الجبن والديدان: عالَم طحّان من القرن السادس عشر مقدمة الطبعة الإيطالية
The Cheese and the Worms: The Cosmos of a Sixteenth Century Miller by Carlo Ginzburg
الملخّص
نشرنا في العدد السابق من أسطور مقالة كارلو غينسبورغ المعنونة "التاريخ الجزئي: شيئان أو ثلاثة أشياء أعرفها عنه". وننشر في هذا العدد مقدمة الطبعة الإيطالية من كتابه العمدة الجبن والديدان: عالَمُ طحّان من القرن السادس عشر الذي يُعَدّ واحدًا من أفضل أمثلة التاريخ الجزئي. يطرح غينسبورغ في هذه المقدمة مسألة كتابة تاريخ الطبقات الخاضعة وأفرادها، وما يواجهه المؤرخ من مشكلات لا تقتصر على ندرة الوثائق والأدلة، بل تتعداها إلى مشكلات نظرية ومنهجية مثل العلاقة بين ثقافة الطبقات السائدة والثقافة الشعبية، ومدى تحريف المصادر التي تصوّر هذه الأخيرة، ودرجة استقلال الثقافة الشعبية عن الثقافة السائدة وكيفية تبيّن هذا الاستقلال أو الأصالة، والفارق بين "العقلية الجمعية" و"الثقافة الشعبية"، والعلاقة بين الفردي والجمعي وبين البحوث الكمية والنوعية في هذا المجال.
Abstract
In our last issue we published Carlo Ginzburg’s article, “Microhistory: Two or Three Things I know about it,” and in this edition we publish, in Arabic translation, the foreword to the Italian edition of one of his masterpieces, The Cheese and the Worms: The Cosmos of a Sixteenth Century Miller, widely regarded one of the finest examples of microhistory. In his foreword, Ginzburg raises the issue of writing the history of subjugated classes and individuals, and the challenges confronting the historian. Beyond the paucity of documentary sources and evidence, these include theoretical and methodological problems, such as the relationship between the culture of the dominant classes and popular culture; the extent to which sources that depict popular culture are distorted; the degree to which popular culture is independent of dominant culture, and how this independence or authenticity is manifest; the difference between “the collective mentality” and “popular culture”, and the relationship between the individual and the collective; and finally the differences between quantitative and qualitative scholarship in this field.
- ثقافة الطبقات السائدة
- الثقافة الشعبية
- العقلية الجمعية
- الفرد
- التوثيق
| كارلو غينسبورغ | Ginzburg Carlo *Translated by: Thaer Deeb |ترجمة: ثائر ديب | |
|---|---|
| Translated by: Thaer Deeb | ترجمة: ثائر ديب | |
يمكن اتّهام المؤرخين القدماء بأنهم لم يلتفتوا إلى ما يتعدى "أعمال الملوك العظيمة"، لكن هذا لم يعد صحيحًا البتة هذه الأيام؛ ذلك أن المؤرخين اليوم يبدون اهتمامًا متزايدًا بما سكت عنه أسلافهم أو أهملوه أو تجاهلوه. وقد سبق لعاملٍ متعلّم في قصيدةٍ لبرتولت بريشت أن تساءل: "مَن بنى طيبة ذات البوابات السبع؟"1. لا تخبرنا المصادر بأيّ شيء عن أولئك البنّائين المجهولين، لكن السؤال يظل محتفظًا بكامل أهميته.
لا شك في أن ندرة الأدلة المتعلقة بسلوك الطبقات الخاضعة في الماضي ومواقفها هي العقبة الرئيسة، وإن لم تكن الوحيدة التي تعترض هذا النمط من البحث، لكن هنالك استثناءات. فهذا الكتاب يروي قصة طحّان من منطقة الفريولي، هو دومينيكو سكانديلّ الذي يُدعى مينوكيو، أُحرق على الخازوق بأمر من الديوان المقدّس2 بعد حياةٍ كاد فيها أن يكون خامل الذكر تمامًا. وتوفّر سجلات محاكمتَيه اللتين تفصل بينهما خمس عشرة سنة، صورةً غنية لأفكاره ومشاعره وتصوراته وتطلعاته. وتقدّم لنا وثائق أخرى معلومات عن نشاطاته الاقتصادية وحياة أطفاله. بل إن لدينا صفحات مكتوبة بخط يده وقائمة غير مكتملة بما قرأه (إذ كان قادرًا على القراءة والكتابة، في الحقيقة). وعلى الرغم من رغبتنا في معرفة المزيد عن مينوكيو، فإن ما نعرفه يتيح لنا أن نعيد بناء شذرة مما يسمّى في العادة "ثقافة الطبقات الدنيا" أو حتى "الثقافة الشعبية".
