العودة إلى تفاصيل المؤلَّف حملات كسروان في التاريخ السياسي لفتاوى ابن تيمية

حملات كسروان في التاريخ السياسي لفتاوى ابن تيمية

A review of Kessrouan Campaings in Political History of Ibn Taymiyya Fatwas

رائد السمهوري

Ra'ed Alsamhouri

الملخّص

المؤلف:  محمد جمل باروت. عنوان الكتاب:  حملات كسروان في التاريخ السياسي لفتاوى ابن تيمية. الناشر:  المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات- الدوحة/ بروت. سنة النر: 2017. عدد الصفحات: 303 صفحة.

Abstract

Book Title: Kessrouan Campaings in Political History of Ibn Taymiyya Fatwas Author: Mohammed Jamal Barout Publisher: ACRPS Place of publication: Doha/Beirut Date of publication: 2017 No. of pages: 164

الكلمات المفتاحية:
  • ابن تيمية
  • حملات كسروان
  • إيستوريوغرافيا
Keywords:
  • Ibn Taymiyya
  • Kessrouan Campaings
  • Historiographie

مقدّمة

لا تزال المؤلفات والفتاوى التي تركها العالِم الحنبلي أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحرّاني، الملقب ب "شيخ الإسلام" (ت. 728 ه / 1328 م)، مؤثِرة تأثيرًا فاعلً في الفكر الإسلامي حتى يوم الناس هذا، ولا تزال الحركات الإسلامية السنيّة – بمختلف أطيافها اعتدالً وعنفًا – تعود إلى تراثه، وتتداوله، وتردده، وتستشهد به، وتستدلّ. كثيرة هي الكتب التي تناولت فتاوى ابن تيمية وآراءه وكتبَه على سبيل المحاكاة والشرح والبيان والتأييد والتقليد، وأقلّ منها الكتب التي تناولته بالنقد والتفكيك والمراجعة، لكن معظم هذه الكتب، سواءٌ منها ما كان على سبيل التأييد، وما كان على سبيل النقد؛ إنما قامت على أسس طائفية ومذهبية. وعلى الرغم من كثرة المؤلفات المطبوعة عن ابن تيمية محاكاة ونقدًا؛ لا يزال تراثه أرضًا بكرًا تنتظر أن يحرثها باحثون ودارسون، متوسلين بمناهج حديثة، وأساليب مختلفة، تفتح للأذهان آفاقًا جديدة، وسبلً غير مطروقة. وأحسبُ أن الباحث محمد جمال باروت، نال قصب السبق في كتابه حملات كسروان في التاريخ السياسي لفتاوى ابن تيمية؛ إذ تجاوز المطروح كله عن ابن تيمية منهجيًا، وتناول دراسته من زاوية مختلفة، تتضح معالمُها في ما يأتي.

أولً: تقسيم الكتاب

قسم الباحث كتابه على ثلاثة فصول؛ الفصل الأول بعنوان "إيستوريوغرافيا الحملات الكسروانية: كسروان في الرؤية التاريخية السردية المتركزة طائفيًا"، وأدرج فيه مباحث؛ خصص الأوّل منها لمصادر الإيستوريوغرافيا اللبنانية في شأن هوية كسروان، وجعل الثاني للنقد الإيستوريوغرافي اللبناني الحديث لتاريخ كسروان ومصادر المؤرخين اللبنانيين عنه، والثالث عن رسالة ابن تيمية إلى السلطان وإعادة التعريف الهوياتي الطائفي لكسروان، والرابع عن التواريخ الكسروانية المارونية ثم الشيعية والدرزية والسنية والعلوية الحديثة. أما الفصل الثاني فكان عن "حملات كسروان"، وتكلم في مبحثه الأول عن الحملة الكسروانية الأولى التي لم تحدث، وفي مبحثه الثاني عن الحملة الثانية (الأولى فعليًا) وانكسارها، وفي الثالث عن غزوة غازان واستسلام دمشق بالأمان (وهنا يسجّل الباحث انتقال ابن تيمية من دوره الأول إلى دوره الثاني)، وفي المبحث الثالث تناول الحملة الثالثة (الثانية فعليًا) على كسروان ودور ابن تيمية فيها، ليتحدث بعد هذا عن حملة كسروان الرابعة (الثالثة فعليًا) في المبحث الرابع، ويتكلم في المبحث الخامس عن انتقال ابن تيمية من دوره الثاني إلى دوره الثالث. اختص ابن تيمية في دوره الثالث بالفصل الثالث من الكتاب، والذي عنوانه "ابن تيمية الثالث والسلطان: توتر العلاقات السنية المملوكية-الشيعية الإيلخانية"، وفيه مباحث؛ الأول عن عودة ابن تيمية من مصر إلى الشام في مرحلة توتر العلاقات المملوكية- الإيلخانية، والثاني في رد ابن تيمية على العالم الشيعي ابن المطهر الحلي والتجذير المذهبي للصراع المملوكي-الإيلخاني، والثالث عن ثورة "المهدي النصيري" في جبلة، وفتوى ابن تيمية في النصيرية، والرابع يفيض في مرحلة ما بعد ابن تيمية الثالث، بين زوال شروطها واستمرارية الفتوى.

