الكتابة التاريخية عند جول ميشليه
History Writing for Jules Michelet
الملخّص
شهدت الهيستوريوغرافيا الفرنسية إبّان القرن التاسع عشر ثورةً حقيقية؛ فخلال هذا القرن تحرّر التاريخ في فرنسا من الفلسفة ومن اللاهوت، وبدأ يستقل على المستوى الأكاديمي، وبنى لنفسه مكانة متميزة في حقل العلوم الإنسانية بأقسامه المتعددة في الجامعات وفي مجلاته المتخصصة. وقد أصبحت الكتابة التاريخية في فرنسا خلال القرن التاسع عشر أكثر احترافية ومهنية، واكتسبت طرقها وأساليبها الخاصة، واتخذ المؤرخون الفرنسيون التاريخ أداة للتأثير في الحاضر، فوظفوا كتابة التاريخ في توجيه الحركات الاجتماعية وتأطيرها بفرنسا. ويعدّ جول ميشليه واحدًا من أهم المؤرخين الذين طبعوا الهيستوريوغرافيا الفرنسية خلال القرن التاسع عشر. وأمام ندرة الكتابات العلمية باللغة العربية عن هذا المؤرخ أو عموميتها أو جزئيتها، تأتي دراستنا لكتابته التاريخية لسدّ هذا الفراغ. سنقف في هذه الدراسة عند المكانة الريادية التي يتبوؤها ميشليه في الهيستوريوغرافيا الفرنسية، ومفهوم التاريخ لديه ومظاهر التجديد في كتابته التاريخية وتوظيفه للتاريخ، مع مناقشة ردود الفعل على كتابته التاريخية بصفته مؤرخًا "إشكاليًا" انقسم المؤرخون الفرنسيون بشأن إنتاجه التاريخي أسلوبًا ومنهجية.
Abstract
French historiography witnessed a real revolution in the 19 th century, a time in which history in France was liberated from philosophy and theology, became academically independent and built a distinct place for itself within the wider domain of the humanities, in universities and in scholarly journals. During that period in France, academic history was professionalized and acquired its own methods and styles as French historians adopted history as a tool to influence the present, and used history writing to direct and frame contemporaneous social movements. Jules Michelet is one of the historians who put his mark on French historiography during that period. This study aims to rectify the inadequacy in the quality and quantity of Arabic knowledge on this important historian. It does so by looking at the pioneering role played by Michelet in French historiography, his concept of history, and aspects of renewal in his historical oeuvre and his usage of history. It also offers a discussion of the reactions to his work as a "problematic" historian whose work has received mixed reviews from French historians.
- جول ميشليه
- الكتابات التاريخية
- البعث الشامل للماضي
- فرنسا
- Jules Michelet
- History Writing
- Comprehensive Study of the Past
- France
مقدمة
لا يختلف اثنان في أن جول ميشليه Michelet Jules1 يبقى علامةً بارزة في الهيستوريوغرافيا الفرنسية. فهو أحد رواد التاريخ الرومانسي2. وهو المؤرخ الذي وضع اللبنات الأولى للتاريخانية الفرنسية؛ ما جعله بحق الأب الفعلي لتاريخ فرنسا، ومعلّم الأمّة الفرنسية الذي طالما لقبته الشبيبة الطلابية الفرنسية "قدوتي" Symbole. M3. وتقرّ ثلة من المؤرخين بالإسهام المهم لميشليه في إعادة النظر في الكتابة التاريخية؛ فلقد لخّص غابرييل مونود Monod Gabriel (1844 - 1912) تميّز مقاربات ميشليه التاريخية بقوله "لقد بصم ميشليه مواضيعه ببصمة لا تُمحى، يتعذّر معها على الذين سيعقبونه أن يتجاهلوا ما قال"4. ووصفه رولان بارت (1915 - 1980) ب "الحَبْ الأعظم للتاريخ"5. ويبقى ميشليه "مؤرخًا إشكاليًا" اختلف المؤرخون بشأن مفهومه للتاريخ ومنهجيته في التأريخ للأحداث وأسلوبه في الكتابة والتزامه السياسي وتوظيفه الأيديولوجي للتاريخ، لأسباب سياسية وحزبية وقومية. وإذا كان هناك اتفاق على أهمية إنتاج هذا المؤرخ، واعتبار منجزه التاريخي أساسيًا لفهم تاريخ فرنسا، فإن هذا الإنتاج كان مثار جدل؛ إذ اختلف المؤرخون في شأن تقويم أعمال ميشليه اختلافات عميقة. تروم هذه المساهمة تحليل الكتابة التاريخية عنده، وهو الإشكال الذي سنقاربه عبر ثلاثة محاور رئيسة.
أولً: منهجية الكتابة التاريخية عند ميشليه
1. ميشليه أبو التاريخانية الفرنسية
بُعيد ثورة تموز/ يوليو 1830، أعلن ميشليه تبنّيه لنظرية "البعث الشامل للماضي"6، قائلً׃ "في هذا الصباح السّاطع لتموز/ يوليو وآماله العريضة وقوة جاذبيته، لن يريع قلب رجل شاب هذا المشروع الذي يفوق قدرات البشر [يقصد مشروع البعث الشامل للماضي]، ما دامت العوائق تنعدم في بعض الساعات، ويصبح كل شيء يسيرًا"7. ببلورته لهذه النظرية، يكون ميشليه قد وضع الإطار النظري لمدرسة الحوليات8التي تبنّت مقاربة شمولية للحقائق التاريخية، ورفضت الحدث والفرد والسرد، واتجهت إلى دراسة مواضيع جديدة، كان النصيب الأوفر فيها للمجتمع الذي أضحى المجال المفضّل في هيستوريوغرافية مؤرخي مدرسة "الأنال" Annales les. وهي النظرية ذاتها التي عبّ عنها بول ريكور Ricoeur Paul (1913 - 2005) بعبارة "الواقعة الاجتماعية الشاملة" total social Fait، مستعيرًا هذا التعبير من السوسيولوجي
مارسيل موس Mauss Marcel (1950 - 1872)9. بَيد أن المدرسة المنهجية التي هيمنت على الكتابة التاريخية الفرنسية على امتداد القرن التاسع عشر حالت دون تأثير نظرية "البعث الشامل للماضي" في زمانها، بعد أن عارض المؤرخون المنهجيون التيارات الأدبية والرومانسية وكاثوليكية كتابة التاريخ، ودافعوا عن تاريخ أكثر موضوعية، وسعوا لتقديم الحقيقة للقرّاء من خلال الوثائق التي أخضعوها لممارسة نقدية10. لقد بلور ميشليه نظرية "البعث الشامل للماضي"، في فترة شابت فيها الهيستوريوغرافيا الفرنسية نقائص، يمكن إجمالها فيما يلي.
أ. مقاربة أحادية للحقائق التاريخية وعدم لاستعانة بالأرشيف
في عشرينيات القرن التاسع عشر وثلاثينياته، عانت الهيستوريوغرافيا الفرنسية عيبين رئيسين: أولهما عدم دراستها تأثير الأرض والمناخ والتغذية والظروف الفيزيائية والفيسيولوجية في الأحداث التاريخية، وثانيهما مناقشتها الأحداث السياسية والقوانين الإنسانية مع إغفالها تحليل الفكر والعادات الإنسانية، ويتحدث ميشليه عن ذلك قائلً "خلاصة القول، إن التاريخ كما رأيته في هؤلاء الرجال العظام [...] بدا لي ضعيفًا لاعتماده طريقين: مادي أقل مما ينبغي، يركز على دراسة الأعراق وليس على دراسة الأرض والمناخ والتغذية والعديد من الظروف الفيزيائية والفيزيولوجية. روحي أقل مما ينبغي، يتحدث عن القوانين والأفعال السياسية ولا يناقش الأفكار والعادات"11. ويعزو ميشليه ذلك إلى رصد المؤرخين الفرنسيين للحقائق التاريخية في مستوياتها السياسية، مغفلين تمظهراتها الدينية والاقتصادية والفنية، وحول هذه النقطة أكد أنه "كانت هناك حوليات ولم يكن هناك تاريخ، درس رجالٌ عظام هذا التاريخ خاصة من وجهة نظر سياسية، لكن أيًّا منهم لم يدخل في التفاصيل اللانهائية لأشكال التطور المختلفة في نشاطاتها الدينية والاقتصادية والفنية"12. لذا لم يكوّنوا إلا آراء جزئية عن الحقائق التاريخية، عازلين العناصر المشكّلة لها كالعرق والمؤسسات بعضها عن بعض، ولم يحدّدوا العلاقات التي تربط بين مختلف مستوياتها؛ ما أفقدها انسجامها وحال دون التأريخ لها في شموليتها وشوّه صورتها13، وفي ذلك كتب هذا المؤرخ يقول׃ "نظرتْ هذه الكوكبة النزيهة من المؤرخين إلى التاريخ بآراء خاصّة ومتعددة، كوكبة كان لها تأثير كبير في مجال البحث التاريخي بين سنتي 1820 و 1830 وضمت دوبارونتي) 1877 - 1797 (Thiers) وتيير 1884 - 1796 (Mignet) ومينيي 1874 - 1787 (François Guizot) وفرانسوا غيزو 1866 - 1782 (De Barente وأوغستين تييري، لقد اهتم بعض هؤلاء المؤرخين بعنصر العرق، ودرس بعضهم الآخر المؤسسات، من دون أن يدركوا مدى صعوبة عزل هذه الأشياء عن بعضها ومدى تأثير كل منها في الأخرى، فهل يحافظ عنصر العرق على ثباته بمعزل عن تأثير العادات الأخرى؟ وهل بإمكان المؤسسات أن تُدْرسَ بما يكفي بمنأى عن تاريخ الأفكار وعن ألف ظرفية اجتماعية تَنبُع منها؟ فغالبًا ما يكون لدى هؤلاء المتخصصين شيء ما مصطنع يزعم أنه يوضح بعض الخفايا المهمة، غير أن بإمكانه مع ذلك أن يُعطينا منحنيات خاطئة ويغالطنا حول الحقيقة التاريخية في كُلّيتها ويختلس منها انسجامها السّامي"14. في الفترة ذاتها، دأب المؤرخون الفرنسيون على عدم اعتماد المادة المصدرية في التأريخ للأحداث15، فقد اعترف سيسموندي Sismondi (1787 - 1874) أنه حين كان يكتب في جنيف لم تكن بحوزته الوثائق والمخطوطات16، لذا لم يقاربوا الحقائق التاريخية
في شموليتها، وهو ما يفصح عنه ميشليه من خلال نقده لمنهجهم "لم يُحس أيّ من المؤرخين المتميزين خلال الفترة الممتدة بين سنتي 1830 و 1836 بالحاجة إلى كتابة الوقائع خارج المؤلفات المنشورة في المصادر الأصلية التي كان العديد منها حتى تلك الساعة غير منشور ومخبأ في مخطوطات مكتباتنا وفي وثائق أرشيفاتنا"17.
