العودة إلى تفاصيل المؤلَّف السيرة النبوية بين رواتها ومؤلفيها

السيرة النبوية بين رواتها ومؤلفيها

The Biography of the Prophet: Narrators and Authors

حياة عمامو

Hayet Amamo

الملخّص

يُعدّ ابن إسحاق أقدم من ألّف السّيرة النبويّة التي تكاد تكون محفوظة بكلّيّتها، بعد أن استفاد من كلّ الذين سبقوه من محدّثي المدينة، وخاصّة عاصم بن عمر ويزيد بن رومان وابن شهاب الزّهري وغيرهم. واستفاد ابن إسحاق أيضًا في تأليفه السّيرة من الرّوايات التاريخيّة التي وضعها كثير من الرّواة الذين سبقوه، مثل عروة بن الزبير وأبان بن عثمان وموسى بن عقبة، والإسرائيليات والقصص الشّعبي. وبتأليف ابن إسحاق السّيرة النّبويّة، يبرز أدبًا إسلاميًّا جديدًا مختلفًا ومستقلاًّ عن الحديث النّبوي وتفسير القرآن، مع أنّه نشأ وتطوّر في رحمهما. ويمكن تفسير بروز هذا الأدب الجديد بحاجة المجتمع الإسلامي إلى تخليد ذكرى النبيّ وجعله قدوة يحتذى بها، من دون التّخلّي كلّيًا عن موروثهم ما قبل الإسلامي الذي يمثّل جانب القصص فيه الثّقافة السّائدة والمؤثّرة. وتمثّل سيرة ابن إسحاق التي وصلنا جانب مهمّ منها في سيرة ابن هشام وجوانبها الأخرى في كلّ من تاريخ الطبري وتفسيره وفي أخبار مكّة للأزرقي، بمنهجها وهيكلها، نواة تطوّر عديد العلوم الإسلاميّة الأخرى، مثل التاريخ والطبقات التي تضمنت إلى جانب تاريخ الأنبياء والأمم والمسلمين وطبقات الصّحابة والتابعين قسماً مخصّصًا لسيرة النّبي.

Abstract

Ibn Ishaq is generally regarded to be the earliest author of the Prophet Mohammed's biography (sira). Ibn Ishaq was able to make the most of Medinan authors who preceded him, including luminaries such as Asim ibn Omar, Yazid ibn Ruman and Ibn Shihab Al Zuhri as well as Urwah ibn Alzubair, Aban bin Othman and Musa ibn Uqba. Additionally, Ibn Ishaq's Sira relied on such sources as the Israeliyat —Arabic sources on the lives of the prophets, based on the Old and New Testaments—and contemporaneous oral histories of the prophet. Ibn Ishaq's achievement was that he introduced a completely new form of Arabic literature, totally separate to the Hadith , or Koranic exegesis (Tafsir), the two sources on which Sira relied. The emergence of this new genre can be understood as a response to the need of Muslim society to immortalize the memory of the Prophet and make him an example to be emulated, but without the total renouncement of the pre-Islamic heritage, in which stories were a prime and influential element. In its method and structure, the sira of Ibn Ishaq is considered the nucleus for the development of many other Islamic disciplines such as history and short biography (tabaqat), which included, alongside histories of the prophets, the nations, and the Muslims, and the biographies of the sahaba and the tab'iun , a section devoted to the sira.

الكلمات المفتاحية:
  • سيرة
  • حديث
  • تفسير
  • رواية
  • تدوين
  • تاريخ
  • مغازي
Keywords:
  • Sira
  • Hadith
  • Tafsir
  • Narration
  • Ibn Ishaq
  • Conquests

يُعدّ ابن إسحاق أقدم من ألّف السّرة النبويّة التي تكاد تكون محفوظة بكليّتها، بعد أن استفاد من كلّ الذين سبقوه من محدثّي المدينة، وخاصّة عاصم بن عمر ويزيد بن رومان وابن شهاب الزّهري... واستفاد ابن إسحاق أيضًا في تأليفه السّرة من الرّوايات التاريخيّة التي وضعها كثر من الرّواة الذين سبقوه، مثل عروة بن الزبر وأبان بن عثمن وموسى بن عقبة، والإسرائيليات والقصص الشّعبي. وبتأليف ابن إسحاق السّرة النّبويّة، يبرز أدبًا إسلاميًّا جديدًا مختلفًا ومستقلاًّ عن الحديث النّبوي وتفسر القرآن، مع أنّه نشأ وتطوّر في رحمهم. ويمكن تفسر بروز هذا الأدب الجديد بحاجة المجتمع الإسلامي إلى تخليد ذكرى النبيّ وجعله قدوة يحتذى بها، من دون التّخلّ كلّيًا عن موروثهم ما قبل الإس مااي الذي يمثّل جانب القصص فيه الثّقافة السّائدة والمؤثّرة. وتمثّل سرة ابن إسحاق التي وصلنا جانب مهمّ منها في سرة ابن هشام وجوانبها الأخرى في كلّ من تاريخ الطبري وتفسره وفي أخبار مكّة للأزرقي، بمنهجها وهيكلها، نواة تطوّر عديد العلوم الإسلاميّة الأخرى، مثل التاريخ والطبقات التي تضمنت إلى جانب تاريخ الأنبياء والأمم والمسلمن وطبقات الصّحابة والتابعن قسمً مخصّصًا لسرة النّبي. كلمت مفتاحية: سرة، حديث، تفسر، رواية، تدوين، تاريخ، مغازي

Ibn Ishaq is generally regarded to be the earliest author of the Prophet Mohammed's biography (sira). Ibn Ishaq was able to make the most of Medinan authors who preceded him, including luminaries such as Asim ibn Omar, Yazid ibn Ruman and Ibn Shihab Al Zuhri as well as Urwah ibn Alzubair, Aban bin Othman and Musa ibn Uqba. Additionally, Ibn Ishaq's Sira relied on such sources as the Israeliyat —Arabic sources on the lives of the prophets, based on the Old and New Testaments—and contemporaneous oral histories of the prophet. Ibn Ishaq's achievement was that he introduced a completely new form of Arabic literature, totally separate to the Hadith , or Koranic exegesis (Tafsir), the two sources on which Sira relied. The emergence of this new genre can be understood as a response to the need of Muslim society to immortalize the memory of the Prophet and make him an example to be emulated, but without the total renouncement of the pre-Islamic heritage, in which stories were a prime and influential element. In its method and structure, the sira of Ibn Ishaq is considered the nucleus for the development of many other Islamic disciplines such as history and short biography (tabaqat), which included, alongside histories of the prophets, the nations, and the Muslims, and the biographies of the sahaba and the tab'iun , a section devoted to the sira.

عميدة كلية العلوم الإنسانية والاجتمعية وأستاذة التاريخ الوسيط في الجامعة التونسية، تونس. Dean of the Faculty of Humanities and Social Sciences and Professor of medieval history at the University of Tunis, Tunisia.

المقدمة

يمثّل أدب السيرة ميدانًا مهمًّا من ميادين الأدب العربي الثلاثة (الحديث والسيرة والتفسير)، وهو إلى جانب ذلك أحد المصادر

الأساسية التي نشأ على أساسها علم التاريخ عند العرب. ويختلف أدب السيرة عن الحديث والتفسير مع أنه مختلط بهما. فقد استغرقت

نشأة هذا الأدب وقتًا طويلً ليصبح علمًا مستقلً قائمًا بذاته، أدى بعد اكتمال هيكلته ومواده ورسوخ التقويم الهجري إلى ظهور علم التاريخ

عند المسلمين. وأصبح رواة المسلمين، وإن تشبثوا بسيرة النبي بوصفها النواة الأولى لتاريخهم، يضيفون إليها ما سبقها من تاريخ الأمم والأنبياء، وما لحق بها من تاريخ الخلفاء والسلالات الحاكمة، بحسب ترتيب زمني يخضع للتقويم الهجري الذي أقره عمر بن الخطاب منذ سنة 20 ه/ 641 م. فما هو مفهوم السيرة؟ وكيف نشأت؟ وما هي أهم الأسباب التي أدت إلى بروز هذا النوع من الأدب العربي؟

أولً: مفهوم السيرة النبوية

لا يوجد في المعاجم القديمة لفظ سيرة، فهذا اللفظ لا يوجد إلا ضمن شرح لفظ سير ومشتقاته. ولفظ سير من سار يسير سيرًا ومسيرًا

وتسيارًا ومسيرة وسيرورة، ويتضمن هذا اللفظ مع مشتقاته معاني متعددة منها "الذهاب والزوال والتوجه"، ومنها "السيرة بمعنى السنة

والطريقة والهيئة." لقد تمّ اعتماد هذا التعريف الوارد في المعاجم القديمة - على ما يبدو - لتعريف لفظ سيرة في المعاجم المعاصرة، إذ نجد "السيرة: ج. سَِي،

الاسم من سار، المثل السائر، الجاري بين الناس". وعلى هذا الأساس يصبح لفظا السنة والسيرة مترادفين، وهو الأمر الذي أكدته المعاجم القديمة، إذ وردت في معنى السنة "والأصل في السنة الطريقة والسيرة، وإذا أطلقت في الشرع فإنه يراد بها ما أمر به النبي ﷺ، ولهذا يقال في أدلة الشرع: الكتاب والسنة أي القرآن والحديث". لقد أمكن من خلال اعتماد المعاجم اللغوية، تحديد مفهوم السيرة على أساس أنه يتضمن كل ما صدر عن النبي من أقوال وأفعال. وعلى الرغم من اعتقاد المستشرق الألماني هوروفتس Horovitz Josef باختلاف هذين العلمين لاختلاف أسلوبهما، فإن هذا الاعتقاد لم يمنعه من الإقرار أن كتاب المغازي للواقدي ومسند أحمد بن حنبل يشتملان في الأغلب على أحاديث مشتركة بينهما، إذ قلما نجد حديثًا عند

الواقدي ولا نجده عند ابن حنبل. قد يجوز أن يشترك كل من السيرة والحديث في الموضوع، لأن أقوال النبي لها صلة بأفعاله وسلوكه بين أصحابه والمؤم ين به، كما أن أفعاله وسيرته لها صلة وطيدة بأقواله، غير أن هذين الأدبين يختلفان تمامًا في المنهج، إذ يعتمد منهج السيرة على ترتيب المادة بحسب

الس ين، في حين يعتمد منهج الحديث على الترتيب بحسب المحاور. وتختلف السيرة عن الحديث من حيث الأسلوب أيضًا، لأن أسلوب

الحديث يقوم على الرواية التي تخضع مصداقيتها لمتانة الإسناد، بينما يعتمد أسلوب السيرة على تجميع الروايات التي يمكن أن تكون نصًا

1 يوسف هوروفتس، المغازي الأولى ومؤلفوها، حسين نصار (مترجم) (القاهرة: مطبعة مصطفى البابي الحلبي، 1949)، ص 1. 2 عبد العزيز الدوري، بحث في نشأة علم التاريخ عند العرب (بيروت: دار المشرق، 1983)، ص 32، 33. 3 أبو الفضل جمال الدين بن منظور، لسان العرب، المجلد 2 (بيروت: دار صادر، د.ت)؛ محمد بن محمد بن عبد الرزاق المرتضى الزبيدي، تاج العروس من جواهر

القاموس، مصطفى حجازي (محقق)، ج 12 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1973.)

المعجم في اللَغة والأعلام، (بيروت: دار المشرق، 1986)، ص 368. 5 ابن منظور، المجلد 2، ص 252، 253. 6 هوروفتس، ص 1، 2.

