العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الإسطوغرافيا الألمانية وعقدة النازية

الإسطوغرافيا الألمانية وعقدة النازية

German Historiography and the Nazi Complexd

خالد طحطح

Khaled Tahtah

الملخّص

مورست رقابة صارمة ضد كلّ ما يتعلق بمراجعة الرواية الرسمية المتعلقة بالفترة النازية، ليس في ألمانيا فحسب، وإنما في غالبية الدول الأوروبية؛ فالمنعطف غير المتوقع الذي اتخذه المجتمع الرأسمالي الألماني، وبالخصوص مع صعود النازية، انتهى بكارثة الحرب الكونية الثانية وتجربة المحرقة المؤسساتية التي تختزل بداخلها كلّ الشروخ والجروح المطبوعة بندوب لا تمحى، بوصفها تجربة لا سابق لها؛ فقد بلغ الموت مستويات قياسية لا يمكن تصوّرها، وتمثَّل شكلها الأقصى بالإبادة الجماعية (الهولوكوست). إنّ القضايا المرتبطة بفترة النازية في ألمانيا خلقت الكثير من النقاش الداخلي بين مؤرخين متخصصين وفلاسفة على قدر كبير من الأهمية، وتركَّز الجدل بالأساس حول قضايا من قبيل فرادة النازية وجرائمها. وإذا كان التقليد الألماني بعد الحرب العالمية الثانية رسّخ فكرة تجنّب الخوض في القضايا المرتبطة بهذه الحقبة من باب الشعور بالذنب وتأنيب الضمير الذي لازم المؤرخين الألمان، فإنّ عددًا من التوجهات التاريخية الجديدة اليوم، في ألمانيا، فتح ملفات النازية والقضايا المرتبطة بها. وفي الوقت الذي ركز فيه بعض الدراسات البيوغرافية على الحياة الشخصية لهتلر وربط بينها وبين أدواره في سياسة الحل النهائي والمجال الحيوي لإثبات الخطيئة الفردية، فإنّ دراسات أخرى ركزت، على العكس من ذلك، على إبراز العوامل المرتبطة بالسياق العام. يمثّل تاريخ الحياة اليومية في ألمانيا اليوم أحد التوجهات الجديدة للإسطوغرافيا الألمانية التي استطاعت تجاوز التابوهات المرتبطة بمرحلة ما بعد سقوط الرايخ الثالث، ومن هنا تأتي أهمية تناول هذا الموضوع الذي يسلّط الضوء على مسار تجربة فريدة في الكتابة التاريخية الأوروبية.

Abstract

Since the Second World War, large parts of the Nazi past have been off limits to critical discussion in Germany and across Europe. The unexpected turn taken by German capitalist society following the rise of the Nazis ended with the catastrophe of World War II, and the institutionalization of mass slaughter. Issues connected with the Nazi period in Germany have created considerable internal debate among major historians and philosophers focused on questions such as the uniqueness of Nazism and its crimes, and whether the German tradition after World War II enshrined an avoidance of dealing with issues linked to the Nazi period out of feelings of guilt and self-reproach felt by German historians. However, a number of new directions in historical research in Germany have opened up the subject of the Nazis and related issues. The history of the everyday life (Alltagsgeschichte) forms one of the new avenues in German historiography that has been able to overcome the taboos around the period following the fall of the Third Reich. An exploration of this topic could shed light on a previously neglected, unique experience in European history.

الكلمات المفتاحية:
  • تاريخ الحياة اليومية
  • التاريخ المفاهيمي
  • أدولف هتلر
  • التحليل النفسي التاريخي
  • فولكر أولريش
  • حنة آرندت
Keywords:
  • History of Everyday Life
  • Conceptual History
  • Psychohistory
  • Volker Ullrich
  • Hannah Arendt

مورست رقابة صارمة ضد كلّ ما يتعلق بمراجعة الرواية الرسمية المتعلقة بالف ةرر النازية، ليس في ألمانيا فحسب، وإنما في غالبية الدول الأوروبية؛ فالمنعطف غر المتوقع الذي اتخذه المجتمع الرأس

لياا الألماني، وبالخصوص مع صعود النازية، انتهى بكارثة الحرب الكونية الثانية وتجربة المحرقة المؤسساتية التي تختزل بداخلها كلّ الروخ والجروح المطبوعة بندوب لا تمحي، بوصفها تجربة لا سابق لها؛ فقد بلغ الموت مستويات قياسية لا يمكن تصوّرها، وتمثَّل شكلها الأقصى بالإبادة الجمعية (الهولوكوست.) إنّ القضايا المرتبطة بفترة النازية في ألمانيا خلقت الكثر من النقاش الداخلي بن مؤرخن متخصصن وفلاسفة عى قدر كبر من الأهمية، وتركَّز الجدل بالأساس حول قضايا من قبيل فرادة النازية وجرائمها. وإذا كان التقليد الألماني بعد الحرب العالمية الثانية رسّخ فكرة تجنّب الخوض في القضايا المرتبطة بهذه الحقبة من باب الشعور بالذنب وتأنيب الضمر الذي لازم المؤرخن الألمان، فإنّ عددًا من التوجهات التاريخية الجديدة اليوم، في ألمانيا، فتح ملفات النازية والقضايا المرتبطة بها. وفي الوقت الذي ركز فيه بعض الدراسات البيوغرافية عى الحياة الشخصية لهتلر وربط بينها وبن أدواره في سياسة الحل النهائي والمجال الحيوي لإثبات الخطيئة الفردية، فإنّ دراسات أخرى ركزت، عى العكس من ذلك، عى إبراز العوامل المرتبطة بالسياق العام. يمثّل تاريخ الحياة اليومية في ألمانيا اليوم أحد التوجهات الجديدة للإستغرافيا الألمانية التي استطاعت تجاوز التابوهات المرتبطة بمرحلة ما بعد سقوط الرايخ الثالث، ومن هنا تأتي أهمية تناول هذا الموضوع الذي يسلّط الضوء عى مسار تجربة فريدة في الكتابة التاريخية الأوروبية. كلمت مفتاحية: تاريخ الحياة اليومية، التاريخ المفاهيمي، أدولف هتلر، التحليل النفسي التاريخي، فولكر أولريش، حنة آرندت

Since the Second World War, large parts of the Nazi past have been off limits to critical discussion in Germany and across Europe. The unexpected turn taken by German capitalist society following the rise of the Nazis ended with the catastrophe of World War II, and the institutionalization of mass slaughter. Issues connected with the Nazi period in Germany have created considerable internal debate among major historians and philosophers focused on questions such as the uniqueness of Nazism and its crimes, and whether the German tradition after World War II enshrined an avoidance of dealing with issues linked to the Nazi period out of feelings of guilt and self-reproach felt by German historians. However, a number of new directions in historical research in Germany have opened up the subject of the Nazis and related issues. The history of the everyday life (Alltagsgeschichte) forms one of the new avenues in German historiography that has been able to overcome the taboos around the period following the fall of the Third Reich. An exploration of this topic could shed light on a previously neglected, unique experience in European history.

Researcher in History and Historical Anthropology, Morocco.

مقدمة

إنّ التجربة المرعبة للنازية جعلت المؤرخين الألمان بعد الحرب غير قادرين على تجاوز الشعور بتأنيب الضمير والمسؤولية عمّا وقع. إنّه

إحساس جماعي بالذنب غير القابل للتقادم، والذي لا يمكن تبريره بأيّ حال، بحكم الاستثناء الذي تُمثّله فرادته. ذلك أنّ فرادة الجرائم

النازية أحدثت ما يشبه القطيعة في الاستمرارية الزمنية التي أصابت القومية الألمانية منذ العهد الهتلري. ولذا كان أمام المؤرخين الحاليين، وعلى رأسهم مجموعة تاريخ الحياة اليومية، تحدّي الخروج من هذا الوسواس القهري المتوارث، وإقامة تواصل جديد بين الماضي والحاضر

من خلال تحرير الإستغرافيا الألمانية من هيمنة التيار القائل باستمرارية الكارثة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، إذ دافع المؤرخون الجدد

عن ضرورة تجاوز عقدة الذنب من خلال فتح ملفات النازية بغرض الفهم دون التبرئة، فتَحقُّقُ النسيان لا بد أن تُوازيه قراءة مُرْض ية للتاريخ

القريب، تضع موضع المساءلة كلّ ما يتعلق بهذه الفترة الشائكة من التاريخ. إنّ فكرة المراجعة لهذه الحقبة تناولت بالأساس سؤال من يتحمل مسؤولية الفاجعة؟ هل أولئك الذين ساهموا فيها مباشرة فحسب؟

أم يتحمل ذلك شعبٌ بكامله؟ أين تبدأ المسؤولية الفردية وأين تنتهي؟ وهل بالفعل تُمثِّل جرائم الإبادة النازية حدثًا فريدًا من نوعه، وغير

قابلة للمقارنة بغيرها؟ لقد تصاعد الخلاف بين التيار القصدي والتيار الوظيفي حول هذه المسائل في ألمانيا. وهو أمر ساهم في تطوير النقاش النقدي الذي بلغ ذروته مع المشادَّة القوية التي حدثت بين الفلاسفة والمؤرخين الألمان ابتداءً من سنوات الثمانينيات من القرن الماضي، وانتهى الأمر في

التسعينيات منه إلى تصالح ألمانيا مع ذاتها، ومع جزء من تاريخها، وبالخصوص بعد انهيار الجدار، حيث تمَّ التخلص تدريجيًا من فكرة

المسلك الخاص الألماني المتفرد في الكتابة التاريخية، مما أعاد ألمانيا من جديد إلى وضعها التاريخي الطبيعي.

السياق العام لبروز تاريخ الحياة اليومية

برز تاريخ الحياة اليومية الألماني والمسمى Alltagsgeschichte في ثمانينيات القرن الماضي، في سياق إعادة الاعتبار للتواريخ المحلية، ولتاريخ الزمن الحاضر تحديدًا، ويمكن تشبيهه مجازًا بعملية "خصخصة للتاريخ الكبير" المترامي الأطراف المسمى التاريخ الشمولي، من

خلال تخفيض مقياس الملاحظة. يتوخى التاريخ اليومي الألماني مواجهة الإنسان والمجتمع بمسؤولياتهما تجاه ما وقع في الماضي القريب، وفي الوقت نفسه تحقيق هدف تطهيري، ويتمثل الأمر بالتخلص من عقدة الذنب Schuldgefühl التي لازمت لفترة طويلة المؤرخين الألمان الذين أهملوا أحداث الحقبة

المعاصرة إهمالً كبيرًا، وبالخصوص الفترة الممتدة من وصول هتلر إلى الحكم وإلى غاية نهاية الحرب العالمية الثانية. إنّ تاريخ الحياة اليومية شبيه في جوهره بالتاريخ المجهري Mikrogeschichte المعروف في إيطاليا باسم "الميكروستوريا"، وهو

مختلف في المنظور والرؤية عن مفهوم تاريخ الحياة اليومية الذي وضعه روَّاد مدرسة الحوليات وجعلوا منه مدخلً للإجابة عن تساؤلات

التاريخ الاقتصادي والاجتماعي.

1 جيوفاني ليفي، "عن التاريخ المصغر"، في: نظرات جديدة على الكتابة التاريخية 2، قاسم عبده قاسم (مقدم ومترجم)، سلسلة العلوم الاجتماعية للباحثين، عدد 1591

(القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2010)، ص 141.

2 أعاد التاريخ المجهري، المعروف في إيطاليا باسم Microstoria للفرادة وضعها الاعتباري بعد تواريها لمدة طويلة، إذ كان المؤرخ يركّز قبلها فقط على المعدلات الإحصائية

والانتظامات التاريخية في إطار كمي Quantitative وسلاسلي Serial، انظر:

François Dosse , L'histoire ou le temps réfléchi , Collection dirigée par Jean-Michel Besnier (Paris: Hatier, 1999), p. 76.