ب. الشعب الفرنيس بين التغييب والمغالطة
في مقدمة كتابه الشعب Peuple Le الصادر سنة 1846، يشير ميشليه إلى تغييب البسطاء في الهيستوريوغرافيا الفرنسية خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، وإلى تعهده بأن يكون صوت الشعب والمُعبّ عنه "ماذا عساي أن أُعطي لهذا الشعب الكبير والمغيَّب؟ سأمنحه ما أملكه، صوتي"18. لقد أبانت الإنتلجنسيا Intellegentia الفرنسية في هذه الفترة عن جهل تام بالشعب، فأعطت في كتاباتها صورة مغلوطة عنه، وحول هذه النقطة يقول ميشليه: "درس الاقتصاديون ما أسموه الشعب الذي يتشكل في نظرهم من عمال المصانع"19، ويضيف: "في إطار اهتمامهم اللّطيف جعل كتّاب رفيعون الشعبَ موضوعًا للدراسة، فخرجوا من صالوناتهم ونزلوا إلى الشارع وطلبوا من المارّة أن يرشدوهم إلى محل سكناهم، فأشاروا عليهم بالتوجه إلى السجون والأماكن السيئة"20.
2. مفهوم التاريخ عند ميشليه
يتحدد مفهوم التاريخ عند ميشليه في "البعث الشامل للماضي"، وهو ما يفصح عنه بقوله: "إنّها لأكثر تعقيدًا وإثارة للفزع قضيتي التاريخية الموضوعة كبعث 'شامل' للحياة، ليس في مستوياتها السطحية بل في 'تركيباتها' الداخلية العميقة، فأي رجل عاقل لم يكن ليفكر في قضية كهذه، فلحسن حظي أنني لست ذلك الرجل"21، نستشفّ من هذا التعريف أن الكتابة التاريخية عند ميشليه يحكمها منهجان رئيسان هما الشمولية والتركيب.
أ. الشمولية
يوضح هذا المؤرخ الطابع الشمولي لمقارباته التاريخية قائلً: "إنّني أكتب تاريخًا عامًا وليس تاريخًا خاصًا بملك معين، إذ يتعيّ عليّ أن أجمع في جزء واحد الفترة الممتدة بين سنتي 1661 و 1690 المليئة بالأحداث والعقود الدينية والسياسية وبالمؤلفات الأدبية"22، ويضيف: "إن للحياة طبيعة سامية لا غنى لها عنها، فهي لا تكون حياة حقيقية، إلا إذا كانت تامة، ما دامت أعضاؤها المتحدة لا تتحرك إلا وهي مجتمعة"23. إذًا، فمن منظور ميشليه، ليس ثمة مجال يقع خارج دائرة اهتمام التاريخ، فهذا العلم يُعنى بالنشاط الإنساني في كل تجلياته، سواء تعلق الأمر بالإبداعات الفنية والأعمال الأدبية، أو بالنشاطات الاقتصادية والاكتشافات العلمية، أو بالديانات والفلسفات، أو بالدساتير السياسية والكنسية24. لذا فلا مناص للمؤرخ من الإلمام بموضوع دراسته، والقيام بعمل دقيق لبعث شامل للحقيقة التاريخية وتتبّعها في تمظهراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، وتحديد التأثيرات المتبادلة لمختلف القوى الفاعلة فيها25، وهو ما يفصح عنه ميشليه
بقوله: "على هذا الأساس، فإما أن نحصل على كل شيء، أو ألا نحصل على أي شيء. فلإيجاد الحياة التاريخية، يجب تتبّعها بصبر في كل قنواتها وأشكالها وعناصرها، وبالصبر ذاته يتعيّ إصلاح وإعادة التأثير المتبادل لهذه القوى المختلفة في إطار حركة قوية تصبح الحياة بعينها"26.
ب. التركيب
لقد ركّب ميشليه الحقائق التاريخية مراعيًا تداخل العلوم وحاجتها المتبادلة27، وهو ما عبّ عنه في الرسالة التي وجّهها في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1842 إلى ألفرد ديميسنيل Dumesnil Alfred28: "أريد [...] أن أؤكد قضية تشمل كل القضايا وهي: بطلان التصنيفات، وأن أبيّ أنه لا يمكن صياغة تاريخ القانون من دون الاطلاع على تاريخ الديانات الذي لا يشتبك ويمتزج كسبب فحسب، بل يلد ذاته، لذا سأتابع تاريخ الفن من أجل معرفة التاريخ السياسي وغيره"29. تلك المتابعة التي يحدد مقصده منها قائلً: "أريد أن أبيّ أنه لا يمكن صياغة تاريخ القانون من دون الاطلاع على تاريخ الديانات [...] فلكي أكتب تاريخًا سياسيًا فسأَدرس تاريخ الفن [...] إلخ، نظرًا إلى علاقتهما المتداخلة وحاجتهما المتبادلة إلى بعضهما"30. يشبّه ميشليه تركيب المؤرخ للحقيقة التاريخية بتركيب عالم الكيمياء للعناصر الكيميائية31، ويعتبر التركيب التاريخي أشدّ تعقيدًا من التركيب الكيميائي؛ فإذا كان التركيب الكيميائي يتم في المعوجّاتِ التي يجمع فيها عالم الكيمياء العناصر الكيميائية التي يعتزم دراسة تفاعلاتها، فإن التركيب التاريخي يتم في ذهن المؤرخ الذي يستحضر عنصرًا من مجموع العناصر الميتة للماضي الذي كان حاضرًا حيًا وانقطع عن الحياة ليُعيد بها بناء الحياة كما كانت؛ ما يفسح المجال للخيال في عملية التركيب التاريخي32. لكن العناصر في التركيب الكيميائي تتفاعل فيما بينها تلقائيًا، ويقتصر دور عالم الكيمياء على ملاحظة تفاعلها. أمّا في التركيب التاريخي، فالمؤرخ يؤرخ للماضي انطلاقًا من معطيات تتضمنها وثائق انتقاها، بناءً على بحث ثقافي ونقدي، ما دام تركيب الماضي لا يتم بمجرد جمع المؤرخ لوثائق الموضوع المدروس33. لمّا كان المؤرخ، أو "الفنّان" على حد تعبير ميشليه، سيد العملية التاريخية وعنصر ارتكازها، فهو ملزم بالحضور فيها بكل ميوله وعواطفه وانفعالاته، وهو ما لا يكاد يَسلمُ منه أي مؤرخ، باعتباره عنصرًا مهمًا في إضفاء القوة على الحقيقة التاريخية34. ويعبّ ميشليه عن ذلك بقوله: "هذا ما نراه دائمًا، فلا يكون الوصف دقيقًا ومطابقًا للشكل إلا إذا أعمل فيه الفنان [أي المؤرخ] شيئًا من ذاتيته، فأساتذة التاريخ لدينا لم يتخلصوا من هذا القانون، فتاسيت Tacite (نحو 55 - 120) في تيبيره Tibère35 يصف نفسه بالاختناق الذي ميّز عصره [...] أمّا تييري فقد انتابه شعور خاص وهو يحكي لنا عن كلوديوغ Klodwig (نحو 466 - 511) وعن كيوم Guillaume (1027 - 1087) وحملته، تمثّل في تعاطفه مع فرنسا المجتاحة في الوقت الحاضر، وفي معارضته للمَلكية القائمة التي يبدو أنها مَلكية خارجية"36.
المدفونة التي أيقظتُ فيها وأنا أكتب تاريخها آلاف الأشياء الغائبة [...] فالهِبَةُ التي طلبها سان لويس Louis Saint (1214 - 1270) ولم يحصل عليها، حصلتُ عليها عبر هبة الدموع [...] بعد أن عادت الحياة إلى كل أولئك الذين بكَيتُهم، لقد كان لهذا السِّحر الساذج [أي ربط علاقة حميمة بالموتى] تأثير استحضار شبه محقق"37. مضيفًا أن "التاريخ كيمياء معنوي عنيف، تتحول فيه رغباتي الشخصية إلى عموميات، وتصبح فيه عمومياتي رغبات، وتغدو فيه شعوبي أنا وتعود أَنايَ لإحياء الشعوب، فهي [أي هذه الشعوب] تخاطبني كي أجعلها تحيا [...] مع الأسف؛ فهل أنا حي بما يكفي؟ آه، يا إخوتي [أي الموتى] فشفقتي العظيمة والمؤلمة عليكم لا تفارقني، لكن هل تعتقدون أنني أستطيع في خضمّ آلامي أن أميّز بين آلامي وآلامكم؟ وأن أعتبرها عن طواعية جزءًا من آلامي [...] لكن وأنا مُتماهٍمع هذه الشعوب؟ ألن تتماهى حياتي الشخصية مع حياتها العامة؟ لقد أجابوني [أي الموتى] عن سؤالي هذا وهم يتأوّهون 'أن الأمر سيان بالنسبة إليهم'، إذًا، فهم وأنا نؤلف شخصًا واحدًا بعد أن عانت قلوبنا على المنوال نفسه، وعاشت حياتهم في حياتي وكانت هذه الظلال الشاحبة ظلي، أو بالأحرى كنت الظل الحي والهارب للشعوب المُثبتة في الوجود الحقيقي"38.