ثانيًا: عرض الكتاب

قصة الكتاب ومروعه

جاء هذا الكتاب – كما يقول مؤلِّفُه في مقدّمته - "نبتة على هامش مشروع يعمل عليه الباحث في ما يتعلق بالتاريخ الاجتماعي- السياسي للشيعية – بمعنى الفرق الشيعية كلها – في بلاد الشام، وتاريخ العلاقات السنية – الشيعية" في سياق محاولة الكاتب تفكيك "مراجع البنية الطائفية المستعادة في المشرق العربي، على هيئة صراع مذهبي طائفي هوياتي، يعاد فيه إنتاج طوائف متخيلة حديثة، بواسطة الطائفية وتسييسها المعاصر" (ص. 7). وفي عنفوان البحث في هذا الموضوع المهمّ، يبرز للكاتب اسم "ابن تيميّة" ليفتح له في بحثه بابًا لم يكن في ذهنه منذ البدء، تجلّ له فيه دور ابن تيمية في حملة كسروان الثالثة، وما نُسِب إليه في ذلك من "فتاوى"، وما ورد عنه من "شرعنة" لتلك الحملة و"تبرير لها" (ص. 7). وعلى أن حملة كسروان (وجبل كسروان هو ما يعرف في لبنان المعاصر بكسروان والمتن) متعلقة بجانب البحث التاريخي أصالةً؛ فقد ساهمت – بتداعياتها - في "طيأفة" الصراع السني الشيعي، بل السني المسيحي كذلك (ص. 8). ثم يخبرنا الباحث باكتشافه أن حملات كسروان، كانت أشبه بقطر الدائرة الذي تحيط به دراسات تاريخية لبنانية من مؤلفين بارزين، مختلفي الطوائف، ساهموا في تدوين تاريخ لبنان الحديث، واستحضروا حملات كسروان في مؤلفاتهم، ساردين تاريخًا لبنانيًا "طائفيًا" معاصرًا، كلٌّ من زاويته التاريخية الطائفية؛ مارونية، ودرزية، وشيعية، ونصيرية، وسنيّة (ص. 8). ومن هنا، تنال حملات كسروان مركزيتها في الوضع الطائفي اللبناني المعاصر، وتستدعي السرديات التاريخية اللبنانية المعاصرة التفات الباحث، ليعيد النظر فيها، ويفككها في ضوء المناهج الحديثة.

المناهج التي استعملها الباحث

فضلً عن المنهج التاريخي التقليدي الذي توسّل به الكاتب – من دون أن يصرّح بذلك وإن كان واضحًا كل الوضوح – في رصد الأحداث والوقائع من كتب المؤرخين المعاصرين لها، وترتيبها، ووضعها في مواضعها؛ صرّح الكاتب باستعماله المنهج الإيستوريوغرافي، مستعينًا بتنظيرات تشارلز أوليفير Olivier - Charles، وألاين راي Rey Alain، ونيكولاس أوفينستادت Ofeenstadt Nicolas، من دون أن يغفل كتابات المؤرخيَن اللبنانيَّيْ؛ أسد رستم في كتابه مصطلح التاريخ، ووجيه كوثراني في كتابه تاريخ التأريخ. وقد عالج الباحث إشكالين أثناء تطبيقه منهج النقد الإيستوريوغرافي؛ الأول "تحليل تأثيرات الرؤية التاريخية السردية المتركزة طائفيًا [...] في الكتابات التاريخية اللبنانية المعاصرة، كما أنتجها اللبنانيون في تواريخ مارونية وشيعية ودرزية وسنية؛ كل بحسب العقدة الأساس عنده" (ص 13 - 14). والثاني "دراسة ما كتبه الإيستوريوغرافيون اللبنانيون أنفسهم عن تلك التواريخ الطائفية لكسروان"، وقد وصف الباحث معالجة هذا الإشكال بأنها "خطاب على الخطاب" (ص. 15). شمل النقد الإيستوريوغرافي أيضًا "النظر المقارَن بين 'الخطاب' و'التاريخ' من جهة، و'النظرة الميتا إيستوريوغرافية' اللبنانية لإشكالية العلاقة بين الخطاب التاريخي والوقائع التاريخية، أو وقائع الحملات من جهة ثانية" (ص. 15).

