العودة إلى تفاصيل المؤلَّف معاهدة السلام بين إيالة الجزائر ومملكة السويد عام 1729

معاهدة السلام بين إيالة الجزائر ومملكة السويد عام 1729

The 1729 Peace Treaty between the Eyalet of Algiers and the Kingdom of Sweden

عبد الهادي رجائي سالمي

الملخّص

يسلط هذا البحث الضوء على معاهدة السلام والتجارة التي عقدت بين الجزائر والسويد في عام 1729، والتي تعد أول معاهدة بين مملكة السويد ودولة من العالم الإسلامي. ويناقش البحث الأوضاع والحيثيات في المفاوضات والإجراءات التي حرصت السويد على اتباعها من أجل إنجاح عملية التفاوض، وكيف تم الاتفاق على عقد السلم بين البلدين، وبخاصة إذا علمنا أن الجزائر والسويد لم تكونا في حرب معلنة بالمفهوم المعاصر، ولكنها أحوال العصر التي أجبرت الطرفين كليهما على التخندق في أحد جانبي الصراع الدائر آنذاك بين العالم الإسلامي ونظيره المسيحي. يحاول هذا البحث أن يثبت عكس ما هو معروف من أن أول علاقة رسمية بين الجزائر ومملكة السويد تعود إلى بداية ستينيات القرن العشرين.

Abstract

* طالب دكتوراه في قسم التاريخ، جامعة الجزائر وباحث في معهد دراسات الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، جامعة مرمرة، تركيا. PhD Candidate at Department of History-University of Algiers and researcher at the Institute of Middle East and Islamic World Studies at Marmara University, Turkey.

الكلمات المفتاحية:
  • الجزائر
  • مملكة السويد
  • معاهدة السلام
  • الدولة العثمانية
  • جورج لوجي
Keywords:
  • Sweden
  • Peace agreements
  • The Ottoman Empire
  • George Lugi
*Abdelhadi Radjai Salmi عبد الهادي رجائي سالمي|
عبد الهادي رجائي سالميAbdelhadi Radjai Salmi |
j
ي|م
ي رج ئي
ب
يسلط هذا البحث الضوء عى معاهدة الس 1729، والتي تعد أول م والتجارة التي عقدت بن الجزائر والسويد في عام
معاهدة بن مملكة السويد ودولة من العالم الإس مااي. ويناقش البحث الأوضاع والحيثيات في المفاوضات والإجراءات
التي حرصت السويد عى اتباعها من أجل إنجاح عملية التفاوض، وكيف تم الاتفاق عى عقد السلم بن البلدين، وبخاصة
إذا علمنا أن الجزائر والسويد لم تكونا في حرب معلنة بالمفهوم المعاصر، ولكنها أحوال العصر التي أجبرت الطرفن
عى التخندق في أحد جانبي الصراع الدائر آنذاك بن العالم الإس مااي ونظره المسيحي. يحاول هذا البحث أن
كليه
يثبت عكس ما هو معروف من أن أول علاقة رسمية بن الجزائر ومملكة السويد تعود إلى بداية ستينيات القرن العرين.
كلمت مفتاحية: الجزائر، مملكة السويد، معاهدة السلام، الدولة العثمنية، جورج لوجي.
This paper explores the “Treaty of Peace and Commerce” which was joined by the Eyalet of Algiers and the
Kingdom of Sweden in 1729. The author details the day-to-day negotiations which built up to the final accord (the
first of its kind between Sweden and a state in the Islamic world) as well as the measures which the Swedes took
to ensure that the agreement was a success. Of particular note is that the Treaty did not come at the end of what
could be understood, in today’s terms, to be a war. Breaking with the dominant tradition which dates Sweden-
Algeria relations to the post-independence era, this paper roots these ties firmly in the 17 th Century, at the first
attempts of Sweden to pay ransom for its sailors held captive in Algerian jails.
Keywords: Sweden, Peace agreements, the Ottoman Empire, George Lugi.
معاهدة السلام بن إيالة الجزائر ومملكة السويد عام 1729
The 1729 Peace Treaty between the Eyalet of Algiers and the
Kingdom of Sweden
j
ي|م
ي رج ئي
ب

مقدمة

اتجهت أغلب الدراسات التاريخية في الجزائر إلى البحث في مجموع الأفعال وردّات الأفعال التي تمّت بين إيالة الجزائر العثمانية والكيانات الأوروبية المتوسطية، في ما يُعرف ب "العلاقات" أو "الروابط"، وتجنّبت هذه الدراسات – لسبب أو لآخر - الخوض في العلاقات التي كانت قائمة بين محروسة الجزائر والدول الأوروبية الشمالية، ولا سيّما الإسكندنافية منها. ربما يرجع هذا القصور في الدراسات إلى تأخر الاتصال الرسمي بين هذه الدول والدول المغاربية، مقارنة بالعلاقات بالدول المتوسطية التي وُجدت منذ أقدم الأزمنة، فأوّل معاهدة جمعت دولة إسكندنافية وإيالة مغاربية كانت في عام 1729 عندما اتفقت الجزائر والسويد على ترسيخ سلم وصداقة ثابتين؛ يضمن للجزائر مردودًا قارًّا من الإتاوات ومعدّات الإنشاءات البحرية، ويسمح للثانية بعبور سفنها التجارية الآمن؛ ليس إلى المتوسط فقط، بل إلى الموانئ الآسيوية، كذلك، مرورًا بالأطلسي.

تاريخ العلاقات الجزائرية - السويدية

صحيح أن العلاقات الرسمية بين مملكة السويد والجزائر بدأت في النصف الأول من القرن الثامن عشر، إلا أن بوادر رغبة المسؤولين السويديين في الاتصال بهذه الإيالة ظهرت في النصف الثاني من القرن السابع عشر، وتمثل ذلك بمشروع غرفة التجارة السويدية في جمع تبرعات مالية في 16681، من أجل تحرير الأسرى السويديين في الجزائر، والبدء في مفاوضات مع "ديوان الجزائر". وقد كلفت غرفة التجارة المفاوض اليهودي أزويدا المقيم في أمستردام، والسويدي إيوساندر بالقيام بهذه المهمة، غير أن الحظ لم يسعفهما فور انطلاقهما؛ فقد ألغيت الرحلة بسبب عرقلة الجليد لسفينتهما؛ ما منعهما من مواصلة الإبحار، إضافة إلى بعض العوامل السياسية التي ساهمت في فشل البعثة. لذا، حةُضّ لرحلة أخرى في السنة التالي (1669)، ولكنها هذه المرة كانت بقيادة يونس باركمان، غير أنها فشلت كذلك بسبب معارضة بعض أصحاب النفوذ من السياسيين الذين احتجّوا بأن سلمًا مع الجزائر يمكن أن يسبب امتعاضًا في هولندا وإنكلترا2. لهذا، وتبعًا لولاء السويد للقوى الأوروبية الكبرى؛ تأجّل مشروع توقيع معاهدة تربط السويد بالجزائر إلى عشرينيات القرن الثامن عشر. وعلى الرغم من هذه الانتكاسات، فإنّ السويديين لم يتوانوا عن طَرْق باب الجزائر، فبادر هذه المرة قنصل السويد في ليفورنه السّيد بول لوخنر، بتقديم عرض لغرفة التجارة السويدية بتمثيلها في مفاوضات محتملة مع الإيالات المغاربية حول قضايا الأسرى والسفن المحتجزة. وبالفعل، وافقت الغرفة على ذلك، وسرعان ما شرع القنصل في 1722 في محادثات سلام مع البلدان المغاربية، وبخاصة الجزائر "بصفتها أقوى هذه الدول"3، وبعد أربع سنوات من ذلك، أي في 1726، أرسل القنصل رسالة إلى السلطات السويدية يشير فيها إلى أن الإيالات بدأت تُظهر نوعًا من التجاوب. لكن هذه المفاوضات فشلت نتيجة سيرها البطيء الذي لم يرْقَ إلى توقعات ستوكهولم، كما أن القادة المغاربيين اشترطوا اتفاقية تكون محصورة بسنوات محدّدة، وعدد معين من السفن السويدية المسموح لها بدخول المتوسط، أضف إلى ذلك فقدان القنصل لوخنر أهليّته ومصداقيّته، بعد أن اكتُشف أنه كان يختلس أموالً من الصندوق المخصّص لفدية الأسرى

  1. Leos Müller, Consuls, Corsairs, AND Commerce: The Swedish Consular Service and Long-distance Shipping 1720  -  1815 , Studia Historica Upsaliensia (Uppsala: Uppsala University, 2004), p. 56.
  2. Joachim Östlund, “Swedes in Barbary Captivity: The Political Culture of Human Security, CIRCA 1660  -  1760 ,” Historical Social Research , vol. 35 , no. 134 (2010), p. 153.
  3. Ali Tablit, North African states 1757 Manuscript (Algiers: Thala Editions, 2008), p. 37.

السويديين، فما كان من السلطات السويدية إلا أن سحبت الثقة منه، وكلّفت المدعو جورج لوجي بقيادة المفاوضات قبل أن يُعفى لوخنر من خدماته كقنصل في كانون الثاني/ يناير 17274.

