العودة إلى تفاصيل المؤلَّف تواصل النخب والتشكيلات الجزائرية مع الحركة الإصلاحية

تواصل النخب والتشكيلات الجزائرية مع الحركة الإصلاحية

The Algerian Elite and its Connection to a Reform Movement

نور الدين ثنيو

الملخّص

يحاول هذا البحث أن يؤكد حقيقة سياسية وثقافية، شهدتها الجزائر إبّان الحكم الفرنسي، بدايةً من ثلاثينيات القرن العشرين، بعد تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عام 1931. ساد الخطاب الإصلاحي واستندت إليه التشكيلات السياسية والتنظيمات المدنية كافة على اختلافها وتنوعها، كما تعاملت السلطة الاستعمارية مع جمعية العلماء المسلمين الجزائرين على أنها حزب، له قوة عمومية ونفوذ في الأوساط الاجتماعية الأهلية المسلمة التي رشحته لأن يكون أرضية ومرجعية فكرية للنخبة السياسية والثقافية الجزائرية. تواصلت النخب والتشكيلات الجزائرية مع الحركة الإصلاحية لاستكمال جوانبها الناقصة خاصة منها فهم الدين وتداول اللغة العربية من أجل الإفصاح عن الهوية وتشكُّلها في سياق وضع استعماري خطير.

Abstract

This paper attempts to illustrate a political and cultural reality witnessed by Algeria during French rule, beginning in the 1930 s, following the establishment of the Algerian Muslim Scholars Association in 1931. Reformist discourse at the time prevailed and was adopted by all kinds and varieties of political formations and civil organizations. The colonial authority also dealt with the Algerian Muslim Scholars Association as a party, with public power and influence in Muslim social and community circles, and nominated it as the groundings and intellectual reference for the Algerian political and cultural elite. Algerian elites and groups communicated with the reformist movement to complement what it lacked, especially their knowledge of religion and the use of the Arabic language in order to reveal and form identity in the context of a grave colonial situation.

الكلمات المفتاحية:
  • الخطاب الإصلاحي
  • الاستعمار الفرنسي
  • الهوية الجزائرية
  • جمعية العلماء
  • الأحزاب الجزائرية
Keywords:
  • Reformist discourse
  • French colonialism
  • Algerian identity
  • Algerian Muslim Scholars Association
  • Algerian parties
نور الدين ثنيو| Teniou *Noureddine
نور الدين ثنيو | Teniou Noureddine
تواصل النخب والتشكيلات الجزائرية مع الحركة الإصلاحية
The Algerian Elite and its Connection to a Reform Movement

يحاول هذا البحث أن يؤكد حقيقة سياسية وثقافية، شهدتها الجزائر إبّان الحكم الفرني، بدايةً من ثلاثينيات القرن العرين، بعد تأسيس جمعية العلمء المسلمن الجزائرين عام 931.1 ساد الخطاب الإصلاحي واستندت إليه التشكيلات السياسية والتنظي

ت المدنية كافة عى اختلافها وتنوعها، كم تعاملت السلطة الاستعمرية مع جمعية العلمء المسلمن الجزائرين عى أنها حزب، له قوة عمومية ونفوذ في الأوساط الاجتمعية الأهلية المسلمة التي رشحته لأن يكون أرضية ومرجعية فكرية للنخبة السياسية والثقافية الجزائرية. تواصلت النخب والتشكيلات الجزائرية مع الحركة الإصلاحية لاستكمل جوانبها الناقصة خاصة منها فهم الدين وتداول اللغة العربية من أجل الإفصاح عن الهوية وتشكُّلها في سياق وضع استعمري خطر. كلمت مفتاحية:  الخطاب الإصلاحي، الاستعمر الفرني، الهوية الجزائرية، جمعية العلمء، الأحزاب الجزائرية.

أستاذ التاريخ بجامعة الأمير عبد القادر، قسنطينة، الجزائر. Professor of History at Emir Abdelkader University, Constantine, Algeria.

مقدمة

يسعى هذا البحث لدراسة تاريخ الجزائر، بدايةً من ثلاثينيات القرن العشرين، من خلال مقاربة تواصل النخب والتشكيلات الجزائرية مع الحركة الإصلاحية. فقد تبيّن أن نشاط جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والعمل الكبير الذي اضطلع به الشيخ عبد

الحميد بن باديس، قبل تأسيس الجمعية عام 1931، وبعدها، مثلّا أرضية ركينة تقاطعت معها كل التيارات والقوى التي ازدهرت في تلك الحقبة من تاريخ الجزائر المستعمَرة. تناولت كل المراجع التي أرّخت للحركة الوطنية الجزائرية، بدايةً من الحرب العالمية الأولى إلى اندلاع الثورة التحريرية عام 1954،

الحراكَ العام الذي نشّطته تشكيلات وأحزاب سياسية واجتماعية جزائرية في مواجهة الوضع لاستعماري1. وأفردت تلك المراجع مبحثًا، قد يتسع في هذا المرجع أو ذاك، للحركة الإصلاحية، خاصةً بعد تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. وعلى الرغم من أن الحركة الوطنية، كما كانت تفهم طوال تاريخها الفعلي، هي حركة سياسية بامتياز قائمة على أيديولوجيا حزبية، فإن ذلك لم يمنع التأريخ المعاصر الذي جاء في مرحلة ما بعد الكولونيالية2، من إقحام تاريخ الحركة الإصلاحية في هذا التاريخ الوطني، بل مثّلت هذه المقاربة (أي عدم لاقتصار على ما هو سياسي فقط)، نوعًا من تحرير تاريخ الجزائر المعاصر، ليس من لاستعمار فحسب، بل من النزعة

الوطنية وروحها الضيقة أيضًا. وبناء عليه، احتاج الأمر إلى الوصول إلى لحظة ما بعد الكولونيالية للاطمئنان إلى كتابة موضوعية تأخذ بالمسافة النقدية، وبروح التجرد والتّنزّه عن السياسوي والأيديولوجي وحتى الديني والشعبوي. ننطلق في هذا البحث من اللحظة المعاصرة لكتابة تاريخ الجزائر التي توفر لنا رؤية عامة وشاملة، تُوق فنا على تفاصيل العلاقات والصلات بين الفاعلين والصانعين للأحداث التاريخية ووقائعها. فالرؤية الراهنة لم تكن متاحة في ذلك الزمن، كما أن التشكيلات الجزائرية ونُخبها لم تكن على قدر من الوعي بأنها تتكامل3، وأن الحدث الكامل هو من صنع الجميع، وإنْ كان بتفاوت في قوة فعل كل واحد. والحقيقة أن الرؤية ما بعد الكولونيالية، هي التي تؤكد عبر التحليل والنقد أن النظام لاستعماري هو القادر عبر السيطرة و لاستغلال على فرض سلطة النسق والنظام، في الوقت ذاته الذي يحرم فيه ويمنع قيام أي نسق سياسي أو قانوني للأهالي، ومن ثم، فالسلطة لاستعمارية هي تَغييب مستمر لإمكانية وجود سلطة موازية لها. إلا أن الأمر أصبح مختلفًا مع الحركة الإصلاحية عندما استطاعت أن تنشئ نظامًا تربويًا تعليميًا ودينيًا يضاهي السلطة لاستعمارية. وإذا كان الحديث يجب أن يجري على فكرة لاستقلال

والنظام، فإن الحركة الإصلاحية حققت ذلك في سياق ومعنىً يختلفان عن منطق الحرب والعنف والثورة المسلحة.

1 نشير في هذا الصدد إلى الكتابات التالية التي تعد من الكتابات الكلاسيكية التي تخصصت في كتابة تاريخ الجزائر الحديث والمعاصر، وأفردت حيزًا لنشاط الحركة

الإصلاحية ولرجال الإصلاح، انظر:

Charles André Julien, L'Afrique du nord en marche: Nationalismes musulmans et souveraineté française , tome 2 (Tunis: Cérès Editions, 2001); Charles Robert Ageron, L'histoire de l'Algérie contemporaine 1871  -  1954 , tome 2 (Paris: Presses Universitaires de France, 1979).

ه بالنسبة إلى المؤرخين الجزائريين الذين بحثوا وأرَّخوا للحركة الوطنية الجزائرية. فقد تناول أبو القاسم سعد الله الوطنية في مدلولها العام، وخصَّ جمعية العلماء بمبحث في

الجزء الثاني من مؤلفه: الحركة الوطنية الجزائرية (الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، [د.ت.])؛ تناول قدّاش في مؤلفهتاريخ النزعة الوطنية، العملَ الإصلاحي لجمعية

العلماء باعتباره فعلً سياسيًا، انظر:

Mahfoud Kaddache, Histoire du nationalisme Algérien: Question nationale et politique Algérienne 1919  -  19 51 (Alger: SNED, 1981).

2 حول كتابة تاريخ لاستعمار وقراءته وفق مقاربةٍ ما بعد كولونيالية، انظر: نور الدين ثنيو، "قراءة وكتابة تاريخ لاستعمار في لحظة ما بعد الكولونيالية "، المجلة العربية

للعلوم السياسية، العدد 33 (شتاء 2012)، ص 37  -  57. 3 في دراسة سابقة لتاريخ الجزائر الحديث والمعاصر، حاولنا أن نقاربه من خلال تكامل التشكيلات السياسية في إطار الحركة الوطنية الجزائرية، بداية من تشكيل أول

نخبة سياسية جزائرية عام 1912، إلى الحرب التحريرية عام 1954، انظر: نور الدين ثنيو، إشكالية الدولة الجزائرية في تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية 1912  -  1954

(بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015.)

  1. نشير في هذا الصدد إلى الكتابات التالية التي تعد من الكتابات الكلاسيكية التي تخصصت في كتابة تاريخ الجزائر الحديث والمعاصر، وأفردت حيزًا لنشاط الحركة الإصلاحية ولرجال الإصلاح، انظر: Charles André Julien, L'Afrique du nord en marche: Nationalismes musulmans et souveraineté française , tome 2 (Tunis: Cérès Editions, 2001); Charles Robert Ageron, L'histoire de l'Algérie contemporaine 1871  -  1954 , tome 2 (Paris: Presses Universitaires de France, 1979). ه بالنسبة إلى المؤرخين الجزائريين الذين بحثوا وأرَّخوا للحركة الوطنية الجزائرية. فقد تناول أبو القاسم سعد الله الوطنية في مدلولها العام، وخصَّ جمعية العلماء بمبحث في الجزء الثاني من مؤلفه: الحركة الوطنية الجزائرية (الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، [د.ت.])؛ تناول قدّاش في مؤلفهتاريخ النزعة الوطنية، العملَ الإصلاحي لجمعية العلماء باعتباره فعلً سياسيًا، انظر: Mahfoud Kaddache, Histoire du nationalisme Algérien: Question nationale et politique Algérienne 1919  -  19 51 (Alger: SNED, 1981).
  2. حول كتابة تاريخ لاستعمار وقراءته وفق مقاربةٍ ما بعد كولونيالية، انظر: نور الدين ثنيو، "قراءة وكتابة تاريخ لاستعمار في لحظة ما بعد الكولونيالية "، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد 33 (شتاء 2012)، ص 37  -  57.
  3. في دراسة سابقة لتاريخ الجزائر الحديث والمعاصر، حاولنا أن نقاربه من خلال تكامل التشكيلات السياسية في إطار الحركة الوطنية الجزائرية، بداية من تشكيل أول نخبة سياسية جزائرية عام 1912، إلى الحرب التحريرية عام 1954، انظر: نور الدين ثنيو، إشكالية الدولة الجزائرية في تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية 1912  -  1954 (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015.)

