العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الكتابة التاريخية في القرن التاسع عشر في تونس أو كيف يشرّع التاريخ لدولة الإصلاح؟

الكتابة التاريخية في القرن التاسع عشر في تونس أو كيف يشرّع التاريخ لدولة الإصلاح؟

“Historical Writing in Nineteenth Century Tunisia: History as a Justification for the Reform-minded State”

فاطمة بن سليمان

Slimane Ben Fatma

الملخّص

للاستدلال على دور الكتابة التاريخية في دعم دولة الإصلاح، اعتمدنا في هذا البحث على أثرين تاريخيين لكاتبين عايشَا مسار التجربة الإصلاحية التي عرفتها البلاد خلال القرن التاسع عشر، وقد تبيّن لنا من خلالهما كيفية انتصار فعل الكتابة التاريخية لعملية تحديث الدولة. فالأثر الأول هو العقد المنضد في أخبار المشير الباشا أحمد لمحمد بن سلامة (ت. 1849) الذي كان عالمًا شغل خطة القضاء والإفتاء وواكب المرحلة الأولى من الإصلاحات المنجزة في البلاد المتعلقة بالتحديث العسكري والتعليمي. وقد عبّر في هذا التأليف، بأساليب شتى، عن مساندته المطلقة لمجمل الإجراءات التحديثية التي تبنّاها البايات. أما الأثر الثاني، فهو إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان لأحمد بن أبي الضياف (1804- 1872) الذي شغل منصب رئيس الكتبة في البلاط الحسيني أكثر من - ثلاثين سنةً، وعايش الإصلاحات في طورها الأول، وفي طورها الثاني الذي عرف بـ "الإصلاح القانوني"، وقد كان فاعلًا في إعداد منشور "عهد الأمان" الصادر سنة 1857، ثم "قانون الدولة" أو دستور 1861. سنحاول من خلال قراءة في منطلقات التدوين، كما أعلن عنها كل من المؤلفين في بداية عمله، وإن اختلفت الأساليب والمرجعيات بينها، معرفة كيفية ارتباط العملية التأريخية بإصلاح الدولة، وكيفية تأثير هذا التمشي في قراءتهما للأحداث ومواقفهما من الإصلاح باعتباره الخيار الأمثل في الحفاظ على كيان الدولة. ويستند هذا العمل إلى مقاربة تقوم على قراءة للخطاب التاريخي باعتباره فعلًا يدافع من خلاله المؤلف عن إعادة بناء الدولة؛ اعتمادًا على جملة من المبررات في مواجهة مواقف أخرى مناقضة، وفي ظرف تاريخ تميز بالتوتر وباحتداد التنافس حول تصوّر إعادة صياغة الدولة وتحديد وظائفها. لعله من المفيد، أخيرًا، أن نبين أن كلمة "الدولة" لدى كلّ من ابن أبي الضياف وبن سلامة قد تعني أحيانًا "الحكم". وفي هذه الحالة تذكر مضافة إلى أسماء البايات الحسينيين، وقد يكون لها معنى "البلاد" فترد مجرّدة أو مرتبطة باسم تونس "الدولة التونسية"، كما تؤدي كلمتَا "المملكة" و"البلاد" مضافتَين إلى الاسم "تونس" المعنى نفسه. وفي مختلف الحالات نلمس وعيًا بوجود مجال جغرافي وسلطة سياسية على رأسها الباي وحكومته يتجدد بناؤها بتغير الظرفية التاريخية. تصفح أدوات هتمل و كس و جافاسكريبت المجانية عبر الإنترنت : المحرر، والعلامات، وصفحات الغش، ورموز الأحرف، ومولدات العلامات، قوالب مواقع الويب وغيرها.

Abstract

Professor of History, Faculty of Humanities and Social Sciences, Maghreb Studies Laboratory, University of Tunis.

الكلمات المفتاحية:
  • الكتابة التاريخية
  • دولة الإصلاح
  • الدولة
  • الإستدلال
Keywords:
  • Historian
  • Historical Writing in Nineteenth Century Tunisia
  • History as a Justification
  • the Reform-minded State

مقدمة

لا غرابة أن تضع أحداث الثورة التونسية، التي اندلعت في الفترة 2010  -  2011، الدولةَ التونسية محل تساؤل. فالحراك الثوري بمختلف مكوناته استهدف ما سمي "دولة لاستبداد" أو "دولة المافيا" وطالب بتغييرها. لكن إضعاف الدولة، الذي تجلى في عجزها المتواصل عن التحكم في الوضع الداخلي للبلاد وفرض القانون، دفع الوزير الأول آنذاك إلى المطالبة بإرجاع ما سماه "هيبة الدولة"1، وهو مطلب قوبل بالتهكم والسخرية من العديد من الأطراف التي رأت فيه حنينًا إلى ماض مليء بالمساوئ. لكن ما نلاحظه اليوم، في ظل تواصل ضعف الدولة وفي خضم مجريات الأحداث الداخلية والعالمية، هو دعوة صريحة وملحّة في الجدل الحاصل في الفضاء العمومي، إلى استعادة الدولة لقوتها وهيبتها. فعند كل حادثة تمسّ أمن البلاد أو تنال من حرية الأشخاص، يحصل - ضمن النقاشات استرجاع لدور الدولة التاريخي - دور يرقى أحيانًا لدى البعض إلى العصور القديمة، وذلك لتبرير الدعوة إلى فرض السيادة وتوفير الحد الأدنى من النظام والأمن الذي يضمن استمرارية التعايش بين الأفراد ويحمي حقوقهم بوصفهم مواطنين. ومن خلال التأمل في الماضي، نكتشف أن إعادة بناء الدولة و"هيبتها" له رجع في تاريخ البلاد، ولا سيما في القرن التاسع؛ عندما ساد جدل عميق حول كيفية إعادة تشكّل الدولة التونسية في ظل التحولات التي كانت تعيشها منطقة المتوسط. تميزت تلك الفترة، بإقدام حكومة بايات تونس، على غرار ما حصل في الإمبراطورية العثمانية، على إدخال تحويرات مهمة وجذرية في ميادين عديدة، منها العسكري والتعليمي والقانوني وغيرها، رامت من ورائها تقوية الدولة في مواجهة ما يتهددها من أخطار داخلية وخارجية. أثّرت هذه الفترة، بإصلاحاتها ورموزها وفاعليها، في أجيال متعاقبة من المثقفين. فقد وظف الجيل الأول من المؤرخين التونسيين الإرث الإصلاحي العائد إلى الفترة السابقة للاستعمار من طرف مرجعية مهمة في دعم دولة لاستقلال وإضفاء شرعية تاريخية على سياستها التحديثية. فكان الخطاب التاريخي مندرجًا، على نحو ما، ضمن الخطاب السائد الذي جعل من ذلك الإرث إحدى مرجعياته

  1. أستاذة التاريخ في كلية العلوم الإنسانية و لاجتماعية، مخبر دراسات مغاربية، جامعة تونس.
  2. وهو الباجي قايد السبسي الرئيس الحالي للبلاد وكان تولى رئاسة الوزراء في 27 شباط/ فبراير 2011.

