إلى الريف كثيرًا من الشباب المديني في أواخر ستينيات القرن العشرين وأوائل سبعينياته، وعديد من العوامل

الأخرى كي يفضي ذلك كلّه إلى غربة لدى المؤرّخين الشباب حيال شعارات التأريخ القومي. لكن كلّ هذا السخط التأريخي كان لا

يزال يتخبّط ضمن الأطُر النظرية الليبرالية والوضعية القديمة الموروثة من التقاليد الإنكليزية في كتابة التاريخ حتى وهو يبحث عن

سبيل لتصفية استعمار حقل التاريخ الهندي.

10 كتب أحد المؤرّخين الهنود ردًّا على أعمال باحثي كامبردج، "في السابق، منذ زمن ليس بالبعيد كثيرًا، كانت القومية بالنسبة إلى ما لا يُحصى من الهنود نارًا في العروق."

انظر:

Tapan Raychaudhuri's review essay "Indian Nationalism As Animal Politics" (1979). 11  Pandey 1978 ; Siddiqi 1978 ; Kumar 1984 ; Arnold 1977 ; Sanyal 1994 ; and Hardiman 1981 ;

وانظر أيضًا المقالات في: 1977 Low.

12 انظر المقدمة في: 1998 Guha.

  1. Pandey 1978 ; Siddiqi 1978 ; Kumar 1984 ; Arnold 1977 ; Sanyal 1994 ; and Hardiman 1981 ;

دراسات التابع بوصفها تحوّلً يف الإطار النظري (البارادايم:) 1982 - 1987

ذلك هو الوضع الذي تدخّلت فيه دراساتالتابع. لقد بدأتْ، فكريًا، في المجال ذاته الذي كان عليها أن تغالبه: التأريخ الذي يضرب

بجذوره في نظام التعليم الكولونيالي. بدأتْ بوصفها نقدًا لمدرستين في التاريخ متنازعتين: مدرسة كامبردج ومدرسة المؤرّخين القوميين. ذلك

أنَّ هاتين المقاربتين نخبويتان كلتاهما، كما أعلن جحا في بيانٍ افتتح سلسلة دراسات التابع. وكانتا قد كتبتا تاريخ القومية بوصفه

قصة مأثرة اجترحتها طبقات النخبة، سواء أكانت هندية أم بريطانية. وعلى الرغم من مزاياهما كلّها، لم تقويا على تفسير "المساهمات التي قدّمها الشعب من تلقاء نفسه، أي باستقلال عن النخبة في قيام هذه القومية وتطورها (" 3 , 1982 Guha، التشديد لجحا).

وسوف يتضح من بيان جحا هذا أنَّ دراسات التابعكانت جزءًا من محاولةٍ لمواءمة التفكير التاريخي مع حركات أوسع من أجل

الديمقراطية في الهند. وتطلعت إلى مقاربة في كتابة التاريخ مناهضة للنخبوية، وكانت في هذا الجانب تتقاسم الكثير مع مقاربات "التاريخ

من أسفل" التي كان روّادها في التأريخ الإنكليزي كريستوفر ه ل Hill Christopher وإ. ب. طومسن وإ. ج. هوبسباوم، وآخرين. ذلك

أنَّ كلًّ من دراسات التابعومدرسة "التاريخ من أسفل" ماركسية الإلهام؛ وكلتاهما تدين فكريًا إلى الشيوعي الإيطالي أنطونيو غرامشي

Gramsci Antonio في محاولة النأي عن قراءات ماركس الستالينية الحتمية. وتعود كلمة "التابع" ذاتها - وبطبيعة الحال، مفهوم "الهيمنة" الشهير والحاسم تمامًا في المشروع النظري لدراسات التابع - إلى كتابات غرامشي. وكما هو الحال في التواريخ التي كتبها

طومسن وهوبسباوم وهِلْ وغيرهم، عُنِيَت دراسات التابعأيضًا ب "إنقاذ" ماضي الجماعات التابعة اجتماعيًا في الهند "من تفضّل

الأجيال اللاحقة". وكان هدفها المعلن إنتاج تحليلات تاريخية يُنظَر فيها إلى الجماعات التابعة بوصفها ذوات التاريخ. وكما قال جحا

مرّة (vii , 1984 Guha) في سياق تقديم أحد مجلدات دراسات التابع: "إننا نعارض بالفعل قَدْرًا كبيرًا من الممارسة الأكاديمية السائدة

في التأريخ... لفشلها في الاعتراف بالتابع كصانع لمصيره. هذا الانتقاد يكمن في صميم مشروعنا". لكن تنظير جحا للمشروع أشار في الوقت نفسه إلى اختلافات معينة رئيسة من شأنها أن تميّز على نحو متزايد مشروع دراسات

التابعمن مشروع التأريخ الماركسي الإنكليزي. ويمكن القول، بنوع من الإدراك اللاحق، إنَّ هناك عمومًا ثلاثة مجالات تختلف فيها

دراسات التابععن مقاربة "التاريخ من أسفل" لدى هوبسباوم أو طومسن (على الرغم من الاختلافات بين هذين المؤرّخين البارزين

لإنكلترا وأوروبا). ذلك أنَّ تأريخ التابع يستلزم بالضرورة (أ) فصلً نسبيًا لتاريخ السلطة عن أيّ تواريخ عامة لرأس المال، (ب) نقدًا لشكل

الأمّة، و (ج) استقصاءً للعلاقة بين السلطة والمعرفة (وتاليًا للأرشيف ذاته وللتاريخ كشكل من أشكال المعرفة). وما أراه هو أنَّ في هذه

الاختلافات تكمن بدايات طريقة جديدة في تنظير الأجندة الفكرية للتواريخ ما بعد الكولونيالية. ابتدأ القطع النظري النقدي بالطريقة التي سعى جحا من خلالها إلى إعادة تعريف مقولة "السياسي" بالإشارة إلى الهند الكولونيالية؛ إذ رأى أنَّ كلً من مؤرّخي كامبردج والمؤرّخين القوميين خلطوا بين الميدان السياسي وبين الجانب الرسمي من العمليات الحكومية

والمؤسسية. يقول جحا: تفترض جميع الكتابات من هذا النوع [أي كتابات التأريخ النخبوي] أنَّ نطاقات السياسة الهندية هي نطاقات

المؤسسات التي أدخلها البريطانيون لحكم البلاد.... ولا يسع [المؤرّخين النخبويين] سوى أن يساووا السياسة بجملة

الأنشطة والأفكار لدى أولئك المنخرطين مباشرة في تشغيل هذه المؤسسات، أي الحكّام الكولونياليين ومريديهم (élèves)؛ الجماعات المسيطرة في المجتمع المحلي.ّ (4 - 3 , 1984 Guha)

13  Antonio Gramsci, "Notes on Italian History" (1973).

  1. Antonio Gramsci, "Notes on Italian History" (1973).

زعم جحا (5 - 4 , 1984 Guha)، باستخدام "الشعب" و"الطبقات التابعة" كمترادفين وتعريفهما بأنّهما "الفارق الديموغرافي

بين إجمالي السكّان الهنود" والنخبة المحلية والأجنبية المسيطرة، أنَّ ثمّة في الهند الكولونيالية نطاقًا ل "سياسات الشعب" يتمتع

ب "الاستقلال الذاتي" مُنظَّمًا على نحو مختلف عن نطاق سياسات النخبة. تشتمل سياسات النخبة على "تعبئة شاقولية"، و"اتّكال زائد

على ضروب التكيّف الهندي مع المؤسسات البرلمانية البريطانية"، و"ميل إلى أن تكون نسبيًا أكثر شرعيةً ودستوريةً في توجهها". أمّا في