وجسده، حتى يتجاوز التعارض الكلاسيكي القائم بين ضيق الأنا الفردية (شخصية المؤرخ) والعمومية التاريخية الممتدة إلى ما لا نهاية (أي الحقبة المدروسة)39، وقد أقرّ في مقدمة مؤلفه تاريخ فرنسا40 بأن هذا الكتاب نَبع من أحاسيسه بالدرجة الأولى متسائلً "هل يشكل تماهي المؤرخ مع التاريخ الذي يكتبه، معطى إيجابيًا أم سلبيًا؟ وهنا يَلوحُ شيء لم يسبق لنا أن وضعناه، ويتعيّ علينا الإعلان عنه، فالتاريخ يصنع المؤرخ [...] فمؤلَّفي خلقني، فأنا كنت عمله، لقد صنع الابن أباه، فإذا كان قد نبع مني أولً ومن زوبعة شبابي المضطربة، فقد أعطاني الشيء الكثير على مستوى القوة ووضوح الرؤية والدفء العميق والقوة الحقيقية لبعث الماضي، فإن تَشابَهنا فهذا أمر جيد، فملامحي الماثلة في كتابي هذا تبقى في جزء كبير منها تلك القوة التي أنا مدين بها له"41. يشير ميشليه معلّقًا على تماهيه مع شخصيات الماضي الذي أرَّخَ له ولأحداثه: "كان مجتمعي مجتمع الماضي، وأصدقائي هم الشعوب
من هذا المنطلق، دعا ميشليه الذي "طالما شَِب الدم الأسود للموتى "42 المؤرخَ إلى أن يتماهى مع الحقبة التاريخية المدروسة بروحه
الإقرار ذاته بالتماهي مع موضوع الدراسة، نجده في مؤلف تاريخ الثورة الفرنسية Française Révolution la de Histoire43الصادر في سبعة أجزاء خلال الفترة 1847 - 1853، إذ نقرأ في مقدمته: "كانت حياتي في هذا الكتاب، لقد مرّت إليه، فهذا المؤلَّف ظل شغلي الشاغل، ولكن ألا يمثّل تماهي الكاتب مع كتابه، خطرًا؟ أليس المؤلَّف ملوّنًا بأحاسيس مؤلِّفه وزمانه وشخصيته؟"44، ويضيف قائلً: "لَمْ تتركني أي من شخصيات الثورة [أي الثورة الفرنسية] باردًا، فلم أَعش معها ولم أتتبع أي فرد منها في عمق فكره وفي تحولاته كرفيق مخلص؟ بل أصبحتُ مع المدة واحدًا منها، ومن ثمّ مألوفًا لدى هذا العالم الغريب، بعد أن تعوّدت النظر عبر هذه الظلّال التي أعتقد أنها تعرفني"45. فما القناة التي سلكها ميشليه للتماهي مع الماضي المدروس؟ لاستحضار الماضي موضوع الدراسة وظّف هذا المؤرخ "خياله الباعث" ressuscitante Imagination ' l46، وهو ما أفصح عنه مرارًا في كتاباته، فحين كان بصدد كتابة مؤلفه تاريخ الثورة الفرنسية قال: "لم تكتمل الصورة في ذهني إلا يوم الأربعاء 31 [تشرين الأول] أكتوبر، بعد أن قرأت بتمعّن في يومي الاثنين والثلاثاء الصفحات الافتتاحية للفصل الأخير من الجزء الرابع [...] فانحلّت في لحظة جميع العُقد، لقد مررتُ بفترات عصيبة طفوتُ خلالها في برزخ"47. لذا فالمؤرخ في نظر ميشليه هو أوديب Œdipe48 وبروميتي Prométhée49، فهو أوديب الذي يرتقي الأزمنة ويعيش حياة الموتى ليفسّ لهم ما عجزوا عن فهمه وهم أحياء50، لأنهم في نظره "يحتاجون إلى أوديب ليشرح لهم ألغازهم التي عجزوا عن تفسيرها، وليُفهمهم ما كانت ترمي إليه أقوالهم وتصرفاتهم التي لم يفهموها"51، وهو بروميتي الذي يبعث الشعوب الميتة بكتابة تاريخها حتى تعود إلى الحياة، كما يشير إلى ذلك بقوله: "فهم يحتاجون إلى بروميتي الذي يستطيع بواسطة النار التي يخفيها أن يثير الأصوات التي ترفرف متجمدة في السماء حتى تصدر صوتًا وتبدأ في الكلام، بل أكثر من ذلك، يجب الإنصات إلى الأصوات التي لم يسبق لها أن قيلت من قبل، وبقيت في القلوب [...] فالمؤرخ ليس سيزار César (100 – 44 ق.م.) أو كلود Claude (نحو 10 - 54 م) فهو يرى دائمًا في أحلامه جموعًا من الناس تبكي وتنتحب؛ إنهم الموتى الذين لم يعيشوا حياةً كافية ويريدون العودة إلى الحياة، فهم لا يطلبون من المؤرخ دموعًا أو ما يُحمل فيه رفاتهم ولا يحتاجون إلى تكرار آهاتهم أو إلى نائحة، بل يحتاجون إلى عرّاف [أي مؤرخ]، وما داموا يفتقدونه فسيلفّون دائمًا حول قبورهم غير المقفولة بإحكام ولن يرتاحوا"52.
يعتبر ميشليه التاريخ محكمة تحاسب الناس على أفعالهم، يَهابُ أحكامها المستبدون وهو ما يعبّ عنه بقوله "يخيف الطغاةَ العقاب الأخروي [أي كتابة تاريخ هؤلاء الحكام المستبدين] الذي تفرضه فظائع الجنس البشري [...] فهم يهابون من أن يُعرضوا على العموم إلى الأبد، ويريدون بأي ثمن أن يهربوا من الشمس المنتقمة [أي التاريخ"]53، تقضي عدالة هذه المحكمة بكتابة تاريخ البسطاء المغيّبين في الكتابة التاريخية54، وفي ذلك يقول: "يستقبل التاريخ ويجدّد هذه الأمجاد غير الموروثة [أي الذين ليس لهم تاريخ]، ويعطي حياةً جديدة لهؤلاء الموتى ويبعثهم"55. وكل ذلك بحسبه "أملً في العدالة، فلقد أعطوا حياتهم بإيمان ثابت، لذا فهم يملكون الحق في أن يقولوا 'أيها التاريخ عُدَّ معنا، فدائنوك ينذرونك، لقد قَبِلنا الموت من أجل جملة منك"'56. غير أن نظرته الرومانسية إلى مهمة المؤرخ لا تعني أنه كان لا يعتمد على الوثائق الأصلية في كتابته التاريخية57، فلقد بنى مقارباته التاريخية على أساس الرجوع المباشر إلى المصادر والأرشيفات التي اعتبرها الأرض التي تغذيه، ففي الرسالة التي بعثها في 21 تموز/ يوليو 1848 إلى أوغين نويل Noël Eugène58، نقرأ قوله "أَكتبُ الجزء الثالث من 'تاريخ الثورة الفرنسية'، وأتمنى من خلال ملامسة الأرض التي تغذيني، أن أُحيي التضلع القوي والصلب: التحليل والنص التاريخي"59. ويوضح في هذا الصدد "أريد أن أقول كلمة حول طريقة كتابة هذا الكتاب [أي تاريخ الثورة الفرنسية]، فلقد وُلد في أحضان الأرشيفات، بعد أن استغرقت في كتابته ست سنوات (1845 - 1850) في مخزن مركزي للأرشيفات"60. ووعيًا منه بأن السياق يتضمن الأسباب المفسرة للأحداث، فلقد أرّخ للأحداث في سياقها التاريخي، مؤكدًا ضرورة الربط بين الحدث وسياقه: "تتمثل غاية التاريخ في المزاوجة بين سرد أحداث حقيقية ووضعها في السياق الذي وقعت فيه، فمن الخطأ استعراض الأحداث ووضعها في المستوى ذاته"61، كما تفادى إسقاط أفكاره الرّاهنة على الماضي المدروس، وهو ما يوضحه غابرييل مونود بقوله: "تجنّب ميشليه في دراسته التاريخية إسقاط اهتماماته وأفكاره الراهنة على الماضي"62، ولم يراوده أدنى شك في أن الأحكام الجاهزة تَحُول دون بعثٍ شامل للماضي، لذا تجنّب الأحكام المسبقة، مستخدمًا منطق النقد في مقارباته، حتى إن اضطره ذلك إلى التضحية ببعض الحقائق التاريخية الصغرى من أجل الوصول إلى مصادر الأحداث وفهم سياقاتها، حيث الحقائق التاريخية الكبرى ويبدو هذا التصور واضحًا في قوله: "يجب أن يتوفّر المؤرخ على قوة تمكّنه من تخطي الأحكام وإزالة القنوات المظلمة، حتى إن كلّفه الأمر التضحية ببعض الحقائق التي تخنق القناة، لكنه إذا ما أفلح في ذلك فستتدفق أمامه من محيط المبهَم العديد من كبريات الأسباب الحية"63. وبتبنّيه مقاربة "البعث الشامل للماضي" أعطى ميشليه تاريخًا حيًّا صوّر الأحداث للقارئ وكأنها تدور أمامه. وقد علّق على إعجاب معاصريه من المثقفين الفرنسيين بدرجة الحياة التي يتضمنها مؤلَّفه تاريخ الثورة الفرنسية قائلً: "قال أصدقائي وخصومي: إنها حقيقة تاريخية حية"64، فلقد وصف فيكتور هوغو Hugo Victor (1802 - 1885) مستوى الحياة الذي يتضمنه هذا المؤلَّف بقوله: "الأسلوب
المحموم لميشليه"65. وذكر أوغين سي Sue Eugène66 بهذا الخصوص "كتبت تعاليق مع الأسف، وكتبتم تاريخًا "67، أمّا هِرموان أزاكي Azaki Hermoine68 فقد وصفت أسلوبه "بأنه أسلوب نُحسّ فيه بنبض الشرايين، إننا نصادف في كل سطر حياة فريدة وحرارة تفوق الأربعين درجة، ومع ذلك ففي مؤلفات ميشليه فقط يرتفع النبض وتغزر الحيوية"70. بيد أن أكثر فصول هذا المؤلَّف تجسيدًا للتاريخ الحي الذي يقدّمه ميشليه، هو ذلك المتعلق بسيطرة الثوار على حصن الباستيل في 14 تموز/ يوليو 1789، وهو ما يوضحه غابرييل مونود بقوله: "لا أعتقد أننا يُمكن أن نجد وصفًا لسيطرة الثوار على حصن الباستيل يمكن مقارنته بوصف ميشليه لهذه الواقعة، بعد أن تم بعث المشاعر الجماعية التي أحدثت ورافقت انفجار الرغبات الشعبية، وجَعْلها محسوسة بقوة، شأنها في ذلك شأن باقي التحولات التي ميّزت هذا الحدث"71. ونورد فيما يلي فقرات من هذا الفصل توضح بلاغة ميشليه ودقة وصفه لهذا الحدث: "لم يكن الهجوم على حصن الباستيل عملًاحتكم إلى العقل، بل كان فعلً طبعه الإيمان، إذ لم يقترحه أحد، ولكن الكل آمن وتصرّف. كانت الجموع تصيح وهي تَعبرُ الأزقة والأرصفة والجسور والشوارع، قائلةً إلى الباستيل! إلى الباستيل، ففي دقات ناقوس الخطر [...] كلّهم كانوا يَسمعون 'إلى الباستيل!' [...] كانت الساعة تشير إلى الخامسة والنصف، حين أحدثت هذه الجموع ضجيجًا كبيرًا [...] فدخل ألف رجل إلى هذه القاعة [أي قاعة حصن الباستيل]، الممتلئة أصلً، ولم يتمكن عشرة آلاف آخرون من ذلك فطقَّت الألواح الخشبية وانقلبت الدكَّاتُ [...] ودُفِع المكتب على الرئيس. بدا الكل مسلحًا على نحو غريب [...] لقد أراد هذا الجمع المسعور والأعمى والثّمل أن يدمر حصن الباستيل، فسحق ساعة الحصن رَشقًا بالحجارة، وصعد إلى أبراج الحصن للسيطرة على المدافع [...] وتوجّه بعد ذلك إلى الزنازين لتحرير السجناء الذين جنَّ اثنان منهم، أحدهما أراد أن يدافع عن نفسه بسبب انزعاجه من الضجيج، [...] أمّا الآخر الذي كانت لحيته تصل إلى حزامه فكان يسأل عن أحوال لويس 15 XV Louis (1710 - 1774)، لاعتقاده أنه ما زال ملكًا على فرنسا"72.
