مقتل حُجر بن عَديّ والقراءة الأيديولوجية للتاريخ
The Murder of Hujr ibn Adi and the Ideological Reading of History
الملخّص
قد يُنظر إلى قتل حُجر بن عَديّ الكِندي على يد معاوية بن أبي سفيان، في عام 51ه/ 671م، على أنه أنموذج من حوادث أضحت معتادة لإعدام معارضين سياسيين في التاريخ الإسلامي. بيد أنّ هذه الحادثة كانت الأولى من نوعها التي يقوم فيها خليفة المسلمين بقتل بعض أفراد الأمة بناءً على مواقفهم السياسية، وهو ما جعل الموقف منها من الموضوعات المميِّزة لبعض الفرق الإسلامية. وتعرض هذه الدراسة الأخبار المختلفة حول هذه الواقعة في المصادر الإسلامية الوسيطة، من أجل التعرف إلى طرق تناول المؤرخين المسلمين، من أهل السنة تحديدًا، الوقائع التي اشترك فيها صحابة الرسول محمد، وذلك بحسب تعريف الإسلام السني للصُحبة. كما تعرض الدراسة، من خلال تحليل "فتوى" معاصرة عن مقتل حجر، أنموذجًا لعملية قراءة التاريخ الأيديولوجية، مبيِّنةً في الوقت ذاته أهمية العلوم الإسلامية الأخرى لدراسة التاريخ الإسلامي، إذ تداخلت هذه العلوم مع عرض التاريخ وتفسيره، كما حددت له مجموعة من التصورات قرأ مؤرخو الإسلام في ضوئها التاريخ الإسلامي الباكر.
Abstract
The killing of Hujr ibn Adi Al-Kindi by Muawiya ibn Abi Sufyan in 51 AH/ 671 AD could be seen as a mere example of the execution of political opponents, which later became prevalent in Islamic history. However, when it happened, it was unprecedented for a Muslim Caliph to kill a member of the ummah on the basis of his political views. This made views on the incident defining of some Islamic groups (or sects). This study examines the various accounts of this event in medieval Islamic sources, with the objective of understanding how Muslim – particularly Sunni – historians handled events in which the Companions of the Prophet Muhammad took part. Furthermore, through an analysis of contemporary fatwas on the murder of Hujr, the study presents an example of ideological readings of history, demonstrating at the same time the importance of other Islamic fields of knowledge for the study of Islamic history. Not only did these fields overlap with the presentation and interpretation of history, but they also determine a number of conceptions in light of which which historians of Islam read early Islamic history.
- حُجر بن عدي
- الإسلام
- الإعدام
- القراءة الأيديولوجية للتاريخ
- Hijr ibn Adi
- Political Execution
- Ideological Reading of History
- Muhammad’s Companions in Sunni Islam
مقدمة
في أوائل أيار/ مايو 2013، تحدثت أنباء عن قيام مجموعات مسلحة بهدم ضريح حجر بن عدي الكندي الذي أمر الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان بقتله عام 51 ه/ 671 م. وذكرت بعض تلك الأنباء أن المعتدين لم يكتفوا بتدمير الضريح الواقع في بلدة عدرا البلد بريف دمشق، بل قاموا كذلك بنبش القبر، وإخراج ما يُفترض أنه جثمان حجر ودفنه في مكان آخر1. وقد دان حزب الله اللبناني الحادثة بصورة فورية على لسان أمينه العام حسن نصر الله، متهمًا المعتدين بتدنيس قبر أحد صحابة الرسول محمد وكبار المجاهدين في صدر الإسلام. كما استنكرت إيران الواقعة، وعلقت الحوزات العلمية دروسَها، واتُهمت "الجماعات الوهابية التكفيرية" بارتكابها2. وندّد بالواقعة بعض علماء السُنة من مصر ولبنان وسورية والعراق3، وإن بدا الفرق واضحًا بين ردة فعل الدول والجماعات الشيعية (مثل إيران وحزب الله) من جهة، والسُنية من جهة أخرى؛ وذلك لأسباب، تسعى هذه الدراسة لتوضيحها4. بعد ثلاثة أشهر من هذه الواقعة6، نشر الموقع السُني المعروف إسلام ويب Islamweb "فتوى" تحت عنوان "سبب قتل معاوية – رضى الله عنه – حجر بن عدي". وتُمثل هذه الفتوى أنموذجًا جيدًا لبعض الأدوات التي تُستخدم في القراءة الأيديولوجية للتاريخ الإسلامي7، وتصلح بذلك منطلقًا لهذه الدراسة. نورد "فتوى" عن قتل حجر بن عدي بشأن سؤال مقدم إلى موقع إسلام ويب، يقول: "لماذا قَتل معاويةُ – رضي الله عنه – الصحابي المُسمى بحجر بن عدي – رضي الله عنه -؟"، وقد جاءت إجابة الموقع عن هذا السؤال كما يلي: "[...] فننبه – أولً – إلى أنه قد اختلف في حجر بن عدي، هل كان صحابيًا أم تابعيًا [...] ثانيًا، إن معاوية – رضي الله عنه – لم يكن ليقتل حجرًا لو أنه اقتصر على معارضة معاوية بالقول فقط، ولكن حسب ما ورد في كتب التاريخ أنه انتقل إلى الأفعال [...] وزعم أن هذا الأمر لا يصلح إلا في آل أبي طالب. ومعاوية (ر) كان فيه من حلم عثمان وسجاياه، إلا أنه في مواقف الحكم كان يتبصر في عاقبة عثمان وما جرَّ إليه تمادي الذين اجترؤوا عليه، فلمعاوية العذر إذا رأى أن حجرًا ممن سعى في الأرض فسادًا. ولعل معاوية استند في ذلك إلى قوله (ص): من أتاكم وأمرُكم جميعٌ على رَجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه [...] و[رُوِيَ أن] معاويةَ [دخل] على أمِّ المؤمنين عائشة، فقالت: أقتلت حجرًا؟ فقال: يا أمَّ المؤمنين، إني وجدت قتل رجلٍ في صلاح الناس خير من استحيائه في فسادهم [...] وعمومًا، فقتل معاوية [حجرًا] كان باجتهاد منه بغرض توحيد الكلمة، ودفع الفتن عن جماعة المسلمين. ثالثًا، إن معاوية (ر) لم يقتل حجرًا استبدادًا برأيه، وإنما استشار الناس في قتله ومن معه، فكان منهم المشير، ومنهم الساكت [...] والأصل في قتل ولي الأمر أنه يكون للحق لا للظلم، إلا إذا ثبت خلافه [...] رابعًا، الأولى بنا ألا
نخوض في تلك الأحداث التي انقضت، فقد أفضى أهلُها إلى ما قدّموا، ولا فائدة لنا الآن في الخوض فيها [...] ومذهب أهل السُنة والجماعة هو الكف عن الخوض في هذه الفتن التي دارت بين الصحابة، واعتقاد أنها كانت عن اجتهاد منهم، المصيب فيها له أجران، والمخطئ له أجر"8. تقدم "فتوى" الموقع السني نماذج لبعض "أدوات" القراءة الأيديولوجية للأحداث التاريخية المُشكِلة. تقوم الأداة الأولى على الانتقاء من الأخبار التاريخية ذات الصلة بحسب الحاجة، فتؤكد أحيانًا اختلاف الروايات، وتُقلل في أحيان أخرى من أهمية تلك الاختلافات ودلالتها. ثم تُشكّل الأداة الثانية تراتبية معينة للشخصيات التاريخية، بحيث يكون لبعضهم أفضلية مبدئية على غيرهم. وتقوم الأداة الثالثة على الحث على الإمساك عن الخوض في بعض الأحداث التاريخية، حتى إنْ سبق ذلك الحث حِجاجٌ مطوّل، يميل فيه المُحاجّ إلى طرف على حساب طرف آخر. ولتفصيل هذه الأدوات، بهدف فهم المنطق الداخلي للموقف السني من هذه القضية، نحتاج إلى تحديد مبادئ ذلك الموقف بوضوح، ثم شرح منهج الحِجاج الذي يؤدي إلى نتائج بعينها، استنادًا إلى تلك المبادئ. نبدأ، أولً، بعرض أهم الروايات المتعلقة بواقعة مقتل حجر بن عدي في المصادر السنية الوسيطة9، محددين نقاط الاتفاق والاختلاف بينها. وننتقل، ثانيًا، إلى قضية "صُحبة النبي"، باحثين في طرق التثبت فيها، وكذلك دلالتها بوصفها أداة تستثمرها قراءة التاريخ الأيديولوجية في تفسير الأحداث التاريخية، وتقييم المرويات المختلفة عنها. وننتقل، ثالثًا، إلى قضية مسؤوليات الحاكم وامتيازاته في النظرة السنية، ومن ثم قضية اجتهاده والتزامه بالشورى. ثم ننتهي، رابعًا، بقضية "الإمساك" عن تناول وقائع تاريخية معينة، وأثر ذلك في إجهاض الدراسة الموضوعية لتلك الوقائع، واستمرار هيمنة النظرة الأيديولوجية عليها.
