العودة إلى تفاصيل المؤلَّف تصريح بلفور في الجرائد الفلسطينية: من صدوره إلى ثورة البراق عام 1929

تصريح بلفور في الجرائد الفلسطينية: من صدوره إلى ثورة البراق عام 1929

The Balfour Declaration in Palestinian Newspapers from 1917 till the Buraq Revolution of 1929

صالح علي الشورة

Saleh al-Shoura

الملخّص

تمّت الصفقة بين الحركة الصهيونية والاستعمار البريطاني بإعلان "تصريح بلفور"Balfour Declaration [1] في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1917، وكان ذلك أول اعتراف رسمي من دولة عظمى بالحركة الصهيونية، وأول تأييد رسمي لأطماعها في فلسطين [2] . وتحقق مضمون الوفاق الأنغلو-صهيوني عمليًا على أرض فلسطين، لإرساء الوطن القومي لليهود، بعد أن انتصرت بريطانيا وحليفتها فرنسا في الحرب العالمية الأولى. فحدد الانتداب واجبات الحكومة البريطانية، تجاه فلسطين، وفقًا لمضمون التصريح، على الرغم من التناقض الواضح بين إقرار تنفيذ التصريح وبين حق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره، بموجب ميثاق عصبة الأمم، ووعود الحلفاء المقطوعة للعرب أثناء الحرب العالمية الأولى. يأتي الحديث عن وعد بلفور من خلال التركيز على بعض الجرائد الفلسطينية التي كانت تصدر حينها في فلسطين حتى عام 1929، وهو العام الذي تحولت فيها المقاومة بشتى صورها ضد الانتداب البريطاني والوجود الصهيوني معًا. وسيكون التركيز منصبًّا على جريدة فلسطين لأسباب كثيرة؛ أهمها تركيزها على الوعد في صفحاتها، علمًا أن النسق العام للجرائد الفلسطينية تجاه التصريح كان متشابهًا بين الجرائد عمومًا، وهو الأمر الذي شكّل العقل الجمعي الصحفي الفلسطيني، وطرائق المعالجة. وهذا لا يعني أن الخط الصحفي التفصيلي جاء على وتيرة واحدة، بل كانت هناك جرائد فلسطينية اتخذت أشكالًا أخرى من ردات الفعل تجاه التصريح. فكانت تختلف في مفرداتها وتوجهات أصحابها من حيث التعاطي مع الحدث وأسلوب المعالجة، لذا حازت جريدة فلسطين الحصة الكبرى من البحث، وجاءت الجرائد الأخرى لتؤكد الفكرة أو تنقضها، خاصة أن جريدة فلسطين كانت من أكثر الجرائد الفلسطينية انتظامًا في إصدارها، وتتوافر أعدادها على نحو كافٍ في مكتبة الجامعة الأردنية. ويبدو جليًا من خلال البحث والتقصي في مفردات الخطاب الصحفي العربي في فلسطين، وأظنها في العالم العربي في حينها، أن ردات فعل الجرائد الفلسطينية أقرب إلى "الفزعة"، وأنها تجهل كنه العلاقة بين بريطانيا واليهود، وليس لها دراية كافية بالسبب الحقيقي للوجود البريطاني في فلسطين؛ وهو العمل على خلق دولة وظيفية صهيونية تخدم المصالح البريطانية، بل الاستعمار الأوروبي برمّته. فأوروبا حضارة نفعية مادية تتجاوز الحب والكره، وتلتزم بأمر واحد هو تحويل العالم إلى مادة استعمالية لا قداسة لها، وكما يقول اللورد بالمرستون Lord Palmerston وزير خارجية بريطانيا (1830-1841) ورئيس وزرائها (1846-1851) "ليس لنا أصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون، بل مصالح دائمة" [3] . تحاول هذه الورقة استقراء واقع الجرائد ومخيالها وأقلامها، وانعكاسات صورة التصريح ومضامينه على صفحاتها، الذي بدوره عكس وانعكس على حال المقاومة. وقد اعتمدت الدراسة على المنهج التاريخي الاسترجاعي المتسلسل، خاصة أنها أدركت عامل الزمن، أو ما يعرف عند ابن خلدون بتبدل الأحوال. لذا جاء التنقيب عن أخبار التصريح في الجرائد في سياق التصاعد التاريخي للأحداث وتحولاتها المتسارعة، مع الأخذ في الاعتبار مقدار الوعي ونقيضه في ما يتعلق باختلاف المعالجات الصحفية، وأسبقية جريدة على أخرى، بشأن إدراك خطر وعد بلفور. وسيكون التركيز منصبًّا على الجرائد التي كانت تصدر في فلسطين إبان مجال الدراسة. ومن أهم هذه الجرائد: جريدة فلسطين ، وغيرها من الجرائد الفلسطينية التي رافقت الفترة الزمنية المبحوث فيها؛ ومنها على سبيل المثال لا الحصر: جريدة الجامعة العربية ، وجريدة الكرمل ، وجريدة لسان العرب، بوصفها تعبّر عن اختلاف في وجهة النظر.

Abstract

Associate Professor in Modern and Contemporary History, Faculty of Arts and Sciences, World Islamic Sciences University, Jordan.

Palestine Royal Commission Report , presented by the Secretary of state for the Colonies to Parliament by command of his Majesty (London: July 1937), p. 22.

الكلمات المفتاحية:
  • الإنتداب البريطاني
  • فلسطين
  • وعد بالفور
  • الثورة
  • الإعلام
  • اليهود

مقدمة

تمّت الصفقة بين الحركة الصهيونية والاستعمار البريطاني بإعلان "تصريح بلفور " Declaration Balfour1في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1917، وكان ذلك أول اعتراف رسمي من دولة عظمى بالحركة الصهيونية، وأول تأييد رسمي لأطماعها في فلسطين2. وتحقق مضمون الوفاق الأنغلو -صهيوني عمليًا على أرض فلسطين، لإرساء الوطن القومي لليهود، بعد أن انتصرت بريطانيا وحليفتها فرنسا في الحرب العالمية الأولى. فحدد الانتداب واجبات الحكومة البريطانية، تجاه فلسطين، وفقًا لمضمون التصريح، على الرغم من التناقض الواضح بين إقرار تنفيذ التصريح وحق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره، بموجب ميثاق عصبة الأمم، ووعود الحلفاء المقطوعة للعرب أثناء الحرب العالمية الأولى. يأتي الحديث عن وعد بلفور من خلال التركيز على بعض الجرائد الفلسطينية التي كانت تصدر حينها في فلسطين حتى عام 1929، وهو العام الذي تحولت فيه المقاومة بشتى صورها ضد الانتداب البريطاني والوجود الصهيوني معًا. وسيكون التركيز منصبًّا على جريدة فلسطينلأسباب كثيرة؛ أهمها تركيزها على الوعد في صفحاتها، علمًا أن النسق العام للجرائد الفلسطينية تجاه التصريح كان متشابهًا بين الجرائد عمومًا، وهو الأمر الذي شكّل العقل الجمعي الصحفي الفلسطيني، وطرائق المعالجة. وهذا لا يعني أن الخط الصحفي التفصيلي جاء على وتيرة واحدة، بل كانت هناك جرائد فلسطينية اتخذت أشكالً أخرى من ردات الفعل تجاه التصريح. فكانت تختلف في مفرداتها وتوجهات أصحابها من حيث التعامل مع الحدث وأسلوب المعالجة، لذا حازت جريدة فلسطينالحصة الكبرى من البحث، وجاءت الجرائد الأخرى لتؤكد الفكرة أو تنقضها، خاصة أن جريدة فلسطينكانت من أكثر الجرائد الفلسطينية انتظامًا في إصدارها، وتتوافر أعدادها على نحو كافٍ في مكتبة الجامعة الأردنية. ويبدو جليًا من خلال البحث والتقصي في مفردات الخطاب الصحفي العربي في فلسطين، وأظنها في العالم العربي في حينها، أن ردات فعل الجرائد الفلسطينية أقرب إلى "الفزعة"، وأنها تجهل كنه العلاقة بين بريطانيا واليهود، وليس لها دراية كافية بالسبب الحقيقي للوجود البريطاني في فلسطين؛ وهو العمل على خلق دولة وظيفية صهيونية تخدم المصالح البريطانية، بل الاستعمار الأوروبي برمّته. فأوروبا حضارة نفعية مادية تتجاوز الحب والكره، وتلتزم أمرًا واحدًا هو تحويل

  1. أستاذ مشارك في التاريخ الحديث والمعاصر، كلية الآداب والعلوم، جامعة العلوم الإسلامية العالمية، الأردن.
  2. انظر النص الأصلي لوعد بلفور في:
  3. القضية الفلسطينية والخطر الصهيوني (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية/ وزارة الدفاع الوطني، 1973)، ص  71.

العالم إلى مادة استعمالية لا قداسة لها، وكما يقول اللورد بالمرستون Palmerston Lord وزير خارجية بريطانيا (1830  -  1841) ورئيس وزرائها (1846  -  1851) "ليس لنا أصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون، بل مصالح دائمة"3. تحاول هذه الورقة استقراء واقع الجرائد ومخيالها وأقلامها، وانعكاسات صورة التصريح ومضامينه على صفحاتها، الذي بدوره عكس وانعكس على حال المقاومة. وقد اعتمدت الدراسة على المنهج التاريخي الاسترجاعي المتسلسل، خاصة أنها أدركت عامل الزمن، أو ما يعرف عند ابن خلدون بتبدل الأحوال. لذا جاء التنقيب عن أخبار التصريح في الجرائد في سياق التصاعد التاريخي للأحداث وتحولاتها المتسارعة، مع الأخذ في الاعتبار مقدار الوعي ونقيضه في ما يتعلق باختلاف المعالجات الصحفية، وأسبقية جريدة على أخرى، بشأن إدراك خطر وعد بلفور. وسيكون التركيز منصبًّا على الجرائد التي كانت تصدر في فلسطين إبان مجال الدراسة. ومن أهم هذه الجرائد: جريدة فلسطين، وغيرها من الجرائد الفلسطينية التي رافقت الفترة الزمنية المبحوث فيها؛ ومنها على سبيل المثال لا الحصر: جريدة الجامعة العربية، وجريدة الكرمل، وجريدة لسان العرب، بوصفها تعبّ عن اختلاف في وجهة النظر.

إرهاصات الوعد وتلقي الصدمة

ظلت الإدارة السياسية البريطانية تعمل على إخفاء الإعلان الرسمي عن تصريح بلفور حتى استقرت لها الأمور في فلسطين؛ وذلك خوفًا من أن يعكر المزاج العام لسكان فلسطين الاحتلال البريطاني للمنطقة، أو أن يأتي إعلانه بنتائج عكسية لا تحمد عقباها كما ادعى الجنرال اللنبي Allenby القائد العسكري للحملة4. وهذا ما لاحظه عارف العارف صاحب جريدة سوريا الجنوبية ومحررها، والتي صدرت عام  1919، ولكنها عطّلت بعد عام واحد من إصدارها، مستنكرة مع الجرائد الأخرى وعد بلفور ومطالبة بإلغائه؛ الأمر الذي يرصده الكاتب نفسه حينما قال: "لم يذع خبر الوعد إلا عندما وضعت الحرب أوزارها، ولم يعد الإنكليز في حاجة لرضا العرب سكان البلاد"6. ويبدو أن حركة الشارع الفلسطيني كان لها السبق في رفض الاحتلال البريطاني المحابي لليهود، وقد تكون هي التي وجّهت الجرائد للخوض في الحديث عن الوعد ومآلاته وليس العكس. حيث انطلقت التظاهرات الحاشدة في مدينتي القدس ويافا منددة بالوجود اليهودي. وهتف المحتشدون ضد اليهود، وأطلقوا شعارات الوحدة الوطنية والاستقلال بعد أن وقفت الإدارة العسكرية البريطانية موقفًا سلبيًا تجاه التظاهرات الصهيونية في القدس بمناسبة الذكرى الأولى لتصريح بلفور في تشرين الثاني/ نوفمبر 1918، والتي وصفها الحاكم العسكري للقدس الكولونيل رونالد ستورز Storrs Ronald بالآتي: "استُثير الرأي العام في القدس استثارة بالغة في الأيام الثلاثة الأخيرة بمناسبة إعلان البعثة الصهيونية عن تنظيمها موكبًا واجتماعًا كبيرين تنوي عقدهما لإحياء الذكرى الأولى لتصريح بلفور [...] وقد أثارت هذه التظاهرات الصهيونية مشاعر عدائية في أوساط العرب المسلمين والمسيحيين، وأصبح هذا الاستياء أقوى وأعمق مع قدوم المزيد من اليهود إلى فلسطين"8. أتى الإعلان الرسمي عن الوعد بالفعل عندما أصدره الحاكم العسكري البريطاني الجنرال بولز Bols في بيان خاص، في 18 شباط/ فبراير 1920، ومما جاء فيه: "أن يدمج وعد بلفور بإنشاء وطن قومي لليهود في معاهدة الصلح مع تركيا" ثم تلا التصريح، وقال: "إن إدماجه في صك الانتداب، يعني عدم التعرض للعادات الدينية والأماكن المقدسة، وعدم تقييد شيء من الحرية الدينية، شرط

https://bit.ly/ 2 J 01 ObT 5  Wiliam Basil, Palestine of the Mandate (London: T. Fisher Unwin, 1925), p. 3.

7  Martin Gilbert, Jerusalem in The Twentieth Century (New York: John Wilcy and Sons, 1996), p. 81.

  1. عبد الوهاب المسيري، "اليهود ودولة إسرائيل في الإستراتيجية الغربية"، الجزيرة نت، 3  /  10  /  2004، شوهد في 13  /  5  /  2018، في:
  2. عارف العارف، المفصل في تاريخ القدس 1892  -  1973 (القدس: مكتبة الأندلس، 1961)، ص 140.

المحافظة على النظام والأمن العام"11. ولا شك في أن الإدارة العسكرية البريطانية عملت بجهد دؤوب على تحقيق الوعد على أرض الواقع من حيث تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وامتلاك الأراضي، ومن ثم تمليكها لليهود من خلال قوانين كثيرة سنّتها لا مجال لذكرها هنا. بل تعدت سياسة مساعدة اليهود إلى العمل في السر والعلن على تغليب العنصر اليهودي في فلسطين على حساب أهلها الأصليين، ملقيةً بذلك بواقعها الديموغرافي العربي لصالح اليهود، وهذا ما توضحه الرسالة السرية التي أرسلها الجنرال بولز إلى حاييم وايزمان، والتي ورد فيها: "أرسل كتابي هذا إلى الدكتور وايزمان، وأعلمه بأنه في الإمكان جلب مهاجري اليهود بأعداد كبيرة من دون حدوث اضطرابات، على أن تجري عملية الهجرة بغير مظاهر. إنني أستطيع أن أجعل هذه البلاد تتسع لمليونين ونصف المليون بدلً من تسعمائة ألف فقط، وأن أجعل وادي الأردن يتسع لمليون ساكن بدلً من ألف ساكن فقط يعيشون فيه الآن"12. عندما اجتمع ونستون تشرشل Winston Churchill بوفد اللجنة التنفيذية، في 28 آذار/ مارس 1921، بالقدس ردًا على طلب الوفد إلغاء تصريح بلفور، وإيقاف الهجرة اليهودية إلى فلسطين قال: "إنكم تطلبون مني ما هو ليس من سلطتي، ولست راغبًا فيه [...] إني آسف لأنكم تعتبرون الشق الثاني من تصريح بلفور عديم القيمة، إنه مهم لكم، ويجب عليكم التمسك به بقوة، إننا سنعمل على تنفيذ الشقين بإخلاص، ودققوا النظر في كلمات المستر بلفور، هناك فرق واضح في المعنى بين أن تصبح فلسطين وطنًا قوميًا لليهود، وبين أن يكون في فلسطين وطن قومي. إن إقامة الوطن القومي، لا يعني حكومة يهودية تسيطر على العرب"13. ولم يَخفَ الاندفاع البريطاني تجاه تحويل فلسطين إلى يهودية على بعض الجرائد الفلسطينية التي بدأت تملأ صفحاتها بإنكار الوعد، وقد كانت جريدة الكرمل (لنجيب نصار) من الجرائد التي تنبّهت لهذا الخطر. فقد ورد في صفحاتها بأنها ستواصل الأسلوب نفسه الذي نذرت نفسها لخدمته، ولن يثنيها عن ذلك سطوة حاكم، وستظل تهاجم السياسة الاستعمارية البريطانية، وتطعن في وعد بلفور، وتندد بالهجرة الصهيونية إلى فلسطين وتحرك الوعي الوطني14. والملاحظ هنا أن هذه الجريدة كانت تدعو إلى التخلص من الانتداب برمّته في هذا الوقت المبكر، ومن ثمّ اليهود. أما الجرائد الفلسطينية الأخرى إجمالً، فقد كانت تغرق في حسن نيات الصديقة بريطانيا (وهذا ما سيرد لاحقًا) ونبذ تشكيل نهج مبني على أن بريطانيا هي سبب البلاء. حافظت الجرائد الفلسطينية على النهج الداعي إلى توجيه العتب إلى الإدارة البريطانية بسبب انحيازها إلى الجانب اليهودي، فهذا عيسى داوود العيسى صاحب جريدة فلسطينينكر على السياسة البريطانية، بل الحلفاء، فِعلتهم، ويوجه إليهم اللوم مستنكرًا مستغربًا حينما يقول: "كيف أن الحلفاء لم يذكروا لفلسطين ولم يقدروا لها التضحية، وحكموا عليها بأن تكون وطنًا لدخيل أجنبي، ينازع ابنها حق الحياة فيها"، وبعد أن يتأسف لما جرى، يقول: "إنه عندما جاءت بريطانيا العظمى جعلت للصهيونيين في فلسطين حقًا، وعدهم به بلفور، وصادق عليه الحلفاء"!15. بل كانت معظم الجرائد تؤكد أن العدو الأول للشعب العربي الفلسطيني هم الصهاينة وليس غيرهم، وكانت تفرد ذلك على نحو صريح على صفحاتها، ومثال ذلك ما ورد في جريدة فلسطينالتي يقول محررها: "نريد أن نصرح مرة أخرى أننا لسنا أعداء لليهود، بل نريد أن نعيش كما عشنا بالماضي بوئام مع مواطنينا يهود فلسطين، وأما الذي يحتجّ عليه شعب ضعيف مثلنا هو المشروع الصهيوني الذي سيستعبدنا ويخرجنا من بلادنا، نقول إننا شعب ضعيف بالنسبة إلى قوة إنجلترا، ولكننا قادرون على الدفاع عن أنفسنا ضد الصهيونيين"16.

