العودة إلى تفاصيل المؤلَّف استعمالات البيوغرافيا

استعمالات البيوغرافيا

The Uses of Biography

جيوفاني ليفيGiovanni

Levi

ترجمة: محمد الطاهر المنصوري

Mansouri Tahar *Mohamed

الملخّص

إنّ الأسئلة الجوهرية التي أُثيرتْ في الأبحاث المنهجية في الإسطوغرافية المعاصرة هي نفسها التي أُثيرت في البيوغرافيا (السيرة)، على سبيل المثال، في صلتها بسائر العلوم الاجتماعية والعلاقات بين المعايير والسلوك من جهة، والجماعات والأفراد من جهة أخرى. وقد أحدثت هذه الأسئلة التي تشكّل كلّاً من حدود حرية الإنسان والعقلانية ومقاييس التحليل، من خلال الاستناد إلى تصنيف الآثار المترتبة على البيوغرافيا وتحليلها، قطيعةً مع الزمن الخطي والوقائعية التقليدية. وبالنسبة إلى هذا المقال تحديدًا، فإنه يُركّز في الجوانب المعقَّدة غير المكتشفة من منظور البيوغرافيا.

Abstract

Biography shares a number of the same pressing, essential methodological questions which are raised in contemporary historiography. These questions concern its relations with social sciences, the question of the relations between norms and behavior and between groups and individuals, as well as the issue of the limits of human freedom and rationality. This article stresses the unexplored complexity of the biographical perspective, offering a typology and an analysis of the implications of biographies that break with the linear and factual tradition.

الكلمات المفتاحية:
  • بيوغرافيا
  • الحوليات
  • تاريخ الفرد
  • البرزوبغرافيا
  • الأنثروبولوجيا التاريخية
  • ميكرو تاريخ
Keywords:
  • Biography
  • Prosopography
  • Microhistory
  • New History
  • Historicism

تقديم

تنبع الرغبة في ترجمة1 مقالة جيوفاني ليفي المتعلّقة باستعمالات البيوغرافيا من الحاجة التي لمسناها لدى طلبتِنا إلى تحسُّسِ المناهج الحديثة، وتلمّس القضايا البحثية التي تُشير إليها الدراسات التاريخية المعاصرة أو تُعالجها. إلا أنّ الأغلبية لا تحذق عدّة ألسنة - وهو أمر طبيعي لأنه لا يمكن للإنسان أنْ يكون مُلمًّا بكل الأدوات - لذلك ارْتأينا تعريب المقالة وتقريبها من القُراء لعلّ الإفادة تحصل، وهي هدفنا الرئيس. لقد اخترنا أنْ نُحافظ على الشكل الغربي لكلمة "بيوغرافيا" Biographia / Biographie / Biography؛ لأنّها مُصطلح مرتبطٌ بمجالٍ ثقافي وفكري يختلف عن المجال العربي الإسلامي، وهو مجال لئن استعملنا فيه كلمة "السيرة"، وهي ملائمة للبيوغرافيا، فإنها في الحقيقة مشحونة في مجال الثقافة العربية الإسلامية بجملة من المعطيات، من ذلك أنها تُحيلنا على سيرة الرسول، وعلى سِيَ الصحابة والأولياء. ولكنَّ المهمّ في الأمر هو أنّ البيوغرافيا كما تبدو في ظاهرها هي اهتمامٌ بالأفراد وتتبعُ سيرهم، وهو الفهم الذي كان سائدًا في ما مضى وخصوصًا في صلب المدرسة الوضعانية التي كانت تُؤرِّخ للأبطال والزعماء والجنرالات، من دون اهتمام بسائر مكونات المجتمع. إنّ البيوغرافيا في الوقت الراهن هي منهج يسمح باستقراء حقبة من الزمن في مختلف تمظهراتها وتعابيرها، من خلال تتبع سيرة الفرد. فيكون الفرد موضوع البيوغرافيا مَطيَّةً للمؤرخ، أو فُرصةً له، لينبشَ التاريخ، على نحوٍ شموليّ، مُتتبِّعًا مسار الفرد، من خلال محيطه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي وغيره من حقول التاريخ المُختلفة. كما أنّ دراسة البيوغرافيا تُمكِّننا، استنادًا إلى تتبع سيرة الفرد الذي هو موضوع الدراسة من تعرُّف شبكات العلاقات وإستراتيجيات الأفراد في نسج خيوط حياتهم. ويُمكن للبيوغرافيا أيضًا أن تُساعد على دراسة التطورات الحِرَفِيّة والاقتصادية والتغيُّات التي يمكن أن يعرفها الفرد ضمن صيرورة جماعية، وهو ما يسمح بدراسة الحراك الاجتماعي عبر ذَلك التتبُّع الذي يمارسه الباحث لشخصية بحثه. ولا يخفى أنّ الفرد لا يمكن أنْ يكون غُصنًا مُنفصلً عن الشجرة، فهو ينمو ويتحرك ضمن جماعة. ومن خلال تحركاته وعلاقاته وانتماءاته العائلية أو العرقية أو الدينية، يُمكننا أنْ نسْتَشِفَّ التطوُّر الديمغرافي للجماعة، وتطور العلاقات بين الجماعات من ناحية، وبين الفرد والجماعة من ناحية أخرى. وتَحْمل البيوغرافيا الباحثَ على طرْحِ سَيْلٍ من الأسئلة تُساعده على إعادة تركيب حقبة تاريخية ربما لا تسمح الدراسات العامة باستقراء بعض جُزْئيَّاتها. لقد مارس هذا الفن العديد من رواد مدرسة الحوليات؛ إذ خصَّ جاك لوغوف Goff Le Jacques الملك لويس التاسع  IX Louis بكتاب يشتمل على 280 1 صفحةً2. فهل تملأ حياة فرد حتى ولو كان ملكًا هذا الفضاء الشاسع من الورق والضجيج الاجتماعي والإخباري؟ يبدو الكتاب في ظاهره احتفاءً بلويس التاسع وهو الطفل الملك (أصبح ملكًا وعمره 2 1 سنةً) أو الملك المقدس (رفعته الكنيسة إلى مصاف القديسين سنةُ297 1)، ولكنَّه يُعنى في الحقيقة بدراسة القرن الثالث عشر الذي شارك لويس التاسع في صُنْعِ بعض أحداثه. فنجدُ لوغوف يدرس وضع فرنسا إداريًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، ودور لويس التاسع في سنّ القوانين وتغيير وجه فرنسا. كما تعرَّض لوغوف إلى الحروب الصليبية بوصفها مشغلً من مشاغل لويس التاسع (سجن في مصر ومات وهو يحاصر تونس)، ودرس شبكة العلاقات التي تمتد من فرنسا إلى بلاد المغول ومُختلف المناورات الدبلوماسية التي مارستها فرنسا مدعومة من البابوية وعديد الملوك المسيحيين. وقد بيّ لوغوف من خلال ذلك خصائص الحياة الدينية في أوروبا الغربية.

  1. هذه الترجمة هي ثمرة جهود مشتركة، ساهم فيها الباحث المساعد بمعهد الدوحة للدراسات العليا ياسين اليحياوي بالمراجعة والإصلاح، وإضافة الهوامش، والتعريف بالشخصيات الواردة ضمن المقال، وقام الأستاذ عبد الرحيم بنحادة أستاذ التاريخ الحديث بمعهد الدوحة للدراسات العليا ورئيس برنامج التاريخ بمراجعة النص العربي. أنظر: Giovanni Levi, "Les usages de la biographie," Annales: Économies, Sociétés, Civilisations , vol. 44 , no.  6  (1989), pp. 1325 - 1336.
  2. Jacques Le Goff, Saint Louis (Gallimard, Paris, 1996).

من خلال هذه المعطيات الملخَّصة لكتاب لويس التاسع، نستنتج أنّ لويس التاسع نفسه لم يكن سوى ذلك الشبح الذي ينماث في تاريخ فرنسا كما ينماث الملح في الماء، ولم تكن سيرته سوى ذلك الخيط الناظم الذي تسير تحته وفوقه وبجانبيْه جملةُ الأحداث التي سعى لوغوف إلى إماطة اللثام عنها وربْطها ببعضها، ليُخرج بحثًا شاملً حول القرن الثالث عشر للميلاد. وفي هذا السياق، لابدّ من الإشارةِ إلى أنّ البيوغرافيا على الرغم من أنّ ليفي يدعو إلى اعتمادها منهجًا خارجَ تقاليد مدرسة الحوليات، فإنها في الحقيقة من صلب الحوليات. ويُمكن القول إنّ التطورات التاريخية التي تُقدَّم على أنّها "ما بعد الحوليات" إنما هي من صلب الحوليات وُلِدَتْ، وتحت أجنِحتها ترعرعت.