يُعَدّ وجود مستويات ثقافية مختلفة ضمن ما يُدعى بالمجتمعات المتحضرة أساس ذلك الفرع الذي يسمّى بأسماء شتّى مثل الفولكلور، والأنثروبولوجيا الاجتماعية، وتاريخ التراثات الشعبية، والإثنولوجيا الأوروبية. أما استخدام مصطلح "الثقافة" في الإشارة إلى ذلك المركّب من المواقف والمعتقدات وسنن السلوك... إلخ، لدى الطبقات الخاضعة في فترة تاريخية معينة فهو أمر حديث العهد نسبيًا ومستعار من الأنثروبولوجيا الثقافية. فنحن لم ندرك أن لأولئك الذين سبق أن وُصفوا وصفًا أبويًّا بأنهم "سواد الناس في المجتمع المتحضر" ثقافةً خاصة بهم إلا من خلال مفهوم "الثقافة البدائية". وبهذه الطريقة اجتمع فساد ضمير الاستعمار إلى فساد ضمير الاضطهاد الطبقي؛ لنمضي الآن، ولو لفظيًا فحسب، لا أبعد من مفهوم الفولكلور القديم بوصفه جمعًا للوقائع اللافتة فحسب، بل أبعد أيضًا من الموقف الذي لم يرَ في أفكار الطبقات الدنيا ومعتقداتها ونظراتها إلى العالم سوى كتلة مهلهلة ومتشظية من النظريات التي صنعتها الطبقات السائدة في الأصل ربما قبل عدة قرون. وعند هذا الحد، بدأ حوار معنيّ بالعلاقة بين ثقافة الطبقات الخاضعة وثقافة
الطبقات السائدة. والسؤال هو إلى أيّ درجة تخضع الأولى، فعليًا، للثانية؟ وإلى أيّ مدى تعبّ ثقافة الطبقة الدنيا عن محتوى مستقل جزئيًا؟ وهل يمكن الكلام عن حركة متبادلة بين مستويَي الثقافة هذين؟ لم يقارب المؤرخون مثل هذه الأسئلة إلا مؤخرًا وبشيء من الاستحياء. ولا شك في أن هذا يرجع في جزء منه إلى رسوخٍ واسع النطاق لتصورٍ أرستقراطي عن الثقافة. فكثيرًا ما نُظِرَ إلى الأفكار أو المعتقدات الأصيلة على أنها نتاج الطبقات العليا بالتعريف، وعلى أن انتشارها بين الطبقات الخاضعة أمر آليّ قليل الشأن أو لا شأن له. وما لوحظ، في أفضل الأحوال، هو "فساد" تلك الأفكار أو المعتقدات و"تحريفها" في سياق انتقالها. لكنْ، لاستحياء المؤرخين سبب آخر، مفهوم أكثر، وذو طبيعة منهجية أكثر منها أيديولوجية. فمن الواضح أن المؤرخين، بخلاف الأنثروبولوجيين ودارسي التراثات الشعبية، يبدؤون من وضع غير مؤاتٍ إلى أبعد الحدود. فثقافة الطبقة الخاضعة لا تزال شفهية إلى حد بعيد حتى اليوم، وكانت كذلك في القرون الماضية بقدر أكبر. ولأنه لا يسع المؤرخين التحدث مع فلاحي القرن السادس عشر - وليس ثمة ضمانة أنهم سيفهمونهم، على أيّ حال - فلا بد لهم من أن يعتمدوا اعتمادًا يكاد يكون كاملً على المصادر المكتوبة (وربما على الأدلة الأثرية). وهذه مصادر غير مباشرة على نحوٍ مضاعف، أولً لأنها مكتوبة، وثانيًا لأن من كتبوها هم في العادة أفراد على صلة صريحة إلى هذا الحد أو ذاك بالثقافة السائدة. وهذا يعني أن أفكار فلاحي الماضي وحرفييه ومعتقداتهم وتطلعاتهم تصلنا على نحو يكاد يكون دائمًا (إذا وصلتنا، ومتى وصلتنا) من خلال وجهات نظر وتوسّطات تعمل على تحريفها. وهذا يكفي في أول البدء لتثبيط محاولة القيام بمثل هذا البحث. لكن حدود المشكلة تتبدّل جذريًا حين نقترح دراسة، لا "الثقافة التي تنتجها الطبقات الشعبية"، بل "الثقافة المفروضة على الطبقات الشعبية". وهذا ما حاول روبير ماندرو أن يقوم به منذ أكثر من عقد من الزمان على أساس مصادر لم يكن قد أُفيد منها إلا على نحوٍ طفيف حتى ذلك الحين: الأدبياتالتي تُوزَّع بالتجوال3، تلك الكتيبات رخيصة الثمن، فجّة الطباعة (تقاويم، أغان، وصفات، حكايات معجزات أو سِيَ قديسين) التي كان يبيعها باعة متجولون في الأسواق أو في الريف. وكان لجردةٍ للمواضيع الرئيسة المتكررة في تلك الأدبيات أن تفضي بماندرو إلى صوغ استنتاج متسرّع بعض الشيء؛ إذ وصف هذه الأدبيات ب "الهروبية"، موحيًا بأنها كانت قد غذّت على مدى قرون رؤيةً للعالم مترعةً بالقدَرية والحتمية، وبما هو معجز وباطني، ما حال بين من تأثّروا بها وبين إدراك ظروفهم الاجتماعية والسياسية، وأدّى دورًا رجعيًا، ربما كان مقصودًا. لم يقتصر ماندرو على اعتبار التقاويم والأغاني وثائق أدبٍ موجَّهٍإلى الجماهير عن سابق قصد وتصميم. فهو يعرّفها، في نقلةٍ متسرعة وغير مبررة، بأنها أدواتُ عمليةِ مثاقفة ظافرة، "انعكاسٌ [...] لرؤية العالم" التي لدى الطبقات الشعبية في النظام القديم4، لينسب إلى هذه الأخيرة ضمنيًا ضربًا من السلبية الثقافية الكاملة، ويمنح الأدبيات التي كانت تُوزّع بالتجوال أثرًا أكبر بكثير مما كان لها في الحقيقة. فلا شك في أن الفلاحين القادرين على القراءة، في مجتمعٍ ثلاثة أرباعه من الأميين، كانوا أقليةً بالغة الصغر. وحتى لو كانت أعداد هذه المطبوعات مرتفعة للغاية وكان كل واحدٍ من تلك الكتيبات قد قُرئ جهارًا، على نحو يوصله إلى شرائح كبيرة من السكان الأميين، يبقى من السخف أن نساوي بين "الثقافة التي أنتجتها الطبقات الشعبية" و"الثقافة المفروضة على الجماهير"، وأن نقتصر
في تحديد ملامح الثقافة الشعبية على الحِكَم السائرة، والوصايا، وخرافات المكتبة الزرقاء5. وبذلك لم تعمل الطريق المختصرة التي اتخذها ماندرو كي يتحايل على مصاعب إعادة بناء الثقافة الشفوية إلا على إعادتنا إلى نقطة البداية في حقيقة الأمر. ثمة طريق مختصرة مماثلة (لكنها تنطلق من مجموعة من الافتراضات المسبقة المختلفة أشد الاختلاف) سلكتها جِنفييف بوهيم بغرارة واضحة. فهذه الباحثة لم تجد في الأدبيات التي كانت تُوزَّع بالتجوال ما وجده ماندرو من أداةٍ لمثاقفةٍ ظافرة (بعيدة الاحتمال)، بل رأت فيها التعبير العفوي (الأبعد احتمالً في الحقيقة) عن ثقافة شعبية أصيلة ومستقلة مترعة بالقيم الدينية. وفي هذا الدين الشعبي القائم على إنسانية المسيح وفقره، كان يُنظَر إلى الطبيعي وما فوق الطبيعي، وإلى خوف الموت ودافع الحياة، وإلى تحمّل الظلم والتمرد على الاضطهاد، على أنها متلاحمة بانسجام. وبهذه الطريقة، نُحِلّ "أدبًا شعبيًا" محلّ "أدبٍ موجَّهٍإلى الشعب" ونبقى، من دون أن ندرك، في عالم ثقافةٍ أنتجتها الطبقات السائدة. صحيحٌ أن بوهيم تشير عرَضًا إلى وجود فجوة بين أدب الكراسات والطريقة التي كانت الطبقات الشعبية تقرؤه بها في جميع الأحوال. ولكن حتى هذه الفكرة القيّمة تبقى عقيمة إذ تفضي إلى افتراض "إبداع شعبي"، الأمر الذي لا يمكن تعريفه ويبدو بعيد المنال، كونه جزءًا من تراث شفهي متلاشٍ.
تختلف صورة الثقافة الشعبية المنمَّطة والمحلّة التي تنجم عن هذا البحث أشدّ الاختلاف عن تلك التي يرسم معالمها ميخائيل باختين في كتاب حيوي وأساسي يتناول علاقات رابليه بالثقافة الشعبية في عصره6. ثمة إشارة هنا إلى أن غارغانتوا أو بانتاغروئيل، عملَ رابليه اللذين يُشَكّ في أن يكون أيّ فلاح قد قرأهما، يعلّماننا عن ثقافة الفلاحين أكثر مما يعلّمنا تقويم الرعاة7 الذي لا بد من أنه كان يُوزَّع على نطاق واسع في الريف الفرنسي. ومركز الثقافة التي يصورها باختين هو الكرنفال: الأساطير والشعائر التي يلتقي فيها الاحتفال بالخصوبة والوفرة مع قَلبٍ ماجن لجميع القيم والأنظمة المعمول بها وإحساس كوني بمرور الزمن المدمِّر والمُحيي. وبحسب باختين، فإن رؤية العالم هذه التي تطورت من خلال الثقافة الشعبية على مدى قرون، كانت في تناقض ملحوظ مع دوغمائية ثقافة الطبقات المسيطرة ونزوعها المحافظ، لا سيما في العصور الوسطى. وحين نأخذ هذا التناقض في الاعتبار، تغدو أعمال رابليه مفهومة، فخاصيتها الهزلية مرتبطة مباشرة بمواضيع الثقافة الشعبية الكرنفالية: الانقسام الثقافي، والتأثير المتبادل بين ثقافتَي الطبقات الخاضعة والطبقات السائدة، ذلك التأثير الذي كان شديدًا في النصف الأول من القرن السادس عشر على نحو خاص. تبقى هذه فرضيات نوعًا ما، وليست موثَّقة جميعًا بالقدر ذاته. لكن الإخفاق الرئيس في كتاب باختين البديع ربما يكون في موضعٍ آخر. فأبطال الثقافة الشعبية الذين حاول أن يصفهم، الفلاحون والحرفيون، لا يكادون يتحدثون إلينا إلا من خلال كلام رابليه. وثروة
الإمكانات البحثية التي يشير إليها باختين هي ذاتها التي تجعلنا نرغب في دراسة مباشرة لمجتمع الطبقة الدنيا من دون توسطات. لكن أسبابًا سبق ذكرها تجعل إيجاد طريقة مباشرة للمقاربة أمرًا بالغ الصعوبة في مجال البحث هذا.