متماسكًا يقترب من القصة التي تشد الانتباه لما تختص به من تشويق، فضلً عن هذا تمزج السيرة بين النثر والشعر وتفسير القرآن، الأمر الذي جعلها تصلح أن تكون الموضوع المحبذ في مجالس السمر لإمتاع الساهرين من ذوي الاهتمام بالعلم الذين كونوا نخبة الأمة من حيث الدراية والمعرفة في ذلك الزمن. مثلما تداخلت السيرة والحديث، فقد تداخلت أيضا مع التفسير. وعلى الرغم من تداخل هذه العلوم الثلاثة في اعتمادها على الرواية المسندة، فإنها تبقى مختلفة بدرجات متفاوتة. فإذا اختلفت السيرة عن الحديث منهجًا وأسلوبًا، فإنّ التفسير يشبه الحديث من حيث

الأسلوب ويختلف عنه من حيث المنهج، لأنّ المادة في التفسير تنتظم بحسب شرح الآيات القرآنية التي تتصل بموضوعها. يتبين من خلال الاطلاع على كتب السيرة الموجودة، أنّ مادتها قد استفادت كثيرًا من الحديث والقرآن، إذ توجد الكثير من الإشارات

والمواضيع في السيرة النبوية التي وقع توليدها من الحديث والقرآن وتفسيره. ويمكن أن نسوق مثالً على هذا التوليد علاقة اليهود بالرسول التي يمكن التدليل على أن معظم ما يتعلق بهذه المسألة في السيرة له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بما ورد في القرآن، وخاصة في سورة البقرة. ونلاحظ الأمر نفسه بالنسبة إلى الحديث الذي كثيرًا ما تتداخل مواضيعه ومواضيع السيرة. وفي هذا الإطار يجدر تأكيد تداخل

مواضيع السيرة والحديث والتفسير وتشابهها، بحيث يصعب على غير المتخصصين في وقتنا الحاضر التفريق بين هذه الميادين الثلاثة التي تمثّل في الأصل مصادر لأقوال النبي وأفعاله. إن تداخل التفسير والحديث والسيرة يجعلنا نميل إلى أنّ نعد الأخيرة تأليفًا لما ورد من مواضيع في القرآن والسنة لها صلة بأقوال النبي

وأفعاله، قامت على أساسها النشأة الأولى لهذا الأدب الذي كان له شأن عظيم، بحسب عبد العزيز الدوري، في بروز علم التاريخ عند العرب.

ثانيًا: أسباب نشأة أدب السيرة

لقد بدأ الاهتمام بتتبع الأخبار المتعلقة بحياة النبي في وقت مبكر عن طريق محدثي المدينة، غير أنّ هذا الاهتمام المبكر الذي استرعى

انتباه التابعين وتابعي التابعين وربما الصحابة أيضًا لم يكن اهتمامًا تاريخيًا بقدر ما كان اهتمامًا يستجيب لمقتضيات العصر الذي ميز القرن

الأول وبداية القرن الثاني للهجرة. لقد كان يسعى - على ما يبدو - اهتمام الناس بتناقل أقوال الرسول وأفعاله إلى ضبط التعاليم العملية والدينية للشريعة الإسلامية اقتداء بالرسول بوصفه القائد الروحي والسياسي للأمة الإسلامية. ومن هنا زرعت أول بذرة لنشأة أدب السيرة بعلاقة وطيدة مع تكوّن السنة

المعتمدة أساسًا على الحديث. أما ما يتعلق بالمغازي، أي تلك التي قام بها الرسول وأصحابه عندما استقروا بالمدينة (يثرب)، فإن هذا الأمر يبدو مطابقًا لعادات شبه الجزيرة العربية ما قبل الإسلامية التي تؤكد دور القائد الحربي بصفته الأمير الذي يتصف بالحكمة والشجاعة، ما يضفي على هذا الدور نوعًا

من القداسة. لذلك وجد الرواة في المغازي التي خاضها النبي - الذي جمع بين القيادة السياسية والعسكرية من جهة، والنبوة التي تأتيه عن طريق الوحي من جهة ثانية - مادة مهمة للعرض في مجالس السمر، خاصة إذا ما تعلق الأمر بالانتصارات الباهرة التي حققها النبي وأصحابه في جل المعارك التي خاضها ضد أعدائه المتعددين والمختلفين. واعتمد الرواة في مجالس السمر التي عقدها كل من معاوية بن أبي سفيان (41  -  60 ه/ 662  -  680 م) وعبد الملك بن مروان (65  -  86 ه/ 685  -  705 م)، في صوغهم الروايات المتعلقة بالمغازي، على أسلوب الملاحم

7 المرجع نفسه، ص 1. 8 انظر هذه السورة وتفسير آياتها في: محمد بن جرير الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، حققه وعلق على حواشيه محمود محمد شاكر، راجعه وأخرج أحاديثه

أحمد محمد شاكر، المجلد 2 (مصر: دار المعارف، 2008)، ص 399 وما يتبعها. 9 انظر: الدوري.

الذي يذكّر ب "أيام العرب" التي كانت محور مجالس السمر في فترة ما قبل الإسلام، لتتواصل زمن الإسلام الأول بالتركيز على غزوات الرسول وانتصاراته الباهرة، والاهتمام كذلك بفتوحات المسلمين زمن الخلفاء الراشدين. لم يقتصر الاهتمام برواية السيرة النبوية على اهتمام الرواة بتناقل ما تمثلوه من أقوال النبي وأفعاله لتقريب عهد الصفاء الإسلامي من أذهان التابعين وأتباع التابعين، أو حرص الناس على الحفاظ على العادات الجاهلية المهتمة بتضخيم القائد الأمير وتقديسه فحسب، وإنما يعود أيضًا إلى جذور نشأة السيرة الذاتية للشخصية النبوية. لقد برزت هذه السيرة الذاتية للشخصية النبوية بفضل التطورات التي أحدثها

الوعي الديني لهذه الأمّة. وقد تأثر هذا الوعي الديني الإسلامي في تشكيل الشخصية النبوية - على ما يبدو - بالفكر اليهودي والمسيحي،

ومن ثمّ راح علماء المسلمين يبذلون قصارى جهدهم في بناء شخصية النبي محمد، بصورة تجعلها تتفوق على صورة مؤسسي هاتين الديانتين.

ومن ثمّ، انبثقت أسطورة النبي محمد التي قد تكون بدلت وضخمت الكثير من الحقائق التاريخية المتعلقة خاصة بطفولته ونشأته، لأن

أكثر ما يهمّ الرواة في هذا الشأن هو تأكيد الشبه بين حياة محمد وحياة الأنبياء السابقين، لإبراز محمد شخصية خارقة للعادة مثلها مثل

عيسى وموسى وكل الشخصيات غير العادية في التراث الديني الإنساني، والقائمة على مفهوم البطل التحضيري الذي تبرز ميزاته الخارقة

قبل إعلانه بطل. تعود الهالة القدسية التي أحاطت بالنبي لتجعل منه شخصية كارزماتية، في معظمها، إلى عصر التدوين. وما تجدر الإشارة إليه في هذا

الصدد أنّ كارزما النبي تزداد عمقًا وفخامة كلما تقدمنا في الزمن، حتى لا نكاد نعثر عما هو تاريخي في السيرة المتأخرة إلّ في بعض النتف

القديمة، في حين يستغرق معظم النص في التمجيد والتضخيم الأسطوري حتى يتحول إلى ما يشبه أدب المناقب. هكذا، يمكن أن نستخلص

أنّ ما نقل عن طريق المشافهة - لو صح عدم وجود الكتابة إلى حدود منتصف القرن الثاني - أكثر تاريخية مما نُقِل عن طريق الكتابة. إنّ مادة السيرة النبوية، بحكم "تأريخها" حوادث شخصية غير عادية، سادها الكثير من التمجيد والتعظيم في جوانب والطمس

والتعتيم في جوانب أخرى. وهي في معظمها تعبّ عن صورة للنبي ولعهده النقي، كما رسخ في المخيال الجماعي للمسلمين بعد انقضاء عهد

النبوة الرسالي وحلول عهد الدولة الدنيوية. ولذلك يجب التعامل مع هذه المادة بحذر شديد. فضلً عن الأسباب المتعددة التي تعرضنا لذكرها آنفًا، يرى المستشرق الألماني هوروفتس أنّ القرار السياسي الذي اتخذه الخليفة

الأموي عمر بن عبد العزيز (99 101 -ه/ 718  -  720 م) مثّل مرحلة مهمّة في التعجيل ببروز أدب السيرة. وفي هذا الاتجاه يذكر هوروفتس أن

هذا الخليفة كتب إلى عبد الله بن أبي بكر بن حزم - وهو شيخ من شيوخ المحدّثين وكبارهم، وكان نائب عمر بن عبد العزيز في الإمرة والقضاء

على المدينة - "انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، فإنّ العلم لا يهلك حتى يكون سرًّا."

وأمر الخليفة عمر بن عبد العزيز أيضًا محمد بن شهاب الزهري وهو أحد أئمة المسلمين وعالم الشام والمدينة بتدوين حديث رسول الله فدوّن

له في ذلك كتابًا. إنّ ما أشار إليه هوروفتس في هذا المضمار يضطرنا إلى التوقف عند مسألة التدوين التي اختلف في شأنها كثيرًا الباحثون المحدثون،

بين معتقد في موثوقيتها وقائل بتأخرها إلى حدود النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة. وهذا الأمر من شأنه أن ينزع عنها أي موثوقية في كتابة تاريخ السيرة النبوية. يمكن أن يكون التدوين الرسمي قد تأخر إلى أواخر العهد الأموي أو بداية العصر العباسي، غير أنّ هذا لم يمنع

من وجود التدوين حركة غير رسمية مارسها الأفراد وخاصة من بين العلماء لمساعدة أنفسهم على التذكر، لأنّ نقل المعرفة ظل عند العرب

المسلمين مثلهم مثل بقية الحضارات يقوم أساسًا على الشفوي.

10 هشام جعيط، تاريخية الدعوة المحمدية (بيروت: دار الطليعة، 2007)، ص 146، 147. 11 هوروفتس، ص 39.

Fred Donner, Narratives of Islamic Origins: The Beginnings of Islamic Historical Writing (Princeton, New Jersey: Darwin Press, 1998), pp. 1  -  31.

هكذا، اتسعت - منذ أواخر القرن الأول وبداية القرن الثاني للهجرة - حركة التدوين لتتحول من حركة يعتمدها العلماء بصفة شخصية إلى حركة رسمية وشبه عامة. وقد اهتمت هذه الحركة في بدايتها بتدوين أقوال النبي وأفعاله. وما يجب تأكيده بالنسبة إلى هذه المرحلة من التدوين هو أنّ المدو ين لم يتقيّدوا بتمييز الموضوعات، ولا بتبويبها بالنسبة إلى الحديث، كما أنهم لم يتقيّدوا بترتيب أخبار النبي بحسب

التدرج الزمني، لأنهم كانوا يوردون هذه الأخبار ضمن الأحاديث التي كانوا بصدد جمعها. ومع تقدّم الزمن، بدأ المؤلفون يصنفون مواضيع كتبهم ويرتبونها في أبواب متعددة، فظهر ضمن كتب الحديث باب خاص بالوضوء، وباب للصلاة وآخر للزكاة، وآخر للحج... وكان من بين هذه الأبواب باب خاص بأخبار النبي، يتعلق بظروف نشأته وبعثه ونشره الإسلام وغزواته. وتطور أمر هذه المؤلفات في النصف الأول من القرن الثاني للهجرة، فأدى أمرها إلى بروز مؤلفات خاصة بالمغازي والسير تدرجت إلى أن أخذت الهيكل الذي ألّف على أساسه ابن إسحاق أول كتاب في السيرة النبوية وصل إلينا عن طريق ابن هشام خاصة، وأيضًا عن طريق كل من ابن سعد والطبري والبلاذري. إنّ الأسباب التي أدت إلى ظهور أدب السيرة بصفته "علمًا" قائمًا بذاته ومستقلًّ عن بقية العلوم الإسلامية الأخرى متعددة