9  Chaim Weizmann, Trial and Error: The Autobiography of Chaim Weizmann (London: Hamish Hamilton, 1950), p. 323. 10  Christopher Sykes, Cross Roads to Israel (London: the New English Library, 1969), pp. 68  -  69.

  1. عيسى السفري، فلسطين العربية بين الانتداب والصهيونية (القدس: منشورات صلاح الدين، 1981)، ص 30.
  2. جريدة الكرمل، 19  /  3  /  1920.
  3. جريدة فلسطين، 19  /  3  /  1921.
  4. المرجع نفسه، 20  /  8  /  1920.

لم تقف فكرة الاستغراب بشأن ما فعلته بريطانيا عند الجسم الصحفي فقط، بل تسربت إلى أوساط الناس الذين بدؤوا يستشعرون المستقبل المبهم لهذا الوعد، ويقدّمون اللوم الناعم للسياسة البريطانية، فحاولت أن تعكس آراء الناس عبر صفحاتها، فهذا أحد أعيان القدس وهو شكيب أفندي النشاشيبي يرسل رسالة إلى جريدة فلسطينيشوبها الشك والعتب، يطلب فيها أن تقوم الجريدة بنشر وعد بلفور بحذافيره ليتم له التأكد إن كان فيه ما يشتمل على إعطاء بيوت الوطنيين لليهود من دون أجرة أو بدل، لأن له دارًا أجّرها لحاكم القدس المستر ستورز لمدة معينة، ولمّا انقضت المدة استولى عليها الصهيونيون وجعلوها مدرسة للموسيقى، حتى صار يُتخيل أن وعد بلفور يشتمل على الأملاك الخاصة. ويعلق المحرر في نهاية الكتاب بقوله: قلنا له، أي للنشاشيبي: "كان من الأجدر بك أن تسأل المستر تشرشل فهو أعلم بالوعد وأولى بالجواب"17. شكّل حديث الوعد في الأوساط السياسية الفلسطينية صدمة عارمة، الأمر الذي انعكس على الأقلام لتؤدي دور المحرض الناعم في توجيه الناس إلى التظاهر السلمي، ومحاولة إظهار الشعب بكل طوائفه بمظهر الواعي بمصيره وإشكالية وعد بلفور، فقد غطّت تقارير جريدة فلسطينالتظاهرات التي انطلقت في شتى المدن الفلسطينية رافضة الوعد ومنددة بالهجرة اليهودية18. وأظهرت أن رفض الوعد لم يقتصر على الرجال، في محاولة منها لتبديد فكرة أن المجتمع الفلسطيني مجتمع ذكوري ينأى بنفسه عن أفكار التحرر والتقدم، فقامت جريدة فلسطينبنشر رسالة ممهورة بتوقيع سيدات فلسطين إلى قرينة المستر تشرشل ورد فيها: "إن البلاد بلادنا، ونريد أن نعيش فيها مع أزواجنا وأولادنا بأمن، وحاشا للشعب البريطاني الحر أن يقبل بهذا الظلم الذي لا نظير له بالتاريخ"19. بل ذهبت بعض التصريحات إلى الدفاع عن سياسة بريطانيا في ذلك الحين، وعدلها، ومحاولة تطهيرها من خطيئة وعد بلفور، مع محاولة إيجاد العذر لها وإن كان عذرًا غير شرعي، وهو وسوسة الشيطان لها، وحاجتها إلى المال اليهودي. وهذا ما توضحه جريدة فلسطين: "آمنّا بالله وبآياته، وبالانتداب وفوائده، وبالإنسانية وحماتها، وبأوروبا وإنصافها، وبالحلفاء وعطفهم، وببريطانيا وعظمتها، اللهم إلا عهد بلفور، فإننا نكفر به وننكره لأنه من عمل الشيطان، نقول ذلك ونحن نعلم أن شيطان المال فعل أفاعيله في فكر إنجلترا [...] وتتعجب الجريدة ذاتها من بقاء الإنكليز على عنادهم في الموقف من القضية الفلسطينية، لأن هذه القضية هي سبب المشكلة القائمة بين العرب والإنكليز، وهي الشوكة في جنب الصداقة بينهما، والقذى الذي يعكر صفاء العلائق بينهما"20. وهي ترى في موقع آخر من صفحاتها أن المنفعة المتبادلة بين الأمتين البريطانية والعربية تقتضي أن يفي كل جانب بتعهداته، وقد أدى العرب ما عليهم، فعلى الفريق الآخر أن يؤدي ما عليه أيضًا21. جاءت معظم المعالجات الصحفية للسنين الأولى التي تلت إعلان الوعد مدركة الخطر الذي سيترتب على الوجود اليهودي في فلسطين بناءً على وعد بلفور، لذا كان هناك إصرار من الجرائد التي عكست واقع المقاومة الفلسطينية على إلغاء الوعد بغض النظر عن الطريقة، ولكنها كانت تقف خجلة حائرة أمام مصدّر الوعد وهو بريطانيا، وهذا ما يؤكده الخطاب الصحفي العام. فقد ورد في جريدة فلسطينأن المقاومة الفلسطينية لا يخامرها الريب في أن تصريح وعد بلفور لم يأتِ برغبة من بريطانيا العظمى التي نثق بها وبإنصافها، بل بسبب شدة تأثير النفوذ الصهيوني فيها22. وهذا الحس ينسحب على معظم بيانات القيادة السياسية الفلسطينية التي مثّلها الوفد العربي الذي كان يفاوض الإنكليز بشأن فلسطين ووعد بلفور، إذ يلاحظ القارئ أن البيانات الرسمية والمقالات الصحفية كانت تمدح

  1. جريدة فلسطين، 30  /  3  /  1921.
  2. المرجع نفسه.
  3. المرجع نفسه.
  4. المرجع نفسه.
  5. المرجع نفسه، 18  /  1  /  1922.
  6. المرجع نفسه، 29  /  5  /  1921.

