العودة إلى تفاصيل المؤلَّف سارقو الزمن: دراسة في تطور العقليات في أوروبا خلال عصر النهضة

سارقو الزمن: دراسة في تطور العقليات في أوروبا خلال عصر النهضة

Time Bandits: A Study of the Development of European Mentalities during the Renaissance

خالد طحطح

Khaled Tahtah

الملخّص

شغلت قضية التحولات الذهنية في العصرين الوسيط والحديث العديد من المؤرخين، خصوصًا جاك لوغوف الذي اشتغل على قضية تطوّر الحياة الدينية والاقتصادية وتأثيراتها في عقليات الأفراد المسيحيين، وتتبَّع في إحدى أهمّ دراساته كيفيّة انتقال المجتمع الأوروبي في فترة التحولات الاقتصادية الجديدة من موقف حظر الرِّبا وتحريمه إلى موقف القبول به، كما قام برصد تغيُّر جغرافيا الآخرة من خلال بروز المطهَر بوصفه فضاء جديدًا بين الجنةّ والناّر في النصف الثاني من القرن الثاني عشر. إن المواقف والتصورات الذهنية المسيحية تغيرت مع مرور الزمن؛ إذ موازاةً مع الولادة الثانية للمَطهر خلال القرون الأخيرة من العصر الوسيط، حدثت تحوّلات في الهياكل الاجتماعية والبنى الاقتصادية. فكيف تمَّ إنشاء معتقد المَطهر من طرف الكنيسة الكاثوليكيَّة؟ وما موقف المصلحين البروتستانت منه؟ وما علاقته بظاهرتي الرِّبا وصكوك الغفران؟ وكيف سحب التجار والمصرفيون المسيحيون البساط من اليهود المرابين أواخر العصر الوسيط؟ وما علاقة معتقد المطهر بالهياكل الاجتماعية والبنى الاقتصادية الجديدة التي بدأت تتشكَّل تدريجيًا مع بداية عصر النهضة؟ وكيف أصبح الأوروبي المسيحي حرًا في تعاملاته المالية بعد أن قيَّدت الكنيسة معاملاته المالية عقودًا من الزمن؟ وكيف مهَّدت نهضة القرنين الخامس عشر والسادس عشر لدخول أوروبا الغربية مرحلة الأزمنة الحديثة؟

Abstract

The issue of changes in mentality between the Middle Ages and the modern period has consistently engaged historians; in particular Jacques Le Goff, who worked on the issue of the development of religious and economic life and its effects on Christian mentalities. In one of his most important studies, he notes how, during the phase of economic change, European society shifted from prohibition to acceptance of lending of money with interest. He also observed the change in the geography of the afterworld in the second half of the twelfth century with the appearance of Purgatory as a new space between Heaven and Hell. This study attempts to answer the following questions: How did the Catholic Church create a belief in Purgatory? What was the position of Protestant reformers on it? What is its take on charging interest and on indulgence? And how did Christian merchants and bankers pull the carpet from under Jewish money- lenders at the end of the Middle ages? The study also delves into the relationship between the belief in Purgatory and the new economic structures that gradually took shape at the beginning of the Renaissance; how Christian Europeans became free in their financial dealings after the Church had banned the practice for decades; and how the Renaissance of the fifteenth and sixteenth centuries paved the way for Western Europe to enter the modern period.

الكلمات المفتاحية:
  • المطهر
  • الربا
  • الذهنيات
  • السكولائية
  • التاريخ النفسي
Keywords:
  • Purgatory
  • Interest
  • Mentalities
  • Psychological History
  • Psychology

دراسة في تطور العقليات يف أوروبا خلال عصر النهضة

Time Bandits

A Study of the Development of European Mentalities during the Renaissance

كلمت مفتاحية:  المَطهر، الرِّبا، الذهنيات، التاريخ النفسي، السكولائية.