أولً،

يقول ريمون كنو3Queneau Raymond: "توجد فترات يمكن أن نكتب فيها تاريخ الفرد، مع التغاضي عن ذكر أيّ حدث تاريخي"4. ويمكن أن نقول أيضًا إنه توجد فترات (ربما تكون قريبةً منّا) يُمكن أن نسرد فيها حدثًا تاريخيًّا من دون التعرض لأيّ مسار فردي. إنّنا نعيش اليوم مرحلةً وسطى؛ إذ توجد السيرة في الوقت الراهن في صلب اهتمامات المؤرخين أكثر من أيّ وقتٍ مضى، إلّ أنها أفصحت عن جوانبها الغامضة. ونحن نعود إليها في بعض الأحيان لإبراز ارتباط الأفراد وتصرفاتهم بأنظمة منمذجة عامة باسم تجربة الحياة، وعلى عكس ذلك يُنظر إليها في حالات أخرى على أنها المكان المفضل الذي توضع فيه على المحكّ صحة الفرضيات العلمية التي تخصّ الممارسات والسلوك الفعلي للقوانين والقواعد الاجتماعية. لقد أبرز أرنالدو موميغليانو5Momigliano Arnaldo في الوقت نفسه غموض السير وخصوبتها. فمن جهة، "لا يبدو مثيرًا إن أخذت السيرة مكانها في قلب البحث التاريخي، في حين تجعل بواكير التاريخانية تقريبًا كلّ أشكال التاريخ السياسي والاجتماعي معقَّدةً، وتظلّ السيرة أمرًا بسيطًا؛ ذلك أنّ للفرد حدودًا واضحةً وعددًا محدودًا من العلاقات التي لها دلالة (...) تنفتح السيرة على كلّ أنواع المشكلات داخل حدود محدّدة المعالم"6. ومن جهة أخرى، "هل يكون بمقدور المؤرخين في يوم من الأيام تعداد أوجه الحياة التي لا تحصى؟ من الآن أصبح للسيرة دور غامض في التاريخ. فكما يمكنها أن تكون أداةً للبحث الاجتماعي، يمكنها أيضًا أن تكون وسيلةً لتجنّبه"7. لسنا نريد الرجوع إلى نقاش كان دومًا من صميم العلوم الاجتماعية والتاريخانية التي وصفها بيار بورديو8Bourdieu Pierre بضراوته المنقذة بأنها عبث علمي9. غير أننا نرى أنه في فترة أزمة المناويل Paradigmes والمراجعات الخصبة لنماذج التأويل المطبقة على العالم الاجتماعي ما يستدعي الإقبال الحديث للمؤرخين على السير والسير الذاتية جملةً من الملاحظات التي يمكنها أن تساهم

  1. روائي وشاعر فرنسي (1903 - 976 1). أوّل رواياته هي Le Chiendent التي أصدرها عام 933 1. وقد سعى فيها إلى شرح أدبي لكتاب مقال عن المنهجلرينيه ديكارت. وبعد الشهرة التي نالتها الرواية، شرع في كتابة أربع روايات مستلهمة من سيرته الذاتية، وتُعدُّ هذه الفترة (أربعينيّات القرن العشرين) المرحلة اللامعة في "رحلة" ريمون الأدبية، لتتوالى بعد ذلك الكتابات من قبيل الرواية، والشعر، والترجمة، وبعض الدراسات في الأدب، والتاريخ أيضا.
  2. Raymond Queneau, "L'histoire dans le roman," Front national, vol. 4 , no. 8 (1945).
  3. مؤرخ إيطالي (1908 - 987 1)، مُتخصص بتاريخ الحضارة اليونانية في الفترة الهيلينية. له العديد من المساهمات المتعلّقة بمناهج التأريخ القديمة والحديثة، وقد ألّف في ذلك كتابًا بعنوان إشكالات التأريخ القديم والحديث) 1983 (Problèmes d'historiographie ancienne et modern، كما عُرف أيضًا بكتاب حكم بربرية) 1983 (Sagesses barbares. Les limites de l'hellénisation، وقد حاول أن يبُرز فيه علاقات التثاقف بين اليونان والرومان والبرابرة.
  4. Arnaldo Momigliano, "Storicismo rivisitato," in Arnaldo Momigliano, Fondamenti della storia antica (Torino: Einaudi, 1984), p. 464.
  5. Arnaldo Momigliano, Lo sviluppo della biografia greca (Turin: Einaudi, 1974), p. 8.
  6. وبيار بورديو (1930 - 2002) هو عالم اجتماع فرنسي، وأحد أبرز المراجع العالمية في علم الاجتماع المُعاصر. ساهم في النقاش الدائر في مُنتصف القرن العشرين بشأن حدود العلوم الاجتماعية والإنسانية، ودافع عن المُقاربة المُتعدّدة التخصصات التي تعتمد مُختلف المناهج والعلوم من أجل دراسة المجتمع.
  7. Pierre Bourdieu, Choses dites (Paris: Les Editions de Minuit, 1987), p. 43.

في التفكير في ما دعت إليه افتتاحية الحوليات10. وفي ما نرى، تتعلق أغلب الأسئلة المنهجية في الدراسات التاريخية المعاصرة بالبيوغرافيا، وخصوصًا علاقتها بالعلوم الاجتماعية، ومشكلات مستويات التحليل، والعلاقات بين القوانين والممارسات، والعلاقات بين حدود الحرية والعقلانية الإنسانية التي تُعدّ الأكثر تعقيدًا.

ثانيًا،

يوجد جانب مهمّ يخص العلاقات بين التاريخ والسرد. وتمثّل البيوغرافيا في الواقع المعبّ المميز الذي تُطرح من خلاله التساؤلات والتقنيات الخاصة بالأدب أمام الكتابة التاريخية. وقد دار نقاش طويل حول هذا الموضوع، وبخاصة ذاك النقاش الذي يتعلق بتقنيات الحِجاج الذي يعتمده المؤرخون. فالأدب، وهو متحرر من العوائق الوثائقية، يتلاءم مع مختلف النماذج والمسارات البيوغرافية التي كثيرًا ما أثّرت في المؤرخين. ويطرح هذا التأثير الذي يُعدّ غير مباشر أكثر منه تأثيرًا مباشرًا بعض المشكلات، والتساؤلات، والمسارات النفسية أو السلوكية التي تُرجع المؤرخ إلى عوائق وثائقية كثيرًا ما تكون صعبة التجاوز؛ من ذلك مثلً ما يتعلق بالحركات، والأفكار اليومية، والشكوك، وانعدام اليقين، وأشكال الهوية المشتتة والمتحركة واللحظات المتناقضة لبنائها. لا شكّ في وجود اختلاف بين متطلبات عمل المؤرخ وعمل الروائي، وعلى الرّغم من ذلك، فإنّهما يتقاربان شيئًا فشيئًا. وإنّ اندهاشنا، بوصفنا مستعملين للأرشيف، تجاه عمليات الوصف التي يستحيل التوسع فيها؛ نظرًا إلى قلّة الوثائق، يغذي في الحين نفسه التاريخ السردي والاهتمام بمصادر جديدة تمكّن من اكتشاف إشارات مبعثرة لحركات وكلمات من الحياة اليومية. وعلاوةً على ذلك، أعاد ذلك الاندهاش النقاش من جديد في تقنيات الحجاج والطريقة التي تحوّل بها البحث إلى عملية تواصلية من خلال النص المكتوب. هل يمكننا أن نكتب تاريخ فرد؟ كثيرًا ما يقع تجنّب السؤال الذي يثير نقاطًا مهمةً بالنسبة إلى البحث التاريخي، باعتماد عمليات تبسيط تتعلل بغياب المصادر. وفي هذا السياق نبيّ أنّ هذه الصعوبة ليست الصعوبة الوحيدة وليست الصعوبة الرئيسة أيضًا. ففي كثير من الحالات تأتي التشويهات الصارخة من تخيّلنا، بوصفنا مؤرخين، أنّ الفاعلين التاريخيين يخضعون لنماذج عقلانية محدودة قد تجاوزها الزمن. وانطلاقًا من اتباع تقليدي بيوغرافي جاهز، إضافةً إلى لغة تخصصنا، نجد أنفسنا قد عولنا على نماذج تجمع بين تاريخ منظّم، وشخصية متناسقة ومستقرة، وأفعال متواصلة، وقرارات لا ريب فيها.

ثالثًا،

لقد تحدّث بيار بورديو في هذا المعنى بصفة سليمة عن "الوهم البيوغرافي"، وهو يرى ضرورة إعادة بناء الظرفيّة و"المساحة الاجتماعية" التي يؤثّر فيها الفرد في كل لحظة، في حقول متعدّدة11. إلا أنّ الشك في إمكان كتابة البيوغرافيا يظلّ مطروحًا. ولم تكن مراجعة البيوغرافيا العمومية، وهي بيوغرافيا نموذجية وأخلاقية، على نحوٍ تدريجي، ولكنّ ذلك قد كان في شكل تموجات تكون دومًا في ارتباط وثيق بفترات أزمة تعريف العقلانية، وبالفترات التي يصبح فيها التصادم بين الفرد والمؤسسات تصادمًا حادًا. وقد كان ذلك على نحوٍ جليّ خلال القرن الثامن عشر في إطار النقاش الذي فُتِح حول إمكان كتابة سيرة الفرد. وتسعى الرواية الأدبية

  1. Jacques Revel, "Présentation," Annales: Économies, Sociétés, Civilisations , vol. 43 , no. 2 (1988), pp.  295 - 299.
  2. Pierre Bourdieu, "L'illusion biographique," Actes de la Recherche en Sciences sociales, vol. 62  -  63 (juin 1986), pp. 69  -  72.