صرّح الكاتب أيضًا بأنه استعمل "رؤية سردية تحليلية في ضوء مفاهيم العلوم الاجتماعية المعاصرة [...] ولا سيّما المتغيرات المستقلة والوسيطة والتابعة" (ص. 9).

تطبيقات المناهج

ونجد أن الباحث طبّق هذه المناهج في أربع مسائل رئيسة مبثوثةٍ تفاريقُها في مواطن متعددة في الكتاب، فمن ذلك: نقده مصادرَ المؤرخين اللبنانيين والتي لاحظ المؤلف أنها "كلها" متأخرة عن عصر الحملات. نقده البناءَ التاريخيَّ اللبنانيَّ المعاصرَ ذاتَه، باستعراض ما كتبه المؤرخون اللبنانيون المعاصرون، ومقارنته بالمدونات الأصلية المعاصرة للحملات. تفريق المؤلف بين الوقائع التاريخية بما هي وقائع ومحاولة تناولها موضوعيًا، وبين "تخطيب" تلك الوقائع إيستوريوغرافيًا، على يد الرؤى السردية للمؤرخين اللبنانيين، والتي وصفها المؤلف غير مرة بأنها "متركزة طائفيًا". وضع المؤلف يدَه على اختلاف دور العوامل التي انتقلت من كونها عوامل مستقلة، إلى عوامل تابعة، والعكس بالعكس. يظهر هذا في نتائج البحث وخلاصاته النهائية؛ إذ غدت فتاوى ابن تيمية (وهي عوامل تابعة للواقع السياسي والاجتماعي)؛ عواملَ مستقلَّةً (بعد زوال شروطها التاريخية الموضوعية)، تؤثر، وتُلهِم، ويعاد إليها لترسيخ الواقع الطائفي وتأجيجه في المنطقة. ولعل ما يلي من عرض الكتاب يوضح مناطات تطبيق المؤلف لهذه المناهج التي استعملها.

مصادر متأخرة، ومؤرخون منحازون

تناول المؤلف بالمراجعة والنقد المصادرَ التي اعتمد عليها المؤرخون اللبنانيون بمختلف طوائفهم، ولاحظ أنها قائمة على "رؤية مرتكزة طائفيًا"، بحسب تعبيره (ص. 11)، كما لاحظ المؤلف أن تلك المصادر – والتي هي في معظمها مصادر مارونية – متأخرة عن عصر حملات كسروان بقرنين من الزمان. ثم يلتفت الباحث إلى البناء التاريخي اللبناني المعاصر، والذي كانت حملات كسروان حاضرة فيه، فيدرس المؤرخين اللبنانيين دراسة إيستوريوغرافية نقدية "لاذعة" في بعض الأحيان، ويضع يده على غير قليل من "الخلل" المعرفي، و"الانحياز" في إطار التنازع حول "سكان كسروان الأصليين"، في سياق "يقظة الذوات الطائفية" كما أطلقَ عليها.

1) مصادر مارونية ودرزية متأخرة

يقرر الباحث أن "المصادر التاريخية اللبنانية المعاصرة حتى أواسط السبعينيات" ارتكزت "في إعادة بنائها تاريخ كسروان، ولا سيّما الحملات المملوكية الثلاث عليها، على تحديد الهوية الطائفية الكسروانية"، معتمدة على زجلية جبرائيل بن القلاعي (ت. 922 ه / 1516 م)، والمسمّاة بعدة أسماء من أشهرها حروب المقدّمين، ومديحة كسروان، عادّةً هذا المصدر "مصدرًا رئيسًا" كما يقول المؤلف، ومعتمدةً كذلك على أخبار الأعيان في جبل لبنانلطنوس الشدياق (ت. 1861)، وكذلك تاريخ إسطفان الدويهي تاريخ الأزمنة. وهي كلها تواريخ مارونية، مضافًا إليها تاريخ ابن سباط (ت. بعد 1520)، وتاريخ بيروت وأخبار الأمراء البحتريين من بني الغرب لصالح بن يحيى، وكلا المؤرخيَن درزيّان.