لا شك في أننا لا نحتاج إلى أن نبالغ حين نتحدث عن ضروب التحريف. لكن افتقار مصدر من المصادر إلى "الموضوعية" – علمًا أن أيًّا منها ليس جردًا أو تعدادًا فحسب - لا يعني أنه غير ذي نفع. إذ يمكن أن يقدّم تاريخ معادٍ شهادة ثمينة عن جماعة فلاحية متمردة. وتحليل إيمانويل لوروا لادوري ل "كرنفال رومونس"8 بارز بهذا المعنى. وعلى العموم، ومقارنةً بانعدام اليقين المنهجي والنتائج البائسة لأغلب الدراسات المكرّسة صراحةً لتعريف الثقافة الشعبية في أوروبا ما قبل الصناعية، فإن عمل ناتالي زيمون ديفيس وإدوارد ب. طومسون على "الشاريفاري"9، بما يلقيه من ضوء على جوانب معينة من تلك الثقافة، هو عمل رفيع المستوى على نحو استثنائي. باختصار، تمكن الإفادة حتى من أوهى الوثائق وأشدّها تبعثرًا وغموضًا. لكن الخوف من الوقوع في نزعة وضعية سيئة الصيت وساذجة، متضافرًا مع الوعي الساخط بالتحريف الأيديولوجي الذي قد يكمن وراء عملية الإدراك الأكثر عاديةً وبراءة في الظاهر، يدفع عديدًا من المؤرخين اليوم إلى اطّراح الثقافة الشعبية مع المصادر التي تقدّم عنها صورة محرّفة إلى هذا الحد أو ذاك. وبعد انتقاد الدراسات المذكورة أعلاه التي تتناول الأدبيات التي كانت تُوزّع بالتجوال (انتقادًا مبررًا وله أسبابه)، راح عدد من الباحثين يسألون أنفسهم "ما إذا كان للثقافة الشعبية أيّ وجود خارج الفعل الذي يقمعها". وهذا سؤال بليغ، والجواب هو بالنفي القاطع. وهذا النوع من الشكّية يبدو متناقضًا لأول وهلة، إذ تقف وراءه دراسات ميشيل فوكو، الباحث الذي عمل، في كتابه تاريخ الجنون، على جذب الانتباه، بكل قوة، إلى الإقصاءات والمحظورات والحدود التي ظهرت ثقافتنا من خلالها تاريخيًا. لكن نظرةً ثانية كفيلة بتبيان أن هذا التناقض ليس تناقضًا إلا في الظاهر. فما يهمّ فوكو في المقام الأول هو فعل الإقصاء ومعاييره، أما المُقصَون فيهمونه أقل من ذلك. وكان الموقف الذي قاده إلى كتابة عملَيه الكلمات والأشياء وحفريات المعرفة متضمَّنًا جزئيًا على الأقل في عمله تاريخ الجنون، وربما حفزت ذلك الموقف اعتراضات جاك ديريدا السطحية والعدمية على تاريخ الجنون. يرى ديريدا أن من غير الممكن الكلام على الجنون بلغة قامت تاريخيًا على العقل الغربي، وتاليًا على السيرورة التي أدت إلى قمع الجنون ذاته. وهو يشير، في الأساس، إلى أن النقطة الأرخميدية التي انطلق منها فوكو في بحثه ليست موجودة ولا يمكن أن توجد. وعند هذا الحد يتحوّل مشروع فوكو الطموح الرامي إلى إقامة حفريات الصمتإلى صمت صرف وساذج، ربما يصاحبه تأمّل أبكم من نوع جمالي. يمكن العثور على أدلة على هذا النكوص في عمل صدر مؤخرًا يحتوي مقالاتٍ كتبها فوكو وبعض مساعديه إضافةً إلى وثائق متنوعة تتعلق بقضية فلاح شاب في أوائل القرن التاسع عشر قَتل أمّه وأخته وأخاه. ويقوم التحليل بصورة أساسية على تفاعل لغتين من لغات الإقصاء، هما لغتا القضاء والطب النفسي، تميلان إلى إلغاء واحدتهما الأخرى؛ إذ يُنزَل شخص القاتل، بيير ريفيير، إلى مرتبة ثانوية من الأهمية، وذلك على وجه التحديد في الوقت الذي تُنشر فيه أخيرًا الشهادة التي كان قد كتبها بناءً على طلب قضاته كي يشرح كيف توصّل إلى ارتكاب جريمة القتل الثلاثية. وثمة استبعاد خاص لإمكان تفسير هذا النص، إذ يُرى أنه من المستحيل فعل ذلك من دون تحريف أو من دون إخضاع لنظام خارجي من التفكير. وردود الفعل المشروعة الوحيدة التي تبقى هي "الذهول" و"الصمت".
ما ينبثق من هذا المسار البحثي هو ضرب من اللاعقلانية ذو طابع جمالي. فالعلاقة المبهمة والمتناقضة لبيير ريفيير بالثقافة السائدة لا تكاد تُذكَر: ثمة تجاهل لقراءاته (التقاويم، الكتب الدينية، إنما أيضًا وصية جان ميلييه10) بكل بساطة. وبدلً من ذلك، يوصف، وهو يهيم في الغابة بعد الجريمة، بأنه "رجل بلا ثقافة [...] حيوان بلا غريزة [...] كائن أسطوري، وحش لا يمكن تعريفه لأنه خارج أيّ نظام يمكن التعرّف إليه". والحال، إن هذه الخارجية المطلقة الناجمة عن رفض التحليل والتأويل تصيبنا بالذهول. والخطاب الوحيد الذي يمثّل بديلً جذريًا من أكاذيب المجتمع القائم إنما يتمثّل في ضحايا الإقصاء الاجتماعي هؤلاء، وهو خطاب يتغافل عن الجريمة وعن أكل اللحم البشري ويتجسد على نحوٍ لا مبالٍ إما في مذكرات كتبها ريفيير أو في قتله والدته. وهذه شعبوية معكوسة الرموز. شعبوية "سوداء"، لكنها شعبوية كغيرها من الشعبويات.