الأساسية2. وبذلك يبدو الإنتاج المعرفي لجيل لاستقلال الأول من المؤرخين، على أهميّته، بمنزلة تواصل لذلك المسار التاريخي الذي عرفته البلاد خلال القرن التاسع عشر وربما أبعد من ذلك في بناء الدولة ودعمها3. مثّلت تلك المبادرات التحديثية، إلى جانب الظروف التي ظلّت تحفّ بها، موضوعًا لعديد الدراسات التاريخية في تونس وخارجها، دراسات أسندت فيها مكانة متميزة للإنجازات وللفاعلين السياسيين ولم تتعرض إلا لمامًا للخطاب التاريخي الذي تبلور في غضون تلك المرحلة، والذي مثّل بدوره أحد روافد بناء الدولة الحديثة وعنصرًا فاعلً في التشريع لتحولاتها. وللاستدلال على دور الكتابة التاريخية في دعم دولة الإصلاح، اعتمدنا في هذا البحث على أثرين تاريخيين لكاتبين عايشَا مسار التجربة الإصلاحية التي عرفتها البلاد خلال القرن التاسع عشر، وقد تبيّ لنا من خلالهما كيفية انتصار فعل الكتابة التاريخية لعملية تحديث الدولة. فالأثر الأول هو العقد المنضد في أخبار المشير الباشا أحمد لمحمد بن سلامة4 (ت. 1849) الذي كان عالمًا شغل خطة القضاء والإفتاء وواكب المرحلة الأولى من الإصلاحات المنجزة في البلاد المتعلقة بالتحديث العسكري والتعليمي. وقد عبّ في هذا التأليف، بأساليب شتى، عن مساندته المطلقة لمجمل الإجراءات التحديثية التي تبنّاها البايات. أما الأثر الثاني، فهو إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمانلأحمد بن أبي الضياف (1804  -  1872)5 الذي شغل منصب رئيس الكتبة في البلاط الحسيني أكثر من ثلاثين سنةً، وعايش الإصلاحات في طورها الأول، وفي طورها الثاني الذي عرف ب "الإصلاح القانوني"، وقد كان فاعلً في إعداد منشور "عهد الأمان" الصادر سنة 1857، ثم "قانون الدولة" أو دستور 1861. سنحاول من خلال قراءة في منطلقات التدوين، كما أعلن عنها كل من المؤلفين في بداية عمله، وإن اختلفت الأساليب والمرجعيات بينها، معرفة كيفية ارتباط العملية التأريخية بإصلاح الدولة، وكيفية تأثير هذا التمشي في قراءتهما للأحداث ومواقفهما من الإصلاح باعتباره الخيار الأمثل في الحفاظ على كيان الدولة. ويستند هذا العمل إلى مقاربة تقوم على قراءة للخطاب التاريخي باعتباره فعلً يدافع من خلاله المؤلف عن إعادة بناء الدولة؛ اعتمادًا على جملة من المبررات في مواجهة مواقف أخرى مناقضة، وفي ظرف تاريخ تميز بالتوتر وباحتداد التنافس حول تصوّر إعادة صياغة الدولة وتحديد وظائفها. لعله من المفيد، أخيرًا، أن نبين أن كلمة "الدولة" لدى كلّ من ابن أبي الضياف وبن سلامة قد تعني أحيانًا "الحكم". وفي هذه الحالة تذكر مضافة إلى أسماء البايات الحسينيين، وقد يكون لها معنى "البلاد" فترد مجرّدة أو مرتبطة باسم تونس "الدولة التونسية"، كما تؤدي كلمتَا "المملكة" و"البلاد" مضافتيَن إلى لاسم "تونس" المعنى نفسه. وفي مختلف الح لات نلمس وعيًا بوجود مجال جغرافي وسلطة سياسية على رأسها الباي وحكومته يتجدد بناؤها بتغير الظرفية التاريخية.

Abdelhamid Henia, "Quand l'historiographie tunisienne se fait 'prisonnière de l'Etat'," in: S. Bargaoui & H. Remaoun (dir.), Savoirs historiques au Maghreb, construction et usages , coordination de Sami Bargaoui & Hassen Rémaoun (Tunis: CRASC, 2006), pp. 111  -  123.

  1. من الأفعال الرمزية المعبّة عن هذا لاتجاه قرار الرئيس بورقيبة في الفترة الأولى من لاستقلال نقل رفات الوزير المصلح خير الدين (الذي تولى الوزارة الكبرى في تونس خلال الفترة 1873  -  1877) وكذلك علي باش حانبة (مؤسس أول حركة إصلاحية زمن الحماية الفرنسية والتي حملت اسم "حركة الشباب التونسي") من إسطنبول إلى تونس.
  2. تتبع المؤرخ عبد الحميد هنية تواريخ الفترة العثمانية منذ القرن السابع عشر مبينًا دور مؤرخي هذه الحقبة في مسار بناء الدولة الترابية وكيف أنّ موضوع الدولة أصبح أحد الهواجس القارة في كتاباتهم، انظر:
  3. محمد الطيب بن سلامة، العقد المنضد في أخبار المشير الباشا أحمد، مخطوط بالمكتبة الوطنية، رقم 18618.
  4. أحمد بن أبي الضياف، إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان (تونس: الدار العربية للكتاب، 1984.)

محمد بن سلامة: التأريخ بوصفه مواكبة لفعل الإصلاح

اندرج بن سلامة ضمن حاشية أحمد باي، وكان في قلب السلطة. وقد ألّف ا لعقد المنضد رغبةً في تقديمه هديةً إلى أحمد باي وهو صاحب فضل عليه، وربطته به وشائج صداقة ومودة وخدمة6. وتأكيدًا لهذا القرب، أو بسببه، يقول بعد الإعلان عن تسميته العقد المنضد في أخبار المشير الباشا أحمد، إنّه قصَره على عهد الباي المذكور: "وأبيت أن أتعرّض لغيره فيه إلا استطرادًا "7. إلا أنّ قرب المؤلف من السلطة ومواقفه منها وروايته للأحداث من الأسباب التي جعلت أحمد عبد السلام يرتاب في صدقيته ويقلل من فائدة كتابه ويعتبره مجرد "تمجيد لعهد أحمد باي"، ويحصر إضافته في اشتماله "على معلومات تكمل تكميلً مفيدًا التواريخ المعاصرة له"8. لكن هل يمكن مسايرة هذا التقييم؟ وهل للموضوعية من معنى في مثل هذه المؤلَّفات؟ لِنقل أولً إن ثنائيات التحليل التاريخي القائمة على "الحياد" و" لانحياز" الموظفة في قراءة هذا النوع من المؤلَّفات تزجّ بالباحث في طريق مسدودة، وتحجب عنه رهانات الكتابة التاريخية، ولا تساعد البتة على محاولة فهم دوافع الكتابة وأبعادها. لعله من الأجدى مساءلة الفعل في حدّ ذاته وما يتضمّنه من معانٍ: كيف نفسر الحاجة إلى التأريخ وخصوصًا في هذا الظرف التاريخي؟

1 ي. التوجه القُطري: تعقّل الماض ومسايرة التغير

من خلال التأمل في تاريخ بن سلامة الذي يضم 122 ورقةً، نكتشف أنّ أكثر من نصف الكتاب لا يخص الباي الحاكم (الذي أ سند اسمه إلى الكتاب) ولا أحداث عصره، بل إنّه يتّصل بمواضيع أخرى؛ منها مثلً مفهوم التاريخ، أو وصف مدن الإيالة وتطورات سياسية عرفتها البلاد منذ أواخر القرن الثامن عشر وخاصة حديثه عن "النظام"؛ أي الجيش النظامي الجديد. معنى ذلك أن ما أراد الكاتب إبرازه ليس شخص أحمد باي في حد ذاته، بل ما يرمز إليه ضمن المسار الإصلاحي التحديثي الذي اندرج فيه البايات الحسينيون. فأحمد باي من هذه الزاوية يجسّد إحدى مراحل إعادة بناء للدولة التونسية، وهي عملية تبدأ في نظره منذ عهد حمودة باشا9الذي عمل على تقوية الدولة وتحويلها إلى كيان مستقل تجاه ما كان يهددها من أخطار خارجية، ثم تواصلت عملية التدعيم مع الإصلاحات العسكرية في الثلاثينيات من القرن التاسع عشر عندما أصبحت أوروبا تهدد دول الإسلام10؛ فأن يكتب بن سلامة تاريخًا يقدمه هدية لأحمد باي لا يعنى بالضرورة بحثًا عن المدح بقدر ما تعلق الأمر بالجدل القائم حول الإصلاح وما طرحه من مسائل في ارتباطٍ بعلاقة البلاد بالقوى الأوروبية، وبكيفية التعايش مع الجاليات الأجنبية التي ما فتئت أعدادها تتزايد نتيجة الضمانات القانونية التي التزم بها البايات لفائدتها، وهو سياق تاريخي سنجده حاضرًا بقوة في مؤلَّف بن سلامة. يعرّف بن سلامة في مقدمة تأليفه معنى التاريخ11 بكونه تأريخًا أي تقويمًا من جهة، وباعتباره تفكّرًا في الحاضر من جهة ثانية. وهذا المعنى الأخير هو ما يهمّنا في سياق بحثنا. فإذا كان التأريخ هو اعتناء بأخبار الماضي فإن مهمة المؤرخ تكمن في نظر بن سلامة في فهم ذلك الماضي أولً، ثم رصد التحولات الحاصلة في "قُطره وعصره" لكي يتسنى له معرفة إن كان الماضي لا يزال حاملً لمعنى

  1. حول سيرة محمد بن سلامة ووظائفه الدينية وعلاقته بأحمد باي، انظر: أحمد عبد السلام، المؤرخون التونسيون في القرون 17 و 18 و 19 م: رسالة في تاريخ الثقافة، ترجمة أحمد عبد السلام وعبد الرزاق الحليوي (قرطاج: بيت الحكمة، 1993.)
  2. بن سلامة، الورقة 2 ب.
  3. عبد السلام، ص 351.
  4. حكم حمودة باشا الحسيني خلال الفترة 1782  -  1814.
  5. عبّ بن سلامة عن هذا الوضع بقوله: "تغلب الكفر على الإسلام"، انظر: بن سلامة، الورقة 49 أ.
  6. المرجع نفسه، باب "علم التاريخ وموضوعه"، الورقات: 2 ب - 6 ب.