يسعى تاريخ الحياة اليومية إلى التوصيف المكثَّف للقضايا والمواضيع التي يتناولها. وقد ساد في أوساط المؤرخين الألمان الجدد الذين

أسسوا تيارًا ومنهجا تاريخيا مختلفًا في جامعة غوتنجن Göttingen Universität، المعروفة رسميًا باسم جامعة جورج أوغست - Georg

Universität August التي تعدّ من بين أهم المراكز البحثية في ألمانيا على مستوى الإنتاج العلمي. وقد ساهم في انبثاق هذا المفهوم الجديد

للتاريخ كلٌ من هانس مديك Medick Hans، المؤرخ وأستاذ الأنثروبولوجيا التاريخية، وعضو معهد ماكس بلانك للتاريخ بغوتنجن، واولف لودتكه Luedtke Alf أستاذ التاريخ المعاصر في جامعة هانوفر، والباحث في المعهد نفسه أيضًا. وقد تفرّع عن تيار التاريخ اليومي لبسطاء الناس تيارٌ آخر يتقاطع معه في عدد من النقاط، هو تيار المفاهيم الذي يعتمد مقاربة متعددة

التخصصات، ويطلق على هذا التوجه البحثي اسم Begriffsgeschichte، وهو يتناول بالتتبع والدراسة الدلالات التاريخية للمصطلحات

والمفاهيم، بوصفها تمثِّل مدخلً بالغ الأهمية لفهم تطور الأفكار ونظم القيم والممارسات الثقافية على مرّ الزمن، وتُمثِّل اللغة بالنسبة إلى

التيَّار المفاهيمي مؤشرا على الواقع المعطى، بل هي عامل أساسي في بناء الواقعة التاريخية. ويترسَّخ هذا التيَّار عبر تقليدين أكاديميين سابقين:

يهتم الأول بتاريخ الأفكار السياسية والفلسفية، والذي ينحدر من القرن الثامن عشر، وبخاصة من مشروع المعجم التاريخي للمفاهيم، ويهتم الثاني بتاريخ المصطلحات والمفاهيم التي تطورت مع البحث الفيلولوجي انطلاقًا من القرن التاسع عشر. إنّ التاريخ المفاهيمي الذي

يرجع للتقليدَيْن السَّابقَيْ المختلفَيْ في أهدافهما، ازدهر في ألمانيا ابتداءً من سنة 1950 عبر مفهومٍ خاص ومختلف؛ فعبْ المفاهيم والحقول

الدلالية التي تؤطرها يتحوّل الماضي إلى تاريخ، وعَبَْهُما يتمفصل المعيش التاريخي بوصفه تجربة ذاكراتية. نلمس في كلا التوجهين، تيار الحياة اليومية وتيار التاريخ المفاهيمي، اعتماد المؤرخين الألمان على المفاهيم المستمدَّة من الفلسفة

ومن علم الاجتماع، مع استمداد كبير من ماكس فيبر Weber Max تحديدًا. ولا بد من الإشارة إلى أنّ هذه الإستغرافيات قطعت علاقتها

نهائيًا مع المفهوم التقليدي للتاريخ المؤَرْخَن (الوضعاني) الذي هيمن على حقل التاريخ في ألمانيا خلال القرن التاسع عشر وحتى أواسط

القرن العشرين. إنّ أول مركز بحث لتاريخ الحياة اليومية تأسَّس في برلين مع بداية الثمانينيات، حيث بدأ يترعرع تيارٌ جديد في الكتابة التاريخية قريب

جدًا في مناهجه وأسسه من التاريخ المجهري الإيطالي، وقد سُجِّل ضمن تيار عالمي تطور في إسكندنافيا وفي إنكلترا أيضًا مع ورشة عمل

التاريخ؛ فجاء النقد عميقًا سواء على مستوى الموضوع أو المنهج على أيدي المؤرخين الماركسيين الإنكليز، مسنودين في ذلك بمجموعة تاريخ

الحياة اليومية الألمانية التي تبنَّت بدورها المقاربة من أسفل، بحيث أفسحت المجال للفاعلين، في خروجٍ صريح وقطع نهائي مع تقاليد المسلك

المتفرد الاستثنائي الذي كبّل خلال المرحلة السابقة الإستغرافيا الألمانية.

3 التوصيف المكثف: عبارة استعارها كليفورد غيرتز Geertz Clifford من الفيلسوف جيلبرت رايل Ryle Gilbert، وهي تستعمل للإشارة إلى وصف السلوك الإنساني

حين لا يكتفى بوصف السلوك الظاهر بل يشرح السياق الذي جرى فيه هذا السلوك، ما يضفي معنى عليه لا يكون واضحًا من السلوك الظاهر، ويقرر غيرتز أنّ هذه المنهجية

هي التي يستخدمها في دراساته الإثنية، وقد شاعت هذه المنهجية فيما بعد في العلوم الاجتماعية وسواها. كما تُستعمل اليوم في مدرسة النقد الأدبي المعروفة ب"التاريخانية

الحديثة"، انظر: كليفورد غيرتز، تأويل الثقافات، محمد بدوي (مترجم) (لبنان: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009)، ص 831. 4 ماكس بلانك) 1947  -  1858 (Planck Max: فيزيائي ألماني، وأستاذ الفيزياء النظرية في كييل سنة 1885، ثم في برلين سنة 1889، حاصل على شهادة نوبل في عام

1918، وقد عين سكرتيرا دائما لأكاديمية العلوم في برلين من 1912 إلى 1943، وترأ س معهد القيصر فيلهيلم الذي يحمل اليوم اسم معهد ماكس بلانك، انظر: كريستوف

بوميان، نظام الزمان، بدر الدين عرودكي (مترجم) (لبنان: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009)، ص 519 (الثبت التعريفي.)

Hans-Jürgen Lüsebrink, Histoire conceptuelle (Begriffsgeschichte), Historiographies. I. Concepts et débats , Sous la direction de C. Delacroix, F. Dosse, P. Garcia, Nicolas Offenstadt, Folio histoire (Paris: éditions Gallimard,  2010), pp. 177  -  197.

6 الهادي التيمومي، المدارس التاريخية الحديثة (لبنان/ تونس: دار التنوير ودار محمد علي، 2013)، ص 228، 229.

7 Kott "Alltagsgeschichte," p. 25. Kott, "Sonderweg," Historiographies. II. Concepts et débats , Sous la direction de C. Delacroix, F. Dosse, P. Garcia, Nicolas Offenstadt, Folio histoire (Paris: éditions Gallimard,  2010), pp. 1239  -  1240.

بتركيزها على الأفراد من الفئات الدنيا في التاريخ الكبير، أدارت الحياة اليومية الظهر للخطابات التاريخية التي كانت تركّز على

المؤسسات والبنيات الكبرى. إنّه تصادم مع التاريخ الاجتماعي الذي كان يُهيمن في ألمانيا، ومن ثمَّ يمكن تفسير الهجومات العنيفة التي

تعرَّض لها هذا النوع الجديد غير المرغوب فيه من الكتابة التاريخية، بوصفه يستهدف تحطيم قلعة التاريخ الاجتماعي.

بعد الثمانينيات، تصاعدت أعمال هذه الورشات التاريخية بمساعدة فِرق عمل تعددت وتكاثرت في تيار سنوات التسعينيات،

واستقطبت في مسارها العديد من المؤرخين وعلماء الاجتماع والأنثروبولوجيين الجامعيين، وقد غدت تيارًا استمر في التطور، وطالب رواده

بضرورة إنشاء جامعات ومراكز أبحاث خاصة به. إنّ هذه التجربة في البحث المسماة تاريخ الحياة اليومية عند الألمان تُعدّ مقاربة جديدة لعبارة "التاريخ من أسفل"، والعبارة نفسها ليست

جديدة، إذ إنّ الحياة اليومية quotidienne vie La كانت عنوانًا لسلسلة بدأها الناشر الفرنسي Hachette في ثلاثينيات القرن العشرين، لكن

الجديد يتمثّل بالأهمية التي تمّ إضفاؤها على الحياة اليومية في الكتابة التاريخية المعاصرة؛ فالتاريخ التقليدي هو رؤية من فوق، بمعنى

أنّه يركّز على الأعمال العظيمة للقادة الكبار، ولم يكن هناك أيّ اهتمام بباقي فئات المجتمع، في حين اهتم المؤرخون الجدد بالتاريخ من

أسفل، أي برأي الناس العاديين وتجربتهم، بحيث يُسلّط هذا النوع من الكتابة الضوء على الأحداث والوقائع الصغيرة، ويعطي الأولوية

للثقافة وللشخصيات بوصفها كائنات اجتماعية نشيطة؛ فإذا كانت الحياة اليومية استبعدت في الماضي بوصفها تفاهات لا معنى لها، فإن

مؤرخي اليوم - على العكس تماما - يرون فيها التاريخ الحقيقي. تعدَّدت الأعمال التي كتبتها في هذه الفترة الورشات المحلية المهتمة بتاريخ الحياة اليومية، واهتم أغلبها بالتاريخ المعاصر، وبالخصوص

ما يتعلق بفترة النازية. إنّه مشروع يستجيب لطموحات المواط ين الألمان الذين أصبحوا يعملون بأنفسهم لأجل أنفسهم من أجل كتابة

قصة، وهي قصة كتابة تاريخ النازية. يبدو أنّ الأمر يتعلق بالجدل المرتبط بالماضي القريب، وبالرغبة في الفهم من أجل مواجهة المستقبل

بصورة أفضل. إنّ التاريخ هو موضوع متجدد كسائر العلوم الإنسانية، وسيبقى هناك دائمًا، بالنسبة إلى المؤرخين، أميركا للاستكشاف، كما عبَّ فرناند

بروديل Braudel Fernand. وهذا ما يفسر حيوية تيَّار العودات إلى مواضيع سابقة. وهي عودات يشهدها باقي التخصصات الفكرية

الأخرى، وذلك بتطبيق منهج جديد على فكر قديم. وهذا ما يحدث اليوم، بحيث نعيش زمن العودة إلى البيوغرافيا، والعودة إلى الحدث،

والعودة إلى السرد، وكذا إلى الراهن السياسي؛ فهذه الأنماط أثبتت شرعيتها من جديد، ووجدت مكانتها في الكتابات التاريخية حاليًا؛ إذ لا

شيء يمنع اليوم المؤرخين والأكاديميين الجامعيين من أن يتناولوا التاريخ من خلال الحدث أو من خلال تجربة الفاعلين الاجتماعيين. لقد انتهت حقبة الطابوهات التي فرضتها مدرسة الحوليات بأجيالها الثلاثة، وفضَّل علماء الاجتماع والأنثربولوجيون بدورهم، وفي

ظل التحولات الجديدة، الاهتمام بمواضيع اليومي، والتركيز بخاصة على التجارب كما واجهها معايشو الحدث، وذلك من خلال إعادة

تركيب تجربة الفاعلين المشاركين وتوضيح دور الأفراد وحقيقة الفعل، مع الأخذ في الحسبان السياقات ذات الصلة.

فتح ملفات النازية بين التاريخ ودهم الذاكرة

إنّ الرغبة في الفهم هي التي دفعت المؤرخين المنتمين لورشة التاريخ Geschichtswerkstätten المعروفة بالحياة اليومية إلى فتح ملفات

النازية من خلال دراسات نقدية؛ فهذا التوجه في الكتابة يسعى إلى ملء الفراغ الذي ميَّز هذه الفترة من التاريخ الألماني، وهو بذلك وجد نفسه

9 بيتر بوركي، "فاتحة التاريخ الجديد: ماضيه ومستقبله"، في: نظرات جديدة على الكتابة التاريخية 2، ص 32.

10 Kott, " Alltagsgeschichte ," pp. 25  -  26.

11 فرناند بروديل، ديناميكية الرأسمالية، سلسلة نصوص (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2008)، ص 95.

في خضمّ تجاذبات سياسية، بسبب ما يفرضه من صلات معقَّدة بين الذاكرة والتاريخ. ويأتي ذلك أيضًا في إطار التماهي مع الطلب الكبير

اليوم في الجمهورية الألمانية الموحدة لاسترداد آثار الماضي المفقود، والذي كان جزءا من التاريخ المنسيّ. وتتعدد الحوادث والموضوعات التي

تنتمي إلى التاريخ القريب، زمنيًا، والتي تطرح حساسيات مفرطة للدولة والجماعات والأفراد؛ فتاريخ حكومة فيشي المتعاونة مع الاحتلال

النازي الألماني، في فترة الحرب العالمية الثانية، مثال لهذا الشكل من الالتباس؛ فقد تعمَّدت الدولة الفرنسية تجنّب تدريس هذه المرحلة إلى

حدود أواخر الثمانينيات. لم يتناول التأريخ الأكاديمي الفرنسي نظام فيشي، ولا شخصية الماريشال بيتان Pétain Philippe، بالبحث إلا بعد انقضاء خمسة

وعشرين عامًا على نهايته. ونظَّم رينيه ريمون Raymon Rene، في 1970، في معهد العلوم السياسية، الندوة الأولى التي تصَدّت لسنوات

نظام بيتان. وتناولت موضوع "حكومة فيشي والثورة الوطنية بين 1940 - 1944 ". وقد أغفلت المداخلات، مسؤولية نظام فيشي عن ترحيل اليهود الفرنسيين واحتجازهم في المعتقلات النازية، لحساسية الموضوع. وفي الثمانينيات حصل تطور مهم؛ فقد خرجت المحفوظات عن هذه

الفترة المُحرجة، إلى الوجود، مما أثار احتقانًا سياسيًا فكريًا، واهتمامًا شعبيًا كبيرًا. وفي سنة 1992، أصبح نظام فيشي "شأنًا عامًا" يخوض فيه