لا حاجة إلى مزيد من القول في تبيان الخلط الذي يعانيه مفهوم "الثقافة الشعبية". ثمة، أولً، تكيّف سلبي مع النتاجات الثقافية الثانوية التي تقدمها الطبقات السائدة يُنسَب إلى الطبقات الخاضعة في المجتمع ما قبل الصناعي (ماندرو)، وثمة بعد ذلك اقتراح ضمني لقيم مستقلة جزئيًا على الأقل حيال ثقافة الطبقات السائدة (بوهيم)، وثمة، أخيرًا، خارجية مطلقة تضع الطبقة الخاضعة أبعد من الثقافة أو في حالة سابقة على الثقافة، بتعبيرٍ أدق (فوكو). ومن المؤكد أن فرضية باختين في التأثير المتبادل بين الطبقات الدنيا والثقافات السائدة أكثر فائدة بكثير، لكن تحديد طرائق هذا التأثير ومراحله (الأمر الذي شرع فيه جاك لوغوف وحقق نتائج ممتازة) يعني التصدي للمشكلة الناجمة عن التوثيق، وهي في حالة الثقافة الشعبية مشكلة غير مباشرة على نحو يكاد يكون دائمًا. والسؤال هو إلى أيّ مدى تُعتبر عناصر الثقافة السائدة التي يمكن أن نجدها في الثقافة الشعبية نتيجة مثاقفة متعمَّدة إلى هذا الحد أو ذاك، أو نتيجة تقارب عفوي إلى هذا الحد أو ذاك، وليست نتيجة تحريف للمصدر لا واعٍ، ينزع بوضوح إلى سَوق ما هو مجهول رجوعًا إلى ما هو معلوم ومألوف؟ واجهتُ مشكلةً مماثلة منذ سنوات في خضمّ بحثٍ عن محاكمات السحر في أواخر القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر. أردت أن أفهم ما عناه السحر حقًا لأبطاله السحرة والمشعوذين. لكن التوثيق المتاح (المحاكمات، والرسائل في علم الشياطين على وجه الخصوص) لم يكن سوى حجر عثرة حال تمامًا دون الفهم الحق للسحر الشعبي. وأنّ يمّمت وجهي اصطدمتُ بمفاهيم تستقصي السحر مستمدة من مصادر ذات أصل مثقّف وخبير. ولم يفتح كوّة في ذلك الجدار إلا اكتشاف تيار من المعتقدات المهملة سابقًا والمتصلة بالبيناندانتي11. وهنا راحت تبزغ شريحة عميقة الجذور من المعتقدات الشعبية المستقلة في الأساس عن طريق ضروب التباين بين أسئلة القضاة وردود المتهمين، وهي ضروب من التباين لا يمكن أن تُنسب إلى الاستجواب الموحي ولا إلى التعذيب.
تمثّل اعترافات مينوكيو، الطحّان الفريولي الذي هو بطل هذا الكتاب، حالة مماثلة من بعض النواحي لحالة البيناندانتي. فهنا أيضًا ثمة حقيقة مفادها أن كثيرًا من أقوال مينوكيو لا يمكن اختزالها في مواضيع مألوفة تتيح لنا أن ندرك مستوى من المعتقدات الشعبية، ومن الأساطير الفلاحية الغامضة، لم تسبق الإفادة منه. لكن ما يجعل حالة مينوكيو أكثر تعقيدًا بكثير هو حقيقة أن هذه العناصر الشعبية الغامضة تُطعَّم بمركّب من الأفكار واضح ومنطقي إلى أبعد حد، يمتد من الجذرية الدينية، إلى الطبيعية التي تنزع إلى ما هو علمي، إلى طموحات الإصلاح الاجتماعي الطوباوية. والحال، إن التقارب المذهل بين أفكار طحّان مجهول من الفريولي وتلك الجماعات الفكرية الأرقى والأكثر معرفة في أيامه يطرح بقوة سؤال الانتشار الثقافي الذي صاغه باختين.
قبل أن نتفحص مدى العون الذي تقدّمه لنا اعترافات مينوكيو في فهم هذه المشكلة، من المناسب أن نتساءل عن الصلة التي يمكن أن تربط أفكار فرد واحد ومعتقداته بمستواه الاجتماعي. وفي وقت شرعت فرق من الباحثين في مشاريع واسعة في التاريخ الكمّي للأفكار أو في التاريخ الديني المتسلسل، قد يبدو إجراء استقصاء ضيق حول طحّان مفرد أمرًا متناقضًا أو سخيفًا، وعودة فعلية إلى الحياكة اليدوية في عصر المغازل الآلية. ومن المهم الإشارة إلى أن احتمال قيام بحث من هذا النوع كان قد استبعده مسبقًا أولئك الذين أشاروا، مثل فرانسوا فوريه، إلى أن إعادة دمج الطبقات الخاضعة في تاريخٍ عام لا يمكن أن تتم إلا من خلال "الأعداد والغفلية"، عن طريق الديموغرافيا وعلم الاجتماع، ب "الدراسة الكمية للمجتمعات السابقة". وعلى الرغم من أن المؤرخين كفّوا عن تجاهل الطبقات الدنيا، فإن هذه الأخيرة تبدو كأنها قد حُكِمَ عليها بأن تبقى "صامتة". لكنه يبقى من السخف أن نتجاهل المصادر إن كانت توفّر لنا فرصة لا أن نعيد بناء الجماهير غير المتمايزة فحسب، بل الشخصيات الفردية أيضًا؛ ذلك أن توسيع مفهوم "الفرد"، ذلك المفهوم التاريخي، في اتجاه الطبقات الدنيا هو هدف جدير بالعناء. ولا شك في أن ثمة خطر الاستسلام للحكايات والنوادر، وللتاريخ الحَدثَي سيئ الصيت - الذي ليس تاريخًا سياسيًا فحسب، ولا بالضرورة - لكن ذلك ليس بالخطر الحتمي. وكان عدد من الدراسات السِّيَية قد بيّ أنه يبقى من الممكن أن نتتبّع، لدى فرد متواضع يفتقر هو نفسه إلى الأهمية ويتصف لهذا السبب ذاته بالصفة التمثيلية، خصائص شريحة اجتماعية كاملة في فترة تاريخية محددة، سواء كانت النبالة النمساوية أو الفئة الدنيا من رجال الدين في إنكلترا القرن السابع عشر، كما لو أن هذا الفرد نوع من العالم المُصغَّر. هل هذا هو الحال، إذًا، مع مينوكيو؟ لا، ليس الأمر كذلك البتة. إذ لا يمكن اعتباره فلاحًا "نمطيًا" (فلاحًا "معتادًا"، أو "من الأغلبية الإحصائية") في زمنه: هذا ما توضحه عزلته النسبية في البلدة. ومينوكيو، في نظر زملائه، إنسان يختلف بعض الشيء عن الآخرين. لكن هذا التميّز كانت له حدوده المحددة تمامًا. فكما هو الحال مع اللغة، توفّر الثقافة للفرد أفقًا من الممكنات الكامنة؛ كما لو كانت قفصًا مرنًا وغير مرئي يستطيع فيه هذا الفرد ممارسة حريته المشروطة. وقد أفصح مينوكيو عن اللغة التي وضعها التاريخ تحت تصرفه بوضوح وفهم نادرَين. وهذا ما يمكّننا من أن نتتبّع في اعترافاته ذات الشكل المميَّز تمامًا الذي يكاد يقوم على المبالغة، سلسلةً من العناصر المتقاربة التي تبدو أنها تغيب عن مجموعة مماثلة من المصادر المعاصرة أو التي جاءت بعد ذلك بقليل أو لا تكاد تُذكَر فيها. والاستطلاعات التي تثبت وجود خصال يمكن ردّها إلى ثقافة فلاحية مشتركة هي بضعة استطلاعات فحسب. وفي النهاية، فإنه يمكن حتى لحالة محدودة (وحالة مينوكيو هي من هذا النوع بلا شك) أن تكون حالة تمثيلية: بالمعنى السلبي، إذ تساعد على تفسير ما يجب أن يُفهم، في وضع معين، على أنه "من الأغلبية الإحصائية"؛ أو بالمعنى الإيجابي، إذ تتيح لنا أن نحدد الإمكانات التي ينطوي عليها شيء ما (كالثقافة الشعبية) والتي ما كنا لنعرفها لولا ذلك إلا من خلال وثائق مجزّأة ومشوّهة، تكاد تعود كلها في الأصل إلى "أراشيف القمع". لست أرمي من وراء هذا إلى إصدار حكم في شأن البحث النوعي مقابل البحث الكمي؛ وما يجب تأكيده، بكل بساطة، هو أن دقة الثاني، بقدر ما يتعلق الأمر بتاريخ الطبقات الخاضعة، لا يمكن أن تفعل فعلها (أو الأدق، لم تستطع أن تفعل فعلها إلى الآن) من دون انطباعية الأول سيئة الصيت. وملاحظة إ. ب. طومسون المعبّة بخصوص "الانطباعية الفادحة المتكررة لحاسوب يكرر ما ضُبِطَ عليه
حتى الإملال، في حين يلغي جميع الأدلة التي لم يبُرمَج عليها" هي ملاحظة تصحّ حرفيًا، بمعنى أن الحاسوب ينفذ، لكنه لا يفكر. ومن جهة أخرى، فإنه لا يمكن لغير سلسلة من الاستقصاءات النوعية المعمّقة أن تسمح بتطوير برنامج دقيق يمكن أن يُطَبّق في الحاسوب. دعونا نأخذ مثالً ملموسًا. أُجرِيَت في السنوات الأخيرة دراسات كمية عديدة بخصوص إنتاج الكتب الفرنسية في القرن الثامن عشر ونشرها. وكان هذا البحث قد نشأ من الرغبة المشروعة في توسيع الإطار التقليدي لتاريخ الأفكار من خلال إحصاء مجموعة ضخمة من العناوين (نحو خمسة وأربعين ألفًا) سبق أن تجاهلها الباحثون ذلك التجاهل المتكرر. وقيل إننا بهذه الطريقة فحسب يمكن أن نزن تواتر العنصر الخامل والسكونيّ في حرفة الكتب، وندرك في الوقت ذاته أهمية حدوث خرق تجترحه الأعمال الإبداعية حقًا. لكن باحثًا إيطاليًا، هو فوريو دياز، اعترض على ذلك بأن هذه المقاربة، من جهة أولى، لا تكاد تُفلح البتة على الرغم من جهدها إلا باكتشاف ما هو واضح؛ وبأنها، من جهة ثانية، تخاطر بالمكوث عند ما هو مضلِّل تاريخيًا، وضربَ على ذلك مثالً أن فلاحي أواخر القرن الثامن عشر الفرنسيين لم يهاجموا قلاع النبلاء لأنهم قرؤوا الملاك الهادي12، بل فعلوا ذلك لأن "الأفكار الجديدة التي كانت متضمَّنة إلى هذا الحد أو ذاك في التقارير الواردة من باريس" كانت تتوافق مع "المصالح و[...] العداوات القديمة". ومن الواضح أن هذا الاعتراض الثاني (الاعتراض الآخر قائم على أساس أمتن) ينكر حتى وجود ثقافة شعبية علاوة على إنكاره فائدة البحث في أفكار الطبقات الخاضعة ومعتقداتها، معززًا بذلك تاريخ الأفكار القديم من النوع التراتبي الحصري. والحال، إن النقد الذي يجب توجيهه إلى تاريخ الأفكار الكمي يختلف عن هذا تمام الاختلاف: فهو لا ينتقد تاريخ الأفكار الكمي لأنه يميل إلى التراتبية قليلً، بل لأنه يميل إليها كثيرًا. وهو ينطلق من المنطلق الذي مفاده أن العناوين ذاتها، لا النصوص فحسب، توفّر معطيات واضحة لا لبس فيها. وفي المقابل، فإن احتمال أن تكون هذه هي الحال يقل بانخفاض مستوى القرّاء الاجتماعي. والتقاويم والأغاني والكتب الدينية وسِيَ حياة القديسين وكامل أدب الكراسات التي شكّلت الجزء الأكبر من حرفة الكتب، تظهر اليوم سكونية، خاملة، وثابتة لا تتغير بالنسبة إلينا. لكن السؤال هو كيف قرأها الجمهور في أيامها؟ وإلى أيّ مدى تدخّلت ثقافة هؤلاء القرّاء الشفهية الغالبة في استخدام النص أو تعديله أو إعادة تفعيله، ربما إلى درجة تغيير جوهره ذاته؟ توفّر لنا روايات مينوكيو عن قراءاته مثالً لافتًا على علاقة بالنص مختلفة تمامًا عن علاقة القارئ المتعلم اليوم. وتتيح لنا هذه الروايات أن نقيس، أخيرًا، ذلك البون الذي أشارت إليه بوهيم بحقّ بين نصوص الأدب "الشعبي" والضوء الذي ظهرت فيه للفلاحين والحرفيين. ويبدو هذا البون، في حالة مينوكيو، واسعًا للغاية وربما غير شائع. لكن هذه الخصوصية على وجه التحديد هي، مرة أخرى، ما يوفّر المؤشرات القيّمة للأبحاث القادمة. وبقدر ما يتعلق الأمر بتاريخ الأفكار الكمي، وحدها معرفة ما يمكن أن يعتري شخص القارئ من تغيّ تاريخي واجتماعي هي التي سوف تضع الأسس الفعلية لتاريخِ أفكارٍ مختلفٍ نوعيًا أيضًا.