أولً: حجر بن عدي يف المصنفات الإسلامية الوسيطة
نعرض هنا أهم ما تضمنته المصادر الإسلامية الوسيطة من معلومات عن حجر بن عدي10، مركّزين بالأساس على قضية صحبته للرسول أو عدمها؛ والتُّهم التي واجهها والأدلة عليها، ثم تطور الأحداث وصولً إلى اتخاذ معاوية قرار قتل حجر ومبرراته في ذلك، والاتجاه العام في تلك المصادر تجاه حادثة مقتله، ومدى ما تعكسه من نظرة أيديولوجية إلى التاريخ الإسلامي الباكر11. في واحدة من أقدم التراجم التي وصلتنا عن حجر، يعرّفه ابن سعد بأنه حجر بن عدي بن جبَلة بن عدي بن ربيعة، الملقب ب "حجر الخير". كما يذكر عن "بعض رواة العلم" أنّ حجرًا ذهب، بصحبة أخيه هانئ، إلى الرسول مسلمًا. وقد شارك حجر في موقعة القادسية، وفي الحرب ضد الدولة البيزنطية في بلاد الشام، وفي موقعتَي الجمل وصِفيّن، وفي فتح "مرج عذراء" تحديدًا (حيث قُتل بعد ذلك ودُفن)12.
ينتقل ابن سعد إلى ظروف مقتل حجر، حيث حذّره زياد بن أبيه من أن يغرّه "السفهاء" و"السفلة"، وأرسل إليه بعضَ أشراف الكوفة يحثّونه على فراق من يختلفون إليه والصمت. ويذكر ابن سعد – وكأنه يُعرِّف هؤلاء السفهاء الذين يشير إليهم زياد – أن إخوان حجر "من الشيعة"13 كانوا يحرّضونه على "إنكار هذا الأمر"، أي السكوت على بني أمية وعمّالهم. وعلى الرغم من رفض حجر التجاوب مع رُسل زياد إليه، فإنّ هؤلاء الرسل رجعوا إلى زياد مستشفعين لحجر، بيد أنّ زيادًا رفض الشفاعة، وأرسل شرطته للقبض على حجر، فأمسكوا به بعد قتال. أكَّد حجر أمام زياد التزامه ببيعته لمعاوية، فطلب زياد من سبعين من وجوه الكوفة الشهادةَ على حجر، ثم أرسله وأصحابه إلى معاوية في دمشق14. قرأ معاوية كتاب زياد، وسمع الشهود، ثم أمر بإخراج حجر وأصحابه إلى "عذراء" وقتلهم هناك. وقبل قتله في "عذراء"، طلب حجر أن يصلي ركعتين، ثم قُتل. يذكر ابن سعد أيضًا أن معاوية بعث رسولً خلف القوم بالعفو عن حجر وأصحابه، فوصل الرسول بعد قتل ستة أو سبعة منهم، بينهم حجر نفسه، ليصل بعدها إلى معاوية رسول من السيدة عائشة تحثه على إطلاق سراح حجر وأصحابه15. في أقدم مصادر معلوماتنا عن حجر، يظهر حجر بوصفه صحابيًا، قتله معاوية بعد شهادة شهود عليه. لا نجد تفاصيل أمور بعينها اتهم بها حجر، ولكن الواضح أن التفاف شيعة علي حوله وعدم امتناعه عنهم، جعلاه يشكل مركز قوة لجماعة لا تُخفي عداءها للحاكم وعمّاله. ثم نجد أخيرًا عفو معاوية عن حجر وأصحابه، بعد فوات الأوان. على خلاف ترجمة حجر المُوجزة هذه، يقدم البلاذري (ت. 279 ه/ 892 م) في أنساب الأشرافأطول ما وصلنا عن حجر من تراجم. يذكر البلاذري إنذار زياد بن أبيه حجرًا تحسبًا منه، كما يذكر لوم حجر للحسن بن علي على ترك القتال بعد تنازله لمعاوية16. وفي خبر، صاح حجر في المسجد مقاطعًا المغيرة بن شعبة – وكان والي معاوية على الكوفة حتى مات (أي المغيرة) سنة 50 ه/ 670 م – قاصدًا "تحريض الناس" عليه بسبب شَتمه عليًّا، بحسب وصية معاوية لعماله17. وكان حجر "يذكر معاوية فيعيبه ويظلّمه "18، وحصَب – وجماعةٌ معه – نائبَ زياد على الكوفة (بعد وفاة المغيرة)، حين كان زياد في البصرة، فاستنجد النائب بزياد الذي أسرع إلى الكوفة وأمر بالقبض على حجر متوعدًا إياه، حتى مع إعلان حجر تمسكه ببيعته لمعاوية19. ثم كتب زياد إلى معاوية شاكيًا له ردَّ حجر وأصحابه أحكامه وقضاياه، مستأذنًا إيّاه في قتله، فيُوصيه معاوية بالترفق به حتى يجد عليه حُجّة، ليردَّ زيادٌ أن الحجة قد قامت بخلع حجر معاويةَ وشهادة الناس عليه20. وقد نفهم ما عناه زياد بردِّ حجر وأصحابه أحكامه وقضاياه من خلال واقعة معينة، حيث قتل عربيٌ من بني أسد نبطيًا كان ذمّيًا فأسلم، فرفض زياد القصاص من القاتل قائلً: "لا أقتل عربيًا بنبطي"، وأمر بدفع الدية لأهل القتيل، فرفض أهل القتيل الدية، وقالوا: "كنا نُخبَ أن دماءَ المسلمين تتكافأ، وأنْ لا فضل لعربي على غيره". فقام حجر وقال لزياد: "يقول الله 'النفس بالنفس'، وتقول أنت غير ذلك، والله لتُقيدنّه أو لأضربنّك بسيفي"، فاضطر زياد إلى القصاص من القاتل21.
ثم سجَن زياد حجرًا ومعه أربعة عشر رجلً من الشيعة، وطلب من وجوه الكوفة الشهادة عليهم، فشهد بعضُ الناس أنّ حجرًا وأصحابه "شتموا عثمان ومعاوية وبرئوا منهما"، فاستقلَّها زياد، فشهد أحدُهم – الفقيه والقاضي والمُحدِّث أبو بُردة بن أبي موسى22 – أن حجرًا "خلع الطاعة، وفارق الجماعة، ولعن الخليفة، ودعا إلى الحرب والفتنة، ودعا إليه جموعًا يدعوهم إلى نكث البيعة، وخلع أميرَ المؤمنين معاوية، فكفر بالله كفرةً صلعاء، وأتى معصيةً شنعاء". فطلب زياد من الناس تصديقَ شهادة أبي بردة، فشهد منهم جماعة؛ فيهم عمارة بن عقبة بن أبي معيط، والمنذر بن الزبير بن العوام، وعمر بن سعد بن أبي وقاص، وشمر بن ذي الجوشن، وهرب من الشهادة آخرون، كالمختار بن أبي عُبيد وعروة بن المغيرة بن شُعبة23. استدعى زياد بعض من غاب عن الشهادة، بل إنه كتب شهادة بعضهم، كالقاضي الشهير شريح بن الحارث الكندي24، وهم غائبون. فكتب القاضي شريح إلى معاوية أنه لم يعلم بأمر الشهادة، وقال إنّ حجرًا: "رجل مسلم عفيف، يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، ويصوم شهر رمضان، ويديم الحج والعمرة، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، حرامُ الدم والمال، وإنّ له لَغناء في الإسلام"25. وصل حجر وأصحابه إلى معاوية في دمشق مصفَّدين بالسلاسل، فلم يدخلوا على معاوية، وأمر بحبسهم في "مرج عذراء"، وتردد في قتلهم أو الصفح عنهم، حتى كتب له زياد متعجبًا من صبره عليهم، وناصحًا له بمنع حجر من العودة إلى الكوفة إن كان لمعاوية حاجة فيها. سأل معاوية وجوه الشام في أمر حجر وأصحابه، فأشار إليه بعضُهم بقتلهم، وأشار آخرون بتفريقهم في قرى الشام حتى يكونوا تحت نظر قبائلها، فيكفونه شرَّهم. ثم بدأ بعض الناس في الشفاعة فيهم، فعفا معاوية عن بعضهم، ورفض الشفاعة في حجر نفسِه26. ثم بعث معاوية رجلً إلى "مرج عذراء"، معه حنوط وأكفان، وأمره أن يخيّ من تبقى مع حجر، إما أن يلعنوا عليًا ويتبرؤوا منه، وإما أن يُقتلوا. ولما عُرض عليهم ذلك رفضوا لعن علي، فحُفرت قبورهم في تلك الليلة، ثم عُرض عليهم الأمر نفسه في صبيحة اليوم التالي، فرفضوا، فبعث لهم معاوية مَن يقتلهم. فلما رأى حجر الأكفان، قال: "تُكفنوننا كأنّا مسلمون، وتَقتلوننا كأنّا كافرون". ويُروى أيضًا أنه قال: "والله لقد فتحتُ هذا الموضع (أي مرج عذراء) وإني لأرجو أن أكون شهيدًا فيه". فقتله رجل يُدعى الأعور بن فياض بالسيف، وقيل ذبحه ذبحًا27. ويذكر البلاذري، في خبر آخر يضعّفُه، أن حجرًا قابل معاوية وسلّمَ عليه بأمير المؤمنين، فقال معاوية: "أوَ أمير المؤمنين أنا؟" ثم أمر بضرب عنقه28. وقد استنكر بعض صحابة الرسول قتل حجر، وعلا نحيب ابن عمر عليه29، وقال الحسن بن عليّ فيه: "ويل معاوية من حجر وأصحاب حجر، يا ويله"30. وتروي عائشة بنت سعد بن أبي وقاص أنّ أباها، حين بلغه خبر مقتل حجر، قال: "لو رأى معاوية