ويلاحظ باروت على هذه المصادر "انقطاعها شبه التام عن المدونات التاريخية الكلاسيكية وشبه التاريخية التي أ نتجت بين أواخر القرن الثالث عشر والقرن الرابع عشر"، ذاكرًا من هذه المدونات تاريخ أبي الفداء (ت. 1331)، والحافظ الذهبي (ت. 1348)، واليونيني.(ت 1326)، والنويري (ت. 1333)، والجزري (ت. 1338)، والدواداري (ت. 1336)، ثم ابن كثير (ت. 1373)، وغيرهم. وهكذا، أهملت المصادر المارونية اللبنانية المتأخرة - وهي كلها متأخرة كما يقول الباحث - كل تلك المدونات المذكورة، والمعاصرة لحملات كسروان، أو القريبة العهد بها.

2) في البناء التاريخي للبنان المعاصر: نقد التواريخ "المتركزة طائفيًا"

يتوسع الباحث في استعراض التواريخ "الكسروانية" المارونية، ثم الشيعية، والدرزية، والسنية، والعلوية الحديثة، فيذكر الكتب المؤلَّفة في هذا الباب، ويُجري مقارنات بين التواريخ الحديثة، ثم يعود فيستدرك على كل باحث ما فاته، ويتوثق من نقولاته، ويعود إلى النصوص الأصلية في مظانّها، ويضع يده على بعض الانتقاء والاختزال والتلفيق والفبركة. وسأذكر في ما يأتي، أهم التواريخ الحديثة التي تناولها الباحث بالنقد والمراجعة، مع ذكر أهم الانتقادات التي وجهها الباحث إلى تلك التواريخ على نحو الإجمال.

تاريخ ماروني

يبتدئ الباحث بتاريخ يوسف الدبس (الماروني) تاريخ سورية الدنيوي والديني: الجامع المفصّل في تاريخ الموارنة الموصّل، وقد أخذ عليه الباحث تحويلَه أسماء المكان إلى أسماء مذهبية-دينية، وأنه اعتمد على مصادر متأخرة، وأنه "اخترع" بعض الأحداث التاريخية! انتقد الباحث أيضًا تاريخ بولس قرألي عودة النصارى إلى جرود كسروان، في كونه يجعل الظنون المشكوك في صحتها قطعيات حقيقة، ووقائع ثابتة.

تاريخ درزي

وهنا يتناول الباحث بالنقد نجلاء أبو عز الدين (وهي درزية)، والتي اعتمدت كذلك في ردّها على التاريخ الماروني المدّعَى، على أن "الدروز" هم سكان المتن الشمالي الذي يُعدّ الآن من كسروان الخارجة، غير أن الباحث يردّ عليها بأن المصادر التي اعتمدت عليها لم تحدد هوية سكان كسروان مذهبيًا. كما يتناول الباحث بالنقد المؤرخ سامي مكارم في كتابه (بالمشاركة مع عباس أبو صالح)، والذي بعنوان تاريخ الموحدين الدروز السياسي في المشرق العربي، وكذا في كتابه لبنان في عهد أمراء التنوخيينناقدًا إياه بأنه "يجعل العلاقة محايثة بين الطائفة والأرض، ويتلخص ذلك في أن كسروان أرض تنوخية درزية تاريخيًا منذ الفتح العربي، بل قبله، وأنه اعتمد على مصادر متأخرة كغيره.

تاريخ سنّي

وقد اتخذ الباحث من عمر عبد السلام تدمري نموذجًا للمؤرّخين السنة، ولا سيّما في كتابه تاريخ طرابلس، وبعض المقالات التي نشرها في مجلة الفكر الإسلامي، وقد أخذ الباحث على تدمري أنه اعتمد على مصادر متأخرة، وأنه "تغافل" عن بعض المصادر "التي

يعرفها"، وأنه لا يميّز بين الأخبار، فيعمل بطريقة "حاطب الليل"، وأنه أيضًا ربما يجد اللفظة "مصحّفة" في كتاب التاريخ، فيجعلها اسم علَم على فرقة مذهبية، ليست موجودة أصلً! معرّجًا على ما دار بينه وبين المؤرخ الشيعي محمد علي مكي، من أخذ وردّ.