ومتشعبة، ولها علاقة وطيدة بظروف نشأة هذا الأدب بصفة متدرجة. وقد جمعت هذه الأسباب بين ما هو ديني له صلة بعلاقة المسلمين بدينهم الإسلامي ونبيهم، وما هو إرث جاهلي يربط العرب المسلمين بإرثهم الحضاري ومحيطهم الجغرافي فيكون صلة بين ماضيهم ما قبل الإسلامي وحاضرهم الإسلامي، وما هو وجداني عاطفي يربط النخبة الإسلامية بشخصية النبي التي تذكرهم بعهد النقاء الإسلامي فيتشبثون بها عن طريق تصنيف مؤلفات عن سيرة النبي تبين عظمته من جهة، وتقربهم من جهة ثانية من عهده بعد أن تغيرت الظروف والمعطيات التي أصبح المسلمون يعيشون على وقعها، وما هو ثقافي وحضاري أبرزته سيرورة تاريخية دامت أكثر من قرن. هكذا، يتبين أنّ السيرة النبوية بصفتها أدبًا قائمًا بذاته، استغرقت نشأتها وقتًا طويلً كان ضروريًّا لتدرج نشأة هذا الأدب والاستجابة

في ذلك لتطور الأمّة وتطور مشاغلها التي لها علاقة وطيدة بماضيها التأسيسي المجيد الذي اختزنه ذهن علماء "مدرسة المدينة"، وتناقلوه

جيلً بعد جيل إلى أن اكتملت نشأة مضمون السيرة النبوية وهيكلها عن طريق محمد بن إسحاق. واصل العلماء المهتمون بالسيرة النبوية تطوير مضمون هذا الأدب وهيكله، ما أدى إلى ظهور كتاب السيرة النبوية لابن هشام الحميري الذي يمثّل في حقيقة الأمر مجرّد تهذيب لسيرة ابن إسحاق، لأنه أزال عنها كل المآخذ والانتقادات التي عابها عليه "محدثو المدينة". وعلى

الرغم من تواصل الاهتمام بالسيرة بعد ذلك، فإنّ هذا لم يؤد إلى تطور ملحوظ في مضمونها ولا في هيكلها. لذلك يمكن القول إنّ جميع كتب السيرة التي تلت سيرة ابن إسحاق بعد أن هذبها ابن هشام ما هي إلّ تقليد ومحاكاة لهذا الكتاب مع إضافة، بين الحين والآخر، لنوع من التضخيم والتمجيد لشخصية الرسول وبعض صحابته وغزواته. يعود، على ما يبدو، سقوط أصحاب السير الذين تلوا ابن إسحاق وابن هشام في التقليد والمحاكاة إلى عدم قدرة هؤلاء المؤلفين على استيعاب الظرفية التاريخية التي أدت إلى نشأة هذا الأدب، هذا إلى جانب انتفاء الذهن الخلاق والتشبث القوي باستعادة نقاء الماضي وصفائه الذي ما انفك يبتعد عن أذهان الناس. وهذا ما يفسر إلى حد كبير إغراقهم في تضخيم لكل ما من شأنه أن يمجّد الرسول وأعماله وتفخيمه.

13 عبد الملك بن هشام، سيرة النبي، محي الدين عبد الحميد (محقق)، ج 1 (القاهرة: مطبعة حجازي، د. ت)، مقدمة المحقق، ص 14.

ثالثًا: مراحل نشأة أدب السيرة

لم تبرز فكرة تجميع المادة المتعلقة بحياة النبي من ولادته حتى وفاته في كتاب جامع وكامل في وقت مبكر، ولا بصفة عفوية في صلب

الأمّة الإسلامية. ذلك أنّ بروز مثل هذا الكتاب تطلّب وقتًا طويلً، ولذلك لم يكن ممكنًا أن تتبلور مادة هذا الكتاب في وقت مبكر، وإنّما

تطلّبت زمنًا طويلً لكي تصل إلينا على صورتها النهائية. وهذا ما جعل مادة هذا الكتاب تعرف مراحل متعددة، تطورت شيئًا فشيئًا إلى أن

أنتجت بعد مضي ما يقارب القرن ونصف القرن جنسًا أدبيًا قائمًا بذاته في الثقافة الإسلامية عرف بأدب السيرة. إنّ الوقت الطويل الذي استغرقته نشأة أدب السيرة، لا يعني بالضرورة أنّ المسلمين لم يهتموا منذ البداية بأقوال النبي وأفعاله، غير أن

هذا الاهتمام لم يكن بهدف التأريخ لحياة النبي بقدر ما كان يهدف إلى تلبية ضرورات أملتها ظروف ذلك الوقت. وتمثّلت هذه الضرورات

بتحديد طقوس وشرائع دينية انطلاقًا من النبي بصفته مثالً يحتذى بسلوكه وتعاليمه من ناحية، ومن ناحية أخرى حاول المسلمون من

خلال الاهتمام بحروب الرسول وانتصاراته الرائعة الحفاظ على عادة ما قبل إسلامية حرصوا على أن يلْبسوها ثوبًا إسلاميًا. إذ كانوا يعقدون

مجالس السمر على الطريقة ما قبل الإسلامية لرواية حروب الرسول وإبراز انتصاراته التي كان من المستحيل أن تتحقق لولا العناية الإلهية التي كان يحظى بها. ومن ثمّ، تتحول كل هذه الانتصارات إلى معجزات لم تكن لتحدث لولا نبوّة محمد. وما تجدر ملاحظته عند رواية

مغازي النبي هو عدم تخلي الرواة التام عن الذات البشرية للرسول الذي يبرز، على الرغم من كل القدسية التي يحيطونه بها، في صورة لا يختلف كثيرًا عن أمراء الحروب وأبطالها في الفترة ما قبل الإسلامية. لقد بدأ أدب السيرة ينشأ في مثل هذا الإطار الثقافي، وقد تأثر منذ لبناته الأولى بأمرين أساسيين، يتمثل أولهما بحرص المسلمين البالغ

على الحفاظ على صورة النبي من خلال أقواله وأفعاله، بصفته مثالً يقتدى به في إنشاء القوا ين التي من شأنها أن تثبت الأمّة الإسلامية

دينيًّا وسياسيًّا. وأمّا الأمر الثاني فيتعلق بتوق المسلمين، بصفتهم عربًا، إلى الحفاظ على عاداتهم ما قبل الإسلامية مع إعطائها ثوبًا إسلاميًا.

هكذا تمكّن المسلمون من خلال رواية مغازي النبي في مجالس السمر من الحفاظ على هيكل قديم غيّوا محتواه، إذ أصبح محور الاهتمام

في هذا الهيكل حروب النبي وغزواته عوضًا عن رواية ملاحم أمراء "الجاهلية" بوصفهم أبطال العرب القدامى. على هذا الأساس برز أدب

السيرة بعد قرن ونصف القرن تقريبًا من وفاة الرسول. فكيف تدرجت الأمور إلى أن ألّف ابن إسحاق سيرته المشهورة؟ على الرغم من تداخل أدب السيرة مع الحديث والتفسير، فقد لاحظ الدارسون منذ بداية القرن العشرين ظهور البعض من علماء المدينة ممن تخصصوا في أدب السيرة من النصف الثاني من القرن الأول للهجرة، ومن بين هؤلاء العلماء بحسب الدارسين نذكر:

أبان بن عثمن

يبدو أنّ الإخباريين وأصحاب التراجم خلطوا بين أبان بن عثمان خليفة المسلمين من بني أمية بن عبد شمس القرشيين، وأبان بن

عثمان البجلي صاحبالمبتدأ والمبعث والمغازيالذي عاش بعده بجيلين أو ثلاثة. وعلى الرغم من هذا الخلط الذي يمكن أن يجعلنا نشك في اهتمام أبان بن عثمان الخليفة بالمغازي لعدم ذكره في كتب السيرة، فإنه يصعب إقرار هذا الشك لأنّ محمد بن سعد ذكر أنّ "المغيرة بن

عبد الرحمن كان ثقة قليل الحديث إلّ مغازي رسول الله ﷺ، أخذها من أبان بن عثمان. فكان كثيرًا ما تقرأ عليه ويأمرنا بتعليمها".

وكان المغيرة هذا في جيش مسلمة بن عبد الملك الذي توجه عام 96 ه/ 715 م إلى بيزنطة، ووصلته أوامر عمر بن عبد العزيز بالرجوع منها عام

Wim Raven, "art. Sira," in Peri J. Berman et al. (eds.), Encyclopedia of islam (Leiden: Brill, 1998), p. 686.

15 هو أبان بن عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي من قريش. ولد قبل عام 20 ه/ 641 م بدليل مشاركته في وقعة الجمل عام 36 ه/ 657 م.

اخْتلِف في تاريخ وفاته، فمنهم من جعلها في عهد الوليد بن عبد الملك (86 / 96 ه) (705 / 715 م)، ومنهم من جعلها في عهد يزيد الثاني (101 / 105 ه) (720 / 724 م). يذْكر من بين

فقهاء المدينة وله شهرة حسنة بين المحدّثين، يتردد اسمه في أسانيد الأحاديث ولا يوجد في كتب السيرة. انظر: هوروفتس، ص 4.

16 محمد بن سعد، الطبقات الكبرى، ج 5 (بيروت: دار صادر، 1960)، ص 185.

99 ه/ 718 م، لذلك فإنّ المغيرة بن عبد الرحمن هذا لا يمكنه أن يأخذ إلّ من أبان بن عثمان الخليفة لأنّ أبان بن عثمان البجلي عاش بعده بجيلين أو ثلاثة؛ وما يجب تأكيده في هذا الصدد أنّ ما رواه المغيرة عن أبان لا يمثّل كتابًا بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، وإنما هو مجموعة من الأخبار المتعلقة بسيرة النبي. من هذا المنطلق ذكر الدارسون أنّ أبان بن عثمان "كان أول من دوّن مجموعة خاصة تتناول المغازي"، وأنه "أقدم من ألّف كتبًا فيها"، وعنه روى المغيرة بن عبد الرحمن، ومع هذا فإنّ أصحاب السير لم يرووا عنه بينما روى عنه المحدثون. وعلى هذا الأساس يمكن أن نستنتج أنه وإلى حدود نهاية القرن الأول هجري، وعلى الرغم من بروز أدب السيرة، فإنّ العلماء بمن فيهم أولئك الذين كانت لهم اهتمامات بالسيرة لم يقدروا على التفريق بين الحديث وأدب السيرة الذي تفرّع عنه وبدأت تعاليمه تبرز بوصفه "علمًا" مستقلً عن الحديث. إنّ ما يثير الانتباه في ما أورده الدارسون عن أبان بن عثمان هو تدوينه المغازي في كتب وصحائف، وهذا ما يتعارض مع ما أشيع عن المسلمين بأنهم لم يدونوا شيئًا من العلم باستثناء القرآن استنادًا إلى الحديث النبوي القائل "لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"(، وذلك لتخوفهم من اختلاط بعض ما يكتبونه بالقرآن. إنّ المقارنة بين ما دوّنه أبان بن عثمان عن المغازي وما ذكر عن إمساك المسلمين عن التدوين طوال القرن الأول للهجرة، أي إلى

عهد عمر بن عبد العزيز، لا يُعدّ تناقضًا بين الأمرين، لأنّ التدوين في القرن الأول لم يكن حركة ثقافية عامة كما سيصبح شأنه انطلاقًا من القرن الثاني للهجرة، وإنما كان مرتبطًا بالإرادة الشخصية للفرد. فمن كان يريد أن يدوّن لنفسه ما سمعه أو ما كان يقع تداوله بين الناس لم يكن يمنع ليقوم بذلك. ولعل هذا ما جعل أغلب ما دوّن في القرن الأول للهجرة بصفة شخصية لم يصل إلينا، وإن وصل فبصفة جزئية ونادرة وغير مباشرة. إنّ اهتمام أبان بن عثمان بالمغازي التي وصلتنا عن طريق المغيرة بن عبد الرحمن، ولم تصلنا بصفتها قطعًا مدونة باسم أبان، يوضح أنّ الاهتمام بالسيرة كان في بدايته، لذلك وقع التركيز على المغازي التي دارت بين النبي وأطراف متعددة في المدينة وما حولها، لأنه لم يقع الاهتمام بعد بكل أطوار حياة النبي. ولعل الاهتمام بالمغازي جاء ليحل محل غزوات الجاهلية التي كان يتردد صداها في مجالس السمر بوصفها ملاحم وبطولات، تكون الأساس الذي تقوم عليه ثقافة العرب في فترة ما قبل الإسلام. عندما ظهر الإسلام ودخل كل العرب فيه، كان لا بد من الحفاظ على مجالس السمر هذه بصفتها منتديات ثقافية أساسية، تغذي الذاكرة الجماعية للناس، من أجل المحافظة على هويتهم العربية الإسلامية. وقد خصصت هذه المجالس في البداية لرواية الحديث وتناقله، ولمّا تطورت الأمور وبدأت فترة النقاء الأولى تبتعد عن الأذهان، كان لا بد من خلق ما من شأنه أن يغذي وجدان الناس لتقريبهم من هذه الفترة، ومن هنا بدأت العناية بشخصية الرسول بصفتها الشخصية المؤسسة للإسلام، وقد تمّ ذلك عبر الاهتمام بمغازيه أولً.