الحقيقة الأخرى التي مثَّلت لاستثناء في تاريخ الحركة الوطنية والتأريخ لها أيضًا، هي أن جمعية العلماء أقوى تنظيمٍ عبّ عن

الحركة الإصلاحية بقوة الفعل السياسي، على الرغم من أنها لم تكن من أصول وطبيعة حزبية، فقد كانت تفصح بتلقائية وسلاسة عن البعد لاجتماعي القاعدي للمجتمع الجزائري، وتمكّنت من بلورته في مقوّم أساسي ومحدِّد جوهري للأمة الجزائرية بالقدر الذي

استفادت منه التشكيلات السياسية ونُخبها كافة، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية عندما تسنّت لبعض الأحزاب المشاركة في لانتخابات

المحلية وفي الجمعية الجزائرية. فقد تطلّب ضرورة توضيح المسألة الأهلية بما تنطوي عليه من الدين الإسلامي واللغة العربية والقضاء الإسلامي4؛ وهي المج لات والميادين التي عملت جمعية العلماء على الإفصاح عنها بقدر كبير من العمل و لاجتهاد النظري5. وإذا كانت مسألة التأريخ للجزائر العربية والمسلمة صعبة في ظل السلطة لاستعمارية التي تُشتّت الجهد وتُفتّته، وتحُول دون وصوله إلى آخر

تكويناته، فإن الصعوبة مسّت في حقيقة الأمر الأحزاب السياسية والتنظيمات اليسارية، خاصة تلك التي كانت تعبّ عن نفسها باللسان

الفرنسي6، بينما اختلف الأمر لدى الإصلاحيين؛ فقد وجدوا أن كتابة التاريخ "الوطني"7 شرط لازم ولا مناص منه من أجل استكمال أهداف المشروع الإصلاحي.

مركزية الحركة الإصلاحية ومحوريتها

مثّل الخطاب الإصلاحي الأرضية التي تواصلت فيها وتكاملت معها كل النخب الجزائرية وتشكيلاتها التي ظهرت في الجزائر طوال ثلاثينيات القرن الماضي إلى غاية الثورة التحريرية عام 1954 وما بعدها. كانت لحظة الحرب العالمية الأولى وتداعياتها على حالة وعي الجزائريين قويةً ومؤثرةً إلى حد دعتهم إلى تشكيل المنابر والجمعيات والنوادي والمدارس التعليمية الحرة... إلخ، و لانخراط في العمل السياسي والفكري. ولعلّ ما يؤكد هذه الحقيقة الجديدة في حياة النخبة الإصلاحية هو تأسيس منبرٍ لصحيفة المنتقد عام 1925، وما تلاه من صحائف أخرى أكدت التوجه العام نحو ترقية الإنسان الأهلي المسلم وانعتاقه وتحرره، والسعي الحثيث لتعديل شروط الحياة ضمن مؤسسات الدولة الحديثة. ولئن كانت لحظة التأسيس لا تكشف عن كامل التجربة ولا تعبّ عن الأهداف كافة، لأنها لحظة في إرهاصاتها الأولى، فإن مواصلة

النشاط لاجتماعي والمهني والسياسي والتعليمي أرسى حقائق جديدة، كان أبرزها ظهور النخب الجزائرية التي استقلت بتصورات معينة ورؤىً مختلفة تستلهم خبرتها من مصادر فكرية متنوعة. كانت النخبة الإصلاحية تعمل إلى جانب نخب أخرى شُكِّلت في لحظات

تاريخية وتتواصل مع وقائع المجتمع الجزائري وأحداثه في صلته بمؤسسات الدولة الفرنسية. وكانت الحقيقة التي قلّما كشف عنها

4 انظر: الكُتيّب الذي تضمّن التقرير الذي قدمه مجلس إدارة العلماء المسلمين الجزائريين الحكومة الجزائرية، بعد انعقاد اجتماعه في 5 آب/ أغسطس 1944، في: المسائل

الدينية الثلاث: المساجد، التعليم، القضاء (الجزائر: المطبعة الجزائرية، 1944.)

5 الحقيقة، بعد لاستقلال، اسْتُدْع ي تراث الحركة الإصلاحية لكي يغطي الهوية الجزائرية التي طرحت بقوة ويعبّ عنها. فقد استنجدت الدولة الجزائرية الناشئة بتراث

رجال الإصلاح بما يسعفها لمواجهة مسألة الهوية، وكرست يوم وفاة الشيخ عبد الحميد بن باديس يومًا وطنيًا للعلم، ويعد الشخصية الوحيدة التي عقد عليها الإجماع الوطني.

6 تعزى صعوبة كتابة اليسار الجزائري لتاريخ الجزائر العربية والمسلمة إلى الأيديولوجيا الماركسية التي تبناها هذا التيار، وترى في الغالب أن ما عليه المجتمع الجزائري من

تخلّف يعزى إلى الدين ذاته وإلى اللغة العربية التي لم تعد تتجاوب مع العصر، فضلً عن أن النخبة اليسارية الناشطة تمتلك اللغة الفرنسية باعتبارها أداة تواصل سهل مع

الإدارة الفرنسية ومقاومة فعالة للوضع لاستعماري. وقد استغنى اليسار الجزائري عن اللغة العربية لغياب الحاجة إليها، ولقربه الشديد من الخطاب لاشتراكي والشيوعي

الفرنسي، ولصلته بمجاله العمالي ونشاطه النقابي. ولم يتغير الوضع بالنسبة إليه إلا عندما جاءت اللحظة الدولية التي تلح على ضرورة توكيد الخصائص الوطنية من أجل تبرير

لاستقلال والمطالبة بالتحرر و لانعتاق. 7 من بواكير الأعمال التي أرّخت لتاريخ الجزائر، باعتبارها كيانًا وطنيًا، انظر: مبارك الميلي، تاريخ الجزائر في القديم والحديث، تقديم وتصحيح محمد الميلي (الجزائر:

المؤسسة الجزائرية للكتاب، [د.ت.])؛ أحمد توفيق المدني، كتاب الجزائر: تاريخ الجزائر إلى يومنا هذا وجغرافيتها الطبيعية والسياسية وعناصر سكّانها ومدنها

ونظامها وقوانينها ومجالسها والحالة الاقتصادية والعلمية والاجتماعية (الجزائر: المطبعة العربية، [1931.)]

  1. انظر: الكُتيّب الذي تضمّن التقرير الذي قدمه مجلس إدارة العلماء المسلمين الجزائريين الحكومة الجزائرية، بعد انعقاد اجتماعه في 5 آب/ أغسطس 1944، في: المسائل الدينية الثلاث: المساجد، التعليم، القضاء (الجزائر: المطبعة الجزائرية، 1944.)
  2. الحقيقة، بعد لاستقلال، اسْتُدْع ي تراث الحركة الإصلاحية لكي يغطي الهوية الجزائرية التي طرحت بقوة ويعبّ عنها. فقد استنجدت الدولة الجزائرية الناشئة بتراث رجال الإصلاح بما يسعفها لمواجهة مسألة الهوية، وكرست يوم وفاة الشيخ عبد الحميد بن باديس يومًا وطنيًا للعلم، ويعد الشخصية الوحيدة التي عقد عليها الإجماع الوطني.
  3. تعزى صعوبة كتابة اليسار الجزائري لتاريخ الجزائر العربية والمسلمة إلى الأيديولوجيا الماركسية التي تبناها هذا التيار، وترى في الغالب أن ما عليه المجتمع الجزائري من تخلّف يعزى إلى الدين ذاته وإلى اللغة العربية التي لم تعد تتجاوب مع العصر، فضلً عن أن النخبة اليسارية الناشطة تمتلك اللغة الفرنسية باعتبارها أداة تواصل سهل مع الإدارة الفرنسية ومقاومة فعالة للوضع لاستعماري. وقد استغنى اليسار الجزائري عن اللغة العربية لغياب الحاجة إليها، ولقربه الشديد من الخطاب لاشتراكي والشيوعي الفرنسي، ولصلته بمجاله العمالي ونشاطه النقابي. ولم يتغير الوضع بالنسبة إليه إلا عندما جاءت اللحظة الدولية التي تلح على ضرورة توكيد الخصائص الوطنية من أجل تبرير لاستقلال والمطالبة بالتحرر و لانعتاق.
  4. من بواكير الأعمال التي أرّخت لتاريخ الجزائر، باعتبارها كيانًا وطنيًا، انظر: مبارك الميلي، تاريخ الجزائر في القديم والحديث، تقديم وتصحيح محمد الميلي (الجزائر: المؤسسة الجزائرية للكتاب، [د.ت.])؛ أحمد توفيق المدني، كتاب الجزائر: تاريخ الجزائر إلى يومنا هذا وجغرافيتها الطبيعية والسياسية وعناصر سكّانها ومدنها ونظامها وقوانينها ومجالسها والحالة الاقتصادية والعلمية والاجتماعية (الجزائر: المطبعة العربية، [1931.)]