مقدمة

اعتنى حقل التاريخ بدراسة العقليات والتمثُلّات؛ إذ وقع التركيز على دراسة المخيال والذهنيات، فظهر العديد من الدراسات والأبحاث عن الممارسات الرمزية للأفراد والمجموعات4. وقد برز تاريخ العقليات ردة فعلٍ تجاه هيمنة التاريخ الاقتصادي والحضاري، وهو ينفصل عن تاريخ الأفكار أيضًا ويختلف عنه، فقد نشأ في تضادٍّ معه16، بل إنه قام على النقد الصارم لهذا النوع من التاريخ المنغلق على ذاته في نقاشات لازمنية مجردة18. وقد أمسك مارك بلوخ ولوسيان فيفر في إطار مشروعهما الاحتوائي في مجال العلوم الإنسانية بمنطقة أخرى من مناطق المعرفة، تلك التي عُرفت باسم دراسة الذهنيات والتي وفدت من الإثنولوجيا وعلم النفس. إنّه تطعيم جديد سمح بتكوين تاريخ - نفسي واعد وعلم نفس استيعادي يهدف إلى إعادة بناء الأطر الذهنية للعصور الماضية، بل إنّ من شأنه تحقيق مشروع بروموتيوس في إعادة إحياء الماضي كما عرَّفها جول ميشليه في القرن التاسع عشر19، وإحداث قطيعة مع كل مفارقة تاريخية، وهو مجال أيفعَ بعد الحرب العالمية الأولى ونما وترعرع خلال مرحلة الستينيات من القرن العشرين بالخصوص، من خلال انبثاق دراسات متعددة. لكنه سرعان ما امّحَى وتوارى نوره وامتحق، إذ تجاوزه الزمن ليحل محله توجُّهٌ جديد ناشئ عنه، ومرتبط به في جوانب كثيرة، دُعي بالأنثروبولوجيا التاريخية، اتَّكأ على مناهج تنتمي أكثر إلى تيار البنيوية الصاعد آنذاك20. ومع ذلك، فإن الأنثروبولوجيا التاريخية التي انتعشت مع رواد الجيل الثالث من الحوليات وتألقت منذئذ، لا تزال أبحاثها، تلك التي اعتنت بمجال الذهنيات خصوصًا، الأكثر ثراء23. تُعد دراسات فيفر التي خصَّصها للمواقف الفردية والجماعية كما في كتابه عن مارغريت دي نافاري، أخت فرانسوا الأول، النبيلة والتقية التي يُنسب إليها كتاب مرآة النفس المخطئة، وهو ديوان في الأذكار مليء بالحكايات السيئة السمعة والقصص الفاحشة، وكذا في كتابيه عن فرانسوا الأول47، وديانة رابليه51، من الكتب المؤسسة التي اهتمت بالذهنيات. وقد تمكن فيفر أيضًا في أحد أبحاثه من إقامة ترابط مدهش بين رواج شركات التأمين ومسار انتزاع المسيحية من النفوس ابتداء من أواخر القرن التاسع عشر52. ولقد وقف مارك بلوخ بدوره في كتابه المجتمع الإقطاعيعلى أشكال الإحساس والفكر والذاكرة الجماعية، كما اهتم بفهم الزمان عند الناس

1  خالد اليعقوبي وخالد طحطح، التاريخ من أسفل: في تاريخ الهامش والمهمش، سلسلة شرفات 81 (سلا، الرِّباط: منشورات الزمن، 2016)، ص 15. 2  جاك لوغوف، "العقليات تاريخ مبهم"، ترجمة محمد حبيدة، مجلة فكر ونقد، العدد 17 (1999)، ص 132 - 133. 3  لقد أخذ فيفر مبكرًا على تاريخ الأفكار هذا انغلاقه في نقاشات مجردة ولازمنية وإسقاطه شبكات القراءة المغلوطة على الماضي. انظر: جاك روفي، "تاريخالعقليات"، ترجمة محمد حبيدة، مجلة أمل، العدد 7 (1996)، ص 64.

5  فرانسوا دوس، التاريخ المفتت من الحوليات إلى التاريخ الجديد، ترجمة الطاهر المنصوري (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009)، ص 129 - 133. 6  أندري بورغيار، "الأنثروبولوجيا التاريخية"، في: التاريخ الجديد، إشراف جاك لوغوف، ترجمة وتقديم محمد الطاهر المنصوري (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007)، ص 271 - 272. 7  كان لوسيان فيفر يروي حكاية، "في الصباح الباكر غادر فرانسوا الأول فراش عشيقته للعودة متخفيًا إلى قصره. لقد مرَّ أمام كنيسة في الوقت الذي تُقرع فيه النواقيس إيذانًا بوقت الصلاة، فأثر ذلك فيه، فدخل لحضور القداس والصلاة في خشوع". يفاجأ إنسان اليوم ويتساءل كيف يجمع هذا الملك بين الحب الآثم والتقوى الصادقة؟ ذلك ما يسمى "المواقف الذهنية" التي تحتاج إلى تأويل مؤرخ الذهنيات الذي لا يقر باستمرار المشاعر نفسها بالنسبة إلى كل فترة وفي كل الثقافات. انظر: فيليب أرياس، "تاريخ الذهنيات"، في: التاريخ الجديد، ص 277، 278. 8  قدم فيفر عرضًا مثاليًا بخصوص إجرائيات التاريخ الجديد للعقليات ومناهجه، وذلك من خلال طرحه النقدي أمام أعين قدماء العلماء الوضعانيين مثل أبيل لوفران مؤكِّدًا الاستحالة الموضوعية للإلحاد زمن رابليه، إذ كانت الديانة تخترق مجموع نسيج الحياة الجماعية. محمد حبيدة، من أجل تاريخ إشكالي، ترجمات مختارة (القنيطرة: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2004)، ص 151. 9  لِمَ؟ ومِمَّ ينبغي للفرد الاجتماعي أن يؤمّن على نفسه باستمرار؟ إنه الخوف. هناك تاريخ وجغرافيا اجتماعية للخوف. انظر: ريجيس دوبريه، نقد العقل السياسي، ترجمة عفيف دمشقية (بيروت: منشورات دار الآداب، 1986)، ص 296.