في الحاضر (من حيث الملاءمة والمناسبة)؛ وهو بحسب رأيه المعنى الحقيقي للتاريخ. يقول في هذا السياق "ولما أسلفنا أن ثمرته [أي التاريخ] لاقتداء بالسلف و لاستدلال وجب أن يجري على قاعدة البلاغة من مطابقة مقتضى الحال فيقتصر المؤرخ البليغ على ما يناسب قطره وأهل طبيعة مصره وأخلاق ملوكه وَهذا هو الداعي على تخصيص هذا الكتاب بأحوال تونس وعملها والتعرض لهاته الدولة دون استجلاب لما سبقها من الدول إلا على سبيل لاختصار إن دعت الحاجة إليه اضطرارًا والسرّ فيه تبدل الكيفية واختلاف الحالة ونسخ الترتيب القديم بالترتيب الجديد وذلك أن الأشياء تدور مع العلة وجودًا وعدمًا وتتبع المصالح فربّ ترتيب اقتضته مصلحة سابقة ولا تقتضيه حال المصلحة اللاحقة وهذا سرّ معرفة التاريخ"12. إنّ توجه بن سلامة في تاريخه قُطري13 (البلاد التونسية)، وبرنامجه مواكبة التطورات، أو التجديد الحاصل في عصره، وهو الموسوم ب "الترتيب". وينطوي هذا اللفظ على معنى مخصوص يقصد به التنظيم، المشتقة منه كلمة "التنظيمات" التي تعنى بدورها الإصلاح والتغيير والتجديد. والمقصود في هذا السياق هو الإصلاح العسكري. وهذه المقاربة التي اختارها الكاتب اختزلها في كلمة "البلاغة"14 إذ رأى أن العملية التأريخية تلتزم في جوهرها بما يسميه مطابقة الحال أي ما تقتضيه مصلحة العباد والبلاد قائلً: "وهذا هو البلاغة فإنها كما تكون بالمقال تكون بالأفعال "15. والملاحظ في هذا القسم من التأليف تواتر كلمة "المصلحة" والمقصود من ورائها ما يعود بالنفع، وغالبًا ما تستعمل في هذه المرحلة بمعنى المصلحة العامة؛ أي المتعلقة بخدمة الدولة16. وتتواتر لدى الكاتب كلمة "العقل" المعبرة عن رؤية لكتابة التاريخ وفق منحى عقلاني يتعارض مع المواقف التي تكتفي بالتكرار والتوقف عند النسج على منوال السلف. ويتخذ بن سلامة موقفًا ناقدًا تجاه أصحاب هذه المواقف؛ إذ يصفهم بالجمود والخمول مفضل عليهم من يحكّم عقله، قائلً: "فالعاقل من يعرف جريان العلة في الأمور فيحسن في تنزيل القياس والبليد من يقول إنّا وجدنا آباءنا على أمّة وقد ذم الله أهل التقليد والتعصب"17 والمقصود بذلك هم معاصروه ممن عارضوا التجديد العسكري. فالمعيار الذي يقوم عليه العمل بحسب بن سلامة ليس التقليد؛ أي تكرار الماضي "لأن القديم سنّة مألوفة وطريقة معروفة" على حد تعبيره، بل الإبداع المستند إلى العقل أو "صواب التدبير". وإنّ ما أراد الكاتب تبليغه للقارئ في نهاية الأمر هو تثمين الإصلاحات التي أقدم عليها البايات وما استوجبته العملية من جرأة في مواجهة العناصر المتشبثة بالماضي وبنظمها السائدة والمعهودة. وهذا واضح في قوله: "أصل الملك على ترتيب الجنود [...] وفي تأسيسه يظهر النجيب من غيره لا سيما إن كان جديد الوضع أو كان الملك جديد الولاية لأن تأسيس الجديد أعظم وأعز من نوع التأكيد"18.

Sami Bargaoui, "L'historiographie tunisienne du XVIIIs et les origines du beylik de Tunis," Rawefid , no. 12 (2007).

  1. المرجع نفسه، الورقة 5 أ.
  2. وهو توجه ترسخ لدى المؤرخين التونسيين منذ القرن السابع عشر. انظر على سبيل المثال: فاطمة بن سليمان، الأرض والهوية: نشوء الدولة الترابية في تونس، 1574  -  81 18  (تونس: كلية العلوم الإنسانية و لاجتماعية، 2009)؛ وفي هذا المعنى أيضًا، انظر:
  3. البلاغة هي "حسن البيان وقوة التأثير"، وعند علماء البلاغة هي "مطابقة الكلام لمقتضى الحال وفصاحته". انظر: المعجم الوسيط، ط 4 (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2004)، ص 70.
  4. بن سلامة، الورقة 5 أ.
  5. للكاتب توجه براغماتي كما نرى من خلال الملاحظة التي قالها له الشيخ الشنقيطي؛ وهو أحد "الصالحين" الذين كان له معه لقاءات في تونس. فعندما قال له مرة:ً "لا عرفناك من الذي يحب المخزن أو يحب الفقهاء"، كان جوابه: "يا سيدي أحب ما يصلح في الدنيا"، انظر: المرجع نفسه، الورقة 74 ب.
  6. المرجع نفسه، الورقة 5 ب. والآية ﴿إِنَّا وجَدْنَا آبَاءنَا علَ أمَّةٍُ﴾، (الزخرف: 22)، يُقصد بها لدى المفسرين تشبث الوثنيين بدين آبائهم ورفضهم الدخول في الإسلام.
  7. بن سلامة، الورقة 5 ب.

إنّ التاريخ لدى بن سلامة هو مواكبة لفعل الإصلاح الناتج من الإبداع والتحديث، وهو المقصود بقوله: "إن الذي يتحدث به العقل ويفتخر به الفضل استنتاج بدائع الصواب من محدثات الأشياء"19؛ بحيث تصبح عملية الإبداع، أي لابتكار والخلق - خلافًا لما هو سائد - قيمة إيجابية تستند إليها العملية التحديثية المرتبطة بمصلحة الدولة20. وتنعكس مواقف بن سلامة على كتابة التاريخ، إذ تنبث في نصه ثنائيات؛ منها "عقل" أو "صواب" و"جهل"، وإبداع واستنباط من جهة وتقليد من جهة ثانية، كما صنّف "النجيب" بوصفه مقابلً ل "الغبي"... إلخ، وكل ذلك يعكس تضاربًا في المواقف بالبلاد بين المعارضين للإصلاح والمؤيدين له. ليس في مقدمة نص بن سلامة تحديد واضح لهوية المعارضين للإصلاح العسكري وما تبعه من إحداثات، فكل ما هناك إشارات إلى متشبثين بالقديم ومستنكفين عن مواكبة "النظام". وفي هذا السياق يستند دفاع بن سلامة عن ضرورة مواكبة العصر و"مراعاة المصالح" إلى حجج موضوعية وأخرى دينية. فهو يوظف المعيار الديني في تأكيده استخدام العقل، وبالأخص في المقارنة بين منهجية العمل الفقهي (أو الإفتاء خاصة) من جهة، والفعل الدنيوي أو السياسي من جهة ثانية. فمثلما يلجأ المفتي، بحسب المؤلف، في حل نازلة ما إلى استنباط أحكام فقهية جديدة تقوده أحيانًا إلى استعمال أقوال ضعيفة أو مأخوذة من قُطر آخر غير قُطره، فإنّ ذلك - بحسب رأي الكاتب - يرجع إلى أنّ "الأحكام الشرعية تتبع المصالح"، والمنطق نفسه يجب أن يسود المعاملات اليومية إذ يقول ف "إذا كان هذا في أحكام الله فأحرى في أحوال البشر"21. في هذا السياق يصبح التدوين التاريخي أداة يعبر بواسطتها المؤلف عن موقف مساند لما سارت فيه دولة البايات من تجديد وسط جدل وخلافات حاصلة حوله، وهو وضْع دفع بن سلامة "العالم"، في نهاية الأمر، إلى كتابة تاريخ هو عبارة عن تبرير لدولة الإصلاح. فكان بمعنى ما فاعلً في الإصلاح. ويتجلى هذا التوجه في قراءته للأحداث واهتمامه بموضوع القوة العسكرية.