ما كان من حجر يوم عبر قنطرة حلوان، لعَرف أن له غَناءً عظيمًا عن الإسلام"31. أما السيدة عائشة، فقد رفضت لقاء معاوية، حتى أذنت له بعد شفاعة. وعندما لامته، ردَّ معاوية: "خشيتُ فتنة، فكان قتلُه خيرًا من حرب تُهراق فيها الدماء، وتُستحل المحارم، فدعيني يفعل اللهُ بي ما يشاء"، فتردّ عائشة: "ندَعك والله، ندعك والله"32. وفي خبرٍ آخر، تسأل عائشةُ معاوية: "ويحك، أقتلت حجرًا وأصحابه بكتاب زياد؟"، فيرد معاوية: "إني لم أقتلهم، إنما قتلهم الذين شهدوا عليهم"، فتردّ السيدة عائشة: "ويحك، أفلا تثبّتَ؟ فما كان يؤمنك أن أخبئ لك رجلً يقتلك بمن قتلت من الصالحين"33. ثم تسأله في خبر آخر: "أنت صاحب حجر؟"، فيرد: "لم يكن عندي مَنْ يمنعُني". وفي خبر أخير، تقول عائشة لمعاوية إنها سمعت الرسول يقول: "يُقتل بعذراء سبعةُ نفرٍ، يغضبُ اللهُ وأهلُ السماء مِن قتلهم"34. وتذكر أخبار أخرى معاوية في مرض موته وهو يقول: "أيَ جسدٍ يقلبون إنْ نجا من ابن عدي"، أو يقول لرجل زاره: "رحم اللهُ أباك، إن كان لنا لَناصحًا، نهاني عن قتل ابن الأدبر [أي حجر] وأصحابه". وفي خبر ثالث، يطلب معاوية من زياد أن يبعث له رجلً صالحًا من أهل الكوفة، فبعث له الفقيه عبد الرحمن بن أبي ليلى بعد أن توعّده إنْ تكلم خيرًا في حجر35. فصرّح معاوية لابن أبي ليلى بندمه على قتل حجر وأصحابه، فوافقه عبد الرحمن على ذلك الندم36، بل يذكر البلاذري أنّ زوج معاوية قالت له، وقد أطال الصلاة: "ما أحسن صلاتك يا أمير المؤمنين، لولا أنك قتلت حجرًا وأصحابه"، فيرد معاوية: "إنهم فعلوا وفعلوا"37. ثم تنتهي ترجمة البلاذري لحجر بخبر قدومه على النبي، وشهادته القادسية والجمل وصفين38. نجد في ترجمة البلاذري لحجر تُهَمًا واضحة، أدناها الصياح في المسجد، وأكبرها خلع الخليفة والكفر39، وإن كانت تهمة الخلع تتناقض مع تصريح حجر بالتزامه ببيعة معاوية. ومثلما لم يعتدّ زياد باتهام حجر بسبِّ معاوية أو عثمان، أيضًا لم يعتدّ معاوية بتحدّي حجر لزياد بوصفه مبررًا لقتله، وهو ما دفع زياد إلى اتهام حجر بتهمة قاطعة، أي خلع الخليفة. تقع بين هذه التهم تهمٌ أخرى تتعلق كلها بتحدي عمال الخليفة في الكوفة، وإن كان ذلك بسبب أمور بعينها، تشمل سبَّ علي وبعض الأمور الأخرى في مواقف محددة، كامتناع زياد عن القصاص من العربي قاتل النبطي. شمل الشهود على حجر جماعة من المعروفين بعدائهم لعلي وشيعته، وفيهم قتلة ابنه الحسين، وقد سمحوا لزياد بالتدخل في نص شهادتهم، بل إنهم سمحوا بإضافة شهود لم يحضروا الشهادة فعلً. أخيرًا، يذكر البلاذري استهجان الناس قتل حجر، وفيهم كبار صحابة الرسول وآل بيته. ثم يذكر الخبر تبرُّؤ معاوية من دم حجر، وإلقاءه اللوم على الشهود، واعتذاره إلى السيدة عائشة بأنه لم يجد من ينهاه عن ذلك، وقد ندم معاوية على قتل حجر، وربما قرر العفو عنه بعد أن أمر بقتله. لا تقلُّ ترجمة الطبري (ت. 310 ه/ 923 م) لحجر استيعابًا عن ترجمة البلاذري له. يبدأ الطبري ب "ذكر مقتل حجر بن عدي وأصحابه" بوصية معاوية للمغيرة حين ولاه الكوفة (سنة 41 ه)؛ إذ أوصاه بعدم التقصير في شتم علي والاستغفار لعثمان، فأخذ المغيرة
بالوصية. وكان حجر إذا سمع لعنَ علي قال: "بل إياكم فذمَّ اللهُ ولعن [...] وأنا أشهد أنّ من تذمّون وتعيرون أحقُ بالفضل، وأن من تزكّون وتُطرون أولى بالذم"ّ40. وفي خبرٍ، صاح حجر في المغيرة، فقام معه أكثر من ثلثي الناس. بيد أنّ رواية الطبري هذه الواقعة – وهي على الأرجح الواقعة نفسها التي يذكرها البلاذري – تُظهر جانبًا آخر مُهمًا من موقف حجر، فقد صاح معترضًا على سبّ علي، ولكنه أردف ذلك بمطالبته المغيرة ب "أرزاقنا وأُعطياتنا، فإنك قد حبستها عنا، وليس ذلك لك"، فقام معه الناس قائلين: "صدق واللهِحجر وبرّ، مُر لنا بأرزاقنا وأُعطياتنا، فإنا لا ننتفع بقولك هذا ولا يجدي علينا شيئًا"41. فذهب المغيرةُ إلى بيته، وأتاه من يحرّضه على حجر وأصحابه، فرفض المغيرةُ عقابَهم، وقال: "لا أحبُ أن أبتدئ أهلَ هذا المصر بقتل خيارهم"42. تُوفي المغيرة وخلفَه زياد، فسمع وهو في البصرة أن حجرًا يجتمع وشيعةَ علي يلعنون معاوية ويتبرؤون منه. وفي خبر آخر، خطب زياد في الناس فأطال الخطبة، فذكّره حجر بالصلاة مرة، ثم أخرى، ثم ثالثة، فلما لم يستجب زياد قام حجر ليصلي بالناس، فنزل زياد من على المنبر فصلى، ثم كتب إلى معاوية في حجر. أمر معاوية زيادًا بشدّ حجر في الحديد وحملِه إليه. ولما جاء قومُ حجر ليخلصوه، رفض حجر ذلك امتثالً لأمر الخليفة؛ ثم لما وصلَ إلى معاوية، سلّم عليه بأمير المؤمنين، فردَّ معاوية: "أمير المؤمنين؟ أما والله لا أقيلك ولا أستقيلك، أخرجوه فاضربوا عنقه". فصلى حجر ركعتين، ثم قال لأهله: "لا تطلقوا عنّي حديدًا، ولا تغسلوا عنّي دمًا، فإني ألاقي معاويةَ غدًا على الجادة". ثم ضُبت عنقُه43. يعود الطبري ليروي أخبارًا أخرى عن حجر، منها تحديه لشرطة زياد عندما ذهبوا للقبض عليه، ومحاولته الهرب من بيت إلى بيت، وطلبه أن يبعث به زياد إلى معاوية ليرى رأيَه فيه، وتأكيده أنه لم يخلع الطاعة ولم يفارق الجماعة، ولم يزل على بيعته لمعاوية44. وفي خبر آخر، يشهد رؤساء الأرباع في الكوفة أن حجرًا "جمع إليه الجموع، وأظهر شتم الخليفة، ودعا إلى حرب أمير المؤمنين، وزعم أن الأمر لا يصلح إلا في آل أبي طالب، ووثب بالمصِر وأخرج عامل أمير المؤمنين، وأظهر عذر أبي ترابٍ والترحم عليه46، والبراءة من عدوه وأهل حربه، وأن هؤلاء النفر الذين معه هم رؤوس أصحابه، وعلى مثل رأيه وأمره"47. ثم شهد على شهادة أبي بردة بن أبي موسى التي ذكرها البلاذري سبعون رجل48. فلمّا وصل حجر وأصحابه إلى معاوية، قرأ رسالة زياد له، وسأل الناس في أمرهم، فأشار إليه أحدهم أن يفرقهم في قرى الشام. ثم فتح معاوية كتابًا حمله شرطي إلى معاوية، فقرأ فيه مقالة القاضي شريح في حجر. فكتب معاوية إلى زياد مترددًا في قتلهم، فحرضه زياد، حتى ذهب رجل إلى حجر وأصحابه محذرًا إياهم من القتل، فقال حجر له: "أبلغ معاويةَ أنّا على بيعتنا، لا نستقيلُها ولا نُقيلُها، وأنه إنما شهد علينا الأعداء والأظنّاء"؛ وقال لرجل آخر: "أبلغ معاويةَ أنّ دماءنا عليه حرام، وأخبره أنّا قد أومِنّا