سعي السويد لعقد معاهدة مع الجزائر

قبل أن نشرع في الحديث عن المعاهدة السويدية الجزائرية والمفاوضات الأخيرة التي سبقتها، نظن أنّه من اللّئق أن نبحث في الأسباب التي دفعت السويد إلى التفكير في هذه الخطوة. فقد أقرّ الدّستور السويدي لسنة 1720 قرارين مهميّن لتنظيم التجارة البحرية؛ أوّلهما قانون الملاحة السويدي، وثانيهما تأسيس مكتب المواكبة في 1724 لتنظيم عملية إبحار السفن السويدية في مواكب5، وهو الإجراء الذي اعتمدته السويد في إبحارها في المتوسط منذ أواخر القرن السابع عشر6. فإضافة إلى تنظيم المواكب المتجهة جنوب رأس فانستير7، كان واجبًا على المكتب أن يهتم بفدية الأسرى السويديين في شمال أفريقيا، وأن يُموّل مفاوضات السلام مع الإيالات المغاربية8، وبخاصة بعد المعاهدة الهولندية الجزائرية في 1726. فقبل هذه المعاهدة، كانت السفن الهولندية والسويدية المتجهة إلى المياه الدافئة تنتظم في قوافل متّحدة لتتعاون على التصدّي لهجمات القراصنة9، لكن بنود المعاهدة مَنعت هولندا من حماية سفن دول أخرى غير سفنها، فتُكت بذلك المراكب التجارية السويدية لتواجه مصيرها وحدها في المتوسط. لهذا رأت السلطات في ستوكهولم أنّ الوقت قد حان لتأسيس علاقات رسمية بدول شمال أفريقيا بدءًا بالجزائر، لحماية تجارتها ولتقليص التكاليف الباهظة لعمليتي المواكبة البحرية وفدية الأسرى10، فالقراصنة الجزائريون والمغاربة لم يهددوا الأمن القومي للسويد، بل هدّدوا أمنها الاقتصادي11. بفقدان لوخنر ثقة السلطات السويدية وتعيين لوجي مكانه، تدخل المفاوضات مرحلتها الأخيرة التي سينتج منها توقيع معاهدة الصلح. أمّا جورج لوجي، فهو تاجر أسكتلندي كان يقيم في ستوكهولم، يمتاز بمعرفة جيّدة بشؤون المتوسط12. فقد وُلد جورج لوجي في أسكتلندا، وعندما اشتد عوده، أصبح ربانًا لسفينة صغيرة، عمل بواسطتها في تجارة التهريب مع الإيالات المغاربية، مُزوّدًا إيّاها بالمعدّات الحربية والمواد اللازمة لصناعة السفن، واستمر على هذا الحال مدة من الزّمن، حتى قُبض عليه في هولندا وزُجّ به في السجن بتهمة التجارة بمواد حربية من دون رُخصة. بعد ذلك استطاع أن يتّصل بالسفير السويدي في هولندا عارضًا عليه خدماته، فتمكن السفير

  1. Müller, Consuls, Corsairs, AND Commerce, p. 119.
  2. Östlund, p. 155.
  3. Leos Müller, “Swedish shipping in southern Europe and peace treaties with North African States; an Economic security of perspective,” Historical Social Research , vol. 35 , no. 134 (2010), p. 193.
  4. رأس فانستير هو أقصى نقطة في شمال غرب إسبانيا، بالإسبانية Fenestere التي تعني نهاية الأرض.
  5. Müller, Consuls, Corsairs, AND Commerce, p. 68.
  6. يجدر بنا هنا التفريق بين مفهوم القرصنة المتعارف عليه في المشرق العربي الذي يعني Piracy أي لصوصية البحر، والقرصنة بمفهومها الصحيح والمتعارف عليه في المغرب العربي وأوروبا، أي Course للمهنة، و Corsaires أو Privateers للذين يمتهنونها. فالقرصنة عمل شرعي وقانوني مرخص ومنظَّر له من طرف الدولة، يمكن وصفها بحرب اقتصادية ضد العدو من أجل استنزاف ثرواته وقطع التموين عنه، ولأن هؤلاء القراصنة لا يتلقون تموينًا من الدولة، فقد أعطي لهم الحق في اغتنام كل ما يجدونه في سفينة العدو. أمّا لصوص البحر فهم الذين يهجمون على كل ما يجدونه في طريقهم من دون تمييز، ومن دون الاعتراف بأي سلطة فوقهم. ومع الأسف؛ فإن مدرسة التاريخ المشرقية ما زالت حتى الآن لا تفرّق بين المفهومين، بل تجمعهما كليهما في مصطلح واحد؛ هو القرصنة. للاستزادة حول الموضوع، انظر: عبد الهادي رجائي سالمي، "العلاقات الجزائرية الإسكندنافية في الفترة العثمانية 1142  -  1206 ه/ 1729  -  1792 م"، رسالة ماجستير، جامعة الجزائر، 2014  -  2015، ص 32  -  38.
  7. Müller, “Swedish shipping in southern Europe,” p. 194.
  8. Ibid., p. 201.
  9. Müller, Consuls Corsairs and Commerce , p. 58.

من إطلاق سراحه ثم إرساله إلى ستوكهولم بصفته قادرًا على توقيع معاهدات مع إيالات المغرب العربي، وهناك حصل على الجنسية السويدية وأُرسل إلى المنطقة المغاربية للبدء في المفاوضات13. وهنا يجدر بنا طرح السؤال التالي: متى تمّ حرمان لوخنر الثقة به في قيادة المحادثات والتعويض عنه بلوجي؟ لا نعرف ذلك بالتحديد، لكنّنا نقدّر أنّ الأمر كان أواخر 1726، أي قبل أن يُعفى لوخنر من خدماته في كانون الثاني/ يناير 1727. وفورَ تعيينه؛ استقر لوجي في ليفورنه ليتّخذها مُنطلقًا لمفاوضاته. كما أرسلت السلطات السويدية أمير البحر جونفون أوتفال في تشرين الأول/ أكتوبر 1727 سفيرًا كامل الصلاحيات ليمكث في مرسيليا14، من أجل الإشراف على المفاوضات، ولينتظر الضوء الأخضر من لوجي كي يُبحر إلى الجزائر لتوقيع المعاهدة، وقد أمُِر أوامرَ صارمةً بإخفاء نيّاته قدر الإمكان عن القوى الأوروبية الأخرى15؛ لكي لا تحاول عرقلة المفاوضات. فمهادنة الجزائر لدولة جديدة؛ تعني أنها ستحاول قطع علاقاتها بدولة أخرى16، أو تركيز حملاتها على الدول التي تُعَدُّ دائمًا عدوّة، كإسبانيا والإمارات الإيطالية ومالطة، فلا يمكن للجزائر أن تهادن جميع الدول في الوقت نفسه لأن ذلك يضرّ مصالحها وينقص موارد القرصنة17. ولكي تعقد دولة أوروبية معاهدات مع دول شمال أفريقيا، كان عليها اتباع إجراءات وخطوات للوصول إلى ذلك، لتغدو هذه الخطوات، فيما بعد، الأساس في أي محاولة للتواصل مع الإيالات المغاربية في القرن الثامن عشر. ويمكن أن نلخص هذه الإجراءات كالتالي: توقيع معاهدة مع الباب العالي أو، على الأقل، وضع بنود فيها تخص الإيالات المغاربية لكي تساعدها على الضغط على هذه الإيالات، وقد أقدمت السويد على مثل هذه الخطوة مع بداية القرن الثامن عشر عندما تحالفت مع الدولة العثمانية ضد روسيا، ساهم هذا الحلف - إضافة إلى الروابط الاقتصادية - في دفع الجزائر، ثم باقي الإيالات من بعدها إلى قبول علاقات سلمية بالسويد18. فحسب دافيد