  1. Christian Delacroix, François Dosse & Patrick Garcia. Les courants historiques en France XIX-XX. Collection Folio histoire (Paris: Edition Armand Colin, 2005), p. 426.

في القرون الوسطى. وقد تطرَّق في كتابه الملوك صُنّاع المعجزاتإلى الممارسات الرمزية والتَّمثلات الذهنية للمجموعات الاجتماعية، من خلال التركيز على الاعتقادات الخرافية والتصورات الجماعية الواسعة الانتشار في إنكلترا وفرنسا خلال حقبة امتدت من القرون الوسطى إلى القرن الثامن عشر، بشأن مُكْنة الملوك على علاج مرض جلدي انتشر في ذلك الوقت بوَضْعِ اليد على المريض55. كما أن سُلَّ الغدد اللمفاوية سُمِّي "داء الملك" لارتباط شفائه بلمسته. ولذا وفي مناسبات طقوسية ثابتة، كان آلاف الناس يتقاطرون حول الملك للحصول على هذه الهبة. وتعود جذور الاعتقاد بقدرات الملوك الإلهية والسحرية إلى فترات قديمة جدًا، وتجد لها أصولً في اعتقاد البدائيين بالأصل الإلهي للملوك. وعلى الرغم من معارضة الكنيسة هذه الكرامات والقوى الفائقة للطبيعة (على سبيل المثال رسالة البابا غريغوريوس السابع إلى هرمان رئيس أساقفة ميتز في الموضوع)58، فإن قدرة الملوك على الشفاء ظلت عالقة في أذهان الشعب الإنكليزي إلى فترة وصاية حكومة أوليفر كرومويل، إذ لم يعد يمارَس هذا النوع من الشفاء، بينما اندثر هذا الاعتقاد في فرنسا بُعيد ثورة عام 178960. لهذه الأبحاث وغيرها دورٌ كبير في تأسيس البحث في الذهنيات67، ويجب ألّ تهمّش حالة ميشليه في القرن التاسع عشر، الذي دفعه مشروعه من أجل "بعث كامل للماضي"، إلى اعتماد الإثنولوجيا أساسًا لتناول الظواهر التاريخية، وقد اعتبره لوسيان فيفر رائدًا لتاريخ الأحاسيس والذهنيات وممهِّدًا لانبلاجه. كما يجب عدم إغفال الدور الكبير الذي أدّته بعض الشخصيات المستقلة والمنفردة، والتي كان لها الدور الطلائعي أيضًا في بروز تاريخ العقليات على الرغم من أنها ظلَّت على الهامش مقارنة بمجموعة حوليات ستراسبورغ التي شكَّلت النواة للمدرسة الفرنسية الشهيرة. ونشير في هذا الصدد إلى المؤرخ الهولندي يوهان هويزنغا والألماني نوربير إلياس صاحب الكتابات المجدِّدة التي نشرت عام 1939، وماريو براتز مؤرخ الآداب الملعونة. برزت أيضًا دراسات جورج دوبي إضافة إلى أبحاث زميله روبير ماندرو، فهذا الأخير، وهو أحد المقرَّبين من لوسيان فيفر، أوكل إليه تحرير مقالة "الذهنية" لفائدة الموسوعة العالمية (عام 1968) وذلك في الوقت الذي كان فيه هذا الشكل التاريخي يعرف اهتمامًا مطّردًا في الحقل التاريخي، ونلمس لديه إيثار البُعد النفسي في التّاريخ من منظور شمولي، على الرغم من صرامته وتحفُّظِه الشديد إزاء التحليل النفسي. انتشرت دراسات مستفيضة في هذا الحقل الذي انتعش انتعاشًا كبيرًا، فقد حازت دراسة فيليب أرياس، التي ظهرت عام 1960 حول تاريخ الطفولة، أهمية مركزية بالنسبة إلى تطور تاريخ الذهنيات، ثم أعقبها بنشر بحث في تاريخ الموت في القرون الوسطى. ثم توالت أبحاث أخرى عن العلاقات الجنسية وأنماط الحياة اليومية والخوف والحب وشعائر التّطهير الديني، وحول ثقافة القرية وذهنية سكانها، وحول الكرنفالات أيضًا. وفي كل ذلك نلمس الاهتمام بطرق انتقال العادات والأفكار بين الأجيال، وكيفية نشوء المواقف الفكرية

