العودة إلى تفاصيل المؤلَّف عرض كتاب

عرض كتاب

The Justice Discourse in Sultanic Literature by Ibrahim Al-Qadri Boutshish (Book Review)

شمس الدين الكيلاني*Chamseddin

Alkilani

الملخّص

طرح بوتشيش عددًا من الأسئلة ليطلَّ به على مفهوم العدالة في خطاب هذه الآداب، والمرجعيات التي ترجع إليها، ليعمل على ترتيب أفكاره حول ثلاثة محاور أساسية إشكالية؛ توضيح معنى العدالة في الآداب السلطانية، وثانيًا مرجعيات المؤسسة لخطاب العدالة في الآداب السلطانية، وثالثًا التقصّ عن بذور حقوق الإنسان فيها. ويختم بحثه بمحاولة قراءة مؤثرات الآداب السلطانية في فكرنا وتجربتنا السياسية الراهنة. ثم يختار لذلك أربعة نصوص تأسيسية من هذه الآداب لينكبّ عليها في بحثه: "نصيحة الملوك" لأبي الحسن علي بن محمد الماوردي، و"التبر المسبوك في نصيحة الملوك" للإمام الغزالي، و"الإشارة في تدبير الإمارة" لأبي بكر المرادي الحضرمي، و"الشهب اللامعة في السياسة النافعة" لأبي القاسم بن رضوان المالقي. وطالما أنّ خطاب العدالة يقوم على أضلاعٍ ثلاثة (المخاطِب "الكاتب/ الناصح"، والمخُاطبَ "السلطان/الذي به تصلح الأمة أو تتعثّ"، وموضوع الخطاب "العدالة التي تتمحور حولها النصائح والإرشادات") فالمؤلف يعاين مواقع هذه الأضلاع الثلاثة وفحواها في سيرة العلاقة بين السلطان ورعيته وسبل تحكيم العدل بها التي يصبح مضمونها، بموجب إحالات هذه الآداب ودلالاتها، مسؤولية الحاكم (الراعي) وطاعة الرعية. ويعترف بوتشيش بصعوبة المهمة التي أعدّ نفسه لها، فللوصول إلى مقاصده، أمامه الكثير من الصعوبات المنهجية والتشريحية والتنقيبية خصوصًا أنّ كثرة النصوص السلطانية وتعدّد أبواب "العدل" و"الشورى" في ثناياها. فقدّم إجابات مدروسة وجدية تستحق المناقشة.

Abstract

The author explores the concept of justice in the "literature of sultanic ethics" (adaab sultania), writings which reflect the political views of the political structures that governed Muslim societies. This is done by framing the argument in three main categories: by clarifying the definition of justice in Sult discourse, identifying the references that formed the foundation of that discourse, and investigating the seeds of human rights in it. He concludes his study by attempting to find the influence of that discourse on our current political thought and experience. He focuses on four texts in depth: The Counseling Kings by Abu Hassan Ali bin Mohammad al-Mawardi, The Forged Sword in Counseling Kings by Imam al-Ghazali, The Symbols of Ruling an Emirate by Abu Bakr al-Maradi al- Hadrami, and Bright Stars of Beneficial Policy by Abu Qasem bin Radwan al-Maliqi. The discourse of justice is built on three pillars: the narrator (that is, the writer or advisor), the receiver (the Sultan, with whom the Ummah rises or falls), and the topic of the discourse (the specific form of justice for which advice is sought and directions are given). The author discusses these three pillars and the relationship between the Sultan and his subjects, as well as the ways he promotes justice in accordance to this discourse, based on the responsibility of the ruler and the obedience of the ruled.

الكلمات المفتاحية:
  • السياسة الشرعية
  • الخلافة
  • ابن المقفع
  • الغزالي
  • نمط الإنتاج الآسيوي
Keywords:
  • Juristic politics
  • Caliphate
  • Ibn al-Muqaffa
  • Al-Ghazali
  • Asiatic mode of production

طرح بوتشيش عددًا من الأسئلة ليطلَّ به عى مفهوم العدالة في خطاب هذه الآداب، والمرجعيات التي ترجع إليها، ليعمل عى ترتيب أفكاره حول ثلاثة محاور أساسية إشكالية؛ توضيح معنى العدالة في الآداب السلطانية، وثانيًا مرجعيات المؤسسة لخطاب العدالة في الآداب السلطانية، وثالثًا التقصّ عن بذور حقوق الإنسان فيها. ويختم بحثه بمحاولة قراءة مؤثرات الآداب السلطانية في فكرنا وتجربتنا السياسية الراهنة. ثم يختار لذلك أربعة نصوص تأسيسية من هذه الآداب لينكبّ عليها في بحثه: "نصيحة الملوك" لأبي الحسن علي بن محمد الماوردي، و"التبر المسبوك في نصيحة الملوك" للإمام الغزالي، و"الإشارة في تدبير الإمارة" لأبي بكر المرادي الحضرمي، و"الشهب اللامعة في السياسة النافعة" لأبي القاسم بن رضوان المالقي. وطالما أنّ خطاب العدالة يقوم عى أضلاعٍ ثلاثة (المخاطِب "الكاتب/ الناصح"، والمُخاطَب "السلطان/الذي به تصلح الأمة أو تتعثّ"، وموضوع الخطاب "العدالة التي تتمحور حولها النصائح والإرشادات") فالمؤلف يعاين مواقع هذه الأضلاع الثلاثة وفحواها في سيرة العلاقة بين السلطان ورعيته وسبل تحكيم العدل بها التي يصبح مضمونها، بموجب إحالات هذه الآداب ودلالاتها، مسؤولية الحاكم (الراعي) وطاعة الرعية. ويعترف بوتشيش بصعوبة المهمة التي أعدّ نفسه لها، فللوصول إلى مقاصده، أمامه الكثير من الصعوبات المنهجية والتشريحية والتنقيبية خصوصًا أنّ كثرة النصوص السلطانية وتعدّد أبواب "العدل" و"الشورى" في ثناياها. فقدّم إجابات مدروسة وجدية تستحق المناقشة. كلمت مفتاحية: السياسة الشرعية، الخلافة، ابن المقفع، الغزالي، نمط الإنتاج الآسيوي.