2 ي. "النظام" أو القوة العسكرية الداعمة للدولة ف مواجهة التهديدات الخارجية

كان بن سلامة شاهد عيان على بوادر المسار الإصلاحي لمّا شرع حسين باي (1824  -  1835) سنة 1831 في تأسيس الجيش النظامي. ولم تكن القوة العسكرية، في نظره، كما يذكر ذلك بنفسه، أمرًا ضروريًا ومحايثًا للمُلك فحسب، بل هي أيضًا مسايرة لما سماه "مقتضيات الحال". وبما أنّ القوة العسكرية هي الضامن لقوة الدولة واستمراريتها والمحافظة على كيانها واستقلاليتها، فإنه عاد بصفة مطوّلة إلى عهد حمودة باشا (1784  -  1814) الذي حصّن البلاد ودافع عن حوزتها، ويكاد يقتصر في استعراضه لهذه الفترة على حروب الباي المذكور ضد أعدائه. وهي حروب جعلت الكاتب يرى أن هذا الباي (أي حمودة باشا) "ضخّم الدولة التونسية وأعلى منارها" ويصفه بأنه "عين الدولة التونسية ونخبتها"22. فالدولة في هذا السياق، كما هو واضح، تتجاوز شخص الأمير الحسيني لتتخذ أكثر من معنى؛ فهي تجمع بين ما هو سياسي (أي السلطة)، وما هو مادي (أي الحوزة الترابية للبلاد التي عمل الباي على حمايتها). وكل هذا يفسر اهتمام بن سلامة بما يسميه "النظام."

Abdelhamid Henia, "Les catégories temporelles de l'historiographie tunisienne de l'époque moderne," in: La périodisation dans l'écriture de l'histoire du Maghreb: actes, table ronde de Marrakech les 26  -  29 mai 2005 , table ronde de Tunis les 21  -  23 septembre 2005 , Fatma Ben Slimane & hichem abdessamed (eds.), (Tunis: Arabesques, 2010).

  1. المرجع نفسه، الورقة 5 أ.
  2. حول مسألة النظرة الإيجابية للحاضر وتغير مفهوم البدعة والإبداع في فكر مثقفي القرن التاسع عشر، انظر:
  3. بن سلامة، الورقة 5 ب.
  4. المرجع نفسه.

تعني كلمة "النظام" التنظيم والتحديث، وهي مستمدة من لاستعمال العثماني للتحديث العسكري الذي أوجده السلطان سليم الثالث (1789  -  1808)؛ أي ما يُعرف ب "النظام الجديد". وينزّل الكاتب تأسيس الجيش الجديد في إطار تاريخي عام يتمثل في ما آلت إليه دول الإسلام من ضعف أمام القوى الأوروبية23(، وما قام به كلّ من محمد علي حاكم مصر والدولة العثمانية لمواجهة هذه الحال24. فهزيمة العثمانيين التي ترتب عليها فقدان اليونان من جهة، ثم سقوط الجزائر تحت السيطرة الفرنسية من جهة ثانية، وهو حدث اعتبره بن سلامة "مصيبة عظيمة على الأنام وثلمة كبيرة في الإسلام"25، جعلته يؤيد سياسة حسين باشا في ترتيب العساكر النظامية. وهنا لا يستند الكاتب في مساندته للتراتيب العسكرية الجديدة إلى الخطر المحدق بالمسلمين وخاصة بلاده التي تحدّ الجزائر الواقعة تحت لاحتلال الفرنسي فحسب، بل إنه يستند أيضًا إلى تبريرات تاريخية، منها تغير أساليب القتال لدى المسلمين بتغير الظرفيات التاريخية؛ كاستبدالهم السيوف والرماح بالأسلحة النارية والمدافع، ومسايرة المواقف الدينية لهذه المتغيرات، إذ يقول: "اتفقت العلماء وأهل الدين والصلاح عليه [أي على ذلك التطور"]26. تأتي هذه الحجج في سياق معارضة بن سلامة لمواقف معاصرين له استنكروا الإصلاح، إذ يشير الكاتب إلى توخي الباي الحذر في تنظيم العسكر الجديد بسبب معارضة عساكر الإنكشارية ومن انضم إليهم ممن اعتبروا التحديث، بحكم منشئه الأوروبي، منافيًا للدين وهو ما يدل عليه وصفهم ب "من لا خلاق له والجهل أعمى قلبه من أن هذا من عمل النصارى"27، مضيفًا أن هذه المواقف تنم عن "جهل عظيم ربما يؤدي بصاحبه إلى ما هو أكبر"، مضيفًا إلى ذلك قوله: "وبيانه أنه لا نسلّم أنه إثم"28، بوصف ذلك تعبيرًا عن موقفه الرافض لتلك المواقف. كما طالت مواقف المنتقدين بقية التغيرات الأخرى المواكبة للتحديث العسكري؛ منها اللباس، وقواعد التعليم العسكري، وحتى اللغات الأوروبية المدروسة.

3 ي. تقاليد وممرسات جديدة ف خدمة الدولة

رافق عملية التحديث العسكري المشار إليها تغيير شامل للتقاليد المتعلقة بالمظهر والتدريبات والتعليم، وهي مبادرات تعكس إرادة واضحة من الدولة للتحكم في المؤسسات. فبالتزامن مع ما حدث في إسطنبول، تبدّل في تونس لباس العساكر وموظفي الدولة وعوّض الطربوش (أو الشاشية) العمامة (باستثناء العلماء)، وظهرت تراتبية جديدة في الجيش واستعمل البايات النواشين. وكانت في مجملها محل إعجاب شديد من جهة بن سلامة، إذ يتضمن تاريخه وصفًا دقيقًا لمختلف فرق الجيش النظامي وتدريباتها وانضباطها ومختلف رتبها واللباس والعلامات المميزة لكل منها29. ومن خلال هذا الوصف الدقيق، تظهر صورة الدولة المتمكنة من أسباب القوة عبر التغيير الجذري، و لابتعاد عما كان معروفًا ومألوفًا. وهو ما يرمز إليه التخلي النهائي عن الأزياء القديمة لمّا أمر مصطفى باشا باي سنة

  1. يصف بن سلامة تحالف دول أوروبا ضد الإمبراطورية العثمانية، خلال حرب اليونان، بقوله: "يدهم على الإسلام واحدة". المرجع نفسه، الورقة 56 أ.
  2. قام السلطان محمود الثاني ببعث هذا الجيش بعد قضائه العنيف على الإنكشارية في سنة 1826، وقد سُمّيَ ذلك الحدث "الوقائع الخيرية". وفي ذلك التاريخ، طلب السلطان من محمد أسد أفندي تدوين وقائع الحدث وعنونه "أسس النصر"، وتمّ طبع المؤلَّف بإسطنبول سنة 1828، وأ رسلت منه نسخ إلى الولايات (منها تونس). وقد ألجأ هذا التراجع من جهة، وعدم نجاعة النظام العسكري الموجود من جهة أخرى، السلطانَ محمود الثاني إلى تأسيس جيش جديد سُمي "العساكر المحمدية المنصورة". انظر: المرجع نفسه، الورقة  57 أ.
  3. المرجع نفسه، الورقة 56 أ.
  4. المرجع نفسه، الورقة 57 ب.
  5. المرجع نفسه، الورقة 58 أ.
  6. المرجع نفسه.
  7. ذكر محمد بن عثمان السنوسي أنّ لدى بن سلامة مؤلفًا خاصًا بهذا الموضوع عنوانهالعقد النفيس. انظر: محمد بن عثمان السنوسي، مسامرات الظريف بحسن التعريف، تحقيق وتعليق محمد الشاذلي النيفر، ج 2 (تونس: دار الغرب الإسلامي، 1994)، ص  220.