(لورونس ستارن12Sterne Laurence ودينيس ديدرو13Diderot Denis) إلى بناء صورة رجل معقّد ومتناقض، يكون طبعه وآراؤه ومواقفه في تكوّن مستمر. وتمسّ هذه الأزمة السيرة الذاتية (جان جاك روسو14Rousseau Jacques - Jean، وفي نهاية الأمر تمسّ البيوغرافيا في حدّ ذاتها). ويتميز هذا الزمن (القرن الثامن عشر) بالكثير من التماثل مع زمننا الحاضر: يأخذ الوعي في الاختلاف بين الشخصية الاجتماعية وتصور الذات مكانةً متميزةً. فقد جرى إدراك حدود البيوغرافيا بوضوح في وقتٍ نشهد فيه ازدهار الجنس البيوغرافي. يصف مارسال موس15Mauss Marcel الفرق بين الشخصية الاجتماعية وتصور الذات بالعبارات التالية: "إنه من الثابت خاصةً بالنسبة إلينا أنه لم يوجد إطلاقًا كائن بشري لا يدرك فقط معنى لجسمه، بل كذلك لشخصيته الروحية والجسدية في الوقت نفسه". إلا أنّ هذا المعنى للأنا لا يتطابق مع الطريقة التي "تشكّلت عبر قرون من الزمن من خلال مجتمعات عديدة، وليس ذلك بمعنى "الأنا"، وإنما بالمفهوم والمصطلح"16. وفي الحقيقة، يبدو واضحًا في بعض الفترات أنّ مفهوم "الأنا" الذي بُنيَ اجتماعيًّا كان مفهومًا ضيّقًا. وبمعنى آخر، فإنّ ما كان يُعدّ محددًا اجتماعيًّا وقابلً للتصريح به لم يكن يُغطي إلا على نحوٍ غير ملائم ما يعدّه الفرد من الأمور الأساسية. وهذه المشكلة المطروحة في الوقت الراهن هي ما جرى التعبير عنها بوضوح في القرن الثامن عشر.

رابعًا،

يمكننا أن ننطلق من بعض الأمثلة من القرن الثامن عشر؛ إذ يمكن أن نرى أنّ قصة تريسترام شاندي Shandy Tristram التي ألفها ستارن هي أوّل رواية حديثة، لأنها تبرز التجزئة الكبيرة لأيّ بيوغرافيا فردية. وهذه التجزئة تتُرجم بالتغير الدائم للأزمنة والاعتماد على تعدّد الإحالات، وبالطبيعة المتناقضة والمفارقات التي تميّز لغة أبطال الرواية. ويمكن أن نضيف أنّ الحوار بين تريسترام Tristram والمؤلف والقارئ هو من الملامح المميزة للكتاب، وهي طريقة فعّالة لبناء سردية تعبّ عن العناصر المتناقضة المكوّنة لهوية الفرد ومختلف التمثلّات التي يُمكن أنْ نستحضرها بحسب زوايا النظر، وبحسب الفترات أيضًا. لقد كان ديدرو من كبار المعجبين بستارن، وكان يقتسم معه التصورات التي تتعلق بالبيوغرافيا؛ إذ يراها غير قادرة على التعبير على جوهر الفرد. فهو لم يرفض جنس الأدب البيوغرافي، ولكنه يرى أنّ البيوغرافيا على الرّغم من أنها لا تستطيع أن تكون واقعيةً، فإنها تضطلع بوظيفة تربوية في تقديمها لشخصيات مشهورة، كاشفةً عن فضائلها في الفضاء العامّ ورذائلها في المجال الخاص.

  1. أديب ورجل دين بريطاني (1713 - 768 1)، من أصول آيرلندية، اشتهر بروايته حياة تريسترام شاندي الرجل النبيل وآراؤهالمعروفة اختصارًا ب  تريسترام شاندي) 1959 (Tristram Shandy، وهي تُعدّ من أكثر الأعمال أهميةً في الأدب الغربي الكلاسيكي. كما اشتهر أيضًا بروايته الأخيرة رحلة عاطفية عبر فرنسا وإيطاليا) 1768 (A Sentimental Journey Through France and Italy. وهو يُعدّ، من خلال ابتكاره لتقنيات سردية جديدة، مؤسّس الأدب الروائي الحديث. وقد أثّرت روايته وأسلوبه في العديد من الروائيين من بعده، كما هي الحال بالنسبة إلى ديدرو في روايته يعقوب القدري.
  2. أديب وفيلسوف فرنسي (1713 - 784 1). عُرف بموسوعيته المعرفية وحسِّه النقدي. ترك بصمته في العديد من الأنواع الأدبية التي كتب فيها. فقد وضع أساس الدراما البرجوازية في المسرح، وكسر النموذج التقليدي للكتابة الكلاسيكية الروائية في روايته يعقوب القدري وسيده Jacques le fataliste et son maître التي كان متأثرًا فيها بلورونس ستارن، إضافةً إلى تأليفه الموسوعة الفرنسية التي تعُدّ أبرز أعماله.
  3. كاتب وفيلسوف وموسيقي من جنيف (1712 - 778 1). يُعدّ من أكثر فلاسفة الأنوار تأثيرًا في ما سيعرفه التاريخ الأوروبي من أحداث، خصوصًا الثورة الفرنسية. وإلى جانب مؤلفاته العديدة، يُعدّ كتابه اعترافات جان جاك روسو نموذجًا جديدًا للسِيّر الذاتية التي تكشف عن الحياة الشخصية للكاتب. وعلى الرغم من ذلك، لم تنلْ هذه السيرة رضا روسو. فعمد إلى إعادة كتابتها من مُنطلق حواريّ، وهو ما قام به بعد أعوام من تحرير الاعترافات؛ إذ أعاد جوهرها في شكلٍحواري بعنوان جان جاك قاضي روسو مكوّنًا بذلك ثنائيةً لشخصيته.
  4. أنثروبولوجي وعالم اجتماع فرنسي (1872 - 950 1). يُعَدّ من مؤسسي الأنثروبولوجيا، وقد استفاد كلود ليفي ستراوس Strauss - Lévi Claude من العديد من أبحاثه ودراساته. لم ينشر موس أيّ كتاب عن أفكاره ومنهجه، إلا أنَّه ترك عدّة مقالات منشورة في مجلة السنة السوسيولوجية sociologique Année ' L التي أنشأها إيميل دوركايم Durkheim Émile عام  898 1.
  5. Marcel Mauss, "Une catégorie de l'esprit humain: la notion de personne, celle de 'moi'," in Marcel Mauss , Sociologie et anthropologie , 8 th edn. (Paris: Presses Universitaires de France,  1983), p. 335.