17 هوروفتس، ص 6، 7. 18 المرجع نفسه، ص 7. 19 فؤاد سزكين، تاريخ التراث العربي، محمود فهمي حجازي (مترجم)، المجلد 2 (المملكة العربية السعودية: إدارة الثقافة والنشر بالجامعة،  1403 / 1983 ه)، ص 70. 20 محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري (القاهرة: دار المحاسن، 1386 / 1996)، كتاب الجنائز، ص 33؛ كتاب الأنبياء، ص 50؛ كتاب الأدب، ص 109. 21 ابن هشام، ج 1، ص 12.

عروة بن الزبير

يُعدّ أبرز عالم في عصره، وقد ساعده على بلوغ هذه المرتبة، على ما نعتقد، الوسط الذي عاش فيه. فأبو عروة هو الزبير بن العوام الذي

كان من السابقين الأوائل إلى الإسلام، وأمه أسماء ذات النطاقين، وجدّه لأمّه أبو بكر الصديق أكبر صحابة الرسول وخليفة المسلمين الأول.

وخالته عائشة بنت أبي بكر الصديق زوجة الرسول المحببة التي كانت من أكثر من حدّث عن الرسول، ولذلك يتردد اسمها كثيرًا في أسانيد

الروايات المروية عن عروة، وجدّته لأبيه صفية بنت عبد المطلب عمة الرسول، وعمة أبيه خديجة بنت خويلد زوجة الرسول الأولى وأمّ أبنائه

جميعًا باستثناء إبراهيم بن مارية، لذلك فإنّ عروة تربطه صلات قرابة وطيدة بأحفاد الرسول من علي بن أبي طالب وفاطمة بنت محمد،

وأخي عروة عبد الله بن الزبير قائد أبناء المهاجرين والأنصار الذين لم يرضوا بخلافة يزيد بن معاوية. لئن لم يؤثّر هذا الوسط الذي نشأ فيه عروة المشحون بمسلمي الساعة الأولى المقربين من رسول الله في بروزه شخصيةً سياسية، مثلما كان شأن أخيه عبد الله، فقد أثّر في نشأته بصفته عالمًا، ويُعدّه أصحابُ التراجم كثيرًا من الأشخاص الذين أخذ عنهم عروة الحديث وخاصة

خالته عائشة. وتنعت كتب التراجم هذه عروة بكونه "ثقة كثير الحديث، فقيهًا عالمًا مأمونًا ثبتًا"، وأنّه "بحر لا ينزف". ويبدو أن

عروة هذا كان يرتاد مسجد المدينة في آخر عهد معاوية بن أبي سفيان (41 - 60 ه/ 662 - 680 م) مع جماعة من المهتمين بالعلم في ذلك الوقت، ولعلهم كانوا يتبادلون هناك بعض الآراء ويناقشونها، وقد جمعت هذه الاجتماعات الليلية بين عروة وأبي بكر بن عبد الرحمن وعبد الملك بن مروان وعبد الرحمن بن مسور وإبراهيم بن عبد الرحمن وقبيصة بن ذؤيب الخزاعي. ولعل العلاقة التي ربطت بين عروة بن الزبير وعبد الملك بن مروان أيام خلافته تعود جذورها إلى هذه الاجتماعات العلمية. وقد نتج عن هذه العلاقة على ما ورد في المصادر رسائل كتبها عروة بن الزبير إلى عبد الملك بن مروان بطلب منه حول أمور كثيرة تتعلق بالرسول ورسالته وخاصة عندما كان في مكة. يمكن أن نعدّ هذه الرسائل المدونة التي بعثها عروة إلى عبد الملك في فترة خلافته (أي بين  65  و 86 ه/ 685 و 705 م) اللبنة الأولى لبروز أدب السيرة ابتداء من القرن الثاني للهجرة عن طريق الزهري وابن إسحاق... فإلى جانب شهرة عروة بمعرفة الحديث والفقه، كان له إلمام بكثير من أخبار الأيام الأولى للإسلام، والتي كان قد أخذها عن أبيه وأمه، وخاصة عن عائشة التي لم يكن يقطع زيارتها وسؤالها، لأنها عمّرت أكثر من أبويه.

22 عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي، ولد بين 23 ه/ 644 م و 29 ه/ 650 م، عاش في مصر من 58 ه/ 678 م إلى 65 ه/ 685 م. وكان

إلى جانب أخيه عبد الله بن الزبير لما حاصر الأمويون مكة، وبعد هزيمة عبد الله اتجه عروة إلى عبد الملك بن مروان ثمّ عاد إلى المدينة. وأجاب على عديد الرسائل التي بعث بها

عبد الملك إليه في فترة خلافته (65 - 86 ه/ 685 - 705 م). وتوفي عروة في حدود سنة 94 ه. انظر سزكين، المجلد 2، ص 70. 23 هوروفتس، ص 11. 24 ابن سعد، ج 5، ص 175؛ شمس الدين بن خلكان، وفيات الأعيان، إحسان عباس (محقق)، المجلد 3 (بيروت: دار صادر، د. ت)، ص 255؛ أحمد بن علي بن محمد

بن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج 7 (بيروت: دار صادر، 1326 ه)، ص 180، 181. 25 ابن سعد، ج 5، ص 179؛ العسقلاني، تهذيب، ج 7، ص 182. 26 المرجع نفسه، ج 5، ص 181؛ البخاري، التاريخ الكبير، ج 4 (حيدرآباد: دائرة المعارف العثمانية، 1321 ه)، ص 31. 27 ابن خلكان، ج 5، ص 258. 28 البلاذري، أنساب الأشراف، محمد حميد الله (محقق)، ج 1 (القاهرة: دار المعارف، 1959)، ص 257؛ هوروفتس، ص 12. 29 كثيرًا ما نجد في الأسانيد التي يوردها الطبري العبارة التالية: "حدثنا هشام بن عروة عن عروة أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان..."، انظر: محمد بن جرير الطبري، تاريخ

الأمم والملوك، محمد أبو الفضل إبراهيم (محقق)، ج 1 (القاهرة: دار المعارف، 1968.) 30 هوروفتس، ص 18.

حوادث عهد الخلفاء الأولين.

في عداد المهتمين بالمغازي والسيرة أيضًا:

شرحبيل بن سعد

أورد عنه ابن سعد خبرًا عن هجرة النبي من قباء إلى المدينة.

آخر ساهم في نشأة هذه السيرة فكانت مساهمته أكثر وضوحًا من الجيل السابق. يتكون هذا الجيل من ثلاثة أشخاص نعتوا بكونهم أساتذة ابن إسحاق، وهم على التوالي:

عبد الله بن أبي بكر بن حزم الأنصاري المدني

كما ورد ذلك في الفهرست لابن النديم.

31 المرجع نفسه، ص 22، 23. هوروفتس، ص 25. 33 سزكين، ج 2، ص 72. 34 هوروفتس، ص 26. 35 المرجع نفسه، ص 27. 36 المرجع نفسه، ص 37. هشام وغيرهم. قال ابن سعد كان ثقة كثير الحديث عالما... "، انظر: تهذيب، ج 5، ص 164، 165. 38 هوروفتس، ص 41. 39 المرجع نفسه، ص 41؛ سزكين، ج 2، ص 30.

تمثّل كتابات عروة أقدم المدونات التي اهتمت بحياة الرسول وبسيرته، كما تمثّل أقدم نصوص النثر التاريخي العربي. وقد وصلتنا

كتابات عروة عن طريق ابن إسحاق والواقدي وابن سعد والطبري، وقد ورد معظمها برواية هشام بن عروة وابن شهاب الزهري. على خلاف أبان بن عثمان، اشتهر عروة بن الزبير بوصفه محدّثًا وفقيهًا أولً، وإخباريًا ثانيًا، ركّز اهتمامه على أخبار سيرة النبي وعلى إلى جانب أبان بن عثمان الذي اهتم بالمغازي مع أنّه اشتهر بالحديث وعروة بن الزبير الذي برز محدثًا وفقيهًا أولً وإخباريًا ثانيًا، برز

يذكر أنه أعدّ قوائم بالمهاجرين وبمن اشتركوا في بدر وأحُد. ويذكر أنّ شرحبيل "كان من أعلم الناس بالمغازي فاتهموه بإعطاء السابقة

إلى الإسلام لمن لا سابقة له، وكان قد احتاج فأسقطوا علمه ومغازيه". ولهذا السبب لم يأخذ عنه ربما ابن إسحاق والواقدي شيئًا، في حين

لقد اهتم شرحبيل مثله مثل عروة بالمغازي، غير أنّ احتياجه في آخر حياته أدخل الشك في صدقية علمه فسقط معظمه. لقد كان كل من أبان بن عثمان وعروة بن الزبير وشرحبيل بن سعد أول المهتمين بغزوات الرسول وبجوانب من حياته وحياة أصحابه، غير أنّ هذا الاهتمام كان بدرجات متفاوتة. وتجدر الملاحظة هنا أنّ اهتمام كل من أبان بن عثمان وعروة بن الزبير وشرحبيل بن سعد لم

يكن أصليًا، وإنّما تفرّع عن الحديث؛ حتى أنّ الدارس يصعب عليه، وخاصة في ما يتعلق بأبان بن عثمان، أن يتبين هذا الاهتمام الجنيني

بأدب السيرة الذي سيتضح أكثر من جيل إلى آخر. ولنتبين هذا النسق المتدرج الذي أدى إلى نشأة أدب السيرة، لا بد من التعرض إلى جيل

يبدو، من خلال ما اقتبسه عنه ابن إسحاق والواقدي وابن سعد والطبري، أنّ عبد الله من رواة الحديث في ما يخص المغازي. ويشير

هوروفتس إلى أنّ عبد الله هو مؤلّف كتاب "المغازي" الذي رواه على ما يبدو ابن أخيه عبد الملك بن محمد القاضي المتوفى عام 176 ه/ 792 م،

" هو مولى بني خطمة من الأنصار، يقال أنه عرف عليا الذي قت ل سنة 123 ه، وقد نيف على المئة. روى الحديث عن زيد بن ثابت وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري"، انظر:

" توفي سنة 153 ه، ويقال سنة 130 ه. روى عن أبيه وخالة أبيه عمرة بنت عبد الرحمن وأنس بن مالك... وعبد الله بن واقد وعبد الملك بن أبي بكر وعروة بن الزبير وابنه

يتمثّل ما أضافه عبد الله بن أبي بكر بالنسبة إلى الجيل السابق - وخاصة عروة بن الزبير وشرحبيل بن سعد اللذين دوّنا نتفًا متفرقة

عن حياة النبي وغزواته - في تأليفه كتاب "المغازي" الذي لم يقتصر فيه على غزوات الرسول، وإنما اعتنى فيه أيضًا بشبابه وأعوامه الأولى، وبالوفود وأخبار الردّة".... ولا يتعرض عبد الله بن أبي بكر إلى ذكر الإسناد الذي أخذ عنه الأخبار بصفة منظمة، وإن حدث وذكر الإسناد فإنه لا يتغافل أبدًا عن

ذكر خالته الكبرى عمرة بنت عبد الرحمن التي أخذ عنها الأخبار مشافهة. لم يقتصر عبد الله بن أبي بكر، والذي ساهم مساهمة فعالة، على إبراز أخبار المغازي التي تفرعت عن الحديث، وبدأت تتمشى لتستقل عنه عبر جمع الأخبار التي وصلته؛ وإنما ابتكر عملية "الترتيب السنوي للحوادث". وسيكون لهذا الترتيب الأثر الفعال في اكتمال "أدب السيرة" مثلما سيبرز مع ابن إسحاق. واعتمد عبد الله بن أبي بكر في تجميعه أخبار حياة النبي على أخبار الرواة، وعلى المدونات أيضًا مثل رسالة النبي إلى ملوك حمير. لقد أضاف عبد الله بن أبي بكر الكثير من العناصر التي ساهمت في تطور الأخبار المتعلقة بالنبي، والتي فرّعها محدّثو المدينة المشهورون

عن علم الحديث، وقد ساهمت هذه العناصر الإضافية في بلورة أدب السيرة الذي سيكتمل في نهاية النصف الأول من القرن الثاني للهجرة.