وصالحناه، فليتق الله، ولينظر في أمرنا"49. ينتهي خبر الطبري بذكر شفاعة بعض الناس في بعض أصحاب حجر وعفو معاوية عنهم، إلا حجرًا، إذ قال إنه "رأس القوم، وأخاف إن خلّيت سبيله أن يُفسد عليَّ مصِري"50. ثم يذكر الطبري أخبارًا تُظهر ندمَ معاوية على قتل حجر، وعتابَ السيدة عائشة له، كما رأينا عند البلاذري51. يقدم لنا الطبري – كعادته – أخبارًا مختلفة، بعضها له دلالة مهمة، كاختلاط سبّ المغيرة عليًا بمنعه العطاء عن أصحابه، وهم أشراف الكوفة الذين عمَروها منذ نشأتها، وفيهم حجر وأصحابه من شيعة علي. ثم رأينا موقف حجر مع زياد حين أطال الخطبة، غير عابئ بموعد الصلاة. ويذكر الطبري أن حجرًا ربما لقي معاوية الذي غضب عليه وأمر بقتله قبل أن يستمع له، على الرغم من إعلان حجر تمسكه ببيعته لمعاوية وحثّه على تقوى الله في أصحابه، وإن وردت إشارة واحدة عن "تبرُّؤ" حجر من معاوية، وهي لفظة مُبهمة، قد تعني خلع معاوية، وقد تعني الإنكار عليه فحسب. يذكر ابن أعثم الكوفي (ت. 314 ه/ 926 م) معلومات أخرى عن حجر، منها أنه شارك في كتابٍ بعث به أهل الكوفة إلى عثمان بن عفان، يعظونه فيه بترك ما يؤلّب الناس عليه، ويبث الفتنة في صفوف المسلمين52. ويذكر ابن أعثم غِلظة رأي حجر في أعداء علي؛ إذ كان "يظهر البراءة من أهل الشام واللعنة لهم"، حتى نهاه عليٌ نفسُه عن ذلك، فامتنع53، وكان يردد – وهو يقاتل – شعرًا يدعو الله فيه أن يحفظ عليًّا كحفظ النبي، ويصفه بالهادي والمهدي والوليّ والوصيّ54. كما تُظهر أخبارٌ أخرى براعته في النزال، أَكان ذلك في الشعر، أم في المبارزة بالسيف55. وبعد مقتل علي، لام حجر – في حضور معاويةَ نفسِه – الحسنَ بن عليّ على تركه قتال معاوية56. وأخيرًا، يذكر ابن أعثم أن قتل حجر ظل يؤرّق معاويةَ حتى مماته، فتذكَّره في ذنوبه العِظام57، وذكر عبد الله بن الزبير الواقعة في مثالب بني أمية، حين بدأ في الدعوة لنفسه بالخلافة في مكة58. في المصادر الأحدث نسبيًا، بدءًا من نهاية القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي، نجد معلومات جديدة عن حجر، ومَيْلً واضحًا إلى اعتباره صحابيًا، وتعاطفًا أظهرَ معه؛ إذ يبدأ ابن عساكر (ت. 571 ه/ 1175 م) ترجمة حجر بذكر وفادته على الرسول، وروايته الحديث – عن عليّ بن أبي طالب وعمار بن ياسر وشراحيل [أو شراحبيل] بن مُرّة59 – وصلاحه وبره بأمِّه60. كما يذكر أنه كان مع علي في صفين حجران؛ "حجر الخير"، وهو حجر بن عدي، و"حجر الشر" الذي أصبح من عمال معاوية بعد مقتل علي61.
وفي خبرٍ، طلب معاوية من المغيرة مالً، فبعث إليه المغيرة عِيرًا تحمل المال، فاعترضها حجر وأصحابُه حتى يأخذ كل ذي حق حقه. حرّض بعضُ الناس المغيرةَ على حجر فرفض إيذاءه، فلما بلغ الخبرُ معاوية، عزل المغيرةَ واستعمل زياد بن أبيه62، وقد كان في خبرٍ هو نفسه الوالي الذي حصبه حجر63، ووقع ذلك بعد أن ذكر زياد عليًّا وهو على المنبر64. ويشتكي عامل زياد على الكوفة من تضييق حجر وأصحابه عليه65. وفي خبر أن حجرًا ذهب إلى معاوية في عشرين من أصحابه طائعًا66. وفي خبرٍ آخر، ذهب معاوية إليهم في مرج عذراء قبل وصولهم إلى دمشق، وسأل كلً منهم عن اسمه، ثم بعث إليهم مَن يقتلهم67. وعندما سأل رسولُ السيدة عائشة معاويةَ عن قتل حجر، ردَّ معاوية: "أقتلُ حجرًا أحبُ إلي من [أن] أقتل معه مائة ألف"68؛ وفي خبر يقول لها معاوية: "يا أمَّ المؤمنين، إني وجدتُ قتلَ رجل في صلاح الناس، خيرٌ من استحيائه في فسادهم"69. ثم يذكر ابن عساكر تنبؤ علي بمقتل حجر: "يا أهل الكوفة، سيُقتل فيكم سبعةُ نفر خياركم، مثلهم كمثل أصحاب الأخدود (منهم حجر بن الأدبر وأصحابه")70، محددًا أن قتلَهم سيكون في عذراء71. ثم يأتي خبرٌ يصُرّح فيه معاوية لمروان بن الحكم بالندم على قتل حجر، فيسأله مروان: "فأين كان رأيُك، وأين كان حلمُك". وفي خبرٍ آخر، يقول معاوية: "ما قتلت أحدًا إلا وأنا أعرف فيم قتلته وما أردت به، ما خلا حجر بن عدي، فإني لا أعرف فيمَ قتلته"72. أما ابن الأثير (ت. 630 ه/ 1233 م)، فيذكر حجرًا ضمن "فضلاء" صحابة الرسول، ويعرّفه ب "حجر الخير" صاحب الدعوة المُجابة، مضيفًا قوله: "ولما ولي زياد العراق، وأظهر من الغِلظة وسوء السيرة ما أظهر، خلعه حجر ولم يخلع معاوية، وتابعه جماعةٌ من شيعة عليّ رضي الله عنه". واعتذر معاوية عمّا فعل لرسول السيدة عائشة إليه حين سأله عن سبب قتلهم وقد كان له أن يسجنهم، فألقى معاوية اللومَ على زياد الذي حذّره من أنَّ حجرًا وأصحابه "سيفتقون فتقًا لا يُرقع"73. ويعرّف شمس الدين الذهبي.(ت 748 ه/ 1348 م) حجرًا بأنه "أبو عبد الرحمن الشهيد"، صاحب الصُحبة والوفادة، على الرغم من عدم روايته عن الرسول74، ثم يقول فيه: "وكان شريفًا، أميرًا مطاعًا، أمَّارًا بالمعروف، مُقدِمًا على الإنكار، من شيعة عليّ رضي الله عنهما، شهد صفيّن أميرًا،
وكان ذا صلاحٍ وتعبد"75. ثم يذكر الذهبي أنّ مشهد حجر بعذراء ظاهر يُزار، وأنّ ولدَي حجر – وكانا يتشيعان كأبيهما – قتلهما مصعبُ بن الزبير76. كما يذكر ابن حجر العسقلاني (ت. 852 ه/ 1449 م) حجرًا في الصحابة، وأنه شهد دفنَ الصحابي أبي ذر الغفاري في الربذة، حيث نفاه الخليفة عثمان بن عفان77. ويذكر كذلك تفصيل كون حجر مُجاب الدعوة، إذ طلب ممّن وُكّل به بعد القبض عليه أن يعطيه ماءً يتطهر به، فلما رفض، دعا اللهَ فأمطرت عليه سحابةُ ماء78. كان حجر، إذًا، شخصيةً مهمة في الكوفة تتمتع بشعبية كبرى عند شيعة علي بن أبي طالب. وكان حجر من المتمسّكين بحبّ علي، الرافضين للاستسلام لسياسات معاوية وعماله، أو السكوت على ما ينكره من الحكام، أكان ذلك باللسان أم باليَد، وليس السلاح إلا حين أراد زيادٌ القبض عليه. أنكر حجر سياسة الأمويين في سبِّ علي ولعنه على المنابر، ومنْع الولاة أُعطيات الناس، وأمورًا أخرى "ظرفية" حسبها لا تتفق ومبادئ الإسلام؛ مثل رفض زياد قتل عربي بنبطي. وتذكر بعض المصادر شتم حجر معاوية، بيد أنّ هذا الزعم لا تدعمه أسانيد واضحة ولم تعوّل عليه – لهذا السبب على الأرجح – المصادرُ المتأخرة نسبيًا. شهد على حجر أعداء له – كما وصفهم هو – ومنهم معروفون بعدائهم لعلي وأهل بيته. تدخل زياد في شهادة الشهود، وأضاف إليهم مَن لم يشهد فعلً. لم يلقَ معاويةُ حجرًا، على الأرجح، وقرر قتله بناءً على ما ورد إليه في رسالة زياد، وفيها شهادة الشهود، على الرغم من تأكيد حجر التزامه ببيعة معاوية. وعلى خلاف ميْل أكثر من استشارهم معاوية في الأمر إلى تجنب القتل، قرر معاوية قتل حجر وأصحابه، مبررًا ذلك لاحقًا بمبررات مختلفة. استنكر بعضُ أشراف المسلمين ما فعله معاوية بحجر، وندم معاويةُ على قتله حجرًا، وصرح – في رواية – بعدم معرفته سبب قتله، أو تبرّأ منه ولام زيادًا والشهودَ وذمَّ غيابَ البطانة الناصحة. وفي المصادر الوسيطة، نجد اتجاهًا واضحًا ومتزايدًا إلى التعاطف مع حجر بوصفه صحابيًا عُرف بالصلاح والتقوى، وإن روى بعض المؤرخين أمورًا تُصوّر حجرًا مصدرًا للفتنة في الكوفة، وإن لم تصل إلى حدّ الخروج على الخليفة، إذا استثنيْنا خبرًا واحدًا منفردًا لا تثبت دلالتُه في ذلك. بعبارة أخرى؛ على الرغم من أن هذه المصادر لا تدين معاوية بصورة صريحة، لا يبدو مصنفوها، مع ذلك، على قناعة بشرعية قتل حجر، إضافة إلى أن ذلك لم يكن في نظرهم أمرًا ضروريًا. ذكرنا سابقًا أن واقعة قتل حجر بن عدي كانت الأولى في تاريخ الإسلام التي يقتل فيها الحاكم أفرادًا بناءً على مواقفهم السياسية79. تعد الواقعة هنا، من دون مبرّر ملائم لها، كبيرة من كبائر الإثم التي تقدح بالضرورة في عدالة من قام بها، بل إنها تقدح في شرعية حكمه المُفترض استناده إلى الالتزام بأحكام الدين. يبدو هذا الموقف من واقعة قتل حجر وأثرها في شرعية حكم معاوية قديمًا قِدَم الواقعة نفسها؛ فما كان للسيدة عائشة مثلً أن تذكر قتل معاوية لحجر لو لم يكن الأمر كبيرًا، وما كان للحسين بن علي وعبد الله بن الزبير، الثائرَين على حكم بني أمية، أن يذكرا تلك الواقعة تحديدًا ضمن كبار مثالب بني أمية، إن لم يكن لها علاقة مباشرة بشرعية من اقترفها، وشرعية من أتى بعده بوراثة الحكم.