الجميع؛ ما أنتج اضطرابًا في الأوضاع الداخلية؛ فقد خرجت التظاهرات، وكُتبت بيانات في الموضوع، ولم يتمّ احتواء الأحداث إلا بعد تدخّل

السلطة. وقد أسفرت هذه الأجواء المتوترة سنة 1991 عن قضية رينيه بوسكيه Bousquet René. وأدّت أيضًا سنة 1994 إلى محاكمة

بول توفييه Touvier Paul. كما تمَّت سنة 1998 محاكمة موريس بابون Papon Maurice، بوصفه مسؤولً مباشرًا عن تسهيل تسفير

اليهود إلى ألمانيا في عهد حكومة فيشي، عندما كان أمينًا عامًا لمحافظة الجيروند. وقد أ فرج عنه سنة 2002 لأسباب صحية، لكن الاضطراب

الذي أثاره تحريره، والذي يعود فقط إلى تطبيق إجراء جديد ورد في القانون الفرنسي، بيَّ تمامًا أنّه سيبقى حتى موته معاصرًا لجريمته، فبدل

من أن يحمل الزمان النسيان، أحيا الذاكرة، وأعاد بناء الذكرى وفرضها، وهذا ما اصْطَلح عليه هنري روسو Rousseau Henri "الزمن الذي

لا يمضي"، حيث يبقى المجرم معاصرًا لجريمته. إنّ حقبة فرنسا التي تلَت أعمال عنف 1940  -  1945 خصوصًا الالتباس السياسي لنظام فيشي، أدّت إلى تبنّي ثلة من المؤرخين بعض

مفاهيم التحليل النفسي التي سقطت في حقل الميدان العام مثل الصدمة، والكبت، وعودة المكبوت. ولذلك فقد جازف هنري روسو مجازفة إبستمولوجية وأحيانًا سياسية - في نظر بول ريكور - حين أقام شبكة قراءة لأحداث فترة فيشي على أساس مفهوم الوسواس "وسواس الماضي"، وتعبير "الزمن الذي لا يمضي"، الوارد سابقًا، وهو مرادف للتعبير "وسواس" الذي نجده في سجالات المؤرخين الألمان.

12 فيليب بيتان (1856  -  1951): القائد العسكري الفرنسي البارز خلال الحرب العالمية الأولى لمساهمته الفعالة في انتصار الفرنسيين على الألمان، وقد ترقّى نتيجة لذلك في

المناصب العسكرية حتى صار "مارشال"، غير أنّه بعد استسلام فرنسا في المرحلة الأولى من الحرب العالمية الثانية، وقَّع هدنة باسم بلاده مع هتلر، اعترف بمقتضاها باحتلال

ألمانيا ثلاثة أرباع التراب الفرنسي، وشكّل بعدها حكومة موالية لهم في مدينة فيشي. وبعد تمكّن الحلفاء من تحرير فرنسا، نُقل إلى ألمانيا، غير أنّه عاد برغبته إلى فرنسا عام 1945،

وقدّم نفسه للمحاكمة، إذ أدين بتهمة الخيانة العظمى، وسط تشكيك كبير في عدالة المحكمة التي أصدرت حكم الإعدام عليه، وتدخّل الرئيس ديغول Gaulle de Charles؛

فخفَّف عقوبته إلى المؤبد، ومات بيتان في السجن عام 1951. أمّا مساعده بيير لاڤال Laval Pierre فقد نُفِّذ فيه الحكم بالإعدام رميًا بالرصاص في تشرين الأول/ أكتوبر 1945.

13 انظر: هنري روسو، "التاريخ المعاصر يقترب من الماضي القريب وأصدائه في الحاضر الحار"، منال نحاس (مترجم)، الحياة، 13 شباط/ فبراير 2013. 14 رينيه بوسكيه: سياسي فرنسي شغل مناصب مهمة في عهد فيشي، ثم عمل في الصحافة ودعم فرانسوا ميتران Mitterrand François في معركته الانتخابية لمنصب

رئيس الجمهورية ضد فاليري جيسكار ديستان Estaing ' d Giscard Valéry، ثم صار وميتران صديقين عندما تم انتخاب هذا الأخير رئيسا لجمهورية فرنسا، لكن صداقتهما

توقّفت حين اتهم بوسكيه بتسفير اليهود إلى ألمانيا في عهد فيشي؛ وقد أقيمت الدعوى عليه لهذا السبب سنة 1991، غير أنّ اغتياله في 8 حزيران/ يونيو عام 1993 وضع حدًا

للدَّعوى وللحكم عليه، انظر: فرانسوا هارتوغ، تدابير التاريخانية، الحاضرية وتجارب الزمن، بدر الدين عردوكي (مترجم) (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2010)،

ص 341. 15 بول توفييه: الرئيس السابق لميليشيا ليون، عفا عنه الرئيس بومبيدو Pompidou Georges سنة 1972، والذي كان يريد من ناحيته "وضع الحجاب على الزمان الذي

كان فيه الفرنسيون لا يحب بعضهم البعض الآخر؛ حكم عليه بعد 22 عاما، لارتكابه جرائم ضد الإنسانية، انظر: هارتوغ، ص 202 - 203. 16 المرجع نفسه، ص 202. 17 بول ريكور، الذاكرة، التاريخ، النسيان. جورج زيناتي (مقدم ومترجم ومعلق) (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2009)، ص 650، بما فيها الهامش.

إنّ مرور خمسين سنة على الحدث لم يكن كافيًا للنسيان وتجاوز العُقَد؛ "فذاكرة فيشي تمثّل في فرنسا "الماضي الذي لا يمضي"؛

فالجيل الذي عانى ويلات الماضي القريب، تُعطيه القوا ين الحق في فتح محاكمة دائمة، وهو ما نلمسه في المثال الذي قدّمناه؛ فقد أ دين

البعض في فترة التسعينيات بتهم تتعلق بفترة حكومة فيشي، استنادًا إلى المعطيات والأسرار الجديدة التي كشفتها المستندات المحررة

من الرقابة. لقد أصبح التأريخ لهذه المرحلة أكثر صعوبة جرَّاء دهم الذاكرة للحاضر وتخييمها عليه؛ ولذا تمّت المبادرة إلى حجب المحفوظات، وحظر

مراجعتها على الجمهور، وكان ذلك واضحًا في بيان رئيس مجلس الوزراء الذي صدر في تشرين الأول/ أكتوبر 1997 الذي يخفف من قواعد

استشارة الوثائق الخاصة بفترة 1904  -  1945، إذ يذكّر البيان بأنّ "من واجب الجمهورية المحافظة على ذاكرة الأحداث التي جرت خلال

تلك الفترة من الزمن". "إن فيشي كانت دومًا وستظل باطلة وغير موجودة"، بهذه العبارة تحدّث الرئيس الفرنسي الجنرال شارل ديغول Gaulle de Charles

الذي سعى إلى وضع نظام فيشي بين قوسين طامسًا بذلك خصوصية الاحتلال النازي، لكنّه لم ينجح في مهمة الإخفاء ومعها تحقيق النسيان

المرغوب فيه؛ إنّه لم يستطع منع الظهور، فالاحتفالات التذكارية وعودة ضحايا معسكرات الاعتقال إلى الواجهة ميَّزت فترات معيَّنة من

حقبة حكمه. بل إنّ الخطير في عمليات الالتباس المتعلقة بجرائم النازية، هو ذلك الخلط بين المسؤول ومنفّذ الأوامر. ولذا انتقدت

حنة آرندت Arendt Hannah ما حدث في محاكمة أدولف أيخمان Eichmann Adolf أحد المسؤولين في الرايخ الثالث والضابط في القوات الخاصة الألمانية أو ما يعرف بقوات العاصفة. وهو الذي كانت تَعُود إليه مسؤولية الترتيبات اللوجستية بوصفه رئيسًا لجهاز البوليس السري

والإدارة المكلفة بإعداد مستلزمات المدنيين في معسكرات الاعتقال وإبادتهم في ما يعرف آنذاك بالحل النهائي. وقد تعاون مع قيادات الجاليات

اليهودية قصد تهجير العديد من يهود المجر إلى سويسرا بدلً من إبادتهم في أوشفيتز، ولكنّه ساهم مع ذلك في تنفيذ سياسة الحل النهائي

التي انتهجها النظام النازي. وعند انتهاء الحرب العالمية الثانية تمكّن أيخمان من الهرب والتخفّي في الأرجنتين باسم مستعار وشخصية

جديدة حتى سنة 1960، حيث تمكّن عملاء الموساد من إلقاء القبض عليه في بوينس آيرس، ونقلوه، غير مبالين لا بالمواثيق الدولية ولا

بحرمة الأراضي الأرجنتينية، إلى القدس، حيث وقعت محاكمته، وتمَّت إدانته، وانتهى الأمر بإعدامه شنقًا سنة 1962، وأ حْرِقَتْ جثته مباشرة

بعد ذلك، وأُلقِي رمادها في مياه البحر الأبيض المتوسط. لقد استفاد تيار الحياة اليومية في ألمانيا كثيرًا من دور وسائل الإعلام المحلية والأوروبية التي اهتمت بفترة النازية وبحياة أدولف هتلر

تحديدًا؛ إذ تبثّ قنوات التلفزة الألمانية يوميًا برامج وثائقية تتناول هذه الحقبة مع التركيز على سيرة القائد النازي. وتزايدت البيوغرافيا التي

تتناول حياته منذ سنة 2012 تزايدًا لافتًا؛ بحيث نشُر عنه أزيد من ألف كتاب. وهو ما يعني اهتمامًا غير مسبوق بحياة أدولف هتلر في ألمانيا

18 انظر: هنري روسو، "التاريخ المعاصر يقترب من الماضي القريب وأصدائه في الحاضر الحار"، منال نحاس (مترجم)، الحياة، 13 شباط/فبراير 2013. 19 هارتوغ، ص 202. 20 من أشهر الاحتفالات التي أقيمت في فرنسا تلك التي تمّت سنة 1964 بمناسبة الذكرى العشرين للتحرير، وتميزت بنقل رفات جان مولان الذي مات تحت التعذيب

النازي إلى البانتيون المخصص للعظماء، انظر: ريكور، ص 652. 21 أوشفيتز: معسكر اعتقال شهير في بولندا أقامته النازية خلال الحرب العالمية الثانية لليهود، ويقدّر عدد من ماتوا فيه ما بين المليون والمليون ونصف بحسب الروايات

الرسمية الألمانية.

22 أبرزت حنة آرندت في انتقاداتها الموجهة للمحاكمة أنّ أيخمان كان موظفًا صغيرًا، تافهًا، وأنّه لم يكن شاذًّا أو ساديًّا، مثلما حاول المدعي العام الإسرائيلي تصويره

وتقديمه، بل كان شخصًا عاديًا ومرعبًا في عاديته، وأنّه تصرّف كأيّ مواطن لا يمتلك القدرة على اتخاذ القرار، وأنّه بدوره ضحية من ضحايا النظام التوتاليتاري، وعليه، لم

تر آرندت في ايخمان تجسيدا للشر، وعدّت محاكمته مسرحية سياسية استغلها دافيد بن غوريون Gurion - Ben David للحصول على المزيد من التعويضات المالية من ألمانيا

الغربية آنذاك، انظر: نادرة السنوسي، "حنة آرندت وموقفها من النازية"، في: الفعل السياسي بوصفه ثورة، دراسات في جدل السلطة والعنف عند حنة آرندت، علي عبود

المحمداوي (مشرف ومنسق)، محمد شوقي الزين (مقدم) (بيروت: الرابطة العربية الأكاديمية للفلسفة؛ دار الفارابي، 2013)، ص 231  -  232.

منذ انتصار الحلفاء عليه في الحرب العالمية الثانية. وقد عزا الباحثون هذا الاهتمام المتزايد بالحقبة النازية إلى كون غالبية الألمان اليوم لم يعيشوا أهوال الحرب العالمية الثانية، ولا يشعرون بالذنب ولا بالخجل من تلك الفترة الحالكة من تاريخ بلدهم كما هو شأن الجيل الذي سبقهم من الآباء والأجداد الذين عايشوا أحداث تلك الفترة عن قرب. ولذا فَهُمْ أكثر اهتمامًا بالاطلاع عليها، ومعرفة ما جرى خلالها.