10  كريستوف فولف، علم الأناسة: التاريخ والثقافة والفلسفة، ترجمة أبو يعرب المرزوقي (أبوظبي: مؤسسة كلمة للترجمة، 2009)، ص 98. ومن الواجب التنبيه إلى أن قدرة الأشخاص على علاج الأمراض بوضع اليد على المريض انتشرت في العديد من المجتمعات، ففي روسيا مثلًاشتهر غريغوري راسبوتين (ت. 1916)، بصفة "المعالج." انظر: كولن ويلسون، راسبوتين وسقوط القياصرة، ترجمة فاضل مالك البديري (عمان: الدار الأهلية للنشر والتوزيع، 2016). 11  فرانز ليوبولد نويمان، البهيموت: بنية الاشتراكية القومية (النازية) وممارستها، 1933 - 44 19، ترجمة حسني زينة، مراجعة ثائر ديب، سلسلة ترجمان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، ص 140. 12  المرجع نفسه، ص 141. 13  أرياس، ص 280. 14  بورغيار، ص 240، 241. 15  أرياس، ص 280.

  1. Delacroix et al., p. 423.

الجديدة. وفي عام 1978، عرف تاريخ الذهنيات أوجَهُ مع تربُّع فيليب أرياس على عرش إدارة المدرسة العليا للعلوم الاجتماعية EHESS. وقد أوكِلَت إلى هذا الرّائد الذي ظلَّ متجاه لً سنوات، مهمَّة تحرير مقالة "تاريخ الذّهنيات" التي ذكر فيها بالدور الريادي لجيل بلوخ وفيفر. كما شغلت قضية التحولات الذهنية في الفترة بين العصر الوسيط والحديث المؤرخ جاك لوغوف الذي يعود إليه الفضل في تحديد مفهوم تاريخ الذهنيات ونجاحه، فقد استطاع بوساطته سلَّ التاريخ من النزعة الاقتصادوية الضيقة، ونقله إلى فضاء أرحب. وتكمن جاذبية هذا النوع (التاريخ الذهنياتي) في طابعه المبهم الذي مكَّنه من الاقتراب من علم الإثنولوجيا وعلم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي، فالروابط بين هذه الحقول غدت ذات أهمية إستراتيجية. ولا شكَّ في أنّ الطابع المبهم لهذا المفهوم الغامض المرتبط بالذهني هو الذي مكّن التاريخ من "الحرث" في أراضي العلوم الاجتماعية الأخرى. اشتغل جاك لوغوف، في هذا السياق، على قضية تطوُّر الحياة الدينية والاقتصادية وتأثيراتها في عقليات الأفراد، وتتبَّع في إحدى دراساته كيفية انتقال المجتمع الأوروبي في فترة التحولات الاقتصادية الجديدة من موقف تحريم الرِّبا بشتّى أنواعه إلى موقف القبول. كما قام برصد تشَكُّل المَطْهَر Purgatoire بوصفه فضاءً جديدًا ثالثًا بين الجحيم والفردوس، وإبراز أسباب ازدهاره في الغرب القروسطوي خلال النصف الثاني من القرن الثاني عشر الميلادي ونجاحه السريع في القرن اللاحق، وحاول في نهاية المطاف أن يشرح ارتباطه الوثيق بهذه اللحظة المهمة من التاريخ المسيحي.

أولً: المرابون سارقو الزمن

حرَّمت الكنيسة الكاثوليكية الرِّبا في القرون الوسطى اعتمادًا على النصوص الواردة في الكتاب المقدس، وقد خاضت البابوية معركة شديدة ضد الرِّبا طوال قرون؛ ففي مجمع لاتران الثاني الذي عُقد عام 1139 م، تقرر "أن من يرتكب الرّبا دون أن يتوب يُحرم من أسرار الكنيسة ولا يدفن في أرض مسيحية". وبلغ تحريم الرِّبا ذروته مع مرسوم أوربان الثالث نحو عام 1187 م. ولكن في الممارسات العملية ابتدع المسيحيون طرقًا ملتوية لمزاولته؛ إذ استطاع المصرفيون تمويه تقاضي الفائدة عن طريق إقراض المال بإحدى العملات ثمّ تحصيله بعملة أخرى. وتَبِعَ هذه العملية وضعُ سعر صرف قارّ يسمح للتاجر المصرفي بتحقيق ربح من خلال نسبة مئوية من المبلغ الأصلي. وكان هناك حلٌّ آخر يتمثّل في توظيف التجار اليهود للتعامل مباشرة مع كل ما يتعلق بالقروض، فكانوا يقومون بدور الوساطة التجارية، "ذلك لأنّ اليهود لم يكن لديهم حظر ديني رسمي ضدّ الرّبا أثناء تعاملهم مع غير اليهود، فكان متاحًا لهم التعامل الربوي مع المسيحيين وغيرهم من الطوائف الدينية الأخرى "للأجنبي تقرض بربا ولكن لأخيك لا تقرض بربا لكي يباركك الرب (التوراة، التثنية)". ومن هذه المهمّة "القذرة" نشأت الصورة النمطية المعادية للسَّامية وترسّخت لاحقًا ضد اليهود، "فنزعة هؤلاء المزعومة نحو التمويل الدولي كانت نتيجة مباشرة لنفاق المسيحيين"، الذين كانوا يمارسون الرِّبا في الخفاء ويستنكرونه في العلن.