3 ي. مظاهر التجديد ف الكتابة التاريخة عند ميشليه
تستوقف الكتابة التاريخية عند ميشليه73 الدارس بمظاهر تجديدها العديدة، مظاهر يعكسها تبنّي هذا المؤرخ "البعث الشامل للماضي" مفهومًا للتاريخ، والحضور اللافت لذاتيته في الكتابة، واضطلاعه بدور ريادي في مضمار استنطاق الوثائق الأرشيفية، وكذا تبنّيه منهجية التأريخ للأحداث من أسفل.
أ. التاريخ بصفته بعثًا شاملً للميض
أعطى ميشليه مفهومًا جديدًا للتاريخ لم يسبقه إليه غيره، إذ اعتبر التاريخ علمًا لا يقتصر على سرد أحداث الماضي والتأريخ لها فحسب، وإنّما يسعى لبعثها وإحيائها، وهو ما عَبّ عنه بقوله: "فلتكن هذه مساهمتي في المستقبل، فأنا لم أبلغ هدف التاريخ وإنما حدّدته
بإعطائه اسمًا لم يعطه له أحد قبلي، فتييري أسماه سردًا أو حكيًا، في حين أسماه غيزو تحليلً، أمّا أنا فأعطيته اسم البعث، وهو اسم سيلتصق بالتاريخ إلى الأبد"74.
ب. الذاتية رَحم الكتابة
تبقى الذاتية مظهر التجديد الأبرز في الكتابة التاريخية لميشليه؛ فهو يرى أن اعتماد المؤرخ على ذاتيته في بعث الماضي وإحيائه يظل أمرًا ممكنا لسببين: أولهما أن المؤرخ الذي يعيش في الحاضر ويشكّل امتدادًا لإنسان الماضي يمكنه أن ينطلق من ذاتيته في فهم تطلعات هذا الإنسان ومعاناته. ثانيهما أن الإنسان يبقى واحدًا رغم اختلاف الأماكن والأزمنة، وهي القناعة التي يختزلها في: "ماذا سنفعل لنجَد مجددًا ما لم يتم قوله ولم يكد يتمّ التفكير فيه؟ فهذا أيها السادة ليس بالصعوبة التي تبدو لنا؟ فهل عرفتم لماذا؟ لأن هذه المعاني الصامتة وهذا الشعب العظيم الذي نرى قدومه نحونا منذ بداية العالم ليس شيئًا آخر غيرنا نحن، إنّه ما نُشكّله اليوم أو ما كنا عليه بالأمس، فلقد ميّز قدوم هذا الشعب الزمن المعاصر، إنّها اللحظة المباركة التي أصبح فيها لهذا العالَم الصّامت صوت [...]، فلن أبحث بعيدًا جدًا عن هذا التاريخ، فهو كامن في 'أنا' ومكتوب بشكل تسهل قراءته، وليس من الصعب مطالعته، ما دامت أرواح آبائنا تتحرك فينا لآلام نسيناها، فالأمر شبيه بجريح فقد إحدى يديه. أمّا العنصر المساعد الثاني، فيتمثل في أن هذا الشعب البئيس جدًا يظل دائمًا رجلً واحدًا وديانة واحدة وحقًا واحدًا في كل مكان، فهذا ما أؤمن به، فأنا أحتاج إلى أن أبقى 'أنا' وسط هذا التنوع العدائي الذي تلعب الطبيعة بنا فيه، وبين هذه الأشباح النّورانية السريعة حيث تخلق [أي الطبيعة] وتسحق كل لحظة [أي عن طريق الموت]، كما أحتاج إلى أن أنْكر التغيير ضد هذا النفي السريع للوجودات الذي نسميه الموت وأن أؤكد على الحياة غير المتحركة، ما دمت لا أريد الحياة إن كنت لا أحس بي 'أنا' بفكر مطابق للإنسانية وبالإنسان الخالد"75. بسبب الحضور اللافت لذاتية هذا المؤرخ في الكتابة ورغبته الجامحة في تركيب الأحداث التاريخية اعتمادًا على خياله التّنبئي واستقائه حججه وبراهينه من قناعته وليس من الوثائق، رأى بعض المؤرخين في ميشليه متنبئًا رومانسيًا، أقرب إلى ألكسندر دوما Dumas Alexandre (1802 - 1870) منه إلى غيزو، ومفكرًا ومؤلِّفًا أكثر منه مؤرخًا76، وهو المعطى الذي توضحه مينا كيني Quinet Minna77 بقولها: "قلّما اهتم ميشليه بالحقائق التاريخية، إذ اختلفت منهجيته كليًّا عن منهجية المؤرخين الذين سبقوه، كما تميّزت من منهجية سيسموندي الذي اعتبره أستاذه وأحبه حبًا كبيرًا، لقد انعزل ميشليه كثيرًا عن مجتمع المؤرخين القدامى والمعاصرين له وتبنّى نوعًا من التنبؤ في التاريخ، فرأى الناس والأحداث التاريخية من خلال قوة الاستحضار التي يملكها السّاحر، من دون أن يهتم بالوثائق التي تدعم آراءه أو تفنّدها، مستندًا أكثر إلى تنبئه التاريخي في كل ما يؤكد قراراته، سواء تعلق الأمر بمظهر أبطاله أو بأسلوبهم في الكتابة أو بالجوانب الصغرى من وجودهم التي استرعت انتباهه أكثر من الأشياء الخاصة والمخفية والمستورة، فهذه هي الوثائق التي اعتمدها والأرشيفات التي أحب أن ينقب فيها، بعد أن عَوّض خياله علم التاريخ لديه. كان ميشليه أحد كبار المتضلعين، لكنه احتقر التضلع واعتبره أدنى مستوى من نظامه التنبئي، فسيطر عليه الفنان الرائع والشاعر ذو الوحي،
فهو القائل: 'إن التاريخ بعث'، وأعاد بريشته السحرية إنتاج الشخصيات والعادات واللغة والهندام وهامات هؤلاء الأبطال المشهورين أو المجهولين، وأعادهم إلى الحياة مجددًا"78.
ج. لا تأريخ إلا بالوثائق
يبقى ميشليه أول مؤرخ فرنسي انتبه إلى أهمية الأرشيف في الكتابة التاريخية، فقد كان سبّاقًا إلى استنطاق الوثائق الأرشيفية وتوظيفها في كتابة تاريخ فرنسا بعامة وتاريخ الثورة الفرنسية بخاصة. لقد أشار هذا المؤرخ مرارًا إلى اعتماده على المادة الأرشيفية في التأريخ للأحداث، فحين كان بصدد كتابة الجزء الثالث من مؤلفه تاريخ فرنسا ذكر أنه "لم يستعمل الوثائق غير المنشورة أَيُّ مؤرخ من أولئك الذين أعرفهم قبل كتابتي الجزء الثالث من مؤلفي 'تاريخ فرنسا'، لقد بدأ هذا العمل من خلال توظيفي في تاريخي79 للسجل السري 'استجواب تنظيم حماة المسيح' Temple du Interrogatoire80 الذي بقي محجوزًا لمدة أربعمئة سنة مخفيًا في خزينة الكنيسة وممنوعًا، ومُعرِّضًا من يحاول الاستعانة به لعقوبات خطيرة، وقد تم نقله بعد أن أخذه الهارليون Harlay Les81 إلى سان جيرمان دي بري Prés des Germain - Saint ثم إلى المكتبة، كما ساعدني في هذا الإطار التاريخ الذي ألَّفه ديكسكلين Duguesclin (1320 - 1380) [...]، أمّا الأرشيف الضخم فقد أعطاني عددًا كبيرًا من الوثائق التي دعَّمت هذه المخطوطات والعديد من المواضيع الأخرى، لقد أصبحت للتاريخ لأول مرة قاعدة جد معقولة سنة 1837 "82.
د. التأريخ للأحداث من أسفل
لم تقتصر كتابات ميشليه على سيَ الرجال العظام وكبار الفاعلين، بل تناولت تاريخ عموم الناس من البسطاء والمهمشين والفئات الشعبية. لقد كان هذا المؤرخ ابنًا للشعب الفرنسي وعارفًا بهموم البسطاء ومعاناتهم؛ ما جعله يحدّد ماذا عليه أن يفعل: "يتعيّ عليّ فقط لمعرفة حياة الشعب وأعماله ومعاناته أن أسائل ذكرياتي، فلقد اشتغلت بيديّ أنا أيضًا [...] أنا الذي عِشت معه، [أي مع الشعب] وعملت، وعانيت معه، أنا الذي أملك أكثر من أي إنسان آخر الحق في القول إنني أعرفه، جئت لأفرض ضد الجميع شخصية الشعب"83. ورغم أن ميشليه، الذي تربّ ونشأ فقيرًا،84 قد استطاع أن يترقَّى في السلّم الاجتماعي الفرنسي، فإنه لم يغيّ من واقع أولئك البسطاء الذين ظلّوا على فقرهم وبؤسهم، لذا أراد التخلص من إحساسٍ بالمسؤولية طالما أَرّقه، وذلك بإبراز الدور الذي اضطلع به هؤلاء في التاريخ الفرنسي، من خلال كتابة تاريخ فرنسا من أسفل، وهو ما عبَّ عنه بقوله: "أنت تشعر بالدفء، أمّا الآخرون [فيشعرون بالبرد] هذا غير عادل [...] آه! فمن عساه أن يريحني من هذا الشعور القاسي بالذنب؟ [...] قلت، إذًا، لأعزي نفسي 'إذا اشتَغلت مع الشعب فلن تعمل لصالحه [...] أمّا إذا أعطيتَ الوطن تاريخه، فسأسمحُ لك بأن تكون سعيدًا"'85.
في هذا الإطار، تندرج المؤلفات الثلاثة لمؤرخنا، تاريخ فرنسا وتاريخ الثورة الفرنسية وتاريخ القرن التاسع عشر siècle ème 19 du Histoire86؛ فالأجزاء الستة الأولى من تاريخ فرنسا ترصد التاريخ الفرنسي منذ عهد السلتيين والإيبيريين والرومان إلى غاية عهد الملك لويس 11 XI Louis (1423 - 1483). لقد أعطى ميشليه فرنسا في هذه الأجزاء تاريخًا وسيطيًا ملحميًا لم يعطها إيّاه أي من المؤرخين الفرنسيين، بعد أن أوضح تَجذّر الشعب الفرنسي المُشكّل من مزيج من الأعراق في الأرض الفرنسية التي حمل بصمتها وأثّر فيها من خلال النشاطات التي مارسها عليها87، وبعد أن أحيا مشاعر فرنسيي العصر الوسيط وهواجسهم المتمثلة في الخوف من نهاية العالم سنة 1000، وانخراطهم اللاواعي في الحروب الصليبية، ومشاركتهم في بناء الكنائس ومحاربتهم الإنكليز بقيادة جان دارك Arc ' d Jeanne (نحو 1412 - 1431) إبّان حرب المئة سنة88، ورؤيتهم في الملوك المتقاعسين fainéants Rois89 صورة لبؤسهم90، وقد واصل في الأحد عشر جزءًا اللاحقة من مؤلفه هذا رصد إسهام بسطاء المجتمع الفرنسي في مختلف الأحداث التي عرفتها فرنسا إبّان الفترة الممتدة من عصر النهضة الأوربية91 حتى الثورة الفرنسية92.