علاوةً على ذلك، راودتْ ديدرو مرات عديدة فكرة كتابة بيوغرافيا قبل أن يجزم باستحالة ذلك17. ولم تخلُ أعماله من تلميحات بيوغرافية؛ إذ نجد نماذجها المميزة في شكل أجزاء متناثرة داخل كتابه جاك القدري Fataliste le Jacques، وقد وقع حلّ مشكلة الفردية باللجوء إلى الحوار. فقد كان لكلّ من الشاب جاك وسيده العجوز حياته الخاصة، ولكنهما كانا يتبادلان الآراء. وفي بعض الأحيان، يتبادلان حتى الأدوار. فنتج عن هذا التعاون الحواري والمتناسق شخصية يغلب عليها طابع السيرة الذاتية تبدو في الوقت نفسه شابةً وعجوزًا. وتركّزت الحقيقة والوهم في هذه التذبذبات، وكذلك السيرة الذاتية وتعدّد الشخوص. لذا، تبدو كل لحظة أنها لحظة خاصة، ولكن إذا أخذناها بصفة منفردة، فإنها لا يمكن أن تكون إلا تحريفًا بالنسبة إلى بناء شخصيات لا تخضع لتطور خطّي ولا تتّبع مسارًا متماسكًا ومحدّد الاتجاه. وإذا نظرنا في نموذج كلاسيكي للسيرة الذاتية متمثّل باعترافات روسو Rousseau de confessions Les، فإنّ هذا المثال يبدو للوهلة الأولى مناقضًا للانطباع الحاصل في النصف الثاني من القرن الثامن عشر حول الشك في إمكان كتابة سيرة ذاتية. فروسو لم يفكر فقط في أنه يمكن سرد سيرة إنسان (ربما بالنسبة إليه هو نفسه)، ولكنه رأى أنّ هذه الرواية يمكن أن تكون حقيقيةً بالفعل، وهكذا تبدأ الاعترافات بالفقرة الشهيرة: "ها هي صورة رجل تمّ رسمها بصورة طبيعية في مطلق حقيقتها الموجودة التي ربما ستظل كذلك إلى الأبد". ويرى الكاتب نفسه أنّه ما إن بدأ الكتابة حتى صار يواجه مشروعًا ربما يكون ممكنًا، ولكنه سيكون على أيّ نحو كان مشروعًا مفردًا "أنْجز مشروعًا لم يكن له مثيلٌ ولن يكون لإنجازه أيّ مقلّد". سيفنّد المستقبل ذلك بطريقة ما، وكان تقبّل الاعترافات معلومًا. فعندما قدَّم روسو مخطوطته للقراءة، لم يُفهم - على حدّ قوله - ووقع تأويل كلامه خطأً. وقد كانت البيوغرافيا ممكنةً، ولكنّ التعبير عن حقيقتها لم يكن ممكنًا. خيّ روسو، أمام هذه الاستحالة، التخلي عن كتابة سيرته الذاتية، وليس ذلك لأنه لا يريد الحديث عنها، وإنما لأنّ عرْضها قد يؤدِّي بها إلى التحريف أو التشويه. وكان هو أيضًا يفكر في أنه لا يوجد إلا حلّ سردي واحد متمثّل بالحوار، وهذا الأمر قام به سنوات بعد تحرير الاعترافات؛ إذ أعاد جوهرها في شكل حواري ضمن جان جاك قاضي روسو Rousseau de juge Jacques Jean، مكونًا بذلك ثنائيةً لشخصيته. لم يكن الحوار بالنسبة إلى روسو كما هو الشأن بالنسبة إلى ديدرو أو ستارن (ومن قبْلهما شافتسبوري18Shaftesbury الذي ربما كان هو الذي أوحى بهذا الحلّ) الوسيلةَ الوحيدة للتواصل الواضح فحسب، وإنما كان أيضًا طريقةً تُعاد من خلالها للموضوع فردانيته المعقَّدة؛ عبر التخلص من الجوانب التقليدية للبيوغرافيا التي تزعم أنها تلاحظها وتشرّحها على نحوٍ موضوعيّ مثلما هو الشأن في أبحاث علم الحشرات. انطلقت هذه الأزمة التي تستحق تحليلً مطولً من الرواية، لتصل إلى السيرة الذاتية. غير أنه لم يكن لها سوى صدى محدود ضمن البيوغرافيا التاريخية (حتى لو كان يُفضل توقفًا أكثر على حياة جونسون Johnson التي كتبها جيمس بوسوال Boswell James19، وبخاصة على دور الخيال في إعادة بناء حوارات المؤلف. وتحيل مشكلة العلاقة بين الكاتب والشخصية الأدبية أيضًا على الملاحظات السابقة المتعلقة بثنائية وجهات النظر)20. وقد جرى التوصل إلى حلّ وسط في البيوغرافيا الأخلاقية التي تخلّت فعلً عن الشمولية والحقائقية

  1. بشأن موقف ديدرو وروسو من السيرة عمومًا والسيرة الذاتية خصوصًا، انظر: Jean-Claude Bonnet, "Le fantasme de l'écrivain," Poétique, vol. 63 (septembre 1985), pp. 259  -  278.
  2. فيلسوف وسياسي إنكليزي (1671 - 713 1). تميز إنتاجه الفكري بالدمج بين الفلسفة واللاهوت. فبالنسبة إليه كلّ شيء هو جزء من نظام كوني مُتناسق ومُنظلم يُحيل ضرورةً على الوجود الإلهي. أثّرتْ أعماله في العديد من مفكري القرنين 8 191 و.
  3. كاتب ومحامٍ إسكتلندي (1740 - 795 1)، تتلمذ على يد آدم سميث، والتقى في رحلته عبر أوروبا بكلٍّ من فولتير وجان جاك روسو. عُرف بكتابه سيرة سمويل جونسون (791 1)، وهو كتاب من أبرز الأعمال الأدبية الإنكليزية في القرن الثامن عشر، ويُعدّ مرحلةً مهمّةً في تطور سرديات السِيّر.
  4. William C. Dowling, "Boswell and the Problem of Biography," in Daniel Aaron (ed.), Studies in Biography (Cambridge: Cambridge University Press, 1978), pp. 73  -  93.

الفردية للبحث عن التركيز التربوي للبيوغرافيات المثالية؛ أي أفعال الفاعلين وحركاتهم. ويفترض هذا التبسيط في الحقيقة الثقة في قدرة البيوغرافيا على وصف ما هو معبّ في حياة ما. وتبلغ هذه الثقة ذروتها في الوضعانية والوظيفية اللتين تزيد معهما عملية انتقاء الأفعال البارزة في تضخيم الطابع التمثيلي والنموذجي للبيوغرافيات بتمييز بُعدها العامّ من بُعدها الخاص، مع عدم الاكتراث بالفوارق بين النماذج المعروضة.

خامسًا،

لقد برزت الأزمة في القرن العشرين مع ظهور مناويل جديدة في مجمل الحقول العلمية، وهي أزمة التصور الآلي في الفيزياء، وميلاد علم النفس، ووجود توجهات أدبية جديدة (يُمكن الإشارة إلى مارسيل بروست21Marcel Proust وجيمس جويس22Joyce James وروبرت موزيل23Musil Robert). فصارت الاحتمالات هي التي تمثّل وضع الوصف، بدلً من الخصائص. وترتكز العلوم الآلية على التحديد الدقيق لما يمكن، وما يجب أن يحدث في الظواهر الطبيعية. وقد عوضها قانون للمنع يعرف على عكس ذلك ما لا يجب أن يحدث؛ وانطلاقًا من ذلك كلّ ما يمكن أن يحدث من دون تعارض معه يمكن أن يُحسب ضمن الوقائع. وفي هذا الإطار، أصبح من الأمور الأساسية أن نعرف وجهة نظر الملاحظ، ووجود شخص آخر بداخلنا في شكل اللاوعي يثير مشكلة العلاقة بين الوصف التقليدي الخطّي ووهم الهوية الخاصة والمتماسكة من دون تناقضات، وهي ليست سوى واجهة أو قناع أو تمظهرات لمجموعة من الأجزاء والشظايا. لم يكن البعد الجديد الذي يتحمله الإنسان مع فردانيته هو المسؤول الوحيد عن الاحتمالات الحديثة حول إمكان البيوغرافيا أو استحالتها. لقد أصبح جليّا أنّ تعقيد الهوية نفسها وتكوّنها المتدرّج وغير الخطّي وتناقضاتها، عوامل تمثّل مشكلاتٍ للبيوغرافيا التي تُطرح على المؤرخين. وواصلت البيوغرافيا ازدهارها، ولكن هذا الازدهار كان دائمًا بطريقة إشكالية وجدالية نجمت عنها جملة من الجوانب الغامضة من دون حلّ، وهي تمثّل - في ما نرى - واحدًا من مجالات التصادم المميزة في فضاء الكتابة التاريخية. وعلى خلفية ذلك، نجد مقاربةً جديدةً للبنى الاجتماعية تدفع إعادة النظر - بخاصة في التحاليل والمصطلحات المتعلقة بالتراتبية والتضامن الاجتماعيين - إلى تقديم الآليات التي من خلالها تتكون شبكات العلاقات والشرائح والمجموعات الاجتماعية، على نحوٍ أقلّ شكلانيةً. ولكنْ تثير مسألة معرفة صلابة الطريقة التي تتكون بها التشكيلات الاجتماعية وتتفكك وتحليلها سؤالين جوهرييّن، هما: كيف يحدّد الأفراد موقعهم (بوعي أو بلا وعي) بالنسبة إلى المجموعة؟ وهل يعدّون أنفسهم جزءًا من طبقة مّا؟

سادسًا،

لطالما عبّ المؤرخون مُنذ سنوات عن أنهم على وعي بالمشكلات المذكورة آنفًا، إلا أنّ المصادر التي لدينا لا تفيدنا في ما يتعلق بصيرورة تكوين القرارات، وإنّما بنتائجها النهائية المتمثّلة بالأفعال. وكثيرًا ما يؤدِّي غياب الحياد في الوثاق إلى تفسيرات خطية وأُحادية الأسباب.