1835 بتغيير "لباس أهل الديوان وأمر بالكسبات القديمة [الزي العسكري الموحّد] شعار الينشرية تُخبأ بالديوان وغيّ لباسهم وألبسهم الشاشية [الطربوش الأحمر] وانقطع اسم الكسبات الأصلية"30. فلباس التنظيمات، المستمد في قسم كبير منه من اللباس الأوروبي، والمتمثل في اتخاذ زي موحّد لكل فرقة، هو أحد المظاهر التي تندرج ضمن إعادة بناء الدولة، والتي لا تقلّ أهمية عن الإجراءات الأخرى التي اتخذها قبل ذلك السلطان محمود الثاني في إطار الرقابة على المجتمع والدولة31. وكما هو واضح، فإن الأزياء الرسمية والنواشين لا تعني محاكاة تامة وشكلية لأوروبا بقدر ما تعني تجديدًا لجهاز الدولة واندراجًا في حركة التحديث. لكن مجمل هذه التغيرات قوبلت في بعض الأوساط، كما في إسطنبول، ب لاستنكار32. ونجد صدى لهذه المواقف خاصة في أوساط العلماء، كاستنكار بعضهم تعلّم اللغات الأوروبية (التي كانت تُدرس في المدرسة الحربية)، وهو ما يستنتج من هذه الإشارة ل بن سلامة عندما يقول: "وأعظم من هذا أن بعض من يدعى العلم ينكر على النظام [أي العسكر] تعلم خط النصارى ولغتهم ويقولون العياذ بالله هذا غاية الجهل"33، وهو موقف يرد عليه الكاتب بحزم، قائلً: "بل ربما كان إنكاره قريبًا من الكفر"34. ويجد الكاتب في تاريخ الإسلام وفي الأحاديث النبوية ما يشرّع هذا الموقف الداعم لتعلم اللغات الأجنبية35، كما يورد نقاشًا له حول هذا الموضوع مع عالم (لا يذكر تفاصيل عنه) من رافضي تعليم لغات أوروبا قائلً: "فكيف ينكر هذا إنسان وتكلم معي هذا العالم فذكرت له ذلك [أي دعوة الرسول إلى تعلم لغات غير المسلمين] فافتضح ونقلت له أمر النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص أن يستشير حكيمًا كافرًا في الطب والحاصل أنّ إنكار هذا من الجهل العظيم والله يهدي"36. من الواضح أنّ الإنكشاريين، أو ما تبقى منهم، كانوا إلى جانب بعض العلماء من بين أبرز المعارضين للإصلاح، وهذا أمرٌ جليّ في الصورة التي نقلها الكاتب لموكب انتقال السلطة عند وفاة حسين باي إلى أخيه مصطفى باي في سنة 1835. فالعسكر "فرح لوفاة حسين باي وطمعت الإنكشارية أن بموته يبطل النظام فلم يشعروا إلا والشاشية [أي الطربوش] على رأس النعش وأخوه لابس زيّ النظام فسقط في أيديهم من ذلك الوقت"37. لم ترتبط الدولة ومؤسساتها في عهد بن سلامة بهذا السجال المتعلق بمشروعية الإصلاح العسكري وما اتصل به من تقاليد جديدة فحسب، بل احتوى كتابه ملاحظات مثلت هواجس لدى معاصريه تهم خدمة الدولة؛ أي كيفية تسيير المؤسسات وعلاقة السلطة بالرعايا ومكانة الوزراء ودورهم، ودور القضاء وإدارة العلاقات مع الأجانب... إلخ. ويتجلى ذلك في ما استعرضه من أدبيات تضمنتها تلك الكتابات المعروفة ب "نصائح الملوك" (أو مرايا الملوك) ذات المنشأ غير الإسلامي (الفارسي أو الإغريقي)38، أو من تعريف ابن

Donald Qataert, "Clothing law, state and society in the ottoman empire 1720  -  1829 ," Middle East Studies , vol. 29 , no. 3 (1997); Bernard Lewis, The Middle East: A brief history of the last 2 , 000 years (New York: Scribner, 1996).

Bernard Lewis , The Emergence of Modern Turkey , 2 nd ed. (Londres/New York: Oxford University Press, 1968), p.  100.

39  Jocelyne Dakhlia, Le divan des rois: le politique et le religieux dans l'Islam , Collection Historique (Paris: Aubier, 1998).

  1. بن سلامة، الورقة، 63 أ.
  2. حول مسألة اللباس والمعارضة للتغيرات الحاصلة على الأزياء في إسطنبول، انظر: وفي سياق التنظيمات، وتوقيًا لما يحصل تجاه رفض العلماء ورجال الدولة لتغيير الأزياء الرسمية (العسكرية والسياسية)، أصدر السلطان محمود الثاني منشورًا يتضمن وصفًا دقيقًا للباس الرسمي. وكان هدف قانون اللباس، الصادر سنة 1829، هو إعادة بناء سلطة الدولة وهيبتها.
  3. حول المعارضة في إسطنبول للطربوش واعتبارها إياه علامةً على التشبه بغير المؤمنين، انظر:
  4. بن سلامة، الورقة 58 أ.
  5. المرجع نفسه، الورقة 58 ب.
  6. يرى بن سلامة أنّ الرسول شجّع زيد بن ثابت على تعلم لغة اليهود والسريان حتى "يفهم كتائبهم". انظر: المرجع نفسه، الورقة  58  أ.
  7. المرجع نفسه.
  8. المرجع نفسه، الورقة 63 أ.

خلدون ل "الملك"40. ويتجلى هذا الهاجس في تقييم الكاتب لسياسات بايات الدولة الحسينية ووزرائها وموظفيها. فهو يصف يوسف صاحب الطابع (وزير حمودة باشا)، مثلً، ب "الوزير ذي الصيت الكبير "41. أما الوزير شاكير (صاحب الطابع)42، فهو "الحاذق النبيه الشجاع"43؛ بالنظر إلى ما برهن عليه من شجاعة في تأسيس العسكر النظامي من جهة، وفي بعد نظره السياسي من جهة ثانية. ففي حادثة التوتر الحاصل بين دولة سردينيا والإيالة التونسية (سنة 1833)، كان شاكير - خلافًا لبقية كبراء الدولة - ممن ارتأوا التفاوض بدل من الحرب؛ إذ فهم أن دولة سردينيا الصغيرة المعادية لبلاده كانت مستقوية بإنكلترا، وأنه في حال نشوب حرب بين الطرفين لن تكون موازين القوى العسكرية في صالح بلاده. وقد علق بن سلامة على هذه "البراغماتية السياسية" لدى الوزير بقوله: "وهذا منه رأي حسن في التحقيق فإن العاقل يعرف العاقبة بالتأمل وأنّا لو مكنّاهم من طلبهم الذي طلبوه أحسن من غلبهم لنا بالقتال"44. وبالنظر إلى هذه المواقف، نكتشف أن تاريخ بن سلامة كانت له وظيفة أساسية تمثلت في إسناد دولة الإصلاح في مواجهة القوى المعارضة لها، وقد سخّر لهذا الغرض جملة من التبريرات الدينية والسياسية والعملية الساندة للإصلاح، وهي قراءة تنأى بهذا التاريخ عن التصنيف السلبي (أي بوصفه انعكاسًا لمسار تراجعٍ وانحطاطٍ، على نحو ما أدرجه فيه أحمد عبد السلام45)، وسيتواصل هذا الدور للتاريخ مع ابن أبي الضياف.

ابن أبي الضياف: عندما يكون التاريخ يف خدمة "الوطن" و"دولة القانون"

لئن شرع ابن أبي الضياف في تأليفإتحاف أهل الزمان، سنة 1862، وهو مُبعد عن الوظائف الحكومية، فإن موقعه وزاوية نظره ظلَّ، مثلما هي الحال بالنسبة إلى بن سلامة، من داخل السلطة. ففي هذا الظرف التاريخي، أيضًا، كانت الدولة ميدان تجاذب وصراع. وخلافًا ل بن سلامة، لم يرتبط فعل الكتابة لديه بطلب أمير أو وزير أو أي طرف آخر مؤثّر، بل إنه انقاد - كما يذكر ذلك بنفسه - إلى "رياح الوطن" التي يمكن ترجمتها ب "حب الوطن" أو الولاء له. هذا الشعور هو الذي جعل ابن أبي الضياف يدافع عن دولة "القانون" التي شارك بنفسه في بنائها. ومؤلفه يعكس مستوى متقدّما في تكون الوعي الدولتي الوطني واستقلالية نسبية للمثقف تجاه البلاط. ففي هذا الظرف التاريخي ننتقل من مثقف البلاط ذي التوجه الإصلاحي إلى نشأة "نخبة" إصلاحية فاعلة (حول الوزير خير الدين وأتباعه) مثلت الجناح "التقدمي" للدولة، وحلمت بانتشال الدولة من ضعفها وتردّيها. ويعكس تاريخ ابن أبي الضياف، كذلك، الشعور بالخيبة لِما آلت إليه الإصلاحات في عصره ولا سيما فشل تجربة الإصلاح القانونية، بعد أن تم تعليق العمل بالدستور (الصادر سنة 1861)، وإيقاف عمل المجالس المنبثقة منه (وهي المحاكم المدنية والمجالس) من طرف الباي في 1864، وعودته إلى الحكم وفق الأساليب القديمة التي اختزلها الكاتب في عبارة "الحكم المطلق". ويمكن قراءة تاريخ ابن أبي

Sami Bargaoui, "Le paradigme du déclin et l'histoireintellectuelle de la Tunisiemoderne," in: La périodisation dans l'écriture de l'histoire du Maghreb , pp. 85  -  97.