The author explores the concept of justice in the "literature of sultanic ethics" (adaab sultania), writings which reflect the political views of the political structures that governed Muslim societies. This is done by framing the argument in three main categories: by clarifying the definition of justice in Sult discourse, identifying the references that formed the foundation of that discourse, and investigating the seeds of human rights in it. He concludes his study by attempting to find the influence of that discourse on our current political thought and experience. He focuses on four texts in depth: The Counseling Kings by Abu Hassan Ali bin Mohammad al-Mawardi, The Forged Sword in Counseling Kings by Imam al-Ghazali, The Symbols of Ruling an Emirate by Abu Bakr al-Maradi al- Hadrami, and Bright Stars of Beneficial Policy by Abu Qasem bin Radwan al-Maliqi. The discourse of justice is built on three pillars: the narrator (that is, the writer or advisor), the receiver (the Sultan, with whom the Ummah rises or falls), and the topic of the discourse (the specific form of justice for which advice is sought and directions are given). The author discusses these three pillars and the relationship between the Sultan and his subjects, as well as the ways he promotes justice in accordance to this discourse, based on the responsibility of the ruler and the obedience of the ruled.

باحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات - قطر. Researcher at the Doha-based Arab Center for Research and Policy Studies, Qatar.

المؤلف: إبراهيم القادري بوتشيش.
المؤلف: إبراهيم القادري بوتشيش.
عنوان الكتاب: خطاب العدالة في كتب الآداب السلطانية.
الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة/ بيروت.
سنة النشر: 013 2.
عدد الصفحات: 86 صفحة.

يضع بوتشيش1 فتح ملف خطاب العدالة في كتب الآداب السلطانية هدفًا لبحثه، بوصفه مثّل حلقة من حلقات تاريخ الأفكار السياسية في المجال الإسلامي، وبلور سياسة عملية امتزج فيها الديني بالسياسي. فكانت "العدالة" عنوانًا لمسعى حاول فيه كاتب السلطان التوفيق بين الديني والسياسي، أو تسخير الديني للسياسي. فيعترف بوتشيش بصعوبة المهمة التي أعدّ نفسه لها؛ فللوصول إلى مقاصده، أمامه الكثير من الصعوبات المنهجية والتشريحية والتنقيبية "خصوصًا أنّ كثرة النصوص السلطانية وتعدد أبواب 'العدل'

و'الشورى' في ثنايا الكتب السلطانية لا يعنيان أنّ تلك النصوص تتضمن كلّ ما يصبو إليه الباحث من توفُّر ضوابط وآليات تتحكم في تشريح موضوع العدالة أو تشبع فضوله الفكري في الحصول على أجوبة دقيقة عند البحث فيها"2.

أولً، مقدمات في التفكير يف الأدب السلطاني

قبل الدخول في تلافيف تفكير بوتشيش في "خطاب العدالة السلطاني"، علينا إلقاء نظرة تاريخية على عوامل نشأة هذا الأدب في الزمن الوسيط، ولنلقي نظرة أخرى على ما كُتب عن هذا الأدب في الدراسات العربية الحديثة، لنتحرّى، على ضوء ذلك، في ما أضافه

بوتشيش من جديد إلى هذا التأليف المعاصر، من خلال دراسته مفهوم العدالة فيه.

يف تاريخ النشأة وعواملها

ولد الأدب السلطاني من رحم التقسيم أو التوزيع الوظيفي الذي حدث بين أرباب القلم في السلطة في المجال العربي الإسلامي. فسجّل

الواقع التاريخي ذلك التمييز أولً، ثم الاستقلال ثانيًا بين أحكام السياسة وأحكام الشريعة؛ فمع تقدّم الزمن حدث ما يشبه انحسار أحكام

الشريعة عن مجال التشريع والقضاء، وهو الحصن الحصين لرجال الشرع. فسجّل ابن قيّم الجوزية (751 ه) والبخاري (902 ه)، وابن

الجوزي (ت 597 ه)، اعتراضاتهم على هذا التبدُّل في الأحوال؛ وذلك لأنّ الفقهاء لم ييأسوا من استعادة الدولة إلى حظيرة الشريعة، في حين كان المجتمع نفسه يئس من ذلك وصار همّه الحصول على سياسة عادلة وحسب (التي هي المقصد النظري الأسمى لكاتب الآداب السلطانية). لم يكن هذا التوزيع لمجالات الاختصاص بين "السياسة" و"الشريعة" فصلً للدين عن الدولة، بل إحداث حالة تنظيمية في إدارة المجتمع. تولّ السلطان أو نائبه أو ناظر المظالم أو الوزير مقاضاة كبار رجال الدولة. وتولّ ناظر الجيش مقاضاة الجيش وأفراده. وتسلَّم المحتسب قضايا الآداب العامة في السوق. علمًا أنّ هذه "السياسة الشرعية" تضمَّنت فكرة عدم كفاية "أحكام الشريعة" لإحلال العدالة

في المجتمع. وفي مرحلةٍ متقدمة من عمر الدولة العباسية انفصلت المؤسسة السياسية عن المؤسسة الدينية تدريجيًا إلى أن اكتمل ذلك مع

1 إبراهيم القادري بوتشيش، أستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة مولاي إسماعيل في مكناس في المغرب. 2 إبراهيم القادري بوتشيش، خطاب العدالة في كتب الآداب السلطانية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 013 2)، ص 7  -  8.