التحليل التاريخي هي أنّ التجربة الإصلاحية في صلتها بالتجارب الأهلية والوطنية وحتى الفرنسية أكدت الوعي ب لاختلاف وصعوبة احتكار الحقيقة لاجتماعية أو السياسية من لدن فصيل واحد أو تيار سياسي واحد، وأنّ التواصل البَيْني، ولو نوعًا من التواصل، هو

السبيل إلى التفاعل والتكامل وصناعة الحدث في مدلوله التاريخي الإيجابي، على ما تم عام 1936 عندما تمكنت القوى المثقفة والنخب السياسية و لاجتماعية من أن تتجاوب مع دعوة الشيخ ابن باديس8 لعقد مؤتمر إسلامي في مدينة الجزائر، وتُنْج ز أول حدث مهم لممثلي الأهالي الجزائريين في مرحلة النضال السياسي و لاجتماعي. عبّ المؤتمر الإسلامي الأول عن بداية البحث عن الجهد المشترك من أجل تحقيق وحدة المجتمع الجزائري9 الآيل إلى التأطّر في

تنظيم سياسي وقانوني يسمح له ب لازدهار والتَّقي في الحياة المدنية الحديثة والمعاصِة؛ ذلك أنه كان بداية الوحدة التي يجب أن يعبّ

عنها الجميع10. وكان لهذا الإصرار المتواصل لما بعد المؤتمر، على أخذ الكلمة أمام الجميع وتقديم لاقتراح إلى كل التشكيلات والأطياف السياسية والفكرية القائمة في حياة الجزائريين، أن أفضى إلى محاولات تشكيل تنظيمات وتجمُّعات سياسية واجتماعية كان أبرزها لاتفاق

الكبير الذي اجتمعت فيه القوى الأهلية حول بيان فرحات عباس الذي وجَّهه إلى السلطات الفرنسية يدعوها فيه إلى تعديل سياستها

وإصلاحها حيال الأهالي بمنحهم حقوقًا وحريات تساعدهم على ارتياد المواطنة والعضوية التامة في مؤسسات الدولة القائمة11. التمست الحركة الإصلاحية، منذ ميلادها، مقومات الأمة الجزائرية من أجل النهوض بها في سياق التاريخ الحديث والمعاصر.

وتعاملت مع الدين الإسلامي من منطلق إعادة تحريره من سطوة لاستعمار وأَسر النظم الطرقية المتكلّسة في تقاليد وعادات وأمزجة نفسية وروحية بالية، كما تعاملت مع اللغة العربية بوصفها مقَوِّمًا يساعد على بلورة وسيلة تعبير قومية يتداولها الجميع وتوصلهم إلى كافة

المراتب والمناصب ومج لات الحياة ومؤسسات الدولة المدنية الحديثة. في الحقيقة، واعتمادًا على أن اللاحق يفسر السابق ويوضحه،

8 جاء في دعوة ابن باديس إلى مؤتمر يضمّ الأطراف الجزائرية كافة، ما يفيد صراحة أن الجميع معني بتحديد مصير الجزائر وتقريره: "إن اقتراح نظام آخر (غير ما هو

قائم وما تعزم الإدارة فعله) مسألة ينوء بحملها كاهلي، لأنها مسؤولية عظيمة وثقيلة. إن تحديد نظام سياسي للمسلمين الجزائريين مسألة حيوية وحسَّاسة، يجب أن لا تُنَاط

بشخص واحد مهما كانت قيمته وسلطته، ولا تستند إلى هيئة واحدة مهما كانت سمعتها ونفوذها على الجمهور. وإنما يعهد الأمر كلّه إلى كافة الأطراف الممثلة للمسلمين

وقادة الرأي ورجال السياسة، و"العلماء" والمنتخبين ورجال القضاء والأساتذة والمعلمين"، في:

Benbadis, "nos revendications," La Défense , no. 88 (3 janv. 1936).

9 قراءة فاحصة وتحليلية لكراس مطالب الشعب الجزائريالذي تمخض عن المؤتمر الإسلامي الأول الذي عقد في 7  حزيران/ يونيو  1936، تظهر ما يفيد تكامل

المطالب بالقدر الذي تكشف عن نصيب كل نخبة وتشكيلة جزائرية، وكان نصيب جمعية العلماء مسألةَ التعليم العربي والدين الإسلامي. حول المؤتمر الإسلامي والأطراف

التي ساهمت فيه والتي تبنته، انظر:

Kaddache, pp. 427  -  462.

10 في السِّجل التالي الذي قيّدت فيه الإدارة الأمنية مطالب الحركة الإصلاحية ومساعيها ما يفيد صبغتها السياسية والعمومية: تضمّن ميثاق المؤتمر الإسلامي الأول الذي

شارك فيه العلماء في حزيران/ يونيو 1936 مطالبهم حول الدين الإسلامي والأوقاف. وفي عام 1941، قدّم العلماء في مدينة قسنطينة مذكّرة في الموضوع نفسه إلى السلطات

العمومية. وفي نيسان/ أبريل 1947، كتب الشيخ الإبراهيمي رسالة مفتوحة إلى وزير الداخلية في المسألة الدينية، ونشرت في بعض الجرائد مثل,: Républicain Alger

Egalité , Liberté، في أيار/ مايو 1950، توجّه العلماء بمذكرة (تقرير باللغتين العربية والفرنسية) إلى أعضاء الجمعية الجزائرية، عرضوا فيها مطالبهم التي يرونها جديرة

بحل مشكلة استقلال القضاء الإسلامي، كما ورد ذلك في المادة 5 من القانون الأساسي للجزائر. في كانون الأول/ ديسمبر 1950 تقدم المنتخبون لحزب لاتحاد الديمقراطي

للبيان الجزائري UDMA بمشروع قانون من وحي العلماء إلى مكتب الجمعية الجزائرية. وفي الوقت نفسه تقريبًا، ذهب الشيخان الإبراهيمي والعربي التبسي إلى المتروبول

ومكثا هناك 45 يومًا وقاما بنشاط واسع توزع على إلقاء المحاضرات وتنظيم لاجتماعات و لاتصال بالبرلمانيين وبحثوا معهم المسألة الدينية في الجزائر. وفي باريس، كانت

لهما اتص لات بممثلي البلدان العربية والإسلامية لتقديم الدعم والمساعدة والعون اللازم. ويواصل التقرير عرض مطالب العلماء وتحركاتهم واتص لاتهم في كل لاتجاهات

المحلية والخارجية، وأدرجها في النشاط السياسي. انظر:

La République Française, le Gouvernement Général d'Algérie, Direction de la Sureté Nationale, S/ dir. des Renseignements Généraux, SNA/ RG 3 , no. 6442.

11 بعد نشوب الحرب العالمية الثانية، تحركت النخبة الجزائرية التي تمثِّل الأهالي على مستوى البلديات بمذكرة إلى الحكومة العامة، في 31 آذار/ مارس 1943، وقّعها

فرحات عبّاس، وابن جلول، وابن خلاّف، وتامزالي، وصياح عبد القادر، وزروق محي الدين وغيرهم، وقُدّمت هذه الوثيقة إلى السلطات بعنوان: الجزائر أمام النزاع

الكولونيالي، عُرفت بعد ذلك باسمبيان الشعب الجزائري، وهي أوّل وثيقة تحمل الصفة "الرسمية" التي تعبّ عن الشعب الجزائري. انظر هذه الوثيقة التاريخية في:

Claude Collo & J.R. Henry, Le mouvement national par les textes (Alger: OPU, 1981), pp. 155  -  170.

  1. جاء في دعوة ابن باديس إلى مؤتمر يضمّ الأطراف الجزائرية كافة، ما يفيد صراحة أن الجميع معني بتحديد مصير الجزائر وتقريره: "إن اقتراح نظام آخر (غير ما هو قائم وما تعزم الإدارة فعله) مسألة ينوء بحملها كاهلي، لأنها مسؤولية عظيمة وثقيلة. إن تحديد نظام سياسي للمسلمين الجزائريين مسألة حيوية وحسَّاسة، يجب أن لا تُنَاط بشخص واحد مهما كانت قيمته وسلطته، ولا تستند إلى هيئة واحدة مهما كانت سمعتها ونفوذها على الجمهور. وإنما يعهد الأمر كلّه إلى كافة الأطراف الممثلة للمسلمين وقادة الرأي ورجال السياسة، و"العلماء" والمنتخبين ورجال القضاء والأساتذة والمعلمين"، في: Benbadis, "nos revendications," La Défense , no. 88 (3 janv. 1936).
  2. قراءة فاحصة وتحليلية لكراس مطالب الشعب الجزائريالذي تمخض عن المؤتمر الإسلامي الأول الذي عقد في 7  حزيران/ يونيو  1936، تظهر ما يفيد تكامل المطالب بالقدر الذي تكشف عن نصيب كل نخبة وتشكيلة جزائرية، وكان نصيب جمعية العلماء مسألةَ التعليم العربي والدين الإسلامي. حول المؤتمر الإسلامي والأطراف التي ساهمت فيه والتي تبنته، انظر: Kaddache, pp. 427  -  462.
  3. في السِّجل التالي الذي قيّدت فيه الإدارة الأمنية مطالب الحركة الإصلاحية ومساعيها ما يفيد صبغتها السياسية والعمومية: تضمّن ميثاق المؤتمر الإسلامي الأول الذي شارك فيه العلماء في حزيران/ يونيو 1936 مطالبهم حول الدين الإسلامي والأوقاف. وفي عام 1941، قدّم العلماء في مدينة قسنطينة مذكّرة في الموضوع نفسه إلى السلطات العمومية. وفي نيسان/ أبريل 1947، كتب الشيخ الإبراهيمي رسالة مفتوحة إلى وزير الداخلية في المسألة الدينية، ونشرت في بعض الجرائد مثل,: Républicain Alger Egalité , Liberté، في أيار/ مايو 1950، توجّه العلماء بمذكرة (تقرير باللغتين العربية والفرنسية) إلى أعضاء الجمعية الجزائرية، عرضوا فيها مطالبهم التي يرونها جديرة بحل مشكلة استقلال القضاء الإسلامي، كما ورد ذلك في المادة 5 من القانون الأساسي للجزائر. في كانون الأول/ ديسمبر 1950 تقدم المنتخبون لحزب لاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري UDMA بمشروع قانون من وحي العلماء إلى مكتب الجمعية الجزائرية. وفي الوقت نفسه تقريبًا، ذهب الشيخان الإبراهيمي والعربي التبسي إلى المتروبول ومكثا هناك 45 يومًا وقاما بنشاط واسع توزع على إلقاء المحاضرات وتنظيم لاجتماعات و لاتصال بالبرلمانيين وبحثوا معهم المسألة الدينية في الجزائر. وفي باريس، كانت لهما اتص لات بممثلي البلدان العربية والإسلامية لتقديم الدعم والمساعدة والعون اللازم. ويواصل التقرير عرض مطالب العلماء وتحركاتهم واتص لاتهم في كل لاتجاهات المحلية والخارجية، وأدرجها في النشاط السياسي. انظر: La République Française, le Gouvernement Général d'Algérie, Direction de la Sureté Nationale, S/ dir. des Renseignements Généraux, SNA/ RG 3 , no. 6442.
  4. بعد نشوب الحرب العالمية الثانية، تحركت النخبة الجزائرية التي تمثِّل الأهالي على مستوى البلديات بمذكرة إلى الحكومة العامة، في 31 آذار/ مارس 1943، وقّعها فرحات عبّاس، وابن جلول، وابن خلاّف، وتامزالي، وصياح عبد القادر، وزروق محي الدين وغيرهم، وقُدّمت هذه الوثيقة إلى السلطات بعنوان: الجزائر أمام النزاع الكولونيالي، عُرفت بعد ذلك باسمبيان الشعب الجزائري، وهي أوّل وثيقة تحمل الصفة "الرسمية" التي تعبّ عن الشعب الجزائري. انظر هذه الوثيقة التاريخية في: Claude Collo & J.R. Henry, Le mouvement national par les textes (Alger: OPU, 1981), pp. 155  -  170.