بريطانيا ولا تشكك في نياتها تجاه قضايا العرب23. ويمكن لهذا اللقاء الذي رصدته جريدة فلسطينبين تشرشل وأحد الصحافيين أن يعطي الفكرة للقارئ عن الأجواء التي تعامل معها العمل الصحفي تجاه وعد بلفور، إذ ورد الآتي: "الصحافي: لا أظنكم تعلمون يا سيدي مقدار الفرح الذي استولى على الأمة الفلسطينية عندما وصلت جيوشكم هذه البلاد، فإن البعض بكى من شدة الابتهاج. ولكن سرعان ما تغير هذا الفرح إلى غم واستياء بعد أن علم بتصريح بلفور وما ينطوي عليه من الخطر الصهيوني لكل عربي. فأجاب تشرشل: إن تصريح بلفور كما تراه الحكومة البريطانية لا ضيم فيه عليكم البتة، وأنه بالأحرى يضمن لكم حقوقكم السياسية والمدنية والدينية. فردّ الصحافي: كيف هذا؟ وأنت تعلم أن اليهود شعب قوي متمول بشكل تام بالتجارة والصناعة، والشعب الفلسطيني جله غير متعلم. فقال تشرشل: لا خوف من اليهود لأنكم العدد الأكثر في البلاد. فقال الصحافي: نعم ولكن عددهم يزداد كل يوم، ولا يمضي وقت طويل حتى تمتلئ البلاد منهم، والذي يزيد في الطين بلة أن وعد بلفور يمنح اليهودي حال دخوله فلسطين ذات الحقوق الوطنية التي للوطنيين، فماذا تقول يا جناب الوزير إذا ذهبت أنا لبلادك وحال وصولي أنتخب عضو المجالس البلدية ومجلس البرلمان، فأجاب تشرتشل: لا، لا إن هذا لا يمكن إلا إذا عشت بضع سنين في البلاد، قال الصحافي: إذًا لماذا لا تعاملوننا في بلادنا كما تعاملون أنفسكم في بلادكم؟ ولماذا تعطون اليهود حقوقًا في فلسطين تضنون بها عليهم في بلادكم؟ لأنه متى أعطي شخص حق الانتخاب في البلاد فقد أعطي حق كل شيء [...] واعلم يا سيدي بأن اليهودي ينتفع من أهل البلاد ولا ينفعهم بشيء وأنتم أعرف الناس بهم، ومع كثرة مالكم وعلمكم وقوتكم كدولة تلاقون من مزاحمتهم أشد العناء. فأجاب تشرشل: ولكن ماذا نفعل بهذا الشعب المشتت في العالم فهو لا بد له من وطن، وفلسطين أقرب البلاد إليه من حيث التاريخ. فقال الصحافي: اسمح لي يا مولاي فإن اليهود استولوا على فلسطين مدة 400 سنة فقط، ولكن حق العرب هنا يستند إلى 1200 سنة فأيهما أحق بالبلاد؟ ثم نحن لا نكره اليهود، وقد عشنا معهم قبل الحرب على وئام تام، إنما نحن نكره الفكرة الصهيونية التي ترمي لجعل هذه البلاد مملكة يهودية في المستقبل. فأجاب تشرشل: لا تخافوا فإن هذا لا يصير ولن يصير، وإن من أقدس واجبات بريطانيا العظمى أن تعيش وتعمل مع العرب وتدافع عن حقوقهم"24. كانت بعض الجرائد تنزّه السياسة البريطانية وإدارتها في فلسطين عن الزلل، ولا تشكّك في نيات رجالات السياسة الإنكليز وهدفهم السامي في العمل على رفعة البلاد وتطويرها، فوقفت بالمرصاد لزميلاتها من الجرائد الأخرى التي تدّعي غير ذلك، فعندما عيّنت الحكومة البريطانية السير هربرت صموئيل Samuel Herbert الصهيوني مندوبًا ساميًا على فلسطين، عبّت بعض الجرائد العربية الفلسطينية عن خوفها بأنه سيساعد بكل ما لديه من نفوذ في بناء الوطن القومي، إلا أن جريدة لسان العربالفلسطينية لصاحبها اللبناني إبراهيم النجار، وبإدارة فخري النشاشيبي، طمأنت زميلاتها وقالت عنه: "السيد هربرت صموئيل! إسرائيلي لا شك فيه ولكن روح الشر ليست شرطًا في صدر كل إسرائيلي على وجه هذه الكرة، فهو خلقٌ رضيّ وعَلم موفور ورغبة في إحقاق الحق"، وأضافت "بأن فخامة المندوب السامي يحتاج إلى صبر أيوب وحكمة سليمان وعدل عمر"25. ونظرت الجريدة ذاتها إلى حكومة الانتداب نظرة تختلف عن نظرة الكثير من الجرائد العربية الفلسطينية، فقالت: "إن البلاد في حاجة إلى معونة دعوها انتدابًا، ومن أنكر ذلك فهو جاهل غبي أو متعصب ذميم، وإنجلترا هي خير دولة في الغرب تقدر أن تقوم بهذه المساعدة أو بهذا الانتداب، هذه قضية مُسلَّم بها لا تقبل الجدل، وأن العدل البريطاني سمعته حسنة لدى الشرقيين عامة وأهل فلسطين خاصة حتى يضرب به المثل، وتقرر الجريدة بأن الاستقلال لن يتحقق إلا إذا جاء عبر الاتفاق مع بريطانيا وليس الاعتراض على سياستها"26.

  1. المرجع نفسه، 13  /  7  /  1921.
  2. المرجع نفسه، 20  /  3  /  1921.
  3. جريدة لسان العرب، 20  /  2  /  1922.
  4. المرجع نفسه، 24  /  5  /  1922؛ 25  /  10  /  1922.

قبول الواقع وانقطاع الرجاء

يبدو أن الجرائد أدركت أنه لا مناص من تطبيق الوعد، وأنه أصبح أمرًا واقعًا، فغيّت من الخط العام الداعي إلى إلغائه، وخفضت من التصعيد في الخطاب اللائم الموجّه إلى السياسة البريطانية. فهذه جريدة بيت المقدستخاطب بريطانيا بأسلوب المحب الودود العاتب وتقول: "إنك [بريطانيا] تحاولين أيتها المنقذة أن تستعبدينا لقوم عاش الأجيال مستعبدًا طريدًا، أفلا ترين أن الموت أفضل من استعباد المستعبَد الطريد للحرّ، ما يعترف أهل فلسطين بك منقذة إلا إذا ألغيتِ وعد بلفور وظهرتِ بمظهر الكريم والأم الرؤوم والوصية الناصحة والمنتدبة العادلة، وسهرتِ على تركتهم سهر الوصي المخلص، فأمّنيها لهم وحدهم دون غيرهم من البشر"27. وتنقل جريدة فلسطينعن مرآة الشرق المعارضة لها أصلً موقفًا مغايرًا لنهج الجرائد الأخرى وأكثر جرأة في الدفاع عن السياسة البريطانية، والتماس العذر لها، والاستسلام للواقع. فقد جاء فيها مقال بعنوان "قبة من حبة" ما يلي: "سامح الله صاحب مرآة الشرق فقد رمى في البئر حجرًا أصبح يتعذر على مئة رجل رفعه، وأهم ما جاء في ذلك الحديث عن وعد بلفور كما نشرته الجريدة. أرى من العبث أن تطالبوا من الحكومة البريطانية إلغاء هذا الوعد لأنها لا يمكنها أن تلغي وعدًا كهذا صرحت به دون أن يؤثر ذلك تأثيرًا سيئًا في سياساتها الخارجية، وما على الأهالي إلا أن يطالبوا الحكومة بتطبيق هذا الوعد تطبيقًا عادلً معقولً بطريقة لا تضر بموقف الحكومة السياسي ولا يجحف بحقوق الأهالي ومصالحهم في البلاد"29. حينما انقطع الرجاء من السياسة البريطانية من إلغاء وعد بلفور؛ دعت الجرائد إلى تطبيق الشق الثاني منه المتعلق بحقوق العرب، ومثاله ما ورد في جريدة فلسطين؛ إذ تقول: "قد عملتِ أيتها الحكومة حتى الآن بما يقضي به الشق الأول من وعد بلفور، فاعملي مرة واحدة بما يقضي به الشق الثاني"30. أدت الجرائد في هذه الفترة خاصة، دور المحرض على إلغاء الوعد بشتى الطرق، وأظهرت أن المكون الديني الإسلامي المسيحي لا يختلف في المطالبة ذاتها، فأكثرت في صفحاتها من نشر المناشدات الشعبية المتنوعة، وركّزت على المؤسسات الدينية التي تنادي بإلغاء الوعد إلى كل من يمكنه المساعدة في هذا الأمر، ومثالها البرقية التي أرسلتها الجمعية الإسلامية المسيحية بيافا محتجّة فيها على وعد بلفور إلى رئيس الوزراء ووزير المستعمرات، ومجلس النواب ومجلس اللوردات، ورئيس أساقفة كانتربري، والكاردينال بورن، وشركة الجرائد، وجريدة مورننغ بوست، والوفد الفلسطيني في لندن، وإلى مؤتمر نزع السلاح في واشنطن، وقد ورد فيها: "اليوم بمناسبة وعد المستر بلفور الجائر الذي صدر عام 1917 نكرر احتجاجنا نحن المسلمين والمسيحيين الذين نمثل تسعين بالمئة من أهالي فلسطين بشدة على هذا الوعد. لا يمكن أن نقبل وعدًا جائرًا كهذا. نستصرخ الشعب البريطاني والحكومة البريطانية والحلفاء مرة أخرى لأن لا يدعوا بلادنا المقدسة المحبوبة تتألم. لقد حاربنا مع الحلفاء جنبًا إلى جنب لننال الحرية والسعادة لا لنرضخ لشعب غريب وحكم صهيوني"31. تسرب الفتور إلى أوصال الجرائد الفلسطينية عندما نفذ إليها خبر بأن وزارة المستعمرات البريطانية قد قررت في 9 تشرين الثاني/ نوفمبر 1923 أنه لا تراجع عن تصريح بلفور، وأن أي شكل من أشكال الإدارة المحلية الذاتية يجب ألّ يكون متعارضًا مع نصه32. لذا استدارت بعض الجرائد مباشرة عن الحديث عن إلغاء الوعد على نحو مباشر إلى مقاومة الهدف الذي أطلق لأجله، وهذا ما قامت به جريدة الجزيرة، ممثلةً بذلك الخط الصحفي العام الذي بدأ يركز على هجرة اليهود ويربطها مباشرة بالوعد. فقد ربطت الجريدة ذاتها

28  Paul Hanna, British Policy in Palestine (Washington: American Council on Public Affairs, 1942), p.  85.

  1. جريدة بيت المقدس، 10  /  12  /  1922.
  2. جريدة فلسطين، 19  /  5  /  1922.
  3. المرجع نفسه، 16  /  11  /  1923.
  4. المرجع نفسه، 23  /  11  /  1921.