نطاق سياسات التابع، فتتوقف التعبئة من أجل التدخّل السياسي على ارتباطات أفقية مثل "التنظيم التقليدي للقرابة والانتماء المحلي أو على الوعي الطبقي تبعًا لمستوى وعي البشر المعنيين". وتميل سياسات التابع إلى أن تكون أكثر عنفًا من سياسات النخبة. وتحتل

"فكرة مقاومة سيطرة النخبة" مكانة مركزية في ضروب تعبئة التابع. و"تجربة الاستغلال والعمل وهبت هذه السياسات كثيرًا من التعابير

والقواعد والقيم التي تضعها في صنف منفصل عن صنف سياسات النخبة"، كما يقول جحا. وهو يرى أنَّ انتفاضات الفلاحين في الهند

الكولونيالية عكست قواعد التعبئة المنفصلة والمستقلة هذه "في شكلها الأكثر شمولً". وحتى في حالات المقاومة والاحتجاج من طرف العمال المدينيين، نجد أنَّ "شكل التعبئة" هو ذلك الشكل "المستمد من تمرد الفلاحين مباشرة". ترتبت على فصل جحا نطاقي سياسات النخبة وسياسات التابع آثار جذرية في النظرية الاجتماعية والتأريخ. كان الميل المعهود في التأريخ الماركسي العالمي حتى سبعينيات القرن العشرين هو النظر في ثورات الفلاحين المنظَّمة على محاور القرابة والدين والطائفة... إلخ، على أنّها حركات تبدي وعيًا "متخلفًا"، من ذلك النوع الذي وصفه هوبسباوم (2 , 1978 Hobsbawm) في عمله على قطّاع الطرق

و"التمردات البدائية" بأنّه "ما قبل سياسي" (ورد في 6 - 5 , 1983 Guha). وكان يُنظر إلى هذا الوعي أنّه لا يتّسق تمامًا مع منطق الحداثة

أو الرأسمالية المؤسسيّ. وكما يقول هوبسباوم (2 , 1978 Hobsbawm) بالإشارة إلى مادته الخاصة: "إنّهم أناسٌ ما قبل سياسيين لم

يجدوا بعد، أو أنهم بدأوا للتوّ في إيجاد، لغة خاصة تعبّ عن تطلعاتهم حيال هذا العالم". وبرفض جحا وصف وعي الفلاحين بأنّه "ما قبل

سياسي" ذلك الرفض الصريح، وتحاشيه نماذج "الوعي" التطورية، بات مهيّئًا ليشير إلى أنَّ من طبيعة العمل الجماعي ضد الاستغلال

في الهند الكولونيالية أن توسّع الحدود المتخيَّلة لمقولة "السياسي" ذلك التوسيع الفاعل أبعد بكثير من المناطق التي خصّها بها الفكر

السياسي الأوروبي، وليشير إلى أنَّ تجاهل المشكلات التي تسببها مشاركةُ الفلاحين في المجال السياسي الحديث لماركسيةٍ أوروبية التمركز

لا بدّ أن يؤدي إلى تواريخ نخبوية فحسب. ذلك أنَّ المرء لن يعرف عندئذ كيف يحلل وعي الفلاحين - خطابات القرابة والطائفة والدين

والعرق التي يعبّون من خلالها عن أنفسهم في أثناء الاحتجاج - إلا بوصفه وعيًا "متخلفًا" يحاول أن ينبري لعالمٍ متغيّ لا يسعه قطّ

أن يحيط بمنطقه تمام الإحاطة. ألحّ جحا على أنَّ الفلاحين ليسوا ضربًا من المفارقة التاريخية في عالمٍ كولونيالي حديث، بل معاصرون فعليّون للكولونيالية وجزء

جوهري من الحداثة التي أدّى إليها الحكم الكولونيالي في الهند. ووعي الفلاحين ليس وعيًا "متخلفًا"، ولا عقلية من مخلّفات الماضي

تشدهها المؤسسات السياسية والاقتصادية الحديثة فتقاومها. وأشار جحا إلى أنَّ الفلاحين (المتمردين) في الهند الكولونيالية قرأوا عالمهم

المعاصر قراءة صائبة في الواقع. وبيّ، في سياق تفحّصه أكثر من مئة حالة معروفة من حالات تمرد الفلاحين في الهند البريطانية بين عامي

783 19001 و (1983 Guha، الفصلان 1 و 2)، أنَّ هذه التمردات تشتمل دومًا على استخدام الفلاحين شيفرات خاصة باللباس والكلام

والسلوك تنزع إلى قلب الشيفرات التي يسيطر عليهم من خلالها أسيادهم الاجتماعيون في الحياة اليومية. ويكاد قلب رموز السلطة أن يكون الفعل الأول الحتميّ في تمرد الفلاحين، لكنّ التواريخ النخبوية التي تناولت انتفاضات الفلاحين أغفلت أهمية هذه البادرة

باعتبارها إيّاها "ما قبل سياسية". على سبيل المثال، نبذ أنيل سيل (1 , 1968 Seal) جميع ثورات الفلاحين في الهند الكولونيالية في القرن

التاسع عشر لأنّها خالية من أيّ "محتوى سياسي نوعيّ"، كونها "انتفاضات من النوع التقليدي، سبيلها الوحيد للاحتجاج على شقائها

هو العصي والحجارة". أمّا الماركسيون، من جهة أخرى، فيفسّون هذه البادرات على أنّها تعبير عن وعي زائف و/ أو قيام بوظيفة "صمام

الأمان" في النظام الاجتماعي الكلّ. وما يفوت كلتا هاتين الإستراتيجيتين التفسيريتين، بحسب جحا، هو حقيقة أنّه في بداية كلّ

انتفاضة فلاحية كان لا بد من نضال يخوضه المتمردون لتدمير رموز الهيبة الاجتماعية وسلطة الطبقات الحاكمة كلّها. يقول جحا: "هذا القتال من أجل الهيبة كان في صميم التمرد. وكان قلب الأمور هو وجهته الرئيسة. وهو نضال سياسييتملّك فيه المتمرد و/ أو يدمر رمز

قوة عدوه آملً بذلك إزالة علائم تبعيته" (75 , 1983 Guha، التشديد لي). شدّدتُ على كلمة "سياسي" في اقتباسي من جحا أعلاه للتأكيد على التوتر الخلاق بين النَّسب الماركسي ل  دراسات التابعوما طرحَتْهُ

منذ البداية من أسئلة أشدّ تحديًا حول طبيعة السلطة في الحداثات الكولونيالية غير الغربية. ما أراد جحا تبيانه هو أن ترتيبات السلطة

التي وجد فيها الفلاحون والطبقات التابعة الأخرى أنفسهم في الهند الكولونيالية اشتملت على منطقين في التراتب والاضطهاد مختلفين أشدّ الاختلاف. أولهما هو منطق الإطار القانوني والمؤسسي شبه الليبرالي الذي جلبه البريطانيون إلى البلاد. وثانيهما هو مجموعة أخرى

من العلاقات متراكبة مع الإطار السابق ويقوم فيها التراتب على سيطرة وإخضاع مباشرين وصريحين لمن تعوزهم القوة سواء بالوسائل الأيديولوجية-الرمزية أو بالقوة المادية. وسيمياء السيطرة والإخضاع هذه هي ما سعت الطبقات التابعة إلى تدميره في كلّ مرّة نهضت فيها

إلى التمرد. ولا يمكن فصل هذه السيمياء في الحالة الهندية عمّا نشير إليه باللغة الإنكليزية من غير دقّة إمّا ب "الدينيّ" أو "الغيبيّ".