نقول إن التواصل والتكامل يظهران أكثر في التحليل التاريخي منه في الوقائع والأحداث والسياق الذي عاشت فيه هذه النخب التي لم تكن على وعي كامل بأنها تنشط في إطار واسع هو السعي لتعزيز الجهد المشترك والتواصل العفوي والتلقائي. وهذه الحقيقة يكتشفها اليوم المناضل والمثقف اليساري الصادق هجرس، في كتابه "عندما تستيقظ أمة"، ويروي فيه فصولً من حياته خلال الأربعينيات، ويؤكد في مجال تكامل الحركة الإصلاحية وتواصلها مع بقية التيارات والتنظيمات الجزائرية أن تمثلّات العروبة والإسلام التي رافقت

أرضية مطالب الحركة الوطنية الجزائرية، كان الغالب فيها التيار الثوري والتيار الإصلاحي. فقد كان التياران يفصحان عن تعدد وتنوع في دواعٍ ودوافع حقيقية، وعن مصالح واقعية، حتى ولو أفضى ذلك إلى خلافات واختلافات في التعبير عن سياسة كل واحد منهما وعن نشاطهما الميداني. فقد التقى الفاعلون، بحسب انتماءاتهم لاجتماعية وتجانسهم الحزبي، فتعرفوا إلى أنفسهم من خلال رسالتين مختلفتين من الناحية السياسية لكنهما متداخلتان وتعتمد إحداهما على الأخرى من الناحية الأيديولوجية، ونقصد رسالة النزعة الوطنية الراديكالية لمصالي الحاج، والحركة الإصلاحية والثقافية لجمعية العلماء12. كانت الوحدات والتنظيمات السياسية لاجتماعية على اختلافها وتنوعها تتكامل في ما بينها، وتلتقي في ساحة العمل السياسي و لاجتماعي، كما أن جميعها كان ينطوي على نقص قد تجده عند الآخر، خاصة في ظل حالة استعمارية قائمة على الحرمان والكبت والتهميش. وتَبيّ في ما بعد أن أساس وحدة عمل الأهالي

ومطالبهم هو مواجهتهم لخصم واحد هو لاستعمار، وأن أفضل طريقة لمواجهته هي النشاط الإصلاحي. وهكذا، فقد كانت ساحة النشاط السياسي و لاجتماعي مجال التقاء وتلاق للفاعلين في حياة الأهالي المسلمين، والوصول إليهم عبر وسائل التنشئة لاجتماعية وأمكنتها13. وقد عبّ عنها الصادق هجرس باليقظة التي انتابت الأمة. ويضيف في هذا الصدد: "فقد ساد

لاعتقاد، زمن الأربعينيات أن هناك تصوريْن مختلفيْ لليقظة، أحدهما يغلب عليه الطابع الثقافي والآخر الطابع السياسي، والحقيقة

أن كليهما يوجدان ويتبادلان التأثير وإن بدرجات متفاوتة، استدعت عديد القنوات ووسائل التواصل بينهما. فقد تمكّن التّياران

الثوري والإصلاحي، وبصرف النظر عن درجة تقاربهما أو اختلافهما على الصعيد السياسي، من تبيّ طريقه ب لاعتماد على أحد المراجع

الأيديولوجية والفكرية للشيخ عبد الحميد بن باديس"14.

ابن باديس: مصلح بحجم الأمة

لازمت فكرة الإصلاح عند ابن باديس صاحبها، وهي اليوم تُقَيّم وتدرس على هذا الأساس؛ أي إن فكرة الإصلاح تعادل القائم

بها، ويمكن تحقيقها في الآن والمآل وفق ما يتجرد ويخلص لها. كانت هذه الحقيقة ماثلة لدى ابن باديس لمّا همّ بخوض حركته

الإصلاحية في الجزائر في عشرينيات القرن الماضي. وبناء عليه، فقد كان مصلحًا بحجم الأمة يتماهى مع حالها ويتواصل مع حراكها إلى

حين استرجاع هوية الجزائر وطنًا، أمةً ومجتمعًا، يضيق ب لاستعمار ويتسع لمؤسسات الدولة الحديثة كما يفصح عنها التاريخ المعاصر.

فقد سعى ابن باديس، من خلال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وشُعَبها المترامية في أرجاء واسعة من الوطن، لبلورة عناصر الذات

ومقوماتها وترقيتها، في سياق مؤسسات وهيئات ذات طابع عمومي؛ باعتبارها أفضل سبيل إلى التعالي عن النظم الطُّرقية والمذاهب الدينية الضيقة. فالإصلاح مفهوم عام وعمومي، من حيث توجهه إلى عموم الناس، يخاطبهم باعتبارهم أفرادًا، والعام هنا يشير إلى

الكافة Générale، كما أن مسعى الإصلاح في تجربة ابن باديس يشير أيضًا إلى العمومي ذي الصلة بالمؤسسة العمومية Publique.

12  Sadek Hadjerès, Quand une nation s'éveille: Mémoire tome 1 , 1928  -  19 49 (Alger: INAS Editions, 2014), p. 242.

13 حول دور وسائل التنشئة لاجتماعية، وقدرة الحركة الإصلاحية على ارتيادها والتأثير في الأهالي، انظر:

Afaf Zekkour, "Les lieux de sociabilité islahiste et leurs usages: La ville d'Alger (1931  -  1940)," Le Mouvement social , no. 236 (2011), pp. 23  -  34. 14  Hadjerès, p. 242.

  1. Sadek Hadjerès, Quand une nation s'éveille: Mémoire tome 1 , 1928  -  19 49 (Alger: INAS Editions, 2014), p. 242.
  2. حول دور وسائل التنشئة لاجتماعية، وقدرة الحركة الإصلاحية على ارتيادها والتأثير في الأهالي، انظر: Afaf Zekkour, "Les lieux de sociabilité islahiste et leurs usages: La ville d'Alger (1931  -  1940)," Le Mouvement social , no. 236 (2011), pp. 23  -  34.
  3. Hadjerès, p. 242.

وبناء عليه، لا ينفصل الإصلاح في تجربة ابن باديس والحركة الإصلاحية عامة عن فكرة العام التي تشمل الناس كافة، وكذلك يلتمس في الوقت ذاته المؤسسات العمومية وهيئات الدولة، فضلً عن أن الإصلاح الذي اضطلعت به النخبة الإصلاحية ينطوي في البدء والسياق على المشروع وسبيل تحقيقه؛ ما يضفي على النشاط الإصلاحي طابعه العملي. وفي هذه الفقرة من خطبة الشيخ ابن باديس ما يعين على تحديد

شمولية الإصلاح وعموميته: "إن جمعيتكم (جمعية العلماء)، جمعية علمية دينية، تدعو إلى العلم النافع ونشره وتُع ين عليه، وتدعو إلى الدين الخالص وتُبَيِّنه، وتعمل لتثبيته وتقوية وازعه في نفوس هذه الأمة"15. وفي هذا يبدو واضحًا تمامًا الإصرار على ربط الدعوة بوعي الناس

ونفوسهم. ويضيف ابن باديس: "فوظيفتها (جمعية العلماء) هي وظيفة المعلم المرشد الناصح في تعليمه وإرشاده، الذي لا يبتغي وراء عمله أجرًا

ولا محمدة"16، إشارة إلى أن القائمين على الحركة الإصلاحية تتوافر فيهم حالة من التجرد والإخلاص، "وقد أراد إخوانكم رجال مجلس إدارة الجمعية - وهم حاملو فكرة الإصلاح الديني والعاملون لها والمنفقون لأوقاتهم في سبيلها - أرادوا وكما كانوا أمثلة، فقد ضربوا الأمثال بأعمالهم، وها هي دروسهم في جهات القُطر ينبع منها التفسير الصحيح لكتاب الله، والتأويل الحقيقي لكلام نبيه، والشرح الكاشف لهدى السلف الصالح من أمته، وهذه محاضراتهم في جهات القُطر تتدفق منها البلاغة العربية وتنجلي فيها أسرار في خلقه وتنكشف فيها حقائق هذا الكون ويعرض فيها داء هذه الأمة ودواؤها، وها هم أولاء يحملون الأمانة الإسلامية فيحسنون حملها، ويؤدونها فيحسنون تأديتها، ويحملون الأمانة العلمية، فكل شيء عندهم بدليله، وكل شيء يطلب من سبيله"17. وفي كلام الشيخ ابن باديس ما يفيد أنه وَصْف لحالة قائمة

أنجزها العاملون في حقل الإصلاح، وأن الفكرة اكتسحت الميدان كله، وأن وضوح الفكرة من القدرة على التماس سبلها وطريقة تحقيقها. وهكذا، فالوعي بالهوية، في سياق تاريخ الحركة الإصلاحية والتاريخ المعاصر، ينطوي على اعتبارات ومسائل وشروط ناقصة يجري البحث عنها من أجل إدراجها في المشروع العام؛ أي تجسيد فكرة الإصلاح ذاتها. والوعي بالنقص في الهوية تكشفه حالة التخلف المتأتية من عصور التراجع العربي والإسلامي، ومن الوضع لاستعماري القائم في البلد، بوصفه جهازًا كابحًا لإمكانية ازدهار الشعب والإفصاح

عن مكوناته الذاتية. وبناء عليه، فابن باديس مصلح امتلك الفكرة وامتلكته أيضًا، وصار نشاطه من نشاط المجتمع والأمة، أو أن الأمة آيلة إلى التعبير عن نفسها وامتلاك مقوماتها عبر الحركة الإصلاحية. تعاملت السلطة لاستعمارية مع المسلمين الجزائريين باعتبارهم أهاليَ (فئةً سكانيةً) لا يرقون بعد إلى مصاف المواطنين، ولا يستحقون بعد الجنسية الفرنسية. بينما عمدت الحركة الإصلاحية إلى

العكس تمامًا، عندما راحت تثبت قابلية الأهالي إلى أن يصيروا مواطنين، ويستحقون بناءً على ما يقومون به من واجبات والتزاماتٍ كل

الحقوق والحريات التي تلازم حتمًا مؤسسة الدولة الحديثة.