وعد بلفور بالهجرة الصهيونية، فدعت إلى محاربة الغاية (الهجرة) لإلغاء الوسيلة (الوعد)؛ إذ تقول: "فاليهود لا يصلون إلى وعد بلفور وتحقيقه إلا بالهجرة الصهيونية، وصيرورتهم أكثرية في فلسطين، وإنها تنكر على من يعترف بالهجرة (ولو محدودة) فهو كأنما يعترف بوعد بلفور! لأنه لا سبيل إلى تحقيق مطامع اليهود إلا بالكثرة العددية، وإلا يبقى وعد بلفور حبرًا على ورق، لا منقوشًا على صخر متين! فهجرتهم من أكبر الأخطار على فلسطين والبلاد العربية جمعاء"35. وأيّدتها جريدة فلسطينمن خلال تأكيد أن بريطانيا ما كان باستطاعتها أن تترجم وعد بلفور إلى واقع إلا إذا كانت الأكثرية في البلاد يهودية36. كان للخلافات الأسرية التي اعترت صف المقاومة الفلسطينية بين القطبين الرئيسين؛ الحسينية ممثلة فيما عرف بالمجلسيين (نسبة إلى المجلس الإسلامي الأعلى)، والنشاشيبية التي حملت اسم المعارضة (معارضة المجلسيين)37 دور كبير في تعزيز الفتور تجاه التنديد بوعد بلفور، والدعوة إلى التخلص منه، وقد أدركت حكومة الانتداب هذا التنافس الشديد، فعملت منذ استيلائها على فلسطين، على إذكاء نار الفتنة وضرب هذه الأسر بعضها بالبعض الآخر. لا سيما أنه توافرت لديها الأرضية الخصبة للوصول إلى مبتغاها من خلال التنافس الشديد بين هذه الأسر والعائلات المتنفذة في مواقع النفوذ ومراكز السلطة. فقد استمرت طبقة الأفندية في عهد الاحتلال البريطاني، تجمع بين النفوذ السياسي، والهيمنة الاقتصادية في البلاد. ولكنها كانت طبقة لا تجمعها رابطة سياسية ولا تتمتع بأي قوة منظمة38. ويؤكد هدسون هذا بالقول: "بينما كانت الطائفة اليهودية تنظم نفسها، في شبه دولة، لها جيش (الهاغانا) وضرائب، ومؤسسات مالية وحشد من المنظمات التعليمية والثقافية والخيرية، كان العرب غير منظمين إلى حد كبير، يقودهم وجهاء تقليديون من رجال الدين، والتجار الذين نالوا قسطًا من الثقافة، ولكن لم يدربوا على طرائق السياسة الواقعية. وكان يعرقل قدرتهم على القيادة، تأرجح موقفهم تجاه البريطانيين [...] والتوتر بين مصالحهم، والتزامهم الوطني. وكذلك التنافس الشخصي والفئوي"40. ويعلق شيرمان على ذلك بالقول: "لقد طغت أطماع أسرتَ الحسيني والنشاشيبي في بعض القضايا، على المصلحة السياسية الكبرى الفلسطينية"41. يبدو أن جُل الجرائد الفلسطينية المحلية وقعت في حيرة من هذ الانقسام، وعملت على التزام الصمت في بداية الأمر، وذلك بعدم زج أقلامها في إبراز الخلافات الأسرية على السطح، ولكن هذا الأمر لم ينطبق على جريدة الشورى، لصاحبها الفلسطيني محمد الطاهر المقيم في القاهرة؛ فهي لم تلتزم سياسة الصمت، بل قرّعت المقاومة واتهمتها على نحو مباشر بأسباب تراجع الحس الوطني تجاه القضية، وممّا ورد في هذه الجريدة: "أضربت فلسطين في الذكرى السابعة لوعد بلفور إضرابًا عامًا احتجاجًا على السياسة الغاشمة، مع أن البعض طاف على الحوانيت لإفشال الإضراب، إلا أنه جاء أكبر من العام الماضي، ألا فليسترح المحتلون، وليهدأ بال اليهود والصهيونيين، فقد يسّ لهم الله من أبناء فلسطين من يعمل على النكاية بفلسطين"42. انعكس الخلاف على تشتت الاتجاهات واختلاف نظرة كل حزب إلى القضايا المصيرية، وفي ما يتعلق بالوعد فقد ورد أنّ المجلسيين تبنوا سياسة التشدد، وعدم التسوية، بينما وافقت المعارضة على المهادنة والتعاون مع سلطة الانتداب؛ تذرعًا بشعار "خُذ وطالب"43. وعندما ألقت الخلافات المذكورة بظلالها على الشارع الفلسطيني، اضطرت الجرائد، بوجه عام، إلى أن تتحزب لهذه الجهة أو لتلك،

33  Micheal Hudson, "The Transformation of Jerusalem," in: Kamil Jamil Asali (ed.), Jerusalem In History (Buckurst: Scorpion, 1989), p. 254. 34  A. J. Sherman, Mandate Days: British Lives in Palestine 1918  -  19 48 (London: The John Hopkins Press, 2001), p. 108.

  1. جريدة الجزيرة، 23  /  3  /  1924.
  2. جريدة فلسطين، 4  /  4  /  1924.
  3. محمد عزة دروزة، القضية الفلسطينية في مختلف مراحلها: تاريخ ومذكرات وتعليقات (صيدا: منشورات المكتبة العصرية، 1959)، ص 56.
  4. علي محافظة، "الكوابح الاجتماعية للحركة الوطنية الفلسطينية (1918  -  1939)"، المستقبل العربي، العدد 34 (1981)، ص 24.
  5. جريدة الشورى، 4  /  11  /  1924.
  6. عزت طنوس، الفلسطينيون: ماضٍ مجيد ومستقبل باهر، ج 1 (بيروت: مركز الأبحاث بمنظمة التحرير الفلسطينية، 1982)، ص  128.

وأن تمتطي صهوة الخلافات وتنتهج نمطًا احتجاجيًا لوعد بلفور أقل حدَّة من قبلُ، وهو النمط الذي بدا عليه اليأس من إحداث تغيير في سياسة بريطانيا تجاه المطالبات الصحفية حتى قرّر بلفور زيارة فلسطين عام 1925. وهذا لا يعني أن الحس العام للجرائد الفلسطينية التي نظرت إلى صداقة بريطانيا وعداوة اليهود قد سار على وتيرة واحدة وفي اتجاه واحد، بل وجدت جرائد نأت بنفسها عن الأمراض "الزعاماتية" الداخلية متقدمة على غيرها في هذا المسار، فناصبت السياسة البريطانية العداء، باعتبار الانتداب البريطاني العدو الأول وباعتبار البقية تبَعًا لهذا العدو؛ ومنها، على سبيل المثال لا الحصر، جريدة الجزيرة التي كانت تهاجم الانتداب البريطاني وتنظر إليه بوصفه "الاستعمار بحد ذاته [...] وإذا سلّمنا بالهجرة وتنازلنا عن حقنا في البلاد كأصحابها الحقيقيين الوحيدين، فإنه من الصعب علينا بعدئذ أن نسترد حقوقنا كاملة، فليس الاعتراف بالانتداب والهجرة ما يوصلنا إلى الاستقلال"44.

من الركود إىل الثورة

عقد في القدس اجتماع في 27 تشرين الأول/ أكتوبر 1924. وقد صدر بيان من اللجنة التنفيذية يدعو إلى الإضراب عن العمل بمناسبة ذكرى وعد بلفور. وعندما أ علن عن زيارة بلفور لفلسطين في شباط/ فبراير 1925، دعت معظم الجرائد الفلسطينية إلى مقاطعته وإعلان الإضراب45. وشمل الإضراب المتاجر والمدارس وغيرها، وتقيّد به المسلمون والنصارى. ورفعت الرايات السوداء، وألقيت الخطابات الوطنية، واتخذت اللجنة قرارًا يدعو اللورد بلفور إلى مغادرة فلسطين التي دخلها خلافًا لرغبات سكانها وأهلها، وبلّغ القرار إلى المندوب السامي عن طريق حاكم لواء القدس46. وامتنعت الجرائد الوطنية الفلسطينية عن حضور المؤتمر الصحفي لبلفور، وأخذته الأقلام بالسباب والشتائم47. كانت جريدة فلسطينمدركة لحجم الخلاف الأسري بين القيادات؛ لذا ركزت في خطابها على رأب الصدع ونبذ الفرقة والسير تجاه الهدف العاجل؛ وهو الاتحاد في إعلان رفض الوعد، الذي يمثله حينئذ وجود بلفور في فلسطين، فقالت: "ندعو الأمة جمعاء على اختلاف مذاهبها وتعدد أحزابها مهمَا اختلفت، فإنها لا تختلف على أن وعد بلفور كان شؤمًا على فلسطين وسببًا في شقائها وبلائها، وفي أن الغرض الذي قدم بلفور من أجله إنما هو إكرام الصهيونية وتأييدها"49. ولم يتوقف الأمر هنا، بل أخذ الشعراء يرتجزون الأشعار التي تذمّ بلفور واليهود وترفض زيارته، ومنها ما ورد في الجريدة نفسها تحت عنوان "بلفور ووعده" لشاعر فلسطيني وسمَته الجريدة ب "شاعرنا حسان" الذي قال: "بلفور لولا وعده والوعد أشبه بالوعيد. لرأى من العرب الحفاوة في التهائم والنجود. بلفور لا أهلً ولا سهلً ببلفور اللدود. الغادر العرب الأباة الناكر الماضي المجيد. الجاعل الوطن المؤيد بالعروبة لليهود. في عهد قوم يزعمون بأنهم أهل العهود. وهم الألى نقضوا العهود وأخلفوا كل الوعود"50. ولكن الأمر لم يجرِ كما أرادت جريدة فلسطينومثيلاتها، خاصة أن بعض زعماء المقاومة لم يلتزموا بقرار مقاطعة بلفور51.