  1. كاتب وروائي فرنسي (1871 - 922 1)، اشتهر برواية البحث عن الزمن المفقود À la recherche du temps perdu، وهي مكونة من سبعة أجزاء، وقد نشُرت خلال الفترة 1913  -  926 1. خرج بروست عن السائد في زمنه من الكتابة الروائية الكلاسيكية، وعدَّه النُقاد واضع معالم الرواية الحديثة.
  2. روائي وشاعر آيرلندي (1882 - 941 1). يُعدُّ واحدًا من أكثر الروائيين تأثيرًا في القرن العشرين. أمّا أعماله الرئيسة، فهي بمنزلة مجموعة من القصص بعنوان ناس من دبلن The Dubliners (914 1)، إضافةً إلى روايات أخرى أشهرها رواية يوليسيس Ulysses (1918 - 920 1)، وهي من أبرز أعمال الأدب الحداثي.
  3. مهندس وروائي وكاتب مسرحي نمساوي (1880 - 942 1). اشتهر بروايته رجل بلا صفات L'Homme sans qualités التي كتبها في ثلاثينيّات القرن العشرين، ولم يُكتب لها الانتشار بسبب الحَظْر النازي. وستُكتشف الرواية من جديد عام  950 1 عندما أُعيد نشرها مُنقّحةً على يد أدولف فريزي Frisé Adolf، لتُعدّ بعد ذلك من الأعمال المؤسسة لروايات القرن العشرين.

كان المؤرخون مبهورين بثراء المسارات الفردية، ولكنَّهم كانوا في الوقت نفسه عاجزين عن التحكم في الخصوصيات الدقيقة لحياة الفرد، فحاولوا في المدة الأخيرة تناول البيوغرافيا بطرائق مختلفة. وفي هذا السياق، نقترح تقديم نَمْذَجة لهذه المقاربات متمثّلة، من دون شكّ، بنمذجة جزئية، لكنها تسعى إلى تسليط الضوء على تعقيد المسار البيوغرافي الذي لا يزال من دون حلّ.

البروسوبوغرافيا والبيوغرافيا النمطية

لا تمثّل البيوغرافيات الفردية أهميةً من هذا المنظور إلا بقدر ما تدلّ على سلوك أو مظاهر ذات ارتباط بالأوضاع الاجتماعية التي كثيرًا ما تتكرر إحصائيًا. فهي ليست بيوغرافيات حقيقيةً، بل هي استعمال للمُعطيات البيوغرافية لأغراض بروسوبوغرافية  Prosopographie. ولا تُعدّ العناصر البيوغرافية التي توجد ضمن البروسوبوغرافيا معبّةً تاريخيًا إلا لبعدها العامّ. وليس من قبيل الصدفة أن اعتمد مؤرخو الذهنيات البروسوبوغرافيا أكثر من اهتمامهم بالبيوغرافيات الفردية. فقد كتب ميشال فوفال24Vovelle Michel في هذا الباب قائلً: "تطبيعًا لمقاربات التاريخ الاجتماعي الكمّي، وقد حاولنا في مجال تاريخ الذهنيات أنْ نَعرض تاريخ هذه الجماعات وهؤلاء المجهولين؛ أي أولئك الذين لم يتمكنوا حتى من لحظة اعتراف، وحتى إن بدا الأمر أدبيًا، فإنّنا نعني كلّ الذين تمّ إقصاؤهم من البيوغرافيا"25. تحيل العلاقة بين مفهومي "تماهي المجموعة" و"تماهي الفرد" Habitus التي تحدّث عنها بورديو على التمييز بين ما هو جماعي وقابل للتحديد؛ أي "ما هو سائد في فترة ما أو خاص بطبقة اجتماعية ما"، وما هو ضمن "المسارات الاجتماعية المتفردة". فهي في الحقيقة "علاقة تنوّع داخل الوحدة وهو ما يعكس التنوع داخل الانسجام الذي يميز أوضاع الإنتاج الاجتماعي لأفراد الطبقة الواحدة، والذي يوحّد التماهي المفرد لمختلف عناصر الطبقة الواحدة. إنّ كلّ منظومة الاستعدادات الفردية هي شكل من أشكال الأطر الأخرى (...) ولا يمكن أن يكون الأسلوب الفردي إلا ابتعادًا عن الأسلوب الخاص بفترة أو بطبقة". وهكذا يُحدّد العدد اللامتناهي للتشكيلات الممكنة، انطلاقًا من التجارب الإحصائية المشتركة بين أفراد المجموعة الواحدة "الاختلافات المفردة اللامتناهية" شأنَ "انضباط الجماعة وأسلوبها"26. وفي هذا السياق، يبدو أيضا أنّ الانحرافات والانزياحات التي ما إن يقع إبرازها، حتَّى تُحيل على ما هو خاص بالمجموعة المدروسة من الناحيتين البنيوية والإحصائية. وتشتمل هذه المقاربة على بعض العناصر الوظيفية في التعريف بالنماذج والأساليب المشتركة بين عناصر المجموعة وكذلك في رفض الانحرافات والانزياحات بوصفها ليست مُعبرةً. وقد أثار بيار بورديو أيضًا مسألة الحتمية وكذلك الاختيار الواعي، إلا أنّ هذا النوع من الاختيار يلُاحظ أكثر ممّا يفسر، إضافةً إلى أنه يقع تأكيد العناصر المحتومة وغير الواعية، والإستراتيجيات التي ليست نتيجة نية إستراتيجية حقيقية. يمكن أن نصف هذا النوع من البيوغرافيا بأنّه نمطيّ بالنسبة إلى البيوغرافيات الفردية التي لا تصلح إلا للاستدلال على أشكال نوعية من السلوك أو الأوضاع، وأنّه يعطي بعض التماثل مع البروسوبوغرافيا. ففي الواقع، ليست البيوغرافيا التي تحتويها هي بيوغرافيا شخص متفرد، وإنما هي بيوغرافيا شخص تتكثف فيها كلّ خصائص المجموعة. وهي بذلك طريقة معتادة للتعبير عن نماذج وقواعد بنيوية (البنى العائلية، وآليات تطور الملكيات والنفوذ، وأشكال التراتب، والحراك الاجتماعي.. إلخ) تتدخل للبرهنة على أنها حُجج تجريبية قبل أن تُقَدِّم أمثلةً نمطيةً.

  1. مؤرخ فرنسي (1933 -)، مُتخصص بالتاريخ الحديث، وتاريخ الثورة الفرنسية. وإضافةً إلى أبحاثه في هذا المجال التي سمحتْ له بأن يكون أستاذًا لتاريخ الثورة الفرنسية بجامعة باريس الأولى، أعاد الأهمية إلى دور الفرد من جهة أنه فاعلٌ في التاريخ، كما اهتمّ بالتأريخ ل "الموت" من مُنطلق مقاربة اجتماعية ودينية. واستطاع أن يجعل المقاربة الماركسية أكثر راهنيّةً من خلال إدراج تاريخ البنية الذهنية بوصفه مُكمِّلً للبنية الاجتماعية والاقتصادية.
  2. Michel Vovelle, "De la biographie à l'étude de cas," in Problèmes et méthodes de la biographie (Paris: publications de la Sorbonne, 1985), p. 191.
  3. Pierre Bourdieu, Esquisse d'une théorie de la pratique (Genève/Paris: Librairie Droz, 1972), pp. 186 - 189.