  1. Tablit, North African states, p. 21.
  2. تأسّست القنصلية السويدية في مارسيليا عام 1731، أي بعد 3 سنوات من توقيع السلم مع الجزائر، وكان الهدف منها بناء تجارة مع المشرق، وتثبيت معاهدات سلم مع الإيالات المغاربية المتبقية، بعد أن أدّت دور القاعدة في المفاوضات السابقة مع الجزائر، انظر: Müller, Consuls Corsairs and Commerce , pp. 115  -  116.
  3. Ibid., p. 58.
  4. بعد توقيع هامبورغ معاهدة سلام مع الجزائر عام 1751، راسل القنصل الدانماركي هاميكان غرفة التجارة والاقتصاد الدانماركية؛ يطلب منها أن ترسل على عجل بعض الهدايا من مجوهرات وساعات ذهبية وأغطية، لتوزيعها على الداي والمقربين منه وريّاس البحر للحفاظ على صداقتهم، ولتوجيه أنظارهم إلى دولة أخرى إذا قرّروا أن يقطعوا علاقتهم بدولة ما، انظر: N.A.R.C.D, kommercekollegiet tyske sekretariet, Box 367 , doc 24 , février 1751. ويقول الداي حسن باشا مخاطبًا الديوان عام 1795 مُدافعًا عن رأيه في ضرورة عقد سلم مع الولايات المتحدة: إنّ الأجهزة البحرية والعتاد الحربي الذي ستتلقاه الإيالة من الولايات المتحدة سيضمن استقلالها التام عن الدول الشمالية (الدانمارك والسويد وهولندا) في ما يتعلق بهذه الأمور، وبناء عليه؛ لن يكون هناك دافع للإبقاء على علاقات السلام مدّة أطول مما تقضيه خدمة مصاح الإيالة، وحينئذ يمكن إعلان الحرب على هذه الدول على التوالي، انظر: جيمس لندر كاثكارت، مذكرات قنصل أميركا في المغرب، ترجمة إسماعيل العربي (الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 1982)، ص 193.
  5. طلبت النمسا في الأوّل من تشرين الأول/ أكتوبر 1748 بوساطة عثمانية عقد السلم مع الجزائر لها ولدوق توسكانيا والمدن الهانزية (لوبيك، بريمن، هامبورغ وروستوك). وبعد مداولات؛ أجاب الديوان بأنه لا يستطيع إقامة سلم مع كل هذه القوى في الوقت نفسه، وأنّ الجنود لن يقبلوا باتفاقية كهذه تضُرّ بالبلد، ووافقوا على مهادنة النمسا وتوسكانيا فقط، انظر: N.A.R.C.D, kommercekollegiet tyske sekretariet, Box 367 , doc 8 , octobre 1748.
  6. وقعت بين أيدينا رسالتان من السلطات العثمانية عن ضرورة التزام الجزائر الاتفاقات كلها مع السويد. الرسالة الأولى من الصدر الأعظم عبد الله باشا إلى داي الجزائر بتاريخ 21 نيسان/ أبريل 1742، والثانية من الصدر الأعظم حسن باشا موجهة إلى الداي إبراهيم باشا بتاريخ 18 أيار/ مايو 1746. ونجد في هاتين الرسالتين معلومة مهمة، وهي أنّ الشيء الأكثر أهمية من الروابط الاقتصادية والتجارية التي تجمع الباب العالي بالسويد؛ هو رابطة الصداقة الخاصة والتحالف بين الدولتين، انظر: N.A.R.S.S, Diplomatica Algerica, vol. 15 , doc 21 , Avril 1742 ; N.A.R.S.S, Diplomatica Algerica, vol. 15 , doc 18 , Mai 1746.

أنكارلو أمين سرّ القنصلية السويدية في الجزائر بين 1801 – 1810، "كانت ضمانة الباب العالي على الجزائر السبب الرئيس في علاقاتنا الحسنة بهذه الإيالة"19. هذه العلاقة الحسنة قرّبت كثيرًا بين الجزائريين والسويديين حتى "أصبحوا يتعانقون في الشوارع كالإخوة"20، كما جعلت هذه الروابط الحسنة الداي حسين يختار السويد دون غيرها من الدول عام 1826 لإقامة شراكة معها لافتتاح مسبكة للحديد، ويطلب من القنصل السويدي أن يبحث عمّن هو أجدر بإدارة هذا المشروع21. قامت هولندا بالشيء نفسه بعدما طلبت وساطة الباب العالي في 1726 الذي بدوره أرسل المبعوث الهولندي إلى الجزائر كابيجي باشي22 ليحث الجزائريين على الموافقة على السلم23، وهو ما ستقوم به الدانمارك أيضًا في 1757، فتعقد معاهدة تجارة مع إسطنبول لتفرض على الإيالات المغاربية التزام المعاهدات الدولية التي تجمعها بهم، واحترامها. كما اقتضت معاهدة باساروفيتز، في 21 تموز/ يوليو 1718، بين الأستانة والبندقية بنودًا حول الإيالات الشمال - أفريقية24، لكنّ السلطان العثماني اعتذر عن التوسّط لدى أوجاق الغرب لمصلحة البندقية، فما كان من البندقية إلّ أن شرعت في محاولات مباشرة للتفاوض مع الدول المغاربية25. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الجزائر، في علاقاتها بالدولة العثمانية أو بالدول الأوروبية، كانت تتصرف من منطلق مصلحتها الخاصة؛ فديوان الجزائر لا يهادن كل القوى الأوروبية في الوقت نفسه26، كما أنه لا يعقد علاقات سلمية بدولة أخرى إلا بما يوافق مصلحة الجزائر الخاصة، حتى لو كان ذلك على حساب مصلحة الدولة العثمانية أو أوامرها. وكثيرًا ما كانت الأوضاع الداخلية التي تعيشها الجزائر العاملَ الذي يحدّد أسلوب تعامل الجزائريين مع مبعوثي السلطان العثماني، فمثلً؛ إذا صادف قدوم المبعوث زمنًا تكون فيه القرصنة مهملة أو مداخيلها منخفضة، يُستقبل المبعوث بطريقة رسمية، يُعبّ له أثناءها بسخرية أنه إذا تكرم السلطان بالتكفل بدفع أجور العساكر فسيُستجاب لطلباته المتمثلة بعقد السلام مع دولة ما، وبذلك تنسحب البعثة من دون أن تحقق أي شيء ملموس. أما إذا صادف قدوم المبعوث العثماني زمن كوارث كالطاعون أو المجاعة أو هزائم برية أو بحرية، فإن الاستقبال يتّسم أغلب الأحيان بالشراسة، بل إن سفينة المبعوث السلطاني نفسها تكون معرضة للقصف من طرف مدفعية المدينة إذا ما اقتربت من أسوارها، وبذلك لا يبقى للبعثة إلا الإبحار مبتعدةً من الجزائر. وقد تكررت هذه التصرفات مرات عديدة من دون أن يُعاقب عليها الجزائريون27. دراسة المعاهدات المنعقدة سابقًا بين الإيالات المغاربية والقوى الأوروبية لمعرفة ما يمكن التفاوض عليه وما يُفترض دفعه للحكام. وعلى هذا الأساس، نجد في الوثائق المتعلقة بالجزائر في الأرشيف السويدي وثيقة تتحدث عمّا يجب أن يأخذه القنصل معه من هدايا عند إبرام المعاهدة، تبعًا لمعلومات مستقاة من معاهدات الدول السابقة28. وقد قامت البندقية بأمر مشابه في 1719، عندما أرسلت

  1. Östlund, p. 156.
  2. مولود قاسم نايت بلقاسم، شخصية الجزائر الدولية وهيبتها العالمية قبل سنة 1830، ج 1 (الجزائر: دار الأمة، 2012)، ص  111.
  3. Torbjorn Odegaard, Une Paix et Amitié perpétuelles: Sur le traité de paix entre le Royaume de Danemark-Norvège et la Régence d'Alger, 1746 (Uppsala: Scandinavian Institute for North African Studies, 2013), p. 23.
  4. كابيجي باشي kapıcıbaşı أو رئيس البوابين، هو المكلف بالعلاقات الخارجية من قبل السلطان العثماني. انظر: سهيل صابان، المعجم الموسوعي للمصطلحات التاريخية العثمانية (الرياض: مطبوعات مكتبة الملك فهد الوطنية، 1421 ه/ 2000)، ص 171.
  5. H.D. De Grammont, Histoire d'Alger sous la domination Turque 1515  -  1830 (Paris: ERNEST LEROUX Editeur, 1887), p. 281.
  6. وليم سبنسر، الجزائر في عهد رياس البحر، تعريب وتقديم عبد القادر زبادية (الجزائر: دار القصبة، 2006)، ص 175 – 174.
  7. A. Sagerdoti, “Venise et les regencies d'Alger, Tunis et Tripoli (1699  -  1760),” Mlle M. Despois (trad.), Reveu Africaine , no. 101 (1957), p. 291.
  8. Daniel Panzac, Barbary Corsairs , Victoria Hobson (trans.) (Lieden-Boston: Brill Publishing, 2005), p. 40.
  9. De Grammont, pp. 237  -  238.
  10. N.A.R.S.S, Diplomatica Algerica, vol. 15 , doc 21.