ثانيًا: توظيف التاريخ عند ميشليه: كتابة التاريخ الوطني الفرنيس نموذجًا
سعى ميشليه عبر التأريخ للماضي لفهم جيد للحاضر وتمثّل صائب للمستقبل، وهو ما عبّ عنه في الخطاب الافتتاحي للموسم الجامعي لسنة 1833 - 1834 الذي ألقاه في 9 كانون الثاني/ يناير 1834 في جامعة السوربون، "يجب أن نتجه إلى التاريخ وأن نسائل الواقعة عندما تضطرب الفكرة وتهرب من أمام أعيننا، فلنخاطب القرون السابقة [...] فقد نتمكن من خلالها من استنباط شعاع مبكّرٍ للمستقبل"93، موضحًا أن المؤرخ يبقى أقدر الناس على فهم الواقع، فلا جدوى في نظره من فهم الحاضر بالحاضر "لماذا فهمتُ العديد من الأشياء الخاصة بالشعب والكامنة فيه؟ لأنني تتبعتها في أصولها التاريخية ورأيتها آتية في عمق الزمن، فذاك الذي يريد أن يصغي للحاضر المعيش، لن يفهم ما هو راهن"94. بهذا المنطلق اتخذ ميشليه من كتابة التاريخ وتلقينه وسيلة للمحافظة على الحِسّ
الوطني الفرنسي وتجديده95، فكانت مؤلفاته الثلاثة تاريخ فرنسا وتاريخ الثورة الفرنسية وتاريخ القرن التاسع عشر، التي أراد من خلالها إعطاء الفرنسيين وعيًا بانتمائهم الوطني حتى يكون عنصرًا مساعدًا على توحيدهم في ظل تشرذم الأمة الفرنسية خلال القرن التاسع عشر96، وقد عبّ صراحةً عن رؤيته للوضع في فرنسا بقوله: "أرى فرنسا تغرق ساعة بعد أخرى [...] في الوقت الذي نختصم فيه نحن، فهذا البلد يغرق"97. تشرذم زاده استفحالً جهلُ الفرنسيين بتاريخهم، وهو ما نبّه إليه ميشليه بقوله: "لن تجدوا شيئًا في الذاكرة بخصوص الحروب القديمة ضد الإنكليز [أي حرب المئة سنة] لقد انمحت من أذهاننا حروب لويس 14 (1638 - 1715)98 التي ما زلنا حديثي العهد بها [...] من دون أن تتمكن الأُسر من أن تحصل منها على بعض الافتخار [...] لا، هناك صمت عميق، ولا أحد يطالب بالمجد"99. وفي كتابة تاريخ وطني لفرنسا وظّف هذا المؤرخ الشوفيني100 منهج التاريخ الوطني المبني على الدفاع عن أربع قضايا رئيسة هي سيادة الوطن، ووحدته، وماضيه التاريخي، وكونية تعاليمه101.
1. السيادة
ما فتئ ميشليه يؤكد في العديد من مؤلفاته ارتباط كل أرجاء فرنسا بوطنها الأم، وقد أبان في ذلك عن شوفينية واضحة، في هذا الجانب حين قال: "ادفعي يا فرنسا الجميلة والقوية بحدودك المتموجة في الراين هذا الفيض من البشر [أي الألمان] إلى البحر الأبيض المتوسط وإلى المحيط، وارْمِ إنجلترا القاسية بلابروتان Bretagne La [...] والنورمندي Normandie La الثابتة، وضَعي السخرية التي تميز منطقة لاغاسكون La Gascogne في مواجهة إسبانيا الخطيرة والمجيدة، وواجهي إيطاليا بحماس منطقة لابروفانس Provence La، وقاومي الإمبراطورية الجرمانية الضّخمة بالفيالق الصلبة والعميقة للألزاس واللورين، وتصَدّي للزهو والقلق البلجيكي بالقلق الجاف والدموي لمنطقة بيكاردي Picardie، وبالصبر ورد الفعل وروح الانضباط والمدنية المميزة لمنطقة الأردين ولاشامباني
Champagne La "102، ويضيف: "تتوقف اللغة الفرنسية عند منطقة اللورين، فلن أذهب أبعد من ذلك [...] فالعالم الجرماني[...] يحتوي سِدْرًا قويًا يُنسي الوطن "103. وبغية تعريف الفرنسيين ببلدهم وتربيتهم على حب وطنهم، استهل هذا المؤرخ الجزء الثاني من مؤلفه تاريخ فرنسا بجدول جغرافي ناقش فيه بالتفصيل طبيعة مختلف المناطق الفرنسية وخصوصياتها، والتي في نظره: "تظل جغرافيا تاريخية كهذه [يقصد كُتيِّبه الجغرافي: جدول فرنسا France de Tableau الذي تَضمنَّه الجزء الثاني من مؤلفه تاريخ فرنسا] مؤلَّفًا للتربية"104. ويرى ميشليه أن الدول المجاورة لفرنسا تتربص بها الدوائر، وحول هذه النقطة كتب يقول "اصعدوا أيها الأطفال إلى جبل، حبذا لو يكون عاليًا، ولاحظوا في الاتجاهات الأربعة، فلن تروا إلا أعداء"ً105. لكنه مع ذلك ظل على يقين بأن الفرنسيين لن يدّخروا جهدًا في الذود عن وطنهم إذا تهدده خطر ما، "عندما يتّفق العالم على القدوم لرؤية فرنسا عن قرب، فستتم تحيته من جانب جنودنا"106.
2. الوحدة
حققت فرنسا وحدتها بعد نهاية حرب المئة سنة، وبالتحديد في عهد لويس 11 الذي أخضع لحكمه كل المناطق الفرنسية، كما يشير إلى ذلك ميشليه: "ها هي فرنسا قد أصبحت مقفلة من الآن فصاعدًا [خلال ملكية لويس 11]، بعد أن توطَّد ارتباط مناطقها بها، فالزهو الهمجي القاتل لمنطقة لابورغون Bourgogne La لم يعد يخيف الشمال، أمّا النوميريون Nemours les107 والأرمَنياك Armagnacs108 فلن يسمحوا بعد الآن بفتح منطقة لاغاسكون لإسبانيا. إن جزيرة فرنسا تَنعم بسلام وتعمل وتحرث وراء منطقة بيكاردي المحمية بمنطقة لارتوا Artois ' L، أمّا منطقتا لاشومباني ولوبوربوني Bourbonnais Le فتحتميان بمنطقة لابورغون [...] إنها فَرنسانا القوية والمكتملة والمحمية جيّدًا بحدودها الطبيعية المتمثلة في الجبال والبحر"109. لقد توطدت وحدة فرنسا أكثر خلال القرون اللاحقة واتخذت بعدًا عضويًا110، على نحو أصبحت معه ذلك البلد الذي تمّحي فيه الخصوصيات المحلية وتذوب مناطقه وأعراقه في ثقافته الوطنية، ويحرص مواطنه على مصلحة وطنه كحرصه على مصلحته الشخصية، مُزاوجًا هكذا بين الشخصية الفردية والشخصية الوطنية، مشبعًا بثقافة وطنية مبنيّة على حبه لوطنه واستعداده للدفاع عنه، ما ميّز الوحدة الفرنسية عن الوحدة الإنكليزية أو الألمانية، حيث الخصوصيات المحلية ما زالت قائمة وتأبى الذوبان في الهوية الوطنية لكل من إنجلترا وألمانيا، يقول ميشليه: "ليست فرنسا عرقًا كألمانيا، إنها أمّة، فأصلها هو المزج بين الأعراق"111، وهكذا في نظره "يجب أن لا نأخذ فرنسا قطعةً قطعة، بل يتعيّ أن نعانقها في شموليتها. صحيح أن حياتها المحلية ضعيفة بفعل التمركز [أي ارتباط كل المناطق الفرنسية
بالمركز الممتد بين نهري السين واللوار] والحياة المشتركة والقوية والحازمة [...]، فل بلدنا رأس واحد تمثله الحياة الاجتماعية، فإذا كانت إنجلترا تشكل إمبراطورية، وألمانيا تمثل بلدًا وعرقًا، فإن فرنسا تبقى شخصًا بامتياز"112. من خلال الذاكرة المشتركة التي أعطتها للفرنسيين، شكّلت ثورة 1789 الحلقة الأخيرة في مسلسل فرنسا الوحدوي، وهو ما برهن عليه ميشليه بقوله: "يجب أن يعترف أصدقاء الثورة وأعداؤها [...] أنها أعطت لفرنسا [...] ذاكرة مشتركة للجميع ولكل الأقاليم والطبقات الاجتماعية [...] ماذا عساي أن أقول، ذاكرة خاصة بكل أسرة ومتجذّرة في كل بيت، إمّا عن طريق المجد أو الحزن [...]، مات جدّي في مصر يقول العامل الشاب [...] للقروي الذي يجيبه قائلً بقي ابني في موسكو، فالمكان الذي تشرب فيه هنا هو مكانه، لقد ظل فارغًا منذ ما يزيد على ثلاثين سنة، فكل أسرة سواء كانت غنية أو فقيرة يوجد فيها مكان كهذا، إنه مكان الشّف. ففي هذا الماضي الخالد، تتحد كل الطبقات سواء أكانت متفقة أو متعارضة حاليًا من حيث الأفكار والمصالح. إن ذاكرة وطنية كهذه تُشكّل لكل فرد عنوان عائلته الأبرز، وهي ذاكرة قد تَشْحبُ في الفترات التي تَهِنُ فيها فرنسا، لكنها تبقى غير قابلة للتدمير، لأنها تستعيد حياتها باستمرار [...] وتشكّل للمستقبل نُصبًا تذكاريًا للاتحاد ووسيلة للتقارب وإحلال السلام، ومنبعًا خالدًا لتجديد وحدتنا"113. ومن وجهة نظره، "يتمثل أسى فرنسا العميق في نسيانها لمآسيها ومعاناتها بلا جدوى، كان الفرنسيون لا يهتمون بالماضي ويكادون أن لا يسألوا عن أحوال جيرانهم [...] فلمّا أتت الثورة الفرنسية تغيّ كل شيء، فأمامي الآن رسالة تعود إلى سنة 1790 بعثت بها إحدى قرى لاشومباني إلى الجمعية الوطنية للتعبير عن تضامنها مع مدينة نيم Nîmes، فلنقل كلمة هنا، لقد اتجه سكان لاشومباني لنجدة أهالي لونغدوك Languedoc "114. تبقى احتفالات الاتحادات التي شهدتها فرنسا في 14 تموز/ يوليو 1790 أكثر أحداث الثورة الفرنسية تكريسًا لوحدة الفرنسيين وتآخيهم، رغم اختلاف أعمارهم والمناطق المنحدرين منها، وفي وصفها كتب ميشليه: "هل كانت هناك عوائق في حركة كبيرة كهذه؟ لقد ساهم الكل قدر المستطاع، وتم توفير اللباس للمسافرين الذين كان العديد منهم من دون لباس رسمي، وظل الكرم كبيرًا/ موجودًا ومُعتبَرًا على طول الطريق، حيث تم توقيف حجاج هذا الاحتفال الكبير والحوار معهم وإرغامهم على أخذ قسط من الراحة. لم يكن هناك غريب أو مجهول، بعد أن مشى الحرس الوطني والجنود والبحارة مجتمعين. لقد قدّمت هذه الجماعات وهي تَعبُ القرى مهرجانًا مؤثّرًا، فقد تم استدعاء قدماء المحاربين والبحارة المتقاعدين إلى باريس [...] ها هو في النهاية يوم 14 تموز/ يوليو الجميل الذي طال انتظاره، وتحمّل من أجله رجال شجعان مشقّةَ السفر [...] لم يترددوا في قضاء ليلتهم في العراء بساحة مارس [...]، ولم يمنع الشتاء والطقس السيئ الجموع الأولى التي التحقت بهذه الساحة من الرقص [...]، فقد رقصت منطقة لابروتان مع لابورغون، ولافلوندر la Flandre مع البيريني Pyrénées، فمنذ شتاء 1789 ا نتهت الرقصة الكبرى التي انطلقت من ساحة مارس، وتنفست الصعداء قائلة [...] ها هي الوحدة"!115.