عاصم بن عمر بن قتادة

يُعدّ عاصم بن عمر أيضًا أحد أبرز أساتذة محمد بن إسحاق. واتفقت كل كتب التراجم على أنه كان عالمًا بالمغازي والسيرة. ولعل

هذا ما جعل الخليفة عمر بن العزيز (99  -  101 ه/  718  -  720 م)، يأمره "بأن يجلس في مسجد دمشق فيحدّث الناس بالمغازي ومناقب

الصحابة". وهكذا يضيف عاصم خطوة أخرى ليسير أدب السيرة نحو الاستقلال عن الحديث، إذ يدرس أول مرة علم المغازي والسيرة بصفة مستقلة عن الحديث في المسجد، وهو مكان عام. بهذه الكيفية يبرز مع بداية القرن الثاني للهجرة أدب المغازي والسيرة بوصفه علمًا مستقلً، يدرّس للعموم بصفة رسمية. وبهذا بدأت

نشأة علم المغازي والسيرة تتوضح علمًا قائمًا بذاته، دعمه الخلفاء، وخرج إلى الناس بصفته علمًا مستقلً بالنسبة إلى ما كان متداولً في

ذلك الوقت. وقد استفاد عاصم، مما لا شك فيه في حديثه عن المغازي ومناقب الصحابة، من النتف والكتب التي كتبها الذين سبقوه من المهتمين بهذا العلم بصفة متوازية مع علم الحديث الذي كان العلم الوحيد إلى جانب التفسير المتداول بين الناس. هكذا، برز علم المغازي والسيرة بصفة رسمية وواضحة مع عاصم بن عمر، عن طريق الدروس التي كان يلقيها في مسجد دمشق عن المغازي ومناقب الصحابة. وكان ذلك من حيث هو علم مختلف عن الحديث. على هذا الأساس يمكن القول إنّ القطيعة التامة في الفصل بين المغازي والحديث، وقعت مع عاصم بن عمر بعد أن هيّأ له كل الذين

سبقوه الأرضية الثقافية والسياسية الملائمة.

40 المرجع نفسه، ص 42. 41 انظر إسناد عبد الله مثلما ورد فيسيرة ابن هشام، ج 4، ص 314: "قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر عن امرأته فاطمة بنت عمارة، عن عمرة بنت عبد

الرحمن بن أسعد بن زرارة عن عائشة"، انظر: هوروفتس، ص 42. 42 هوروفتس، ص 43. 43 هو تابعي من الأنصار، روى عن بعض الصحابة مثل جابر بن عبد الله وأنس بن مالك، وروى عنه ابنه الفضل وابن إسحاق وغيرهم. كان راوية للعلم، وله معرفة

بالمغازي والسيرة. توفي سنة 120 ه/ 738 م أو 119 ه/ 737 م... انظر العسقلاني، تهذيب، ج 5، ص 54. 44 المرجع نفسه. 45 المرجع نفسه.

وعلى الرغم من حدوث هذه القطيعة مع عاصم بن عمر، فإنّها لم تكن نهائية وتامة، لأنّ ذلك يتطلب حلقات أخرى حتى يقع الانفصال بين السيرة الج ين والحديث الذي حملها في رحمه وحضنها إلى أن ترعرعت واستقلت بذاتها.

أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري

لقد تعددت مراحل تكوّن أدب السيرة التي تعود إلى النصف الثاني من القرن الأول للهجرة، غير أنه يمكننا القول باكتمال هذا الأدب

مع الزهري هيكلً وجوهرًا وشكلً. وقد كان أعلم رجال عصره وأكثرهم حفظًا، ويذكر أنه أول من دوّن العلم. وفي هذا الصدد يشير فؤاد

سزكين إلى "أنّ تدوين الحديث يرجع إلى وقت مبكر، ولم يكن على الزهري سوى أن يجمع هذه النصوص المدونة والمتناثرة في كراسات مختلفة وأن ينظر فيها، وقد سبقه في هذا العمل عبد الله بن أبي بكر بن حزم إذ كلفه عمر بن عبد العزيز بذلك". يبدو أنّ الزهري، وهو يجمع المدونات المتناثرة، قد استفاد كثيرًا من الذين سبقوه في الاهتمام بأقوال النبي وأفعاله. فأخذ عن عروة

رسائله التي بعث بها إلى عبد الملك بن مروان، وعن شرحبيل بن سعد قوائمه التي أعدها في أسماء المهاجرين والمشاركين في بدر وأ حُد، وعن عبد الله بن أبي بكر بن حزم التدوين وترتيب الحوادث بحسب الس ين وتدرّجها زمنيًّا، كما نقل عن عاصم بن عمر مجمل ما توصل إلى

جمعه من العلم في المساجد. لقد اكتسب الزهري عن طريق الاستفادة من المزج بين الذين سبقوه وعاصروه صيتًا عظيم الشأن، جعل طلاب العلم يتهافتون عليه من كل صوب وحدب. ولمّا كثرت الرغبات في الاستماع إليه "كان الزهري يجيز للتلميذ أن يروي النص دون سماع على شيخ أو قراءة عليه، وهذا ما أطلق عليه في علم أصول الحديث اسم الإجازة والكتابة". إلى جانب قيام الزهري بتدوين الحديث ونشر العلم كان "لا يوجد من هو أعلم منه بسنة ماضية"، إذ لم يقتصر على رواية مغازي عروة بن الزبير، بل قام ببحث واسع حول روايات المدينة وأحاديثها، وكتب ما كان يسمع ليعين ذاكرته، وقد محّص تلك الروايات ووضعها في إطار متين وواضح. تجعلنا دراسة رواياته التي وصلتنا في مصادر مختلفة، نميل إلى أنّ الزهري كان أول من أعطى "السيرة" - وهو التعبير الذي استعمله - هيكلً محدودًا ورسم خطوطها بوضوح. "وتبدأ خطته بذكر بعض المعلومات عن فترة ما قبل الإسلام، والتي تتصل بحياة النبي محمد ﷺ، ثمّ يتناول النواحي المهمّة من الفترة المكية من حياة الرسول، ثمّ الهجرة إلى المدينة والمغازي وفتح مكة وبعض السفارات

التي أرسلها الرسول والوفود التي قدمت عليه، ثمّ يتعرض لذكر مرضه وموته. وقد راعى الزهري التسلسل الزمني في حوادث السيرة وأعطى

تواريخها المهمّة".

46 سمع سهل بن سعد وأنس بن مالك وسنينا أبا جميلة وأبا الطفيل، وروى عنه صالح بن كيسان ويحي بن سعيد... وقتادة. وقيل أنه لا يوجد من هو أعلم منه. توفي بالشام

سنة 124 ه. انظر: البخاري، التاريخ الكبير، ج 1، ص 220، 221. "كان جده عبيد الله ابن شهاب شهد بدرا وأحُدا مع المشركين. وكان أبوه مسلم بن عبيد الله مع ابن الزبير.

ولم يزل الزهري مع عبد الملك بن مروان ثم مع هشام بن عبد الملك، وكان يزيد بن عبد الملك استقضاه". ابن قتيبة، المعارف، ثروت عكاشة (محقق) (مصر: دار المعارف،

1969)، ص 472. 47 جمال الدين أبو الفرج بن الجوزي، صفة الصفوة، محمود الفاخوري (محقق)، ج 2 (حلب: دار الوعي، 1970)، ص 137. 48 سزكين، ج 2، ص 76. 49 المرجع نفسه، ج 2، ص 76. 50 ابن الجوزي، ج 2، ص 137. 51 الدوري، ص 23.

يبيّ ما ذكره عبد العزيز الدوري عن الزهري أنّ الرجل استطاع، بشدة حفظه وسعة اطلاعه ومكانته المتميزة عند خلفاء بني أمية، أن

يستوعب كل المبادرات التي سبقته، وأن يؤلف بينها بصفة تجعلنا نعتقد أنّ الزهري هو "المؤسس" الحقيقي للسيرة التي "ابتدع تسميتها بعد

أن عرفت إلى حد ذلك الوقت باسم المغازي"، وحدد هيكلها وضبط مادتها وشكلها. هكذا تمكن الزهري، وهو أكبر محدثي المدينة، من جعل أدب السيرة يكتمل نضجه ليصبح علمًا قائمًا بذاته بعد أن كان متفرعًا

عن الحديث. وعلى الرغم من أنّ الزهري كان له شأن عظيم في تطور نشأة السيرة، فإنه لم يصل إلينا كتاب كامل باسم هذا المؤلف المشهور من

خلال الأسانيد. لذلك لا بد من رجال آخرين يأخذون المشعل عن الزهري ليكملوا مسيرته التي بلغت مرحلة مهمة من النضج، غير أنها لم تثمر كتابًا مع أنها أوجدت مادته وهيكله وشكله.

موىس بن عقبة

لقد رسّخ موسى بن عقبة - على ما يبدو - ما أسسه الزهري أستاذه، وخاصة ما يتعلق بتأكيد مدرسة المدينة الإسناد والاهتمام بذكر تواريخ

الحوادث. كما يبدو أنّ موسى هذا قد كان الحلقة الرابطة بين آثار الزهري وكتاب ابن إسحاق الذي سيبرز في أواخر النصف الأول من القرن

الثاني للهجرة أي بعد بضع سنوات من وفاة الزهري. لقد استغرقت نشأة كتابة السيرة مدة زمنية طويلة، عرفت مراحل متعددة تدرجت نحو الاكتمال حتى برز كتاب محمد بن إسحاق الذي يُعدّ آخر مرحلة في نشأة كتابة السيرة التي بدأت بذورها مع أبان بن عثمان وعروة بن الزبير خاصة، مرورًا بعبد الله بن أبي بكر بن حزم،

فالزهري فموسى بن عقبة، انتهاءً بمحمد بن إسحاق الذي سيمثّل كتابه المصدر الأصل لأخبار السيرة بالنسبة إلى كل الذين جاءوا من بعده

مثل الواقدي وابن سعد وابن خياط والبلاذري والطبري.