ملخّصات عن المعاهدات التي وقّعتها الإيالات المغاربية بين سنتي 1600 و 1683 إلى سفيرها في إسطنبول؛ لكي يدرسها ويحاول التفاوض مع الباب العالي على أساسها29. محاولة التفاوض مع الجزائر أولوّ ثم باقي الإيالات. وقد اعتمدت النمسا هذا الأسلوب في تجديدها السلم مع الجزائر أةّ، في بدايلً تشرين الأول/ أكتوبر من 1748، ثم مع تونس وطرابلس الغرب عندما توجّه إليهما الوفد النمساوي ومعه كابيجي باشي مبعوث السلطان بعد ذلك30. ولم تحِد البندقية كذلك عن هذا النهج، فأرسلت مبعوثها في 1754 إلى الجزائر بصفتها أقوى الدّول المغاربية، ليُحاول الوصول إلى تفاهم مع المسؤولين هناك، مُزوّدًا بتعليمات بأن يتوجه مباشرة إلى تونس وطرابلس في حالة نجاح المفاوضات مع مسؤولي الجزائر31. فالسّلم مع الجزائر كفيل بأن يُقنع جارتيها باتباع النّهج نفسه وقبول المقترحات الأوروبية، وهو السّبيل الذي لم تتجاهله السويد والدانمارك والولايات المتحدة وأغلب الكيانات الأوروبية في القرن الثامن عشر. وبناءً عليه؛ بعد استقراره في ليفورنه، يشرع جورج لوجي في مفاوضاته مع داي الجزائر عبدي باشا32، وتدخل المحادثات مرحلتها الأخيرة في 1728. نستشف ذلك من الرسالة المؤرخة ب 28 أيلول/ سبتمبر 1728 التي بعث بها لوجي من الجزائر إلى أمير البحر أوتفال المقيم في مارسيليا، يُعلمه فيها بأنّ كل الظروف حاليًّا سانحة لعقد السلم، وأنّ الداي أمره بأن يكتب له (لأمير البحر فون أوتفال) بأن يتحلى بالصبر مدة شهر أو ستة أسابيع، حتى يستطيع استدعاء الديوان الذي ما زال مستاءً وغير راضٍ عن السلم الموقع مع هولندا قبل هذا التاريخ بسنتين، كما يستفسر لوجي الأميرالَ في هذه الرسالة، ويطلب منه - في حالة تسلّم رسالة موافقةٍ على المعاهدة من الملك السويدي إلى الداي - أن يرسلها إليه؛ لكي يعرضها على الداي الذي بدوره سيردّ على الملك السويدي، ويلح عليه أيضًا في الرسالة نفسها أن يبعث إليه ببعض الهدايا ليقدمها إلى الداي33. وبالفعل، تسلّم الدّاي عبر جورج لوجي رسالة من أمير البحر كتبها إليه سابقًا في 6 آب/ أغسطس 1728، يقترح فيها رسميًّا تأسيس علاقات سلمية بين الجزائر والسويد، وتوقيع معاهدة سلام أبدية بين الدولتين34. وعلى أساسها استدعى الداي ديوان الجزائر، وبعد مداولات حصل إجماع بين أعضائه في 25 تشرين الثاني/ نوفمبر 1728 على الموافقة على إقرار السلم مع السويد، بعد أن أنبأهم الداي بأن السفير كامل الصلاحيات فون أوتفال قد وافق على تسليم كل الهدايا والإتاوات التي اقترحها الديوان. وعلى الفور أرسل الداي في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 1728 رسالة إلى فون أوتفال الذي كان ينتظر الموافقة في مرسيليا، يُبشّه فيها بموافقة الديوان على إقامة المعاهدة، ويحثه فيها على القدوم إلى الجزائر للمصادقة على السلم35، كما بعث الداي عبدي رسالة أخرى إلى الملك السويدي فردريك الأوّل في التاريخ ذاته، يخبره بما اجتمع عليه ديوان الجزائر، ويُعلمه أنه قد وافق على عقد معاهدة مع السويد بالمحتوى نفسه الذي قامت عليه المعاهدة السابقة مع إنكلترا36، وأضاف عبدي باشا أنه نظرًا إلى الاحترام

  1. Sagerdoti, p. 277.
  2. N.A.R.C.D, kommercekollegiet tyske sekretariet, Box 367 , doc 22 , octobre 1748.
  3. Sagerdoti, p. 291.
  4. كرد عبدي، تقلد منصب باي التيطري ثم آغا السبايهية، ليتولى بعد ذلك منصب داي الجزائر وهو في نحو الستين من عمره بعد مقتل الداي محمد باشا في 18 أيار/ مايو 1724 (يذكر دو غرامونت أنه قُتل في 18 آذار/ مارس)، وُصف بالوداعة ودماثة الأخلاق، وبأنه الأحقّ بالحكم من غيره في تلك الفترة، انظر: Laugier de Tassy, Histoire du royaume d'Alger (Amsterdam: Henri de Sauzet, no date), pp. 224  -  226 ; H. D. de Grammont, p. 282.
  5. N.A.R.S.S, Diplomatica Turcica, bihang Algerica, vol. 1 , doc 28 , September 1728.
  6. Ibid., vol. 1 , doc 30 , Novembre 1728.
  7. Ibid.
  8. عقدت إنكلترا أو جدّدت 20 معاهدة مع الجزائر بين 1622 و 1824، كانت أهمّها معاهدة 1682 التي بُنيت كل المعاهدات اللاحقة على شاكلتها، كمعاهدتي 1703 و 1716، انظر: Fatma Maameri, “Ottoman Algeria in western diplomacy history with special emphasise on relations with the United States of America (1776  -  1816),” These de doctorat d'Etat, University of mentouri, decembre 2008 , p. 139. وللمزيد حول معاهدة 1682 وبنودها، انظر: G. Fremont-Barnes, The wars of the Barbary pirates (Oxford: Osprey publishing, 2006), p. 19.

الكبير الذي يُكنّه لملك السويد، فإنه قد أعطى أوامر ابتداء من هذا التاريخ لكل الريّاس وأمراء البحر بألّ يعرقلوا أو يزعجوا أي سفينة تحمل العلم السويدي فضلً عن أن يستولوا عليها، وأنه يمكن لكل السفن السويدية والتجار السويديين أن يدخلوا الموانئ الجزائرية بحريّة تحت حماية الداي. كما أعلمه أيضًا بالبرقية التي أرسلها إلى أمير البحر في مارسيليا من أجل القدوم إلى الجزائر لإتمام الإجراءات الأخيرة والإمضاء على بنود المعاهدة37. وتبعًا لهذه الدعوة؛ وصل فون أوتفال إلى الجزائر في الثاني من شهر رمضان 1141 ه، الموافق 31 آذار/ مارس 1729 م، وبعد أن شاور الداي ديوانه في محتوى المعاهدة، أمضى عليها عبدي باشا وإبراهيم آغا الانكشارية والكاهيا38 سليمان (نائب الآغا)39، ثم سُلمت إلى السفير السويدي ليطلع على ال 22 بندًا التي قررها هؤلاء في المعاهدة. وبعد أن راجع بنود الوثيقة جيّدًا، وبعد القيام باللّمسات الأخيرة، وقّع السفير السويدي فون أوتفال مع الداي في 17 رمضان 1141، الموافق 15 نيسان/ أبريل401729، على المعاهدة النهائية التي صُقلت وفق نموذج المعاهدة الجزائرية مع الإنكليز في 1682، والهولنديين في 172641. بعد ذلك أرسل الداي رسالة أخرى إلى الملك السويدي في 24 رمضان 1141، الموافق 22 نيسان/ أبريل 1729، يعلمه بآخر التطورات، ويعرض عليه خدماته كوسيط محتمل بين السويد وبين إيالتَيْ تونس وطرابلس الغرب، إن أراد أن يعقد معهما معاهدات مماثلة42. بعد ذلك عاد الوفد السويدي ليُسلم وثيقة المعاهدة إلى الملك الذي وقّع عليها بدوره في 1730. ليقوم العاهل السويدي بعدها بإرسال الدبلوماسي والمؤرخ رفتيليوس43 في السنة نفسها على رأس وفد آخر إلى الجزائر، يحمل مصادقة الملك وتوقيعه الذي سلمه رفتيليوس شخصيًّا إلى الداي44. لتنتهي إجراءات السلام بإعلام رفتيليوس الداي بتعيين جورج لوجي كأوّل قنصل سويدي، ليس في الجزائر فقط، بل في كل الأراضي العثمانية، ويُعقد بذلك سلم أبدي، وتنتهي رسميًّا المفاوضات السويدية الجزائرية.

بنود المعاهدة الجزائرية السويدية

أمّا بنود المعاهدة فكانت 22 بندًا، تتعلق بالجوانب السياسية والدبلوماسية، وما يتصل بالنواحي الاقتصادية والتجارية، بل نجد أيضًا بنودًا ذات دلالات دينية، ويمكن أن نلخص بنود المعاهدة في ما يلي:

  1. N.A.R.S.S, Diplomatica Turcica, bihang Algerica, vol. 1 , doc 30 , Novembre 1728.
  2. كاهيا أو كيخيا Kahya، هي كلمة فارسية أصلها كتخدا Kethuda تعني رب الدار، وقد اصطلح على استخدامها في الدولة العثمانية للدلالة على النائب أو القائم بالأعمال، راجع: صابان، ص 189 و 194.
  3. N.A.R.S.S, Diplomatica Algirica, vol. 15 , doc 17 , Ramadan 1141.
  4. Müller, Consuls Corsairs and Commerce , p. 124.
  5. Ibid., p. 58.
  6. N.A.R.S.S, Diplomatica Turcica, bihang Algerica, vol. 1 , doc 24 , Ramadan 1141.
  7. كارل رفتيليوس، أمين سر قنصلية السويد في الجزائر في ثلاثينيات القرن الثامن عشر، اشتهر بمؤلفه الضخم عن الجزائر تحت عنوان وصف تاريخي وسياسي لمملكة ودولة الجزائر، والذي نشره في جزأين في ستوكهولم في 1737 و 1739، يحتوي الكتاب على 695 صفحة يصف فيها رفتيليوس كل ما شاهده في الجزائر بوصف دقيق وموضوعية ميزته عن الكتاب الأوروبيين الآخرين، للمزيد حوله انظر: Odegaard, pp. 54  -  62.
  8. بلقاسم، ص 107. كإيالة، ودولة، وجمهورية، ومملكة، ومدينة حرب. 46  انظر صورة جواز السفر البحري في ملحق الصور في نهاية البحث.