  1. إبراهيم القادري بوتشيش، أستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة مولاي إسماعيل في مكناس في المغرب.
  2. إبراهيم القادري بوتشيش، خطاب العدالة في كتب الآداب السلطانية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 013 2)، ص 7  -  8.

انفصال الخلافة عن السلطنة، وبروز دور أمير الأمراء والسلطان. حينها "استأثر بالسلطة أرباب السيف (الأتراك) وبقيت المناصب الدينية

وبعض الإدارية في يد 'أرباب القلم'". وهكذا حدث تمايزٌ بين مجالين أحدهما سياسي، والآخر ديني، ولكلٍ منهما أربابه"3. نظر ابن خلدون إلى هذا النموذج السلطوي بوصفه شكلً بدائيًا للسلطة. ورآه ابن المقفع "لعب ساعة ودمار دهر". أمّا الماوردي فلم

يعره اهتمامًا كبيرًا؛ فهو عنده شكل مدني من أشكال فساد السلطة السياسية. أمّا النوع الثاني من المُلك، فهو: مُلك الحزم، أو مُلك القوة،

أو مُلك السياسة، فإنّهم أخذوه على محمل الجدّ "والجديد في المسألة" أنّ الماوردي وابن خلدون، وهما ينتسبان إلى مجال الفقه، بينما

كان ابن المقفع مؤلفًا في الآداب السلطانية، كانا "لا يستنكران هذا الشكل (=مُلك السياسة) ناظرين في ذلك إلى الدولة السلطانية في

ديار الإسلام منذ القرن الرابع الهجري على أنّها صورة عن هذا النموذج4. كما اهتم أحمد محمد سالم، صاحب كتاب "دولة السلطان"، بالتعرُّف إلى الدوافع السيكولوجية والثقافية التي وقفت وراء

التأليف في "الآداب السلطانية"، وهيّأت لها حضورها في الثقافة العربية السياسية، وكان لها وزنها في توطيد ثقافة الاستبداد التي لم

ينفكّ تأثيرها في توجهاتنا السياسية في زمننا المعاصر. لهذا يخصص سالم الفصل الثاني من كتابه لدراسة منطق العلاقة الاستبدادية التي تحكّمت في علاقة السلطان بالرعية في المجال العربي الإسلامي. وكان للآداب السلطانية دورها في التسويغ الأيديولوجي لتلك العلاقة، وكيف عملت على صناعة الخوف من بطش السلطان، طالما أنّ العلاقة في الاجتماع السلطاني تقوم على نموذج هرمي يقف السلطان

على رأسه. اقتنع سالم بأنّ الهمّ الأساسي لهذا الأدب هو ترسيخ ثقافة الرضوخ لأحكام السلطان، فهي لم تعر اهتمامًا لنزعة أخلاقية أو

عقائدية ترفع المرء للتمسك بأحكام الشريعة، وبالقيم الملتصقة بها، فامتزجت في الآداب السلطانية واختلطت الثقافات كافة. فنجد إطراء عدل أنوشروان يجاور الحديث عن عدل عمر، مع أفكار أرسطو وأفلاطون، وآيات القرآن والأحاديث مع مقولات الحكماء والفلاسفة، فلا يوجد فرق كبير لدى كاتب السلطان بين الرجوع إلى أرسطو أو حكمة عمر. فتتلاقى الثقافات في جسد التأليف السلطاني5. ونظر الجابري إلى ابن المقفع على أنّه "أوَّل من دشن القول في 'الأيديولوجية السلطانية' في الثقافة العربية الإسلامية"6. ويصف ابن خلدون

(ت 808 ه) معاني السلطة في المجال الإسلامي، فيقول: "إن الخلافة قد وُجدت بدون المُلك أولا ثم التبست معانيهما واختلطت.

ثم انفرد المُلك حيثُ افترقت عصبيَّته عن عصبية الخلافة"7. ورأى كمال عبد اللطيف بدوره، أنّ ميلاد هذا الأدب يرتبط تاريخيًا

بالتحوّل الكبير الذي أعقب العهد الراشدي، ف"كان انتقال الخلافة إلى ملك في العصر الأموي (41 - 132 ه/ 661 - 750 م) بمنزلة إعلامٍ

واضح عن الانقلاب السياسي الأعظم في تاريخ الإسلام، وقد ساهم هذا الانقلاب في تهيئة إمكانيات نشوء خطابات سياسية مواكبة له

وتبلورها، وذلك بهدف تبرير أعمال الملك. إذن الآداب السلطانية هي مجموع النصوص التي نشأت في سياقٍ تاريخي سياسي محدد، لإنجاز مهام أيديولوجية مضبوطة، ضمن دائرة الفضاء السياسي الإسلامي"8. وحدّد خالد زيادة في السياق نفسه، تاريخيًا واجتماعيًا،

نشوء طبقة كتاب الديوان في بداية العهد الأموي، من أفرادٍ غير عرب، واحتفظت بهذه الخصوصية لأجيال مديدة، وقبل نهاية الحقبة الأموية "كان الكتاب يصيغون خطابا يتمايز عن الخطاب الديني، فمنذ سالم كاتب ديوان هشام بن عبد الملك، وعبد الحميد الكاتب

كاتب مروان بن محمد، وابن المقفع، أُرسيت قواعد كتابته ذات الطابع الفني المتخصص"9. ومنح خالد زيادة كاتب السلطان دورًا

3 رضوان السيد، الجماعة والمجتمع والدولة، سلطة الأيديولوجيا في المجال السياسي العربي الإسلامي (بيروت: دار الكتاب العربي، 1997)، ص 405. 4 المرجع نفسه، ص 399. 5 أحمد محمد سالم، دولة السلطان، جذور التسلط والاستبداد في التجربة الإسلامية (القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 012 2)، ص 54 وما بعدها. 6 محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي محدداته وتجلياته، ط 4 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 000 2)، ص 367. 7 عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، عبد الله محمد الدرويش (محقق)، (دمشق: دار يعرب، 004 2)، ص 390. 8 كمال عبد اللطيف، في الاستبداد، بحث في التراث الإسلامي (بيروت: منتدى المعارف، 011 2)، ص 69. 9 خالد زيادة، الكاتب والسلطان، من الفقيه إلى المثقف (القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 013 2)، ص 15.