17  خالد طحطح، "الأنثروبولوجيا التاريخية"، المجلة العربية (تشرين الأول/ أكتوبر 2016)؛ خالد طحطح، "التاريخ من مجال العقليات إلى مجال الأنثروبولوجيا"، المجلة العربية (أيلول/ سبتمبر 2016.)

21  فرناند بروديل، الحضارة المادية والاقتصاد والرأسمالية من القرن الخامس عشر حتى القرن الثامن عشر، ج 2: التبادل التجاري وعملياته، ترجمة مصطفى ماهر (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2013)، ص 729. 22  جاك لوغوف، هل يجب حقًا تقطيع التاريخ شرائح؟ ترجمة الهادي التيمومي (البحرين: هيئة الثقافة والآثار، 2018)، ص 104.

  1. Delacroix et al., p. 429.
  2. Ibid., p. 426.
  3. Jacques Le Goff,  La naissance du purgatoire (Paris: Gallimard, 1981).
  4. جيري بروتون، عصر النهضة، ترجمة إبراهيم البيلي محروس، مراجعة هبة نجيب مغربي (القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2014)، ص 33؛ محمد حناوي، البحر المتوسط بين الإسلام والمسيحية، القسم الأول، سلسلة الكتاب الجامعي 3 (الرِّباط: جامعة محمد الخامس أكدال، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرِّباط، 2014)، ص 40 - 43.

كان اليهود، بتعبير زيغمونت باومان، "يشكلون جماعات وسيطة"، إذ كانوا خدمًا للنبلاء والأشراف وأصحاب الأموال في الدول الأوروبية خلال فترة العصر الحديث، ومارسوا جميع الوظائف التي تطلَّبَتها الهيمنة الاقتصادية والمالية للبرجوازيين المسيحيين، وظلّ المجتمع ينظر إليهم باعتبارهم "جماعات وظيفية" ارتبطت مكانتها الاجتماعية داخل أوروبا بالتغيرات الاقتصادية والسياسية. وبوجه عام، كانت النخب المالية حريصة على توظيف اليهود في وظائف ضرورية يعتبرونها مشينة من الناحية الدينية، فيستنكفون عن القيام بها بأنفسهمكانت التجمعات اليهودية تعيش في كل أرجاء أوروبا مدة قرون طويلة، رغم طردها الرسمي من إنكلترا عام 1290 م، ومن إسبانيا عام 1492، وفي الفترة الاستقطابية من الصراع الكاثوليكي  - البروتستانتي واجه اليهود اتهامات بجرائم خطيرة انضافت إلى جريمة التعامل الربوي، فقد وُجِّهت إليهم الأصابع مباشرة بكونهم يقفون وراء تسميم الآبار، وكذا قتل المسيحيين الصبيان لأغراض الشعوذة والسحر. ولذا، فإنهم كانوا يجبرون على وضع شارة صفراء مميزة لهم علامة للخزي والعار. ولم تكن البروتستانتية أكثر تسامحًا معهم، ففي عام 1514 ادّعى لوثر أن اليهود يمارسون اللعن والتجديف في حق الرّب والملك المسيح. وقد هاجمهم بشدّة في كتابه الشهير اليهود وأكاذيبهم؛ لأنهم لم يكونوا يرون في المسيحية سوى هرطقة يهودية، كما أنّهم أنكروا نبوّته ودرجته. لطالما اضطُهد اليهود بزعم ممارستهم شعائر سحرية إضافةً إلى مزاولتهم الرِّبا، وهو اتهام نُسِبَ إليهم مع الدولة الرومانية تحديدًا. وفي أوروبا خلال العصر الوسيط استمرت فكرة ممارسة اليهود هذه الشعائر راسخةً بعمق ومتجذرةً في الثقافة الشعبية المسيحية وفي ذهنية الأوساط الاجتماعية بمختلف طبقاتها، وقد انتشر كثير من القصص عن قتل اليهود الأطفال المسيحيين عقب ممارستهم بعض طقوسهم الدينية. وربما تركّزت هذه الأحداث أثناء فترة اشتغال اليهود بتجارة العبيد في العصور الوسطى المبكرة، وهي الفترة التي اشترى فيها تجارهم الأطفال من أهاليهم الفقراء ثم قاموا بشحنهم على ظهور السفن إلى العالم الإسلامي. وقد اعتبر ماكس هوركهايمر وتيودور أدورنو المبالغات السادية التي ألصقت بهم، من قتل الأطفال ومحاولات تسميم الأمم والمؤامرات العالمية، السبب في بروز التصورات التخيلية المعادية للسامية عبر التاريخ، حتى قبل ظهور هذا المصطلح بزمن طويل.