ثانيًا: عدالة الصحابة بوصفها أداة تفسير أيديولوجي للتاريخ
رأينا أن قضية صُحبة حجر بن عدي كانت لها أهمية محورية في تناول مؤرخي الإسلام واقعة مقتله. تقلّ إشكالية الواقعة كثيرًا عند المؤرخ السُني في حال القول بعدم ثبوت تلك الصُحبة، إذ نكون هنا أمام حالة مقتل تابعيّ (حجر) على يد صحابيّ (معاوية)، وهو ما يعني بالضرورة، في النظرة السُنية المُعتمدة إلى الصحابة، براءة الصحابي، إمّا بناءً على شرعية ما قام به من وجهة نظر دينية، وإمّا على افتراض استناد فعلِه إلى اجتهاد صادق تحرَّى فيه كلً من مبادئ الإسلام ومصلحة الأمة، وهو في ذلك مأجور، أخطأ أم أصاب. أما في حالة اعتبار حجر صحابيًا، فإننا نصبح أمام حالة مقتل صحابي على يد صحابي آخر؛ ما يستوجب تناولً مختلفًا عن الحالة الأولى. تطورت النظرة الأيديولوجية السُنية إلى أحداث تاريخ الإسلام الباكر والمشاركين فيها، لا سيّما "صحابة الرسول"، خلال قرون الإسلام الأولى لتأخذ شكلها النهائي في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي). لسنا في معرض تتبع تطور تلك النظرة في هذه الدراسة80، فما يهمنا في هذا السياق هو الصورة الناضجة منها التي عبرت عنها "الفتوى" الخاصة بمقتل حجر، بل بالأحرى الصورة التي أمْلت تلك الفتوى وزودتها بأدواتها الحَِجاجية. نبدأ أولً بفهم قضية الاختلاف حول صحبة شخص ما للرسول محمد. يعبّ المُحدِّث الأشهر محمد بن إسماعيل البخاري.(ت 256 ه/ 870 م) في "كتاب فضائل أصحاب النبي (ص)" عن النظرة السنية المعتمدة للصحابي، إذ يقول: "ومن صحب النبي أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه"81. بحسب مصنفات الحديث السُنية، تثبت الصحبة بطرق أربع رئيسة: 1. تواتر الأخبار أو استفاضتها عن صحبة شخص ما للرسول؛ 2. شهادة صحابي لشخص آخر بالصحبة؛ 3. شهادة عدْل لنفسه بالصحبة؛ 4. رواية العدْل حديثًا أو أكثر عن الرسول مباشرة، ما يعني ضمنيًا أنه رأى الرسول وسمع منه82. في حالة حجر، ورد خبر، كما رأينا، بلقاء حجر الرسول، وهو ما يجعله صحابيًا بحسب التعريف السني للصحبة. بيد أنّ ذلك الخبر لا يصل إلى درجة التواتر؛ ومن ثم لا يحسم قضية صحبة حجر83. ولم يصلنا أن أحدًا من الصحابة الذين عرفهم حجر، مثل عليّ بن أبي طالب وعمّار بن ياسر، اعتبره صحابيًا، أو لم يعتبره كذلك، بل لم يصلنا أيُ خبرٍ يصف فيه حجر نفسَه ب "الصحابي"، وقد كان له أن يصرّح بذلك قبل قتله84. ولم يروِ حجر أيَّ حديث عن النبي أو عن أي صحابي، حاشا علي، وربما عمّار85. بيد أنّ معرفة السيدة عائشة به قد تُعد دليلً غير مباشر على صحبته، إلا إن كانت عائشة قد سمعت عنه خلال حربها مع علي. عمومًا، يميل مصنفو كتب الطبقات، لا سيّما المتأخرون نسبيًا منهم، إلى التساهل في قبول صُحبة شخص ما؛ إذا جاء خبرٌ بذلك86، وحالة حجر خير دليل على هذا، فما يُضعِّف
ثبوت صحبته يبدو أظهر مما يقوّيها، ولا يقويها إلا خبر واحد عن وفادته على الرسول. وعلى الرغم من هذا، رأينا اتجاهًا واضحًا عند مؤلفي مصنفات التراجم، لا سيما ما اختص منها بالصحابة تحديدًا، إلى قبول صحبة حجر، بل إنّ ذلك ذُكر بوصفه حقيقة معروفة أو معرفة مستفيضة. تجاهل هؤلاء المؤلفون في الوقت ذاته الإشكالية التي تنتج من قبول صحبة حجر، أي مقتله على يد معاوية، المُعترف بصحبته عند أهل السُنة إجماعًا. ولفهم هذه الإشكالية، نشرح وضع الصحابة ومكانتهم في الإسلام السني. لخص العالمُ الشهير ابن حجر العسقلاني الموقفَ السُني من صحابة الرسول في ردِه على سؤالٍ حول مروان بن الحكم، وقد اتهم بمسؤوليته عن الكتاب الذي أدى إلى مقتل الخليفة عثمان بن عفان سنة 35 ه/ 656 م: "يُقال له رؤية، فإنْ ثبتَتْ، فلا يعرّج على من تكلم فيه"87. الواقع أنه يصعب التشكيك في صحبة مروان للرسول استنادًا إلى تعريف الصحبة في الإسلام السُني، وهو أيّ شخصٍ رأى الرسول، أقام معه أو حدّث عنه، أو لم يفعل. وقد يعتبر رد ابن حجر على السؤال عن مروان محاولة لتجنب الدفاع عنه من خلال ترك الباب مفتوحًا للخلاف حول صحبته. بيد أنّ عبارة ابن حجر تحسم قضية عدالة مروان في حال ثبوت صحبته الرسول أو قبولها؛ فالصحابة في هذه النظرة كلهم عُدول، وهو ما ينفي عنهم أي شبهة تعمد في انتهاك مبادئ الإسلام أو الإضرار بالمسلمين، وإنْ كان ذلك لا يعني بالضرورة عصمتهم من الخطأ الذي ينشأ – ولا بُد – عن اجتهاد صادق وأمين. يعبر ابن الصلاح (ت. 643 ه/ 1245 م) عن الصورة الناضجة من مبدأ عدالة الصحابة في قوله: "للصحابة بأسرهم خصيصة، وهي أنه لا يُسأل عن عدالة أحد منهم، بل ذلك أمرٌ مفروغ منه لكونهم على الإطلاق مُعدَّلين بنصوص الكتاب والسنة والإجماع [...] قال الله تبارك وتعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيَْ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: 110). قيل: اتفق المفسرون على أنه وارد في أصحاب رسول الله (ص) [...] وفي نصوص السُنة الشاهدة بذلك كثرة [...] قال [الرسول]: 'لا تسبّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحُد ذهبًا ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفه". ثم إنّ الأمّة مجمعة على تعديل جميع الصحابة، ومن لابس الفتن منهم فكذلك، بإجماع العلماء الذين يعتد بهم في الإجماع، إحسانًا للظنّ بهم، ونظرًا إلى ما تمهَّد لهم من المآثر، وكأنّ الله أتاح الإجماع على ذلك، لكونهم نقَلة الشريعة"88. في هذه النظرة، يشهد القرآن والأحاديث النبوية للصحابة جميعًا بالعدالة، وهي صفة جامعة لمعاني الصدق والأمانة والاستقامة والنزاهة والعدل، وغيرها من الصفات المحمودة. كما انعقد إجماع مَن "يُعتد بهم" من المسلمين، مثلما يؤكد ابن الصلاح، على تحريم الشك في عدالة الصحابة أو التبرؤ من أيٍ منهم؛ وقد كان ذلك بتوفيقٍ من الله، حيث إنّ القدح في عدالتهم تشكيكٌ في مصادر الإسلام (القرآن والسنة) التي نقلها الصحابة لكل مَن أتى بعدهم من المسلمين. أما فيما يخص ما وقع بينهم من فتن، فما نعلمه عنها، إما أنه لا يكفي للشك في براءتهم الأصلية، وإما أنّه أكاذيب وافتراءات، وإما أنّه واجب التأويل على اعتباره اجتهادًا تحرّى فيه كل صحابي مصلحة الإسلام والمسلمين كما فهمها. تجاوز هذا الوصف لعدالة الصحابة الاختلافَ حول تفسير الآيات القرآنية التي اتُخذت دليلً عليها بين من اعتبرها عامّة في إشارتها إلى المسلمين جميعًا، ومن اعتبرها خاصةً في الصحابة تحديدًا، ورسخت هذه النظرة المتعلقة بعدالتهم استنادًا إلى مجموعة من الأحاديث التي تتنبأ بالاختلاف بينهم وتجيزه، وبعد تأويل أحاديثٍ أخرى تُنكر ما أُحْدث بعد وفاة الرسول89. في النظر إلى واقعة قتل حجر على يد معاوية، تصبح القضية محسومة في حالة عدم قبول ثبوت صُحبة الأول (لاحظ هنا غياب "رضي الله عنه" بعد ذكر حجر في "فتوى" موقع "إسلام ويب"، مع الحرص على إثباتها بعد اسم معاوية)؛ هنا يكون الخلاف بين