الجزائرية، وذلك بعد أن يدفع التجار السويديون ما نسبته 5 في المئة من سلعهم المبيعة كضرائب. البند 3: يحق لسفن السويد والجزائر ورعاياهما الإبحار في أيّ مياه يريدونها، من دون إزعاج أي من الطرفين الآخر.

السفر البحري45.

من أجل التحقيق في هويته.

على العكس؛ يجب عليهم المساعدة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

البند 8: لا يحق لأي قرصان جزائري أن يأسر في عرض البحر أي سفينة سويدية كانت قد اشترت غنائم من الجزائر.

ينتمون إلى مملكة السويد في موانئ تابعة لجمهورية الجزائر.

أكان هذا اللجوء بالسباحة أم بأي وسيلة أخرى.

البند 13: في حالة وفاة فرد من الرعية السويدية على الأراضي الجزائرية، لا يحق للداي مصادرة تركته.

يتدخل البتة في القضية. البند 1: ليكن معلوما أنه ابتداءً من اليوم الذي صودق فيه على المعاهدة، سيعُم سلام دائم وأبدي بين مملكة السويد ومملكة الجزائر47. البند 2: يحق لجميع السفن التابعة لملك السويد أو لرعاياه أن تدخل الموانئ الجزائرية للمتاجرة، من دون أي عراقيل من السلطات

البند 4: عند التقاء سفن جزائرية بأخرى سويدية في مياه غير تابعة لمملكة السويد، لا يحق للجزائريين إرسال زوارق إلا واحدًا من أجل تفتيش السفينة السويدية، وعلى متنه ضابطان اثنان فقط، وهما الوحيدان المسموح لهما بالصعود على متن السفينة لمراقبة جواز

البند 5: لا يحق لأي ضابط بحري جزائري أن يأسر أي شخص من سفن سويدية، كما لا يحق له أخذ أي شخص إلى مكان آخر

البند 6: في حالة غرق سفينة سويدية أو جنوحها، لا يسمح للمدنيين الجزائريين بالاستيلاء على حمولة السفينة أو أسر طاقمها، بل

البند 7: لا يمكن للجزائريين مساعدة أيّ كان، ومهما كانت جنسيته، في القيام بأعمال قرصنة ضد رعايا ملك السويد.

البند 9: يجب على السلطات الجزائرية أن لا تسمح لأي سفينة من تونس أو طرابلس أو تطوان أو سلا بأن تبيع سلعًا أو سفنًا أو رعايا

البند 10: يحق لرعايا الملك السويدي أن يبيعوا غنائم في الموانئ الجزائرية، من دون أي عراقيل من السلطات الجزائرية. البند 11: في حالة رسوّ سفن حربية سويدية في ميناء الجزائر، يجب إعادة كل أسير يتمكن من الالتجاء إلى السفن السويدية، سواء

البند 12: لا ينبغي أن يُفرض على أي فرد من الرعية السويدية شراء أي أسير كان من دون الرضا التام من الرعية السويدية.

البند 14: لا يمكن إجبار أي فرد من الرعية السويدية على شراء أي سلعة من الجزائر، من دون الرضا التام من الرعية السويدية. البند 15: في حالة نشوب خلاف في الأراضي الجزائرية، أحد أطرافه من الرعية السويدية، لا يمكن أن يخضع السويدي إلّ للسلطة القضائية للداي أو لديوانه، أما إذا كان النزاع أو الخلاف بين رعايا سويديين، فالاحتكام لا يكون إلّ إلى قنصل السويد في الجزائر. البند 16: في حالة ارتكاب فرد من الرعية السويدية جريمة (نزاعًا أو جرحًا أو قتلً) في حق أحد العرب أو الأتراك على أراضٍ جزائرية، لا يُعاقب السويدي إلا كما يعاقب التركي إذا ما ارتكب الجرم نفسه، أما إذا فرّ السويدي من العقاب، فلا يمكن للقنصل السويدي أن

  1. أطلق الأوروبيون عدّة تسميات على الجزائر في الفترة العثمانية، وذلك لعدم فهم هؤلاء للنظام الذي كان يحكمها أو اعتيادهم عليه. لذا؛ نجد عدة أسماء وصفية لها،

البند 17: للقنصل الحرية في تعيين موظفيه وترجمانه الخاص، كما يحق له الإبحار بحرية ضمن خليج الجزائر، والسفر في البر وقت ما شاء، ويحق له أيضًا استضافة "مرشد ديني" Aumônier بروتستانتي في قنصليته من أجل الإشراف على ممارسة المذهب البروتستانتي من طرف القنصل ورعاياه، بل حتى "العبيد" السويديون لهم الحق في حضور مواعظه. البند 18: في حالتَيِ الحرب والسلم، يحق للقنصل السويدي ولرعاياه مغادرة الجزائر متى شاؤوا، كما يحق لهم أخذ ممتلكاتهم معهم من دون عرقلة من السلطات الجزائرية. البند 19: لا يمكن إزعاج أيٍّ من رعايا السويد أو مصادرة ممتلكاته أو رُكاب سفينته أثناء إبحاره، سواء أكان هذا الإبحار على متن سفينة سويدية أو سفينة تابعة لدولة أخرى هي في حرب مع الجزائر، والشيء نفسه يسري في حق رعايا الجزائر. البند 20: في حالة ظهور مركب حربي سويدي على مقربة من مدينة الجزائر أو رسا بمينائها، يُحيَّى المركب الحربي ب 21 قذيفة مدفعية من حصون المدينة، ويرد المركب بعدد القذائف نفسه كتحية للداي، وبعد ذلك يمكن للمركب إنزال الهدايا والإتاوات المتعارف عليها. البند 21: لا يدفع القنصل أي ضرائب على الأشياء التي تُشحن إلى الجزائر من أجل استعماله الخاص. البند 22: في حالة امتعاض أحد طرفي المعاهدة (الجزائري أو السويدي)، لا ينبغي الاحتكام مباشرة إلى السلاح، بل يجدر بالطرف المتضرّر أن يطالب بتعويض على الأضرار الناجمة عن الطرف الآخر، ثم يتم معاقبة المذنب بتهمة الإخلال بالسلم48.

ردّات الفعل الداخلية والخارجية عىل المعاهدة

في العلاقات بالدول الأجنبية، كثيرًا ما نلاحظ صراعات داخلية في الجزائر بين مؤيد ومعارض، وفي أغلب الأحيان؛ المعارضون هم دائمًا المتضرّرون من إقامة علاقات سلمية بدولة أخرى، ونقصد بهؤلاء طائفة الريّاس والخواص الذين يجهّزون السفن49، أمّا المؤيدون فهم الداي والمسؤولون الكبار الذين سيستفيدون من الهدايا التي تُخوّلهم إياها كل معاهدة جديدة50. لهذا؛ سعى الدايات في كثير من الأحيان إلى مساعدة المفاوضين الأوروبيين سرًّا لتمكينهم من كسب رضا ديوان الجزائر؛ من ذلك، مثلً، ما يذكره جورج لوجي في الرسالة المؤرخة ب 28 أيلول/ سبتمبر 1728 أنّ الداي دعاه إلى عشاء خاصّ، أعطاه فيه بعض النصائح، كأن يصبر بعض الوقت لأنّ أغلب الناس لا يزالون مستائين من السلم مع الهولنديين، ومُعبًّا له عن أمله في عقد السلم سريعًا بعد اجتماع الديوان؛ لأنّ الأمر ليس بيده وحده قائلً: "لو كان أمرًا أستطيع القيام به وحدي، لما ضيّعت يومًا واحدا سُدى "51. وبدوره طلب لوجي من أمير البحر فون أوتفال أن يُرسل هدايا من أجل الداي52. ولعلّ هذه الوساطة التي قام بها الداي عبدي لم يرج منها مصلحة شخصية، بل ربما كان مردّها تأثير الدولة العثمانية؛ لكون السويد حليفًا مهمًا لها. لكن مثل هذه الوساطة حدثت مرة أخرى

  1. للاستزادة والتعمق في بنود المعاهدة، انظر: Charles De Martens, Recueil des traites , second edition revue et ogmentee par le Bon Charles de Martens, T 5 (1791  -  1795), A gottings, Allemagne, 1826 , pp. 316  -  331.
  2. جون بابتيست وولف، الجزائر وأوروبا 1500  -  1830، ترجمة وتعليق أبو القاسم سعد الله (الجزائر: عالم المعرفة، 2009)، ص  413  -  414.
  3. لم يكن الداي والمسؤولون الكبار يتقاضون سوى راتب جندي عادي، لذلك كان لهم الحق في الاستفادة من كل ما يمكن أن يخوله لهم منصبهم من هدايا قنصلية، وحقوق رسو السفن، وأسهم في تجارة العبيد، والغنائم... إلخ، انظر: Shaw, Voyage dans la regence d'Alger , traduction J. Mc Carthy (Paris: Marlin Editeur, 1830), p. 189 ; Venture De Paradis, Alger au XIIIE siècle (Alger: Typographie Adolf Jourdon, 1898), pp. 108  -  109.
  4. N.A.R.S.S, Diplomatica Turcica, bihang Algerica, vol 1 , doc 28 , September 1728.
  5. Ibid.