24  كان إسهام اليهود في التوسط بين مختلف الثقافات مهمًا، وهذا ملحوظ في توسطهم بين العالمين الإسلامي والمسيحي الغربي في العصور الوسطى الأوروبية. انظر: إريك هوبزباوم، أزمنة متصدعة: الثقافة والمجتمع في القرن العشرين، ترجمة سهام عبد السلام، سلسلة ترجمان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص 134. 25  زيجمونت باومان، الحداثة والهولوكوست، ترجمة حجاج أبو جبر ودينا رمضان (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 2014)، ص  29. 26  كان اليهود يعيشون في مجموعات شبه مغلقة على نفسها، ووجدوا أنفسهم مضطرين إلى التفكير في أسباب محنتهم وفي العهد القائم بين يهوه وشعبه. انظر: عبد المجيد الشرفي، الفكر الإسلامي في الرد على النصارى، إلى نهاية القرن الرابع/ العاشر، ط 2 (بيروت: دار المدار الإسلامي، 2005)، ص 38. 27  أراد ملوك إسبانيا فرض المسيحية قسرًا على اليهود، فمن أسعفته الظروف هاجر إلى الأراضي المنخفضة، ومن بقي منهم أجبروا على تبنّي المسيحية، لكنهم ظلوا سرًا على ولائهم لدينهم، وعرفوا باسم "المرانيون"، وهي عبارة قدحية شائنة تشير إلى المسيحيين الجدد من اليهود. انظر: بيار فرانسوا مورو، إسبينوزا والإسبينوزية، ترجمة جورج كتورة، سلسلة نصوص (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2008)، ص 31؛ هوبزباوم، ص 135. 28  موريس بيشوب، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، ترجمة علي السيد علي (القاهرة: المشروع القومي للترجمة، 2005)، ص  357. 29  انظر: أوين ديفيز، السحر، ترجمة رحاب صلاح الدين، مراجعة هبة نجيب مغربي، سلسلة مقدمة قصيرة جدًا (القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2014)، ص 57. 30  كان لزامًا على اليهود دفع مبالغ من أجل حصولهم على حق الاشتغال بالتجارة. كما كان عليهم أن يُعلقوا على ملابسهم علامة مميزة لهم من غيرهم، وأن يرتدوا بالضرورة غطاءً للرأس مدبب الشكل. انظر: بيشوب، ص 231، 230. 31  بروتون، ص 73. ومن المعلوم أن الخطاب المعادي لليهودية الذي ميَّز أوروبا أواخر العصور الوسطى كان له تأثير كبير في فكر مارتن لوثر. 32  عندما فشل مارتن لوثر في إقناع اليهود بالتحول إلى مذهبه البروتستانتي، عاد إلى التوراة للاستدلال على أن يسوع هو المخلّص الذي تنبّأ به سفر العهد القديم، وبما أن اليهود رفضوا الاعتراف بالمسيح، واعتبروه "غشاشًا وهرطوقيًا"، فَهُمْ في نظره كفار وكذّابون وعملاء الشيطان. انظر: مارتن لوثر، اليهود وأكاذيبهم، دراسة وتقديم وتعليق محمود النجيري (الجيزة: مكتبة النافذة، 2007). 33  بيشوب، ص 168، 169. 34  ماكس هوركهايمر وتيودور أدورنو، جدل التنوير: شذرات فلسفية، ترجمة جورج كتورة (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2006)، ص 128.