محمد بن إسحاق

لقد طغت شهرته على كل الذين سبقوه وساهموا بطريقة ما في بناء "أدب السيرة"، لأنه "كتب أقدم سيرة تكاد تكون محفوظة بكليتها". وبما أنّ ابن إسحاق روى عن كثير من محدثّي المدينة مثل عاصم بن عمر ويزيد بن رومان ومحمد بن إبراهيم وابن شهاب

الزهري وفاطمة بنت المنذر زوجة هشام بن عروة، فقد تأثر كثيرًا بهيكل السيرة الذي ضبطه أستاذه الزهري. وتتألف خطته الأصلية من

ثلاثة أقسام: المبتدأ والمبعث والمغازي. ويرجح عبد العزيز الدوري أنّ هذا الكتاب يتألف من قسمين متميزين وهما المبتدأ والمغازي، لذا يمكن

روايتهما معًا أو كلً على حدة. ولم يتأثر محمد بن إسحاق بأسلوب مدرسة الحديث بالمدينة وخاصة أستاذه الزهري، إذ التزم نقل الهيكل الذي حدده للسيرة، ولكنه تأثر أيضًا بأسلوب القصاص. ولهذا تمّ الجمع في كتابه بين الأحاديث والروايات التاريخية والإسرائيليات والقصص الشعبي مع كثير من

52 سزكين، ج 2، ص 65. 53 ذكر الواقدي "كان لإبراهيم وموسى ومحمد بني عقبة حلقة في مسجد رسول الله ﷺ، وكانوا كلهم فقهاء ومحدثين وكان موسى يفتي... ويبدو أنه لم يكن على صلة

بخلفاء بني أمية. توفي موسى بن عقبة سنة 141 ه/ 759 م، ويعد من المتبحرين المتخصصين في المغازي"، هوروفتس، ص 70. 54 "هو محمد بن إسحاق بن يسار، مولى قيس بن مخرمة بن عبد المطلب بن عبد مناف. يذكر الرواة أنّ يسارًا كان من سبايا عين التمر الذين بعث بهم خالد بن الوليد إلى

أبي بكر بالمدينة. ولد حوالي (85 ه/ 704 م) بالمدينة وتوفي ببغداد سنة 150 أو 151 ه/  767 م"، انظر: ابن قتيبة، ص 491؛ سزكين، ج 2، ص 88. 55 الدوري، ص 27. 56 ياقوت الحموي، معجم الأدباء (بيروت: دار المشرق، د. ت)، ج 18، ص 5، 6. 57 الدوري، ص 27.

التي لا تعدو في بعض الأحيان أن تكون مجرد شرح لبعض آيات القرآن أخذه عن غيره أو قام به هو بنفسه.

واعيًا بإدراجه، ولعل هذا ما جعله يستعمل كلمة قصة في كثير من الأخبار التي يوردها.

- يقدّم عليًّا على عثمان - وقدريًّا.

تلخيص النواحي التي ينتقدها المحدثون في كتاب ابن إسحاق في ثلاث: اعتماده على أهل الكتاب في الرواية مسميًا إياهم أهل العلم الأول. إيراده الشعر الموضوع من دون التأكد من صحته أو خطئه. أخطاؤه في الأنساب وتساهله في إيراد الإسناد إلى حد الإهمال.

ابن إسحاق يعرف بكونه "أول من جمع مغازي رسول الله ﷺ وألّفها".

من ابن هشام".

58 المرجع نفسه، ص 28. 59 المرجع نفسه. 60 سزكين، ج 2، ص 74. 61 محمد بن إسحاق بن النديم، الفهرست، روائع التراث العربي (بيروت: د. ت)، ص 92؛ الحموي، معجم الأدباء، ج 18، ص 6. 62 المرجع نفسه، ص 92. 63 ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج 18 (بيروت: دار صادر، 1995)، ص 6، 7. 64 المرجع نفسه، ج 18، ص 7. 65 ابن النديم، ص 92. 66 الحموي، معجم الأدباء، ج 18، ص 5. 67 هوروفتس، ص 82.

الشعر الصحيح والموضوع. جعل تنوع مواضيع كتاب سيرة ابن إسحاق مصادره تتعدد، إذ أخذ في المبتدأ عن أهل الكتاب والداخلين حديثًا في الإسلام، وخاصة وهب بن منبه الذي لا يوثقه محدثو المدينة. كما أخذ ابن إسحاق في المبتدأ عن العجم وروى قصصًا عربية قديمة

وأقاصيص من أصل يماني. أمّا فترة المبعث والمغازي فقد جمع مادتها خاصة عن أساتذته في المدينة مع إضافات حصل عليها من بحوثه

وما يلفت الانتباه في ما أورده ابن إسحاق عن الفترة المكية هو استغناؤه عن الإسناد الذي اهتم به كثيرًا محدثو المدينة في تلك الفترة

وخاصة الزهري. وقد أدى حذف ابن إسحاق الإسناد في كثير من الأخبار المكية إلى غلبة أسلوب القصص الذي قد يكون ابن إسحاق

وتشير مصادر كثيرة عند تعرضها لمحمد بن إسحاق إلى أنّ أهل الحديث في المدينة يتهمونه ويضعفونه. ومن أهم ما كانوا يتهمونه

به أنه كان يغازل النساء، بدليل جلوسه بالقرب منهن في مؤخّر المسجد وروايته عنهن وخاصة فاطمة بنت المنذر، كما اتهم بكونه شيعيًّا

لعل كل هذه المآخذ والتهم هي التي جعلت العلماء، وخاصة منهم محدثي المدينة، ينتقدون سيرة ابن إسحاق ويضعفونها. ويمكن

على الرغم من حدة النقد الذي تعرضت له سيرة ابن إسحاق من المحدثين، فإنّ ذلك لم يؤثّر كثيرًا لا في أهميتها العلمية لاعتمادها

المركّز على القرآن ولتنوع مصادرها، ولا الوجدانية لاعتمادها على أسلوب القصص الذي جعل روايتها جذابة ومستساغة. وهو ما قد يكون ساهم كثيرًا في تناقلها، إذ أمكنها بلوغ مؤلفين عاشوا بعد ابن إسحاق فدونوها بعد تنقيحها، الأمر الذي سهل المحافظة عليها، وجعل مؤلفها

وعلى الرغم من أنّ ابن إسحاق كان أول من جمع سيرة النبي بأكملها، فإنه "لم يحفظ لنا كتابا كاملً له في صورته الأصلية، وتوجد

مخطوطة في القسطنطينية في مكتبة كبريلي قد يظن من الفهرست أنها تحتوي على الكتاب بصورته الأصلية، ويتجلى عند المعاينة أنها نسخة

ومع أنّ كتاب ابن إسحاق لم يصل إلينا بصورته الأصلية، إلّ أنه يمكن القول بإمكان الحصول عليه كاملً. فإلى جانب سيرة ابن هشام

التي هي في الأصل كتاب منقح لسيرة ابن إسحاق، يمكننا أن نجد ما حذفه ابن هشام بقصد وبغير قصد في مصادر أخرى مثل تاريخ الطبري وتفسيره، وخاصة ما يتعلق بأنبياء أهل الكتاب ومقتطفات من الفصول المنتمية إلى المبتدأ. وأمّا الجانب المتعلق بتاريخ مكة القديم

فنجده في كتاب الأزرقي في أخبار مكة، هذا إلى جانب بعض في أخبار المغازي التي حذفها ابن هشام وحفظها الطبري. بهذه الكيفية وخلافًا للمؤلفات التي سبقت ابن إسحاق، والتي لا نجد منها سوى بعض النتف المتفرقة في المصادر انطلاقًا من القرن الثالث هجري، فإنّ سيرة ابن إسحاق وقع الحفاظ عليها بصورة تكاد تكون كاملة. وتجدر الإشارة إلى أنّ نسخة ابن هشام برواية البكائي

.(ت  183 ه/  900 م) تلميذ ابن إسحاق المباشر، قد اتسع انتشارها بما جعل استعمالها يطغى على الكتاب الأصلي، ويقلل الحاجة إليه منذ زمن بعيد، حتى أنّ اليعقوبي (ت.  284 ه/  897 م) لم يعتمد سيرة ابن إسحاق الأصلية، وإنما اعتمد سيرة ابن هشام. من خلال ما وصلنا عن سيرة ابن إسحاق عن طريق ملخص ابن هشام أو مختلف النتف المنتشرة في الطبري والأزرقي خاصة، وبدرجة أقل في أسد الغابة لابن الأثير، والإصابة لابن حجر العسقلاني، يمكن تصور منهج سيرة ابن إسحاق الذي أورده هوروفتس كالآتي:

المبتدأ

وينقسم إلى أربعة فصول: أنبياء فترة ما قبل الإسلام منذ خلق العالم حتى زمن عيسى، وقد اعتمد ابن إسحاق في هذا الفصل على روايات وهب بن منبه وعبد الله بن عباس، وأخبار الأدباء اليهود والمسيحيين ونصوص الكتب المقدسة (العهد القديم والعهد الجديد والقرآن). وقد حذف ابن هشام القسط الأوفر من هذا الفصل، غير أنّ الطبري أورد معظم ما جاء فيه. وتعرض ابن إسحاق في هذا الفصل أيضًا إلى أساطير الأولين المتعلقة بالقبائل العربية عاد وثمود التي يبدو أنه استوحى مادتها من القرآن. أخبار اليمن، وقد اعتمد ابن إسحاق في هذا الفصل على القرآن، وخاصة على السورة التي تتناول "أصحاب الأخدود"، للبحث في انتشار اليهودية والمسيحية في جنوب بلاد العرب، كما تعرض للحديث عن أبرهة وجيشه الذي قام بحملة فاشلة على مكة من خلال قصة "أصحاب الفيل"، وقد حفظ لنا ابن هشام مادة هذا الفصل. القبائل العربية وعبادتها الأصنام، وقد حافظ ابن هشام على هذا الفصل أيضًا. أجداد النّبيّ المباشرين والدّيانات المكيّة. وقد حافظ لنا ابن هشام على هذا الفصل أيضًا.

68 الطبري، تاريخ الأمم، ج 1، وأيضًا جامع البيان.

69 هوروفتس، ص 83. 70 الأزرقي، أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار، رشدي الصالح ملحس (محقق) (بيروت: دار الأندلس، 1989.) 71 هوروفتس، ص 87. 72 ابن الأثير الجزري، أسد الغابة في معرفة الصحابة (طهران: المكتبة الإسلامية، د.ت.) 73 ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصّحابة (مصر: المكتبة التجارية الكبرى، 1939.)

74 هوروفتس، ص 84  -  87. 75 سورة البروج. 76 سورة الفيل. 77 ابن هشام، سيرة النبي، ج 1، ص 78  -  93.

78 المرجع نفسه، ص 93.

لم يعتمد ابن إسحاق في هذا القسم على الأسانيد إلّ بصفة نادرة، وقد أورد معظمها في القسم المتعلق بالوحي في فترة ما قبل الإسلام.

المبعث

يشمل حياة النبي في مكة والهجرة والفترة الأولى من نشاطه في المدينة حتى معركة بدر. وإلى جانب القصص، يورد ابن إسحاق في هذا القسم بعض الوثائق مثل معاهدة النبي مع أهل يثرب من الأوس والخزرج التي ينفرد بها من دون سائر جامعي المغازي الأولين، ومجموعات كاملة بالقوائم مثل قائمة تضمّ المؤم ين الأولين، وأخرى بذكر المهاجرين إلى الحبشة، وثالثة بذكر أول من أسلم من الأنصار،

ورابعة بالمشاركين في بيعتي العقبة، وقائمة خامسة بالمهاجرين والأنصار الذين آخى النبي بينهم. أكد ابن إسحاق في هذا القسم من السيرة الإسناد، وقد اعتمد خاصة على روايات أساتذته من أهل المدينة، ولذلك حفظ ابن هشام معظم هذا القسم باستثناء بعض التفاصيل وبعض الشعر الذي وقع التشكيك في صحته.