تاريخ شيعي

وهنا يبرز محمد علي مكّ وكتابه لبنان من الفتح العربي إلى الفتح العثماني، وينتقده الباحث في كونه لم يرجع إلى أي مصدر أصيل للحديث عن حملات كسروان، بل اكتفى بالرجوع إلى مصادر "ثانوية"، وأنه وقع في فخّ "اختراع الأحداث التاريخية"؛ إذ ادّعى مكّ أن الحملة الثالثة على كسروان كانت بفتوى من ابن تيمية، وهنا يؤكّد الباحث باروت أن هذه فتوى "مدّعاة"، وأن محمد علي مكّ لم يثبت تلك الفتوى، وأنه "لا دليل على نص هذه الفتوى، كما لا دليل على أن ابن تيمية أفتى بها للأفرم [نائب دمشق أيام الحملة] ولا للسلطان الناصر [محمد بن قلاوون] لشرعنة الحملة، أو أن الأفرم طلب منه استصدار هذه الفتوى؛ إذ لم يلجأ السلاطين المماليك أو نوابهم إلى طلب مثلها في الحملات السابقة على كسروان، ولو طلب السلاطين أو نوابهم مثل هذه الفتوى لعرضوها على فقهاء دمشق لا على فقيه واحد بعينه" (ص. 56).

تاريخ نصيري (علوي)

يذكر الباحث أن "يقظة الذات النصيرية" جاءت متأخرة عن الذوات الطائفية الأخرى، تحديدًا بعد التنازع الشيعي السنّي حول كسروان. وقد كانت بداية هذه اليقظة، وحضور كسروان في التأريخ النصيري في كتاب منير الشريف العلويون من؟ وأين هم؟ الذي لم يحظَ باهتمام العلويين منذ تأليفه إلا في "مرحلة يقظة التواريخ الجديدة للذوات الطائفية اللبنانية المنبعثة خلال الحرب الأهلية اللبنانية". والذي أشار إلى كسروان في إطار الحديث عن هجرات العلويين إلى جبال اللاذقية، مستندًا إلى كتاب الدبس الماروني، وإذًا، فيجري عليه ما يجري على كتاب الدبس من الانتقادات عينها. لكنّ مؤرخًا آخر هو هاشم عثمان في كتابه تاريخ الشيعة في ساحل بلاد الشام الشمالي، أكّد أن فتوى ابن تيمية في النصيرية كانت وراء المذبحة الرهيبة التي تعرضوا لها في الحملة الثالثة على كسروان، وهو عين ما انتقده الباحث على المؤرخ الشيعي محمد علي مكّ. أما المؤرخ إميل آل معروف في كتابه تاريخ العلويين في بلاد الشام منذ فجر الإسلام إلى تاريخنا المعاصر، فينتقده الباحث في أنه اعتمد على "تاريخ خيالي متوهّم".

حملات كسروان: البناء التاريخي البديل كم يراه الباحث

وبعد أن استعرض الباحث أهم ما كتبه المؤرخون اللبنانيون، مصوبًا نحوهم سهام نقده، ومحللًالنصوص، ومقارنًا بينها وبين المصادر الأصلية التي اعتمدوها والتي نبّه إلى أنها متأخرة عن الحدث؛ يعيد باروت بناء حملات كسروان التاريخي، معتمدًا على المصادر الأصلية، راجعًا إلى شاهد عيان شارك في أهم حملة من الحملات المملوكية على كسروان، هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحرّاني؛ فيقيم بناءه على هذا الترتيب:

1) الحملة الأولى التي لم تحدث (1287)

والتي كانت في إثر صدّ التتار، والصراع الداخلي بين السلطان قلاوون والأمير سنقر الأشقر، إلا أنها لم تحدث؛ إذ انصرف المماليك عنها في سياق احتدام الصراع الصليبي-الصليبي في طرابلس، ما هيّأ الوضع لقلاوون الألفي "لقطفها والإجهاز عليها".

2) الحملة الثانية (الأولى فعليًا) وانكسارها: حملة بيدرا (1292)

بعد أن قام السلطان الأشرف خليل – الذي أكمل مسيرة والده في قلع جذور الصليبيين من الشام – بالتخلص من آخر معقل صليبي، دخل الشام في تاريخ جديد، وبرزت حينئذ مشكلة "كسروان" التي كانت – بحسب تعبير الباحث – "خاصرةً رخوةً" في حماية الشام من غارات قبرص بعد طرد الصليبيين. هذا، مع اشتعال نيران التآمر، وتصارع الأجنحة من أجل الاستيلاء على السلطة. في هذه الأوضاع، بدا للسلطان الأشرف أن يُدخل كسروان في قبضة السيطرة المملوكية، فأرسل إليها القائد بيدرا (الذي قتل الأشرف خليل في ما بعد، واستولى هو على السلطنة، ولقّب نفسه ب "السلطان القاهر")، إلا أن بيدرا لم ينجح، ورجع الجيش المملوكي شبه مكسور.