صحابي يتمتع بالعدالة والأفضلية، وتابعي لم يحظَ بشرف الصحبة، فيقلّ عن الصحابي في المنزلة بالضرورة90. تضع هذه النظرة معاوية في موقف أقوى من حجر حتى قبل النظر في تفاصيل الحادثة نفسها. المقصود هنا هو أن عدالة الصحابي وأفضليته على غيره تصبح مُصادرة – وإن لم يُنصّ عليها – في أي حِجاج سنّي يتناول وقائع تاريخ الإسلام الباكر. أما في حالة الاعتراف بصحبة حجر، فإنّ معاوية يستوي في الأفضلية مع حجر، ما يستوجب النظر في جوانب أخرى لتفسير الواقعة91. رأينا أن مصنفات الطبقات والتراجم تقبل صحبة حجر وتظهر تعاطفًا واضحًا معه بصورة عامة من دون لوْم معاوية. انتبه ابن الأثير إلى ما قد يبدو تناقضًا في هذا الموقف، فوظَّف مفهوم الصحبة بطريقة أكثر إبداعًا، استطاع بها الدفاع عن حجر، وتبرئة معاوية في الوقت ذاته، بوصفهما صحابييَن. وضع ابن الأثير اللوم كلَّه على زياد بن أبيه، وهو ليس صحابيًا؛ فزياد طغى وبغى، فأنكر حجر – الصحابي – ذلك (وهو شيءٌ يُحْمد له)، وخلع زيادًا وظلَّ على بيعته لمعاوية؛ فوشى به زياد عند معاوية، وحمل الشهودَ على شهادة باطلة، ظنَّها معاوية – الصحابي – صادقة، وقتل حجرًا بها. بعبارة أخرى، على خلاف صاحب "الفتوى" الذي صوَّر الخلاف على أنه بين الصحابي معاوية والتابعي حجر، سعى ابن الأثير لتصوير الخلاف على أنه بين الصحابي حجر والتابعي زياد بن أبيه. في الحالتين، كان الصحابي على حق والتابعي على باطل، بحسب ما تقتضي نظرية "عدالة الصحابة". تشترك النظرتان إلى واقعة مقتل حجر في استنادهما إلى المبدأ نفسه، بيد أنّ تناول ابن الأثير لها أقدر بصورة واضحة على استيعاب الأخبار المختلفة عن معارضة حجر لعمال الخليفة، وتأكيده في الوقت نفسه التزامه ببيعته لمعاوية92.
ثالثًا: الحاكم والرعية
تكفي صحبة الرسول لحسم قضية مقتل حجر فقط في حال الاتفاق على تابعية حجر (أي كونه تابعيًّا) وليس صحبته، إذ تُستخدم نظرية عدالة الصحابة لتبرئة معاوية أو عُذره. أما وصحبة حجر مختلَف فيها، فلا بدّ من توظيف أدوات أخرى في الدفاع عن معاوية، بحيث تتم تبرئته أو عذره، ولو كان حجر نفسُه صحابيًا. هنا ينتقل الحديث عن معاوية الصحابي، إلى معاوية خليفة رسول الله؛ أي أمير المؤمنين. يُعطي هذا الوضع معاوية أفضلية إضافية، حتى على الصحابة الآخرين – بمَن فيهم حجر، إن سلّمنا بصحبته. ليس المقصود هنا الأفضلية الدينية، سواء ارتبطت بالعلم أو بالعبادة، وإنما أفضلية المسؤولية، وهي أفضلية ناشئة عن كون معاوية – ولي الأمر – مسؤولً عن سلامة الأمة ودرء الفتن عنها، ويُؤجر في اجتهاده في تقدير الأمور وموازنة المصالح والمفاسد، ولا سيّما إن شاور بعض كبار الأمة في أمور الدولة، عملً بمبدأ الشورى المحمود. لسنا في معرض تناول النظرة السنية إلى سلطة الحاكم بصورة تفصيلية93، ونكتفي بالقول إنّ تلك النظرة يتنازعها في جانب مهم منها مثالٌ ونموذجٌ قيمي، من جهة، وواقعٌ تاريخي معيَّ، من جهة أخرى. تجلى النموذج والمثال في الخطبة المنسوبة إلى أول خليفة
للرسول – أبي بكر الصديق – إذ حثَّ الناس أن يعينوه إذا أحسن، وأن يقوّموه إذا أخطأ، وشرط طاعته بطاعة الله ورسوله، مُحلًّ الناس منها في خلاف ذلك94. وتجلّ الواقع التاريخي في أحداث لا تبدو متسقة مع ذلك المثال، وتحتاج لذلك إلى توظيف مجموعةٍ من أدوات القراءة (الأيديولوجية) لدرء شبهة تعارضها معه. قد تكون واقعة قتل حجر نفسها نموذجًا جيدًا على ذلك الواقع التاريخي؛ فما قام به حجر بحسب ما ورد إلينا من سيرته يعكس المثال الذي تُعبر عنه خطبة أبي بكر، بينما يعكس تصرف الحاكم وقتها عكس ذلك المثال. فحين اعتقد حجر وأصحابه أنّ عاملَ معاوية على الكوفة – المغيرة ثم زياد – أخطآ، حاولوا أن يقوّموهما، وهو ما أدى بهم إلى القتل، بعد شهادةٍ لم يسْعَ الحاكم للتثبت في ما ورد فيها. كما يمكن النظر إلى ما قام به حجر على أنه تطبيق للمبدأ الأساسي في الفكر السني المتمثل ب "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"95. يقول الجويني الأصولي السني الشهير: "الشرع من مفتتحه إلى مُختتمه أمرٌ بالمعروف ونهيٌ عن المنكر "96. بيد أنّ الفكر السني قد قيّد استخدام هذا المبدأ، لا سيّما في العلاقة بين الحاكم والمحكوم: "والدعاء إلى المعروف والنهي عن المنكر يثبت لكافة المسلمين، وليس إلى الرعية إلا المواعظ والترغيب والترهيب، من غير فظاظة وملق [...] فإن لم يَرْعَوا [أي الحكام]، لم يكن للرعية المكاوحة، وشهر الأسلحة"97. والواقع أن فظاظة حجر واضحة فيما وصلنا عنه من أخبار، وإن كانت لا تدل على خروجه المسلّح على الحاكم أو خلعه، إلا إذا اعتبرنا حَصْبَه عامل معاوية على الكوفة خروجًا مسلّحًا، كما قد تُوهم فتوى مقتله. بعبارة أخرى، في حين خالف حجر الطريقة المُثلى في نصح الحاكم – بحسب النظرة السنية التقليدية – فإنه لم يصل إلى مرحلة المنهي عنه فيها. تحدثنا فيما سبق عن حق الرعية في نُصح الحاكم، وننتقل الآن إلى حقوق الحاكم نفسه، وهي مرتبطة بمسؤولياته في النظرة السنية. حددت هذه النظرة إلى الحاكم مجموعة من المسؤوليات والالتزامات، وأعطته في الوقت ذاته متسعًا من الاجتهاد في سبيل تحقيقها. يُعَدّ الحاكم في النظرة السنية المسؤولَ الأول عن إدارة كافة مناحي الحياة في "الدولة" و"المجتمع" الإسلاميين98؛ وتشمل مسؤولياته حفظَ الأمن ودرءَ الفتن، حتى يأْمَن الناسُ على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم99؛ كما تشمل "استتباع الآراء وجمعها على رأيٍ صائب"، حيث يُعد اختلاف الآراء وتنازعها سببًا للفرقة بين المسلمين وتهديدًا لوحدتهم100. ونظرًا إلى عظم مسؤولية الحاكم، فقد أعطته النظرة السنية قدرًا كبيرًا من حقّ الاجتهاد، وهو حق لا تفصّله بالضرورة مصنّفات السياسة الشرعية؛ وليس ذلك بسبب عدم