ويتنزل هذا أيضًا ضمن موجة الاهتمام بالراهن الذي أضحى ضرورة بالنسبة إلى الكثير من المؤرخين. ومن العلامات المعبّة عن عودة الاهتمام بالحقبة المحظورة في ألمانيا، تصدّر كتاب كفاحيقائمة الكتب المتداولة في ألمانيا؛ فعلى الرغم

من مُصادرة نسخه المطبوعة، سمح الفضاء الإلكتروني للأفراد بالإفلات من قيود رقابة الدولة، فهل يمكن القول إنّ جزءًا من الألمان اليوم

يستعيد ذاكرة هتلر مجدَّدًا؟ أم أنّ الأمر لا يعدو الفضول وحب الاستطلاع؟ ظلت الحرب العالمية الثانية من المواضيع المحرّمة في ألمانيا، حتى إنّ بيع كتاب كفاحيظل أمرًا محظورًا؛ إلا أنّ ما كان ممنوعا بالأمس

أضحى اليوم، وبعد مرور حوالى سبعين سنة، موضوعا للاهتمام؛ فهذا الكتاب السياسي المخيف الذي دعَّمته الدولة النازية، وطبعت منه

ملايين النسخ عام 1933، وَوُزِّع بصورة واسعة على أعضاء الحزب والأنصار، يعرف حظرًا صارمًا من جانب الدولة الألمانية منذ نهاية الحرب

العالمية الثانية. وعلى الرغم من الجهد الذي بذلته حكومة بافاريا في هذا المجال ظل كتاب كفاحييُطبع ويباع في مناطق عديدة من العالم؛

فهو متوافر في عدد من المكتبات العامة في كلٍ من اليونان، والصين، وبلغاريا، واليابان، وكرواتيا، وروسيا، ونيوزيلاندا، وكوريا الجنوبية، وأستراليا، وإيطاليا، والهند، وتركيا، وفنلندا، وإندونيسيا، وكولومبيا، وهولندا، والمغرب، والدنمارك، والأرجنتين، والبرازيل، وإسبانيا. إنّ إقبال القراء على اقتناء كتاب مذكرات الزعيم النازي في العديد من البلدان تؤكده إحصاءات مبيعات الكتاب، إذ يأتي ضمن قائمة

الكتب السياسية الأكثر مبيعًا في جميع الأزمنة، ومن العلامات الفارقة اليوم، الإقبال الكبير الذي تلاقيه الطبعة الرقمية منه في البلدان التي

تمنع تداوله. تشهد ألمانيا اليوم نقاشات داخلية حادة بشأن إعادة طبع الكتاب وتوزيعه في الأسواق الداخلية. وإذا كان "معهد التاريخ المعاصر" التابع لجامعة ميونخ قد أبدى رغبة حثيثة في إتمام مشروع إصدار نسخة جديدة من كتابكفاحيالمحظور مصحوبة بتعليقات نقدية، فإنّ حكومة

بافاريا عبّت عن معارضتها الشديدة، بوصفها الجهة التي تحتفظ قانونيًا بحق ملكية الكتاب إلى غاية نهاية سنة 2015، وأصدرت قرارًا

عاجلً بوقف الدعم المالي للمشروع بدعوى أنّ الكتاب "تحريضي"، ومليء بالكراهية والاحتقار ومعاداة السامية. لقد أثار قرار وقف مشروع معهد التاريخ حالة من الامتعاض في صفوف الباحثين؛ فقد عبَّ المؤرخ فولكر أولريش Ullrich Volker، عن

رفضه هذا القرار واصفًا إياه بالفضيحة، وساند في تصريحاته جهد زملائه المؤرخين في معهد ميونيخ، وثمَّن رغبتهم في فكّ لغز مصادر كتاب

هتلر؛ فالتساؤل ملحّ بشأن الأفكار الواردة فيه؛ هل هي مواقفه الخاصة؟ أم أنّه قام بتجميع معتقدات عصره؟ نافيًا في الوقت نفسه فكرة

التحريض على الكتاب بعد مرور عقود على الحرب والمحرقة، مؤكدًا أنّ الكتاب لا يمثّل أيّ خطورة في الراهن. ووافقه الرأي مدير معهد

الأبحاث التاريخية في ميونيخ الذي رأى أنّ صدور نسخة جديدة من الكتاب الممنوع مصحوبة بتعليقات توضيحية قد ينهي الأسطورة التي

23 خالفت نتائج بعض الدراسات الحديثة ما كان سائدًا من فكرة كون كتابكفاحيلم يكن يقرأ في زمانه، ونقدّم هنا شهادة غادامير عن تلك الحقبة: "استخففنا بهتلر ومن

لفّ لفّه،... لم يكن أحد منّا قرأ كتاب كفاحي، انظر: هانز جورج غادامير Gadamer Hans-Georg، التلمذة الفلسفية، سيرة ذاتية، حسن ناظم وعلي حاكم صالح (مترجمان)

(ليبيا: دار الكتاب الجديد، 2013)، ص 150.

24 ظل الاعتقاد السائد لسنوات أنّ كتاب هتلركفاحيلم يكن يقرأ، ولم يحظ بأيّ اهتمام، إلا أنّ دراسات المؤرخين أظهرت العكس، فالكتاب أثار فضولً كبيرًا في

الداخل والخارج، وتمّت ترجمته إلى العديد من اللغات.

25 توّج جهد القنصليات الألمانية في عدد من البلدان بمنع تداول كتاب كفاحي، كما هي الحال بالنسبة إلى روسيا سنة 1992، والبرتغال سنة 1998، وجمهورية التشيك

سنة 2000، غير أنّها لم تستطع إيقاف زحف الكتاب في عدد من البلدان الأخرى، انظر:

Antoine Vitkine, Mein Kampf: Histoire d'un livre  (Paris: Flammarion, 2009), p. 235.

تحوم حوله، فالتفهُّم يحتاج إلى البوح لا الصمت. وفي فرنسا قامت دار فيار بدورها بإصدار طبعة جديدة منه مع بداية هذه السنة (2016.) وتعود أول طبعة للكتاب في هذا البلد إلى سنة 1934، وذلك قبل صدور قرار بتجريم نشره بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. ومن المظاهر الأخرى التي توضح عودة الاهتمام بفترة النازية في ألمانيا الإقبال الكبير الذي تَلْقاه سير هتلر، وانتشار موجة من الكتب الجديدة التي تتناول الحقبة النازية اعتمادًا على أرشيف العائلات وعلى الروايات الشفوية. كما جذب معرض خُصِّصَ لهتلر سنة 2011

عشرات الآلاف من الأفراد، وهو ما يوضح مدى حضور شخصية الديكتاتور في ذاكرة ألمانيا حاليًا. يصعب التحرر من الضغوطات السياسية كلّما تعلّق الأمر بقضايا الزمن القريب؛ ففي ألمانيا تطرح قضية الرقابة، كلّما تعلّق الأمر بالقضية الشائكة المرتبطة بإرث النازية؛ فهي تقمع ما يُنشر عنها، وبالخصوص ما يتعلق بالتشكيك في المحرقة، بوصفها كتابات معادية

للسامية. ولم تتجاوز ألمانيا، إلى اليوم، عقدة الذنب المتعلقة بمسؤوليتها عن المحرقة اليهودية التي ارتكبت أيام حكم النازيين، إلى درجة أن مواقفها السياسية إلى اليوم من قضايا الشرق الأوسط مُكبَّلة بهذا الحدث الذي يُعَدُّ أحد أسباب الصمت الألماني بشأن مجازر الإسرائيليين

في فلسطين.

الجدل بشأن شخصية هتلر بين القصديين والوظيفيين

إنّ مقاربة مفهوم الفرَادة على صعيد الحكم التاريخي تخص بشكل انتقائي النقاش التاريخي حول المحرقة والتي تعارضت فيها المدرسة

القصدية التي تهتم أكثر بأفعال الفريق الحاكم، وبخاصة اتخاذ القرار الخاص بالحل النهائي، مع المدرسة الوظيفية التي صبَّت اهتمامها

أكثر على لعبة المؤسسات، والقوى المغفلة، وتصرفات الناس. إنّ موضع رهان هذا النقاش يتناول سؤال من يتحمَّل مسؤولية الجريمة؟

سلسلة من الفاعلين؟ أم أحدهم فقط؟ أم مجموعة فقط؟ أم الشعب بكامله؟ لا أحد ينكر أنّ القائد الأوحد لألمانيا ارتكب جرائم خطيرة تعدّ الأكثر وحشية على الإطلاق في التاريخ البشري. ولذا فإنّ الكتابات البيوغرافية الأولى التي اهتمت به، انطلقت من باب الاشمئزاز والرفض والإدانة وتبرئة الذات قبل كلّ شيء، وهو الأمر الذي نلمسه في التفسيرات التي قدَّمها للحدث تيار القصديين الذين يحللون النازية في صورتها الهتلرية ويوجّهون تاريخ هذا النظام في كليته بمقاصد

الزعيم. وقد تغذّى هذا التيار من بيوغرافيات عديدة، وبالأخص تلك التي أنجزها يواخيم فس Fest Joachim. ووصلت المركزية الهتلرية إلى قمَّتها في سنوات السبعينيات مع علم النفس التاريخي(الذي آل إلى تفسير الحرب وقتل اليهود بالشخصية المرضية والعُصَابية لهتلر.

26 خالد طحطح، "نشر 'كفاحي' مطلع 2016 هل تنبعث النازية من جديد"!، مجلة الدوحة، عدد 99، كانون الثاني/ يناير 2016، ص 16، 17. 27 ريكور، ص 491. 28 علم النفس التاريخي عبارة استخدمت بكثرة خلال السبعينيات من القرن الماضي، ويمكن أن نورد هنا مثال عمل أركسون حول مارتن لوثر Luther Martin، فتى

الإصلاح والانشقاق عن الكنيسة الكاثوليكية؛ فقد جعل المؤلِّف العلاقة الصراعية لهذا الأخير مع أبيه، ورفْض الأب توجّه ابنه للرهبنة، ويأ س الابن من ذلك الرفض أساسْ

المسلكية البروتستانتية. وقد اعترف المؤرخ إيمانويل لوروا لادوري Ladurie Roy Le Emmanuel بتأثير مقولات فرويد في مقاربته، إذ رأى أنّ الأعمال الفرويدية ساعدته

على فهمٍ جيد لبعض الثورات الشعبية، في بحثه عن فلّحي اللانكدوك، فهو يتحدث عن حمّى التحولات (هستيريا الانتقال من حال إلى حال)، وعن اللاشعور الجمعي،

وبالخصوص أثناء الصدمة حين إقرار تحديد النسل، بحيث حاولت الطوائف الدينية المتعصبة باللانكدوك التمرد على قوات الملك الفرنسي في أوائل القرن الثامن عشر، وعد

العُصاب في حالتهم كبتًا جنسيا مفروضا، أفضى إلى حدوث تعصب دموي موجّه ضد السلطة، غير أنّ المؤرخَيْ جورج دوبي وروبرت ماندارو تحفّظا على استعمال المقولات

الفرويدية في التاريخ، وقد وضَّح ميشيل دوسيرتو Certeau de Michel الأمر سنة 1978 بحيث أبرز الفوارق بين منطق التحليل النفسي ومنطق التاريخ، للمزيد انظر:

Dosse, Histoire et Psychanalyse , Historiographies. 1. Concepts et débats , pp. 343  -  345. François Dosse, Le Pari biographique. Écrire une vie (Paris: La découverte, 2005), p. 393.

تُقَدِّمُ السيرة التي كتبها يواخيم فس سنة 1973، صورة كلاسيكية عن رجل، وأمة، وحقبة. إنّه كتاب سيرة يكشف شخصية هتلر المدمِّرة

على نطاقٍ غير مسبوق. لكن التفسير الأكبر الذي انطلق من علم النفس التاريخي، هو ذلك الذي أجراه ريدولف بينيون Binion Rudolph

في دراسته لحالة هتلر، إذ رأى أنّ سياسته المعادية للسامية ترجع إلى حالة مرضية تتعلق بالارتباط غير المألوف للفتى هتلر بأمّه وحادثة موتها؛

فالطبيب اليهودي أدوارد بلوخ Bloch Eduard الذي كان يعالجها من سرطان الثدي حقنها بجرعات زائدة من مادة "ابودوفورم" مما أدى

إلى وفاتها. لقد تمّ الربط بين النزعة التدميرية اللامحدودة التي تسكن هتلر وعقدة الارتباط بالأم؛ بحيث زعم بينيون أنّ هذا الحادث

الخاص المتعلق بوفاة أمّ هتلر، بعد سبعة أسابيع قاسية من العلاج يقدّم مفتاح فهم سياسة الرايخ الثالث Reich III. لقد استوحت القراءة السابقة الذكر مفاهيمها مباشرةً من قاموس التحليل النفسي لسيغموند فرويد Freud Sigmund الذي قادته

أسطورة أوديب الإغريقية إلى أن يرى في حب الطفل أحد والديه، وكرهه الآخر عقدة النزوات النفسية التي تؤدي لاحقًا إلى ظهور العُصابات

Neurosen والاختلالات المزاجية التي تدفع بعض الأفراد في النهاية إلى الإضرار بمن حوله. هذا الاكتشاف الفرويدي جعله صاحبه قابل

للتطبيق على الجميع، ومن ثم أثارت محاولته إنجاز تاريخ نفسي، كما هو الأمر في كتابه عن موسى والتوحيد (1939)، العديد من