3. ماضٍ تاريخي
لقد دافع هذا المؤرخ عن عراقة التاريخ الفرنسي برصده في مؤلَّفه تاريخ فرنسا لِما حققته فرنسا إبّان القرنين الرابع عشر والخامس عشر من مكتسبات أعطت هذا التاريخ عمقًا، ترتبط من جهة بوعي الفرنسيين بدولتهم القومية وتأسيس البرلمان الفرنسي وتجسيد حركة الجاكية Jaquerie la116 وبروز القرويين قوةً ذات تأثير داخل فرنسا، وتردد عبارة "فرنسي طيب" على لسان الفرنسيين؛ ما مثّل مؤشرًا دالً على سيادة
روح التآخي بينهم117. وتتصل من جهة أخرى، بما حققته فرنسا عقب ذلك من مكتسبات حداثية خلال القرن السادس عشر تمثلت أساسًا في الإصلاح الديني، ودخول الإنسان الفرنسي "مسلسلً لإعادة الحياة إليه" تحوّل عبره من إنسان مسلوب الإرادة والمسؤولية إلى إنسان حداثي يعتبر نفسه مركز الكون و"سيد مصيره"، محققًا بذلك الانتقال من مركزية الله إلى مركزية الإنسان118، ليُحَقق خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر ثلاثة مكتسبات حداثية أخرى، تمثلت في تعامله مع الطبيعة موضوعًا، وعدم اعتباره لها قدَرًا وسعيه للتحكم فيها عبر فهمه العقلاني لها، ووعيه بأهمية العمل وتحوّله إلى مواطن مسؤول محاسب على أفعاله وتصرفاته119. لقد سارت تنظيرات فلاسفة الأنوار: فولتير Voltaire (1694 - 1778) وروسو Rousseau (1712 - 1778) ومونتسكيو Montesquieu (1689 - 1755) قُدمًا في بناء إنسان فرنسا الحداثي، عبر دفاعها عن حريته وانتقادها لكل من "ملكية الحق المقدس" التي تمارس حكمها بوصفها سلطة مستمدة من الله و"الكنيسة" حامية الدين والواسطة بين الإنسان والله120، فوفّرت من ثمّ الإطار النظري للثورة الفرنسية التي تبقى بحق الحلقة الأخيرة في مسلسل إعادة الحياة إلى الإنسان الفرنسي، بعد أن أطاحت مَلكية لويس 16 XVI Louis (1754 - 1793) وقَوّضت مكانة النبلاء والكنيسة داخل المجتمع، محققة بذلك انتقال الحكم من الأوتوقراطية إلى الديمقراطية المؤسسة على فصل السلطات121، فوفّرت هكذا ثورة أو مؤسسة 1789122 آخر شروط قيام المجتمع الحداثي الفرنسي على حد تعبير ميشليه. ما فتئ ميشليه يدعو فرنسيي القرن التاسع عشر إلى وعي هذه المكتسبات والعمل على إشاعتها بينهم، مؤكدًا أن "كل القرون عملت من أجلنا [...] فلقد عرف القرن السادس عشر كي يعطينا الحرية الدينية خمسين سنة من الحروب الصغرى المريعة، والمناوشات والمكائد والاغتيالات والحرب باستخدام السلاح الأبيض والمسدسات، في حين خاض القرن الثامن عشر هذه الحرب في شكل صاعقة، وخلق لنا المجتمع الذي نعيش فيه [...]، إذًا فكل العصور ساهمت وعانى أناسها وحاربوا [...] وماتوا من دون أن يَجنوا ثمار عملهم [...] فلنعمل على منوالهم حتى يباركنا بدورنا أولئك الذين سيسمّون هذا العصر بالعصر القديم"123.
4. زعم العالمية
اضطلعت فرنسا في نظر هذا المؤرخ الشوفيني من دون غيرها من الأمم بدور محوري في التاريخ الإنساني؛ ما يُعطى تاريخها بعدًا كونيًا، وهو ما عبّ عنه بقوله: "نحن أبناء أولئك الذين صنعوا هذا العالم وأسسوا لكل أمّة إنجيل المساواة [...]، فإذا أردنا أن نُحصي ما قدّمته كل أمّة من دم وذهب ومجهودات من أجل الأشياء النزيهة التي تعود بالنفع على العالم، فإن هرم فرنسا سيصعد ليلامس السماء [...]، أما هَرمُكِ أنتَِ أيتها الأمم منذ وجودك حتى الآن! فلن يتجاوز ركبة طفل [...] فتقليد التآخي هذا هو الذي يجعل تاريخ فرنسا تاريخًا للإنسانية [...] فمن سان لوي إلى البتول، ومن جان دارك إلى جنرالات الثورة الشباب ظل قديس فرنسا قديسًا لكل الأمم الأخرى، فهو مُتبَنّى ومباركٌ ومَبكِّ من جانب الجنس البشري،
بعد أن مزجت هذه الأمّة من دون غيرها من الأمم مصلحتها ومصيرها بمصلحة الإنسانية ومصيرها"124، وتبقى الثورة الفرنسية التي تبنّت قيمها الإنسانية جمعاء برهانًا على كونية التاريخ الفرنسي، وفي ذلك كتب ميشليه: "تحدثت الثورة هذا الرسول الكبير لغات كثيرة إلى كل الأرض"125.
ثالثًا: ردود الفعل عىل الكتابة التاريخية عند ميشليه
انقسم المؤرخون الفرنسيون بشأن الإنتاج التاريخي لميشليه أسلوبًا ومنهجية، وعلى سبيل المثال فقد اعترف لوسيان فيبفر Lucien Febvre (1878 - 1956) بفضل ميشليه على الكتابة التاريخية، معتبرًا إياه باعث تاريخ فرنسا، مشددًا على جانب التجديد في معالجاته التاريخية، مقارنة بالمؤرخين المعاصرين له ولا سيَما أوغستين تييري وفرانسوا غيزو126. أمّا منتقدو ميشليه فهم كثُر، وعلى سبيل الذكر فقد وصم بيار شونو Chaunu Pierre (1923 - 2009) أعمال ميشليه بالضّحالة، وقال: "أقرّ بوجود ما يُسمى بعبادة ميشليه. صحيح أن الرجل حبّ صفحات جميلة، لكن إذا وضعنا أشغاله على المحكّ فإننا سنلاحظ أنها ضعيفة جدًا"127. ويبقى توظيف ميشليه لذاتيته في التأريخ للأحداث من الأمور التي أثارت جدلً واسعًا بين المؤرخين؛ فإذا كان مؤرخو الحوليات والتاريخ الجديد قد استحسنوا الأمر معتبرين أن الذّاتية تبقى عنصرًا محوريًا في التأريخ للماضي128، فقد انتقد ذلك فريق آخر من المؤرخين الذين آخذوا ميشليه بكتابة تاريخ أيديولوجي، وارتباط مقارباته التاريخية بلاوعيه129.
1. مؤيدو الذاتية
يقول ميشليه مدافعًا عن حق المؤرخ في توظيف ذاتيته في الكتابة، مُعتبرًا ذلك وسيلة مُثلى لسبر كنه الحقائق التاريخية: "يمكن أن أ لامَ أيضًا [...] على انحيازي للفوديين وسانت تيريز Thérèse Saint (1515 - 1582) وسان إيغناس دولويولا de Ignace Loyola (1491 - 1556) لاحقًا، غير أن ذلك يبقى أمرًا لا مفر منه للدخول في كل العقائد ولفهم الأسباب والشغف بالعواطف"130. فإذا كانت المدرسة الوضعية قد رفضت ميشليه131، فقد أغرى في المقابل مؤسسي مدرسة الحوليات132 بروادها لوسيان فيبفر ومارك بلوخ.133) 1985 - 1902 (Fernand Braudel) وفرناند بروديل 1944 - 1886 (Marc Bloch
وفي المقال الذي نشره سنة 1927 في مجلة التركيب التاريخي historique synthèse de Revue بعنوان "فصل من تاريخ الفكر البشري: العلوم الطبيعية انطلاقًا من ليني Linné (1707 - 1778) مرورًا بلامارك Lamarck (1744 - 1829) ووصولً إلى جورج كيفيي"
.134les sciences naturelles de Linné à Lamarck et à Georges Cuvier ׃ Un chapitre d ' Histoire de l ' esprit humain
أيَّدَ لوسيان فيبفر إعمال ميشليه لذاتيته في التأريخ للأحداث، مؤكدًا أن ذاتية المؤرخ تبقى بامتياز بوتقة التركيب التاريخي، فمنَ وجهة نظره "تتمثّل كتابة التاريخ في أن يُنجز المؤرخ التركيب الذي لا يمكنه أن يتم خارج ذلك الذي يريد القيام به [أي المؤرخ]، أمّا أناه فهي لا تمثل مكان هذا التركيب فقط، بل إنها العنصر الذي لا غنى له عنه أيضًا"135. فمن منظور فيبفر أن التاريخ الإخباري الذي يؤرخ لسيَ الأشخاص ويحدد تاريخ توقيع العقود ووقوع المعارك هو وحده الذي يتميز بالموضوعية، إذ عندما تتسع المقاربة التاريخية لترصد التأثير المتبادل للوقائع التاريخية بعضها في بعض، فإن الذاتية تحلّ محلّ الموضوعية136، وهو المعطى الذي يوضحه بقوله: "فهذا [أي الذاتية] ما رآه ميشليه وقاله، ولا أرى كيف يمكننا الإفلات من خلاصاته"137. ويؤكد في هذا السياق أن في إمكان المؤرخ أن يستنبط من جذاذاته المتعلقة بالميدان السياسي معطيات عن الوقائع السياسية، وأن يستقي من جذاذاته الخاصة بالمجال الاقتصادي معطيات عن الوقائع الاقتصادية، لكنه يبقى مُلزمًا بإعمال ذاتيته بما تحويه من رصيد ثقافي وخيال في الربط بين الوقائع السياسية والاقتصادية وتأويلها، وفي إعطاء الكلمات والأفكار معانيها التي كانت لها في الحقبة المراد بعثها138، يقول لوسيان فيبفر: "يتمثل الهدف الأخير للمؤرخ في أن يعيد التركيب بفكره وأن يعيد بتضلعه وخياله تأليف الكون كله"139.