  1. رضوان السيد، الجماعة والمجتمع والدولة، سلطة الأيديولوجيا في المجال السياسي العربي الإسلامي (بيروت: دار الكتاب العربي، 1997)، ص 405.
  2. المرجع نفسه، ص 399.
  3. أحمد محمد سالم، دولة السلطان، جذور التسلط والاستبداد في التجربة الإسلامية (القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 012 2)، ص 54 وما بعدها.
  4. محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي محدداته وتجلياته، ط 4 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 000 2)، ص 367.
  5. عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، عبد الله محمد الدرويش (محقق)، (دمشق: دار يعرب، 004 2)، ص 390.
  6. كمال عبد اللطيف، في الاستبداد، بحث في التراث الإسلامي (بيروت: منتدى المعارف، 011 2)، ص 69.
  7. خالد زيادة، الكاتب والسلطان، من الفقيه إلى المثقف (القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 013 2)، ص 15.

متعاظمًا؛ فالخطاب الذي يقدّمه يكشف "عن الدور غير المباشر والحاسم الذي لعبه، ليس بصفته ناصحا للسلطان فحسب، ولكنه

خلال مشاركته في مشروع السلطة، أو من خلال صياغته لهذا المشروع"10. ولقد غدَا من الممكن التمييز بين نمطين من نماذج الآداب السلطانية التي ظهرت في القرن الخامس الهجري، بين مؤلفات الغزالي والطرطوشي وابن حداد، ونظام الملك، التي مازالت تتمسك بالقواعد الفقهية وبحلم الخلافة. ويمكن أن نطلق عليها "الاتجاه السياسي الفقهي"، ونماذج أخرى تحرّرت من الفقه، وكُتبت خلال القرنين السادس والسابع الهجريين، وطغى عليها الطابع المصلحي المدني،

والانشغال بموضوعات "مرايا الأمراء"، واقتنعت بسرد النصائح والطرائف المسلّية للسلطان.

بين الفقيه وكاتب الآداب السلطانية

اعترف الفقيه، في هذه الأثناء، بتحوّل سلطة "الخلافة" بعد العهد الراشدي، وبازدياد الطابع المدني / الدهري المصلحي لطبيعتها

وسلوكها. فعمل على المواءمة بين تعلّقه الذهني بنموذج الخلافة الراشدية وتعامله مع الواقع الفعلي للسلطة كي يستطيع التكيّف مع

أحوال الزمان. أمّا كاتب السلطان، مؤلف الآداب السلطانية، فاتّخذ السلطان مثالً له، واستبعد من تمثلّاته طوبى الخلافة، لذا نظر

إليه الجاحظ نظرة تبخيسية. ونعى على الكتَّاب كونهم تحوّلوا إلى تابعين، ولجهلهم بالقرآن والسير وتفضيلهم معرفة سيرة السلاطين

"أغزرهم علما أمهنهم، وأقربهم من الخليفة أهونهم"11. أقرَّ الماوردي وابن خلدون ضمنيًا بالشرعية النسبية لهذا الشكل من السلطان،

وذلك ليأسهما من استرجاع نموذج الخلافة الراشدية. وهو تسليم منهما بانفصال المؤسستين الدينية والسياسية، شريطة أن تتعايشا أو أن يسلّم السلطان للفقيه بمجاله الديني الشرعي12. لم يكتب كاتب السلطان أو صاحب الآداب السلطانية ما كتبه لإشباع رغبة ذاتية ذهنية بحثًا عن مهنة مطلوبة لدى السلطان وحسب، بل لأنّ واقع الخلافة قد تحوّل، وأصبحت سلطتها متخفّفة من الشريعة، وغدا

السلطان وحاشيته يستأنسان هذه الآداب لتركيزها على مصلحة السلطة واستمرارها وديمومتها. انطلق مؤلف الآداب السلطانية في تعامله مع السلطة القائمة من اعترافه النهائي، ليس فقط بواقع السلطان، بل من الاعتراف أيضًا

بشرعيته. فنظر إلى نموذجه على أنّه مرجعه النهائي. بينما واجه الفقيه بروز ظاهرة المُلك القائم على المصلحة وحكم العقل في مقابل الإمارة

المتوافقة مع الشريعة من زاوية الاعتراف الصريح بظاهرة المُلك القائم على المصلحة والعقل، لكن مع الاعتراف بنقص شرعيتها، مع حنين لا يتوقف لنموذج الخلافة الراشدية القائمة على البيعة وعلى الكمال الأخلاقي. لهذا أشار ابن المقفع (145 ه) إلى ثلاثة أشكال ممكنة للملك:

مُلك الدين، ومُلك الحزم، ومُلك الهوى. والأخير لديه أسوأ أشكال المُلك "فملك الهوى لعب ساعة ومار دهر"13. وحدّد الماوردي بدوره

ثلاثة أشكال أو تأسيسات ممكنة للملك تقابل نماذج ابن المقفع: تأسيس الدين، وتأسيس القوة، وتأسيس المال. كما تحدث ابن خلدون وشارحه ابن الأزرق عن ثلاثة أنواع للملك: الملك الديني، والملك الطبيعي، والملك السياسي. أمّا الأشكال "السلبية" لهذه النماذج من السلطة