التساؤلات لدى المؤرخين. وتعرَّضت قراءته التي أنجزها للميثولوجيا الإغريقية، بدءًا من قصة أوديب نفسها، لنقدٍ عنيف وجّهه له كلٌ

من جان بيار فرنان Vernant Pierre - Jean، وبيار فيدال- ناكيه Naquet - Vidal Pierre. كما أثبت محدودية فاعلية نظرياته عددٌ من

المشتغلين بحقل التحليل النفسي الذين انتقدوا طريقته المعروفة بعلم النفس الدينامي Psychologie dynamische الذي يحاول تفسير

تصرفات الفرد من خلال الغرائز الكامنة في اللاشعور. يعدّ التحليل النفسي التاريخي طريقة في البحث تتوخّى الإجابة عن الأسئلة الخاصة بالدوافع التي تحرّك الشخصية، ويمكن عد

كتاب فرويد عن الرسام ليوناردو دافينشي Vinci da Leonardo الذي نشره سنة 1910 النموذج الأول الحقيقي لما يمكن أن نطلق عليه اسم:

التحليل التاريخي - النفساني. فهذا العمل في نظر المؤرخ الأميركي دافيد ستانارد Stannard David من أفضل الأمثلة التي توضح كيف أصبح

التأريخ النفساني مثيرًا للاهتمام ومشوقًا، فهو يحتوي على بصيرة نافذة، ومعلومات جديدة، ومشاعر حساسة، غير أنّه يحتوي في الوقت نفسه

على خيال واسع. ولم يكن دافينشي الشخص الوحيد الذي اتخذه فرويد نموذجًا لتحليلاته ونظرياته، بل سلَّط الضوء في مجال تفسير

الإبداع على شخصية الأديب العبقري فيودور دوستويفسكي Dostoyevsky Fyodor أيضًا الذي برز في أعماله المتأخرة رائدًا للتحليل

النفسي، وواحدًا من أبرز الأدباء على مرّ التاريخ الذين تمكّنوا من النفاذ عميقًا إلى خوالج مكنونات النفس البشرية بتقلباتها المختلفة؛ إذ يمكن

عَدُّ أعماله الأساس للعديد من الأفكار التي بُنيت عليها مدارس التحليل النفسي لاحقًا. فرواياته تتميز بقدرة كبيرة على السرد تشدّ القارئ،

Joachim C. Fest, Hitler (Germany: Propyläen Hardcover, 1973). 31 Dosse, Le Pari biographique, p. 364.

32 دشَّن كتابالميثة والفكر عند اليونانيين، في فرنسا، بحوث علم النفس التاريخي في اليونان، والذي كان قد نشُر سنة 1965، وأتبعه لاحقًا مؤلفه جان بيار فرنان

Vernant Pierre - Jean رفقة بيار فيدال ناكيه Naque - Vidal Pierre بكتاب عنأوديبوأساطيره، توخَّيا منه تحرير هذه الشخصية وإعتاقها من أسر التحليل النفسي الذي

أصابها بالتشوه والضمور، من خلال إعادة أوديب إلى حقيقته، إلى ما هو عليه من دون عقدة، انظر بهذا الخصوص: جان بيار فرنان، بيار فيدال ناكيه، أوديب وأساطيره،

سمير ريشا (مترجم)، جورج سليمان (مراجع)(بيروت: المنظمة العربية للترجمة- مركز دراسات الوحدة العربية، 2009)، ص 7، 21؛ انظر أيضًا: جان بيار فرنان، الأسطورة

والفكر عند اليونان، دراسات في علم النفس التاريخي، جورج رزق (مترجم) (بيروت: المنظمة العربية للترجمة - مركز دراسات الوحدة العربية، 2012)، ص 37. 33 افلين باتلاجين، "تاريخ المتخيل "، في: التاريخ الجديد، جاك لوغوف (مشرف)، محمد الطاهر المنصوري (مترجم ومقدم)، عبد الحميد هنية (مراجع) (بيروت: المنظمة

العربية للترجمة؛ مركز دراسات الوحدة العربية، 2007)، ص 520. 34 على رأس الذين انتقدوا التحليل النفسي لفرويد من داخل التخصص هانز أيزينك Eysenck Hans، انظر: هانز أيزينك، تدهور إمبراطورية فرويد وسقوطها، عادل

نجيب بشرى (مترجم ومقدم)، محمد نجيب الصبوة (مراجع) (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2013)، ص 19، 318. 35 المرجع نفسه، ص 263  -  264. 36 تناول فرويد في هذا الكتاب شخصيتين من أبرز العبقريات في تاريخ الفن والإبداع الأدبي، دافينشي عبقرى عصر النهضة العظيم، الفنان، والمعماري، والمخترع،

ودستويفسكي عبقري الرواية الروسية الفذ الذي يعدّه بعض النقاد الأب الحقيقي للتحليل النفسي، فمن خلال هذين الشخصيتين ربط فرويد بين العبقرية الفنية والمرض

العصابي، راجع: التحليل النفسي والفن، سمير كرم (مترجم ومحقق)، ط 4 (بيروت: دار الطليعة، 2004.)

وبتعبيرها القويّ عن دواخل النفس الإنسانية، ففي روايته المقامر، يقدّم وصفًا لنفس المدمن ومشاعره، وانسياقه المحموم، وغير الواعي،

بحيث يصبح غير قادر على ترك لعبة القمار، إلا إذا انتهت اللعبة، أو خسر كلّ فلس في جيبه. أمّا روايته الجريمة والعقاب، فقد عكست

بقوة النزاع بين الخير والشر في دواخل النفس البشرية، فهو يقرّبنا من مشاعر المجرم، ويركّز على الدوافع الكامنة في اللاشعور، ومنها دافع

التمرد على الأخلاق سببًا رئيسًا وراء تنفيذ بطل الرواية جريمة نكراء ضد مرأة عجوز. أمّا رائعته الإخوة كارامازوفالتي كتبها قبيل وفاته،

فيمكن عدُّها أعظم الروايات في التاريخ على الإطلاق. وقد تناول فيها بعمق فكرة قتل الأب المبنية على كره عنيف، بحيث اجتاحت البطل

ديمتري الابن الأكبر رغبة القتل بدافع مزدوج؛ المنافسة الجنسية مع والده فيودور بافلوفتش على امرأة شابة تدعى جروشينكا، وحرمانه من إرث والدته، غير أنّ جريمة القتل ارتكبها في النهاية ابن آخر غير شرعي للأب، هو سمردياكوف ردة فعل على ديكتاتورية الأب واستهتاره

المشين. ومن المعلوم أنّ أسطورة قتل الأب تعدّ الأساس الذي يستند عليه فرويد في تحليلاته النظرية. إنّ بيوغرافيا التحليل النفسي التي فسَّت معاداة السامية Judenhass عند هتلر بوصفها ردة فعل غير واعية محكومة بدوافع عقدة

نفسية تتأسس على الرغبة الطفولية في قتل الأب من خلال التركيز على خلفية صراعه معه أو من خلال عقدة الأم التي "تجعل الفعل السفاحي، في حالات معينة، رمزًا لاستعادة الوطن السليب وطرد العدو والظفر بالحرية"، أبانت عن جهل كبير بالتاريخ نفسه، إذ إنّ غياب

البعد الاجتماعي التاريخي في هذه الحالة يجعل من هتلر شخصًا "لازمانيًا." إنّ التفسيرات السببية الأحادية التي تعود جذورها إلى عقدة أوديب كما هي مفصَّلة عند فرويد، تبقى تفسيرات اختزالية. وقد وقف

المؤرخ الإسرائيلي المختص في النازية والمحرقة، سول فرينديلاندر Friedländer Saul الذي درس العديد من بيوغرافيا علم النفس على ثغرات متعددة وتناقضات كثيرة فيها، ولم يقبل بوجاهة التحليل النفسي إلا في حالة إبراز تقاطعاته وتمفصلاته مع البعد التاريخي لجماعية المجتمعات التاريخية. وهكذا تجاوزت البيوغرافية التي أنجزها هانز اولريش ويهلر Wehler Ulrich - Hans عن هتلر تجاوزًا كبيرًا نقائص

التحليل النفسي؛ إذ فضَّل التركيز على العلاقات بين الفاعلين من أجل الانتباه للمنطق الخاص لاشتغال المؤسسات. واعتمد يان كرشاو Ian

Kershaw الانتقادات نفسها التي وجّهها أولريش لتيار القصديين متسائلً بنبرة لا تخلو من تهكّم، هل يخضع فهْمُنا للوطنية الاشتراكية

حقيقة لجوابنا عن سؤال ما إذا كان لهتلر خِصْيةٌ واحدة. يجيب: من يَدْري، لعلّ الفوهرر Führer (الزعيم) كان يملك ثلاثًا وهذا لن يسهّل

فهمنا للأوضاع؟ ومن المعلوم أنّ قتل الأب بعد إخصائه، من المفاهيم النَفسية التي جرى است خدامها أيضًا لتأويل العذاب الذي سلّطه

هتلر على ملايين اليهود وتحليله. ويتعلق الأمر هذه المرة بأسطورة كرونوس Kronos oder Cronos في الميثولوجيا الإغريقية، بحيث قام الابن الأصغر لجايا، المولود سرًا، من زوجها أورانوس ملك التيتانيين، بإنجاز مهمة صعبة، إذ حرّضته على أن يُخصي والده، وأعطته المنجل

للقيام بذلك، وكان فعله هذا سببًا في تحرير إخوته الذين حبسهم والدهم أورانوس لكرهه لهم. غير أنّه ولخوفه الدائم من أن يقوم أحد أبنائه

بإخصائه كما فعل هو بوالده، اضطر إلى أن يبتلع أولاده الخمسة عقب ولادتهم. وحين أراد ابتلاع زيوس أعطت زوجته ريا لكرونوس بدل

37 فيودور دوستوفسكي، المقامر، سامي الدروبي (مترجم) (لبنان: المركز الثقافي العربي، 2009.) 38 فيودور دوستوفسكي، الجريمة والعقاب، سامي الدروبي (مترجم) (لبنان: المركز الثقافي العربي، 2010.)

39 من الرواية نقرأ ما يلي: "فإذا بكره عنيف فظيع يغلي في قلب ميتيا (ديميتري) فجأة، فيقول في نفسه هذا هو، هذا هو غريمي، هذا هو جلادي، هذا هو عدو حياتي"؛

إنها سورة الحنق المباغت المسعور الحاقد الظامئ إلى الانتقام، الذي تحدّث عنه إلى اليوشا بما يشبه التنبؤ أثناء حديثهما في الجناح قبل أربعة أيام جوابًا عن سؤال اليوشا له:

"كيف يمكن أن يخطر ببالك أن تقتل أباك"، لقد أجابه يومئذ قائلً: "لا أدري، قد لا أقتل، ولكن من الممكن أن أقتل.... إنني أكره جوزة عنقه، وأنفه، وعينيه، وضحكته

الصغيرة المستهترة، إنه يثير فيّ تقززا جسميا، ذلك هو ما أخشاه خاصة، قد لا أستطيع أن أكبح جماح نفسي"، انظر: دوستويفسكي، الإخوة كارامازوف، سامي الدروبي (مترجم)

(لبنان: المركز الثقافي العربي، 2010)، ج 3، ص 135  -  136. 40 راجع أسطورة قتل الأب عند فرويد: علم نفس الجماهير، جورج طرابشي (مترجم) (بيروت: دار الطليعة، 2006)، ص 127. 41 فرنان وناكيه، ص 7.

42 Dosse, Le Pari biographique, p. 365. 43 Ibid., p. 393.

منه حجرًا مقمطًا كرضيع ليبتلعه دون أن ينتبه إلى خدعتها، وخبّأته في مغارة جبلية في جزيرة كريت؛ حيث ترعرع واستطاع لاحقًا أن ينتصر

على والده، وأجبره على إخراج إخوته من بطنه. ركَّزت دراسات قصدية أخرى على شخصية هتلر لكن هذ المرة من زاوية نظر أيديولوجية، عدّتها الرحم الذي أنجب النظام النازي.