3) الحملة الثالثة (الثانية فعليًا)، ودور ابن تيمية فيها، وأطواره الثلاثة

تمكّن التتار بقيادة ملِكهم غازان من هزيمة الجيش المملوكي في معركة الخزندار (699 ه / 1299 م)، فعاد الجيش المملوكي مكسورًا، وفي طريق عودته، نزل الكسروانيون من الجبل، فتسلطوا على الجيش قتلً ونهبًا، ودخل جيش غازان دمشق، وجرت في خلال ذلك أحداثٌ كان لها أثرها في نفس ابن تيمية، وفي تحوّله إلى ابن تيمية الثاني، كما يستنتج الباحث، وقد مزج الباحث في سرده السياسي والتاريخي لحملات كسروان بين الأحداث وبين الأطوار التي مرّ بها ابن تيمية، واضعًا إياه في وسط الأحداث متفاعلً معها، منفعلً بها، وفاعلً مؤثرًا فيها.

أ. نهب الصالحية وحواضر دمشق

بعد دخول الجيش التتاري دمشق، تصدّى ابن تيمية مع عدد من العلماء الدمشقيين لغازان، طالبين منه الأمان لأهل دمشق، وردّ ما أخذوه منهم إليهم، فكتب لهم غازان فرمانًا بالأمان، لكن الجيش التتاري لم يلتزم بهذا، فجاس جنده خلال الديار، ونهبوا، وقتلوا، وفعلوا أفاعيل سجلها المؤرخون المعاصرون للحادثة. وكان نصيب منطقة الصالحية (معقل الحنابلة، وفيها كثير من فقهائهم وعلمائهم)، نصيبًا كبيرًا من النهب والاعتداء والتخريب، وقد قتل بعض علماء الحنابلة الذين سجلت كتب التراجم ما جرى لهم من مآسٍ، وقد أثّر هذا كثيرًا في نفس ابن تيمية وهو "الشيخ الحنبلي".

ب. تحوّل ابن تيمية من ابن تيمية الأوّل إلى ابن تيمية الثاني

كانت حادثة الصالحية سببًا – كما يستنبط الباحث – في أن يتحوّل ابن تيمية إلى طورٍ جديد في حياته، بعد طوره الأوّل؛ طور العالم الشابّ الحنبلي النابه، والذي يدرّس خلفًا لوالده، ويلتزم بالعقيدة السلفية "الصحيحة"، وله علاقات إيجابية جيدة مع بعض أعلام الشيعة الذين كانوا يحضرون حلقاته، ويناظرونه مناظرت علمية في بعض الأحيان. غير أن هذه الحادثة نقلته إلى الطور الثاني؛ ليغدو فاعلًاجتماعيًا وسياسيًا مؤثرًا في دمشق، فيقيم الحدود – أثناء الفراغ السياسي الذي أصاب دمشق -، ويريق الخمور، ويقوم بالحسبة. وبدأ خطابه يحتدّ تجاه الطوائف الأخرى، كالشيعة الاثني عشرية، والعرفانيين، بل الأشاعرة (وقد كان غازان ملك الشيعة شيعيًا اثني عشريًا، وقسمٌ من الجيش التتاري شيعيًا اثني عشريًا)، وأخذ ينهى أهل دمشق عن التضعضع، ويسعى للدفاع عن دمشق ويخاطب السلطان في هذا.

ج. الحملة الثالثة على كسروان (996 ه / 1300 م)، ومساهمة ابن تيمية فيها

وبعد سنين من الشد والجذب والصراع بين الجيش التتاري والجيش المملوكي، عادت دمشق إلى أحضان المماليك من جديد، وآن أوان معاقبة الكسروانيين. وهنا يرسل الأفرمُ (نائب دمشق) ابن تيمية في طليعة لإقناع الكسروانيين بالعودة إلى الطاعة، والخضوع للسلطة المملوكية، غير أن تلك المحاولات باءت بالفشل، وتقرر قتالهم، وكانت الحملة الثالثة على كسروان التي شارك ابن تيمية فيها بالسيف والقتال.