2. منتقدو الذاتية
أخذ منتقدو ميشليه عليه نظرته الأيديولوجية إلى التاريخ وارتباط مقارباته التاريخية بلاوعيه.
أ. النظرة الأيديولوجية للتاريخ
نورد نموذجين لتبنّي ميشليه مقاربة أيديولوجية في تأريخه للأحداث. ӵ ӵ النموذج الأول׃ الموقف المتذبذب من العصر الوسيط لكي يطرح ميشليه النهضة الأوربية بمفهومها الجديد140، أحدث قطيعة مع موقفه السابق المؤيد للعصر الوسيط، والذي عبّ عنه في الأجزاء الستة الأولى من مؤلَّفه تاريخ فرنسا، التي أعطاها عنوان: "تاريخ فرنسا خلال العصر الوسيط"، وأشار فيها إلى تبلور الروح الوطنية في فرنسا وإلى ارتقاء الفن المعماري في فرنسا الوسيطية141، والذي وصفه ب "عصر الحجارة الحية التي تَنتعش وتدبّ
فيها الروح تحت اليد الجريئة والقاسية للفنان"142، مبديًا تعلقا قويًا بالكنيسة ومتفاديًا انتقادها، بل إنه اعتبر ذلك طعنًا في الديانة المسيحية، موضحًا أن الذي "يُقدِمُ على المساس بالمسيحية، هو من يجهل هذه الديانة، أما بالنسبة إليّ، فإنني أتذكر الليالي التي رأيت فيها امرأة مريضة، لا تقوى على الحركة، وهي تطلب المساعدة على تغيير مكانها، [...] فكيف يجرؤ المرء على المساس بهذه الأعضاء المتألمة؟"143. ويؤكد أن الكنيسة في فرنسا الوسيطية كانت رمزًا للوطن ومنارة لقيم الصبر وسمو الأخلاق، واصفًا أهميتها في تلك الفترة بقوله: "امتزجت حياة الكنيسة خلال العصر الوسيط بحياة الوطن نفسه، ما يجعل التنكر للكنيسة تنكّرًا لفرنسا"144، ويضيف: "أَكرِمُوا أيها الرجال، وقَبِّلوا الرمز الذي تحمله! فهذا الرمز هو الصبر، ورمز انتصار الحرية الأخلاقية [...]، فليكن من الآن فصاعدًا، ديانة أو فلسفة، ولينتقل من المعنى الروحاني، إلى المعنى العقلاني، إذ يجب أن نحب دائمًا في هذه المآثر انتصار الأخلاق الإنسانية"145. في هذه الأجزاء رصد ميشليه الأدوار السياسية والاقتصادية والعسكرية التي اضطلعت بها هذه المؤسسة الدينية في المجتمع الفرنسي الوسيطي، وحول هذه النقطة ركّز على الدور المحوري للكنيسة فقد "كانت الكنيسة المسكن الحقيقي للشعب والإنسان، وشكّلت آنذاك [أي خلال العصر الوسيط] ملجأ، احتضن الحياة الاجتماعية بأسرها، بعد أن صلّ فيها الرجل، وتداول فيها القساوسة، أمّا جرسها فكان صوتًا للمدينة. لقد دعت الناس إلى أعمال الحقول وأشغال المدينة، وأحيانًا، إلى معارك الحرية. ففي باريس وحتى عهد قريب كانت اللحوم المملحة لباك Pâques تُباع بفناء كاتدرائية نوتردام دوباري [...]، إذ مثَّل الشعب والكنيسة آنذاك الشيء ذاته، كما هو الشأن بالنسبة إلى أمٍّ وطفلها [...] فالأمّ تريد وحدها أن تلبّي حاجيات طفلها، لذلك تقبله كله، بلا تحفّظ"146. غير أن مشيليه وبعد أن تقدّم في كتابة مؤلَّفه تاريخ فرنسا، بدأ يرى أن الكنيسة التي كانت حارسة الحضارة الأوروبية ورسولها إبّان العصر الوسيط، أصبحت خلال العصر الحديث عدوة للحرية، ما قاده إلى الدفاع عن مضطهَديها وضحاياها بالتعاطف نفسه الذي دافع به عنها سابقًا147. لذلك انتقد في الأجزاء اللاحقة من مؤلَّفه هذا، وعلى نقيض الأجزاء الستة الأولى منه العصر الوسيط والكنيسة الكاثوليكية وملكية الحق المقدس، وهو المعطى الذي يوضحه غابرييل مونود بقوله: "تمّت كتابة القسم الثاني من مؤلَّف 'تاريخ فرنسا' بطريقة أخرى، غير الطريقة الأولى، طغى عليها رجل الحركة والشاعر والفيلسوف على المؤرخ والناقد، بعد أن هاجم ميشليه بعنف [...] العصر الوسيط والكاثوليكية والملكية"148. فمنذ سنة 1855، بدأ ميشليه يروّج في كتابته التاريخية للعصر الوسيط المظلم، ولأفكاره المعادية له "عدوي العصر الوسيط"149، متنكرًا من ثمّ لموقفه السابق منه150. خلال هذه الفترة، أصبح عداؤه للمسيحية أشدّ تطرفًا، لذا لم يتورع عن تأكيد أن الدولة في فرنسا الوسيطية ظلت غريبة وفظيعة، وعن انتقاد الفن الفرنسي الوسيطي الذي طالما مدحه في الأجزاء الستة الأولى من مؤلَّفه تاريخ فرنسا،
موضحًا في هذا الإطار أن الكنيسة الفرنسية الوسيطية لم تكن إلا مؤسسة قمعية زادت من أعداد الضحايا، أمثال: أبيلار151والألبيجيين152 ومنعت الاحتفالات ونشرت الجهل والأمية في المجتمع الفرنسي153. وقد رأى ميشليه ضرورة إحداث قطيعة أيديولوجية مع العصر الوسيط، وهو ما عبّ عنه بقوله "كنت مضطرًا، لأقول للعصر الوسيط [...] الذي أمضيت فيه حياتي [...]: إلى الوراء"!154، وذلك حتى يتم إرساء أسس مجتمع حداثي بفرنسا القرن التاسع عشر التي أصبح فيها الموروث الثقافي الوسيطي عائقًا يحول دون بلوغ هذه الغاية، وبحسب المؤلف فقد "أصبحت تُعيقنا الصناعة التي خلقناها بالأمس [...] وجعلَنا التاريخ ننحطّ عوض أن يعيد لنا الحياة [...]، فلقد استحضرْنا التاريخ، وها هو في كل مكان وها نحن محاصرون ومختنقون ومسحوقون. إننا نمشي منحنين تحت هذا الحمل، ونحن عاجزون عن التنفس والابتكار"155. لذلك عدّل طبعات الأجزاء الستة الأولى من مؤلَّفه تاريخ فرنسا التي أصدرها بين عامي 1833 و 1843 وَأُعِيدَ نشرها بدور النشر: لاكروا Croix La وماربون Marpon وهيتزل Hetzel ولومير Lemerre بين سنتي 1871 و 1876، فحذف من الجزء الثاني: "جدول فرنسا الحروب الصليبية، سان لويس" الصادر سنة 1833، عن دار النشر هاشيت Hachette156، فصلً عنوانه: "الصبر كمبدأ للفن خلال العصر الوسيط"، كي لا يعطي للقارئ انطباعًا جيّدًا عن هذا العصر، ويقنعه بضرورة تبنّي المبدأ الحديث157. ӵ النموذج الثاني ׃ قطبَا العدالة والمنّةِ158 والمسيحية والثورة تعارض في كتابات ميشليه مبدآن متقابلان أولهما المنّة والعدالة، إذ يرى هذا المؤرخ أن كل أشكال الظّلم والطغيان التي عرفها التاريخ ترتبط بالمنّة عدوّة العدالة ومصدر الاعتباطية والطغيان، منّة يجسدها نابليون بونابرت (1769 - 1821) واليسوعيون، وعدالة يمثلها الفوديون والساحرة. وثانيهما المسيحية والثورة، فلقد انتحلت الثورة بقلم هذا المؤرخ بعض خاصيات الديانة المسيحية، بعد أن أصبح لها عيدها المتمثل في احتفالات الاتحادات وقسها في شخص ميشليه الواعي بصفته مؤرخًا أيديولوجيًا بالطبيعة المقدّسة لكتابته التاريخية159، وهو ما عبّ عنه ميشليه بقوله: "أحمل هذا الماضي [أي ماضي الثورة الفرنسية] وكأنني أحمل رفات والدي أو ابني"160، ويضيف: "لم تتبنَّ الثورة [...]، أيّ كنيسة، لماذا؟ لأنها كانت كنيسة في حد ذاتها "161.