يمكن أن نرى التوتر بين روايةٍ مألوفة عن رأس المال وفهمٍ أكثر جذرية له في كتاب جحا الأوجه الأوليّة لتمرد الفلاحين في الهند

الكولونيالية ذاته. ثمّة أوقات يميل فيها جحا إلى قراءة "السيطرة والإخضاع" من حيث التعارض بين نمط الإنتاج الإقطاعي ونمط

الإنتاج الرأسمالي. وهناك نزوع كبير في البحث الماركسي والليبرالي إلى قراءة العلاقات غير الديمقراطية - أو أنظمة السلطة المشخّصة

وممارسات تأليه الحكّام - على أنّها بقايا من عهد ما قبل رأسمالي، وعلى أنّها ليست حديثة تمامًا. وهي تُرى بوصفها مؤشًّا على مشكلات

الانتقال إلى الرأسمالية، بافتراض أنَّ الرأسمالية المكتملة لا بدّ أن تكون متعارضة منطقيًا مع العلاقات "الإقطاعية". وكتاب جحا

الأوجه الأوليّة يتكلّم في بعض الأحيان من ضمن هذا التقليد في التحليل. وما يخبرنا إيّاه في بعض الأماكن (6 , 1983 Guha) هو أنَّ

السيطرة المباشرة سمة من سمّات الإقطاعية المتبقيّة: إذا أخذنا شبه القارة الهندية كلّها، فإنَّ التطور الرأسمالي في الزراعة بقي أوليًا فحسب... حتى 900 1. وظلّ الريع يشكّل

الجزء الجوهري من الدخل المتأتي عن ملكية الأرض... والعنصر الثابت في هذه العلاقة [بين الفلاحين وملّك الأرض]

بكلّ تنوّعها هو انتزاع الفائض من الفلاحين بطرائق محددة؛ أي ليس من خلال اللعب الحرّ لقوى اقتصاد السوق

بقدر ما هو من خلال قوة فوق اقتصادية هي موقع ملّك الأرض في المجتمع المحلي وفي نظام الحكم الكولونيالي. بعبارة أخرى، كانت هذه العلاقة علاقة سيطرة وإخضاع: علاقة سياسية من النمط الإقطاعي، أو كما وصفت على نحو مناسب، علاقة شبه إقطاعية تستمد وجودها المادي من شروط الإنتاج ما قبل الرأسمالية وتستمد شرعيتها من ثقافة تقليدية لا تزال سائدة في البنية الفوقية. لكن هذه الرواية الماركسيّة المحددة لا تمثّل كما يجب قوة نقد جحا لمقولة "ما قبل السياسي" وما لهذا النقد من أهمية. ذلك أنّه إذا

ما قبلنا ماركسيّة هذا الاقتباس، يمكن أن نعود إلى جحا لنرى أنَّ مجال السياسي نادرًا ما تجرّد عن المجالات الأخرى (الدين، القرابة،

الثقافة) في علاقات السيطرة والإخضاع الإقطاعية، وأنّه يصعب بهذا المعنى أن نَصِفَ علاقات السلطة الإقطاعية بأنّها سياسية على

الوجه الصحيح. ويمكن عندئذٍ قراءة العلاقات "الإقطاعية" المتبقيّة في المشهد الهندي- كما يفعل جحا في بداية هذا الاقتباس - بوصفها

14 يتفحّص جحا مثل هذه المواقف الماركسية وينتقدها في مقالته الموسومة:

"The Prose of Counter-Insurgency" in Guha and Spivak 1988.

علامة عدم اكتمال الانتقال إلى الرأسمالية. وبهذا المنطق، يمكن أن ننظر إلى ما يسمى العلاقات شبه الإقطاعية وعقلية الفلاحين بأنها بقايا مرحلة سابقة، لا تزال نشطة، من دون شك، لكنها قيد انقراض تاريخي-عالميّ. وكلّ ما تحتاجه الهند هو خلق مزيد من

المؤسسات الرأسمالية، وعندها سوف تبدأ عملية تحويل الفلاح إلى مواطن؛ أي إلى الصورة السياسية الصحيحة لما يعنيه أن يكون المرء شخصًا. وهذا ما كان عليه منطق هوبسباوم في الحقيقة. وهو السبب في أنَّ شخصياته "ما قبل السياسية" - حتى عندما "تُقْحَم" في

الرأسمالية وحتى حين يعترف هوبسباوم (3 , 1978 Hobsbawm) بأنَّ "اكتساب هؤلاء المتمردين البدائيين وعيًا سياسيًا" هو ما يجعل"

قرننا الأكثر ثورية في التاريخ" - تبقى "غريبة" على الدوام عن منطق الرأسمالية: "فهي تأتيهم من الخارج، خلسةً من خلال اشتغال القوى الاقتصادية التي لا يفهمونها ولا يسيطرون عليها أيّ سيطرة". لكنّ جحا، في رفضه مقولة "ما قبل السياسي"، يلحّ على الفروق النوعية بين تاريخيّ السلطة في الهند الكولونيالية وأوروبا. وهذه

اللفتة جذرية في ما تسبغه من تعددية جوهرية على تاريخ السلطة في الحداثة العالمية وفي فصلها إيّاه عن أي تاريخ كونيّ لرأس المال.

يقول جحا (6 , 1983 Guha): "إنَّ مواد هوبسباوم مستمدة من التجربة الأوروبية بصورة تكاد تكون كاملة وتعميماته ربما تكون

متوافقة معها... ومهما تكن صحّة فكرة التمرد الفلاحي ما قبل السياسي بالنسبة إلى بلدان أخرى إلا أنها قليلة الغَناء في فهم تجربة

الهند الكولونيالية". وحين نرى التشكيلة الكولونيالية في الهند بوصفها حالة من حالات الحداثة ينشطر فيها المجال السياسي، كما

يقول جحا في تقديم دراسات التابع، إلى منطقين متميزين يبقيان متضافرين معًا طوال الوقت-طر الحكم الرسمية القانونية  منطق أُ

والعلمانية ومنطق علاقات السيطرة والإخضاع المباشرين اللذين يستمدا شرعيتهما من مجموعة مختلفة من المؤسسات والممارسات بما في ذلك الدْهارما (التي غالبًا ما تتُرجم ب "الدين -)" فسوف نجد أنَّ كتابات جحا تساهم في الكشف عن مشكلة لافتة للغاية في التاريخ

العالمي للحداثة. في النهاية، هذه هي مشكلة التفكير في تاريخ السلطة في عصر يطوّر فيه رأس المال ومؤسسات الحداثة الحاكمة مدى عالميًا

متزايدًا. تفترض مناقشة ماركس للضبط الرأسمالي أنَّ حكم رأس المال يقتضي الانتقال إلى علاقاتِ سلطةٍ رأسمالية. ويبيّ عمل

ميشيل فوكو Foucault Michel أنّه إذا أردنا أن نفهم المؤسسات الرئيسة للحداثة التي نشأت في الغرب، فلا بدّ من إكمال نموذج

السيادة الحقوقي الذي يحتفي به الفكر السياسي الأوروبي الحديث بمفاهيم الضبط والسلطة البيولوجية والحاكمية. ويزعم جحا أنَّ

هذا الإكمال يجب أن يتضمن في حداثة الهند الكولونيالية زوجًا آخر من المصطلحات: السيطرة والإخضاع. وهذا ليس لأنّ الهند بلد

شبه حديث أو شبه رأسمالي أو شبه إقطاعي أو أيّ شيء من هذا القبيل، وليس لأنَّ رأس المال في الهند يحكم من خلال "الإخضاع

الشكلي" وحده. يتخطى جحا الجدل الذي يختزل مسائل الديمقراطية والسلطة في شبه القارة إلى أطروحات عن انتقال غير مكتمل إلى الرأسمالية. وهو لا ينكر صلات الهند الكولونيالية بقوى الرأسمالية العالمية. ووجهة نظره أنّ التاريخ العالمي للرأسمالية لا يعيد

بالضرورة إنتاج تاريخ السلطة ذاته في كلّ مكان. وفي حساب متغيرات الحداثة، ليست السلطة متغيرًا تابعًا، بينما يقوم رأس المال بدور

المتغيّ المستقل. ويمكن التعامل مع رأس المال والسلطة كمقولتين مستقلتين تحليليًا. ولذلك لطالما كان الفكر السياسي الماركسي الأوروبي