النشاط الإصلاحي كم رصدته الإدارة الاستعمرية

تعاملت الإدارة لاستعمارية، مع جمعية العلماء المسلمين منذ تأسيسها عام 1931، على أنها حقيقة اجتماعية وثقافية تهتم بشأن الأهالي في أمور اللغة العربية والعبادات. وفي سياق متابعة نشاطاتها التربوية والتعليمية ورصدها، لم تلبث أن قيدت ما تقوم به الجمعية في خانة النشاط السياسي؛ لما لطبيعة النشاط العام الذي يرمي إلى الوصول إلى الجزائريين كافة أينما وجدوا، ولأن المجلس الإداري لجمعية العلماء انطوت تشكيلته على عناصر إصلاحية من كل مناطق القُطر؛ ما أضفى عليها البعد "الوطني"، ويستفيد من أعمالها كل الجزائريين، على تنوعهم الجهوي والمذهبي، واختلاف مستواهم الثقافي والعلمي.

15 عبد الحميد بن باديس، "خطاب رئيس جمعية العلماء بنادي الترقي"، الشريعة المحمدية، العدد 1، 17  /  7  /  1933. 16 المرجع نفسه. 17 المرجع نفسه.

  1. عبد الحميد بن باديس، "خطاب رئيس جمعية العلماء بنادي الترقي"، الشريعة المحمدية، العدد 1، 17  /  7  /  1933.
  2. المرجع نفسه.
  3. المرجع نفسه.

إن القراءة الفاحصة لوثائق الإدارة الفرنسية حيال النشاط الإصلاحي، والتي تأخذ بالموضوعية والتحليل التاريخي، تؤكد، من جملة ما تؤكد، أن جمعية العلماء ليست مثل سائر الجمعيات، وأن نشاطها ليس حصرًا ما جاء في المادة الرابعة من قانونها الأساسي

الذي حدد دورها في محاربة الآفات لاجتماعية، بل، لم يلبث أن تغيرّ وتطوّر تبعًا لتواصلها مع الشّعَب والفروع التي تنشأ مع الوقت، كما

تعاملت باستمرار مع الأحزاب الجزائرية في القضايا التي تهم الجزائر كيانًا وأمةً ودولة. ولعلّ هذا التحوّل الكبير الذي طرأ على الجمعية

هو الذي جعل الإدارة الفرنسية تتعامل معها على أنها "حزب العلماء"، وهذا ما حدا بنا إلى بحث موضوع التواصل والتكامل لنشاط العلماء مع سائر التنظيمات والنخب الجزائرية، ونوضّح ذلك في المبحث المتعلق بخصائص الأرضية الإصلاحية. يُظهر أرشيف الإدارة الفرنسية جمعيةَ العلماء على أنها تنظيم تجشم مهمة عظيمة عاند في تحقيق مشروعه الإصلاحي إلى حد

التضحية، والبذل المخلص له. فقد تولّت الجمعية مهمتها على أنها أمانة عُرضت عليها في أخطر مراحل التاريخ الحديث والمعاصر،

ومن ثمّ، فقد تكفلت بهذه الأمانة بالقدر الذي أدخلها التاريخ بمعناه الكبير، واستدرجها إلى التفاعل معه. وهكذا، كما سنشير إلى ذلك،

فإن أرشيف الإدارة الفرنسية يوقفنا على حقيقة تنظيم من الأهالي حاز منذ البداية خاصيته "الوطنية" على مستوى التمثيل الهيكلي للجمعية18، وعلى مستوى الخطاب الموجه إلى الجزائريين كافة19. ولعّلنا لا نجازف برأيٍ عندما نقول إن جمعية العلماء، باعتبارها مسارًا

تاريخيًا طوال وجودها، كانت "دولة" داخل الدولة، وإن المطاف النهائي لهذه الوضعية هو لاستقلال التام. وفي التقرير الذي رفعته، عام 1955، المديرية الفرعية للمخابرات العامة20 إلى كل السلطات الإدارية والعسكرية في الجزائر وفرنسا تنويهٌ واضح وصريح بمكانة جمعية العلماء ودورها الخطير في مستقبل فرنسا في الجزائر، بما في ذلك الأحداث التي تجري في الجزائر

منذ سنة تقريبًا. وجاء في محتويات التقرير النقاط التالية: أصول جمعية العلماء وتطورها وتنظيمها، ونشاطها في المجال الديني والثقافي،

وتم إفراد مبحث خاص لنشاطها السياسي، وفي الأخير رصد لكل أعمالها داخل الجزائر وخارجها. وتفيد القراءة الكاملة لهذا التقرير الذي يتجاوز خمسين صفحة، أن جمعية العلماء دولة داخل الدولة، وهو ما توضحه هذه الفقرة: ما يجدر ذكره، أن المؤسسات التعليمية التابعة للحركة الإصلاحية في الجزائر تمارس نشاطها بعيدًا عن القانون وفي غياب تام لرقابة السلطة عليها، فما كان يَهمُّها إلا نشاط

العلماء عندما يصدر منهم ما يمس بسمعة فرنسا وينال من صدقيتها. يتوجه التعليم الإصلاحي إلى قطاع معين؛ أي إلى الأهالي، وهو تعليم مناهض للعلمانية وللغرب بصورة عامة وضد فرنسا21. وما يدل على هيمنة النشاط على مج لات الحياة الأهلية وميادينها كافة،

ما يضيفه التقرير في شأن التربية والتَّمْهيِن: "وما يتطلب التنويه أيضًا، النشاط التربوي الذي يضطلع به العلماء خاصة عندما يتوجهون

18 تمخض لاجتماع التأسيسي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين في أيار/ مايو 1931 عن التشكيلة التالية على مستوى المجلس الإداري الذي يعد الهيئة التنفيذية

للجمعية: عبد الحميد بن باديس (قسنطينة)، والبشير الإبراهيمي (سطيف)، والطيب العقبي (بسكرة)، ومحمد الأمين العمودي (وادي سوف)، والعربي التبسي (تبسة)،

وأبو اليقظان (المزاب)، فضلً عن أن اللجنة الدائمة التي تشكّلت من الشيخ عمر إسماعيل (مدينة الجزائر) وأبو يعلى الزواوي (بلاد القبائل)، علاوةً على أن أعضاء

المجلس الإداري الذين جاؤوا في أعقاب لانتخابات السنوية كانوا يمثلون المناطق الجديدة التي يعيَّنون فيها مثل الياجوري والزاهري في وهران، ومبارك الميلي في الأغواط،

والإبراهيمي في تلمسان حيث يشرف على دار الحديث. كانت التشكيلة البشرية للجمعية العامة، حيث يحضر الآلاف من الجزائريين، يأتون من أطراف الجزائر وأعماقها

كافة. أما التمثيل على مستوى المجلس الإداري فقد كانت العملية تجري بعفوية تامة دونما خلفية جهوية وقبلية، بل اتسعت الجمعية، حتى لمن أراد أن يلتحق بها من

الطرقيين، على ما فعل مثلًالشيخ عبد العزيز بن الهاشمي الذي دافع عنه ابن باديس في محنته التي تعرض لها مع السلطات الفرنسية عام 1938، وزاره في عقر داره. ما يؤكد

المسعى "الوطني" للجمعية أن أعضاءها لم يتوانوا في السعي عبر السفريات المتعددة إلى نواحي الجزائر كافة وإلى فرنسا التي لم تفلت من النشاط الإصلاحي. 19 أساس الخطاب الإصلاحي أنه موجّه إلى كل الجزائريين المسلمين، وأن الصيغ المتداولة في هذا الخطاب: الشعب، الأمة، الجزائريون. ويخاطبهم ضمن مؤسسات

الدولة القائمة، ولا يلتفت إطلاقًا إلى الجهات التي ينحدرون منها، ولا المذهب الذي يعتقدونه، ولا حتى اللغة التي يتحدثونها ويكتبون بها. 20 أعدت هذا التقرير السنوي، وهو حصيلة التقارير الشهرية، المديرية الفرعية للمخابرات العامة لمتابعة نشاط الأحزاب السياسية، والذي تتابع فيه الوضع الأهلي العام

وحركة الأهالي، ومنها بطبيعة الحال جمعية العلماء. وهذا التقرير خاص بنشاط العلماء الإصلاحيين، أعدته مصلحة المخابرات العامة على أساس درجة خطورته على الوضع

العام في الجزائر، وينسب ما يجري في الجزائر من "أحداث العنف" في جزء منها إلى عناصر الجمعية. وما يحتاج إلى الكشف عنه أن التقرير وزع وجهته إلى كل السلطات العامة

في الجزائر وفي فرنسا سواء أكانت أمنية، عسكرية أو إدارية. انظر:

SLNA/RG. 3 , no. 6442. 21  Ibid.

  1. تمخض لاجتماع التأسيسي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين في أيار/ مايو 1931 عن التشكيلة التالية على مستوى المجلس الإداري الذي يعد الهيئة التنفيذية للجمعية: عبد الحميد بن باديس (قسنطينة)، والبشير الإبراهيمي (سطيف)، والطيب العقبي (بسكرة)، ومحمد الأمين العمودي (وادي سوف)، والعربي التبسي (تبسة)، وأبو اليقظان (المزاب)، فضلً عن أن اللجنة الدائمة التي تشكّلت من الشيخ عمر إسماعيل (مدينة الجزائر) وأبو يعلى الزواوي (بلاد القبائل)، علاوةً على أن أعضاء المجلس الإداري الذين جاؤوا في أعقاب لانتخابات السنوية كانوا يمثلون المناطق الجديدة التي يعيَّنون فيها مثل الياجوري والزاهري في وهران، ومبارك الميلي في الأغواط، والإبراهيمي في تلمسان حيث يشرف على دار الحديث. كانت التشكيلة البشرية للجمعية العامة، حيث يحضر الآلاف من الجزائريين، يأتون من أطراف الجزائر وأعماقها كافة. أما التمثيل على مستوى المجلس الإداري فقد كانت العملية تجري بعفوية تامة دونما خلفية جهوية وقبلية، بل اتسعت الجمعية، حتى لمن أراد أن يلتحق بها من الطرقيين، على ما فعل مثلًالشيخ عبد العزيز بن الهاشمي الذي دافع عنه ابن باديس في محنته التي تعرض لها مع السلطات الفرنسية عام 1938، وزاره في عقر داره. ما يؤكد المسعى "الوطني" للجمعية أن أعضاءها لم يتوانوا في السعي عبر السفريات المتعددة إلى نواحي الجزائر كافة وإلى فرنسا التي لم تفلت من النشاط الإصلاحي.
  2. أساس الخطاب الإصلاحي أنه موجّه إلى كل الجزائريين المسلمين، وأن الصيغ المتداولة في هذا الخطاب: الشعب، الأمة، الجزائريون. ويخاطبهم ضمن مؤسسات الدولة القائمة، ولا يلتفت إطلاقًا إلى الجهات التي ينحدرون منها، ولا المذهب الذي يعتقدونه، ولا حتى اللغة التي يتحدثونها ويكتبون بها.
  3. أعدت هذا التقرير السنوي، وهو حصيلة التقارير الشهرية، المديرية الفرعية للمخابرات العامة لمتابعة نشاط الأحزاب السياسية، والذي تتابع فيه الوضع الأهلي العام وحركة الأهالي، ومنها بطبيعة الحال جمعية العلماء. وهذا التقرير خاص بنشاط العلماء الإصلاحيين، أعدته مصلحة المخابرات العامة على أساس درجة خطورته على الوضع العام في الجزائر، وينسب ما يجري في الجزائر من "أحداث العنف" في جزء منها إلى عناصر الجمعية. وما يحتاج إلى الكشف عنه أن التقرير وزع وجهته إلى كل السلطات العامة في الجزائر وفي فرنسا سواء أكانت أمنية، عسكرية أو إدارية. انظر: SLNA/RG. 3 , no. 6442.
  4. Ibid.