عند المؤلفين الثلاثة هؤلاء، فهي عند ابن المقفع: ملك الهوى، وعند ابن خلدون الملك الطبيعي، وعند الماوردي تأسيس المال. واختار الثلاثة اعترافًا منهم بالأمر الواقع، الملك السياسي القائم على القوة (الماوردي)، والملك السياسي (ابن خلدون)، وملك الحزم (ابن المقفع). فالكاتب السلطاني مثل ابن المقفع وسهل بن هارون (15 2 ه) وعبد الحميد الكاتب أيام مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، وأمثالهم الذين برزوا بخاصة في العهد العباسي، هم "جزء" من "المشروع السلطوي المسيطر" سلّموا بالسلطة القائمة ولم يبيحوا لأنفسهم

10 المرجع نفسه، ص 14. 11 الجاحظ، الرسائل (بيروت: دار الحداثة، 1988)، ص 128. 12 السيد، الجماعة والمجتمع والدولة، ص 399. 13 ابن المقفع، الأدب الكبير (آثار ابن المقفع)، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1989)، ص 250.

  1. المرجع نفسه، ص 14.
  2. الجاحظ، الرسائل (بيروت: دار الحداثة، 1988)، ص 128.
  3. السيد، الجماعة والمجتمع والدولة، ص 399.
  4. ابن المقفع، الأدب الكبير (آثار ابن المقفع)، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1989)، ص 250.

حق البحث في أصل السلطة وطريقة وصول المتسلط إلى كرسيها، بل قدَّمت نفسها باعتبارها أدب نصائح هدفه مساعدة السلطان

على التصرف بطريقة تعينه على الازدهار والاستمرار. ولعلّ ابن المقفع، الأب الروحي المؤسس للآداب السلطانية، قدّم للخليفة المنصور الأيديولوجيا السلطانية المناسبة لتبرير سلوك السلطان وإدارته، حينما اقترح على المنصور خمسة ضوابط، بصيغة نصائح تتعلق بتنظيم السلطة، تضمن استقرارها: الاهتمام بالجيش وتحويله إلى جيش دولة، باعتماد العنصر الفارسي14، وتنظيم جباية الخراج، ونخبة محيطة به تساعده، وأيديولوجيا تمنحه المسوغ والشرعية15. وكان لهذا التأليف السلطاني سوقه الرائجة ومجاله التداولي. فلاحظ العروي أنّ الآداب السلطانية تؤلف جزءًا كبيرًا من التأليف

العربي الإسلامي منذ أواسط القرن الثالث الهجري تختلف في محتواها وأهدافها عن مدونات الفقه؛ ف"هناك ظاهرة تميّز كتب الآداب

السلطانية وهي وفرة الاستشهاد بحوادث تاريخ الفرس وأقوال حكماء اليونان. إنّ الفقهاء لا يعادلون أبدا بين الشرع والعدل الإنساني لأن السنة أعلى من ناموس العقل، في حين أن مؤلفي الآداب لا يكادون يميزون بين شرع النبي وعدل أنوشروان وعقل سقراط"16، ووصفها ب"الواقعية"، لأنّ الآداب السلطانية "لا تُميِّز بين شرع النبي وعدل أنوشروان وعقل أرسطو"17. ووصفها الجابري أيضًا بأنّ

"قوامها ثلاثة أنماط من السلوك يؤسسها جميعا مبدأ 'إنزال الناس منازلهم': الترفع على العامة والنفور منها، والانبساط مع 'الخاصة' وبناء المعاملة معها على المجاملة والتوادد، والانصياع التام ل'السلطان' والسير على طاعته وتقدير الأمور على هواه"18. وأشار عز الدين العلام إلى أنّ الباحثين العرب المعاصرين أجمعوا على "أنّ الآداب السلطانية تقوم على تصور 'عملي' للمجال السياسي وأنّ هدفها

الأسمى يتمثل في تقوية السلطة ودوام الملك"19. ويذهب العلام أبعد من ذلك حين يرجِّح فكرة أنّ الآداب السلطانية تشكّل في وحدة

منطقها وموضوعها خطابًا واحدًا، تجعل شخصية المؤلف بلا معنى أو ضرورة "فالمؤلف السلطاني يكتب وفق قواعد محددة سلفا، ولا نعثر

لذاتيته أيّ صدى في موضوعية النوع الذي يكتب فيه... يظل مجرد حامل النوع"20.

ثانيًا، أسئلة الكاتب والكتاب

يضع بوتشيش أمامه ثلاثة أسئلة يطلُّ فيها على مفهوم العدالة في خطاب هذه الآداب، والمرجعيات التي ترجع إليها، ويتساءل عن موقع حقوق الإنسان في متنها علّه يجد بذورًا أو نوى لهذه الحقوق. ويختار أربعة نصوص تأسيسية من هذه الآداب لينكبّ عليها

في بحثه: "نصيحة الملوك" لأبي الحسن علي بن محمد الماوردي، و"التبر المسبوك في نصيحة الملوك" للإمام الغزالي، و"الإشارة في تدبير الإمارة" لأبي بكر المرادي الحضرمي، و"الشهب اللامعة في السياسة النافعة" لأبي القاسم بن رضوان المالقي. وطالما أنّ خطاب العدالة

يقوم على أضلاع ثلاثة، المخاطِب (الكاتب/ الناصح)، والمُخاطَب (السلطان/ الذي به تصلح الأمة أو تتعثّ)، وموضوع الخطاب (العدل الذي تتمحور حوله النصائح والإرشادات)، فالمؤلف يعاين مواقع هذه الأضلاع الثلاثة وفحواها في سيرة العلاقة بين السلطان ورعيته وسبل تحكيم العدل بها التي يصبح مضمونها بموجب إحالات هذه الآداب ودلالاتها، مسؤولية الحاكم "الراعي" وطاعة الرعيّة.