د. هوية الكسروانيين المذهبية بناء على رسالتَيِ ابن تيمية

أرسل ابن تيمية في أوّل الأمر، أثناء وجوده في كسروان، وبُعيد الانتهاء من المعركة مباشرة؛ رسالة إلى ابن عمّه الشيخ عز الدين بن تيمية رسالة، ذكر له فيها صفات سكان كسروان. ويبدو من هذه الرسالة أنه إنما يصف "الإمامية الاثني عشرية"، ولا سيّما أنه ذكر من عقائدهم "نكاح المتعة"، وهو أمر اختصّت به الإمامية الاثنا عشرية دون غيرها من طوائف الشيعة كالإسماعيلية والزيدية. أما الرسالة الثانية فأرسلها إلى السلطان قلاوون بعد عودته إلى دمشق، وفيها صرّح تصريحًا أشدّ وضوحًا بهوية سكّان كسروان، فأضاف إلى الشيعة الاثني عشرية، الدروز، والإسماعيلية، والنصيرية. ولئن كان ابن تيمية قد حدد هوية الكسروانيين المذهبية، فقد ذكر – في تحديد العناصر السياسية لغزوهم - أنهم "منافقون"، وأنهم يمالئون الصليبيين والتتار.

توتر العلاقات المملوكية–الإيلخانية، وبروز ابن تيمية الثالث

بعد مناظرات عديدة مع الأشاعرة والصوفية وغيرهم، وبعد دخول ابن تيمية السجن مرارًا وترحيله إلى مصر، بدأ طور ابن تيمية الثالث في الظهور، وفي هذا الدور، وفي إطار توتر العلاقات المملوكية- الإيلخانية؛ زادت شدّة وطأة ابن تيمية، فكتب كتابه الشهير منهاج السنة النبوية، الذي كتبه ردًا على العالم الشيعي ابن المطهّر الحلّ مفتي الدولة التتارية الإيلخانية في ذلك العصر، وفي هذا الطور الثالث كتب فتواه المعروفة المتداولة حتى اليوم في النصيرية في سياق نظام جباية مملوكي فرضه السلطان على النصيرية، وظهور مدّعٍ للمهدوية في جبلة جمع حوله الفلاحين والمزارعين وخرج على الدولة في ثورة ضد السلطات.

مرحلة ما بعد ابن تيمية الثالث: زوال الروط وبقاء الفتاوى

وبعد توتر العلاقات المملوكية- الإيلخانية، حلّ السلام بين السلطنتيْ، وهنا، انتهى دور ابن تيمية السياسيّ، ودخل المرحلة الأخيرة من المحنة، فسجن في دمشق من أجل فتواه في الطلاق التي وافق فيها فقه الشيعة الاثني عشرية! وزالت "الشروط الموضوعية" التاريخية التي فيها كتب ابن تيمية منهاج السنة، وفتواه في النصيرية وغيرها، لكنّ تداعيات تلك المرحلة المأزومة، مع ما نتج منها من فتاوى وآراء لابن تيمية وغيره؛ بقيت تعمل عملها، فتبنّت السلطة مقاومة "العرفانيين"، وشرعت في القضاء عليهم، وكذا من يجهر بسبّ الصحابيَيّن المقدَّمين عند أهل السنة؛ أبي بكر وعمر، وتسجل كتب التاريخ والتراجم سلسلة من "الإعدامات" في حق أعلامٍ من مخالفي الرأي، الذين غدوا "آخرَ" في نظر السلطات، ودخلت البلاد في زمنٍ بلغ الذروة من "التعصّب".

الثقافة المملوكية يف العصر الحاضر: تحوّل العوامل الثانوية إلى عوامل رئيسة

كانت الأوضاع السياسية والتاريخية، والأحوال السائدة من الدسائس والمؤامرات داخل السلطة المملوكية، والصدام الأيديولوجي والمسلّح بين المماليك والتتار، عوامل رئيسة، نشأت فيها آراء وفتاوى ومؤلفات بوصفها عوامل ثانويّة. زالت كل تلك العوامل الرئيسة، وتبدّل التاريخ، لكن بقيت تلك الآراء والفتاوى والمؤلفات لتكون هي العوامل الرئيسة، التي تعود إليها الأطراف الطائفية المتصارعة. وبهذا يختتم الباحث كتابه، بعد رحلة تاريخية لافتة، أعاد فيها البناء التاريخي لحملات كسروان، واضعًا ابن تيمية في مكانه بين الأحداث.