إلى الأطفال والبنات، وعندما يصرون على إنشاء مدارس وورشات تعليم الأشغال المنزلية، وفتح مراكز التعليم المهني لفائدة الشبان"22. أما الوجه الآخر الذي يعطى استقلاليةً وحرية التصرف للحركة الإصلاحية، فهو مواردها المالية التي تحصّلها عبر عمليات لاكتتاب

والتبرعات و لاشتراكات والخراج من المحاصيل الزراعية والمواشي وحبس العقارات على النشاط التعليمي والتربوي والمهني والكَشْفي والديني... إلخ23. وهذا ما ينتهي إليه البحث التاريخي أيضًا. فقد كتب الباحث الجزائري هوّاري عدّي في قوة الفعل الإصلاحي ما

يلي: "الوجه الآخر، من جملة وجوه أخرى والذي عبّ عن حقيقة المصلحين، هو أنه على الرغم من تصريحاتهم المتكررة بأنهم يمثلون

جمعية غير سياسية، فإن لديهم مذهبًا سياسيًا ينطوي على أيديولوجيا منسجمة وواضحة التمستها الأحزاب الأخرى؛ لأنها كانت تمثل

الأساس الأيديولوجي للنزعة الوطنية الجزائرية. فقد استند هذا المذهب إلى مفهومَي الوطن والقومية، وعممهما المصلحون من خلال

الأناشيد الوطنية وتعليمهم في المدارس وفي التنظيمات الكشفية. وسرعان ما دخلت هذه المفاهيم في الخطاب الشعبي اليومي، وأظهرت بعد ذلك قدرة هائلة على الترويج والتعبئة، استفادت منها الأحزاب السياسية كافة"24.

خصائص الأرضية الإصلاحية

انطلقت الحركة الإصلاحية الجزائرية برسم إصلاح العقيدة التي كان عليها الأهالي المسلمون. وقد كانت الحركة الإصلاحية في ماهيتها حركة دينية توسلت الإسلام الصحيح25، من أجل تخطي الوضع الطرقي الذي ران على ذهنية المسلمين ومزاجهم وسلوكهم، أزمنةً طويلةً زاد من استفحاله لاستعمار الفرنسي. وبناء عليه، فإن إصلاح الدين هو إصلاح لحالة الدين الإسلامي الذي لم يعد يجاري

22  Ibid.

23 يمكن إدراج بعض الأرقام التي تكشف عن الموارد المالية المعتبرة التي تغطي النشاط المهم الذي تقوم به جمعية العلماء، والقائمة طويلة جدًا:

التاريخ

المكان

عدد الحضور المبلغ المالي (فرنك فرنسي)

المبلغ المالي (فرنك فرنسي)عدد الحضورالمكانالتاريخ
3250001000سبدو1953 / 9 / 27
27280004000معسكر1953 / 10 / 18
24700003500ندرونة1954 / 6 / 13
2000002000بني صاف1954 / 8 / 1
10000000 + مليون من المجوهرات3000باتنة 11954 / 9 / 6
100000001000البليدة1955 / 6 / 26

26  /  6  /  1955 البليدة 1000

24  Lahouari Addi, L'impasse du populisme: L'Algérie, collectivité politique et Etat en construction (Alger: Entreprise nationale du livre, 1990), p. 50.

25 فكرة الإسلام الصحيح، تواضع عليها رجال الحركة الإصلاحية، على تفاوت وعيهم، من الكتَّاب والمثقفين بالعربية أو بالفرنسية. وهي تعني لديهم عكس الإسلام

الطرقي والإسلام الوراثي على حد تعبير ابن باديس. فالمصلحون من المثقفين بالفرنسية يؤكدون حيوية الدين الإسلامي وقابليته للتفعيل في حياتنا المعاصرة، ويدرجونه ضمن

شروط التنمية الحديثة في كل تجلياتها ومظاهرها. يقول محمد الأمين العمودي (1890  -  1957) في هذا الصدد: "نحن، بلا ريب، أمّة دينية قبل كل شيء، وما سبب انحطاطنا

وتقهقرنا إلا انحرافنا عن الدين الصحيح ومخالفتنا لتعاليمه الصحيحة والإعراض عن تطبيق قواعده الصحيحة [...] فقد بيّنت، كلّما سنحت الفرصة وعنت المناسبة، أن في

هذا القُطر الجزائري نخبة متنوّرة، هي التي تدير الحركة الإصلاحية وتسيِّها مقتضيات الأحوال والظروف. نحن معشر المصلحين نعتقد اعتقادًا حقيقيًا، أننا ندعو إلى الدين

الحقيقي [...] ولا يجهل ولا يشك عاقل منصف أن ما ندعو إليه هو الموافق لروح الإسلام ومبادئ الإسلام. ولا طمع في إصلاح هذه الأمة والنهوض بها إلا بعد أن يعود

الإسلام 'إسلامًا واحدًا'، وأن تحسم مسألة الفروع التي فرّعتها تلك الطوائف. ولا سبيل إلى إدراك هذه الغاية الجميلة إلا بتأسيس جمعية دينية، تكون لها اليد العليا والكلمة

الفاصلة في جميع المسائل التي لها مساس بالدين من عقائد وأحكام وغير ذلك". تفصح هذه الفقرات من مقال العمودي عن حالة تماهي الحركة الإصلاحية مع الإسلام

الصحيح، وأن خطابها موجه إلى الأمة بأسرها، وأنها تعزم على تجاوز التَّعدد و لاختلاف وتخطيهما في ح لات التدين القائمة في القُطر الجزائري. و لانطلاق نحو العام هو

الذي قرب باقي التشكيلات والنخب إلى الحركة الإصلاحية، انظر: محمد الأمين العمودي، جريدة الإصلاح، العدد 14، 25  /  12  /  1930.

  1. Ibid.
  2. يمكن إدراج بعض الأرقام التي تكشف عن الموارد المالية المعتبرة التي تغطي النشاط المهم الذي تقوم به جمعية العلماء، والقائمة طويلة جدًا:
  3. Lahouari Addi, L'impasse du populisme: L'Algérie, collectivité politique et Etat en construction (Alger: Entreprise nationale du livre, 1990), p. 50.
  4. فكرة الإسلام الصحيح، تواضع عليها رجال الحركة الإصلاحية، على تفاوت وعيهم، من الكتَّاب والمثقفين بالعربية أو بالفرنسية. وهي تعني لديهم عكس الإسلام الطرقي والإسلام الوراثي على حد تعبير ابن باديس. فالمصلحون من المثقفين بالفرنسية يؤكدون حيوية الدين الإسلامي وقابليته للتفعيل في حياتنا المعاصرة، ويدرجونه ضمن شروط التنمية الحديثة في كل تجلياتها ومظاهرها. يقول محمد الأمين العمودي (1890  -  1957) في هذا الصدد: "نحن، بلا ريب، أمّة دينية قبل كل شيء، وما سبب انحطاطنا وتقهقرنا إلا انحرافنا عن الدين الصحيح ومخالفتنا لتعاليمه الصحيحة والإعراض عن تطبيق قواعده الصحيحة [...] فقد بيّنت، كلّما سنحت الفرصة وعنت المناسبة، أن في هذا القُطر الجزائري نخبة متنوّرة، هي التي تدير الحركة الإصلاحية وتسيِّها مقتضيات الأحوال والظروف. نحن معشر المصلحين نعتقد اعتقادًا حقيقيًا، أننا ندعو إلى الدين الحقيقي [...] ولا يجهل ولا يشك عاقل منصف أن ما ندعو إليه هو الموافق لروح الإسلام ومبادئ الإسلام. ولا طمع في إصلاح هذه الأمة والنهوض بها إلا بعد أن يعود الإسلام 'إسلامًا واحدًا'، وأن تحسم مسألة الفروع التي فرّعتها تلك الطوائف. ولا سبيل إلى إدراك هذه الغاية الجميلة إلا بتأسيس جمعية دينية، تكون لها اليد العليا والكلمة الفاصلة في جميع المسائل التي لها مساس بالدين من عقائد وأحكام وغير ذلك". تفصح هذه الفقرات من مقال العمودي عن حالة تماهي الحركة الإصلاحية مع الإسلام الصحيح، وأن خطابها موجه إلى الأمة بأسرها، وأنها تعزم على تجاوز التَّعدد و لاختلاف وتخطيهما في ح لات التدين القائمة في القُطر الجزائري. و لانطلاق نحو العام هو الذي قرب باقي التشكيلات والنخب إلى الحركة الإصلاحية، انظر: محمد الأمين العمودي، جريدة الإصلاح، العدد 14، 25  /  12  /  1930.