39 " CO 733 / 90 Sir Samuel, High Commissioner to Secretary of state for the colonies," (March 1925); Robert Jarman (ed.), Political Diaries of the Arab World: Palestine and Jordan, 1924  -  1936 , vol. 2 (London: Archive Editions, 2001), p. 151.

  1. جريدة الجزيرة، 23  /  3  /  1924.
  2. جريدة فلسطين، 28  /  2  /  1925؛ جريدة الكرمل، السنة 12، العدد 1218، 5  /  8  /  1925.
  3. جريدة الكرمل، السنة 12، العدد 1218.
  4. جريدة فلسطين، 28  /  2  /  1925.
  5. المرجع نفسه، 24  /  3  /  1925.
  6. عبد الوهاب الكيالي، تاريخ فلسطين الحديث (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1970)، ص 223  -  224.

بدأت بعض الجرائد تتفرد بتحسس الوضع البائس الذي آلت إليه حال المقاومة بسبب الخلافات التي لا تكاد تموت حتى تحيا من جديد، فوجّهت سهامها ضد الجميع، فهذه جريدة الاتحاد العربيتضع اللوم على الفلسطينيين بكل مكوناتهم وليس على الإنكليز الذين أعطوا لليهود وعد بلفور، وبذلك تقرر أن الخلل يكمن في الأمة وليس في خصمها، فتقول: "وماذا يضرنا من تصريح بلفور وتمسك الإنجليز بتنفيذه وهو حبر على ورق لو أننا أعددنا للأمر عدّته وتمسكنا بأراضينا ولم نسلمها لقمة سائغة لليهود أصحاب ذلك الوعد. فالإنجليز أعطوا لليهود وعدًا لا يخرج من حدِّ الكلام، أما نحن فقد أعطيناهم فعلً [...] فمنا البائع والسمسار، ومنا المارق، ومنا مَن يصانع اليهود ويبذل على إرادتهم في كل ما يريدون حتى أصبح الخطر دانيًا منَّا"52. أجهض النشاط السياسي الصهيوني في فلسطين أقلام الجرائد، مستغلً بذلك الفتن التي نشبت بين قطبَي المقاومة، فاستغل الشحناء والتنافس الشديد بين المعنييّن. ففترت الاحتجاجات الصحفية والتظاهرات السياسية بين عامَي 1926 و 1928 لاعتقاد الجرائد والحركة الوطنية بعدم جدواها. فقد ورد في جريدة فلسطينتحت عنوان "وعد بلفور" ما يؤكد أن الخلاف بين الأسر استفحل وجاء على مقتل الحركة الوطنية، وتشتّت هدف الجرائد نفسها، ونقتبس منه القول: "قُبِّحَ من وعد، فهو سلسلة وعود ينقض بعضها بعضًا، فلا هي متفقة مع الكرامة ولا هي منتهية إلى العدالة [...] ولي في الختام اقتراح أعرضه على إخواني أصحاب الجرائد الفلسطينية علّهم يعيرونه شيئًا من الالتفات، وذلك أن يعقدوا منذ 2 [تشرين الثاني]/ نوفمبر هدنة لمعركة المطامع الشخصية [...] لتعود الأمة إلى ما كانت عليه من الهمّة، ويعود الزعماء إلى ما يجب عليهم لبعضهم من الاحترام والوفاء، وتعود الجرائد إلى القيام بمهمتها من نقد بريء ودفاع شريف عن المصلحة العامة [...] والأمر لا يتطلب نزولً عن مبدأ بل هو مقدمة لتقريب اليوم الذي يصبح فيه وعد بلفور أثرًا بعد عين"53. وتلحظ الجريدة نفسها في إحدى مقالاتها الواقع التعِس الذي آل إليه حال المقاومة من تنافس وتشاحن في ما بين رموزها؛ الأمر الذي فتَّ في عضدها وضرب عليها عزلة منعتها من تجديد رفض الوعد أو التذكير بخطورته؛ إذ تقول: "كان العرب في يوم الوعد المشؤوم يضربون ويحتجون مستنكرين هذا الحيف [...] ولكن عندما دبَّ الفتور بين هؤلاء وأصبحوا شيعًا وأحزابًا لم نعد نرى منذ سنتين تلك المظاهر بل نسينا واجبنا نحو هذا الوطن"54. ولم يقتصر المشهد السابق على العاملين في الحقل الصحفي؛ بل إن الكثير من الرموز السياسية الفلسطينية، في ذلك الحين، كانوا يدركون مثل هذا الواقع، فينشر الشيخ أسعد الشقيري في جريدة الكرملأسباب عناصر الضعف في العمل الفلسطيني في تلك الفترة نقتبس منها ما يلي: "لم أشعر منذ الاحتلال إلى اليوم بوجود قضية وطنية حقيقية في فلسطين [...] أكابر الوطنيين وأصاغرهم، من مسلمين ونصارى ودروز، استقبلوا الاحتلال البريطاني بالتهليل والترحيب [...] أما رجال الإدارة العسكرية البريطانيون، فعملوا في بدء احتلالهم كما يعمل كل فاتح حكيم، عهدوا بكثير من الوظائف إلى عَبدتها من أبناء العائلات الكبرى ليستميلوهم ويستعينوا بهم، وليستخدموهم فيما يريدون [...] لا ريب عندي في أن الساسة البريطانيين، بعد أن عجموا أعواد وفودنا، اطمأنوا لسياستهم"55. عُقد المؤتمر العربي الفلسطيني السابع في القدس في 20  -  21 حزيران/ يونيو 1928 برئاسة موسى الحسيني، وقرر المؤتمرون المطالبة بحكومة برلمانية، وضرورة وقف سنِّ القوانين إلى أن تشكّل حكومة تمثل البلاد. ولكن المؤتمر لم يأتِ على ذكر وعد بلفور56.

48  Tom Segev, One Palestine Complete: Jews and Arabs Under The British Mandate (New York: Henry Holt and Company, 1999), pp.

  1. جريدة الاتحاد العربي، 9  /  5  /  1925.
  2. جريدة فلسطين، 9  /  11  /  1926.
  3. المرجع نفسه، 1  /  11  /  1927.
  4. جريدة الكرمل، 14  /  2  /  1926.

استطاع المستر فردريك كيش Kisch Frederick رئيس المنظمة الصهيونية في لندن، ومعاون وايزمان الخواجة كلفرسكي Kalvarisky تأليف حزب شعبي في القدس، أطلق عليه الحزب الوطني العربي، باشر اتصالاته، واتفق على أن يكون الزعماء المساندون له هم: الشيخ أسعد الشقيري، وعارف الدجاني، وراغب النشاشيبي57. وقد فشل الحزب بسبب عزله من قِبل الشعب أولً، وبسبب انقطاع المعاونة والتشجيع المستمر من قِبل الحكومة والصهيونية ثانيًا، فأُهمل الحزب إهمالً تامًا58. ويقول عبد العزيز الثعالبي: "لما رأى كلفرسكي فشل النادي العربي الصهيوني قام بمحاولة أخرى من ذلك النوع، فشرع في تأسيس جمعيات صهيونية عربية لمقاومة الجمعيات الإسلامية المسيحية، أطلق عليها اسم الجمعيات الإسلامية، وأطلق عليها الرأي العام اسم 'الجمعيات الكلفرسكية' فتأسس لها فروع في القدس، وحيفا، ومدن أخرى، فكانت الجمعية الصهيونية تدفع لرؤسائها وأعضائها مرتبات شهرية، فاحتقرها الرأي العام وأعرض عنها. لذلك لم تلبث غير زمن قصير حتى أدركها البوار فماتت في المهد حتف أنفها"59. كان للموقف البريطاني المتشدد إزاء الجرائد والحركة الوطنية في فلسطين أثرٌ في نزع صفة التمثيل الفاعل عن قيادات المقاومة، فكونت بإجمالها ملامح مرحلة جديدة، اتصفت بأنها مرحلة ركود، وشلل، وضياع عن الأهداف الوطنية التي تبلورت بمطلبَي الاستقلال، ورفض الانتداب ووعد بلفور. فأدخلت القيادة الوطنية في مأزق، وجعلت قدرتها على تمثيل المصالح الحقيقية للشعب الفلسطيني خاضعة للمساومة، وتعززت بذلك مكانة المقاومة الشعبية في صفوف الجماهير التي أثبتت أنها كانت تتجاوز تلك القيادة وتسبقها بمراحل، على عكس قيادتها التي اتصفت بمهادنة حكومة الانتداب، وبميوعة علاقتها به. وظلت تميز بمواقفها السياسية، وحراكها الاجتماعي بين الصهيونية التي اعتبرتها العدو الوحيد، وبريطانيا التي كانت لا تزال تأمل من خلال التحاور معها في إقناعها بالتراجع عن سياستها الصهيونية60، حتى أصبحت الحركة الشعبية هي التي تحرك المقاومة، وتدفع الجرائد في اتجاه التصعيد، وتبنّي مواقف صحفية ليست معادية لليهود فقط، بل للوجود البريطاني نفسه في فلسطين أيضًا. وقد بدأت تتبلور الأفكار الصحفية وردّات فعل أصحابها وأقلامها بناءً على هذا التوجه. ومثاله ما ورد في جريدة الجامعة العربية بعنوان "محور السياسة البريطانية واحد"؛ إذ تقول: "فإن السياسة الإنجليزية هي هي لم تتغير فيما يتعلق بتنفيذ وعد بلفور القاضي بجعل فلسطين وطنًا قوميًا لليهود، والقوانين والتدابير والإجراءات التي تتخذها حكومة الانتداب صهيونية الصبغة والغاية"61. وتؤكد الجريدة نفسها مرات عديدة أن وعد بلفور لم يأتِ إلا كونه سياسة بريطانية يقصد منها محو شعب أصيل سكن البلاد منذ قرون طويلة، لإحلال شعب دخيل خليط محله، وأنه وصمة عار في وجه السياسة البريطانية63. يبدو أن النتيجة السابقة بدأت تتسرب إلى الخط الصحفي الذي شرع يرفض السياسة البريطانية ويعدّها هي المسؤول الأول عن مأساة فلسطين، فقد ورَد في جريدة صوت الحقما يشير إلى ذلك حينما قالت: "إن وعد بلفور رفع الستار عن نوايا إنجلترا نحو العرب وانكشف الغطاء للعرب عما تضمره سياسة الاستعمار الإنجليزي من الغلِّ والحقد على الشعوب العربية"64. وقد سارت الجريدة نفسها

