مئة عام على وعد بلفور: المقدمات والنتائج
Ostour Seminar - One Hundred Years after the Balfour Declaration: Context and Implications
الملخّص
عقدت مجلة أسطور للدراسات التاريخية، ندوتها الثامنة بعنوان "مئة عام عى وعد بلفور"، ضمن أعمل المؤتمر الخامس للدراسات التاريخية بعنوان "سبعون عامًا عى نكبة فلسطن: الذاكرة والتاريخ"، الذي عقد خلال الفترة 12 -4 1 أيار/ مايو 2018، في الدوحة - قطر. وناقشت الندوة وعد/ تصريح بلفور بسياقاته الدولية والعربية وتبعاته، وشارك فيها عدد من المؤرخن والباحثن العرب. وقد توزعت أعملها بن ثلاث جلسات؛ إذ خُصصت الأولى لأصداء التصريح المحلية والعربية والدولية، والثانية لوجهات النظر العربية والدولية المتعلقة بالحدث، والثالثة للسياق التاريخي المتعلق بالوعد. وتنر مجلة "أسطور" أعمل هذه الندوة ضمن العدد الثامن (الحاليّ)، وكذلك في العدد التاسع الذي سيصدر في شباط/ فبراير.2019
Abstract
Ostour Seminar - One Hundred Years after the Balfour Declaration: Context and Implications.
- الإنتداب البريطاني
- وعد بالفور
- فلسطين
- الثورة
- الإعلام
- اليهود
- الدين
- الحقوق
مقدمة
أبدعت مجلة "أسطور" للدراسات التاريخية آلية لدعم النقاش العلمي في البحث التاريخي من خلال تنظيمها ل "ندوة أسطور". فبعد تنظيمها لندوتها الأولى في موضوع التحقيب باعتباره إشكالً يشغل الباحثين في حقل الدراسات التاريخية، جعلت الحرب العالمية الأولى موضوع ندوتها الثانية، وكانت بمنزلة ندوة تفاعلية نُظمت على هامش مؤتمر التاريخ الذي عقده المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات في بيروت. ثم عقدت ندوتها الثالثة في موضوع مجالات البحث في التاريخ العربي، للوقوف على أهم الحقول البحثية التي يطرقها الباحثون العرب، كالتاريخ الاقتصادي والاجتماعي وتاريخ العقليات وتاريخ الزمن الراهن، وكانت الندوة فرصة لإثارة موضوع اعتماد المناهج الجديدة في البحث التاريخي؛ بالنظر إلى أن الحقول الجديدة مرتبطة بتجديد مناهج الكتابة التاريخية. ولمّا كان موضوع تدريس التاريخ في الجامعات العربية يثير العديد من الأسئلة، فقد نشرت المجلة أعمال الندوة التي نظمها زملاء في جامعة قطر. ثم تناولت الندوة الخامسة موضوع تقسيم العالم وكانت المناسبة شرطًا؛ إذ نظمت هذه الندوة بمناسبة مرور مئة عام على سايكس - بيكو، وكان غرض الندوة إبراز أن مسألة التقسيم ليست ظاهرة جديدة في تاريخ العالم، بل هي قديمة قِدم الزمان لكنها اكتست مسوحًا جديدة مع تطور الاستعمار. وكانت الندوة السادسة مناسبة لطرح موضوع التاريخ وعلم الدولة؛ إذ كُرست الأبحاث لوقفة تأملية في علاقة المؤرخ بالدولة واستعمالات التاريخ المختلفة. تخصص الندوة هذا العدد بمناسبة مرور مئة عام على تصريح بلفور، وقد كانت الوثيقة عبارة عن رسالة وجهها أرثر جيمس بلفور إلى اللورد روتشيلد في 2 شرين الثاني/ نوفمبر 1917، نشرتها جريدة "ذي تايمز" في التاسع من الشهر نفسه، يقول فيها: "عزيزي اللورد روتشيلد يسرني جدًا أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالته، التصريح التالي الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية، والذي عُرض على مجلس الوزراء وتمّت الموافقة عليه: إنّ حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين، وستبذل ما بوسعها لتسهيل تحقيق هذا الغاية، على ألَّ يتمّ أيّ عمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية، التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين الآن، ولن يتم أيّ تغيير في الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في الدول الأخرى. وسأكون ممتنًا إذا ما أطلعتم الاتحاد الصهيوني على هذا التصريح". المخلص آرثر جيمس بلفور. أول أمرٍ، هو أمر إيتمولوجي، يتعلق باستعمال الكلمة الدالة على الحدث. ويمكن القول إن موضوع الرسالة هو "تصريح"؛ كما يشير نصها إلى ذلك، لكن مضمونها عبارة عن "وعد". وليس للتصريح في الاستعمال السياسي الوقع الذي يكون للوعد، وبما أن التصريح سُوِّق سياسيًا فقد استدعي المضمون أكثر من الشكل. لكن مع مرور الزمن توارت كلمة "التصريح" وحلّت محلها كلمة الوعد منذ إحياء الذكرى الأولى لها في القدس في سنة 1918، واتخذ الوعد صبغة القانونية عندما اعتمدته عصبة الأمم وتحول من مجرد وثيقة فردية ليست لها أي صبغة قانونية إلى وثيقة دولية يتخذها الصهاينة حجة فيما بعد. أمّا ثاني أمرٍ، فهو منهجي يتعلق بمفهوم الحدث. ولا أريد أن أثقل على أسماعكم بكلام تعرفونه جيدًا؛ من قبيل أنّ حدثًا ما يكون أهم من حدث آخر، وأنّ أحداثًا معيّنة هي التي يكون لها الصدى القوي في التاريخ. كان فرناند بروديل يتحدث عن حدث بالغ الأهمية في البحر الأبيض المتوسط وهو حدث معركة ليبانتو. وكان بروديل يعتقد جازمًا أنه ما كان لهذا الحدث أن يكون بهذه القوة في تاريخ البحر الأبيض المتوسط إلا بالنظر إلى ما بعده. إن الحدث يصنع بعد وقوعه، ويساهم في صناعته المؤرخ والفاعل السياسي على حد سواء. وحدث تصريح بلفور كان حدثًا عابرًا، وما أكثر الأحداث العابرة في التاريخ! تلك الأحداث التي يشبهها بروديل ب "الشهب الاصطناعية"، وما أكثر التصاريح التي أدلى بها مسؤولون ودونت وعكست طبيعة السياسة البريطانية في الشرق منذ القرن السادس عشر؛ ومثال ذلك أن بلفور نفسه بعث برسالة إلى الحسين بن علي، في 8 شباط/ فبراير 1918، يقول فيها: "إن حكومة صاحب الجلالة البريطانية تؤكد مرة
أخرى وعودها السابقة بتأييد استقلال العرب ومساعدة البلاد العربية التي لم تنَل استقلالها بعد الحصول عليه بعد الحرب". لكن وعد بلفور لليهود تحول إلى فعل قوي بسبب تبعاته، وبسبب ما كتب عنه لاحقًا وتسويقه سياسيًا أيضًا؛ ومن ثمة فالحدث هو بتبعاته، وبما تمخض عنه. ويجب أن يُقرأ الحدث كذلك في سياقه التاريخي؛ لذا ينبغي لنا ألّ نفصل حدث التصريح عن التطورات الدولية (الحرب العالمية الأولى) ومجريات تطور الحركة الصهيونية في العالم. فمثلً، ما كان لوعد بلفور أن يكون له صدى في المغرب لو لم يرتبط بنشاط الحركة الصهيونية التي عملت على تسويقه والضرب على أوتاره. أما ثالث أمرٍ، فيتعلق باندراج الموضوع ضمن حقل بحثي جديد هو التاريخ الراهن. وقد يعتبر البعض ذلك لاتاريخيًا ولا ينضبط لمقومات تاريخ الزمن الراهن؛ فالتاريخ المباشر هو ذاك الحقل البحثي الجديد الذي نشأ في أوروبا بُعيد الحرب العالمية الثانية وتعريفه هو دراسة تاريخ مرحلة زمنية لا يزال الفاعلون فيها أحياء. أعتبر أن فلسطين ما تزال حية تواجه قمع آلة ما يزال صناعها أحياء وإن ماتوا. من هذا الباب يندرج وعد بلفور في إطار تاريخ الزمن الراهن. إنّ السياقات الدولية والعربية ل وعد/ تصريح بلفور وتبعاته هو ما تعكف هذه الثلة من الباحثين على عرضه ودراسته، وتقديم آخر الخلاصات البحثية في شأنه؛ وذلك بطرح أسئلة جديدة تتجاوز القراءة التقليدية، وهو موضوع هذه الندوة. ويتوزع الحديث عن هذا الحدث بين ثلاث جلسات تخصص الأولى منها للأصداء المحلية والعربية والدولية للتصريح، والثانية لوجهات النظر العربية والدولية للحدث، والثالثة للسياق التاريخي للوعد. عبد الرحيم بنحادة رئيس التحرير