لم تتوقف هذه الاتهامات والجرائم في حق اليهود، ففي عام 1235 م، على سبيل المثال، وقعت مجزرة رهيبة في مدينة فولدا الألمانية عقب انتشار شائعات بقيام طائفة يهودية بقتل أطفال مسيحيين أثناء ممارسة شعائرها السحرية بغرض استخدام دمائهم في طقوس علاجية. وفي مدينة بيزييه كان من حقّ الرعاع أن يقذفوا منازل اليهود بالحجارة طوال أيام أسبوع الآلام الذي يسبق الفصح. وكان ثمَّة اعتقاد بكون اليهود هم من سرقوا الخبز المقدس من الكنائس وثقبوه حتى سالت منه دماء استعملوها في طقوسهم السحرية الشَّيطانية، ولذا فقد تَمّ نفيهم من أغلب بلدان أوروبا الغربية في اتجاه الشرق، نحو بولندا وروسيا تحديدًا. كما كانت الأصوات الشعبية تهاجم الصيارفة اليهود لأنهم يفرضون فوائد عالية على القروض التي يمنحونها للفقراء، ما يغرق هؤلاء في فقر مدقع، وقد حصل في نهاية القرن الخامس عشر أن شكَّل فلاحو الألزاس رابطة القباقبة التي كانت تطالب في آن معًا بإبادة المرابين اليهود، وإلغاء الديون المتأخرة عنهم. كان اليهود مصدرًا للغموض والخطر الدائم، رغم اندماجهم في الاقتصاد الرَّأسمالي خلال المراحل اللاحقة، وكان تعاملهم بالرِّبا أحد أسباب معاداة المسيحيين والمسيحية لهم، إضافة إلى اعتبار اليهود مسؤولين عن صلب المسيح، وقد تزايدت حدَّة العداء لهم، ويبدو بحسب المؤرخ جاك لوغوف أنَّ تحسّن الظروف الاقتصادية عام 1099 م قلب الأوضاع رأسًا على عقب بالنسبة إلى هذه النقطة تحديدًا، فقد أحْيَتْ معاينة المحاربين والحُجّاج لبيت المقدس عن كثب خلال الحروب الصليبية شعورًا دفينًا لديهم بالحقد على اليهود الذين كانوا، في نظرهم، وراء المصير الذي انتهت إليه حياة المسيح، فأخذ هذا الشعور ينمو بوتيرة سريعة وتحوَّل خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر إلى عمليات تنكيل وملاحقة لليهود من قبل عامَّة المسيحيين؛ فتهمة خيانة السَّيد المسيح التصقت بهم فترة طويلة، إذ تشير الروايات إلى أنّ التلميذ يهوذا أقدم على بيع مُعلمه وتسليمه للقوّات الرّومانية، وهو كما يتَّضح من اسمه يهودي المنبت والأصل والانتماء. وكان الجشع المادي السبب الرئيس للخيانة بحسب النصوص المقدّسة المسيحية. وقد ظلَّت سمعة يهوذا ولا تزال سيئة في أوساط العوام المسيحيين، على الرغم من أن الكنيسة الكاثوليكية غيَّت مواقفها في الفترة الرَّاهنة تجاه اليهود في هذه النقطة على وجه الخصوص. عرفت نهاية فترة العصور الوسطى ازدهار حركية التجار والمصرفيين، وكان لا يزال يَنْظر خلالها رجال الدين إلى المرابي بكونه غارقًا حتى أذنيه في الخطيئة؛ ذلك أنه كان يجني حتى خلال نومه الربح. مثل هذا الكلام نجده في أشعار العصر الوسيط وفي الأقوال الحكيمة للوعاظ والمعلمين الكنسيين، فما كان يرويه هؤلاء عن المرابين والمقرضين من النكت المتهكِّمة كثير جدًا، ولعل من الأسباب التي جعلتهم يرفضون جني الربح من دون مجهود، أن إحدى أهم القواعد المسيحية تؤكد أهمية مزاولة نشاط مقابل سَدّ الحاجيات "تثمين العمل"، على الرغم من أنّ أثره كان غائبًا في الكنيسة ولدى رجال الدين. وكان هذا الإلزام بمنزلة تكفير عن الذنب الأول؛ ذلك أن الله عاقب آدم وحواء على الخطيئة بأن حكم عليهما بمزاولة العمل، بل إن المرابي كان يُشبَّه بسارق الزمن وسارق الإله كما ذكر المؤرخ الفرنسي فرناند بروديل في كتابه الحضارة المادية والاقتصاد والرأسمالية. تحيل سرقة الزمن هنا على القرض بالفائدة "فالمال لا ينبغي له أن يلد مالً". وهذه العبارة كرّرها القديس برناردينو وردّدها مجمع تورينتو في عام 1563، فالحصول على فائدة أو ربح يعني أن الذي قدَّم القرض باع الزمن الذي قدّم خلاله القرض، وجعل من المال العقيم بذاته منتجًا يتكاثر، وبذلك فهو يسرق الإله باعتبار

35  ديفيز، ص 12. 36  بيشوب، ص 231. 37  ديفيز، ص 12. 38  ج. ويتلر، الهرطقة في المسيحية: تاريخ البدع الدينية المسيحية، ترجمة جمال سالم (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، 2007)، ص 191. 39  جاك لوغوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ تعريب وتقديم محمد حناوي ويوسف نكادي (وجدة: مطبعة مفكر، 2015)، ص 159. 40  المرجع نفسه، ص 152.