14 ابن المقفع، رسالة الصحابة (آثار ابن المقفع)، ص 310  -  312. 15 المرجع نفسه، ص 321  -  322 و 346. 16 عبد الله العروي، مفهوم الدولة، ط 2 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1983)، ص 105. 17 المرجع نفسه، ص 94. 18 الجابري، ص 342. 19 عز الدين العلام، الآداب السلطانية (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون- دار الآداب، 006 2)، ص 14. 20 المرجع نفسه، ص 93.

  1. ابن المقفع، رسالة الصحابة (آثار ابن المقفع)، ص 310  -  312.
  2. المرجع نفسه، ص 321  -  322 و 346.
  3. عبد الله العروي، مفهوم الدولة، ط 2 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1983)، ص 105.
  4. المرجع نفسه، ص 94.
  5. الجابري، ص 342.
  6. عز الدين العلام، الآداب السلطانية (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون- دار الآداب، 006 2)، ص 14.
  7. المرجع نفسه، ص 93.

حاول المؤلف ترتيب أفكاره حول ثلاثة محاور أساسية: توضيح معنى العدالة في الآداب السلطانية، ثم العودة إلى مرجعيات المؤسسة لخطاب العدالة في الآداب السلطانية، وثالثًا التقصّ عن بذور حقوق الإنسان فيها. ويختم بحثه بمحاولة قراءة مؤثرات الآداب

السلطانية في فكرنا وتجربتنا السياسية الراهنة.

العدالة يف الآداب السلطانية

تلُازم المؤلف الحيرة في توضيح معنى العدالة المتداولة في خطاب كاتب السلطان، فيرى أنّ العديد من المفاهيم الملتبسة يدور

حول مصطلح العدالة. وهو أمر يُرجعه إلى تعدد المرجعيات واختلافها، والتي يعصى عن توضيحها المفهوم اللغوي للعدالة الذي يحيل

إلى معاني الوسطية والتوازن والمساواة، فالمعنى اللغوي لا يعكس "جميع التلوينات والملابسات التي اكتنفت مفهوم العدالة بفعل تأثير العوامل السياسية والاجتماعية والأيديولوجية التي أكسبته معانيَ عامة وفضفاضة"21. فإذا اتخذ مفهوم العدالة عند البعض معنى المروِّض للنزعات الطبيعية وكبح جماحها، ورأى آخرون أنّ الإسلام أكسبه معانيَ مجتمعية كبيرة تصدّرت جميع القيم الدينية والإنسانية

إلى درجة أنّ العدل اقترن فيه بأسماء الله الحسنى، فإنّه في الآداب السلطانية اكتسب معانيَ تسهم في تعزيز هيبة السلطان، إلى حدّ

أنّ هذه الآداب حوّلت الدين إلى أداةٍ لخدمة الطاعة له، فتركَّز اهتمام كاتب السلطان على توظيف نصوص العدالة لتبرير الخضوع

للسلطان، لأنّ الكاتب السلطاني لم يهتم أصلً بالمفاهيم أو بإنتاج نظرية معرفية في العدالة، بقدر ما كان يهتم بتوظيف نصوص العدالة

لتبرير السلطة الحاكمة والدفاع عن استمرارية الدولة واستقرارها"22. غير أنّ هذا لا يدفع بوتشيش لليأس فيحاول الحفر في تلافيف

القصص والأخبار التي يمتلئ بها الأدب السلطاني علّه يجد مبتغاه. فتلك النصوص موجّهة للسلطان محاباةً ومداراة، فتتحوّل العدالة

إلى استدرار عطف السلطان على الرعية، فالبشر عدوانيون يحتاجون إلى من يملك العزم على ردع الظالم وإنصاف المظلوم. ويحقق بذلك التوازن اللازم لاستمرار الاجتماع البشري. "وبذلك تكون الدائرة السلطانية هي الرحم الذي ولد منه المفهوم"23، لذا تبدو العدالة بهذا المفهوم السلطاني عرجاء تقوم على تجاهل الطرف المحكوم. والذي يزيد هذا التفسير ثقلً أنّ المسألة برمّتها هي مسؤولية السلطان

وحسب، وهو في الوقت نفسه، غير مُلزَم بها. فيستشهد بقول ابن رضوان: "ليس فوق السلطان العادل منزلة إلَّ نبي مرسل".

المرجعيات المؤسسة لمفهوم العدالة يف الآداب السلطانية

يتفق بوتشيش مع الباحثين الآخرين في تأكيده أنّ الترويج للنظرية السلطانية للعدالة اقتضى تنوّع مرجعيات الآداب السلطانية. فإذا

كان العهد الراشدي "قد شهد دورة العدالة، فإنّ 'الشرعية لمن غلب' ظلّت هي المهيمنة على المجتمع الإسلامي في مساره التاريخي"24.

ويعيدنا المؤلف في هذا السياق إلى المفهوم الاستشراقي: الاستبداد الآسيوي، ونمط الإنتاج الآسيوي، فيقول إنّ الآداب ركَّزت على النص

القرآني والحديث، في الوقت الذي نصَّت فيه "على أنّ السلطان مُكلَّف بحراسة الدين في المجتمع، مستلهمة نموذج ملوك الأنظمة

الاستبدادية في نمط الإنتاج الآسيوي"25. وعلى الرغم من الطابع الدهري لمنظومة قواعد الأدب السلطاني، لم تتوقف عن توظيف الدين "لإسباغ الشرعية على عدالة السلطان" والمقدس في خدمة الدنيوي، ولم تقتصر على توظيف النص الديني بل اتّكأت على ما هبَّ ودبَّ من نصوص مستقاة من

21 بوتشيش، ص 13. 22 المرجع نفسه، ص 16. 23 المرجع نفسه، ص 18. 24 المرجع نفسه، ص 28. 25 المرجع نفسه، ص 29.