التقليدي الذي ربط المقولتين فكرًا مهمًا لكنه غير كافٍ لتنظير السلطة في تواريخها الكولونيالية الحديثة. ذلك أنَّ تاريخ الحداثة

الكولونيالية في الهند خلق لما هو سياسيّ مجالً متغاير الألسنة من حيث مصطلحاته، تعدديًا على نحو لا يمكن اختزاله من حيث

15 الإخضاع الشكلي للعمل لرأس المال subsumption formal من مصطلحات ماركس، ويشير به إلى استيلاء الرأسمالي على أنماط العمل التي تطورت قبل انبثاق

العلاقات الرأسمالية، وما يرتبط بذلك من قسر لاعتصار العمل الفائض بإطالة وقت العمل. وهذا الشكل هو الشكل العام لكل عملية إنتاج رأسمالية، وهو يقف في تمايز

صارخ مع الإخضاع الفعلي للعمل لرأس المال الذي يتطور بتطور نمط رأسمالي خاص للإنتاج (الصناعة الكبرى) يتميّز بطرائق أخرى في اعتصار القيمة الفائضة. انظر،

كارل ماركس، نتائج عملية الإنتاج المباشرة (الجزء المجهول من رأس المال)، ترجمة فالح عبد الجبار (مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي، د.ت.)،

ص 125  -  0 51. (المترجم)

بنيته، تتشابك في داخله خيوط أنماط مختلفة من العلاقات لا تشكّل كلًّ منطقيًا. ومن هذه الخيوط خيط حاسم لاشتغال السلطة في

المؤسسات الهندية، هو ما تمارسه النخبة على التابعين من سيطرة وإخضاع مباشرين. وكما قال جحا في مساهمته الأولى في دراسات التابع (4 , 1982 Guha) فإنَّ هذا الخيط من السيطرة والإخضاع في علاقات السلطة في الهند "لم يكن تقليديًا إلا بقدر ما يمكن تتبّع

جذوره إلى الزمن ما قبل الكولونيالي، لكنه ليس عتيقًا بأيّ حال من الأحوال بمعنى أنّ الزمن قد عفا عليه". هكذا كانت ما تمارسه النخبة على التابعين من سيطرة وإخضاع اجتماعيين سمة يومية من سمات الرأسمالية الهندية ذاتها. فهي رأسمالية من النمط الكولونيالي. ورأى جحا، بقراءة نقدية لبعض نصوص ماركس الأساسية، أنَّ الكولونيالية الحديثة هي في جوهرها

الشرط التاريخي الذي يسيطر فيه رأسُ مالٍ مطّرد التوسع والعالمية على المجتمعات غير الغربية من دون أن يُحْدِث أي تحول ديمقراطي

شامل في العلاقات الاجتماعية للسلطة أو يحتاج إليه. والدولة الكولونيالية - التعبير النهائي عن المجال السياسي في الهند الكولونيالية -

هي نتيجة لإمكان مثل هذه السيطرة وشرطًا لها في آنٍ معًا. وكما يقول جحا (6 - 5 , 1982 Guha) فإنَّ "الكولونيالية لا يمكن أن تستمر

كعلاقة سلطة في شبه القارة إلا بشرط أن تخفق البرجوازية المستعمِرة في الارتقاء إلى مشروعها الكوني. وطبيعة الدولة التي خلقتها بالسيف هي التي جعلت هذا ضروريًا تاريخيًا". وكانت النتيجة مجتمعًا تغيّ من دون شكّ تحت تأثير الرأسمالية الكولونيالية لكن "مناطق

شاسعة في حياة الشعب ووعيه" نجت من أيّ نوع من أنواع "الهيمنة [البرجوازية]". لا يمكن، إذًا، إنتاج التاريخ الثقافي للسلطة في الحداثة الهندية بتطبيق بسيط لتحليلات القومية التي قدّمتها الماركسية الغربية. وبخلاف التقليد الفكري الذي يربط المؤرّخ الماركسي القومي بيبان شاندرا بآراء القوميين اليساريين مثل جواهر لال نهرو، تنطوي رؤية

جحا على أنّه من غير الممكن منافسة قصة الكولونيالية الرجعية برواية عن حركة قومية قوية تسعى إلى ترسيخ رؤية برجوازية في المجتمع برمته؛ وذلك لعدم وجود طبقة هنا تمكن مقارنتها بالبرجوازية الأوروبية في الرواية الماركسية، طبقة قادرة على اجتراح أيديولوجيا مهيمنة تجعل مصالحها الخاصة تظهر على أنّها مصالح الجميع. ويُظْهِرُ تاريخ الطريقة التي سعى بها قوميو النخبة في الهند إلى تعبئة

الطبقات التابعة مجالً سياسيًا تعايشت فيه وتفاعلت اللغات العلمانية للأطر القانونية والدستورية مع استراتيجيات السيطرة والإخضاع

غير المتناسبة معها. ورأى جحا في مقالته "الكولونيالية في جنوب آسيا: سيطرةٌ من دون هيمنة وتأريخُها" (98 - 97 , 1997 Guha) أنَّ "الثقافة الهندية في الحقبة الكولونيالية" تأبى أن تُفهَم "بوصفها تكرارًا للثقافة البرجوازية الليبرالية في بريطانيا القرن التاسع عشر أو

بوصفها مجرد بقايا من ثقافة سابقة ما قبل رأسمالية". إنّها رأسمالية ولكن من دون التراتبيات الرأسمالية، وهي سيطرة رأسمالية من دون ثقافة رأسمالية مهيمنة، أو "سيطرة من دون هيمنة"، على حدّ تعبير جحا الشهير.

دراسات التابع وإعادة توجيه التاريخ

كان لصيغتيّ جحا -  أنَّ كلًّ من القومية والكولونيالية انخرطتا في إقامةِ حكمٍ لرأس المال في الهند تمارس فيه الأيديولوجيات

البرجوازية "سيطرةً من دون هيمنة"، وأنَّ أشكال السلطة الناجمة عن ذلك لا يمكن وصفها بأنّها "ما قبل سياسية" - آثار عديدة في ما يتعلق بالتأريخ، ظهر بعضها في كتابات جحا الخاصة في حين ظهر بعضها الآخر في كتابات زملائه. ومن المهم أن نوضح هذه الآثار، لأنّها ما جعل دراسات التابعتجربةً في التأريخ ما بعد الكولونيالي.

16 افترضت كتابات نهرو في ثلاثينيات القرن العشرين وكتابات بيبان شاندرا في سبعينياته من دون أيّ مساءلة أنّ الحركة القومية هي "حركة برجوازية أساسًا "

(66 , 1962] 1936  [Nehru) وأنَّ وظيفتها إقامة "هيمنة أيديولوجية وسياسية وتنظيمية برجوازية... على الجماهير الواسعة من الفلاحين والعمال والطبقات الوسطى

الدنيا"  135 , 1979 Chandra.