  1. يورد بن سلامة تعريفًا للملك، مستندًا في ذلك إلى ابن خلدون. وهذا التعريف هو: "حقيقة الملك منصب شريف ملذوذ يشتمل على جميع الخيرات الدنيوية والشهوات البدنية واللذات النفسانية وأصله إنما يحصل بالتقلب وجمع القلوب وتأليفه". انظر: بن سلامة، الورقة  6  أ؛ وانظر: عبد الرحمان بن خلدون، المقدمة: تاريخ العلامة ابن خلدون، تحقيق جمعة شيخة (المملكة العربية السعودية/ تونس: مكتبة دار المدينة المنورة للنشر/ الدار التونسية للنشر، 1984)، مج 1، ص، 203.
  2. بن سلامة، الورقة 35 ب.
  3. كان وزيرًا ذا مهمات واسعة خلال الفترة 1829  -  1837.
  4. بن سلامة، الورقة 58 ب.
  5. المرجع نفسه، الورقة 62 ب.
  6. تناول المؤرخ سامي برقاوي بالنقد هذا الموقف القائل ب لانحطاط. انظر:

الضياف بوصفه احتجاجًا على الأطراف الداخلية (من بايات ووزراء وموظفين وغيرهم) والأطراف الخارجية (القوى الأوروبية الفاعلة) التي دعمت هذا التوجه المنافي للتطور، وهو في الوقت نفسه دفاع عن ذلك الشكل من الحكم الذي تحمس بنفسه لتأسيسه. الدولة والقانون المنظم لها هو هاجس بارز في عنوان مؤلَّفه، كما ذكر ذلك المؤرخ عبد الحميد هنية، إذ يرى أنّ تاريخ ملوك تونس و"عهد الأمان" وما مثّله من أهمية، من حيث كونه عهدًا جديدًا، يفتح باب أمل في قطع السلطة مع ماضي لاستبداد وانتقالها إلى التأسيس لعلاقات تقوم على القانون47. إنّ تأكيد ابن أبي الضياف ضرورة التأقلم مع "ما يقتضيه الوقت والحال من السياسة [...] وأن "الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم"48 يعبّ، كما هي الحال لدى بن سلامة، عن قناعة ترسخت لديه ولدى معاصريه من رجال الإصلاح. ولئن عايش ابن أبي الضياف التجارب الإصلاحية نفسها التي عرفها بن سلامة وقاسمه نظرته الإيجابية للحاضر وضرورة مواكبة التغيير وجلّ مواقفه المؤيدة لإصلاح الدولة ومؤسساتها، فإن خوضه لتجربة الإصلاح القانوني المتمثل في إعداد مبادئ عهد الأمان، المؤكدة لمبادئ المواطنية، ثم قانون الدولة 1861 (الذي يحد من سلطة الباي) وقوانين المجالس المختلفة، كان لها وقع عميق على تفكيره تجلى في تلك التحاليل المطولة التي افتتح بها مؤلفه لما سماه "الملك المقيد بقانون". علل الكاتب ذلك الإسهاب بقوله إن "هذا الصنف من الملك يقتضيه حال علم التاريخ"49. ومثل بن سلامة، كان فعل الكتابة لدى ابن أبي الضياف ناتجًا من إحساس بالرغبة في التعبير عن مواقفه تجاه تطورات سياسية، كان هو نفسه شاهدًا عليها وفاعلً فيها، وهي فترة لا تخلو من جدل ونزاعات في صلب الدوائر الحاكمة في تونس فحسب، بل أيضًا بينها وبين فاعلين من الخارج متمثّلة في القوى الأوروبية التي ما فتئ دورها يتعمق في سيرورة التحولات السياسية الداخلية. لذلك كان مؤلفه دفاعًا عن شكل الدولة الذي كان يراه الأمثل لبلاده في مواجهة الصعوبات الخارجية والداخلية؛ وهو "الحكم المقيد بقانون." فالقانون (أو الدستور) ضروري في نظره "حتى لا تكون النفوس الإنسانية والأجساد المكرمة فريسة بين سباع العاملين والمخلّصين [لأن] وبال ذلك يعود على الدولة إما بإتلاف نفوس وأموال [...] أو خروج جزء من المملكة"50، وهنا يكمن في نظره جوهر التحديث وضرورته. فلئن كانت القوة العسكرية في نظر ابن أبي الضياف ضرورية للدفاع عن وجود الدولة كما يوحي بذلك قوله: "وعلى كل حال لا بد من لاستعداد بما يلزم لقوة الشوكة الحامية للملة الدافعة عن الحوزة كالقلاع والسفن في البلدان البحرية وآلات الدفاع بما يقتضيه حال كل زمان وغير ذلك من الأمور التي لم يكن لها وجود في صدر الإسلام وصارت الآن ضرورية لا غناء عنها بمقتضى حال الوقت"51، فإنها لم تعُد وحدها الضامن لاستمرار الدولة واستقلاليتها، إذ يقول: "من الملوك من يرى العناية بقوة الشوكة الملكية لما يظهر له من أنها آلة تغلبه ونفوذ هواه فيكثر من العساكر وآلاتها [على نحو] لا يناسب حال مملكته مع تكليف المملكة ما يثقلها فيما يلزم من النفقة عليهم [أي الجند] مع عدم الترتيب العقلي في سياسة أخذهم"52. وهو موقف له ارتباط واضح بالظرفية التاريخية، وبموقف الكاتب منها. إنه موقف يتضمن نقدًا واضحًا لسياسة الإصلاحات العسكرية والتجنيد في تونس وما رافقها من اختلالات وما ترتب عليها، كذلك، من ثقل في المصاريف. كما أن هذه الإصلاحات تبقى، بحسب رأيه، منقوصة وغير ذات جدوى ما لم تواكبها إصلاحات للهياكل المسيرة

46  Henia, "Les catégories temporelles de l'historiographie tunisienne."

  1. ابن أبي الضياف، ج 1، ص 45.
  2. المرجع نفسه، ص 88.
  3. المرجع نفسه، ص 66.
  4. المرجع نفسه، ص 62.
  5. المرجع نفسه، ص 68.

للدولة التي ظلت تعمل وفقًا لأهواء الحكام أو من دأب في تسميتهم "ملوك الإطلاق". وكأننا انتقلنا من مفهوم الدولة القائمة على القوة العسكرية وعقلانية التفكير لدى بن سلامة إلى دولة تستمد قوتها من القانون، خاصةً، لدى ابن أبي الضياف. نخلص إلى أنّ الفكرة الأساسية والخيط الناظم لمجمل تاريخ ابن أبي الضياف يتمثلّان في نبذ الحكم المطلق، والدفاع عن الحكم المقيد بالقانون (أو الدستور)، وهي الزاوية التي قرأ من خلالها تاريخ البلاد ماضيًا وحاضرًا.

1. تجديد الدولة لدى ابن أبي الضياف: الملك المقيد بقانون

إنّ الحكم المطلق بالنسبة إلى ابن أبي الضياف مرفوض شرعًا؛ "لأنه تصرّف في عباد الله وبلاده بالهوى"، ومرفوض عقلً؛ "لأنه تغلّب وقهر وهي من آثار الغضب والقوة الحيوانية"53، وهو مرادف للظلم، أحد الأسباب المهمة أو السبب الرئيس في نظره، لمسار التراجع في الإيالة وبقية بلدان المسلمين التي لم تأخذ بالتنظيمات الضامنة للعدل ولحقوق السكان؛ من مساواة، وأمن على النفس والمال والعرض. فكما رأينا لدى بن سلامة، يبرر ابن أبي الضياف مَيلَه الدستوريَّ، أو الملك المقيد بدستور، من خلال عودته المتكررة إلى ابن خلدون واستعراض نصائح الملوك والحِكم الفارسية والإغريقية، على أنّ مرجعياته الأساسية تكمن في التجارب الفعلية التي عرفتها دول عديدة؛ منها الدولة العثمانية، وما أصدرته من "تنظيمات" في هذا المعنى. ويبرز هذا الدور من خلال ما خصصه في مقدمة مؤلَّفه ليستعرض فيها مضمون "خط كلخانة" الذي أصدره السلطان عبد المجيد سنة 1839، والذي "مداره الأمن على النفس والمال والعرض"54، بحسب تعبيره. لكن أحمد باشا، باي تونس، أبَ تطبيق هذا المرسوم وكلّفه، في إطار بعثة إلى إسطنبول، بالتفاوض في إمكانية عدم تطبيق التنظيمات. يذكر ابن أبي الضياف كيفية مواجهته، وهو في عاصمة الإمبراطورية، انتقادات شيخ الإسلام عارف أفندي، المساند للتنظيمات، لموقف الباي قائلً: "إنّ هذا الأمر [أي التنظيمات] يحبه المؤمن [...] وتكرهه الملوك الذين يحبون مشاركة الله جل جلاله في كونه لا يُسأل عما يفعل ولا مُعقّب لحكمه وأتباعهم ممن يقدم حظ نفسه على المصلحة العامةِ"55. والمصلحة العامة، في هذا السياق، هي الدولة وما يمكن أن تجلبه لها التنظيمات من مناعة. كما استفاد ابن أبي الضياف في هذا الصدد من التحليلات المطولة التي قدمها خير الدين للتنظيمات في كتابهأقوم المسالك56. ومن أبرز الأمثلة التي يعود إليها ابن أبي الضياف لاستعراض ما تحقق من تمدن بفضل تبنّي المبادئ القانونية الضامنة للعدل والمساواة أنظمة الحكم في أوروبا التي أخذت بمبادئ العدل والمساواة، لا سيما فرنسا وبريطانيا. وهي أمثلة يجدها ابن أبي الضياف في كتابأقوم المسالكولدى الطهطاوي57 وما تسنى له مشاهدته عندما سافر إلى فرنسا صحبة الوفد المرافق لأحمد باي سنة 1846. ولا