البيوغرافيا والظرف

تحتفظ البيوغرافيا في هذا النوع الثاني من الاستعمال بخصوصيتها، إلا أنّه يقع تأكيد الفترة والوسط والبيئة تأكيدًا شديدًا، بالنظر إلى أنّ هذه العوامل قادرة على تمييز محيط قد يفسّ المسارات في تفرّدها. غير أنّ الظرف، في الحقيقة، يحيل على مآلين مُخْتلفين. فمن جهة، يسمح في حالة أولى بإعادة تركيب الإطار التاريخي والاجتماعي الذي تدور فيه الأحداث بفهمٍ يبدو عصيًّا على التفسير ومُحَيًِّا في الوهلة الأولى، وهو ما عرفته نتالي زيمون دافيد27David Zemon Natalie بأنّه "ممارسة ثقافية أو شكل من أشكال التصرف في إطار ممارسات ثقافية هي ممارسات القرن السادس عشر"28. ومن جهة أخرى، يحاول التأويل الذي قدمه دانيال روش Roche Daniel لفهم بطله الزجّاج مناتريا Ménétra vitrier Le إضفاء شكل طبيعي على السلوكيات التي تفقد خصائصها بوصفها مسارات فرديةً خاصةً إن حدث تبيُّ لتمييزها وسطًا اجتماعيًّا ما (خصوصًا وسط الرفقة والحرفيين الفرنسيين في نهاية القرن الثامن عشر)، وهي تُساهم أخيرًا في رسم ملامح فترة تاريخية أو مجموعة بشرية ما29. ولا يعني ذلك حصر التصرفات في سلوكيات نموذجية. ولكنّ تأويل التقلبات البيوغرافية، في ضوء ظرفٍ ما، يجعلها ممكنةً وعاديةً. يصلح الظرف في حالة ثانية لتغطية الثغرات الوثائقية مقارنةً بأشخاص آخرين تشبه سيرتهم سيرة الشخصية التي هي موضوع البحث على أيّ نحو كان. ويُمكن أن نذكر في هذا السياق أنّ كتاب فرنكو فانتوري Venturi Franco شباب ديدرو La jeunesse de Diderot قد أعاد بناء السنوات الأولى من حياة شخصيته تقريبًا من دون وثائق مباشرة. "إلا أنّ بعض الشذرات التي بقيت في مُجملها بشأن الجزء الأول من حياته لها بعدٌ فكاهيّ صرف أو هي تتصف بصعوبتها، مقارنةً بالخصائص العامة للفترة (فترة شباب ديدرو.) ولكي نُوليَ مُحاولة إعادة بناء البيوغرافيا خلال سنواته الأولى أهميةً، فإنّه من الضروري أن نرفّع على قدر الإمكان عددَ الأفراد، وعدد التحركات التي كانت له بها علاقات، وإعادة بناء محيطه حوله، وزيادة عدد الأمثلة لعدّة ضروب أخرى من الحياة تتوازى مع حياته، وإعادة بعث شُبان آخرين من حوله"30. ويعتمد هذا الاستعمال للبيوغرافيا على فرضية غير مباشرة يمكن أن نصوغَها من خلال القول إنه مهما كانت طرافتها الظاهرة، فإنّ أيّ حياة لا يمكن أنْ تُحصر بين انحرافاتها وتفردها. ولكنها، على العكس من ذلك، يُمكن أنْ تربط أيّ تباعد ظاهري بالنماذج الموجودة، بالنظر إلى أنّ أيّ تباعد يتموقع ضمن ما يسمح به الظرف التاريخي. وقد أدَّى هذا الموقف إلى نتائج ثرية تعرف عادةً كيفية المحافظة على التوازن بين خصوصية المسار الفردي وجملة المنظومة الاجتماعية. ولكن من المأسوف عليه أن يقع تصوير الظرف دائمًا على أنّه جامد ومتماسك، يمثّل خلفيةً ثابتةً لتفسير البيوغرافيا. وفي هذا السياق، تتجذر المسارات الفردية، على نحوٍ جيّد، في ظرفية ما، لكنها لا تؤثر فيها ولا تغيّها.

  1. مؤرخة فرنسية (1928 -)، مُتخصصة بالتاريخ الثقافي والاجتماعي لفرنسا في الفترة الحديثة. بعد دراستها الرائدة حول التاريخ الشعبي لفرنسا في القرن السادس عشر، ودراستها حول مُجتمع مدينة ليون الفرنسية، أصبحتْ من المؤسسين البارزين لما يُعرف ب "الميكروتاريخ" أو "التاريخ المجهري" Microhistoire، وهي مُقاربة تاريخية جديدة تعتمد في تحليل الثقافة على دراسة حالات استثنائية، تتوافر على عدد ضئيل من الوثائق التي عادةً ما يصعب الوصول إليها.
  2. Natalie Zemon Davis, "AHR Forum: The Return of Martin Guerre. On the Lame," in American Historical Review, no. 93 (1988), p.  590.
  3. مؤرخ فرنسي (1935 -)، متخصص بالتاريخ الثقافي والاجتماعي لفرنسا في فترة تشكّل الجمهورية. حاول ابتداءً من أعماله الأولى المزج بين الثقافي والاجتماعي في أبحاثه، ولم يقتصر على دراسة الثقافة التي تمخضت عن الطبقة البرجوازية، بل أدرج الثقافة الشعبية أيضًا، بالنظر إلى أنّ هاتين الثقافتين تُشكلان نافذة لدراسة المُجتمع الفرنسي. وترجم هذه المقاربة في عدد من أعماله، أبرزُها شعب باريس مقالة في الثقافة الشعبية للقرن الثامن عشر Le Peuple de Paris. Essai sur la culture. populaire au XVIIIe siècle
  4. Daniel Roche (ed.), Journal de ma vie. Jacques-Louis Ménétra, compagnon vitrier au 18 e siècle (Paris: Montalba, 1982), pp.  9 - 26 , 287  -  429.
  5. Franco Venturi, Jeunesse de Diderot (de 1713 A 1753) , Juliette Bertrand (trans), (Paris: Albert Skira Editeur, 1939), p.  16.

البيوغرافيا والحالات القصوى

تُستعمل البيوغرافيات في بعض الأحيان لتسليط الضوء على الظرفيّة. وفي مثل هذه الحالة، لا ينظر إلى الظرفيّة بأكملها وفي شمول وضعها، بل عبر الهوامش. وعندما نصف الحالات القصوى، فإنّ هوامش الحقل الاجتماعي هي التي يمكن أن تكون فيها هذه الحالات القصوى ممكنةً، وهي التي تسلّط عليها الأضواء. ويمكن أن نذكر، مرّةً أخرى، قول ميشال فوفال: "تمثّل دراسة الحالة الواحدة العودة إلى التجربة الفردية بالضرورة في ما لها من مغزى وإنْ بدت خارج النسق (...) تستجيب العودة إلى ما هو نوعي من خلال دراسة حالة واحدة إلى حركة جدلية في حقل تاريخ الذّهنيات. ويعدّ ذلك بالنسبة إليّ أكثر من التنصّل من المقاربات الجداولية الكمية، بل إنّه تكملة لها، وهو ما يسمح بذلك التحليل العميق الذي يفضّل الشهادات المتعلقة بما هو عادي بالنسبة إلى سير الأبطال الذين يحتلون الواجهة في التّاريخ التّقليدي (...) أو الإضافات الغامضة التي ربما تكون أكثر ثراءً أو شهادة شخصية في قطيعة" (يحيل فوفال على بحوثه المتعلّقة بجوزيف ساك Sec Joseph وتيودور ديسورغ31Desorgues Théodore). بعبارة أخرى، يحلّل كارلو غينزبورغ Ginzburg Carlo في بيوغرافيا منوكيو Menocchio الثقافة الشعبية من خلال حالة قصوى من دون أن تكون حالةً نمطيةً بأيّ حال من الأحوال؛ وذلك من خلال قوله: "في النأي حتى الحالة القصوى (...) يُمكن أن تكون [الثقافة الشعبية] مُمثّلةً، إمّا على نحوٍ سلبيّ؛ لأنَّها تساعد على تدقيق ما يجب سماعه في وضعية 'متكررة إحصائيًا'، أو على نحوٍ إيجابيّ؛ لأنها تسمح بتحديد الإمكانات المستترة لشيء ما غير معروف لدينا إلا من خلال وثائق مُجزّأة ومحرّفة"32. في هذا السياق أيضًا، يبدو التوازي مع الأدب مثيرًا للدهشة. فقد مرت الشخصية الطبيعية التقليدية بتدرج إلى المرتبة الثانية، في وقتٍ كان فيه الأدب العبثي عند بكات Beckelt مثلً يحلّ مشكلة الحالات القصوى؛ إذ "تكمن القوة الرئيسة للشخصية الروائية التقليدية في إمكان الدخول في معركة ضدّ تهديدات الحالات القصوى، أو في الحرية في ذلك، سواء كانت منتصرةً أو لم تكن كذلك. هنا يكمن مصيرها المأساوي. ويبدو اليوم أنّ أنصار شرعية "الشخصية - الإنسان" ليس لهم من حلّ أقصى سوى إحلال الوضعيات المأساوية محلّ الحالات القصوى. ويبدو أنَّ مصيرهم كمغامرين ومتشردين وخارجين عن المألوف وسريعي الغضب كما لو أنّه خارج من طاحونة آلية تسعى لتوليد الحركة في ثبات غير مألوف في الحالات القصوى التي ليس لها منفذ"33. ولكن، من خلال هذا المنظور، يبدو أنّ الوضع الاجتماعي أيضًا قد جرى تصويره بطريقة شديدة التصلب. ثمّ إنّ الحالات القصوى، عبْ تصوير الهوامش، تساهم في بسط حرية الحركة التي يحظى بها الفاعلون الذين يفقدون، تقريبًا، أيّ علاقة بالمجتمع العادي (حالة بيار ريفيار Rivière Pierre في هذا السياق هي حالة نموذجية).

البيوغرافيا والهرمينوطيقا

لا شكّ في أنّ الأنثروبولوجيا التأويلية أبرزت الفعل الحواريّ المتمثل بذلك التبادل والمراوحة المتواصلين للأسئلة والأجوبة داخل مجموعة اتصال معيّنة. فأصبحت المادة البيوغرافية من هذا المنظور استطراديةً ولكننا لم نتمكن من ترجمة طبيعتها الحقيقية وكلّ المعاني التي من المفترض أن تحتملها: فلا يمكن إلا تأويلها بطريقة أو بأخرى. وهكذا يصبح الفعل التأويلي هو الذي له مدلول؛ بمعنى

  1. Michel Vovelle, Théodore Desorgues ou la désorganisation: Aix-Paris, 1763  -  18 08 (Paris: Seuil,  1985).
  2. Carlo Ginzburg, Le fromage et les vers: L'univers d'un meunier du XVIe siècle (Paris: Flammarion,  1988), p.  220.
  3. Giacomo Debenedetti, II personaggio uomo (Milan: Il Saggiatore, 1970), p.  30.