أولً وقبل كلّ شيء، كان للنقد الذي وجهه جحا لمقولة "ما قبل السياسي" أن يتحدّى التاريخانية برفض كلّ النظريات التي

تقسم التاريخ إلى مراحل محددة متعاقبة. فإذا ما كان مصطلح "ما قبل السياسي"، كما ناقشتُه، يستمد صحّته من تصنيف أنواع معينة

من علاقات السلطة على أنّها "ما قبل حديثة"، و"إقطاعية"، وهلم جرا، فإنَّ مناقشة جحا للسلطة في الهند الكولونيالية تقاوم مثل هذا

التمييز الواضح بين الحديث وما قبل الحديث. وتلك العلاقات التي بدت "إقطاعية" في الهند عندما نُظِرَ إليها من خلال النظرة التي

تقسم التاريخ إلى مراحل محددة متعاقبة هي علاقات معاصرة لكلّ ما بدا "حديثًا" لتلك النظرة ذاتها. وفي رأي جحا، أنَّه ما كان يمكن النظر إلى العلاقات الأولى من خلال الاستعارات الجيولوجية أو التطورية، مثل "البقاء" و"البقايا"، من دون أن تغدو هذه التاريخانية نخبوية في تفسيرها الماضي. هكذا كانت دراسات التابعفي تعارض مبدأي مع التواريخ القومية التي صوّرت الزعماء القوميين على أنّهم يهدون الهند وشعبها

سبيل الخروج من مرحلةٍ من المراحل "ما قبل الرأسمالية" إلى طور "الحداثة البرجوازية" التاريخي العالمي، المجهّز بأدوات الديمقراطية

وحقوق المواطنة واقتصاد السوق وسيادة القانون. لا شك أنَّ النخبة السياسية الهندية استدخلت لغة الحداثة السياسية هذه واستخدمتها،

لكنّ هذا الميل الديمقراطي وُجِدَ إلى جانب علاقات غير ديمقراطية من السيطرة والإخضاع واختلط معها. وهذا التعايش لاثنين من

مجالات السياسة هو، كما يقول جحا (6 - 5 , 1982 Guha) "مؤشّ على حقيقة تاريخية مهمة، هي إخفاق البرجوازية في التعبير عن الأمّة " (التشديد لجحا). والحال، أنّه لم يكن ثمّة "أمّة" موحّدة للتعبير عنها. وكان السؤال الأهم هو كيف ظهرت قومية رسمية زعمت

أنها تمثّل مثل هذه الأمّة الموحدة ومن خلال أيّ ممارسات. وهذا الموقف النقدي من القومية الرسمية أو الدولتية والتأريخ المرتبط بها

هو من الأشياء التي وسمت دراساتالتابعمنذ البداية. وبذلك كان التاريخ ما بعد الكولونيالي شكلً من التأريخ ما بعد القومي. كان لسعي جحا إلى تاريخ يكون فيه التابع "صانع مصيره" أن يسلّط الضوء على مسألة العلاقة بين النصوص والسلطة. وعادةً ما تكون الأرشيفات التاريخية مجموعات من الوثائق والنصوص من شتّى الأنواع. ولطالما أكّد مؤرّخو الفلاحين وغيرهم من الجماعات

الاجتماعية التابعة على حقيقة أنّ الفلاحين لم يتركوا وثائق خاصة بهم. وغالبًا ما لجأ المؤرّخون المعنيون باستعادة "تجربة" فلاحية من

تجارب التاريخ إلى موارد الفروع المعرفية والتخصصات الأخرى طلبًا للعون: الأنثروبولوجيا والديموغرافيا وعلم الاجتماع وعلم الآثار

والجغرافيا البشرية... إلخ. ويقدّم يوجين ويبر Weber Eugen في دراسته المعروفة عن فرنسا الريفية في القرن التاسع عشر، من فلاحين

إلى فرنسيين (vxi , 1976 , Weber)، صيغة موجزة لهذه المقاربة: "ليس الأمّيون عييّ في الحقيقة؛ بل يسعهم أن يعبروا عن أنفسهم

بطرائق متعددة ويقومون بذلك بالفعل. وكان علماء الاجتماع والإثنولوجيون والجغرافيون ومؤخّرًا المؤرّخون الديموغرافيون قد أظهروا

لنا وسائل جديدة ومختلفة لتفسير الأدلة". وفي ستينيات القرن العشرين وسبعينياته، التفت إ. ب. طومسن وكيث توماس وغيرهما إلى

الأنثروبولوجيا بحثًا عن سبلٍ للوقوع على "تجارب" الطبقات التابعة. لكن مقاربة جحا (1983 Guha) تختلف عن مقاربات هؤلاء

المؤرّخين اختلافًا لافتًا. فكتابه الأوجه الأوليّة لتمرد الفلاحين في الهند الكولونيالية يبدأ بتبيّ المشكلة ذاتها التي تبيّنها ويبر وتوماس

وطومسن وغيرهم: أنّ الفلاحين لا يتكلمون مباشرة في وثائق الأرشيفات التي عادةً ما تنتجها الطبقات الحاكمة. ومثلهم أيضًا،

يستخدم جحا مجموعة متنوعة من الفروع أو التخصصات لتتبّع منطق الوعي الفلاحي في لحظة التمرد. لكنه يفكر في مقولة "الوعي"

على نحو مختلف. فهو في تأكيده على استقلال وعي الفلاح المتمرد، لا يهدف إلى إنتاج تعميمات تحاول أن تلخص ما فكّر به في رأسه، أو أحسّه، أو عاشه في داخله كلّ فلاح بعينه ممن شاركوا في تمردات الهند الكولونيالية. ذلك أنَّ الأمر ينتهي بمثل هذه المحاولات،

17 سوف يطور هذا الجانب من المشروع لاحقًا كلّ من بارتا شاترجي وجيانيندرا باندي وشهيد أمين، كما سيأتي لاحقًا. 18 انظر ما يقوله إ. ب. طومسن (199 , 1979 Thompson)عن "التجربة": "مقولة لا غنى عنها للمؤرّخ، مهما تكن غير مكتملة، ذلك أنّها تشتمل على استجابة عقلية

وعاطفية يبديها فرد أو مجموعة اجتماعية حيال حوادث مترابطة كثيرة". انظر أيضًا (1963 Thomas.)

على الرغم من كلّ النيات الحسنة، إلى تحويل الفلاحين إلى موضوعات غرائبية من موضوعات الأنثروبولوجيا. ونقدُ جحا مصطلح "ما

قبل السياسي" يسدّ بصورة مشروعة سبيل التفكير هذا. وهو ينظر إلى الوعي - وإلى ذاتية الفلاح تاليًا - على أنّه شيء محايث لممارسات

التمرد الفلاحي ذاتها. وكتاب الأوجه الأوليّة هو دراسة لممارسات الفلاحين المتمردين في الهند الكولونيالية، وليس لمقولة مُشيَّئَة تُدعى

"الوعي". وكان الهدف من الكتاب إبراز المخيّلة الجمعية الكامنة في ممارسات التمرد الفلاحي. ولا يدّعي جحا قط أنَّ "الوعي المتمرد"

الذي يناقشه "واعٍ" بالفعل، أي موجود في رؤوس الفلاحين. ولا يساوي بين الوعي و"نظرة الذات إلى ذاتها". وهو يتفحّص ممارسات

المتمردين كي يفكّ مغاليق العلاقات المحددة - بين النخب والتابعين وبين التابعين أنفسهم - التي تُؤدَّى في هذه الممارسات، ثم يحاول أن

يستخرج من هذه العلاقات ما يمكن أن ندعوه البنية الأولية ل "الوعي" الكامن في تلك العلاقات. يصف جحا إستراتيجيته التأويلية من خلال استعارة القراءة، تمشّيًا مع التقليد البنيوي الذي ينسب كتابه إليه باستخدام كلمة

"الأولية" منذ العنوان. ولما كانت الأرشيفات المتاحة عن تمرد الفلاحين نتاج إجراءات مكافحة التمرد التي اتخذتها الطبقات الحاكمة وجيوشها وقوات شرطتها، فإنَّ جحا يؤكّد على حاجة المؤرّخ لأن يطوّر إستراتيجية واعية في قراءته هذه الأرشيفات، ليس حيال تحيزات

النخبة فحسب، بل أيضًا حيال الخصائص النصّية في هذه الوثائق، وذلك كي يضع يده على الطرائق المختلفة التي مثّلت من خلالها

أساليبُ التفكير النخبوية صورةَ التابعين العاصية وممارساتهم. ويرى جحا أنّه من دون أداة المسح هذه سوف يميل المؤرّخون إلى إعادة