وأنجز هذه الأعمال المؤرخ ورجل السياسة كارل ديتريش براشر Bracher Dietrich Karl الذي دافع عن الأطروحة الكليانية Totalitär باحثًا عن فهم كيف دانت الديمقراطية اللبرالية وأسلمت نفسها للدكتاتورية، ولسيادة نظام الحزب السياسي الواحد. وخلصت دراسته إلى أن

معاصري هتلر لم يأخذوا أمره مأخذ الجد؛ ويشاطره هذا الرأي كلاوس هيلدبراند Hildebrand Klaus الذي أكّد أيضًا مركزية "عامل هتلر" بخاصة في مجال السياسة الخارجية والعرقية، بحيث أعطى في تحليلاته الأهمية الكبرى للأفراد وقراراتهم، من خلال إبراز دور النظام السياسي المتعصب الخاضع بصورة مطلقة لسيطرة ديكتاتور متعصب ومستبد. إنّ السيرة التي كتبها المؤرخ الإنكليزي إيان كيرشاو Kershaw Ian، تتناول الإجابة عن الأسئلة الحاسمة بشأن طبيعة فرادة

التطرف النازي، من خلال الردّ على أطروحات القصديين بمختلف توجهاتهم، فيغوص المؤلف في تفسيرات أحداث المحرقة. وقد عدّت

كتاباته من أهم السير عن حياة الديكتاتور الألماني حتى الآن. وتبدأ الحكاية عنده من الولادة غير الشرعية لهتلر، وتنتهي بانتحاره في مخبئه السرّي في برلين، معرّجًا على الهستيريا التي رافقت استيلاءه على السلطة في عام 1933، وما قامت به قواته من هجمات وحشية،

وبالخصوص على اليهود والسلاف، معتمدًا على العديد من المصادر غير المستخدمة سابقًا، مثل يوميات بول جوزيف غوبلز Joseph Paul

Goebbels وزير الدعاية في عهد هتلر. من أهم مميزات هذا الكتاب الضخم الذي أنجزه كيرشاو بلغته الأصلية، إبرازه قيمة منطق المؤسسات، وفوضى الدولة، وقوة الحشود المتضادة داخل السلطة النازية، مهتمًا في المقام الأول بالخلفيات الاجتماعية التي برَّرت نشوء نظام هتلر، بينما بقيت المعلومات المتعلقة

بالشخصية حاضرة، وهو ما أبرزه بوصفه أهم عمل خارجي اعتمده التيار الوظيفي الألماني، على الرغم من استمرار بعض آثار الطرح القصدي فيه وبصماته، فالترابط وثيق بين بناء مسار وفرادة سياق تاريخي؛ إذ أعاد كيرشاو شريط حياة هتلر، ونقَّب في طفولته، وأبرز صراعه الدائم مع الأب، وحُبَّه المفرط لأمّه، وتتبَّع فترة شبابه الذي تميّز بالتّهميش، لكنّه بيَّ أنّ كلّ ما سبق لا يفسر عداءه للسامية الذي لم ينشأ لديه إل

سنة 1918، أي بعد الحرب العالمية الأولى، مانحًا الجوّ البافاري المحافظ الإمكان والشرط الذي خلق هتلر. ولذا فقد ساهم هذا التحليل

في تسليط عدد من البحوث الأخرى الضوء على قضية المناخ الفكري الذي مهَّد الطريق في سنوات جمهورية فيمار إلى تحوّل ألمانيا نحو

النازية، إذ أولً وقبل كلّ شيء تمّ استحضار سيادة عقلية الأزمة، وهي حقيقة تُعدّ جزءًا لا يتجزأ من بواعث القلق السياسي والاقتصادي

في السنوات الأولى لتلك الجمهورية.

44 ايطالو كالفينو، في الكتابة الأدبية، ستة مقترحات للألفية الثالثة، محمد مخطاري (مترجم)، محمد الوهابي (مراجع)، سعيد يقطين (مقدم)، سلسلة أعمال مترجمة

رقم 11 (الرباط: جامعة محمد الخامس، 2008)، ص 143 (ثبت الشخصيات الأسطورية.)

45 Dosse , Le Pari biographique , p. 393. Ian Kershaw, Hitler: 1889  -  1936 , T 1 (‪London: Penguin Books, 1998 ‬) & Hitler, 1936  -  1945 , T 2 (London: Penguin Books, 1999). 47 Dosse, Le Pari biographique , p. 396.

48 نلمس قضية المناخ الفكري المعادي لليهود من خلال رسالة بعثها مارتن هايدغر إلى حنة آرندت شتاء 1932  -  1933، حيث كتب قائلا "إنّ الإشاعات التي تقلقك ما هي

إلا قذف وتشهير... وادعاء أنّه لا يحق لي تحية اليهود ما هو إلا تشنيع سيء... الطالبان الممنوحان من جماعة الإحسان، وهما منحتان دافعت عنهما.. كانتا من نصيب هذين

الطالبين اليهوديين...، إنني اليوم في مشاكل الجامعة معاد للسامية كما كان الأمر قبل عشر سنوات بماربوغ، حيث وجدت مساعدة على هذه المعاداة من طرف يعقوبستال

Jacobsthal وفريدليندر Friedländer. ليس لهذا الأمر أيّ علاقة بعلاقتي الشخصية باليهود إطلاقا (مثلا كوسرل، وميش، وكاسيرر وآخرون) لا يجب أن يمس هذا

علاقتي بك.."، انظر: حنة آرندت، مارتن هايدغر، رسائل حنة آرندت ومارتن هايدغر 1925  -  75 19، حميد لشهب (معرب ومقدم) (لبنان: جداول، 2014)، ص 104 - 105. 49 ريتشارد وولين، مقولات النقد الثقافي: مدرسة فرانكفورت، الوجودية، ما بعد البنيوية، محمد عناني (مترجم)، رقم 2664 (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2019)، ص 132.

إنّ الأطروحات الوظيفية جاءت بتصورٍ مختلف عن نظام هتلر؛ فهي تراه منتوجًا فرعيًا لفوضى مؤسساتية حقيقية لنظام متعدد

الحكام، تتجاذبه باستمرار قوى متناقضة، وهو ما يتناقض جذريًا مع التفسيرات التي قدَّمها سابقا تيار القصديين. وقد تكاثرت اليوم

في وسط الباحثين والمؤرخين الألمان الدراسات التي تركّز على إبراز دور المجتمع أثناء النبش في حقيقة شخصية الزعيم النازي؛ بحيث أعيد

هذا الرجل إلى واجهة الضوء ثانية من خلال أبعاد تفسيرية أخرى تركّز على آليات اشتغال الدولة النازية التي لم تكن تخضع لإرادة هتلر، ولكن لنمط ممارسته الحكم، للسلطة التي كانت ترفض الانصياع للعلاقات البيروقراطية، ففي الواقع استطاع هتلر خلق سلطات متعددة ومتناقضة. إنّ لعبة التضاد والتنافسية وفوضى التراتبيات، جعلت السلطات متفرقة بين جهات متعددة، لكنّها كانت تعود في النهاية إليه. لقد تناول الصحافي والمؤرخ فولكر أولريش Ullrich Volker شخصية هتلر مجدّدًا، في سيرته الحديثة التي خصصها للزعيم النازي.

وهو ما ساهم في طرح صورة جديدة أكثر تعقيدًا وتناقضًا مع النظرة المألوفة عنه. إذ طرح طرقًا مغايرة للفهم، من خلال تتبّع سماته الشخصية،

ساعيًا إلى دحض الرؤية التوفيقية بين المقاربة القصدية والمقاربة الوظيفية التي تجلَّت في عمل كيرشاو، من خلال إبراز التمايز بين الحياة

الخاصة والحياة العامة، بحيث انتهى في الأخير إلى تغليب الطرح الوظيفي، من خلال توضيح طبيعة الحاكم هتلر والتفاعل الذي حصل بينه وبين الألمان، بوصف هذا الزعيم لم يكن سوى إسقاط للألمان في مرحلتهم. إنّ المؤرخ أولريش فولكر يمنحنا صورة مخالفة عن الفوهرر؛ ففي مقابلة له مع موقع درشبيغل Spiegel Der أفصح عن مضمون

سيرته، وأبرز اختلافاته عن الآخرين ودوافعه لكتابة سيرة حياة هتلر من جديد. لقد نحا فولكر في كتابه نحوًا مختلفًا عمّن سبقه؛ فصورة الدكتاتور الدموي بجانبها صورة إنسان عادي، فهو في نظره لم يكن مجنونًا

كما ذهب بعض الباحثين المتخصصين في التاريخ النفسي، ولذا فالفكرة التي ارتبطت في الأذهان بين ارتكاب الجرائم والخلل العقلي لديه، والتي كرستها السير السابقة لا تصمد أمام النقد. واللافت في هتلر كما تناولته هذه السيرة الحديثة، موهبته الكبيرة على الاستيعاب

والإنصات، وهي ميزة أ غفلت في كثير من الأحيان، فهو كان قادرًا على أن يكون لطيفًا حتى مع من يكرهونه. والمثال الذي أورده لتأكيد

قدرته على كسب ودِّ الآخرين، علاقته مع الرئيس الألماني بول فون هندنبورغ Hindenburg von Paul الذي كانت لديه في البداية تحفظات

شديدة إزاءه. لكن في غضون أسابيع من تعيينه مستشارًا، تمكّن هتلر من تحويل هندنبورغ إلى خاتم في إصبعه. وقد سجَّل غوبلز في يومياته

أنّ الدكتاتور لم يكن قادرًا على تبادل أطراف الحديث بلطفٍ مع معارفه القريبين فحسب، بل كان يجيد الاستماع أيضًا. أمّا ثورات غضب

هتلر لأتفه الأسباب، فيرى أولريش أنّها مفتعلة لترهيب الآخرين، إذ في غضون دقائق، كان يعود إلى تمالك أعصابه. في سيرة حياة هتلر الجديدة يرى المؤَلِّف أنّ أجواء ميونيخ في عام 1920 كانت مُثلى لنجاح محرّض موهوب بإلقاء الخطب النارية؛ فلكي

نفهم هتلر خطيبًا، علينا أن نأخذ في الحسبان أنّه لم يكن ديماغوجيًا، بل إنّه كان يصوغ خطاباته بعناية، ثم يشرع في تصعيد النَّبْة وحركات

الجسم وصولً إلى الذروة بعد مدة طويلة من الإلقاء الجذاب، وهو ما يتناقض مع ما بيَّنته تسجيلات هتلر في المجالس الخاصة، حيث نبرته

الخطابية عادية، وصوته هادئ ومختلف جذريًا عن نبرته وقوة صوته في المهرجانات الجماهيرية. أمّا عداوته المفرطة لليهود، فقضية تطرح بشأن خلفياتها ودوافعها أسئلة كثيرة؛ فكاتب السيرة فولكر كشف عن علاقات ودية نسجها

هتلر مع أشخاص يهود في فيينا سابقًا، وقد بين أنّ غالبية تجار الفن ممّن اشتروا لوحاته بسعر محترم كانوا من اليهود، وهذا يعني أنّ معاداة

السامية لم تنشأ لديه إلّ بعد الحرب العالمية الأولى، في إطار ظاهرة عامة، ولم يكن الأمر حالة فردية خاصة بهتلر.

50 Dosse, Le Pari biographique , p. 394. 51 Ibid., pp. 394  -  395. Ullrich Volker, Adolf Hitler: Die Jahre des Aufstiegs 1889 - 1939 (Frankfurt: Fischer Verlag, 2013).

53 استقينا معظم المعلومات عن الكتاب من الحوار الذي خص به المؤرخ فولكر أولريش مجلةدرشبيغل، والمنشور على موقعها على شبكة الإنترنت، وقد قامت بترجمته

مجلة الجريدة، بعنوان: "سيرة جديدة عن 'الديكتاتور' هتلر... جاذبية الوحشية"، الجريدة، 19 تشرين الأول/ أكتوبر 2013، العدد 2120، صفحة الثقافة.

تطرّقت سيرة فولكر أيضًا إلى الحياة الخاصة لهتلر؛ فقد أفرد فصلا كاملا لعلاقاته مع النساء، ودحض بعض الشائعات التي أ طلقت

عنه في هذا المجال، فقد عبَّ عن اقتناعه بأنّ علاقة هتلر مع عشيقته إيفا براون كانت علاقة طبيعية. وهذا يشكّك في رواية يان كيرشاو الذي

أكَّد أنّ هتلر كان يطفئ نار شهوته الجنسية برؤية انتشاء الجماهير به وبخطبه؛ فأولريش استبعد ذلك، وأشار إلى عدم وجود دليل قوي

يؤكّده، وقال إنّ هتلر على الرغم من السرية التي كان يحيط نفسه بها، فإنّه عاش مع براون حياة اعتيادية. ولعلّ هذا ما يفسر الهجومات القوية التي تعرّضت لها بعض البيوغرافيات التي ركَّزت على جانب واحد من الشخصية لتفسِّ به أحداثًا ووقائع كبرى. إنّ النقاش التاريخي حول النازية والمحرقة، تعارضت فيه الآراء بين من اهتم أكثر بأفعال الفريق الحاكم وبخاصة القرار المتعلق بالحل النهائي، ومن صبَّ اهتمامه أكثر على لعبة المؤسسات والقوى المغفلة وتصرفات الناس. ومن الملاحظ أنّ أنصار التيار الأول يتقاربون

مع المقاربة الجزائية للمحاكم، بينما على العكس بالنسبة إلى التيار الثاني الذي يسعى إلى الفهم أكثر فأكثر دون السقوط في خطر الإنكارية أو التأويلات المتبرئة.