بعد هذه الحادثة ب 65 سنة تقريبًا، وذلك عندما أرسل الداي حسن عام 1795 جواز سفر إلى المفاوض الأميركي الذي كان في فرنسا لكي يأتي إلى الجزائر، وأمر الداي الوسيط (كاثكارت) بأن لا يخبر أحدًا بهذا؛ لأنه لم يسبق أن منح أي حاكم جزائري جواز سفر رسميًّا لأيّ دولة قبل التفاوض على المعاهدة، وهو الإجراء الذي من شأنه أن يوحي بأن الجزائر هي التي تبحث عن السلم53. لكنّنا لسنا متأكدين تمامًا من هدف الداي الحقيقي من وراء هذه المساعدة (السرية)، أهو مآرب خاصة، أم كان يروم من ورائها مصلحة الجزائر بتوفير مُمول جديد بالمعدات البحرية. أمّا القوى الخارجية، فلم تعارض المعاهدة ظاهريًّا على الأقل، ربّما لأن السويد في عشرينيات القرن الثامن عشر لم تكن تلك القوة الاقتصادية التي يمكن أن تنافس الدول الأوروبية الكبرى في المتوسط، لهذا لم ير القناصل الأوروبيون المقيمون في الجزائر أيّ خطر من عقد السويد سلمًا مع الجزائر، فقد أبلغ القنصل الهولندي حكومته بالتحركات الدبلوماسية السويدية في الجزائر لكنه لم يفعل أي شيء لتعطيلها، بل إنّ القنصل الفرنسي ساعد شخصيًّا الأميرال فون أوتفال في إدارة المفاوضات54، ولعلّ مردّ هذه المساعدة هو الحلف التقليدي الذي جمع السويد وفرنسا في القرن الثامن عشر.

النتائج المترتبة عىل المعاهدة الجزائرية - السويدية

من أهم قرارات المعاهدة؛ تسهيل عملية فدية الأسرى السويديين في الجزائر، وإعطاء القنصل حق الفصل في النزاعات التي تنشب بين مواطنيه55. غير أن أهم هذه القرارات هو تأسيس قنصلية سويدية بإشراف قنصل يسهر تحت سقفها على مصالح السويد56. والقنصلية غير السفارة التي هي تمثيل دبلوماسي لدولة ما في عاصمة البلد المضيف، أمّا القنصلية فتتمركز في الموانئ الرئيسة. لذا؛ فالهدف منها هو تسيير التجارة بين حكومتها وميناء الدولة المستقبلة، وتزويد حكومتها بمعلومات مفيدة حول الإمكانات الاقتصادية والأوضاع السياسية في تلك البقاع57. وبالفعل، أُنشئت قنصلية في الجزائر لتُصبح بذلك القنصلية السويدية الرابعة عشرة من أصل 121 قنصلية في العالم، والثالثة في المتوسط من 47 قنصلية، بعد كل من قادس 1703 وليفورنه 1720، والأولى في العالم العربي والاسلامي قبل إزمير وتونس 1736، وطرابلس الغرب 1739، والمغرب 1764، وإسطنبول 1777، وسالونيك 1781، والإسكندرية 1827 وحلب عام 184258. وقد كان للقنصلية حقوق قارة متّفق عليها، كضمان حمايتها، واستقبال مرشد ديني (قس) سويدي فيها لتوفير خدمات كنسية للقنصل والرعايا والأسرى السويديين بأكبر قدر ممكن من الحرية الدينية، وهو الأمر الذي لم يتوافر للقنصليات السويدية في دول أوروبا الجنوبية، فقد اتُهم دي باشه، وهو قنصل السويد في لشبونة في 1717، بتوفير خدمات كنسية بروتستانتية في قنصليته لكل الجنسيات. واستُدعيَ على الفور من طرف الملك البرتغالي الذي أجبره على طرد القسّ من القنصلية وإرساله إلى السويد59. وهنا يمكن أن نلاحظ مدى التسامح الديني الذي تميزت به الجزائر العثمانية في تعاملها مع أهل الديانات الأخرى، وبخاصة إذا ما قارنّاها ببعض الدول الأوروبية، وقارنّا تصرفاتها بتصرفات جاراتها من الدول المسيحية في تعاملها مع أبناء الديانة نفسها.

  1. كاثكارت، ص 155.
  2. Müller, Consuls Corsairs and Commerce , pp. 59  -  60.
  3. صالح عباد، الجزائر خلال العهد التركي 1514  -  1830، ط 2 (الجزائر: دار هومه، 2007)، ص 155.
  4. Östlund, p. 156.
  5. Müller, “Swedish shipping in southern Europe,” p. 193.
  6. Müller, Consuls Corsairs and Commerce , pp. 42  -  44.
  7. Ibid., p. 90.

أمّا مكان تموقع القنصلية السويدية فكان في الشارع الذي يُعرف ب "شارع القناصل" قرب باب البحر بالتحديد؛ في العقار الذي سيغدو بعد عام 1830 كنيسة اليسوعيين60، غير أن القنصل نادرًا ما كان يتخذ القنصلية مسكنًا إلّ في الأعياد؛ لكي يُسابق القناصل الآخرين لتقديم التّهاني للداي، فقد كان يقيم في فيلا فاخرة مع عائلته وخدمه، في ضاحية مدينة الجزائر، مع القناصل الأوروبيين الآخرين في المكان الذي سُمي ب "واد القناصل" إشارةً إليهم61. ولم يكن القنصل أو عائلته يغادرون القنصلية أو مكان إقامتهم إلّ في حالات نادرة، كتعرض مدينة الجزائر لهجمات الأساطيل الأوروبية مثلً، فبعد ورود معلومات للقادة الجزائريين في 1749 عن تحالف إسبانيا والبرتغال والبندقية ومالطا من أجل قنبلة مدينة الجزائر، توجّس قنصل السويد شرًا من هذا النّبأ، واستأذن الداي على الفور لنقل أسرته إلى ليفورنه فوافقه على ذلك62. كما اضطر القنصل السويدي مرة أخرى إلى ترك قنصليته وبيته في حزيران/ يونيو 1775 إثر الهجوم الإسباني على الجزائر، بقيادة أمير البحر أوريلي، وأبحر مع القنصل الفرنسي والهولندي والدانماركي إلى فرنسا على متن السفينة الفرنسية Alger ' d Postilon63. وإن كان بإمكان القنصل النجاة من القصف المتكرّر للجزائر بإخلائه القنصلية، والسفر إلى خارج، فإن القنصلية كثيرًا ما كانت تتعرض - على غرار باقي مباني المدينة - للضرر أثناء إلقاء الأساطيل الأوروبية لقنابلها، أدّى مثل هذا القصف عام 1783 إلى احتراق القنصلية السويدية بعد حملة الدون أنطونيو برسيلو الفاشلة على الجزائر64. ومثلما أشير إليه آنفًا، عمُيّ جورج لوجي أوّل قنصل سويدي في الجزائر عا 1730 مستمرًا في وظيفته حتى 1736 التي غادر فيها الجزائر إلى تونس لعقد السلم معها، تاركًا شريكه الأسكتلندي جورج غوردن ليتكفل بواجبات القنصلية من بعده، لكنّنا لسنا متأكدين من هذا التبديل؛ أطوعيًا كان أم قسريًا. وما جعلنا نرتاب هو الرّسالة التي بعث بها الداي إبراهيم إلى الملك السويدي بتاريخ 15 ذو الحجة 1149، يُدافع فيها عن لوجي ويبُرّئه من التّهم التي صرّحت بها أمانة الملك من أنه قد "حرمَ السلطات الجزائرية أشياء أرسلها إليها الملك السويدي"، قائلً إن "الإحدى عشرة سنة65 من الخدمة الحسنة لكلا الطرفين دليل كافٍ على إخلاصه "66، أمّا هذه الأشياء التي لم تُسلّم إلى الداي فلا علم لنا بها. وعلى كل حال، فقد مضى لوجي في سبيله إلى تونس بعد الأوامر التي تلقاها من حكومته بتثبيت سلم راسخ معها، وهو الأمر الذي حصل فعلً في كانون الأول/ ديسمبر 1736 بتكلفة منخفضة مقارنة بمعاهدة السويد مع الجزائر (14 ألف ريكس دولار فقط). وبذلك تمّ تعيين أولوف رولننغ أول قنصل سويدي في تونس في نيسان/ أبريل 1738 بعدما أوصى به لوجي67. وأثناء إقامته في تونس؛ قام لوجي بعدة محاولات للاتصال بباشوات طرابلس الغرب، وبعد مفاوضات طويلة أثمرت محاولاته؛ ليتّجه إلى طرابلس ويعقد معها معاهدة سلام وتجارة في 15 نيسان/ أبريل 1741، ويُعيّ بعدها إسحاق برغ أوّل قنصل سويدي فيها68.