إنتاج منطق التمثيل ذاته الذي استخدمته الطبقات النخبوية في السيطرة على التابعين. وتبدو استعارة القراءة التدخّلية هنا في تضاد مع استخدام إ. ب. طومسن (222 , 210 , 1979 , Thompson) استعارة الإصغاء السلبية في وصف النشاط التأويلي للمؤرّخ، وذلك في مناظرة له

مع ألتوسير Althusser. وهذا التركيز على القراءة يترك التأريخ الذي تمارسه دراسات التابععرضة لتأثيرات نظرية الأدب والسرد. هكذا يبتعد جحا وزملاؤه - في نقدهم التاريخانية والمركزية الأوروبية على هذا النحو واستخدام هذا النقد في استنطاق فكرة الأمّة، وفي

التأكيد على الخصائص النصية لوثائق الأرشيف، وفي اعتبار التمثيل وجهًا من أوجه علاقات السلطة بين النخبة والتابعين - عن الافتراضات

التي تستهدي بها مقاربة "التاريخ من أسفل" لدى التأريخ الماركسي الإنكليزي. ومع أعمال جحا، ينعطف التاريخ الهندي، إذا جاز القول، تلك الانعطافة الألسنية التي راح يُضَْب بها المثل. وكانت دراسات التابعقد اتخذت موقعًا لها منذ البداية في منطقة اليسار غير التقليدية. وما

ورثته عن الماركسية كان في حوار أصلً مع تيارات أخرى حديثة من الفكر الأوروبي، ولا سيما تيارات البنيوية. وكان ثمّة تعاطف مع بدايات

فوكو توضحه الطريقة التي طرحتْ بها كتاباتُ جحا مسألة المعرفة-السلطة من خلال السؤال: "ما الأرشيف وكيف يُنْتَج؟"

دراسات التابع منذ عام 1988: دوائر متعددة

تقاعد جحا من فريق التحرير في دراسات التابعفي عام 988 1. وفي العام نفسه، نشُرت في نيويورك مختارات من دراسات التابع (Selected Subaltern Studies) دشّنت مسيرة هذا المشروع العالمية. وكتب إدوارد سعيد (v , 1988 Said) تصديرًا لهذا المجلد وصف فيه

بيان جحا المتعلّق بأهداف دراسات التابعبأنه "متمرد فكريًا". واختيرت مقالة غاياتري سبيفاك "تفكيك التأريخ (" 1988 Spivak) التي

سبق أن نشُرت في المجلد السادس في عام 986 1 وفي ظلّ رئاسة تحرير جحا، كمقدمة لهذه المختارات. مثّلتْ مقالة سبيفاك هذه، مع مقالةِ

19 ثمة تفصيل لإستراتيجيات القراءة عند جحا في مقالته المنشورة في 1988 Spivak and Guha كما أنها مبثوثة في أنحاء كتابه الأوجه الأولية. 20 للإنصاف، فإنّ طومسن لا يكتفي بالكتابة عن "أصوات تصرخ من الماضي - " "ليس صوت المؤرّخ، لاحظوا رجاءً؛ بل أصواتهم " - إذ إنَّ لديه الكثير أيضًا مما يقوله عن

كيفية استنطاق المؤرّخين مصادرهم بغية الإصغاء إلى أصوات التاريخ الضائعة.

21 أفضل مثال على ذلك مقالة جحا في (1988 Spivak and Guha). انظر أيضًا تقديم شاكرافورتي سبيفاك للمجلد ذاته.

22 انظر بيان جحا (1988 Guha)، في تقديمه ل Subaltern Studies VI.

مراجعةٍ نشرتها روزاليند أوهانلون Hanlon ’ O Rosalind في الوقت ذاته تقريبًا (1988 Hanlon ' O)، نقدًا مهمًا ل  دراسات التابعترك أثره

الخطير في المسار الفكري اللاحق للمشروع. أشارت كلٌّ من سبيفاك وأوهانلون إلى غياب قضايا الجندر عن دراسات التابع. كما قدّمتا نقدًا

جوهريًا للتوجّه النظري للمشروع. وأشارتا، في الواقع، إلى أنَّ التأريخ في دراساتالتابعيعمل عمله من خلال فكرةٍ عن الذات- فكرة "جعل

التابع صانعًا لمصيره" - بعيدة كلّ البعد عمّا سبق أن تولّه المفكّرون البنيويون من نقدٍ لفكرة الذات ذاتها. وكانت سبيفاك في مقالتها الشهيرة

"هل يمكن للتابع أن يتكلّم؟" (1994 Spivak)، وهي قراءة نقدية متحدية لحوار بين ميشيل فوكو وجيل دولوز Deleuze Gilles، قد طرحت بقوة هذه الأسئلة وسواها من خلال اعتراضات تفكيكية وفلسفية على أيّ برنامج مباشر يرمي إلى "ترك التابع يتكلّم". حاول باحثو دراسات التابعمنذ ذلك الحين أخذ هذه الانتقادات على محمل الجدّ وتدبّرها. وجرى شيء من تلافي الاتهامات المتعلقة

بغياب قضايا الجندر عن دراسات التابعوعدم اهتمامها بالبحوث النسوية في مقالات مؤثّرة كتبها راناجيت جحا وبارتا شاترجي، وفي مساهمات قدمتها سوزي ثارو Tharu Susie وغيرها عن النظرية النسوية المعاصرة في الهند. وفي كتابه الفكرالقومي والعالم الكولونيالي (986 1)، طبّق بارتا شاترجي بشكلٍ خلاق منظور إدوارد سعيد والمنظور ما بعد الكولونيالي على دراسة القوميات غير الغربية، واستخدم

الهند مثالً على ذلك. وسّع هذا الكتاب انتقادات جحا للتأريخ القومي لتغدو نقدًا ألمعيًا ومكتملً للفكر القومي ذاته. ومع عمل شاترجي

هذا، ثم مع عمل جيانيندرا باندي عن تقسيم الهند في عام 947 1، أمكن القول بحقّ إنَّ النقد ما بعد الكولونيالي أصبح نقدًا ما بعد قوميّ

أيضًا. ويمكن تتبّع الأثر الذي تركه الفكر التفكيكي وما بعد الحديث في​ دراسات التابعمن خلال الطريقة التي أعلت بها أعمال جيانيندرا

باندي وبارتا شاترجي وشهيد أمين في تسعينيات القرن العشرين من شأن فكرة الجزء على حساب فكرة الكلّ أو الكليّة. وشكّك كتاب باندي

بناء الطائفية في شمال الهند الكولونيالي (991 1) ومقالته في 992 1 "دفاعًا عن الجزء"؛ وكتاب شاترجي في عام 994 1 الأمّة وأجزاؤها؛

وكتاب أمين التجريبي المحتفى به على نطاق واسع الحدث، الذاكرة، الاستعارة (995 1)، على أسسٍ أرشيفية ومعرفية، حتى بإمكانية بناء تاريخ قومي كلّ لدى سرد​ سياسات حياة التابعين. وكان طبيعيًا أن تؤدي هذه الخطوة إلى سلسلة من الكتابات التي كتبها باحثو دراسات

التابعووضعوا فيها قيد الاستقصاء النقدي التاريخَ ذاته بوصفه شكلً أوروبيًا من أشكال المعرفة. كما قدّم براكاش وجحا وشاترجي وأمين

وأجاي سكاريا وشايل مايارام Mayaram Shail وغيرهم مساهمات مهمة في تحليل "الخطاب الكولونيالي". وأتمَّ جيان براكاش Gyan

Prakash مؤخّرًا دراسةً لخطاب العلم في الكتابات القومية الهندية تبدي اتفاقًا عميقًا مع أفكار هومي بابا. أين تقف دراسات التابعاليوم، سواء كسلسلة أم كمشروع؟ يبدو أنها تقف عند تقاطع مسارات مختلفة شتّى. كان المشروع الأصلي

- مفهومًا هنا على أنّه مشروعٌ يُقيم فصلً نسبيًا بين تاريخ رأس المال وتاريخ السلطة - قد تطور وتعزز من خلال عمل المجموعة. وما دراسة

ديفيد أرنولد للكولونيالية البريطانية في الهند من حيث تواريخ ممارساتها الجسدية المتنازَعة، استعمار الجسد (993 1)؛ ودراستا ديفيد

هارديمان للثقافة السياسية والاقتصادية في حياة التابعين العالقين في أشكال ناشئة من الرأسمالية في ولاية غوجارات الهندية، مجيء

23 انظر، مثلً,"(Death s ' Chandra , " Guha) الذي نشُر في الأصل في دراسات التابع V وأعيد نشره في (62 - 34 , 1998 Guha)؛ وانظر أيضًا:

Partha Chatterjee, "The Nationalist Resolution of the Woman Question," reprinted as "The Nation and Its Women" in Chatterjee 1994 ; and Susie Tharu and Tejaswini Niranjana, "Problems for a Contemporary Theory of Gender" in Amin and Chakrabarty 1996 , 232 - 260.