مشاجرات المؤرخين والفلاسفة بشأن فرادة المسلك الخاص الألماين

يستند اهتمام المؤرخين والفلاسفة الحالي بالماضي الألماني إلى تنامي الرغبة في معرفة ما حدث في ألمانيا خلال الحقبة النازية وفهمه؛ فلكي يتعرف إلى تاريخ تلك السنوات، على الجيل الجديد أن يطّلع على الكتب المتخصصة والبرامج الوثائقية، وأن يستمع إلى شهادات الشهود، لأنّه جيل لم يعاصر الأحداث؛ فكلّ المآسي من القوا ين العنصرية والمذابح التي حدثت في تلك الفترة تحتاج إلى دراسات عميقة. إنّ القضايا المرتبطة بحقبة النازية في ألمانيا ما زالت تخلق الكثير من الجدل؛ فقد حصلت في ألمانيا مشادّات كبرى عُرفت باسم مشاجرة المؤرخين، بين متخصصين بالعهد النازي وفلاسفة على قدر كبير من الأهمية أبرزهم يورغن هابرماس Habermas Jürgen حول قضايا من قبيل فرادة النازية بوصفها حدثًا غير قابل للمقارنة بغيره، وغير قابل للتقادم؛ فالاستعمال المشروع للمقارنة على مستوى كتابة التاريخ أصبح متعذرًا وصعب التناول، ومع ذلك نتلمس عند حنة آرندت Arendt Hannah مقولة التوتاليتارية التي تبنَّتْها إلى جانب آخرين، والتي تعطينا

إمكانية مقارنة المحرقة بالستالينية أو بجرائم الأنظمة الشمولية عامة، أي القول بأنّ الغولاغ السوفياتي وأوشفيتز النازي متشابهان. وإننا نجد مثل هذه المقارنة أيضًا بين الجرائم المقترفة من النازيين الألمان وطرد الألمانيين من المناطق الشرقية حتى لدى المؤرخ أندريان هيغلروبر سنة 1986؛ ففي كتابه الإبادة المزدوجة يضع جنبًا إلى جنب آلام الألمان سكان الجزء الشرقي من ألمانيا عند انهيار الجبهة الروسية ومأساة

اليهود عند إبادتهم من دون تبيان التداخل المظلم لسلسلتَي الأحداث، وهي المقارنة التي دفعت هربرت ماركوز Marcuse Herbert سنة

54 من دون شك فإنّ العوامل الشخصية، كان لها تأثير في الأحداث، ولكنّها لم تكن الأسباب الأساسية، ولذلك فإنّ المؤرخ إدوارد كار Carr Edward حين

بحث عن الأسباب التي أدت إلى ثورة تشرين الأول/ أكتوبر عام 1917 في روسيا القيصرية، لم يعط أهمية كبرى للعوامل الشخصية التي فسّ ت الحدث بالغباء الشديد

لنيقولا الثاني II Nicholas آخر قياصرة روسيا، أو بالذكاء السياسي الكبير للي ين Lenin Vladimir، بل إنّه بحث في أعماق المجتمع الروسي عن العوامل الأكثر أهمية وذات

دلالة أكبر من العوامل الشخصية البحتة، انظر: حوار مع إدوارد كار، عن أزمة التاريخ التقليدية، في: روبرت لافون، التاريخ، نادية القباني (مترجم)، رضا إبراهيم (مراجع)،

سلسلة قضايا الساعة (جنيف: شركة ترادكسيم، 1977)، ص 13، 14. 55 ريكور، ص 491. 56 تناولت حنة آرندت في كتابها أصول الكليانية الشكلين الأكثر بروزا للأنظمة التوتاليتارية، وهما النازية الألمانية والستالينية الروسية، وركزت بالخصوص على ملامح

النازية الألمانية، بوصفها النموذج الأرقى للأنظمة الشمولية، وتؤكد الطابع الإجرامي للأنظمة الكليانية من خلاله، وقدرته في الوقت نفسه على نيله تأييد الجماهير، إذ غالبا ما

تسعى الحركات الكليانية إلى تنظيم الجماهير وتنجح في ذلك. انظر: السنوسي، ص 227، 230. 57 ريكور، ص 488، الهامش.

1949 إلى مؤاخذه مارتن هايدغر Heidegger Martin الذي كان قد وضع سنة 1945 الأمور في كفَّة واحدة، بحيث تبدو إبادة اليهود نفسها حدثًا مثل باقي الأحداث، وسواء كنّا أمام إبادة اليهود أو أمام طرد الألمان من المناطق الشرقية، فالأمر سيّان. بدأ السجال بين المفكرين الألمان سنة 1986 حول "أحداث الكارثة" التي صدر بشأنها حكم إدانة على المستوى القضائي والجزائي، في محكمة نورنبيرغ؛ ومن المعلوم أنّ الملاحقة القضائية استندت إلى مبدأ الذنب الفردي وحصل نتيجة ذلك تركيز الانتباه على عدد محدود من

فاعلي التاريخ، وهم أولئك الذين يوجدون في قمة الدولة، لا يستطيع المؤرخ بالطبع أن يقبل مثل هذا الحدّ من النظرة؛ فهو يمد استقصاءه

إلى عدد أكبر من الفاعلين، وإلى المنفّذين في المنطقة الثانية، أولئك الواقفين وراء الأحداث، بل ول م لا أولئك الشهود الذين ظلوا سلبيين كثيرًا

أو قليلً وهم السكان الصامتون والمتواطئون. هناك وضع نزاعي بين المقاربة القضائية والمقاربة التاريخية للأحداث نفسها، فلم تعترف محكمة الجنايات سوى بمشاركين فرديين،

وهذا أمر يختلف عن الاستقصاء التاريخي الذي لم يتوقف عن ربط الشخصيات بالجماهير وبالتيارات وبالقوى المغلقة، وهذا ما شكَّل عُقدة

لعدد من أنصار تيار القصديين، ممّن يخافون أن يصدر المؤرخون حكم تبرئة لمن أدانهم القاضي تحت بصر الشعب الذي سبق له أيضًا وأن

أيّد حكم الإدانة. كما أنّ الخوف من تصاعد صيت من يسمّون بالإنكاريين الذين يشككون في المحرقة يعدّ من بين العوامل المؤثّرة التي

استند عليها يورغن هابرماس وكارل ياسبرس Jaspers Karl وغيرهما، ولعلّ هذا ما جعل التقليد الفكري الألماني يعادي كلّ من اشتُب ه في

كونه يرغب في التغطية على طبيعة النظام النازي؛ فأيّ شبهة مهما كانت بسيطة إلّ وتحولت إلى موضوع نقد صارم. تفردت ألمانيا عن العالم الأوروبي كلّه، لهذه الأسباب وغيرها، في ما يخص علاقتها بماضيها؛ إذ لها مسلكها الخاص المميز Sonderweg، وهو ذلك الانحراف الذي خرجت به هذه الدولة عن الطريق، إذ تفردت به بدءًا من نهاية الحرب العالمية الثانية وإلى غاية

الثمانينيات. وتبدو أهمية هذا المسلك بما يعقده من صلات معقدة بين الذاكرة والسياسة والتاريخ، ويتجلى الأمر بوضوح في صعوبة الاشتغال على الماضي الذي فرضه الحلفاء على المواط ين وبخاصة على المؤرخين الألمانيين الذين يتحملون الشعور الجماعي بالذنب إزاء النازية. تعود جذور فكرة المسلك المتفرد لألمانيا إلى المفكرين المحافظين إبان فترة تأسيس الأمة الألمانية والوطنية الألمانية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، على يد بسمارك Bismarck، ويتعلق الأمر بالتمجيد والإعلاء من قيمة ثقافة الشعب الألماني وروحه، ذلك أن

الصورة التي رسمتها ألمانيا لنفسها بوصفها أمّة مثقفة في مقابل النزعة المنحطّة للأمم الغربية أدّت إلى تنامي النزعة المناهضة للآخرين،

وساهمت في الترويج لفكرة العظمة التاريخية الألمانية وتميّزها، وشجعت على شيوع مقولة "تعالي الهوية الألمانية" وتميزها على مستويين:

يتأسس المستوى الأول على الثقافة والفكر في تناقض مع الحضارة الغربية التي تبنّت فيما بعد القيم المادية، بينما ظلت ألمانيا وفيّة لمثاليتها،

ومن ثمّ كان التصور الخاص بأمة ألمانية، على عكس الأفكار الفرنسية عن المجتمع والمواطنة القائمة على اللغة والثقافة وليس على السياسة

58 بتاريخ 13 أيار/ مايو 1949 أجاب ماركوز عن رسالة كرر فيها هايدغر التأكيدات نفسها، بقوله: "كيف يمكننا أن نضع في المستوى نفسه، من جهة، تعذيب ملايين

الأشخاص وتشويههم وإبادتهم، ومن جهة أخرى الطرد الإجباري لبعض المجموعات من السكان، علما بأنّ الأعمال المشينة التي ذكرت لم تمارس في حقهم، إلّ بعض

الاستثناءات القليلة"، انظر: يورغن هابرماس، هايدغر والنازية، التأويل الفلسفي والالتزام السياسي، عز الدين الخطيب (مترجم)، عبد الكريم غريب (مقدم) (الدار

البيضاء: منشورات عالم التربية، 2005)، ص 17  -  44. 59 ريكور، ص 482. 60 المرجع نفسه، ص 482، 485.

61 Kott, "Sonderweg," p. 1235.

62 يرينا التاريخ أنّ الحجج القائلة بالتفوق الثقافي الألماني كانت قد انصهرت بيسر بالغ مع الحجج المعاصرة الداعية إلى هيمنة الأهداف الجيوستراتيجية لألمانيا في القارة

الأوروبية، وهكذا كما يقول أحد النقاد رأينا، في ما يتعلق بساعة الصفر عام 1933، أنّ أيديولوجيا الأساتذة الألمان لم تكن تفصل بينها وبين الأيديولوجيا الفاشية غير خطوة

قصيرة، انظر: وولين، ص 12.

63 Kott, "Sonderweg," p. 1235.

فحسب؛ بل كان لدى الألمان أسباب كثيرة ليفكروا في الخصائص التي توحّد أمنهم أكبر من فرنسا المركزية. أما المستوى الثاني، فيتجلى

سياسيًا في التمايز بين نموذجين، الألماني المؤسس على "حكومة العقل" حيث انطلق الإصلاح دائمًا من فوق، عكس باقي أوروبا، حيث

ساد "حكم اللاعقلانية" من خلال الإصلاح من تحت. ولعلّ هذا التحليل يجعل حكومة فيمار طريقًا ممهدًا لهتلر، أي الانحراف عن المسار، والخروج عن التقليد الألماني، مما يعني تحميل وزر النازية ليس لجمهورية فيمار فحسب وإنما للحلفاء الذين فرضوها، ولذلك فهي ليست صنيعة خالصة للشعب الألماني. تركَّز اهتمام حُرَّاس قلعة فكرة الفرادة الألمانية على تبرئة الأمة الألمانية من العار الشامل الذي لحقها نتيجة النازية، وجرى تحميل أكثر

الأحداث مأساوية في التاريخ لجمهورية فيمار الهشة التي عدّت غريبة عن التقليد الألماني. وقد وجد المؤرخون والفلاسفة المحافظون في

هذا التأويل تبريرًا ذاتيًا وتنصُّلً من المسؤولية انطلاقًا من التشكيك في الروابط والصلات التي جرى عقدها بين النازية والتقليد الألماني، ذلك

أنّ البحث اتجه إلى تقديم شرح لنجاح النازية في ألمانيا في فترة الحربين بعيدًا عن أسطورة الذاتية. استمرت فكرة المسلك الخاص الألماني فارضة نفسها خلال حقبة الستينيات في الإستوغرافيا الألمانية. لكن ستبدأ تصورات جديدة مختلفة في الظهور مع تغير الأجيال والسياق؛ فقد ظهرت أطروحة فريتز فيشر Fischer Fritz التي خلقت سجالا قويًا بسبب مقاربته النقدية

للتقليد التاريخاني الألماني، إذ أسس لنسق جديد منفتح على رؤى خارجية، وسيقود التوجه النقدي نفسه خلال السبعينيات أنصار تاريخ العلوم الاجتماعية التي انتظمت بالخصوص في جامعة بيلفيد مع أعمال هانز أولريش ويهلر، وهو ما سيفتح الطريق في الثمانينيات، لبروز النقد العميق هذه المرة موضوعًا ومنهجًا على يد المؤرخين الإنكليز من التيار الماركسي الذين بصموا على توجّه جديد في الكتابة التاريخية، تسندهم

في ذلك مجموعة تاريخ الحياة اليومية التي تبنّت مقاربتهم، بحيث فسحت المجال لآراء الفاعلين. في التسعينيات، وبعد توحيد الألمانيتين، وانهيار جدار برلين، ومع تحقق التطبيع الوطني غدت الفرادة أو المسلك الخاص أمرًا متجاوزا