صيرورة تحويله إلى نص ومنْح معنى لفعل بيوغرافي قابل لعدّة تأويلات. وفي هذا السياق انطلق النقاش حول مكانة البيوغرافيا ضمن الأنثروبولوجيا في اتجاه واعد خطير التنسيب34. لم يتأثر التاريخ الذي يعتمد على الأرشيف الشفوي أو البحث عن إقحام علم النفس في البحث التاريخي البيوغرافي إلا تأثّرًا متقطّعًا ضعيفًا. وفي هذا السياق، كما هو الشأن في القرن الثامن عشر، كان الحوار نفسُه في صلب الصيرورة المعرفية. فليست المعرفة نتيجةً لوصف موضوعي فحسب، بل هي نتيجة تقاضٍ بين شخصين أو بين ثقافتين. ويبدو أنّ هذه المقاربة الهرمينوطيقية في عمقها تنفتح على استحالة كتابة البيوغرافيا. فقد حثت المؤرخين على التفكير في اقتراحها مقاربة المادة البيوغرافية بطريقة إشكالية، وبرفضها للتأويل الأحادي للمسارات الفردية؛ إذ قادت المؤرخين إلى اعتماد أساليب سردية متقنة، ووجّهتهم نحو تقنيات تواصل أكثر احترامًا للطابع المتفتح والمتحرك للاختيارات والأفعال.

سابعًا،

لا تطمح هذه النمذجة للاستعمالات والتساؤلات التي تعترضنا في الوقت الراهن، في ما يتعلق بالبيوغرافيا إلى سبر أغوار مجمل الإمكانات أو الممارسات؛ إذ يمكن أن نذكر أنواعًا أخرى من أنواع البيوغرافيا منها البيوغرافيا النفسية مثلً، ولكنها تحتوي عديد العناصر الملتبسة والقابلة للرفض حتى أنّها، في ما نرى، لا تمثّل حاليًّا أهميةً ذات دلالة. أمّا التوجهات الكبرى التي جرى تعدادها في هذا السياق، فهي تمثّل، على نحوٍ موجز، المسالك التي يتبعها من يبحثون عن استعمال البيوغرافيا أداةً للمعرفة التاريخية وتعويض البيوغرافيا التقليدية الخطّية والواقعية التي لا تزال موجودةً في وضعية جيّدة. إنّ تلك "الحلول" ليست سوى حلول جزئية لا تزال تتميز بخصائص إشكالية جدًّا. لذا، تمثّل البيوغرافيا موضوعًا ربما ينبغي أن يُناقش بالابتعاد عن تقاليد الحوليات، ولكن مع البقاء في صميم المشكلات التي تبدو لنا مهمةً في الوقت الراهن على نحوٍ مخصوص؛ مثل العلاقة بين النماذج والممارسات، وبين الفرد والمجموعة، وبين الحتمية والحرية، وبين العقلانية المطلقة والعقلانية المحدودة أيضًا. ولسنا نقصد، في هذا السياق، أنّنا سنقوم بشيء مختلف تمامًا، لكننا سنعرض بعض المواضيع للنقاش، مع تأكيد أنّ التوجهات الأربعة التي سبق ذكرها تشترك جميعها في عدم ذكرها للمسائل الأساسية. وتهمّ هذه المسائل دور الضبابية القائمة بين النماذج نفسها (لا تهمّ التناقضات بين المعيار وعمله بالفعل فقط) ضمن كلّ منظومة اجتماعية. وتهمّ، في مرحلة ثانية، نوعية العقلانية التي نُسندها إلى الفاعلين عندما نكتب بيوغرافيا ما، إضافةً إلى العلاقة بين المجموعة والأفراد الذين يكوّنونها.

ثامنًا،

إنّ الأمر في كلّ الحالات هو مشكلة مقياس ووجهة نظر. فإذا كان التأكيد يتعلق بمسار شخص، ولا يتعلّق بمجمل الوضعية الاجتماعية؛ من أجل تأويل شبكة العلاقات والواجبات الخارجية التي يندمج فيها، فإنه من الممكن أن نتصور بطريقة مختلفة مسألة الاشتغال الفعلي للنماذج الاجتماعية. ويرى المؤرخون، عمومًا، أنّ كلّ منظومة معياريّة تتعرض لتغيرات في الزمن من دون أن تكون في أيّ وقت من الأوقات كاملة التماسك والشفافية والاستقرار. ولكن يبدو أنّ الأمر، في ما نرى، على عكس ذلك؛ إذ يمكننا أنْ نتساءل أكثر عن المدى الحقيقي لحرية الاختيار، ومن الأكيد أنّ هذه الحرية ليست حريةً مطلقةً، بل هي محدّدة ثقافيًّا واجتماعيًّا ومحدودة، وقد جرى اكتسابُها بتأنٍ، ولكنَّها تظلّ في كلّ الحالات حريةً واعيةً بما يمكن أن تتركه الفجوات الكامنة في منظومة المعايير العامة للفاعلين.

  1. على سبيل المثال، انظر: Paul Rabinow, Reflections on Fieldwork in Morocco (Berkeley: University of California Press, 1977); Vincent Crapanzano, Tuhami Portrait Moroccan (Chicago: University of Chicago Press, 1980).

لا يوجد نظام معياري مُهيْكل هيكلةً جيدةً حتى يتمكن من إقصاء أيّ إمكان للاختيار الواعي، أو التلاعب بالقواعد أو تأويلها، أو التفاوض. ويبدو أنّ البيوغرافيا، بهذه السِّمة، تكون المكان المثالي للتثَبُّت من الطابع الفجوي - وهو من المؤكد أمرٌ مهم - للحرية التي يحظى بها الأعوان كما لو أنّهم مُكلَّفون بملاحظة الاشتغال الفعلي للأنظمة المعيارية التي لم تكن إطلاقًا خاليةً من تناقضات ما. وفي هذا السياق، نجد وجهة نظرٍ مختلفة - من دون أن تكون متناقضة - لأولئك الذين اختاروا أن يؤكّدوا بشدّة عناصر الإصرار الضرورية وغير الواعية، على غرار بيار بورديو مثلً؛ إذ توجد علاقة دائمة ومتبادلة بين البيوغرافيا والظرف، فيكون التغيير فعلً هو مُجمل هذه العلاقات المتشابكة بلا نهاية. تكمن أهمية البيوغرافيا في أنها تُمكّن من وصف المعايير واشتغالها الفعلي الذي لم يعُد يُقدَّم على أنّه ناتجٌ عن خلافٍ بين القوانين والممارسات فحسب، بل على أنّه مثل التضارب البنيوي بين المعايير نفسِها، تضارب لا مفرَّ منه. ويسمح هذا التضارب بتعدّد الممارسات وتنوعها. وفي هذا السياق، يبدو أنّنا نتجنب تناول الواقع التاريخي من خلال شكل واحد للأفعال وردّات الأفعال التي نُبَيِّنها. وعلى العكس من ذلك نُبَيِّ أنّ التوزيع غير العادل للسُلطة - مهما كانت كبيرةً ومهما كانت قمعية - لا يعدو أنْ يترك هامشًا للمُهَيْمَن عليهم، وهو أمر يسمح لهؤلاء بأن يفرضوا على المُهَيْمنِين تغييرات لا يستهان بها. ورُبما لا يعني ذلك إلّ فارقًا بسيطًا، ولكن يبدو لي أنه لا يمكن تحليل التغيير الاجتماعي في الأماكن التي لم يعرف الناس فيها على نحوٍ مسبق وجودًا فعليًّا لشكل من أشكال الحرية بالنسبة إلى الأشكال المُتصلّبة وجذور إعادة إنتاج بُنَى الهيمنة.

تاسعًا،

تستدعي العوامل المذكورة التفكير في نوعية العقلانية التي ينبغي أن نتخيّلها عندما نبدأ بوصف الفاعلين التاريخيين. إنّه فعلً من النادر أن نبتعد عن الأشكال الوظيفية أو مواضيع "الاقتصاد الكلاسيكي الجديد"، في حين أنّ هؤلُاء يفترضون أنّ الفاعلين يمْتَلكون معلومةً كاملةً ويعدّون أنّ كلّ الفاعلين لهم الاستعدادات المعرفية نفسها، ويخضعون لآليات القرار نفسها أيضًا، ويتصرفون وفق حساب موحّد ومقبول اجتماعيًّا من حيث الربح أو الخسارة. فتؤدِّي هذه الأشكال إلى بناء إنسان له عقلانية كاملة لا يعرف الشكّ ولا عدم اليقين ولا تعطّل في الحركة. إلا أنّ البيوغرافيات تأخذ منحى آخر في حال تخيّلنا شكلً من أشكال العقلانية الانتقائية التي لا تبحث عن مضاعفة الربح إلى أقصاه فقط، أو تخيّلنا شكلً من أشكال الفعل يكون فيه من الممكن ألّ نحصر الأفراد ضمن تناسق المجموعات، من دون التخلّ عن التفسير الحيّ لمختلف أنواع السلوك الجماعي بوصفه شكلً من أشكال العلاقات.