وضع مؤسسات الدولة الحديثة. والمعروف أن تاريخ الإسلام وحضارته تخللته دعوات إلى الإصلاح والتجديد بناءً على الحديث النبوي:

"يأتي على رأس كل مئة سنة من يجدد للأمة دينها". إن التماس الدين بوصفه مشروعًا للإصلاح يندرج إذًا في صلب السيرورة التاريخية

للإسلام، فضلً عن عدم اكتراث السلطة لاستعمارية به، أعطى في نهاية المطاف الفرصة لرجال الإصلاح لينشطوا خارج الدائرة الرسمية والمجال العام الذي احتكرته السلطة لنفسها، ومنح نشاطهم طابعًا سلسًا لا ينازع النظام القائم ولا يخاصمه. اجترحت الحركة الإصلاحية، بدايةً من تأسيس ابن باديس صحيفتي المنتقد ثم الشهاب، الأسلوب المدني والقانوني في تعاملها

مع الإدارة، تمتثل للَوائحها وتراعي قوانينها والإجراءات السائدة كافة، ولا يضيرها إطلاقًا أن تفعل ذلك، لأنها على يقين تام أن النظام في دولة المؤسسات مطلوب من الجميع ليستفيد منه أيضًا الجميع، علاوة على أنه أفضل من الفوضى والعصيان. وقد كان ابن باديس، بحسّه المدني وتربيته الدينية، يوفّق في نشاطه لاجتماعي والديني على السواء دونما إثارة حفيظة السلطة إلا في ما ندر26، ويجد لها

حلولً وفق إجراءات النظام القائم. أما من ناحية جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فقد آلت على نفسها منذ تأسيسها، وكما ورد صراحة في المادة الثالثة من قانونها التأسيسي "أنها لا تخوض ولا تتدخل في الشأن السياسي"، تعبيرًا منها عن عدم مزاحمة السلطة مجالها

السياسي، وإنما يقتصر نشاطها على ما هو اجتماعي، ولكل الأهالي المسلمين، وفي كل مناطق البلد. وكان من جملة الخصائص التي دأبت عليها الحركة الإصلاحية في تعاملها مع المجتمع والدولة منهجها لانتقادي للوضع الكولونيالي ومظاهره المختلفة، وفي الوقت ذاته إشادتها بالإنجازات التي قدّمتها فرنسا لصالح شعبها، سواء في فرنسا أو في الجزائر. بمعنى

أن الصورة التي حملها رجال الإصلاح مع غيرهم من النخب الجزائرية هي أن المطلوب تعميم نظام لاستفادة من امتيازات الدولة على الجميع، ولا يبقى قاصرًا على فئة محدودة من السكان في الجزائر. ولعلّ الذي يوضح هذه الخاصية التي تعد بمنزلة نقطة جوهرية في

مشروع الإصلاح الجزائري، ما جاء في مقال ابن باديس الذي صاغه على شكل برنامج/ بيان سياسي في العدد الأول من جريدة المنتقد: "إن الأمة الجزائرية قامت بواجبها نحو فرنسا في أيام عسرها ويسرها، ومع الأسف لم نرَ الجزائر نالت على ذلك ما يصلح أن يكون

جزاءها، فنحن ندعو فرنسا إلى ما تقتضيه مباديها الثلاثة التاريخية (الحرية والمساواة والأخوة) من رفع مستوانا العلمي والأدبي بتعميم التعليم كما عمّمت الجندية، وتشَريكنا تشَريكًا صحيحًا سياسيًا واقتصاديًا في إدارة شؤون وطننا الجزائري"27. وفي هذه الفقرة، اعتراف

صادر عن وعيٍ بحقيقة الوطن الجزائري الذي يحتاج إلى إشراك سكانه المسلمين في الحياة العامة على أنها ضرورة ملحّة من أجل تفادي

الهزات والعواصف التي تأتي على ما لا يرغب الطرفان الفرنسي والجزائري فيه. وفي سياق حاجة المجتمع الجزائري إلى سياسة عادلة ومنصفة، يقرّ ابن باديس بالوضع التالي: "إن الأمة الجزائرية أمّة ضعيفة

ومتأخرة، فترى من ضرورتها الحيوية أن تكون في كنف أمة قوية عادلة متمدنة لترقيتها في سلم المدنية والعمران، وترى هذا في فرنسا التي ربطتها بها روابط المصلحة والوداد. فنحن نخدم للتفاهم بين أمّتين ونشرح للحكومة رغائب الشعب الجزائري ونطابقها بصدق

وصراحة بحقوقه لديها ولا نرفع مطالبنا أبدًا إلا إليها ولا نستعين عليها إلا بالمنصفين من أبنائنا. وفي ج دّنا وإخلاصنا وشرف الشعب

الفرنسوي وحريته ما يقرب كل أمل بعيد"28. في هذه الفقرة من برنامج النخبة الإصلاحية، إشارات تنمّ عن وعي بحقيقة الأمة الجزائرية

26 ما يعرف فعلً عن الشيخ ابن باديس، ابن مدينة قسنطينة الذي ينتمي إلى عائلتها الشريفة، أنه رجل قانون ونظام، يتصرف وفق ما هو سائد من لوائح ويراعي

أبسط إجراءاتها في المؤسسات القائمة، فضلً عن أنه المثقف المصلح الذي يأبى الثورة والفوضى والتمرد، إلا في الح لات التي ترفض الإدارة الحلَّ والمطلب على نحو سافر،

عندها يدعو إلى المقاطعة الوظيفية، وانسحاب الموظفين الجزائريين من وظائفهم الإدارية، على ما فعل في ندائه إلى أهل قسنطينة بعد مرور مئة سنة من احتلال المدينة،

وفي التزييف الذي مورس في انتخابات عام 1937، أو اليأس من عدم تجاوب الإدارة مع شرعية المطالب، كما حصل لكراس مطالب الشعب الجزائريالصادر عن المؤتمر

الإسلامي الأول. 27 عبد الحميد بن باديس، "(النخبة): خطتنا ومبادينا وغايتنا وشعارنا"، جريدة المنتقد، العدد 1، 2  /  7  /  1925. 28 المرجع نفسه.

  1. ما يعرف فعلً عن الشيخ ابن باديس، ابن مدينة قسنطينة الذي ينتمي إلى عائلتها الشريفة، أنه رجل قانون ونظام، يتصرف وفق ما هو سائد من لوائح ويراعي أبسط إجراءاتها في المؤسسات القائمة، فضلً عن أنه المثقف المصلح الذي يأبى الثورة والفوضى والتمرد، إلا في الح لات التي ترفض الإدارة الحلَّ والمطلب على نحو سافر، عندها يدعو إلى المقاطعة الوظيفية، وانسحاب الموظفين الجزائريين من وظائفهم الإدارية، على ما فعل في ندائه إلى أهل قسنطينة بعد مرور مئة سنة من احتلال المدينة، وفي التزييف الذي مورس في انتخابات عام 1937، أو اليأس من عدم تجاوب الإدارة مع شرعية المطالب، كما حصل لكراس مطالب الشعب الجزائريالصادر عن المؤتمر الإسلامي الأول.
  2. عبد الحميد بن باديس، "(النخبة): خطتنا ومبادينا وغايتنا وشعارنا"، جريدة المنتقد، العدد 1، 2  /  7  /  1925.
  3. المرجع نفسه.

التي تروم التواصل مع الوجود الفرنسي، وأن فكرة "الشعب" خاصية يوصف بها السكان الجزائريون المسلمون أيضًا، وهي لا تلبث أن تترسخ مع حصول مزيد من الحقوق والحريات والقيام بالواجب الوطني. وبناء عليه، فإن التعلق بالمؤسسات العمومية هو تعلق بإمكانية الحصول على تعديل شرط الإنسان الجزائري من كونه أهليًا إلى

وضعية مواطن. فقد كان أسلوب الحركة الإصلاحية ومنهجها، خاصة لدى ابن باديس، تمجيدَ مبادئ الجمهورية وهيئاتها ومرافقها، وإعلاء شأنها وقيمتها وأهميتها للسكان في الجزائر، وأن هذا بالضبط ما يُحرم منه الأهالي، خاصة عندما تحابي السلطة لاستعمارية

النظم الطرقية وزواياها وشيوخها الذين رسّخوا عادات وتقاليد منافية تمامًا لروح الإصلاح والتجديد الذي تتطلّبه المدنية الحديثة. اعتمدت الحركة الإصلاحية، في مشروعها على إشكالية مقومات الذات الجزائرية، وسعت لبلورتها في خطاب واضح يدركه الجميع، تعتمده النخب والهيئات الأهلية كافة، خاصة في مسألة الهوية أو الذات كما طرحها ابن باديس ما بعد المؤتمر الإسلامي. وبما أن مسألة المقومات تهمّ الجميع، لأنها تمثل الشخصية القاعدية التي تتوكأ عليها الأمة الجزائرية، فقد تبنتها كل النخب وتجاوبت معها تجاوبًا

فوريًا وتلقائيًا، عبّت في نهاية المطاف عن حاجة كانت تريدها في مسارها النضالي من أجل مواصلة الحياة مع الإسلام والعربية وتقاليد

المجتمع الجزائري. والحقيقة، أن هذه الخاصية ترتقي في المسعى الإصلاحي إلى مسألة المبدأ الذي يحكمها منذ البداية، وهذا ما عبّ عنه ابن باديس

في أول مقال له في جريدةالمنتقد ووقّعه باسم "النخبة": "نعمل على المحافظة على تقاليد ديننا التي تدعو إلى كل كمال إنساني، ونحرص على الأخوة والسلام بين شعوب البشر. وفي المحافظة على هذه التقاليد المحافظة على أهم مقومات قوميتنا وأعظم أسباب سعادتنا وهنائنا لأننا نعلم أنه لا يقْدَر النّاس أن يعيشوا بلا دين، وأن الدين له مكانة عظيمة لا يستهان بها، وأن الحكومة التي تتجاهل دين الشعب تسيء في سياسته وتجلب عليه وعليها الأضرار والأعتاب، بل ربّما حصلت لها هزائز وفتن، كما أصاب حكومة هيريو في العهد القريب"29. وهكذا، فإن اعتماد مقومات الذات، كما اضطلعت بها الحركة الإصلاحية، يحيل المجتمع الجزائري من نكرة أو غامض إلى كيان معلوم يواصل تشكّله في سياق العصر الحديث. ارتقى النقاش بين الجزائريين إلى مستوى "تقرير المصير" للحقيقة الجزائرية على أنها كيان مستقل يُعرَف من خلال مقوماته. وهذا ما جعل النخب الجزائرية تعنى عنايتها الشديدة بمسألة الهوية في إطار ما كان يعرف

في ذلك الوقت "الحق في المواطنة مع الحفاظ على نظام الأحوال الشخصية الإسلامي." فكل الشخصيات الفاعلة والعاملة في حياة الأهالي تعرّضت لهذه المسألة، ولو من وجهة نظر تختلف عن تصور الحركة الإصلاحية، خاصة التوجه الإصلاحي الذي كان يكتب

باللغة الفرنسية. ولعلّ ميزة الحركة الإصلاحية أنها أثارتها من صلب اهتماماتها الأصلية وباللغة التي تنساب إلى مجال الفكر وممارسة المسلمين على اختلاف توجهاتهم واهتماماتهم السياسية. إن الشاهد الواضح على جهود جمعية العلماء في هذا المجال هو أن المسألة صارت بيّنةً يتحدث فيها الجميع، ورتبت لما بعدها؛

بحيث ما من برنامج أو خطاب مطالب إلا ويُتلمّس فيه مطلب الحق في المواطنة مع النظام الإسلامي للأحوال الشخصية. وامتد الأمر

إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية؛ إذ بدأ الحسم في الموضوع بإصدار البيانات والوثائق المرجعية التي تؤكد حقيقة الأمة الجزائرية في صلتها بمقوماتها التاريخية وحقائقها الراهنة، مع إثبات حالة لاستعمار و لاحتلال أمام الرأي العام العالمي من أجل انتزاع الشرعية الدولية وحق تقرير المصير.