أهميته، بل لأن ما يحدُّها يُعد من الاستثناءات101. ويصل الأمر عند بعض الفقهاء – كما رأينا في فتوى مقتل حجر – إلى اعتبار القتل ضمن سلطات الحاكم التقديرية، بحيث يُفترض أنه بالحق وللحق، ويقع على الشاكّ في ذلك عبء إثبات خلافه102. تزيد شرعية اجتهاد الحاكم – وبصرف النظر عن نتيجته – بالشورى، أي حين لا يستبد الحاكم بالأمر، لا سيّما فيما يتعلق بالأمور العِظام103. بيد أنّ هذه الشورى في النظرة ذاتها ليست مُلزمة للحاكم، لا في نفسها ولا في نتائجها، وهو موقف قد يُعد متسقًا مع مسؤوليات الحاكم الشاملة. رأينا، فيما وصلنا من أخبار عن مقتل حجر، استشارةَ معاوية بعض وجهاء القوم في الشام، واطلاعه على شهادة بعض أهل الكوفة على حجر وأصحابه104، بيد أننا نجد أيضًا اختلافًا في الآراء بين هؤلاء الوجهاء، بل إننا نجد مَيلً واضحًا وربما مفهومًا إلى نفي حجر أو حتى العفو عنه، وليس قتله. ولكنّ معاوية قرر قتل حجر، وهو ما استنكره كبار المسلمين. والواقع أنه من غير المتصوَّر ألا يدرك معاوية كيف يمكن متشيّعًا لعلي بن أبي طالب تحت حكمه أن يكون ضحية شهادة كاذبة أو مغرضة. ليس من المستغرب، إذًا، أن يسأل معاوية نفسه كوفيًا معروفًا بالعدالة والتقوى عن حجر بعد مقتله. مهما يكن من أمر، فعلى الرغم من أن استشارة معاوية الناس في أمر حجر لم تردعه، فإنها أعطت قدرًا مهمًا من المشروعية لقراره قتل حجر؛ وإذا كانت هذه المشروعية مؤقتة في نظره هو نفسه – وقد ندم على فعلته – فإنها أضحت مهمة لمن أرادوا لاحقًا أن يعذروا معاوية، الصحابي أمير المؤمنين. النقطة الأخيرة ذات الصلة بمسؤوليات معاوية وحقوقه بوصفه خليفة هي "ارتكاب أخف الضررَين"، وهي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بحق الحاكم في الاجتهاد. حاجّ كاتب فتوى مقتل حجر بأنّ قتله كان بهدف درء فتنة عن المسلمين، وقد ساق معاوية نفسُه الحجة ذاتها في بعض الأخبار؛ فحتى إن لم يكن قتل حجر لازمًا، فإنه منع فتنةً ربما أدّت إلى هلاك آلاف المسلمين. ويستند منطق الحِجاج هذا إلى قواعد فقهية استقرت لاحقًا في الفقه الإسلامي، وتم التعبير عنها بأكثر من صيغة، منها: "إذا تعارضت مفسدتان رُوعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما" – ويُعبر عن ذلك أحيانًا باختيار "أهون الشرَّيْن" – إضافة إلى قاعدة "الضرر يُزال"، و"الضرورات تبيح المحظورات"، و"يُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام"، و"الضرر الأشدّ يزال بالضرر الأخف"105. تمثل هذه القواعد ركنًا أساسيًا في النظرة السُنية إلى السياسة، وليس من قبيل المبالغة الزعم أنها "القاعدة الأصل" في تلك النظرة، حيث الحكم على تصرف الحاكم لا يكون على أساس موافقته لمبادئ دينية أو أخلاقية من عدمه، بل على أساس مآلاته، أي نتائجه وتبعاته؛ فإذا كان شرًا يمنع شرًا أكبر منه، فهو محمودٌ لذلك. قد نجد أبلغ تعبير عن هذه القاعدة في رأي منسوب إلى الفقيه الشهير مالك بن أنس (ت. 179 ه/ 795 م)، إذ يذكر أنَّ "للإمام أن يقتل ثلثَ الأمة في استصلاح ثلثيْها"106.
هكذا، يمكن أن يُعذر معاوية استنادًا إلى منطق "ارتكاب أخفّ الضررين"، ما يعني الاعتراف ضمنيًا إما بعدم مشروعية قتل حجر، أو عدم كفاية ما ورد إلينا من أخبار لإثبات تلك المشروعية. ولكن قد نلاحظ أخيرًا أن معاوية يبدو مستندًا إلى هذا المنطق من باب الاعتذار عن قتل حجر، بينما يذكر صاحب فتوى قتله ذلك بوصفه دالً على سداد رأي معاوية وحرصه على مصلحة الأمة، متخيًّا لدعم هذه القراءة بالإشارة إلى أشدّ التهم ضد حجر، ومتجاهلً في الوقت ذاته حقيقة أنّ من شهدوا عليه كانوا أعداء له، وأن تلك التهم لا يدعمها بصورة قاطعة أيُ خبرٍ ورد إلينا عن حجر، بل إنّ معاوية نفسه قد ندم على قتله حجرًا.
رابعًا: تناول فتن التاريخ الإسلامي الباكر
تبدأ فتوى مقتل حجر، كما رأينا، بذكر الاختلاف حول صحبته للرسول، وإن دلت الفتوى نفسها على مَيل كاتبها إلى اعتبار حجر تابعيًا وليس صحابيًا؛ بالنظر إلى الأسباب المذكورة آنفًا. كما رأينا الانتقال، بعد معاوية الصحابي، إلى معاوية أمير المؤمنين، وما ترتب عليه من حق الاجتهاد في صالح الأمة، وإن اقتضى ذلك قتل بعض أفرادها، حبَّذا لو التزم الشورى في اجتهاده. بيد أنّ الاختلاف حول صحبة حجر لا يمنع تلك الصحبة بصورة قطعية، ولا يصرف كون معاوية أمير المؤمنين – المسؤول عن وحدة الأمة وسلامتها بحسب اجتهاده – شبهة تعسفه وطغيانه في قتل حجر، لا سيما أنه قد ندم هو نفسه عليها، ولامه كبار المسلمين فيها. لا تكفي الأدوات السابقة، إذًا، لتبرئة معاوية تبرئةً قاطعة، فوجب الالتجاء إلى أداة أخيرة تسعى لوأد الشبهات حول الواقعة في مهدها. يرى ابن تيمية في معرض حديثه عن الصحابة، كما يظهر في "فتوى" مقتل حجر، أنّ موقف "أهل السنة والجماعة" هو تجنب الخوض فيما أشكل من سير الصحابة، إذ يقول: "ويُمْسكون عمّا شجر بين الصحابة، ويقولون إن هذه الآثار المروية في مساوئهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زِيد فيه ونقص وغُيّ عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون، إمّا مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون [...] ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم – إنْ صدر – حتى إنه يُغفر لهم من السيئات ما لا يُغفر لمنْ بعدهم، لأنّ لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمنْ بعدهم [...] ثم إذا كان قد صدر عن أحدهم ذنب، فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد (ص"). يقوم عرض ابن تيمية قضية عدالة الصحابة عند أهل السنة على فكرتيَن أساسيتيَن: أُولاهما أنّ الأخبار الواردة عنهم قد تكون غير صحيحة، وثانيتهما أنّ ما ثبت منها يجب أن يؤوّل لصالحهم. ربما اكتفى ابن تيمية وغيره من علماء السنة بالفكرة الأولى، أي الشكّ في تاريخانية بعض الأخبار المتعلقة بالصحابة والتي قد تستخدم في الإساءة إليهم، أو الشكّ في أنها تقدح في عدالتهم، لاستنادها إلى اجتهادٍ يؤجرون فيه على أيّ حال، أو لعِظَم ما تقدم من جليل أعمالهم. يعكس هذا الموقف نظرةً إرجائية، تقوم على الشكّ في حقيقة الأخبار الواردة عن الصحابة، أو الشك في دلالتها، وهو ما يمنع تلك الأخبار من القدح في عدالتهم وبراءتهم الأصلية. والواقع أن البراءة هي الأصل في الفقه الإسلامي بصفة عامّة، ولكنها تزيد في النظرة السنية إلى الصحابة تحديدًا، باستنادها إلى نصوص دينية مقدسة، من آيات قرآنية وأحاديث نبوية. بيد أنّ فتح باب الشك في الروايات التاريخية يحمل ثمنًا قد يفوق الفائدة المبتغاة منه في هذا السياق تحديدًا؛ فالواقع أنه إذا اختلف في بعض التفاصيل التي تتضمنها الأخبار المتعلقة بالفتن في زمن الصحابة، فلا يمكن الشك فيها جملةً من دون القدح في الطريقة نفسها التي انتقلت بها أكثر الأخبار عن صدر الإسلام. لا يعوّل ابن تيمية، إذًا، على تفصيل هذه الفكرة كثيرًا، ولا يسوق أمثلة محددة لأخبار شملها التحريف، بل إنه يرفض حتى القيام بذلك التدقيق في الروايات التاريخية، حين يصرّح بأن موقف أهل السنة هو "الإمساك" عن تناول ما وقع بين الصحابة، أي عدم الخوض فيه. يتناول ابن تيمية القضية مضطرًّا فقط؛ نظرًا إلى وجود الأخبار
التاريخية التي يمكن استخدامها في الإساءة للصحابة، كما استخدمتها بالفعل بعض الفرق الإسلامية. بيد أنه يبدأ عرض الموقف بالحث على الإمساك عما وقع، بل وصفه بأنه موقف أهل السنة والجماعة، بصرف النظر عن تحقق ذلك فعليًّا. وقد ظل هذا المنحى حيًّا، كما نرى في فتوى مقتل حجر.