المغازي

تتناول تاريخ النبي في المدينة من معركة بدر إلى وفاته. روى ابن إسحاق أخبار الغزوات عن طريق أساتذته من أهل المدينة مثل عبد الله بن أبي بكر الذي أخذ عنه النظام السنوي في ترتيب الحوادث، والزهري الذي نقل عنه الهيكل الذي استوعب أدب السيرة، وعاصم بن عمر الذي جمع مختلف الأخبار المتعلقة بالمغازي ومناقب الصحابة ليلقيها دروسًا عامة في مسجد دمشق. هكذا، يتبين أنّ أول كتاب حفظ لنا عن سيرة النبي ألّفه ابن إسحاق. مع التأكيد أنّ نشأة هذا الأدب وتطوره لم يحدث مرة واحدة

مع هذا المؤلف، وإنما نشأ وتطور عن طريق كثير من المؤلفين الذين سبقوه، فكان لهم عظيم الشأن في تأسيس مضمون هذا الأدب وإبراز

منهجه وهيكله. فما كان من ابن إسحاق إلّ أنّ استغل كل هذا الإرث الذي تراكم خلال فترة زمنية تفوق نصف القرن عن طريق محدثي

المدينة فاستوعبه ليؤلف بعد ذلك كتاب سيرة النبيالذي حفظ لنا معظمه- باستثناء الفصل الأول من القسم الأول - ابن هشام الحميري المتوفى سنة 213 أو 218 ه/  829 أو 834 م. بعد أن اكتملت مسيرة نشأة أدب السيرة مع ابن إسحاق، أخذ هذا النوع الجديد من العلوم الإسلامية ينتشر يومًا بعد يوم، ويتسع

شيئًا فشيئًا إلى أن أنتج ما يعرف بمدوّنات التاريخ العالمي، وعلى هذا الأساس يمكن أن تُعدّ السيرة النبوية اللبنة الأولى لنشأة علم التاريخ

عند العرب.

محمد بن عمر الواقدي

لقد عرف الواقدي مقارنة بكل الذين سبقوه بأنه كان "أعلم الناس بأمر الإسلام وأمّا الجاهلية فلم يعلم منها شيئًا". ولذلك فقد

صنّف كتاب "المغازي" الذي اهتم فيه بما قام به الرسول وأصحابه من غزوات وسرايا عندما أصبحوا في المدينة. وفي هذا الأمر اختلف

الواقدي عن ابن إسحاق ومن سبقه في تصور مادة السيرة، إذ تخلى عن المبتدأ والمبعث واقتصر على المغازي.

79 إلى جانب ابن إسحاق الذي نقل عنه ابن هشام، لم يذكر المعاهدة التي عقدت بين الرسول وأهل يثرب والمعروفة بصحيفة المدينة إلا ابن سيد الناس، عيون الأثر في

فنون المغازي والشمائل والسير (بيروت: دار الجيل، 1974)، ص 197، 198. 80 الدوري، ص 32، 33. " ولد بالمدينة سنة 130 ه / 747 م، وتوفي ببغداد سنة 207 ه/ 823 م. ينتمي إلى الموالي الذين كانوا يعيشون في المدينة، ويلقب بالواقدي نسبة إلى جده واقد. يعد من مؤرخي

المدينة مع أنه قضى أعوامه الثلاثين الأخيرة في بغداد. تقلد منصب قاضٍ في عهدي هارون الرشيد والمأمون"، سزكين، ج 2، ص 100، 101؛ هوروفتس، ص 101. 82 محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تهذيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال، غنيم عباس غنيم وأيمن سلامة وآخرون (محققون)، ج 9 (القاهرة: الفاروق الحديثة

للطباعة والنشر، 2004) ص 365.

واختلف الواقدي عن ابن إسحاق أيضًا في اعتماد "أسلوب أكثر دقة، واستعمال الإسناد، وفي تحقيق تواريخ الحوادث، وفي نظرته للشعر الذي كان يقتبس منه باعتدال وفي تقليصه عنصر القصص الشعبي في مادته". وقد كان الواقدي تقريبًا من الأوائل في اعتماد

الإسناد الجمعي في إيراد روايات مدرسة المدينة، ويضيف إليها ما توصل إليه بواسطة بحوثه الشخصية التي تدل على وجود نظرة نقدية لديه.

أبو محمد عبد الملك بن هشام المعافري

يعود إلى ابن هشام الفضل في جمع سيرة ابن إسحاق، غير أنّ هذا الجمع لم يكن عامًا وشاملً، وإنما اعتمد على الحذف والتصويب

ليتجاوز بذلك تضعيف أهل المدينة ابن إسحاق وكتابه. ولعل هذا ما جعل سيرة ابن إسحاق تشتهر بسيرة ابن هشام، لأنّ الثاني مع أنه لم يؤلّف الكتاب، فقد تصرف في اختيار المادة، وتدخّل في ترتيب الحوادث، فأكسبه روحًا جديدة كادت تنسي الناس مؤلّفه الحقيقي. يتواصل الاهتمام بالسير والمغازي في القرن الثالث أيضًا، ولكن بصفة مختلفة عمّا وقع تصنيفه من كتب خلال القرن الثاني للهجرة.

فمنذ النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، أصبح الاهتمام بالسيرة أشمل وأعمّ، سواء كان ذلك بالنسبة إلى الإطار الزمني أو الإطار

الجغرافي أو حتى بالنسبة إلى ما يتعلق بإطار السيرة في حد ذاتها. فسيرة النبي على الرغم من أنها بقيت الأبرز والأهم، فإنّها لم تبق السيرة الوحيدة، إذ أضيف إليها سير الصحابة والخلفاء والعظماء من كتاب وشعراء... إلخ، وفي هذا الصدد ألّف ابن سعد كتاب الطبقات.

محمد بن سعد بن منيع البصري الزهري

ألّف كتابالطبقات الكبرى، وفيه ذكر سيرة النبي التي استقاها من مصادر كثيرة وخاصة أستاذه الواقدي، وذكر في هذا الكتاب أيضًا تراجم أصحاب النبي والتابعين وتابعي التابعين، واتبع تنقلاتهم في أمصار الإمبراطورية الإسلامية وأقاليمها كافة (المدينة، الطائف، اليمن، مصر، الشام، الكوفة، البصرة، خراسان.)... هكذا نلاحظ أنّ أدب السيرة ولد خلال النصف الأول من القرن الثالث الهجري أدبًا جديدًا يعرف بأدب التراجم. وقد قسّم ابن سعد

كتابهالطبقات الكبرىإلى ثمانية أجزاء، خصص الأول والثاني منها لسيرة النبي، والثالث والرابع والخامس والسابع لتراجم أصحابه والتابعين وتابعي التابعين في مختلف أنحاء الامبراطورية، وأمّا الجزء الثامن فقد خصص لتراجم النساء اللاتي لهن علاقات دموية بالرسول وللمبايعات

واللاتي روين عنه الأحاديث بصفة مرسلة أو متصلة. وقد وضع ابن سعد في القسم الأول من طبقاته المتعلق بسيرة النبي اللمسات الأخيرة لهيكل السيرة، إذ ذهب أبعد من الواقدي في تنظيم مادته وتبويبها وفي إعطاء مجموعة أوفر من الوثائق وفي اهتمامه بسفارات النبي. ويمثّل القسم الذي تناول فيه "فترة ما قبل الإسلام مقدمة لفترة الرسالة تحدث فيه عن بعض الأنبياء الذين لهم صلة برسالة النبي محمد ﷺ ثم

ذكر نسبه، وقد توسع ابن سعد في الحديث عن شمائله وفضائله، وعن دلائل نبوته وجعل ذلك في باب خاص أصبح نموذجًا لأدب 'الشمائل والدلائل' فيما بعد".

83 الدوري، ص 30.

84 كان مؤرخًا وعالمًا بالأنساب ونحويًّا، ولد بالبصرة وعاش بعد ذلك بمصر فكانت وفاته بالفسطاط سنة 213 ه/  829 م أو 218 ه/  834 م.

85 ولد بالبصرة سنة 168 ه/  784 م، وتوفي ببغداد سنة 230 ه/  845 م. عاش حقبة من الزمن في المدينة، ثمّ عاش في مدن أخرى. يبدو أنّ ابن سعد عرف الواقدي في بغداد،

وعلى الرغم من أنه استمع إلى عديد العلماء، فقد ظل الواقدي أستاذه الأول. ويعتمد أكثر كتابه في سيرة النبي على كتب الواقدي، ويبدو أنّ هشام بن محمد الكلبي كان

مصدره المباشر في تاريخ اليهود والمسيحيين، وإلى جانب ذلك استفاد ابن سعد في المغازي من ابن إسحاق برواية زعيم بن يزيد، وأبي معشر برواية حسين بن محمد، وموسى بن

عقبة برواية إسماعيل بن عبد الله، انظر: سزكين، ج 2، ص 111، 112. 86 الدوري، ص 32.

لقد بدأ أدب السيرة إذًا مع ابن سعد ينحو منحى شموليًا يتجه إلى "العالمية" من حيث المنهج. كما ولد هذا الأدب الذي تولد عن علم

الحديث والتفسير، علومًا أخرى منها ما له علاقة بالسيرة ذاتها، والتي تفرعت إلى عدة جوانب أخرى مثل "دلائل النبوة وشمائلها"، ومنها

ما يتصل بالسيرة، غير أنه مختلف عنها ويتعلق بأدب التراجم، وقد تدعم هذا المنحى الذي توخاه ابن سعد عن طريق:

خليفة بن خياط

توخّى ابن خياط منهج ابن سعد نفسه، غير أنه اختلف عنه في اختيار المادة. إذ اهتم ابن خياط في كتابه التاريخالذي جسد من خلاله فكرة التاريخ العالمي، مبتدئًا بسيرة النبي التي أوردها شديدة الاختزال مستعرضًا مولده أولً، ثمّ هجرته، ثمّ مغازيه لينتقل بعد ذلك إلى ذكر

الحوادث التاريخية الموالية لفترة النبوة مرتبًا إيّاها بحسب التطور الزمني سنة بعد سنة ابتداءً من السنة الأولى للهجرة التي سمّاها سنة إحدى

من التاريخ. يتأكد بعد ابن خياط المنحى العالمي لكتابة التاريخ الذي احتلت فيه السيرة النبوية - مع كل التطورات التي عرفتها خلال نشأتها - القسم الأول من كل كتاب، غير أنّ ما ميّز الكتابة التاريخية التي تلت ابن خياط هو تركيزها الشديد على القسم المتعلق بالمبتدأ أو بدء الخليقة،

والذي كان قد ولّد الكثير من النقد والجرح عندما أورده ابن إسحاق في كتابهسيرة النبي- وهذا ما جعل ابن هشام يحذف الجزء الأهم منه مكتفيًا في ذلك بما له علاقة بالنبي محمد - ولم يعد التركيز على مسألة المبتدأ إلّ في أواخر القرن الثالث هجري مع:

أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر اليعقوبي

لم يقتصر اليعقوبي - كما كان شأن ابن إسحاق - في قسم المبتدأ على تاريخ الأنبياء، وإنما تناول التاريخ الإيراني وتاريخ العرب قبل الإسلام وتاريخ الأمم القديمة كالآشوريين والبابليين واليونان والرومان والمصريين والبربر والأحباش والترك والصينيين. وبذلك طبق فكرة التاريخ العالمي بصفة شاملة. وبعد استعراض القسم المتعلق بتاريخ الإنسانية في فترة ما قبل الإسلام، اهتم اليعقوبي بمولد الرسول وأهم الحوادث التي واكبت نشأته ثمّ المبعث فالهجرة إلى الحبشة ثمّ معارضة قريش والخروج إلى الطائف ثمّ الهجرة إلى يثرب وما حدث

فيها من غزوات، ليتعرض بعد ذلك إلى أمراء السرايا والجيوش ثمّ الوفود وكتاب النبي وأزواجه، فحجة الوداع فوفاته... ثمّ ينتقل بعد ذلك

إلى استعراض الحوادث بحسب التسلسل الزمني إلى أن يصل إلى 259 ه/  873 م. لقد صنّف اليعقوبي في هذا الكتاب تاريخًا لم يقتصر فيه على سيرة الرسول كما هو شأن ابن إسحاق، ولذلك كان المبتدأ عنده مختلفًا عن مبتدأ ابن إسحاق، كما أنّ أخبار السيرة التي أوردها اليعقوبي كانت شديدة الاختزال مقارنة بما أورده ابن إسحاق. يتكرر ما قام به اليعقوبي وبأكثر تفصيلً وتمطيطًا مع:

87 توفي سنة 240 ه/  854 م، وقد كان ابن خياط إخباريًّا ونسابة، اختص في دراسة الحديث. ولد في البصرة وفيها درس ولم يتحول إلى مدن أخرى كما كانت عادة

معاصريه. ينتمي إلى بيت علم لأنّ جدّه خليفة وأباه كانا محدثين كبيرين. اتهم ابن خياط بميولاته العثمانية. ألّف خليفة بن خياط كتابين " الطبقات " و " التاريخ "، انظر:

S. Zakkar, art. "Ibn Khayat al-'Usfuri'", in Encyclopédie de l'Islam , T. III (leiden: Brill,  1990), p. 862.

88 خليفة بن خياط، تاريخ، أكرم ضياء العمري (محقق ومقدم)، ج 1 (النجف الأشرف: مطبعة الآداب، 1968)، ص 11. 89 توفي سنة 284 ه/ 897 م، وهو مؤرخ جمع بين ثقافة واسعة وخبرة علمية في الإدارة، أمضى أيام شبابه في الأسفار وجمع المعلومات التاريخية والجغرافية. ألف " كتاب

التاريخ " و " كتاب البلدان " في الجغرافية التاريخية وهو أول كتاب من نوعه، انظر: الدوري، ص 51. 90 هذا القسم مفقود من النّسخة المطبوعة.