ب. تأثير اللاوعي في كتابة ميشليه التاريخية
يرى رولان بارت أن ثمة هواجس قادت ميشليه إلى التوحيد في كتاباته بين الهمجي والقوة الأصلية أو المائية، وبين الملكية والدم المتدفق، وبين اليسوعيين والجفاف162، وإلى تأكيد مبدأي التجانس والاستمرارية سواء في المكان أو في الزمان. فعلى سبيل المثال، يرى ميشليه أن فرنسا هي نتاج تلاقح حدث بين مختلف فئات الشعب الفرنسي، في غضون احتفالات الاتحادات التي محت خصوصيات المناطق الفرنسية وأنجبت الوطن الفرنسي، حتى إن كان ذلك قد تمّ ببطء على مدى التاريخ الفرنسي، كما هو الشأن في النمو النباتي؛ ما يعني أن التاريخ بالنسبة إلى ميشليه ليس سلسلة ميكانيكية من الأسباب والنتائج، وإنما هو حلقة من الهُويات، لذا نجده يعرض بعض الشخصيات مثل لويس لوديبونير Débonnaire Le Louis (778 - 840)، وروبير الورع Pieux Le Robert (نحو 972 - 1031)، وكودفروي دوبويون Bouillon de Godefroy (نحو 1058 - 1100)، وجان دارك باعتبارها صورًا مسبقة يتعيّ على الشعب الفرنسي الاقتداء بها، ففي "تاريخ النّبتة" plante histoire ' l الذي تبنّاه ميشليه تعاقبت دومًا شخصيات لها المبدأ نفسه وذات بُعد رمزي خلال مراحل تاريخية مختلفة163. من بين الهواجس التي تملّكتْ هذا المؤرخ رغبته في ربط علاقة حميمة بالموتى الذين لم يُكتب تاريخهم وفي اكتشاف ماهيّتهم والتأريخ لهم164، وهو ما عبّ عنه بقوله: "نعم يتَرك كل ميت منفعة صغيرة وذاكرة يطلب منّا أن نعالجها، لذا يتعيّ على المثقف [أي المؤرخ] أن يكون صديق ذلك [أي الميت] الذي ليس له أصدقاء، إذ إن القانون والعدالة المتمثلين في التأريخ للموتى هما أكثر ضمانًا من إشفاقنا عليهم الذي سرعان ما يتبدد ومن دموعنا التي تجفّ بسرعة، فهذه الثقافة هي التاريخ، أمّا الموتى وعلى حد تعبير القانون الروماني فهم أولئك الأشخاص البؤساء الذين يتعيّ على المثقف أن يهتم بهم، فلم أنسَ أبدًا رسالة المؤرخ هذه، لذلك أعطيت الكثير منهم [أي الموتى] المساعدة التي كنت في حاجة إليها وبعثتهم ليعيشوا حياة ثانية، فالعديدون منهم لَمْ يولدوا في الزمن الذي يناسبهم، أما بعضهم الآخر فوُلِدَ عشية ظروف جديدة ومؤثرة أتت لتمحوه [...] إن التاريخ يستقبل ويجدد هذه الأمجاد المحرومة ويعطي هؤلاء الموتى الحياةَ ويبعثهم"165. لكن الوصف الذي أعطاه ميشليه للشخصيات التي كتب تاريخها لم يكن دقيقًا بما يكفي؛ إذ اكتفى بذكر صفة أو صفتين لرصد ماهيّة كل شخصية166، فوصف لويس 15 بالجاف، ولويس 16 بالشاحب والبدين، ونابليون بونابرت بالأصفر الذي له لون الشّهد، وشبّه روبيسبيير Robespierre (1758 - 1794) بالقط، ومارات Marat (1743 - 1793) بالضفدع167، وفي وصف الأخير قال: "قدمت خليقة الظلمات وهي تبتسم بفمها الكبير [...] كانت يداه اللتان وضعهما على المنصّة دهنيتين وسميكتين، أمّا عيناه فكانتا ناتئتين ولا توحيان بالإنسان بل بالضفدع"168، ووصف بعض النساء كالسيدة دوبامبادور Pompadour (1721 - 1764) بالحلوات/ الرائعات أو المدهونات بالزبدة أو اللاتي تذكّرن بالقشدة169.
لقد وصف ميشليه شخصياته في بعديها العاطفي والجنسي موظفًا في ذلك أسلوبًا أدبيًا أو روائيًا170، فكل شخصية وصفها أحدثت لديه جاذبية أو نفورًا ارتبط بمظهرها الخارجي وبالقناعات السياسية لديه، ففي وصفه لزواج نابليون بونابرت وماري لويز Marie Louise (1791 - 1847) قال: "كانت هذه تضحية إنسانية، لقد بدت ماري لويز بنظارتها الدموية وطراوة ابنة العشرين سنة كميّتة، بعد أن تم تسليمها إلى الطحّان [أي نابليون بونابرت] وعدو أسرتها الكبير وقاتل دوق إينغهين Enghein Duc (1772 - 1804)، ألم يكن ليلتهمها؟ [...] لقد جعلت الدهون جلده الأصفر الكورسيكي أبيض عجيبًا".
خاتمة
بعدما درسنا الكتابة التاريخية عند ميشليه، نودّ في خاتمة هذا العمل إبراز ملاحظتين رئيستين. ӵ الملاحظة الأولى׃ يُعتبر ميشليه أحد رواد التاريخانية الفرنسية، لاعتبارات رئيسة ثلاثة׃ أولها تصوره التاريخ "بعثًا شاملً للماضي"، وبذلك يكون هذا المؤرخ قد وضع الإطار النظري لمدرسة الحوليات، غير أن "الوضعانية" التي هيمنت على الكتابة التاريخية الفرنسية خلال القرن التاسع عشر حالت دون تأثير نظرية "البعث الشّامل للماضي" في زمانها. لقد تبنّى ميشليه هذه النظرية في فترة اعترت فيها الهيستوريوغرافيا الفرنسيةَ عيوبٌ راوحت بين اعتماد المؤرخين الفرنسيين مقاربة أحادية للحقائق التاريخية وعدم استعانتهم بالأرشيف وتغييبهم للبسطاء أو مغالطتهم لصورتهم في الكتابة التاريخية. ثانيها التجديد المميز للكتابة التاريخية عند هذا المؤرخ؛ فاعتباره التاريخ بعثًا شاملً للماضي يظل مفهومًا جديدًا لم يسبقه إليه غيره، كما أن إعماله لذاتيته في مقاربة الأحداث يبقى ممارسة غير مسبوقة لم تعهدها الكتابة التاريخية الفرنسية، إلا مع ميشليه. فضلً عن كونه صاحب السّبق في توظيف الوثائق الأرشيفية في التأريخ للأحداث، وفي تبنّي منهجية التأريخ للأحداث من أسفل، إذ لم يجعل كتاباته حكرًا على سيَ الرجال العظام وكبار الفاعلين، بل الْتفت إلى عموم الناس من البسطاء والمهمّشين والفئات الشعبية. ثالثها تسخير ميشليه التاريخ للتأثير في الحاضر واستشراف المستقبل، وهو ما تجسده مؤلفاته الثلاثة: تاريخ فرنسا، وتاريخ الثورة الفرنسية، وتاريخ القرن التاسع عشر، التي كتب من خلالها تاريخًا وطنيًا لفرنسا وظّف فيه منهج التاريخ الوطني عبر دفاعه عن أربعة مواضيع رئيسة، هي سيادة الوطن، ووحدته، وماضيه التاريخي، وكونية تعاليمه. لقد سعى ميشليه من خلال تاريخه الوطني هذا لإعطاء الفرنسيين وعيًا بانتمائهم الوطني، أملً في أن يُشيع هذا الوعي روح الوحدة بينهم، لا سيما في ظل انقسام المجتمع الفرنسي في القرن التاسع عشر إلى فريقين غير متجانسين هما البرجوازية وعامة الشعب. الملاحظة الثانية: لقد أثارت الكتابة التاريخية عند ميشليه ردود فعل متباينة بين المؤرخين، تمحورت إجمالً حول توظيف هذا المؤرخ لذاتيته في التأريخ للأحداث؛ فإذا كان مؤرخو الحوليات والتاريخ الجديد أمثال لوسيان فيبفر وجاك لوغوف قد استحسنوا الأمر، على اعتبار أن الذاتية تبقى عنصرًا محوريًا في مقاربة الأحداث، فإن فريقًا آخر من المؤرخين وفي مقدمتهم بيير شونو، انتقدوا ذلك، وآخذوا ميشليه بنظرته الأيديولوجية إلى التاريخ وارتباط مقارباته التاريخية بلاوعيه.
المراجع
العربية
المعمقة في التاريخ. جامعة محمد الخامس آكدال، 2005 - 2006.
والعلوم الإنسانية. جامعة محمد الخامس آكدال. الرباط، 2013 - 2014. والعلوم الإنسانية، 22 آب/ أغسطس 2017، في: Juxsxv 2 / ly. bit:// https طحطح، خالد. الكتابة التاريخية. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2012.
الأجنبية
زينون، ياسين. "مظاهر التجديد في الكتابة التاريخية عند المؤرخ 'جول ميشليه Michelet Jules '". رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا _______. "منطق الكتابة التاريخية عند المؤرخ جول ميشليه Michelet Jules "، أطروحة لنيل الدكتوراه في التاريخ. كلية الآداب _______. "التكامل بين التاريخ والعلوم الاجتماعية لدى ميشليه"، مقالات، مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، قسم الفلسفة
• Barthes, Roland. Michelet par lui-même. Paris: Seuil, 1969.
• ________. Michelet. Paris: Seuil, 1995.
• Bizière, Jean Maurice & Vayssière Pierre. Histoire et historiens, Antiquité, Moyen Age, France moderne et
contemporaine. Paris: Hachette, 1995.
• Bourdé, Guy & Martin Hervé. Les écoles historiques. Paris: Seuil, 1983.
• Chaunu, Pierre & François Dosse. L'instant éclaté (Entretiens). Paris: Aubier, 1994.
• Febvre, Lucien. Michelet créateur de l'histoire de France. Paris: Vuibert, 2014.
• _______. Michelet et la Renaissance. Fernand Braudel & Paule Braudel (eds.) Paris: Flammarion, 1992.
• Laudou, Christophe. L'esprit des systèmes: L'idéalisme allemand et la question du savoir absolu. Paris:
L'Harmattan, 2003.
• Le Goff, Jacques. La Nouvelle Histoire. Paris: éditions Complexe, 1988.
• Michelet, Jules. Mémoires de Luther écrits par lui-même. Paris: Hachette, 1837.
• _______. Cours professé au Collège de France par Jules Michelet 1847 - 18 48. Paris: Chamerot, 1848.
• _______. Histoire de France au seizième siècle , tom. VII, Renaissance. Paris: Chamerot, 1855.
• _______. Notre France: sa géographie, son histoire. Paris: C. Marpon et Ernest Flammarion, 1886.
• _______. La France devant l'Europe. 2 nd ed. Florance: Successeurs le Monnier, 1871.
• _______. Histoire de France, tom. I. Moyen Age. Paris: Ernest Flammarion, 1893.
• _______. Histoire de France , tom. II, Moyen Age , Tableau de France. Paris: Ernest Flammarion, 1893.
• _______. Histoire de France, tom. III, Moyen Age. Paris: Hachette, 1837.
• _______. Introduction à l'histoire universelle. Paris: Ernest Flammarion, 1897.
• _______. Œuvres complètes de Jules Michelet. Paris: Flammarion, 1897.
• _______. Histoire du dix-neuvième siècle. Paris: Ernest Flammarion, 1898 , tom. I, II.
• _______. Lettres inédites (1841 - 1871). Paris: PUF, 1924.
• _______. Le Peuple. Paris: Marcel Didier, 1946.
• _______. Histoire de la Révolution française. Paris: Robert Laffont, 1979 ,
• _______. Louis XIV et la révocation de l'édit de Nantes. Paris: Flammaion, 1985.
• Monod, Gabriel. "Les Maîtres de l'histoire." Journal de l'instruction publique (25 Janvier 1835).
• _______. Les Maîtres de l'histoire, Renan, Taine, Michelet. Paris: Calmann Lévy, 1894.
• _______. La Vie et la Pensée de Jules Michelet (1798 - 1852). Paris: Honoré Champion, 1923.
• Quinet, Mme Edgar. Cinquante ans d'amitié Michelet-Quinet (1825 - 1875). Paris: Armand Colin et Cie, 1899.
• Remaud, Olivier. Michelet: La Magistrature de l'histoire. Paris: Michalon, 1998.
• Viallaneix, Paul. Michelet, les travaux et les jours 1798 - 18 74. Paris: Gallimard, 1998.
• Viallaneix, Paul, Irène Tieder & Oscar A. Haac (eds.). Cours au Collège de France par Jules Michelet. Paris:
Gallimard, 1995.