ثالثًا: مناقشة ونقد

أتى باروت في كتابه بأفكار "جديدة" في دراسة التاريخ المملوكي عامّة، وفي دراسته لفتاوى ابن تيمية بخاصّة. وبهذا أستطيع القول إنه بهذا الكتاب فتح "فتحًا جديدًا" في الدرس التاريخي على العموم، وفي درس التراث الديني – ولا سيّما تراث الطوائف – على الخصوص. وأرى أن الباحث وُفِّق في نقده الإيستوريوغرافي للمصادر التاريخية القديمة، وللمؤلفات التاريخية الحديثة في المسألة المبحوثة. كما أرى أن رصد تحولّات ابن تيمية وأطواره، ووضعه بآرائه وفتاواه وبعض مؤلفاته في سياقه التاريخي، معقول ومنطقي، بل هو – فوق هذا – "لافت". وقد تجاوز الباحث مواقف الدارسين لابن تيمية بين تأييد ودفاع، ومعارضة وهجوم، فنأى بنفسه عن أحكام القيمة، وعن منطق الصواب والخطأ؛ إلى درس فتاوى ابن تيمية درسًا تاريخيًا، بدا فيه ابن تيمية مفهومًا على نحو أدقّ، وهذا – بحكم تخصصي بابن تيمية ومؤلفاته – فتحٌ جديدٌ، لا في الدرس التاريخي فقط، بل في الدرس الديني كذلك. هناك ملاحظة شكليّة في ترتيب بعض أبواب الكتاب وفصوله؛ ذاك أن رسالتَيِ ابن تيمية في تحديد هوية كسروان، كان أليقَ بهما لو وُضِعتا بعد ذكر حملة كسروان الثالثة وتفاصيلها، لا في الباب المخصص لنقد كتابات المؤرخين اللبنانيين. ربما كان من الأولى، كذلك، لو ذكر الكاتب أثر "حنبليّة" ابن تيمية في آرائه، والحنابلة – كما هو معلوم – أشدّ المذاهب على الاثني عشرية، فضلً عن تشدّدهم مع "غلاة الشيعة" كالإسماعيلية والقرامطة وغيرهم. هذا، وبحكم أن ابن تيمية من "حرّان"، فقد فات المؤلف أن يشير إلى أثر ذلك في ابن تيمية، من حيث كون حرّان ثغرًا من الثغور، لم تهدأ على مرّ العصور، وكان لبعض قضاتها من الحنابلة – في القرن الخامس الهجري – ثورة على واليها "الشيعي"، بسبب اختلاف المذهب، بل إن ابن تيمية إنما انتقل صبيًا مميّزًا من حرّان إلى دمشق بسبب عدوان التتار عليها. أغفل الكاتب أيضًا أثر المدارس التي بدأ إنشاؤها منذ عهد السلاجقة، فالأتابكيين، فالأيوبيين، وبقيت مستمرة إلى عهد المماليك، والتي إنما بُنيت ردة فعل على الدعوة الفاطمية، ودُشّنت أيديولوجيًّا بكتابَْ أبي حامد الغزالي الشهيرين؛ فضائح الباطنية، وتهافت الفلاسفة. ومن هنا لم يُسجن ابن تيمية بسبب موقفه من الشيعة بمختلف طوائفهم. إنما ثار عليه الأشاعرة بسبب موقفه من "أسماء الله وصفاته"، و"تحريم شد الرحل إلى زيارة القبور" ومنها قبر النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، و"فتواه في الطلاق"، وقد نقم عليه السبكي

فردّ عليه بكتاب حافل، وانتقدَه بأنه إنما أخذ بقول "الرافضة" في هذا الرأي، وردّ عليه ابن تيمية بكتاب طويل، يؤيد فيه الاعتراف بالشيعة الاثني عشرية في الفقه، والاعتداد بهم في الخلاف. ومع هذا؛ فالدراسة التي تقدّم بها الباحث محمد جمال باروت، فتح جديد – كما أسلفت – في فهم الطائفية في المشرق العربي وتفكيكها بمراجعة بدايات التكون الموضوعية التاريخية، بل هي فتح جديد في دراسة الفتاوى الدينية ووضعها في سياقها التاريخي، فالفتاوى ليست إلا اجتهادًا بشريًا غير ملزِم كما يقول علماء أصول الفقه، والفتاوى – كما قال ابن قيم الجوزيّة (تلميذ ابن تيمية الأبرز) في كتابه إعلام الموقعين- تتغير بتغير الزمان والمكان والحال.