  1. المرجع نفسه، ص 19.
  2. المرجع نفسه، ص 60.
  3. المرجع نفسه، ص 86.
  4. خير الدين التونسي، أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك (تونس: المطبعة الرسمية، 1867). ومن المؤكد أن ابن أبي الضياف كتب مقدمة كتابه بعد اطلاعه على هذا الكتاب.
  5. رحلة الطهطاوي المعروفة إلى باريس، وهي الرحلة التي دوّن أحداثها في كتابه تخليص الإبريز في تلخيص باريز، من المؤلفات المهمة التي عاد إليها ابن أبي الضياف في كتابه للإشادة بالأنظمة الأوروبية.

يخلو حديث الكاتب عن هذه التجارب من المقارنة بما يجري في الوقت ذاته في بلاده من نُظم لم تعُد مواكبةً للتطور، حتى أصبحت بحسب رأيه "تنافي المنقول والمعقول"58. ويمكن أن نجد تفسيرًا لتبرير ابن أبي الضياف لدولة القانون في الدور الذي أدّاه في تركيز التجربة الدستورية. فقد كانت له مشاركة فعلية في إعداد نص "عهد الأمان"59، كما شارك، بصفته مقررًا للجلسات، في جلّ النقاشات التي استمرت نحو أربع سنوات في صلب اللجنة التي تكوّنت بعد الإعلان عن هذا الميثاق لإعداد القوانين المنبثقة منه؛ أي الدستور والقوانين المتجرية والجنائية التي ستمثّل لانتقال إلى دولة القانون. ستكون تجارب ابن أبي الضياف المختلفة، وبخاصة منها اضطلاعه بوظيفة رئيس الكتبة في البلاط الحسيني ورحلاته إلى إسطنبول وفرنسا، حاضرةً بقوة في إسناد مواقفه من الدولة التي كان يتوق إلى وجودها، والتي بدأت تشتغل فعلً بعد إعلان الدستور سنة 1861. ففي عديد المواضع من مؤلَّفه يقول: "شاهدت ذلك بنفسي"، أو "المشاهدة أقوى دليل". وفي حديثه عن مظاهر العمران في دول أوروبا، يقول إنها "بلغت إلى غاية يكاد السامع أن لا يصدق بها إلا بعد المشاهدة"60. وعلى غرار المصلحين العثمانيين، يسند ابن أبي الضياف مجمل التطورات بمرجعيات دينية. فهو يرى أن "مجالس الشورى" في أوروبا أو البرلمانات المدافعة عن حقوق العامة تجد لها ما يقابلها في الشرع "لأنه [أي البرلمان] وسيلة إلى جمع الكلمة وعدم لافتراق في الأمة والمحبة بين الراعي والرعية وصون الدماء والأموال"61. وإنّ لجوء ابن أبي الضياف باستمرار إلى تقديم مبررات دينية لا يفسره تكوينه العلمي ومحيطه الثقافي و لاجتماعي فحسب، بل إنّ ذلك يرجع أيضًا إلى أنّ المعارضة للإصلاحات في عصره كانت تستند، كما كان الشأن في عهد بن سلامة، إلى المبررات الدينية. وتُعدّ نظرته إلى القوانين المدنية اجتهادًا في فهم النص الديني ضمن تصور عام يتقاسمه رجال الإصلاح خلال القرن التاسع عشر، وهو تصور يقوم على تغليف القوانين الدستورية بمرجعية دينية إسلامية62. فالقانون (أي الدستور) بحسب ابن أبي الضياف، له أساس في "السياسات الشرعية التي حقيقتها الفعل الذي يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يضعه شرع ولا نزل به وحي"63. ساند الكاتب مجمل بنود عهد الأمان المنبثقة من التنظيمات العثمانية، واعتبرها مرحلة أساسية في بناء دولة القانون، وهو ميثاق أصبح الباي ملزمًا بتطبيقه، حتى إنّ شرعية حكمه باتت رهينة القَسم على احترام هذا العهد الذي ضمن جملة من الحقوق والمبادئ الإنسانية لفائدة مجمل رعايا من المملكة، مسلمين كانوا أو يهودًا. لكنّ قوى عديدة ساهمت في إجهاض التجربة بعد سنوات قليلة من انطلاقها.

Nadine Picaudou, l'Islam entre religion et idéologie: Essai sur la modernité musulmane (Paris: Gallimard, 2010), p. 127.

Butus Abu-Manneh, "The Islamic roots of the Gülhane rescript," in: Die Welts des Islams , New series, vol. 34 , no. 2 (Nov. 1994), p. 173  -  203.

  1. يتجلى ذلك في تصويره لكيفية سير القضاء الذي يشرف عليه الباي وما يتضمنه من عنف وعدم احترام للشاكي، انظر: ابنأبي الضياف، ج 1، ص 82.
  2. هو ميثاق يحتوي 11 بندًا مستوحى من نصوص التنظيمات العثمانية.
  3. ابن أبي الضياف، ج 1، ص 72.
  4. المرجع نفسه، ج 1، ص 84.
  5. بيّنت نادين بيكودو، في دراستها حول الحداثة الإسلامية، أنّ مصلحي القرن التاسع عشر من المسلمين اعتبروا أن التحديث، في جوهره، كامن في الشريعة الإلهية. انظر: ويتجلى هذا التصور، أيضًا، في ميثاق "خط كلخانة"، وفي ديباجة "عهد الأمان". انظر:
  6. ابن أبي الضياف، ج 5، ص 59.

2 ي. نقد القوى المساهمة ف إجهاض مشروع دولة القانون

يقف ابن أبي الضياف ضد القوى التي أجهضت مسار بناء الدولة الدستورية، وتأتي في مقدمتها القوى المحلية التي لم تستَسغ الإصلاحات التي حصلت أو لم تستوعبها. وهذا واضح في قراءة الكاتب للحركة لاحتجاجية التي شهدتها العاصمة سنة 1861، أي بعد فترة وجيزة من الإعلان عن الدستور وبداية اشتغال المحاكم المدنية64، والتي قادها مؤدّب طالبَ بإلغاء المجالس وعودة الباي إلى الحكم بنفسه على العادة السابقة65. وقد أثار هذا لاحتجاج استياءً شديدًا لدى ابن أبي الضياف، تجلى في تلك الأوصاف المحقِّرة للمحتجين؛ منها "همج الهمج" و"سفهاء الحاضرة" و"الأراذل" و"الحمقى"66، وهي تقريبًا المواقف نفسها التي لاحظناها لدى بن سلامة. أما الفعل الذي أقدموا عليه فهو بحسب ابن أبي الضياف "هذيان جهال ونهيق أحمرة" جلب لهم غضب الباي وبغض أهل مدينة تونس وسخرية الأوروبيين الذين "ألحقوهم بالوحوش وسوائم الأنعام"67. وقد استغرب الكاتب قيام حركة مناهضة لمجالس (أي المحاكم المدنية) رأى فيها "نور الإنصاف وبركة الشورى [أعادت] لهذا النوع الإنساني بهذا القُطر ما يستحقه من الحرية بعد أن كان ممنوعًا منها بسيف القهر"68. فكما في حال بن سلامة، كان قسم من الرعايا معارضًا لعملية التحديث، لا سيما في هذه المرحلة التي تنامى فيها الضغط الأوروبي. وكانت المرجعية الدينية مستندهم الأساسي. أمّا الحدث الثاني الذي "حطّم" حلم ابن أبي الضياف المتمثل في قيام دولة يحكمها القانون، فهو يكمن في الثورة العارمة التي قامت سنة 186469، والتي أدّت إلى تعليق العمل بالمجالس وقانون الدولة. وعلى إثرها، حقّر ابن أبي الضياف، أيضًا، من قيمة المتمردين، واصفًا إياهم ب "أغمار العامة"70؛ فبحسب رأيه، استغل أعداءُ الدولة في الداخل والخارج ومن لم يكن مقتنعًا بالإصلاح تمردَ سكان البوادي (وهم أغلبية السكان) ل "القدح في القانون"71. وفي هذا الظرف التاريخي، نرى الكاتب يغتنم فرصةً ليقارن بين سلوك قنصل الإنكليز وسلوك جانب من أهل بلاده تجاه قوانين عهد الأمان. فقد طلب قنصل الإنكليز جوابًا من الباي يتضمن التزامه باستمرار العمل بمبادئ عهد الأمان بعد قراره تعليق العمل بالدستور. وبحسب ابن أبي الضياف، فإنّ الإنكليز يحترمون القانون والعدل، وفي المقابل ثمة قسم من أهل بلاده لا يرقون إلى هذا المستوى، فهم "يدّعون الإيمان من غير فهم لمعناه [...] ويقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ويحركون أشداقهم بالتسبيح والتهليل وهم يتشدقون لجهلهم ب لاعتراض على عهد الأمان [...] وما دروا أنهم يعترضون على كلّ من أصول أحكام الدين إيثارًا للشهوة على الحق"72.