29 المرجع نفسه.

  1. المرجع نفسه.

سعت أغلبية النخب الجزائرية للبحث المتواصل عن تحسين شروط الإنسان الأهلي في صلته بمؤسسات الدولة ومرافقها. وكانت مطالب النخب السياسية والفكرية دائمًا في منح المزيد من الحقوق والحريات، خاصة الحق في القيام بالواجب وضرورة لاعتراف بما

يقابله ويُتحصّل منه على مستوى المكانة لاجتماعية والقانونية التي تليق به في الدولة والمجتمع، وصار من الواضح أن التشكيلات

الأهلية القائمة كافة، مثل حزب الشعب (حركة انتصار الحريات الديمقراطية)، و لاتحاد الجزائري من أجل البيان والحرية، والحزب الشيوعي الجزائري، فضلً عن جمعية العلماء، وجميعها احتاج إلى الأرضية الإصلاحية من أجل لاحتجاج بوجود الأمة الجزائرية وقيام دولتها، حيال السلطة لاستعمارية. ومن هنا، يمكن القول إن الحركة الإصلاحية، قد انخرطت من وحي ما تدركه من الذات، راحت توضح ذلك وتشرحه طوال وجودها، وكان كل رصيدها بمنزلة الركيزة التي اعتمدت عليها باقي النخب والشخصيات الجزائرية التي حاولت أن تبني تصورها للدولة الجزائرية المنشودة، سواء بالتواصل مع فرنسا عبر النظام الفدرالي أو نظام الدومينيون Dominion أو الدولة الحرة المستقلة بذاتها التي تُعرف بالدولة/ الأمة، وكانت الحركة الإصلاحية الجهة التي وفّرت أساس الدولة وهي الأمة.

الخاتمة

كان منطلق الحركة الإصلاحية ومقصدها إصلاح حالة الأمة الجزائرية برمتها. فتوجهت، في سبيل ذلك، إلى الجزائريين كافة، على اختلاف مواقعهم لاجتماعية وتنوع نُخبهم السياسية والمهنية ودرجة وعيهم الثقافي والديني. كما واجهت في الوقت والسياق الوضع

لاستعماري، فبلورت حيال السلطة الفرنسية خطاب مطالب الأهالي المسلمين واستحقاقاتهم من أجل ترقيتهم إلى مواطنين، وتعديل مركزهم القانوني و لاجتماعي في صلتهم بالدين ومقوماتهم الذاتية. اجترحت الحركة الإصلاحية الجزائرية نشاطها في أفق ترقية الإنسان الجزائري المسلم بالقدر الذي يفصح عن مقومات الأمة التي ينتمي إليها. وتبيَّ في نهاية المطاف، أنها تجربة اندرجت في مسار التحرر و لانعتاق الذي كانت ترنو وتتطلع إليه النخب كافة، وإن

بتصورات ووجهات نظر مختلفة. تحوّلت تجربة العلماء المسلمين إلى أرضية ركينة التقت عندها كل النخب الفاعلة في حياة الإنسان

الجزائري، وساعدتهم، سواء بالتواصل أو بالنقد، على التعبير عن الجانب الذي تحسن التعريف به: السياسي، والديني، والمهني،

والإداري، والح رفَي والتجاري... إلخ. إن الإفصاح عن مقومات الأمة الجزائرية وقسَماتها الآيلة إلى التشكل في الحياة المعاصرة تقاطع

معه جميع النخب لأنه كان الوجه أو البعد الناقص في تجاربها الخاصة. خلال فترة ما بين الحربين العالميتين، تغير الوضع العام في الجزائر، وكان أبرز ملامح هذا التّغيير والتَّحول الوعي الجديد الذي

امتلك الجزائريين، وقادهم إلى البحث عن مراكز ومناصب ومستويات من التمثيل في الخريطة السياسية والإدارية و لاجتماعية. فراحوا يشكلون، بعد ذلك، الأحزاب والجمعيات والنوادي والمنابر و لاتحادات المهنية والعمّالية والكشفية والمدارس وغيرها. وكان رائدهم

الأول مزيدًا من الحريات والحقوق والعدالة والإنصاف في مكافأة الجهد. كما ترتب على هذا الوضع الجديد أن توزعت الأدوار على

الفاعلين السياسيين و لاجتماعيين بالقدر الذي تعذّر على الطرف الواحد أن يحتكر لنفسه المشروع الوطني. ومن هذه التشكيلات التي ظهرت مطلع الثلاثينيات جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي عقدت العزم على ترقية الإسلام والمسلمين في مسعىً إصلاحي شامل

يأخذ بمعطيات الواقع وإمكاناته، ولا يفتئت عليها. عند التحليل التاريخي لتجربة النخبة الإصلاحية نجدها تجربة من جملة تجارب أخرى، كما أنها جمعية من جملة جمعيات أخرى زخرت بها ساحة النشاط العام في الجزائر بدايةً من ثلاثينيات القرن الماضي. إلا أن خطاب النخبة الإصلاحية ونشاطها تماهت معهما الجماهير والتمستهما كل التنظيمات التي اندرجت في سياق الحركة الوطنية في مدلولها الواسع، مثل نجم شمال أفريقيا عام 1926

وامتداداته في حزب الشعب الجزائري عام 1937، وحركة انتصار الحريات الديمقراطية عام 1946، وفدرالية المنتخبين المسلمين التي كانت تعبّ عن المصالح المهنية للموظفين الجزائريين في قطاع الإدارة الجزائرية في عم لاتها الثلاث؛ وهران، والجزائر العاصمة وقسنطينة.

تولت نخبة هذه الفدرالية تمثيل الأهالي في الهيئات المنتخبة والمعيَّنة، والدفاع عنهم في سياق امتلاكها لمفهوم المرفق العام ووعيها بمبادئ

الدولة الحديثة، وكان جهدها منصبًّا على ترقية الإنسان الجزائري في إطار مسألة المركز القانوني للجزائريين Algériens des statut le.

ومن جملة التنظيمات المهمة التي تواصلت مع خطاب الحركة الإصلاحية ونشاطها حركة أحباب البيان والحرية عام 1943 وامتداداتها في لاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري عام 1946، والحزب الشيوعي الجزائري بداية من عام 1936، وسائر التشكيلات والتنظيمات،

فضلً عن بعض الشخصيات الحرة من المثقفين الجزائريين والفرنسيين خاصة أنصار الأهالي indigènophiles Les، وكانت اللحظة المؤثرة والقوية التي عبّت عن فكرة تواصل النخب الجزائرية وتكاملها مع الحركة الإصلاحية هي المؤتمر الإسلامي عام 1936؛ إذ

تجاوب الجميع مع دعوة ابن باديس إلى هذا التجمع الكبير في حياة الأمة الجزائرية ومصير فرنسا في الجزائر.

المراجع

العربية

ثنيو، نور الدين. "قراءة وكتابة تاريخ لاستعمار في لحظة ما بعد الكولونيالية.". العدد المجلة العربية للعلوم السياسية 33 (شتاء

. إشكالية الدولة الجزائرية في تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية 1912  -  1954. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015. جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. المسائل الدينية الثلاث: المساجد، التعليم، القضاء. الجزائر: المطبعة الجزائرية، 1944. سعد الله، أبو القاسم. الحركة الوطنية الجزائرية. الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، د.ت. المدني، أحمد توفيق. كتاب الجزائر: تاريخ الجزائر إلى يومنا هذا وجغرافيتها الطبيعية والسياسية وعناصر سكّانها ومدنها ونظامها وقوانينها ومجالسها والحالة الاقتصادية والعلمية والاجتماعية. الجزائر: المطبعة العربية، [1931.] الميلي، مبارك. تاريخ الجزائر في القديم والحديث. تقديم وتصحيح محمد الميلي. الجزائر: المؤسسة الجزائرية للكتاب، د.ت.

الأجنبية

• Addi, Lahouari. L'impasse du populisme: L'Algérie, collectivité politique et Etat en construction. Alger: Entreprise

• Ageron, Charles Robert. L'histoire de l'Algérie contemporaine 1871  -  19 54. Paris: Presses Universitaires de France,

• Julien, Charles André. L'Afrique du nord en marche: Nationalismes musulmans et souveraineté française. Tunis:

• Kaddache, Mahfoud. Histoire du nationalisme Algérien: Question nationale et politique Algérienne 1919  -  19 51.

• La République Française. Le Gouvernement Général d'Algérie. Direction de la Sureté Nationale. S/ dir. des

• Zekkour, Afaf. "Les lieux de sociabilité islahiste et leurs usages: La ville d'Alger (1931  -  1940)." Le Mouvement

References

nationale du livre, 1990.

• Collo, Claude & J.R. Henry, Le mouvement national par les textes. Alger: OPU, 1981. • Hadjerès, Sadek. Quand une nation s'éveille. Mémoire. Alger: INAS Editions, 2014.

Cérès Editions, 2001.

Alger: SNED, 1981.

Renseignement Généraux. SNA/RG 3. 6442.

social. no. 236 (2011).

صدر حديثًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب السياسات التنموية وتحديات الثورة في الأقطار العربية الذي يبحث في السياسات التنموية في ظل تحديات الثورة في الأقطار العربية في واقع متغر. هذا الكتاب (655 صفحة بالقطع الوسط، موثقًا ومفهرسًا) نتاج أوراق مُختارة قُدمت إلى مؤتمر نظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في تونس في آذار/ مارس 4201، ويقع في 3 1 فص، تقدم مقاربات نقدية وبدائل تنموية من منظور التنمية المستقلة ومعوقات تحقيق الأجندة التنموية للألفية، وتحليل للعدالة الاجتمعية والإنفاق العام وتصور بدائل تنموية اجتمعية تُحابي الفئات الفقرة والمهمشة، وتطرح تغيرًا ديمقراطيًا من القاعدة وسياسات إصلاح تركز عى الجانب الاقتصادي؛ ومن منظور أمارتيا سِنْ وعلاقة الحرية والتنمية ونقد نصوص المنظمت الدولية وبدائل لسياسات قطاعية بالنسبة إلى الصناعة والإنفاق العام وسياسات التشغيل ودراسة حالات اليمن والجزائر ومصر.

مجموعة مؤلفن

ال سياسات التنموية وتحديات الثورة يف الأقطار العربية