وذكرى؛ إذ استطاع مؤرخو الزمن الحاضر تحرير ألمانيا من عقدة النازية ومن هيمنة التيار المستمر للكارثة التاريخية، فحتى هنريش أوغست وينكلر Winkler August Heinrich المدافع عن هذا المسلك بقوة خلال مرحلة السبعينيات فضَّل الحديث في كتاباته، مطلع الألفية الجديدة، عن الطريق الطويل نحو الغرب الذي قطعته ألمانيا الديمقراطية في مسارها، وهذا الطريق هو الوضع الطبيعي الذي عادت إليه ألمانيا، بعد نرجسية غير عادية، جرى فيها تصالح ألمانيا مع ذاتها، وهو الأمر الذي انتهى إلى نزع عباءة القومية المفرطة عن المذهب التاريخي

64 على سبيل المثال، نشر جوتفريد غون هردر Herder Gottfried Johann في القرن 18، كتابًا بعنوان فلسفة أخرى للتاريخ، وقد نادى بأسبقية العواطف واللغة وعرَّف

المجتمع بأنّه طائفة عميقة الجذور وأسطورية. لقد دفع بأنّ كلّ شعب Volk لديه قيمه وطقوسه ولغته وروحه الخاصة. إنّ مفهوم هردر عن الشعب تمّ تشذيبه وتسييسه

بمساعدة فلاسفة لاحقين بمن فيهم، فيتشه وشيلنج، بحيث تحوّل على أيديهم إلى أداة للحركات القومية الناهضة التي انتشرت في أوروبا في أعقاب حروب نابليون، غير أن

المفهوم نفسه دخل الوسط الأكاديمي في القرن العشرين بوصفه مذهبًا للنسبية الثقافية، انظر: توماس هيلاند إريكسن، فين سيفرت نيلسن، تاريخ الأنتربولوجيا، عبده

الريس (مترجم ومقدم) (القاهرة: المركز القومي للترجمة، العدد 2152، 2014)، ص 33.

65 Kott, "Sonderweg," p. 1236.

66 رأى هابرماس أنّ الوطنية الألمانية كانت حطامًا سقط رغم أنف التيارات الكبرى للقرن لأنّها من دون جذور، غريبة عن التقليد الألماني ومستمدة من الخارج، انظر:

هابرماس، ص 51، 52. 67 نلاحظ في أعمال برشت المسرحية ما يحيل ضمنًا إلى أنّ الأيديولوجيا النازية العنصرية تكتيك متنوع للتعمية والتضليل من خلال تغييب الحقيقة التي مؤداها أن

أغلب الصراعات المهمة في المجتمع لم تكن بين الأعراق وإنما بين المستغلين، انظر: خالد أمين، ما بعد برشت، عبد المنعم الشنتوف (مترجم)، المؤلف (مراجع ومقدم)، سلسلة

دراسات الفرجة، ط 2 (طنجة، المغرب: منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة- الطوبريس للطباعة والنشر، 2008)، ص 55.

68 Kott, "Sonderweg," p. 1236.

69 وولين، ص 43.

70 Kott, "Sonderweg," p. 1238. 71 Ibid., p. 1239.

والكتابة التاريخية الألمانية الموغلة في حُمَّى التاريخانية. كما أنّ الثقافة التقليدية المتجذ رة في أعماق التراث والتقاليد الألمانية الاستعلائية

التي لم تكن محايدة أبدا، غدت بدورها محلّ نقد وتهجّم داخلي قويّ.

خاتمة

لقد استطاع المؤرخون الشبان الألمان المتأثرون بالتغيرات التي عرفتها الكتابة التاريخية في الخارج، التخلّص نهائيًا من المسلك المتفرد

في الكتابة التاريخية الذي كبَّل المرحلة السابقة، ويأتي على رأس هؤلاء تيار الحياة اليومية الذي تبنَّى التقليد المغاير للتيار المحافظ. يسعى الباحثون الجدد في ألمانيا اليوم إلى فصل التاريخ عن الذاكرة في النقاشات اليوم؛ فطريقة اشتغال هذه الأخيرة تشبه بطريقة أو

بأخرى طريقة اشتغال المجمِّد بحسب تعبير الروائية الإيطالية سوزانا تامارو Tamaro Susanna. فما الذي يحدث لمّا نقوم بانتزاع ما بداخل

المجمد من طعام مكث بداخله مدة طويلة؟ إنّه يبدأ تدريجيًا في استعادة شكله ولونه، ويملأ المطبخ برائحته. هكذا تقبع الذكريات الحزينة

لمدة طويلة في أحد الكهوف العديدة للذاكرة، سنوات بل عشرات السنوات بأكملها، ثم يحدث يومًا ما أن تعود إلى السطح ويعود من جديد

الألم الذي عانته في يوم من الأيام. وهذا ما يعرفه التاريخ الحاضر بألمانيا، إنّه الخلط الذي يعيق بشكل أو بآخر تقدّم البحوث والدراسات.

كما يتمّ التذرّع بفكرة عدم انقضاء الوقت الكافي على وقوع الأحداث، بما أنّ الوقائع الكبيرة لها ذيول ليست في الحسبان، وهذه الحجة لا

تُقْنع أحدًا اليوم وبالخصوص المؤرّخين. إنّ تاريخ الحياة اليومية هو أحد الاتجاهات الحديثة في التاريخ الاجتماعي والثقافي الألماني، بل هو الحقل الأكثر إثارة بوصفه أحد

أهم ردود الأفعال القوية التي استجابت للنقاشات تجاه أزمة الشك التي عرفها معنى التاريخ في مرحلة السبعينيات والثمانينيات من القرن

العشرين في ألمانيا، فقد أعاد الحيوية والنشاط إلى البحث التاريخي. وبوصفه مشروعًا استهدف استرجاع معظم التفاصيل الغامضة من الحياة

اليومية للجماهير في الفترة النازية، فقد اكتسب شعبية كبيرة بسبب ذلك، كما أولى اهتماما خاصًا بقضايا مرتبطة بها. وعلى سبيل المثال،

جرى تناول العلاقات التي كانت قائمة بين الطبقة العاملة الألمانية النازية بالدراسة والتحليل، والعلاقات التي كانت قائمة خلال مرحلة

الثلاثينيات من القرن العشرين بين الفلاحين البافارييين الذين كانوا يتعاملون مع تجار المواشي من اليهود على الرغم من المساعي التي بذلها

النظام النازي لوقف هذه المعاملات. وعلى الرغم من الزخم الذي راكمته هذه التجربة، وبالخصوص ما يتعلق بخلق نقاشات حول مواضيع تنتمي لتاريخ الزمن الراهن،

فإنّها لم تسلم من انتقادات قوية وجّهها مؤرخون جامعيون بوصفها تيارا مشوشا، مما حتّم على مريدي هذا التيار الجديد وزعمائه تقديم

شروحات أكثر دقة لتوجهاتهم الفكرية والمنهجية؛ فصدرت مقالات وكتابات توضيحية لمؤرخين منخرطين في ورشات تاريخ الحياة اليومية،

دخلوا في مواجهات منذ أواسط الثمانينيات مع كثير من المؤرخين المهيم ين على الجامعة وبنيات البحث التاريخي في الجامعات الألمانية.

72 Ibid., p. 1240.

73 سوزانا تامارو، اذهب حيث يقودك قلبك، أماني فوزي حبشي (مترجم)، إبداعات عالمية (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، فبراير 2014)، العدد

399، ص 116، وهي رواية تطرح فيها الكاتبة الإيطالية عن طريق رسائل تكتبها على لسان مسنة إلى حفيدتها التي سافرت للدراسة في أميركا، أحداثًا من حياتها وحياة

المجتمع الذي عاشت في فترة من فترات تطوره، ومن بينها بعض أحداث الفترة الفاشية. 74 خالد طحطح، البيوغرافيا والتاريخ (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2014)، ص 66، 67.

75 Kott, "Alltagsgeschichte , " p. 26.

المراجع

العربية

أيزينك، هانر. تدهور إمبراطورية فرويد وسقوطها، عادل نجيب بشرى (مترجم)، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2013.

العربية للترجمة ومركز دراسات الوحدة العربية، 2007. بروديل، فرناند. ديناميكية الرأسمالية، بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2008. بوميان، كريستوف. نظام الزمان، بدر الدين عرودكي (مترجم)، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009.

والآداب، العدد 399، شباط/ فبراير 2014. التيمومي، الهادي. المدارس التاريخية الحديثة، صفاقس: دار محمد علي، 2013. دوستويفسكي، فيودور. الإخوة كارامازوف، سامي الدروبي (مترجم)، بيروت: المركز الثقافي العربي، 2010.

ومنسق)، محمد شوقي الزين (مقدم)، بيروت: الرابطة العربية الأكاديمية للفلسفة ودار الفارابي، 2013. طحطح، خالد. البيوغرافيا والتاريخ، الدار البيضاء: دار توبقال، 2014. غادامير، هانز جورج. التلمذة الفلسفية، سيرة ذاتية، حسن ناظم (مترجم)، بيروت: الكتاب الجديد، 2013. غيرتز، كليفورد. تأويل الثقافات، محمد بدوي (مترجم)، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009.

العربية، 2012. فرويد، سيغموند. علم نفس الجماهير، جورج طرابيشي (مترجم)، بيروت: دار الطليعة، 2006. __________. التحليل النفسي والفن، سمير كرم (مترجم ومحقق)، ط 4، بيروت: دار الطليعة، 2004.

(مقدم)، الرباط: جامعة محمد الخامس، 2008.

References

آرندت، حنة و مارتن هايدغر. رسائل حنة آرندت ومارتن هايدغر 1925  -  75 19، حميد لشهب (معرب)، بيروت: جداول، 2014. إريكسن توماس هيلاند ونيلسن، فين سيفرت. تاريخ الأنتربولوجيا، عبده الريس (مترجم)، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2014.

التاريخ الجديد، جاك لوغوف (مشرف)، محمد الطاهر المنصوري (مترجم ومقدم)، عبد الحميد هنية (مراجع)، بيروت: المنظمة

تامارو، سوزانا. اذهب حيث يقودك قلبك، أماني فوزي حبشي (مترجمة)، الكويت: إبداعات عالمية، المجلس الوطني للثقافة والفنون

ريكور، بول. الذاكرة، التاريخ، النسيان، جورج زيناتي (مترجم ومعلق ومقدم)، بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2009. السنوسي، نادرة. الفعل السياسي بوصفه ثورة، دراسات في جدل السلطة والعنف عند حنة آرندت، علي عبود المحمداوي (مشرف

هارتوغ، فرانسوا. تدابير التاريخانية، الحاضرية وتجارب الزمن، بدر الدين عردوكي (مترجم)، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2010. فرنان، جيان بيار. الأسطورة والفكر عند اليونان، دراسات في علم النفس التاريخي، جورج رزق (مترجم)، بيروت: المنظمة

كالفينو، إيطالو. في الكتابة الأدبية، ستة مقترحات للألفية الثالثة، محمد مخطاري (مترجم)، محمد الوهابي (مراجع)، سعيد يقطين

ليفي، جيوفاني. نظرات جديدة على الكتابة التاريخية 2، قاسم عبده قاسم (مترجم ومقدم)، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2010. هابرماس، يورغن. هايدغر والنازية، التأويل الفلسفي والالتزام السياسي، عز الدين الخطيب (مترجم)، عبد الكريم غريب (مقدم)، الدار البيضاء: منشورات عالم التربية، 2005. وولين، ريتشارد. مقولات النقد الثقافي: مدرسة فرانكفورت، الوجودية، ما بعد البنيوية، محمد عناني (مترجم)، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2016.

الأجنبية

• Dosse, François. Histoire et Psychanalyse , Historiographies. 1.concepts et débats , Sous la direction de C. Delacroix, F. Dosse, P. Garcia. Nicolas Offenstadt, Folio histoire, Paris: éditions Gallimard,  2010. • _____________. l'histoire ou le temps réfléchi , Collection dirigée par Jean-Michel Besnier, Paris: Hatier, 1999. • ­_____________. Le Pari biographique. Écrire une vie , Paris: La découverte, 2005. • Kott, Sandrine. " Alltagsgeschichte ", Historiographies. I. Concepts et débats, Sous la direction de Christian Delacroix et al., Paris: éditions Gallimard,  2010. • ___________. " Sonderweg " Historiographies. II. Concepts et débats Sous la direction de Christian Delacroix et al., Paris: éditions Gallimard,  2010. • Lüsebrink, Hans-Jürgen. Histoire conceptuelle (Begriffsgeschichte), Historiographies. I. Concepts et débats , Sous la direction de C. Delacroix, F. Dosse, P. Garcia, Nicolas Offenstadt, Paris: Folio histoire éditions Gallimard,  2010. • Vitkine, Antoine. Mein Kampf histoire d'un livre , Paris: Flammarion, 2009.