  1. سُميت "مجالس الجنايات والأحكام العرفية."
  2. ابن أبي الضياف، ج 5، ص 101.
  3. المرجع نفسه.
  4. المرجع نفسه، ص 103.
  5. المرجع نفسه، ص 101.
  6. كانت تلك الثورة احتجاجًا على الترفيع في الجباية.
  7. ابن أبي الضياف، ص 138.
  8. المرجع نفسه، ص 144.
  9. المرجع نفسه، ص 199.

ويتمثل العامل الأساسي في إفشال مشروع الدولة المقيدة بالقانون في مواقف القوى الأوروبية، ولا سيما فرنسا التي رفضت أول تطبيق القوانين الجديدة على رعاياها73. والأخطر من ذلك، كما يذكر ابن أبي الضياف، التدخل السافر للقنصل الفرنسي دي بوفال، لدى الباي ومطالبته بحلّ المجالس وتعليق الدستور، والتخلي عن بعض وزرائه (منهم خير الدين وابن أبي الضياف نفسه) الذين كانوا سببًا في إرساء القوانين والإصلاحات، و"ناضلوا"74 من أجل ترسيخها. فهناك تشهير واضح من ابن أبي الضياف بسلوك أولئك الأوروبيين المنافي لما هو معمول به في دولهم وتدخلهم في غير مصلحة البلاد؛ مثلما بيّنه في عودته المطولة إلى تاريخ العلاقات بين الدول الأوروبية وبلاده قبل القوانين وبعدها، ذلك أنهم استغلوا حالة الضعف التي كانت عليها الدولة لكي يفلتوا من طائلة القوانين75. ويعود الكاتب باللائمة في حصول مثل هذه التطورات على بعض رجال الدولة من وزراء وعمال، ومَن دونهم من المراتب الذين لم تغيّ القوانين ولا المجالس المحدثة سلوكهم. فقد أخلّوا بواجبهم عندما تغاضوا عن تفسير القوانين الجديدة للرعايا76، إذ يقول: "قرئ هذا المنشور [أي منشور عهد الأمان] في بلدان المملكة وقليل من نواجع العربان بلا مدارسة ولا إفهام ومرّ على أسماعهم مرور الرياح"77. كما اعتبر أنهم انساقوا وراء أهوائهم، لا سيما في ما يتعلق بمالية الدولة وما تسببوا به من إنفاقات في غير مصالح البلاد، فأدى ذلك إلى إفلاسها وإلى تراجع هيبتها وخضوعها لمشيئة الدول الأوروبية.

خاتمة

تبيّ لنا من خلال هذه الدراسة كيفية تموقع الإستغرافيا التونسية خلال القرن التاسع عشر، في ظرفية التنظيمات، إلى جانب تجديد الدولة. ظلّ كلا الكاتبين، بن سلامة وابن أبي الضياف، في دائرة السلطة التي اختارت نهج الإصلاح، لكنهما لم يكونا مثقفَي بلاط فقط، بل ساهما في تشكّل وجه جديد للمؤرخ المندرج في سياق دولة الإصلاح. وبرّر المؤلفان مواقفهما من تحديث الدولة بضرورة تعقّل الظرفية التاريخية، أو الزمن الراهن الذي اكتسب قيمةً جديدةً تجعله يعلو على الماضي وعلى التصورات القديمة. كما اندرجت الكتابة التاريخية ضمن زمنية أعطت قيمة لمعنى التقدم، وفتحت آفاق الزمن المحلي على الزمن الكوني. وأخيرًا، مثّل الخطاب التاريخي دليلً مهمًا في فهم مسار إعادة تحديد مفهوم الدولة. وقد طغى الطابع السجالي على الكتابة التاريخية؛ إذ كان هناك تنافس واضح في إعادة صياغة الدولة، وبذلك كانت الإستغرافيا في الآن نفسه مظهرًا من مظاهر ذلك الصراع وطرفًا فيه. لقد كانت جزءًا من السلطة، ودافعت عن شكل الدولة الحديثة، ساعيةً للتصدي لمختلف أشكال لاحتجاج التي لا تتماشى مع تصورها، استنادًا إلى حجج ومبررات دينية أحيانًا، وواقعية أو إجرائية أحيانًا أخرى.

Henia, "Les catégories temporelles de l'historiographie tunisienne," pp. 64  -  84.

  1. من ذلك رفض القنصل الفرنسي دي بوفال أن تتولى المجالس المختلطة (أي المحاكم) المحدثة النظر في القضايا الناشئة بين الأوروبيين والتونسيين، بدعوى ضرورة اعتبار مدة زمنية من التجريب لكي يحصل لاطمئنان إلى حسن تطبيق القوانين.
  2. ابن أبي الضياف، ج 5، ص 178.
  3. المرجع نفسه، ص 100.
  4. كما فعل شيخ الإسلام في إسطنبول المناصر للتنظيمات محمد عارف باي (ت. 1858) لتفادي ثورة الأناضول.
  5. ابن أبي الضياف، ج 5، ص 64.
  6. أشار إلى ذلك المؤرخ عبد الحميد هنية. انظر:

المراجع

العربية

ابن أبي الضياف، أحمد. إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان. تونس: الدار العربية للكتاب، 1984.

ابن خلدون، عبد الرحمان. المقدمة: تاريخ العلامة ابن خلدون. تحقيق جمعة شيخة. المملكة العربية السعودية/ تونس: مكتبة دار المدينة المنورة للنشر/ الدار التونسية للنشر، 1984.

بن سلامة، محمد الطيب. العقد المنضد في أخبار المشير الباشا أحمد. مخطوط بالمكتبة الوطنية. رقم 18618.

بن سليمان، فاطمة. الأرض والهوية: نشوء الدولة الترابية في تونس، 1574  -  81 18. تونس: كلية العلوم الإنسانية و لاجتماعية، 2009. التونسي، خير الدين. أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك. تونس: المطبعة الرسمية، 1867.

السنوسي، محمد بن عثمان. مسامرات الظريف بحسن التعريف. تحقيق وتعليق محمد الشاذلي النيفر. تونس: دار الغرب الإسلامي، 1994.

عبد السلام، أحمد. المؤرخون التونسيون في القرون 17 و 18 و 19 م: رسالة في تاريخ الثقافة. ترجمة أحمد عبد السلام وعبد الرزاق الحليوي. قرطاج: بيت الحكمة، 1993.

الأجنبية

• Abu-Manneh, Butus. "The Islamic roots of the Gülhane rescript." Die Welts des Islams. vol. 34. no. 2 (Nov. 1994).

• Bargaoui, S. & H. Remaoun (dir.). Savoirs historiques au Maghreb, construction et usages. coordination de Sami

• Bargaoui, Sami. "L'historiographie tunisienne du XVIIIs et les origines du beylik de Tunis." Rawefid. no. 12 (2007).

• Dakhlia, Jocelyne. Le divan des rois: le politique et le religieux dans l'Islam. Collection Historique. Paris: Aubier, 1998.

• La périodisation dans l'écriture de l'histoire du Maghreb: actes, table ronde de Marrakech les 26  -  29 mai 2005 ,

table ronde de Tunis les 21  -  23 septembre 2005. Bin Slimane & hichem abdessamed (eds.). Tunis: Arabesques, 2010.

•. The Emergence of Modern Turkey. 2 nd ed. Londres/New York: Oxford University Press, 1968.

• Picaudou, Nadine. l'Islam entre religion et idéologie: Essai sur la modernité musulmane. Paris: Gallimard, 2010.

• Qataert, Donald. "Clothing law, state and society in the ottoman empire 1720  -  1829." Middle East Studies. vol. 29.

References

Bargaoui & Hassen Rémaoun. Tunis: CRASC, 2006.

• Lewis, Bernard. The Middle East: A brief history of the last 2 , 000 years. New York: Scribner, 1996.

no. 3 (1997).