91 الدوري، ص 51.

أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

خلافًا لليعقوبي، يذكر الطبري روايات متعددة بأسانيدها الدقيقة، وهذا ما جعله يحفظ لنا الكثير من روايات ابن إسحاق التي حذفها ابن هشام، خصوصًا ما يتعلق بسيرة الأنبياء. ويبدو أنّ موجة الاهتمام بالتاريخ العالمي الذي يتضمن السيرة النبوية قد سادت في هذه الفترة،

إذ نلمس المنحى نفسه عند المسعودي في كتابهمروج الذهب ومعادن الجوهر. يبدو إذًا من خلال الكتب الرائجة خلال القرين الثالث والرابع الهجريين، أنّ كتب السيرة النبوية المستقلة بذاتها قد انعدمت لتصبح

جزءًا ضمنيًا من التاريخ العالمي، غير أنّ هذا الانقطاع لن يدوم طويلً، إذ عادت كتب السيرة بصفة مكثفة خاصة خلال القرون السادس

والسابع والثامن والتاسع للهجرة. وبما أنّ أدب السيرة غير قابل للتجديد في جوهره، فقد كان المؤلفون لكتب السيرة على نوعين: فريق عاش في ظل الأولين يتناولها بالشرح أو الاختصار أو النظم ليسهل حفظها مثل السهيلي (عاش بين 508 و 581 ه/  1115

و 1185 م) صاحب كتاب الروض الأنفُ، وأبي ذر الخشني (عاش بين 533 و 604 ه/  1137 و 1194 م)، وقد قام كل منهما بشرح سيرة ابن هشام، هذا إلى جانب قطب الدين الجماعيلي (ت.  735 ه/  1335 م) الذي شرح سيرة محمد بن علي بن يوسف في كتاب سماه المورد العذب الهني في الكلام على سيرة عبد الغني، وقاسم بن تطلويغا ملخص سيرة مغلطاي (ت. 762 ه/ 1361 م)، وهو صاحب كتاب الإشارة إلى سيرة المصطفى وآثار من بعده من الخلفاء. أمّا الفريق الثاني فقد صبغ نفسه بصفة المؤلف المبدع، إذ جمع كتب السيرة وألف بالاعتماد عليها كتبًا أخرى تبدو في ظاهرها

لهؤلاء المؤلّفين المتأخرين، غير أنها في الحقيقة لغير واحد ممن سبقوهم ومن أمثال هؤلاء ابن فارس (ت.  395 ه/  1005 م)، ومحمد بن علي بن يوسف الشامي (ت.  600 ه/  1204 م)، وابن أبي طي يحيى بن حميد (ت.  630 ه/  1233 م)، وظهير الدين علي بن محمد كازروني (ت.  694 ه/  1295 م)، وعلاء الدين علي بن محمد الخلاطي الحنفي (ت.  708 ه/  1309 م)، وابن سيد الناس البصري الشافعي (ت.  734 ه/  1334 م) صاحب كتاب عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير، وشهاب الدين الرعيني الغرناطي.(ت  779 ه/  1378 م) صاحب كتاب رسالة في السيرة والمولد النبوي، ومحمد بن يوسف الصالحي (ت. 942 ه/  1536 م) صاحب السيرة الشامية، وعلي بن برهان الدين (ت. 1044 ه/  1635 م) صاحب السيرة الحلبية، وغير هؤلاء كثيرون. ولم تبرز السيرة النبوية لدى المؤلفين المتأخرين في مؤلفات مستقلة بذاتها فقط، وإنما برزت في كتب التاريخ العالمي مثل الكامل في التاريخلابن الأثير (ت. 630 ه/  1233 م)، وكتابالبداية والنهاية لابن كثير (ت. 784 ه/  1382 م.) إنّ ما تجدر ملاحظته في هذا الصدد هو أنّ هيكل السيرة ومحتواها لم يطرأ عليهما أي تغيير لدى مؤلفي السيرة المتأخرين الذين نقلوا

كل خصائص السيرة النبوية من سيرة ابن إسحاق التي نقحها ابن هشام، والأمر نفسه قام به مؤلفو كتب التاريخ العالمي الذين أدمجوا السيرة النبوية في كتبهم بصفتها جزءًا من هذا التاريخ، وذلك نقلً عن المؤلفين المتقدمين الذين عاشوا خلال القرن الثالث للهجرة.

92 توفي سنة 310 ه/  823 م، يمثل الطبري قمة ما وصلت إليه كتابة التاريخ عند العرب. درس على أساتذة في الري وبغداد والكوفة والبصرة والشام واستقر في بغداد، انظر:

الدوري، ص 55. 93 توفي سنة 346 ه/  958 م، ولد في بغداد وفيها قضى شبابه، انحدر من عائلة كوفية تدعي الانتساب إلى الصحابي عبد الله بن مسعود. تلقى المسعودي تكوينًا دينيًّا فقهيًّا

وأدبيًّا. لم يصل إلينا من مؤلفاته الكثيرة سوى مروج الذهبومعادن الجوهر، والتنبيه والإشراف، انظر:

Charles Pellat,"art. Al-Mas'ūdī," in Encyclopédie de l'Islam , T. VI (Leiden / Paris: E.J. Brill / G.-P. Maisonneuve & Larose 1991), p. 774.

94 مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ شلبي، "مقدمة سيرة ابن هشام"، في: ابن هشام، ج 1، ص 6.

خاتمة

نشأت السيّرة النبويّة بوصفها أدبًا إسلاميًّا جديدًا من رحم الحديث النّبوي وتفسير القرآن، مع التشديد على أنّ هذا الأدب يختلف عن

الحديث والتّفسير من ناحية المنهج لأنّ المادّة تنتظم فيه بحسب التّدرّج الزمني للحوادث، وهذا ما يجعل السيّرة تمثّل اللّبنة الأولى لنشأة

علم التّاريخ عند العرب. ويختلف أدب السيّرة أيضًا من ناحية الأسلوب، لأنّه قام على حياكة قصّة مشوّقة تهدف إلى شدّ انتباه السّامع، على

شاكلة القصص التي كانت تُروى في مجالس السّمر عند العرب قبل الإسلام، وليس على مواضيع منفصلة كما هو شأن الحديث والتّفسير. يبدو أنّ نشأة أدب السيّرة النبويّة الذي مرّ بمراحل متعدّدة استمرّت لأكثر من نصف قرن، كان استجابة لرغبة اجتماعيّة وثقافيّة

لمجتمع إسلامي سعى إلى أن يجعل الملحمة النّبويّة ذكرى حيّة باستمرار. ولذلك تحوّل جزء من نخبة المحدّثين إلى رواة اهتمّوا بجوانب

متعدّدة من حياة النّبيّ محمّد تطوّرت شيئًا فشيئًا، واكتملت مع ابن إسحاق بإنشائه هيكلً نظّم مادّة متفرّقة بدأت مع عروة ابن الزبير وأبان

بن عثمان وتطوّرت مع الزهري وموسى بن عقبة.

المراجع

العربية

ابن الجوزي، جمال الدين أبو الفرج. صفة الصفوة، محمود الفاخوري (محقق)، ج 2، حلب: دار الوعي، 1970. ابن النديم، محمد بن إسحاق. الفهرست، روائع التراث العربي، بيروت: د. ت. ابن خلكان، شمس الدين. وفيات الأعيان، إحسان عباس (محقق)، المجلد 3، بيروت: دار صادر، د. ت. تاريخ خليفة ابن خياط، أكرم ضياء العمري (محقق ومقدم)، ج 1، النجف الأشرف: مطبعة الآداب، 1968. ابن سعد، محمد. الطبقات الكبرى، ج 5، بيروت: دار صادر، 1960. ابن سيد الناس، محمد بن محمد. عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير، بيروت: دار الجيل، 1974. ابن قتيبة، أبو محمد عبد الله بن مسلم. المعارف، ثروت عكاشة (محقق)، مصر: دار المعارف، 1969. ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين. لسان العرب، المجلد 2، بيروت: دار صادر، د. ت. ابن هشام، عبد الملك. سيرة النبي، محي الدين عبد الحميد (محقق)، ج 1، القاهرة: مطبعة حجازي، د.ت. الأزرقي، أبو الوليد محمد بن عبد الله بن أحمد. أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار، رشدي الصالح ملحس (محقق)، بيروت: دار الأندلس، 1989. البخاري، محمد بن إسماعيل. التاريخ الكبير، ج 4، حيدرآباد: دائرة المعارف العثمانية، 1321 ه.. صحيح البخاري، القاهرة: دار المحاسن، 1386  / 1996. البلاذري، أحمد بن يحيى. أنساب الأشراف، محمد حميد الله (محقق)، ج 1، القاهرة: دار المعارف، 1959. الجزري، ابن الأثير. أسد الغابة في معرفة الصحابة، طهران: المكتبة الإسلامية، د.ت. جعيط، هشام. تاريخية الدعوة المحمدية، بيروت: دار الطليعة، 2007. الحموي، ياقوت. معجم الأدباء، بيروت: دار المشرق، د. ت.. معجم البلدان، بيروت: دار صادر، 1995. الدوري، عبد العزيز. بحث في نشأة علم التاريخ عند العرب، بيروت: دار المشرق، 1983. الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان. تهذيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال، غنيم عباس غنيم وأيمن سلامة وآخرون (محققون)، ج 9، القاهرة: الفاروق الحديثة للطباعة والنشر، 2004. الزبيدي، محمد بن محمد بن عبد الرزاق المرتضى. تاج العروس من جواهر القاموس، مصطفى حجازي (محقق)، ج 12، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1973.

References

بالجامعة،  1403 ه   /  1983 م. الطبري، محمد بن جرير. تاريخ الأمم والملوك، محمد أبو الفضل إبراهيم (محقق)، ج 1، القاهرة: دار المعارف، 1968.

محمد شاكر، القاهرة: دار المعارف، د. ت. العسقلاني، أحمد بن علي بن محمد بن حجر. الإصابة في تمييز الصّحابة، مصر: المكتبة التجارية الكبرى، 1939.. تهذيب التهذيب، ج 7، بيروت: دار صادر، 1326 ه. هوروفتس، يوسف. المغازي الأولى ومؤلفوها، حسين نصار (مترجم)، القاهرة: مطبعة مصطفى البابي الحلبي، 19491.

الأجنبية

سزكين، فؤاد. تاريخ التراث العربي، محمود فهمي حجازي (مترجم)، المجلد 2، المملكة العربية السعودية: إدارة الثقافة والنشر

. جامع البيان في تأويل القرآن، حققه وعلق على حواشيه محمود محمد شاكر، راجعه وأخرج أحاديثه أحمد

• Berman, Peri J. Et al. (eds.), Encyclopedia of Islam , Leiden: Brill, 1998. • Donner, Fred. Narratives of Islamic Origins: The Beginnings of Islamic Historical Writing , Princeton, New Jersey: Darwin Press, 1998.