24 قاد براكاش الجدال حول التواريخ غير التأسيسية في مقالتيه الشهيرتين "كتابة تواريخ العالم الثالث ما بعد الاستشراقية: منظورات من التأريخ الهندي (" 990 1) و"النقد

ما بعد الكولونيالي والتأريخ الهندي" (992 1). وتُعَدُّ مقالة جحا "تأريخ هنديّ للهند: نتائج هيمنيّة لأجندة من القرن التاسع عشر" المنشورة في (1997 Guha)؛ والفصل الموسوم

"الأمّة وضروب ماضيها" ضمن (1994 Chatterjee)؛ ومقالة باندي "دراسات التابع: من نقد القومية إلى نقد التاريخ" (غير منشورة)؛ ومقالة أمين "تواريخ بديلة: نظرة من

الهند" (غير منشورة) مساهمات في جدالات حول التأريخ ومكانة المعرفة التاريخية أنتجتها دراساتالتابع. انظر بهذا الصدد أيضًا تناول شايل مايارام للذاكرة والتاريخ في

مقالتها "الكلام والصمت وقيام العنف التقسيمي في ميوات"، وذلك في (1996 Chakrabarty)؛ وانظر كذلك (jay, Hybrid Histories A) الذي يصدر قريبًا.

25 يحلل كتاب براكاش القادم خطابات العلم والحداثة في الهند الكولونيالية؛ انظر أيضًا مقالته:

"Science between the Lines," in Amin and Chakrabarty, 1996.

ديفي987 1 وإطعام البانيا 1996؛ ودراسة غوتام بادرا لعدد من النصوص ذات الصلة بالمجتمع الفلاحي في بنغال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، إيمان ونيشان (994 1) سوى أمثلة تُصَاغ فيها إمكانيات المشروع النظري الأصلي وتوضَّح من خلال أمثلة تاريخية، ملموسة. لا بد من الاعتراف، في الوقت ذاته، بأنَّ دراسات التابعتجاوزت الأجندة التأريخية الأصلية التي وضعتها لنفسها في أوائل

ثمانينيات القرن العشرين. وكما سبق أن قلت، بات لهذه السلسلة الآن موقع عالمي وحتى إقليمي في الدوائر التي بلغتها. وعاد هذا

التوسّع خارج مجالات التاريخ الهندي على السلسلة بكلٍّ من الثناء والنقد. ويكاد كثيرٌ من النقاش يتبع خطوط الجدال العالمي المتواصل

بين الماركسيين من جهة وما بعد الحداثيين من جهة أخرى. ومثل الماركسيين في كلّ مكان، يلقي الماركسيون الهنود التهمة التي مفادها أنَّ الإعلاء ما بعد الحداثي من شأن الجزء في تأريخ التابع يضرّ بقضية وحدة المضطهَدين. ويعتقد كثير من معارضي دراسات التابع

الماركسيين أنَّ مثل هذه الوحدة تتعزز بالتحليلات الاجتماعية التي تجمع معًا شتّى "جماهير" المضطهَدين باكتشافها أسبابًا عالمية

شاملة تقف وراء اضطهادهم. ويزداد هذا الجدال تعقيدًا في الهند مع تسنّم الأحزاب والمنظمات الأصولية الهندوسية سدّة السلطة

السياسية. وكثيرًا ما يزعم منتقدو دراسات التابعأنَّ ما أطلقته السلسلة من نقد المركزية الأوروبية وعقلانية ما بعد التنوير، متضافرًا مع

ما أطلقه كتّاب هنود مثل أشيز ناندي من نقد "العلمانية" و"الحداثة"، انتهى في النهاية إلى توفير الذخيرة الفكرية للأحزاب الهندوسية

اليمينية الكارهة للمسلمين. ويردّ المدافعون عن دراسات التابعمشيرين إلى أنَّ ما جزّأ المجال العام- في الهند وسواها - إنّما هو ضغط

الديمقراطية؛ ولا يمكن توحيد ذلك المجال من خلال ماركسية تصرّ على اختزال تجارب الاضطهاد والتهميش المتنوعة الكثيرة في محور

واحد هو محور الطبقة. ويضيف هؤلاء المدافعون أنَّ التوصّل إلى منظور نقدي حيال أشكال المعرفة الأوروبية هو جزء من استنطاق نقدي

لإرثها الكولونيالي يجب أن يقوم به المثقفون ما بعد الكولونياليين. وهم يصرّون على أنّ نقدهم للقومية لا يشترك في شيء مع الشوفينية

القومية لدى الأحزاب الهندوسية. لا يسعني هنا أن أكون منصفًا وأُقَوِّم هذا الجدال، الأمر الذي من شأنه أن يمضي بنا أبعد من نطاق المناقشة الحالية. كما أشعر

بأنَّ الأوجه السجالية في هذا الجدال بالغت في إبراز الخلافات بين الطرفين. كان هدفي من هذه المقالة دحض التهمة التي ترى أنَّ

دراسات التابعضلّت سبيلها الأصلي جرّاء رفقة السوء التي أقامتها مع النظرية ما بعد الكولونيالية. وحاولتُ أن أوضح من خلال مناقشة

ما كتبه جحا في ثمانينيات القرن العشرين بعض الصلات الضرورية بين الأهداف الأصلية ل  دراساتالتابعوالمناقشات الحالية للوضع

ما بعد الكولونيالي. ذلك أنَّ دراسات التابعلم تكن أخذًا لطرائق البحث التاريخي التي سبق أن صاغتها تقاليد "التاريخ من أسفل"

الماركسية المتروبولية وتطبيقًا لها على مواد هندية. صحيح أنَّ دراسات التابع كانت في جانب منها سليلة هذا النسب، لكن طبيعة الحداثة

السياسية في الهند الكولونيالية جعلت من هذا المشروع في كتابة التاريخ شيئًا لا يقلّ عن نقد فرع التاريخ الأكاديمي ذلك النقد المُلْزِم

الذي لا مناص منه.

26  " ديفي"، كلمة سنسكريتية تعني الإلهة في الهندوسية، في حين تعني كلمة "ديفا" الإله. (المترجم) 27 البانيا طائفة حرفية من التجار والصيارفة والمقرضين وسماسرة الحبوب والتوابل، وفي الزمن المعاصر أصحاب المشاريع التجارية على اختلافها. تستخدم الكلمة في البنغال

خصوصًا وفي الهند بوجه عام، حيث تنطبق على طوائف حرفية بعينها. (المترجم)

28 يجد القارئ عرضًا مفصّلً لهذه النقطة في كتابي القادم ترييف أوروبا: الفكر ما بعد الكولونيالي والاختلاف التاريخي.