Palestine: A Study of Jewish-Arab and British Policies (New Haven: Yale University Press, 1970), p.  232.

  1. بيان الحوت، القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917  -  1948 (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1986)، ص  181؛ وانظر أيضًا:
  2. الحوت، ص 183.
  3. عبد العزيز الثعالبي، خلفيات المؤتمر الإسلامي بالقدس 1350 ه-  1931 م، إعداد أحمد بن ميلاد، تحقيق حمادي الساحلي (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1988)، ص 101.
  4. عصام سخنيني، "تمثيل الشعب الفلسطيني في عهد الانتداب البريطاني"، مراجعة تاريخية، شؤون عربية، العدد 44 (كانون الأول/ ديسمبر 1988)، ص 62.
  5. جريدة الجامعة العربية، 9  /  6  /  1927.
  6. على سبيل المثال وليس الحصر، انظر: المرجع نفسه، 3  /  11  /  1927؛ 8  /  11  /  1928؛ 7  /  7  /  1930؛ 4  /  11  /  1929.
  7. جريدة صوت الحق، 13  /  10  /  1927.

على هذا النهج، وركزت في منشوراتها على تبنّي فكرة أن بلفور والانتداب هما سبب مأساة الأمة، لذا يجب أن يوجّه العداء إلى السياسة البريطانية وليس إلى غيرها؛ من خلال القول: "إن الانتداب هو خصمنا الأعظم فإياه نعارض، ولن نتحول عن رفض الانتداب ووعد بلفور في فلسطين ومقاومته"65. بدت الجرائد الفلسطينية مدركة سبب التعنت والصلف البريطاني تجاه التمسك بالوعد، حينما غيّت في نهجها الصحفي، وبدأت تتحدث عن هذه الاعتبارات بشيء من المنطق بعيدًا عن العاطفة، وأصبحت مدركة للفرق بين الشعوب الأوروبية وأنظمتها، وهذا ما تؤكده جريدة الجامعة العربية بقولها: "كان وعد بلفور جزءًا من دعاية حربية قُصد به استجلاب رضا اليهود الصهيونيين الذين كانوا أقوياء في ألمانيا والنمسا، وأن هذا الوعد لم يعرض قَط على الشعب الإنجليزي ولا على البرلمان البريطاني"67. ولم يقتصر ذاك التحليل على جريدة واحدة، بل تجد بعض الجرائد الأخرى تتشاطر الفكرة نفسها. وهذا ما تلاحظه جريدة الدفاعالفلسطينية، وإن جاء الخبر في وقت متأخر قليلً عن إدراك كنه العلاقة بين بريطانيا واليهود، ولكنه يتحدث عن جزء من أسباب تصريح بلفور فكتبت قائلة: "هناك اعتبارات كثيرة لوعد بلفور بالنسبة لبريطانيا. منها ما كان له ارتباط وثيق بوضع قناة السويس، وتأمين مواصلاتها مع مستعمراتها، وخاصة مع الهند. واستخدام الصهيونية في مواجهة حركة التحرر القومي العربي التي كانت قد بدأت تتبلور بوضوح وتتحول إلى حركة ذات جذور بين الجماهير العربية في سوريا الطبيعية والعراق وغيرهما"68.

بدايات الأمل

تفاءلت الجرائد الفلسطينية باضمحلال الوعد وتلاشي نتائجه في السنوات الأخيرة من عشرينيات القرن العشرين، بسبب الهجرة اليهودية المعاكسة، وعزت الجرائد السبب إلى ثبات الأمة العربية في جهادها المقدس، وادّعت أن فكرة الوطن القومي لم يبقَ منها إلا اسمها، وأعادت هذا كله إلى جهاد الجرائد والمقاومة الشرسة التي أثخنت في المشروع الصهيوني ومآربه، ومنها ما ورد في جريدة فلسطين؛ إذ قالت: "على الرغم من الأموال التي صرفت في تحقيق تلك الفكرة الخاسرة إلا أنها ذهبت أدراج الرياح، حقًا لقد أصبحنا نشفق على ضحايا الصهيونية ممن ضاقت بهم سبل العيش فأصبحوا عالة على البلاد، إنهم جاؤوا بالأمس والآمال تملأ قلوبهم لتأسيس وطن قومي بمقتضى وعد بلفور، فأصبحوا يعودون زرافات من حيث أتوا ناقمين على زعمائهم"69. وقد شاطرت جريدة الجامعة العربية جريدة فلسطينهذا الحس، بأنْ رأت أن المشروع الصهيوني أصيب بمقتل في نهايته عندما اصطدم بالواقع العربي الصلب الرافض لوعد بلفور، وادّعت الجريدة أيضًا أن سبب تأخر مثل هذه النتيجة هي الخلافات بين الزعامات، فكانت تلمز القيادة الوطنية وترميها بأسباب التخاذل المشين، ومما جاء فيها: "لم يعُد الصهاينة يحتفلون بذكرى وعد بلفور، فآمال الصهيونية المندفعة وتيار أحلامها المتدفق صار يصطدم بالسنين الأخيرة بصخرة الحقيقة الراهنة [...] ولو لم يظهر عند العرب التخاذل المشين لقضي على الصهيونية حتمًا". ومن خلال ما ورد آنفًا، تبيّ أن الجرائد العربية كانت بعيدة عن التحليل الحقيقي لهذا الارتداد، وهو متعلق بالتردي الاقتصادي، الذي أصاب الهجرة والوجود اليهودي في فلسطين بمقتل، وإن كانت بعض الجرائد قد جاءت على مثل هذا التحليل ولكن المرتبط بالأوضاع الداخلية فقط، أي إن الجرائد لم تعزل الظاهرة العامة عن بنائها العام. وهذا ما يلحظ في

  1. المرجع نفسه، 15  /  3  /  1928.
  2. جريدة الجامعة العربية، 26  /  9  /  1929.
  3. جريدة الدفاع، 14  /  11  /  1934.
  4. جريدة فلسطين، 1  /  11  /  1927.
  5. جريدة الجامعة العربية، 3  /  11  /  1927.