عاشرًا،

يبدو لي أنّه توجد نقطة أخيرة تستحق الإثارة، علاوةً على الطابع الفجوي للحرية الفردية ومسألة العقلانية المحدودة. فقد دافع روجاي شارتياي Chartier Roger مؤخرًا عن أنّه يمكن تجاوز التعارض بين "التحليل الميكرو تاريخي أو ما يعرف ب "حالات بحث" studies Case والتاريخ الاجتماعي الاقتصادي من جهة، ودراسة ذاتية التمثلّات ودراسة موضوعية البنى من جهة أخرى، على أنْ نعُدّ "الأشكال المولِّدة لأنظمة الترتيب والتصور كمؤسسات اجتماعية حقيقية تضم تقسيمات المنظومة الاجتماعية في شكل تمثلّات جماعية"35. وفي ما نرى، تبدو لهذه الملاحظة مبررات كثيرة (ربما يُستثنى من ذلك الميكرو تاريخ وحالات بحث الشيء نفسه [studies Case] وكذلك دراسة التمثلّات الذاتية)، ولكنها غير كافية؛ ذلك أنه قد جرى تأكيد المجموعة ونسبية استقرار التناسق وانسجام المجموعات، وعُدّ ذلك من الأمور الحاصلة

  1. Roger Chartier, "La storia culturale fra rappresentazioni e pratiche," La rappresentazione del sociale. Saggi di storìa culturale (Turin: Bollati Boringhieri,  1989), p.  14.

كما لو أنّها تُشكّل الحد الأدنى. أي إنّه ما يزال من الممكن أن ندرس كلّ تمثلّات العالم الاجتماعي والصراعات التي يحدثها هذا العالم وأن نستفيد منها. وعندما ننتصر لأهمية المجموعة، فإنّ في ذلك تقليلً لقيمة مشكلة بنائها كما هو الشأن بالنسبة إلى تقدير صلابتها ودَيْمومتِها وأهميتها؛ ومن ثمَّة نستبعد مسألة العلاقة بين الفرد والمجموعة. لذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن يدمج شارتياي، من خلال النص الذي أوردناه، على نحوٍ إراديّ ومُعلن، التمثلّات الفردية في التمثلّات الجماعية كما لو أنّ أصولهما متشابهة من حيث الشكل. وهكذا، نتخلى فعلً عن ملاحظة المجموعات الاجتماعية والمفاهيمية غير المحدّدة (الثقافة الشعبية، والذهنيات، والطبقات) لبناء مجتمع مجزّأ يسوده الصراع وتكون فيه تمثلّات العالم موضوع صراع. ولكن لا يزال ثمّة جانب كبير من عدم الوضوح. فخليط المجموعات يُعدّ من الأمور الحاصلة والمعرّفة. ودراسة الصراعات من أجل السُلطة والصراعات الاجتماعية كما لو أنّها صراعات بين مجموعات يفترض أنّها منسجمة، حتى أنّ تحليل الاختلافات بين الأفراد، وهي لكثرتها مستحيلة التأويل، يُعدّ معدوم الجدوى. وربما يعني في هذا السياق إضاءةً فقط. فلو ألححنا على "الجذور الاجتماعية للبنى المعرفية"، وعلى هيئة الانخراط في شكل استعداد لوضع اختلافي في الفضاء الاجتماعي، فسنترك في ضبابية نشاط الفاعلين الذي جرى تصوّره على أنه لا يعدو أن يكون نتيجةً "لعمليات تنظيمٍ بلا حساب يُعيد النظام الاجتماعي من خلالها إنتاج ذاته ويتغير"36. إنّ فكرة التمكن بوصفها تاريخًا اجتماعيًّا للاستعمالات والتأويلات، وربطها بحتمياتها الأساسية (وهي حتميات اجتماعية ومؤسسية وثقافية)، وتسجيلها ضمن ممارسات خصوصية تكون قد أنْتجتها37، مهمّة وصالحة. غير أنها تُبقِي مشكلة العلاقة بين الفرد والمجموعة مطروحةً. فلا يُمكن أن ننفيَ أنّ هناك أسلوبًا خاصًّا بفترة معيّنة، وهو "تماهٍ" ناتج من تجارب مشتركة متكررة، كما يوجد في كلّ فترة أسلوب خاص بمجموعة. ولكن يوجد أيضًا لكلّ فرد فضاء من الحرية له دلالته يستمد منه أصله من بين ضبابيات الهوامش الاجتماعية التي يترتب عليها التغير الاجتماعي. لذا، لا يمكن أن نُطبق الإجراءات المعرفية نفسها على الأفراد وعلى المجموعات، ولا يُمكن وصف خصوصية أفعال كلّ فرد بأنّها غير مكترثة، أو ينقصها الوضوح. إنّ الخطر، وهو خطر غير عادي، هو أنْ نسحب من رغبة الاستكشاف التاريخي، ومن مواضيع نعتقد أنّها تحت السيطرة الكاملة، في حين أنّها لا تزال غير مستكشفة مِثل الوعي الطبقي، أو تضامن المجموعات، أو حدود الهيمنة والسُلطة أيضًا. وتهمّ الصراعات، من أجل الترتيب والتمييز والتمثيل أيضًا، سيطرة المجموعة المتضامنة اجتماعيًّا على كلّ عضو من أعضائِها، كما أنها تكشف هوامش الحرية والتقييد التي تنشأ داخلها أشكال التضامن وكيفية اشتغالها. ومن خلال هذا المنظور، نرى أنّ البيوغرافيا قد تسمح بمراجعة معمّقة لهذه المشكلات.

  1. Pierre Bourdieu, La noblesse d'État. Grandes écoles et esprit de corps (Paris: Les Éditions de Minuit,  1989), p.  9.
  2. Chartier, p.  21.

قائمة المصادر والمراجع

• Aaron, Daniel (ed.), Studies in Biography, Cambridge: Cambridge University Press, 1978.

• American Historical Review, no. 93 (1988).

• Bonnet, Jean-Claude. "Le fantasme de l'écrivain," Poétique, vol. 63 (septembre 1985).

• Bourdieu, Pierre. "L'illusion biographique," Actes de la Recherche en Sciences sociales, vol. 62  -  63 (juin,  1986).

• Bourdieu, Pierre. Choses dites, Paris: Les Editions de Minuit, 1987.

•. Esquisse d'une théorie de la pratique, Genève/Paris: Librairie Droz,  1972.

•. La noblesse d'État. Grandes écoles et esprit de corps, Paris: Les Éditions de Minuit,  1989.

• Chartier, Roger. "La storia culturale fra rappresentazioni e pratiche", La rappresentazione del sociale. Saggi di

storìa culturale, Turin: Bollati Boringhieri,  1989.

• Crapanzano, Vincent. Tuhami Portrait Moroccan, Chicago: University of Chicago Press, 1980.

• Debenedetti, Giacomo. II personaggio uomo, Milan: Il Saggiatore, 1970.

• Ginzburg, Carlo. Le fromage et les vers: L'univers d'un meunier du XVIe siècle, Paris: Flammarion,  1988.

• Le Goff, Jacques. Saint Louis, Gallimard, Paris, 1996.

• Levi, Giovanni. "Les usages de la biographie," Annales: Économies, Sociétés, Civilisations , vol.  44 , no.  6  (1989).

• Mauss, Marcel. Sociologie et anthropologie , 8 th edn., Paris: Presses Universitaires de France,  1983.

• Momigliano Arnaldo. Lo sviluppo della biografia greca. Turin: Einaudi, 1974.

•.Fondamenti della storia antica, Torino: Einaudi, 1984.

• Problèmes et méthodes de la biographie, Paris: publications de la Sorbonne, 1985.

• Queneau, Raymond. "L'histoire dans le roman," Front national, vol. 4 , no. 8 (1945).

• Rabinow, Paul. Reflections on Fieldwork in Morocco, Berkeley: University of California Press,  1977.

• Revel, Jacques. "Présentation," Annales: Économies, Sociétés, Civilisations , vol. 43 , no. 2 (1988).

• Roche, Daniel. (ed.) Journal de ma vie. Jacques-Louis Ménétra, compagnon vitrier au 18 e siècle, Paris: Montalba, 1982.

• Venturi, Franco. Jeunesse de Diderot (de 1713 A 1753) , Juliette Bertrand (trans), Paris: Albert Skira Editeur, 1939.

• Vovelle, Michel. Théodore Desorgues ou la désorganisation: Aix-Paris, 1763 - 1808 , Paris: Seuil,  1985.