  1. بوتشيش، ص 13.
  2. المرجع نفسه، ص 16.
  3. المرجع نفسه، ص 18.
  4. المرجع نفسه، ص 28.
  5. المرجع نفسه، ص 29.

الثقافات الأخرى: يونانية وهندية وفارسية، واقتبست من تجارب الفرس وحكمة اليونان وعقل الهنود، فيطيب لابن رضوان القول: "واتفق حكماء العرب والعجم"، إذ سعى الكاتب السلطاني إلى "تكييف خطاب العدالة السلطاني مع إجماع مفكري المجتمع الإنساني"، مستخدمًا هذه الاقتباسات المتنوعة "إلى تبرير استبداد الدولة السلطانية بعد تحول الخلافة إلى ملك عضوض"26. إضافةً إلى لجوئه إلى

تجارب الأمم التاريخية وتوظيف تاريخ "الآخر" في محكياته ونوادره، فيقدّم المؤلف مثالً على ذلك الماوردي في كتاب "نصيحة الملوك" الذي استعان فيه بنوادر آل ساسان وإصغائهم لتظلُّم رعيتهم. ويعيدنا المؤلف، في هذا السياق، إلى المفهوم الاستشراقي (الاستبداد الآسيوي، ونمط الإنتاج الآسيوي) في مقارنته للدولة السلطانية، فيقول إنّ الآداب السلطانية ركَّزت على النص القرآني والحديث، في

الوقت الذي نصَّت فيه "على أنّ السلطان مُكلَّف بحراسة الدين في المجتمع، مستلهمةً نموذج ملوك الأنظمة الاستبدادية في نمط الإنتاج

الآسيوي"27. وأشار إلى إسهاب الأدب السلطاني في إعلاء شأن السلطان ورفعته، يظهر ذلك جليًا لديه في وصفه أبّهة مجلس السلطان،

وفي الطقوس التي تحفل بالرموز التي تجعل مجلسه مسرحًا للهيمنة والانقياد لعظمة السلطان ومكانته. يظهر فيه السلطان كالرأس

والرعية في موقع الجسد. فلا يتردد الماوردي في القول: "إن الله جعل الملوك خلفاء في بلاده وأمناء على عباده ومنفذي أحكامه في خلقه". فيذهب المؤلف إلى القول "إنّ هذه المماثلة بين الله والخليفة، التي بدأت منذ العصر الأموي واشتدت في العصر العباسي وأصبحت جزءا من الذهنية الإسلامية شيعتها وسنتها، هي أطروحة مناقضة لمبدأ العدالة، لأنّها تنزه السلطان من كل خطأ"28. فيستنتج أنّه قد ترتب على ذلك تضييق مساحة حرية التعبير والنقد، والاتجاه نحو القبول باستبداد السلطان. والخلاصة التي يصل إليها المؤلف هي أنّ كاتب

السلطان حاول أن يرسِّخ فكرة "الحاكم المستبد العادل". فلا تقوم عدالة السلطان كما سطّرتها الآداب السلطانية على التعاقد أو على

التراضي بل على مبدأ الغلبة والقوة. وتحفل نصوص الآداب السلطانية بالصور الموحية بالخوف، ولإبراز طبيعة السلطان الجبّارة التي

لاينفع معها سوى التذلل لتؤسس بذلك لثقافة الخوف، وبأنّ الطاعة هي الطريقة المثلى لعلاقة الراعي بالرعية. فيصبح من الطبيعي أن

يُنظر إلى الطاعة بوصفها قيمة وفضيلة، ولا سيما أنّ الآداب السلطانية تبُرِز السلطان في صورة أبٍ للرعية، وأنّها أرفع منازل السعادة،

يقول ابن رضوان "إذا عدل السلطان كان له الأجر، وعلى الرعية الشكر، وإذا جار كان عليه الأصر وعلى الرعية الصبر".

حقوق الإنسان يف الآداب السلطانية

يرى المؤلف أنّ العدالة في مفهوم الآداب السلطانية تنطلق من تمثُّلٍ هرمي للمجتمع يحتل السلطان رأس الهرم والعامة في

الأسفل ويتدرج ما بينهما بقية الفئات الاجتماعية، بدءًا من الحاشية والأعوان في الأعلى، وكلّ فئة لها نصيب متدرّج من العدالة. ما

يعني "أنّنا نواجه تعددًا في مستويات تطبيق العدالة"29، فينصح الماوردي السلطان ب"مراعاة مراتب الناس". لذا يتوصّل المؤلف إلى

نتيجةٍ مفادها "أن صورة العدالة التي رسمتها ريشة مؤلفي الآداب السلطانية هي صورة مائعة تنطق بالفئوية والطبقية وعدم المساواة بين فئات المجتمع، ويؤسسها مبدأ (إنزل الناس منازلهم"..)30. غير أنّ المؤلف يستدرك ليبين لنا أنّه على الرغم من تواطؤ كاتب السلطان

مع مولاه، فهناك ضوابط أو حقوق كما يقول المؤلف، "نصح" هذا الكاتب سلطانه ليراعيها من أجل ثبات المُلك وتحسين تدبير دولته ولرضى الجماعة، ويذكر من هذه الحقوق (الضوابط): الحق في الطعام واللباس، الحماية من الضرب والإهانة والقتل دون حق، وحماية

26 المرجع نفسه، ص 33. 27 المرجع نفسه، ص 29. 28 المرجع نفسه، ص 48. 29 المرجع نفسه، ص 60. 30 المرجع نفسه، ص 62.