خاتمة
حملت المصادر التاريخية الوسيطة بذور الخلاف حول حجر، فقد ذكرت مقتَله على يد الصحابي وأمير المؤمنين معاوية من جهة، والتزامه الديني ووقوفه مع الحق وإنكاره المنكر، وربما صحبته للرسول من جهة أخرى. يُوقع هذا الوضع المؤرخ الذي يتناول أحداث التاريخ بناء على عقائد معينة أو تصورات مسبقة في مأزق؛ ما يتطلب توظيف مجموعة مختلفة من أدوات القراءة الأيديولوجية لتقليل الضرر الناتج من تلك الأخبار. ما نراه في فتوى مقتل حجر، إذًا، هو مجموعة من أدوات تناول وقائع التاريخ؛ بحيث يصل المُحاجّ إلى نتيجة بعينها. تشمل هذه الأدوات الانتقاء من الأخبار التاريخية، أكان ذلك فيما يتعلق بصحبة حجر، أو ما اتُّهم به، ثم تنتقل إلى خلق تراتبية معيّنة من الأفضلية، يتم التركيز فيها على صحبة معاوية، ثم صفته أميرًا للمؤمنين، ثم الحثّ على الامتناع عن الخوض في أخبار تلك الوقائع، وذلك بعد الخوض فيها فعلً. من الأمور الجديرة بالملاحظة، في هذا السياق، الفرق الواضح بين تناول مؤرخي السنة في العصور الوسيطة واقعة مقتل حجر، وتناولها المعاصر، كما تمثّله "الفتوى" في بداية هذه الدراسة، بل كما يرد في البيان المنسوب إلى "جبهة النصُرة" الذي ذكر حجرًا بوصفه مبتدعًا وخارجًا عن الشريعة والسنة. نجد في المصنفات الوسيطة تعاطفًا واضحًا مع حجر، يرجّح صحبته، ويؤكد صلاحه وتقواه ودفاعه عن الحق، من دون أن يتطور ذلك إلى إدانة مَن أمر بقتله. يُعد هذا التناول أقل أيديولوجية من التناول المعاصر للواقعة، إلا أنّه يظل مثالً على تناقض قراءة التاريخ الأيديولوجية، إذ يُرجئ المؤرخ الحكم على الأحداث، فلا يدين حجرًا، أو الحسين، أو عبد الله بن الزبير (وقد كانا ربما على خلاف حجر متمردَين خارجيَن عن الطاعة بكل ما يقتضيه ذلك من قول وفعل)، ولا يدين في الوقت ذاته قتَلتَهم، وقد قبلوا بهم إما بوصفهم صحابة، وإما بوصفهم ولاة أمر شرعيين. أدى هذا التناقض إلى تطور مجموعة من الأفكار المرتبطة بالتاريخ والسياسة، القادرة على تبرير مواقف متناقضة من الأحداث نفسها، حيث تحمل أدوات التناول الأيديولوجي للتاريخ نفسها المبدأ ونقيضَه: فالشورى واجبة ولكنها ليست ملزمة للحاكم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حق للرعية وواجب عليها، لكنّهما قد يصلحان حجة للحاكم، بحسب اجتهاده، لقتْل الرعية والتنكيل بها، والواجب الإمساك عن تناول أحداث معينة، ولكن بعد إخضاعها للأدوات المختلفة لقراءة التاريخ الأيديولوجية. ما نراه في فتوى مقتل حجر هو نظرة أيديولوجية متأثرة بوضوح بأبعاد سياسية وأحداث معاصرة، يُصبح فيها للدفاع عن حجر – الشيعي، ولو كان صحابيًا – ثمنٌ باهظ على مجموعة متكاملة من التصورات والمعتقدات عن العقيدة والتاريخ والسياسة. لا مفر هنا من التضحية بحجر للحفاظ على تلك التصورات، عملً بالمبدأ نفسه "أخف الضررين"، وهو ما يتطلب شحذ كل عُدد القراءة الأيديولوجية للتاريخ كما رأينا.
المراجع
العربية
ابن الأثير، أبو الحسن علي. الكامل في التاريخ. بيروت: دار الكتب العلمية، 1987.
. أسد الغابة في معرفة الصحابة. بيروت: دار الكتب العلمية، 1996.
ابن الجوزي، عبد الرحمن. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. دراسة وتحقيق محمد عبد القادر عطا ومصطفى عبد القادر عطا. ط 2. بيروت: دار الكتب العلمية، 1995.
ابن الحجاج، مسلم. صحيح مسلم. الرياض: دار طيبة للنشر والتوزيع، 2005.
ابن الصلاح، أبو عمرو عثمان. مقدمة ابن الصلاح. القاهرة: دار المعارف، 1989.
ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم. العقيدة الواسطية. الظهران: الدار السنية، 1433 ه.
ابن سعد، محمد. كتابالطبقات الكبير. تحقيق علي محمد عمر. القاهرة: مكتبة الخانجي، 2001.
ابن عساكر، أبو القاسم علي. تاريخ مدينة دمشق. بيروت: دار الفكر، 1995.
ابن كثير، إسماعيل بن عمر. البداية والنهاية. بيروت: مكتبة المعارف، 1988.
ابن هشام، عبد الملك. السيرة النبوية. علق عليها وخرّج أحاديثها ووضع فهارسها الدكتور عمر عبد السلام تدمري. ط 3. بيروت دار الكتاب العربي، 1990.
أبو فرحة، جمال الحسيني. الخروج على الحاكمفي الفكر السياسي الإسلامي. القاهرة: مركز الحضارة العربية، 2004.
البخاري، محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري. دمشق/ بيروت: دار ابن كثير، 2002.
البصري، أبو عمرو خليفة بن خياط. تاريخ خليفة بن خياط. تحقيق أكرم ضياء العمري. الرياض: دار طيبة، 1985.
البلاذري، أحمد بن يحيى. أنساب الأشراف. تحقيق سهيل زكار ورياض الزركلي. بيروت: دار الفكر، 1996.
بيضون، لبيب. حُجْر بن عَديّ الكندي. قم: مطبعة مكتبة الإعلام الإسلامي، 2003.
الجويني، عبد الملك بن محمد. غياث الأمم في التياث الظلم. الإسكندرية: دار الدعوة، [د.ت.].
الحكيم، حسن عيسى وعلي دهش الكرعاوي. "حركة حُجْر بن عَديّ الكندي في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني". مجلة آداب الكوفة. مج 7. العدد 18 (2014).
الذهبي، شمس الدين. تاريخ الإسلامووفيات المشاهير والأعلام. تحقيق عمر عبد السلام تدمري. بيروت: دار الكتاب العربي، 1989.. سير أعلام النبلاء. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1996.
الزرقا، أحمد بن الشيخ محمد. شرح القواعد الفقهية. دمشق: دار القلم، 1989.
زهدي جار الله، المعتزلة. بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع، 1974.
العربي، 2000. الطبري، محمد بن جرير. تاريخ الرسل والملوك. القاهرة: دار المعارف، 1971. دار الكتب العلمية، 1995.. هدي الساري: مقدمة فتح الباري في شرح صحيح البخاري. الرياض: [د.ن].، 2001. الكوفي، أحمد بن أعثم. كتاب الفتوح. تحقيق علي شيري. بيروت: دار الأضواء، 1991. الماوردي، علي بن محمد. الأحكام السلطانية والولايات الدينية. الكويت: دار ابن قتيبة، 1989. محمد، هاشم. حجر بن عدي. قم: مطبعة أمير، 1994.
الأجنبية
الصفدي، صلاح الدين خليل بن أيبك. الوافي بالوفيات. تحقيق أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى. بيروت: دار إحياء التراث العسقلاني، أحمد بن حجر. الإصابة في تمييز الصحابة. دراسة وتحقيق وتعليق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوّض. بيروت:
• Osman, Amr. " Adālat al-Ṣaḥāba: The Construction of a Religious Dogma." Arabica: Journal of Arabic and
Islamic Studies. vol. 60. no. 3 - 4 (2013).
• Keshk, Khaled. "The Historiography of an Execution: The Killing of Ḥujr B. ʿAdī." Journal of Islamic Studies.
vol. 19. no. 1 (2008).
• Khalek, Nancy. "Medieval Biographical Literature and the Companions of Muḥammad." Der Islam. vol. 91. no. 2 (2014).