جريدة فلسطينحينما تقول: "إن الأزمة الاقتصادية الحاضرة خير برهان على فشل التجربة الصهيونية وعودة المهاجرين دليل على إفلاسها والجوع من علامات احتقارها". حاول اليهود الاعتداء على حقوق المسلمين في حائط البراق الشريف في أيلول/ سبتمبر 1928، إلا أن المسلمين تصدّوا لهم، ومنعوهم من تنفيذ مرادهم، وتدخلت كذلك قوات الاحتلال البريطانية، وحالت دون استمرارهم في هذه المحاولة. وأصبح همُّ المقاومة هو التعامل مع الواقع الطارئ الساخن وهو الدفاع عن المقدسات، فانصبّ تركيز المؤتمرين على قضية البراق الشريف وتجاهلت القيادة أن القاعدة الأساسية التي انطلقت منها أوهام بني صهيون في العصر الحديث مبنيّة على وعد بلفور، حتى إن نتائج المؤتمر خلت من ذكر الوعد. وقد قرر المؤتمرون، الاحتجاج بكل قوة على أي محاولة ترمي إلى إحداث أي حق لليهود في حائط البراق. واستجابت السلطات البريطانية لطلبات العرب وأبقت على الوضع الراهن. غير أن اليهود لم يرضوا بهذا القرار وراحوا يتحدونه ويتحدون العرب. وقد نشرت جريدة الجامعة العربية بعض الاعتراضات القادمة من جنين ويافا من خارج دائرة المؤتمر، والتي تربط بين نتيجة ما حدث في القدس وأسبابه العائدة إلى وعد بلفور، فوجّهت خطابًا إلى المندوب السامي، وهذا بعض ما جاء فيه: "إننا نحتج بكل ما لدينا من حق شرعي على وعد بلفور الجائر، ونلفت أنظاركم إلى أن الحالة الدينية التي أقلقت المسلمين في جميع أقطار العالم لاعتداء اليهود على براقهم المقدس إنما هو من نتائج ذلك". توسع نطاق عمل الوكالة اليهودية، حتى شمل الكثير من الأمور السياسية ومجريات الأمور، وكان هذا التوسع بإذن من الحكومة البريطانية بعد مفاوضات طويلة انتهت في آب/ أغسطس 1929. وهذا بدوره أعاد الثقة والأمل للصهاينة في تحقيق أهدافهم وطموحاتهم. فعادت الهجرة الصهيونية إلى فلسطين بازدياد، وزادت نقمة الجماهير في فلسطين، ما عجّل باندلاع هبّة البراق؛ الأمر الذي دفع الجرائد بعد هذا التاريخ إلى أن توجّه سهام النقد إلى الانتداب البريطاني مباشرة، وأن تحرّض المقاومة على التخلص من الانتداب برمّته، مع اعتبار أن وعد بلفور هو فرع وأن الانتداب هو الأصل. فدعت جريدة الجامعة العربية إلى محاربة الانتداب من دون وعد بلفور، وقالت: "فعلامَ إذًا نكرّس حياتنا لمحاربة وعد بلفور وهو فرع من فروع الانتداب، ونترك الانتداب ذاته وهو أشد خطرًا على العرب والوحدة العربية من الصهيونية ومن كل شيء [...] في اعتقادنا أن هؤلاء الذين يصرفون أوقاتهم في محاربة وعد بلفور دون الانتداب، لا يخدمون أمتهم خدمة تذكر، بل على العكس يهدمون ما تبنيه الأمة للوصول إلى استقلالها بمعول الضعف والقناعة الذي يتسلح به هؤلاء الانتدابيون". وتحت عنوان: "لماذا يتحمل العرب وزر السياسة البريطانية؟"، جاء في الجريدة ذاتها: "ليس من الإنصاف أن يكتوي العرب بجحيم السياسة البريطانية والتي تسعى إلى تجريدهم من مميزاتهم القومية، والتي ما زالت تقوم على أساس التهديد والوعيد، بل البطش والتخميد، والتجريد والتشريد".

62  Robert John & Sami Hadawi, The Palestine Diary: 1914  -  1945 , vol. 1 (Beirut: Palestine research Center, 1970), p. 251.

66  Peter Mansfield, From British Mandate to the Present Day: Jerusalem the Key to World Peace (London: Islamic and Europe studies, 1980), p. 164.

  1. جريدة فلسطين، 2  /  11  /  1926.
  2. جريدة الجامعة العربية.
  3. المرجع نفسه، 15  /  11  /  1928.
  4. المرجع نفسه، 8  /  11  /  1928.
  5. جريدة الجامعة العربية، 25  /  11  /  1929؛ 7  /  4  /  1930.
  6. المرجع نفسه، 3  /  1  /  1930.
  7. المرجع نفسه، 29  /  11  /  1930.

خاتمة

لم يثُر نشر التصريح/ الوعد انتباهًا كبيرًا للأقلام الصحفية الفلسطينية في حينه، وكانت المعالجات الصحفية الخجِلة تعكس اعتقادًا صحفيًا سائدًا متمثلً بأن التصريح طارئ، ولا يعكس السياسة البريطانية وأنه سيصبح بعد حين طيّ النسيان. ويمكن أن نعزو ذلك إلى الغموض الذي اكتنف عبارات التصريح، خاصة أن صياغتها عملت على تحاشي الصراحة والتفصيل والدقة والتحديد؛ بسبب أن تعارض هذا المنحى مع التعهدات البريطانية للعرب التي مثّلتها مراسلات الشريف حسين – هنري مكماهون سنة 1915. ويصل البحث إلى نتيجة مفادها أن الخط الصحفي الفلسطيني حافظ على صيغة الاحتجاجات الصحفية على التصريح وبقي يدور في فلك الأقلام المسالمة، واكتفى بتقديم معالجات صحفية خجِلة، لا يختلف نهجها عن النهج الذي دفع في اتجاه الدعوة إلى الحراك السلمي ونبذ العنف. كانت ردات الفعل الصحفية الأولى على التصريح تنطلق، عمومًا، من الثقة بالصداقة البريطانية - العربية والتماس الأعذار لسياستها، فلم تخامر بعض الأقلام الهواجس والشكوك في أن الإنكليز كانوا مغلوبين على أمرهم بسبب حاجتهم إلى المال اليهودي. فتوجّهت الأقلام إلى مهاجمة الصهيونية وأغراضها الرامية إلى تحويل فلسطين إلى وطن قومي لليهود. إلا أن هذا النهج بدأ بالاستدارة مع بداية اشتعال الثورة التي تُوجت بثورة البراق عام 1929، فتغيرت نظرة الصحف إلى السياسة الإنكليزية ومراميها في فلسطين، وهو الأمر الذي دفعها إلى أن توجّه سهام النقد إلى الانتداب البريطاني مباشرة، وأن تحرّض المقاومة على التخلص من الانتداب برمّته، مع اعتبار أن وعد بلفور فرعٌ، وأن الانتداب هو الأصل.

المراجع

العربية

دار الغرب الإسلامي، 1988.

الحوت، بيان. القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917  -  1948. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1986.

ديسمبر 1988).

السفري، عيسى. فلسطين العربية بين الانتداب والصهيونية. القدس: منشورات صلاح الدين، 1981.

طنوس، عزت. الفلسطينيون: ماضٍ مجيد ومستقبل باهر. بيروت: مركز الأبحاث بمنظمة التحرير الفلسطينية، 1982.

العارف، عارف. المفصل في تاريخ القدس 1892  -  1973. القدس: مكتبة الأندلس، 1961.

القضية الفلسطينية والخطر الصهيوني. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية/ وزارة الدفاع الوطني، 1973.

الكيالي، عبد الوهاب. تاريخ فلسطين الحديث. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1970.

محافظة، علي. "الكوابح الاجتماعية للحركة الوطنية الفلسطينية (1918  -  1939)". المستقبل العربي. العدد 34 (1981).

الأجنبية

الثعالبي، عبد العزيز. خلفيات المؤتمر الإسلامي بالقدس 1350 ه-  1931 م. إعداد أحمد بن ميلاد. تحقيق حمادي الساحلي. بيروت: دروزة، محمد عزة. القضية الفلسطينية في مختلف مراحلها: تاريخ ومذكرات وتعليقات. صيدا: منشورات المكتبة العصرية، 1959. سخنيني، عصام. "تمثيل الشعب الفلسطيني في عهد الانتداب البريطاني". مراجعة تاريخية. شؤون عربية. العدد 44 (كانون الأول/

• Asali, Kamil Jamil (ed.). Jerusalem in History. Buckurst: Scorpion, 1989.

• Basil, Wiliam. Palestine of the Mandate. London: T. Fisher Unwin, 1925.

• Gilbert, Martin. Jerusalem in The Twentieth Century. New York: John Wilcy and Sons, 1996.

• Hanna, Paul. British Policy in Palestine. Washington: American Council on Public Affairs, 1942.

• Jarman, Robert (ed.). Political Diaries of the Arab World: Palestine and Jordan, 1924  -  19 36. London: Archive

Editions, 2001.

• John, Robert & Sami Hadawi. The Palestine Diary: 1914  -  1945. Beirut: Palestine research Center, 1970.

• Mansfield, Peter. From British Mandate to the Present Day: Jerusalem the Key to World Peace. London: Islamic

and Europe studies, 1980.

• Palestine Royal Commission Report. presented by the Secretary of state for the Colonies to Parliament by

command of his Majesty. London: July 1937.

• Palestine: A Study of Jewish-Arab and British Policies. New Haven: Yale University Press, 1970.

• Political Diaries of the Arab World: Palestine and Jordan 1924  -  19 36. Robert Jarman (ed.). UK: Archive Editions, 2001.

• Segev, Tom. One Palestine Complete: Jews and Arabs Under The British Mandate. New York: Henry Holt and

Company, 1999.

• Sherman, A. J. Mandate Days: British Lives in Palestine 1918  -  19 48. London: The John Hopkins Press, 2001.

• Sykes, Christopher. Cross Roads to Israel. London: the New English Library, 1969.

• Weizmann, Chaim. Trial and Error: The Autobiography of Chaim Weizmann. London: Hamish Hamilton, 1950.