  1. Moulay Belhamissi, Alger l'Europe et la guerre secrète 1518  -  1830 (Alger: Editions DAHLAB, 1999), p. 19.
  2. Bardoux, “La vie d'un consul auprès de la régence d'Alger,” Reveu Africaine , no. 65 (1924), p. 273.
  3. N.A.R.C.D, kommercekollegiet tyske sekretariet, Box 367 , doc 31 , Mai 1749.
  4. J. Cazenave, “Un consul Français en Alger au XVIIIe siècle Langoisseur de la vallée,” Reveu Africaine , no. 78 (1936), pp. 106  -  107.
  5. عزيز سامح التر، الأتراك العثمانيون في شمال أفريقيا، ترجمة محمود علي عامر (بيروت: دار النهضة العربية، 1989)، ص  542.
  6. وجدنا في كل المراجع السويدية التي اطلعنا عليها أنّ تعيين جورج لوجي كمفاوض باسم الملك السويدي كان عام 1727 أو أواخر 1726 على أبعد تقدير، لكن الداي يذكر في هذه الرسالة أنه في عام 1736 كانت قد مرّت 11 سنة على خدمة لوجي في الجزائر، أي أنّ هذه الخدمة بدأت عام 1138 / 1725 على الأقل، لذا لسنا متأكدين ممّا يعنيه هذا، في غياب كبير للوثائق المحلية والأجنبية التي يمكن أن تزيل هذا الغموض.
  7. N.A.R.S.S, Diplomatica Algirica, vol. 15 , doc. 15 Zillhadge 1149.
  8. Müller, Consuls Corsairs and Commerce , p. 127.
  9. Müller, “Swedish shipping in southern Europe,” p. 196.

وبعد ست سنوات ونصف السنة من الغياب، يعود جورج لوجي إلى الجزائر في 1743؛ ليستعيد منصبه قنصلً في الجزائر إلى 1758، وهي السنة التي تقاعد فيها وأبحر عائدًا إلى السويد، بعد مشوار دبلوماسي ناجح في شمال أفريقيا، مكّن السويد من أن تضمن سلامة سفنها وبحارتها في المياه المتوسطية، وخصوصًا بعد توقيع معاهدة مع الدولة العلوية في المغرب الأقصى في 176369. أمّا علاقة لوجي بالسلطات الجزائرية فقد كانت جدّ حسنة. نستشف ذلك من اعتماد الداي عليه في قضايا كثيرة، منها؛ اتخاذه وسيطًا في المفاوضات الرفيعة المستوى بين فرنسا والجزائر في 1740، واستخدام الداي – بعد سنتين من ذلك - سفينة لوجي الخاصة في رحلته إلى الأستانة ذهابًا وإيابًا70. كما استعار منه سفينته مرّة أخرى؛ ليُبحر سفيرُ الداي على متنها إلى ملك بريطانيا، بعد الأزمة التي حصلت بين البلدين في 174971. وبذلك علت مكانة لوجي حتى أصبح الداي يعتمد عليه في الأعمال التجارية للإيالة، حتى إنه طمع في أن يصبح قنصلً لإنكلترا بتزكية من الداي، لكن الإنكليز رفضوا ذلك، وثبّتوا قنصلهم بلاك Black في وظيفته. وقد تعاظم شأن لوجي في الجزائر ولم يضاهه أحد في سلطاته إلا رجال المال واليهود في مرحلة لاحقة من عمر الإيالة72. ولئن كانت العلاقة طيبة بين البلدين؛ فإنه لم يحدث بينهما تعاون حقيقي، وخاصة في المجال التجاري، على الرغم من أن السلطات السويدية كانت تخطط لتطوير تجارة مع شمال أفريقيا، وخاصة في ما يتعلق بالمعدات البحرية، والسبب - بحسب جورج لوجي - هو "أن تفكير الجزائريين كان مُنصبًّا كليًّا على النهب والقرصنة، كما أنهم لا يُشجعون أنفسهم أو أي شخص آخر يحاول أن يُؤسس تجارة خاصة"73، ويضيف لوجي في رسالة إلى غرفة التجارة السويدية بتاريخ 13 تشرين الأول/ أكتوبر 1738: "لا أجد طريقة أخرى تكون فيها الجزائر مفيدة للسويد أفضل من حفاظنا على السلم معها، فالسّلم مع الجزائر يمنح سفننا الحرية في الإبحار بأمان إلى السواحل البرتغالية والإسبانية وباقي موانئ المتوسط"74. وكما ذكرنا سابقًا، كان للقنصل السويدي الحق في فدية الأسرى السويديين في الجزائر، لكن جورج لوجي تعدى هذا الأمر وامتد نشاطه ليشمل الأسرى في المغرب الأقصى، ففي كتابه المعنون ب: وصف للعبودية البربريسكية في مملكة فاس والمغرب؛ يذكر السويدي ماركوس برغ أنه أثناء أسره ورفاقه في المغرب، كان اعتمادهم كليًّا على مساعدات جورج لوجي لتوفير قوتهم؛ لأنه كان يسلّمهم أموالً من دون إذن السلطات السويدية، كما يذكر برغ أنّ ثمانية أسرى فرنسيين أخبروه أنهم تسلّموا طعامًا من لوجي بينما لم يساعدهم القنصل الفرنسي بتاتًا75. لهذه الأعمال وغيرها مما قام به لوجي خدمةً للملك السويدي ورعاياه؛ فقد جزاه الملك خيرًا، ورفع من شأنه عندما عاد إلى السويد في 175876.

  1. Östlund, p. 156.
  2. Müller, Consuls Corsairs and Commerce , p. 125.
  3. N.A.R.C.D, kommercekollegiet tyske sekretariet, Box 367 , doc 23 Aout 1749.
  4. وولف، ص 422.
  5. Müller, Consuls Corsairs and Commerce , p. 121.
  6. Müller, “Swedish shipping in southern Europe,” p. 195.
  7. للمزيد حول الأسرى السويديين في المغرب، انظر: Gustaf Fryksen, “I skuggan av global och maritim handel; Svenska sjömän i Marockansk fangenskap 1754  -  1763 ,” Kandidatuppsats, Historiska institutionen, Lunds universitet, 2011.
  8. Östlund, p. 157.

وبعد رحيله، خلف لوجي على رأس القنصلية السويدية في الجزائر إريك براندل الذي كان زوج ابنة لوجي، وفي الوقت نفسه كان أمين سر قنصليته ابتداءً من 1754. وفي 1764 تغيّ الممثل الدبلوماسي للسويد مرة أخرى ليغدو هنريك براندل77، القنصل الجديد في الجزائر، ويستمر في منصبه حتى اندلاع الحرب الجزائرية السويدية في 1791، إذ سيفقد ثقة داي الجزائر ويُعوّض بماتياس سيولدبراند الذي سيتفاوض مع الجزائر، ويُجدّد معاهدة السلم والتجارة معها بين 25 نيسان/ أبريل و 5 أيار/ مايو 179278. ولم تختلف مهمات هؤلاء عن مهمات سلفهم في الحفاظ على علاقات طيّبة بحكام الجزائر، وإرسال التقارير إلى غرفة التجارة السويدية، كما لم تكن هذه المراسلات حول الجانب الاقتصادي فقط، فقد نال الجانبان؛ السياسي والعسكري، حظهما أيضًا. فها هو غ ده Gedde نائب القنصل غوردن الذي خلف لوجي في 1736؛ يهب السلطات السويدية عند عودته إلى السويد أوّل تقرير مفصل عن قوة الجزائر العسكرية، يصف فيه تحصينات المدينة وبحريتها التي قال إنها لم تبهره؛ فثلاثة فرقاطات أوروبية فقط – بحسب رأيه - كافية لفرض حصار تام على ميناء الجزائر. وفي عام 1776، أرسل القنصل براندل تقريرًا آخر عن قوة البحرية الجزائرية التي لم تتكوّن إلا من ثمانية مراكب، أغلبها غاليات وشبّاكات79. وما يهمنا هنا هو أنّ مثل هذه التقارير تُبين أن السويد كانت مستعدة لتغيير سياستها اتجاه الجزائر إن اقتضى الأمر. لذا؛ كانت معلومات مفصّلة عن قوة الجزائر أمرًا حيويًّا لمعرفة ما يمكن مواجهته في المستقبل80. وقد كانت علاقة قناصل السويد في الجزائر بقناصل الأمم الأخرى حسنة في أغلب الأوقات، بل إنّ بعض القناصل عقَدوا علاقات عائلية بالقناصل الآخرين، مثلما فعل القنصل لوجي الذي زوّج إحدى بناته قنصل هولندا81، وفعل قنصلٌ آخر الشيء نفسه بمصاهرته قنصل إنكلترا82. كما توسّط قناصل سويديون آخرون للدول الأوروبية في فضّ الخلافات مع الجزائر83، فقد استضاف قنصل السويد براندل في 1765 في قنصليته القناصل الأوروبيين؛ للتشاور، والتوسّط في الخلاف الذي وقع بين الداي وقنصل إنكلترا، بعد أسر راس جزائري سفينةً إنكليزية84. بل استعمل قناصل السويد صلاحياتهم لمساعدة الدول الأخرى في توقيع السلم مع الجزائر، سواء أكان ذلك سرًّا أم علنًا. فمثلً، استأجر سيولدبراند سفينة على نفقته الخاصة بمبلغ 400 دولار لنقل المفاوض الأميركي دونالدصون من إسبانيا إلى الجزائر، وصرّح أنه يود بشدة أن يستقبله في بيته الخاص، لولا ما يمكن أن يحدثه ذلك من ريبة في نفوس القناصل الآخرين، بل أعار المفاوض الأميركي ترجمانه الخاص ليتفاوض مع الداي85. وبعد عقد المعاهدة مع الجزائر في 1795، استمر سيولدبراند في مساعدة المفاوضين الأميركيين بتقديمه نصائح لهم عن كيفية التعامل مع بايات تونس وطرابلس، حتى إنّه أقرضهم مالً ليتمكنوا من اقتناء بعض الهدايا لحكام هاتين الإيالتين.

  1. لم نتمكن من إيجاد دليل على الصلة بين هذا ال "براندل" وسابقه، لكنه من دون شك قريب له؛ فهما يحملان اللقب نفسه.
  2. Müller, Consuls Corsairs and Commerce , pp. 126  -  127.
  3. الشبّاك Xebeck، مركب خفيف وسريع مُستعمل على نحو أساسي في حوض المتوسط، يُجهز عادة بأشرعة مربعة الشكل، أصغر الشباكات تحمل ما بين 8 إلى 16 مدفعًا، ويمكن أن تستقبل طاقمًا من 40 إلى 180 بحارًا، أما أكبرها فيمكن أن يُجهز بقوة مدفعية تتراوح بين 20 و 30 مدفعًا، وتحمل ما بين 130 و 170 رجلً، للاستزادة انظر: Panzac, p. 46.
  4. Müller, Consuls Corsairs and Commerce , pp. 125  -  156.
  5. وولف، ص 421.
  6. Belhamissi, p. 21.
  7. رأت الجزائر نفسها في حرب دائمة مع عدوّ الدولة العثمانية الأول، روسيا، خاصة مع نهاية القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر، لذا لم تقبل أية علاقات بها، وكان الحل الوحيد للروس هو أن يكلفوا قنصلً أوروبيًا في الجزائر للسهر على مصالحهم هناك، وخاصة في ما يتعلق بالأسرى، ونظرًا لتحسن العلاقة بين السويد وروسيا في نهاية القرن الثامن عشر، فقد ارتأت روسيا أن تكلف قنصل السويد بتمثيلها في الجزائر، انظر: Bardoux, p. 268.
  8. A. Berbrugger, “Un consul à Alger au 18 e siècle; Bruce,” Reveu Africaine , no. 6 (1862), p. 340.
  9. كاثكارت، ص 155، 158، 167.
  10. Ali Tablit, The diplomatic journal and letter book of James Leander Cathcart 1788  -  1796 (Algiers: THALA Editions, 2012), pp. 47  -  57.

خاتمة

كانت الجزائر مهمة حقًا للسياسة الخارجية السويدية في المياه الجنوبية، لذلك سعت الخارجية السويدية لكسب ودها ومصادقتها، ليس حبًا في الجزائر أو خوفًا من بأسها، فالجزائر لم تصل يومًا إلى درجة "خطر على أمن السويد القومي"، لكن الهدف من اتصالها بالجزائر كان الرغبة في تحييد أسطول قرصنتها، ومنعه من مهاجمة السفن التجارية السويدية في المياه الدافئة، فالخطر الجزائري كان يمس أمن السويد الاقتصادي فقط. لذا؛ كان الحل هو اتباع درب الدول الأوربية الأخرى، وعرض مقترح الوصول إلى تفاهم يضمن توقيع معاهدة سلام أبدية بين البلدين، وهو ما كان فعلً في 1729. وبذلك حصلت الجزائر على مموّل جديد لأسطولها بمواد الإنشاءات البحرية، ودخلت السويد نادي الدول دافعة الضرائب للجزائر، وأسّست - على غرار الفرنسيين والإنكليز والهولنديين - قنصلية لها في الجزائر، يشُرف من خلالها قنصل على مصالح السويد؛ لتغدو هذه القنصلية أوّل قنصلية سويدية في الدولة العثمانية، بل في العالم الإسلامي قاطبة.

الملاحق

صورة (1) صورة عن النسخة الأصلية لمعاهدة السلام والتجارة بين إيالة الجزائر ومملكة السويد التي صدقها ديوان الجزائر عام 1729.

المصدر:

National Archive (RIKSARKIVET), Stockholm , Sweden: Original traktater med främmande makter (traktater),. Bihang IV: Alger

صورة (2) نسخة من جواز السفر الجزائري الصادر عن السلطات السويدية من أجل السفينة (Sara) بتاريخ 12 حزيران/ يونيو 1799.

المراجع

العربية

بلقاسم، مولود قاسم نايت. شخصية الجزائر الدولية وهيبتها العالمية قبل سنة 1830. الجزائر: دار الأمة، 2012. إلتر، عزيز سامح. الأتراك العثمانيون في شمال أفريقيا. ترجمة محمود علي عامر. بيروت: دار النهضة العربية، 1989. سالمي، عبد الهادي رجائي. "العلاقات الجزائرية الإسكندنافية في الفترة العثمانية 1142  -  1206 ه/ 1729  -  1792 م". رسالة ماجستير غير منشورة. جامعة الجزائر، 2014  -  2015، ص 32  -  38.

سبنسر، وليم. الجزائر في عهد رياس البحر. تعريب وتقديم عبد القادر زبادية. الجزائر: دار القصبة، 2006.

عباد، صالح. الجزائر خلال العهد التركي 1514  -  1830. ط 2. الجزائر: دار هومه، 2007.

كاثكارت، جيمس لندر. مذكرات قنصل أميركا في المغرب. ترجمة إسماعيل العربي. الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 1982. وولف، جون بابتيست. الجزائر وأوروبا 1500  -  30 18، ترجمة وتعليق أبو القاسم سعد الله. الجزائر: عالم المعرفة، 2009.

الأجنبية

• Bardoux. “La vie d'un consul auprès de la régence d'Alger.” Reveu Africaine. no. 65 (1924).

• Belhamissi, Moulay. Alger l'Europe et la guerre secrète (1518  -  1830). Alger: Editions DAHLAB, 1999.

• Berbrugger, Adrien. “Un consul à Alger au 18 e siècle; Bruce.” Reveu Africaine. no. 6 (1862).

• Cazenave, Jean. “Un consul Français en Alger au XVIIIe siècle Langoisseur de la vallée.” Reveu Africaine. no.

• De Grammont, H. Delmas. Histoire d'Alger sous la domination Turque 1515  -  1830. Paris: ERNEST LEROUX

Editeur, 1887.

• De Martens, Charles. Recueil des traites. second edition revue et ogmentee par le Bon Charles de Martens, T 5

• De Paradis, Venture. Alger au XIIIE siècle. Alger: Typographie Adolf Jourdon, 1898.

• De Tassy, Laugier. Histoire du royaume d'Alger (Amsterdam: Henri de sauzet, M.DCC.XXV).

• Gustaf, Fryksen. I skuggan av global och maritim handel: Svenska sjömän i Marockansk fangenskap 1754  -  1763.

Kandidatuppsats. Historiska institutionen. Lunds universitet. 2011.

• Maameri, Fatma. Ottoman Algeria in western diplomacy history with special emphasise on relations with the

United States of America (1776  -  1816). These de doctorat d'Etat. University of of mentouri. decembre 2008.

• Fremont-Barnes, G. The wars of the Barbary pirates (England: Osprey publishing, 2006).Müller, Leos. “Swedish

shipping in southern Europe and peace treaties with North African States; an Economic security of perspective.”

Historical Social Research. vol. 35 , no. 134 (2010).

• ________. Consuls, Corsairs, AND Commerce: The Swedish Consular Service and Long-distance Shipping

• Odegaard, Torbjorn. Une Paix et Amitié perpétuelles: Sur le traité de paix entre le Royaume de Danemark-

• Östlund, Joachim. “Swedes in Barbary Captivity: The Political Culture of Human Security, CIRCA 1660  -  1760 ,”

• Sagerdoti, A. “Venise et les regencies d'Alger, Tunis et Tripoli (1699  -  1760).” Traduction Mlle M. Despois. Reveu

الوثائق الأرشيفية

1720  -  1815. Studia Historica Upsaliensia. Uppsala: Uppsala University, 2004.

Norvège et la Régence d'Alger 1746. Uppsala: Scandinavian Institute for North African Studies , 2013.

Historical Social Research. vol. 35 , no. 134 (2010).

• Panzac, Daniel. Barbary Corsairs. Victoria Hobson (trans.). Lieden-Boston: Brill Publishing, 2005.

Africaine. no. 101 (1957).

• Tablit, Ali. North African states 1757 Manuscript. Algiers: Thala Editions, 2008.

National Archive (RIKSARKIVET), Stockholm, Sweden

1  - Diplomatica Algerica , Vol 15:

- doc 21 Avril 1742. - doc 18 Mai 1746.

- doc 17 Ramadan 1141.

- doc 21.

2  - Diplomatica Turcica , bihang Algerica , Vol 1:

- doc 28 September 1728.

- doc 30 Novembre 1728.

- doc 24 Ramadan 1141.

3  - Original traktater med främmande makter (traktater), Bihang IV: Alger.

National Archive (RIGSARKIVET), Copenhagen, Danemark

Kommerce Kollegiet Tyske sekretariet , Box 367:

- doc 8 octobre 1748.

- doc 22 octobre 1748.

- doc 31 Mai 1749. - doc 23 Aout 1749.

- doc 24 février 1751.