تشير الفجوة بين النصوص التي قرأها مينوكيو والطريقة التي فهمها بها وأبلغها للمحققين إلى أنه لا يمكن رد أفكاره إلى أيّ كتاب بعينه أو تتبّعها إليه. فهي من جهة أولى مستمدة من تراث شفهي قديم في الظاهر. وهي من جهة أخرى تستدعي سلسلة من الأفكار الرئيسة التي أثارتها مجموعات هرطوقية ذات ثقافة إنسانوية: مثل التسامح واختزال الدين العامد إلى الأخلاق، وما إلى ذلك. لكن هذا ليس سوى انقسام ظاهري فحسب، وهو يعكس في الواقع ثقافة موحدة تستحيل فيها إقامة تمييزات واضحة. وحتى لو كان مينوكيو على صلة غير مباشرة إلى هذا الحد أو ذاك بالدوائر المتعلمة، فإن أقواله الداعية إلى التسامح الديني ورغبته في تجديد المجتمع تجديدًا جذريًا تتسم بطابع أصيل ولا تبدو نتاج تأثيرات خارجية تلقّاها ذلك التلقّي السلبي. بل إن أقواله وتطلعاته تضرب بجذورها في طبقة غامضة لا يُسبر غورها من التراثات الفلاحية النائية. يمكن أن نتساءل هنا إن لم يكن ما يبرز من كلام مينوكيو هو نوع من "العقلية" وليس من "الثقافة". وبخلاف ما تشير إليه المظاهر، فإن هذا التمييز ليس بالعقيم. فما وسمَ دراسات تاريخ العقليات هو إصرارها على العناصر الخاملة والغامضة واللاواعية في رؤية
من رؤى العالم. والبقايا، والمهجورات، وما هو انفعالي، وما هو لاعقلاني: ذلك كله مندرج في حقل محدَّد هو تاريخ العقليات، ويفصله عن فروع قائمة وذات صلة مثل تاريخ الأفكار أو تاريخ الثقافة (الذي يعتبر بعض الباحثين أنه يضم كلا الفرعين السابقين). لكن مناقشة قضية مينوكيو ضمن حدود تاريخ العقليات وحده تعني الحطّ من شأن العنصر العقلاني القوي (الذي لا يتطابق بالضرورة مع عقلانيتنا) في رؤيته للعالم. وتبقى الحجّة الأهم ضد اتّباع طرائق تاريخ العقليات هي طبيعته اللاطبقية الحاسمة. فهو يستكشف ما هو مشترك بين "قيصر والأقل شأنًا من قادة فرقه، وبين سانت لويس والفلاح الذي يحرث حقوله، وبين كريستوفر كولومبس وأيّ بحّار من بحّارته". وبهذا المعنى، فإن صفة "الجمعية" المضافة إلى "العقلية" هي في معظم الحالات زائدة عن الحاجة. ولا ينبغي لأحد أن ينكر شرعية هذا النوع من البحث، لكن خطر توصّله إلى استنتاجات غير مبررة هو خطر فعلي إلى أبعد حد. حتى لوسيان فيفر، وهو واحد من أعظم المؤرخين في هذا القرن، وقع في فخٍّ من هذا النوع. إذ حاول، في كتاب رائع لكنه مغلوط، أن يتبين الإحداثيات العقلية لعصر كامل على أساس دراسة فرد واحد، وإن كان فردًا استثنائيًا جدًا: ألا وهو رابليه. وما من مشكلة ما دام فيفر يقتصر على تبيان أن "إلحاد" رابليه المزعوم ليس صحيحًا. لكن النقاش يصبح غير مقبول حين يلتفت فيفر إلى "العقلية الجمعية (أو علم النفس الجمعي)" وإلى الإصرار على أن الدين مارس على "أبناء القرن السادس عشر" تأثيرًا مقيِّدًا وقامعًا ولا مفرّ منه في الوقت ذاته، كما كان الحال بالنسبة إلى رابليه. ولكن من هم، في الحقيقة، "أبناء القرن السادس عشر" المعرّفون تعريفًا واهيًا هؤلاء؟ هل كانوا إنسانويين، تجارًا، حرفيين، فلاحين؟ فبسبب هذه الفكرة عن "عقلية جمعية" لا طبقية، جرى ضمنيًا توسيع نتائج البحث المقتصر على شريحة ضيقة من المجتمع الفرنسي تتألف من الأفراد المثقفين لتشمل قرنًا كاملً، من دون استثناء أحد. وفي هذا التنظير حول العقليات الجمعية ثمة عودة إلى تاريخ الأفكار التقليدي. ولا يكاد الفلاحون، غالبية السكان الساحقة حينئذ، يظهرون في كتاب فيفر حتى يُسَارَع إلى اعتبارهم "كتلة [...] نصف همجية، فريسة للخرافات"؛ في الوقت الذي لا يفضي فيه القول إنه لم يكن ممكنًا في ذلك العصر صوغ موقف غير ديني متماسك نقديًا إلا إلى ما هو واضح. ليس القرنُ السابع عشر القرنَ السادس عشر وليس ديكارت معاصر رابليه. على الرغم من ضروب المحدودية هذه، تبقى الطريقة التي أفلح بها فيفر في تحديد مركّب الأفكار الرئيسة التي تربط فردًا ببيئةٍ ومجتمعٍ محددين تاريخيًا، مضرب مثل. ويمكن المناهج التي استخدمها في تفحّص ديانة رابليه أن تفيد أيضًا في تحليل ديانة مينوكيو المختلفة تمامًا. لكنه يجب أن يكون قد اتضح عند هذا الحد ما الذي يجعل مصطلح "الثقافة الشعبية"، وهو مصطلح غير مُرضٍ في بعض الحالات، مفضَّلً على مصطلح "العقلية الجماعية". إذ يبقى مفهوم البنية الطبقية، حتى لو تم تصورها بعبارات عامة، خطوة متقدمة كبيرة قياسًا بغياب ما هو طبقي. لا يعني هذا التشديد على وجود ثقافة متجانسة مشتركة بين الفلاحين والحرفيين الحضريين (فضلً عن مجموعات هامشية مثل المشرّدين) في أوروبا ما قبل الصناعية. القصد هنا ببساطة هو اقتراح مجال للبحث يمكن ضمنه إجراء تحليلات نوعية مشابهة للتحليل الحالي. بهذه الطريقة وحدها يمكن في المستقبل البناء على الاستنتاجات التي جرى التوصّل إليها في هذه الدراسة.
ما جعل حالةً كحالة مينوكيو ممكنةً هو حدثان تاريخيان عظيمان: اختراع الطباعة والإصلاح الديني. فقد مكّنته الطباعة من أن يضع الكتب في مواجهة التراث الشفهي الذي ترعرع فيه وأمدّته بالكلمات كي يطلق تلك الكتلة المتشابكة من الأفكار والاستيهامات الموجودة في داخله. أما الإصلاح الديني فمنحه شجاعة التعبير عن مشاعره لكاهن الأبرشية وزملائه القرويين والمحققين، وإن لم يتمكن من الإفضاء بها، كما تمنّى، إلى البابا شخصيًا والكرادلة والأمراء. عمِل التصدّع الهائل الناجم عن نهاية احتكار المتعلمين للثقافة المكتوبة واحتكار الإكليروس للدين على خلق وضعٍ جديد ينطوي على احتمال الانفجار. لكن إمكان إيجاد أرضية مشتركة بين مطامح جزء من ثقافة الطبقة العليا ومطامح الثقافة الشعبية كان قد سُحِقَ تمامًا قبل أكثر من نصف قرن من محاكمة مينوكيو حين دان لوثر حرب الفلاحين والمطالب التي تمثّل أساسها إدانة عنيفة. وبحلول زمن مينوكيو، لم يبقَ سوى أقلية صغيرة جدًا بين المضطهَدين، مثل القائلين بتجديد العماد، واصلت استلهام ذلك المثل الأعلى. ومع الإصلاح المضاد (ومع توحيد الكنائس البروتستانتية في الوقت ذاته) بدأ عصر
يتميز بصلابة السلطة المتزايدة، وتمذهب الجماهير الأبوي التلقيني، وانطفاء الثقافة الشعبية بإزاحة الأقليات والجماعات المنشقة جانبًا بهذا القدر أو ذاك من العنف. حتى مينوكيو انتهى على الخازوق.
قلنا إن من المستحيل إقامة تمييزات واضحة في عالم مينوكيو الثقافي. وحده الإدراك اللاحق يتيح لنا أن نعزل تلك المواضيع التي كانت قد بدأت تتماشى مع أفكار رئيسة اقتسمها جزء من المستويات العليا لثقافة القرن السادس عشر، وباتت إرث الأوساط "التقدمية" في القرون اللاحقة: مطامح الإصلاح الجذري للمجتمع، وتخريب الدين التدريجي من الداخل، والتسامح. يقع مينوكيو في خطٍّ من التطور دقيق ومتعرج، لكنه قابل للتبيّ إلى حد بعيد ويمكن تتبّعه مباشرة حتى الوقت الحاضر. وبمعنى ما، فإن مينوكيو هو واحد من روّادنا. لكنه أيضًا جزء مبعثر، يصل إلينا بالمصادفة، من عالم غامض مبهم لا يمكن إعادة ربطه بتاريخنا إلا اعتباطًا. فتلك الثقافة جرى تدميرها. واحترام بقاياها المبهمة التي تقاوم أيّ محاولة للتحليل لا يعني الخضوع لافتتان أحمق بما هو غرائبي وغير مفهوم. فهو يقتصر على ملاحظة تشوّه تاريخي كنا ضحاياه بمعنى ما، نحن أنفسنا. "لا ينبغي أن يضيع على التاريخ شيءٌ مما حدث"، يقول فالتر بنيامين. "لكن الماضي لا ينتمي في أبديته إلا إلى بشرية بلغت خلاصها". بلغت خلاصها وبذلك تحررت.