  1. المرجع نفسه، ص 33.
  2. المرجع نفسه، ص 29.
  3. المرجع نفسه، ص 48.
  4. المرجع نفسه، ص 60.
  5. المرجع نفسه، ص 62.

المال، وحراسة الدين، وسد الحاجة، والإنصاف في التقاضي، ودخول المتظلم أبواب السلطان31. لهذا يبدو للمؤلف أنّ المراجعة الشاملة

لسلبيات التراث العربي - الإسلامي، ومنه فكرة العدالة، أصبحت مطلبًا ملحًا للدخول في دولة الحرية المواطنة.

خاتمة

استفاد بوتشيش من الدراسات السابقة التي تناولت الآداب السلطانية بالتحليل والنقد. وهذا يبدو جليًا في المراجع التي عاد

إليها؛ من دراسات رضوان السيد إلى كتابات العروي مرورًا بالجابري وكمال عبد اللطيف وعز الدين العلام وبنسعيد، ومحمد أحمد

سالم. وإلى جانب ذلك كان واضحًا في ترتيب أفكاره وأسئلته، فجعل بحثه يدور حول أسئلة ثلاثة رئيسة، جعلها جسرًا يعبر فيه أبواب

الآداب السلطانية وأروقتها، وقد أثمر في تعريف قارئه بمنطق هذه الآداب وموضوعاتها. ولم يُخف في خاتمة بحثه محاولته توظيف

استنتاجاته للوصل ما بين منطق هذا الآداب وما اتسمت به الحالة السياسية العربية من استبداد، ذاهبًا في ذلك مذهب عبد اللطيف32

وسالم، ويُقارب ذلك بحذر، فيقول "وعلى الرغم من وعينا بخطورة الإسقاط التاريخي والتغيرات التي طرأت على زمنية الفكر العربي

وسيطه وحاضره، فإن الواقع العربي يشهد على استمرار الآداب السلطانية في تخصيب الفكر العربي المعاصر". ويختم بالقول "أما صورة

السلطان بوصفه (خليفة الله في الأرض) فلا تزال حاضرة وإن بصيغ مضمرة"33. غير أنّ هذا الإسقاط يغمط مسؤولية رجال الحاضر

ونسائه عمّا بدا للمؤلف من رضوخٍ لمعاني الاستبداد في الآداب السلطانية من جهة، ولتنوّع التجربة السياسية والثقافة العربية منذ ما

يُعرف بعصر النهضة إلى ثورات الربيع التي أعلت من شعاري الحرية ومواجهة "الذلّ". كما يُخفي دور المنظومات الفكرية المعاصرة وفي

مقدمتها (الماركسية، والسوفياتية، والصينية) في ترسيخ نظم فكرية وتجارب سياسية في بلادنا، إضافةً إلى الأفكار الفاشيّة الوافدة في

الثلاثينيات، فضلً عن تأثير الفكر القومي العربي في وعي شبّاننا وعقولهم، في طوره الراديكالي الأيديولوجي، والذي ترافق مع الأنظمة

"القومية التقدمية"، خلال ثلاثة عقود، على حساب فكرة العروبة الليبرالية الدستورية. وعلينا أيضًا ألّ ننسى تلك الفترات التي كانت

فيها الليبرالية والمؤسسات الدستورية تبدو واعدة في حياتنا الفكرية وفي تجربتنا السياسية. حينها كان صوت أمثال طه حسين الليبرالي، وتوفيق الحكيم لا يعلو عليه صوت في سوق التداول الثقافي العربي.

31 المرجع نفسه، ص 66  -  67. 32  " ففي أغلب الدول العربية الإسلامية لا تزال علاقة الحاكمين بالمحكومين، تتم بتوسط لغة الآداب السلطانية، ولا تزال السلطة تنظر إلى نفسها من نفس زاوية نظر

الحاكم السلطاني" عبد اللطيف، ص 316. 33 المرجع نفسه، ص 68  -  69.

  1. المرجع نفسه، ص 66  -  67.
  2. ففي أغلب الدول العربية الإسلامية لا تزال علاقة الحاكمين بالمحكومين، تتم بتوسط لغة الآداب السلطانية، ولا تزال السلطة تنظر إلى نفسها من نفس زاوية نظر الحاكم السلطاني" عبد اللطيف، ص 316.
  3. المرجع نفسه، ص 68  -  69.

قائمة المصادر والمراجع

ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد. مقدمة ابن خلدون، عبد الله محمد الدرويش (محقق)، دمشق: دار يعرب، 004 2. ابن المقفع، عبد الله. آثار ابن المقفع، بيروت: دار الكتب العلمية، 1989.

الجابري، محمد عابد. العقل السياسي العربي محدداته وتجلياته، ط 4، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 000 2. الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر. الرسائل، بيروت: دار الحداثة، 1988. زيادة، خالد. الكاتب والسلطان من الفقيه إلى المثقف، القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 013 2.

العروي، عبد الله. مفهوم الدولة، ط 2، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1983. عبد اللطيف، كمال. في الاستبداد: بحث في التراث الإسلامي، بيروت: منتدى المعارف، 011 2. العلام، عز الدين. الآداب السلطانية، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون- دار الآداب، 006 2.

بوتشيش، إبراهيم القادري. خطاب العدالة في الكتب السلطانية، الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 013 2.

سالم، أحمد محمد. دولة السلطان، جذور التسلط والاستبداد في التجربة الإسلامية، القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 012 2. السيد، رضوان. الجماعة والمجتمع والدولة: سلطة الأيديولوجيا في المجال السياسي العربي الإسلامي، بيروت: دار الكتاب العربي، 1997.