قائمة المصادر والمراجع

• Amin, Shahid. 1995. Event, Memory, Metaphor: Chavri Chavra, 1922-1992. Berkeley: University of California Press. • Amin, Shahid, and Dipesh Chakrabarty, eds. 1996. Subaltern Studies IX. Delhi: Oxford University • Amin, Shahid, and Gyan Pandey, eds. 1996. Nimnavarga prasang (in Hindi). Delhi: Raj Publications. • Arnold, David. 1977. The Congress in Tamilnadu: National Politics in South Asia, 1919-1937. New Delhi: Manohar. •. 1 993. Colonizing the Body: State Medicine and Epidemic Diseases in Nineteenth- Century India. Berkeley: University of California Press. • Beverley, John, José Oviedo, and Michael Aronna, eds. 1993. "The Postmodernism Debate in Latin America" (special issue). Boundary 2 20 , no. 3. • Bhadra, Gautam. 1994. Iman o nishan: Unish shotoke bangaly krishak chaitanyer ek adhyay, c. 1800-1850 (in Banglay). Calcutta: Subarnarekha for the Centre for Studies in Social Sciences. • Chakrabarty, Dipesh. 1992. "Marxism and Modern India." In Ryan 1992. •.Forthcoming. Provincializing Europe: Postcolonial Thought and Historical Difference. Princeton, NJ: Princeton University Press. • Chandra, Bipan. 1969. The Rise and Growth of Economic Nationalism in India: Economic Policies of Indian National Leadership, 1880-1905. Delhi: People's Publishing House. •. 1 979. Nationalism and Colonialism in Modern India. New Delhi: Orient Longman. • Chatterjee, Partha. 1986. Nationalist Thought and the Colonial World. London: Zed. •. 1 994. The Nation and Its Fragments: Colonial and Postcolonial Histories. Princeton, NJ: Princeton University Press. • Chatterjee, Partha, and Gautam Bhadra, eds. 1997. Nimnabarger itihash (in Bengali). Calcutta: Ananda Publishers. • Cohn, Bernard S. 1988. An Anthropologist among the Historians and Other Essays. Delhi: Oxford University Press. • Cusicanqui, Silvia Rivera, and Rossana Barragán, comps. 1998. Debates post coloniales: Una Introducción a los estudios de la subalternidad. La Paz: Historias, Sephis, Aruwiyiri. • Desai, A. R. 1966. Social Background of Indian Nationalism. Bombay: Asia Publishing House. • Dirlik, Arif. 1996. "The Aura of Postcolonialism: Third World Criticism in the Age of Global Capitalism." In Contemporary Postcolonial Theory: A Reader , edited by Padmini Mongia. London: Arnold. • Gallagher, John, Gordon Johnson, and Anil Seal, eds. 1973. Locality, Province, and Nation: Essays on Indian Politics, 1870-1940. Cambridge: Cambridge University Press. • Gramsci, Antonio. 1973. Selections from the Prison Notebooks. Translated and edited by Quintin Hoare and Geoffrey Nowell-Smith. New York: International Publishers. • Guha, Ranajit. 1983. Elementary Aspects of Peasant Insurgency in Colonial India. Delhi: Oxford University Press.

•. 1 997. Dominance without Hegemony: History and Power in Colonial India. Cambridge: Harvard University Press. • ,ed. 1982. Subaltern Studies I: Writings on South Asian History and Society. Delhi: Oxford University Press. • ,ed. 1984. Subaltern Studies III: Writings on Indian History and Society. Delhi: Oxford University Press. • ,ed. 1988. Subaltern Studies VI. Delhi: Oxford University Press. • ,ed. 1998. A Subaltern Studies Reader. Minneapolis: University of Minnesota Press. • Guha, Ranajit, and Gayatri Chakravorty Spivak, eds. 1988. Selected Subaltern Studies. New York: Oxford University Press. • Hardiman, David. 1981. Peasant Nationalists of Gujarat: Kheda District. Delhi: Oxford University Press. •. 1 987. The Coming of the Devi: Adivasi Assertion in Western India. Delhi: Oxford University Press. •. 1 996. Feeding the Baniya: Peasants and Usurers in Western India. Delhi: Oxford University Press. • Hobsbawm, E. J. 1978. Primitive Rebels: Studies in Archaic Forms of Social Movement in the Nineteenth and Twentieth Centuries. Manchester: Manchester University Press. • Kumar, Kapil. 1984. Peasants in Revolt: Tenants, Landlords, Congress, and the Raj in Oudh, 1886-1922. New Delhi: Manohar. • Low, D. A. 1968. Soundings in Modern South Asian History. Canberra: Australian National University Press. • ,ed. 1977. Congress and the Raj. London: Heinemann. Mayaram, Shail. 1996. "Speech, Silence, and the Making of Partition Violence in Mewat." In Amin and Chakrabarty 1996. • Morris, Morris David, and Dharma Kumar, eds. 1969. Indian Economy in the Nineteenth Century: A Symposium. Delhi: Indian Economic and Social History Association. • Nehru, Jawaharal. [1936] 1962. India's Freedom. London: Allen and Unwin. • O'Hanlon, Rosalind. 1988. "Recovering the Subject: Subaltern Studies and Histories of Resistance in Colonial South Asia." Modern Asian Studies 22: 189-224. • Pandey, Gyanendra. 1978. The Ascendancy of the Congress in Uttar Pradesh, 1926-1934:A Study in Imperfect Mobilization. Delhi: Oxford University Press. •. 1 991. The Construction of Communalism in Colonial North India. Delhi: Oxford University Press. •. 1 992. "In Defense of the Fragment: Writing about Hindu-Muslim Riots in India Today." Representations (winter): 27-55. Reprinted in Guha 1998. • Prakash, Gyan. 1990. "Writing Post-Orientalist Histories of the Third World: Perspectives from Indian Historiography." Comparative Studies in Society and History 32 , no. 2: 383-408.

•. 1 992. "Postcolonial Criticism and Indian Historiography." Social Text 31 / 32: 8-19. •. 1 996. "Science between the Lines." In Amin and Chakrabarty 1996. • Raychaudhuri, Tapan. 1979. "Indian Nationalism as Animal Politics." Historical Journal 22: 747-63. • Ryan, Alan, ed. 1992. After the End of History. London: Collins and Brown. • Said, Edward. 1988. "Foreword." In Guha and Spivak 1988. • Sanyal, Hitesranjan. 1994. Swarajer Pathe (in Bengali). Calcutta: Papyrus. • Sarkar, Sumit. 1997. Writing Social History. Delhi: Oxford University Press. • Seal, Anil. 1968. The Emergence of Indian Nationalism: Competition and Collaboration in the Later Nineteenth Century. Cambridge: Cambridge University Press. •. 1 973. "Imperialism and Nationalism in India." In Gallagher 1973. • Seth, Sanjay. 1995. Marxist Theory and Nationalist Politics: The Case of Colonial India. New Delhi: Sage Publications. • Siddiqi, Majid. 1978. Agrarian Unrest in North India: The United Provinces, 1918-1922. Delhi: Vikas. • Skaria, Ajay. 1999. Hybrid Histories. Delhi: Oxford University Press. Forthcoming. • Spivak, Gayatri Chakravorty. 1988. "Subaltern Studies: Deconstructing Historiography." In Guha and Spivak

•. 1 994. "Can the Subaltern Speak?" In Colonial Discourse and Postcolonial Theory: A Reader , edited by Patrick Williams and Laura Chrisman. New York: Columbia University Press. • Tharu, Susie, and Tejaswini Niranjana. 1996. "Problems for a Contemporary Theory of Gender." In Amin and Chakrabarty 1996. • Thomas, Keith. 1963. "History and Anthropology." Past and Present 24: 3-18. • Thompson, E. P. 1979. The Poverty of Theory and Other Essays. London: Merlin Press. • Weber, Eugen Joseph. 1976. Peasants into Frenchmen: The Modernization of Rural France, 1870-1914. Stanford, CA: Stanford University Press.