الزمن هبته وملكًا له وحده ولا يجوز إذًا بيعه، فبعمله المحرم هذا سيكون المرابي يوم القيامة في النار لأنه سرق الله وسرق إخوانه في العقيدة الدينية. ولذلك تم تهميش اليهود في أوروبا باعتبارهم سارقي الزمن والإله لتعاملهم بالرِّبا وإقراضهم المال بالفائدة، فكانت لهم بسبب ذلك مكانة دونية، لأنهم يتخذون من الوقت سلعة، بيد أن وضعهم سرعان ما سيتغير. فبعد التطبيع المسيحي مع المعاملات المالية خلال عصر النهضة وبعد الثورة الصناعية، أدى اليهود أدوارًا مهمة في ازدهار الرأسمالية العالمية إلى جانب الطبقة البرجوازية التي تشكَّلت خلال تلك الفترة قوةً رئيسة مؤثرة، ولم يعانوا الإقصاء الممنهج إلا في فترة الحرب العالمية الثانية من طرف القوات الألمانية التي عملت على اقتلاع جذورهم وإبادتهم وطردهم، ومن اللازم الإشارة هنا إلى أن آلة الدعاية النازية استخدمت تصريحات المصلح الديني، مارتن لوثر، لتجييش مشاعر الكراهية. فقد اعتبر فرانز ليوبولد نويمان لوثر، بكثير من المبالغة، أول معادٍ صريح للسامية، مرتكزًا في ذلك على فكرة طرد اليهود من ألمانيا التي اقترحها المصلح الديني في زمانه، بقوله: "أراضينا وشوارعنا مفتوحة أمامهم كي ينتقلوا إلى بلادهم إذا أرادوا. سوف نهديهم الهدايا بسرور كي نتخلص منهم لأنهم عبء ثقيل كالطّاعون والوباء والنكبة في بلدنا"، وتلا هذا القول أقوالٌ أخرى مشحونة بالحقد المُرّ والضغينة ضدَّهم، لكن عزو المحرقة اليهودية مباشرة إليه كما بدا ذلك في كتاب البهيموتلفرانز نويمان، أو كما رمى إلى ذلك ويليام شايرر لا ينبئ بالدقة من الناحية التاريخية، فعدد كبير من رجال الدين المسيحيين اللوثريين الألمان احتجّ على فظائع النازية.

ثانيًا: ولادة المَطهَر: شقاق يف الكنيسة

ظلَّت مهنة تقديم القروض مقابل فائدة موضوع تحقير وتبخيس ليس من جانب الكنيسة الكاثوليكية فحسب، بل حتَّى من "المجتمع الأوروبي المسيحي القروسطوي"؛ ذلك أنّ المصالح الاقتصادية كما عبّ عنها إريك فروم كانت تابعة للهَمّ الحقيقي في الحياة الذي هو الخلاص، وأنّ التصرّف الاقتصادي هو أحد جوانب التصرّف الشّخصي. غير أنّ المواقف أخذت تتغيَّ مع مرور الزمن، وفجأة، وفي لحظات القرن الثاني عشر الميلادي، وُلد المطهر ولادة جديدة، وهو حلقة من بين أهم الحلقات التي ميّزت التّاريخ النفسي والاجتماعي للغرب المسيحي. فكيف أنشأت الكنيسة الرومانية الكاثوليكية هذا المعتقد ورسّخته خلال القرون الأخيرة من العصر الوسيط؟ وكيف حدث هذا التَّحول والتغيير في العقليات؟ وما علاقته بالهياكل الاجتماعية والبنى الاقتصادية؟ منذ القرون الأولى ساد اعتقاد لدى الكاثوليك بإمكانية وجود عقاب على بعض الخطايا بعد الموت، في مكان ما بين الجحيم والجنة، لكن لم يكن هناك مكان واضح وخاص للتكفير عن الذنوب. ففي رسالة القديس بولس إلى أهل كورنثوس ترد إشارة إلى أن النار ستمتحن عمل كل فرد وتميز بين الخير والشر، وتكلمت المدرسة السَّكندرية على لسان القديس كلمنصو الغنوصي وعلى لسان أوريغون في القرنين الثاني والثالث الميلاديين عن تطهُّر النّفوس من الآثام بالنيران في الحياة الآخرة. وقال القديس أوغسطينوس في مدينة اللهفي القرن الخامس إن المطهر امتداد للتطهُّر الذي ينال الروح في أثناء الحياة، إلا أنه في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الميلادي انتشرت في أوروبا قصص عن المطهر مستمدة من رؤيا القديس باتريك الإيرلندي الذي يرجع أصله إلى القرن الخامس، وخلاصة الرؤيا أن أورين

41  بروديل، ص 729 - 731. 42  سكوت إتش هندريكس، مارتن لوثر، ترجمة كوثر محمود محمد، مراجعة هبة عبد العزيز غانم، سلسلة مقدمة قصيرة جدًا (القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2014)، ص 104، 106. 43  اعتبر فرانز ليوبولد نويمان مواقف لوثر أساس الأفعال المعادية للسامية إلى أن جعلتهما النازية جزءًا من السياسة الرسمية. انظر: نويمان، ص 160. 44  ويليام شايرر، قيام وسقوط الرايخ الثالث: نهاية ديكتاتور، ترجمة جرجيس فتح الله (أربيل: دار ئاراس للطباعة والنشر، 2002.) 45  هندريكس، ص 106.

الفارس الإيرلندي قام برحلة إلى العالم الآخر وزار كهف القديس باتريك، وشهد الجسر الضيق المنحدر، الكائن فوق بركة من الكبريت، والذي لا يعبره غير الصالحين للوصول إلى الفردوس، ووصف ما شهده من عذاب أهل الجحيم وأهل المطهر معًا، وقال إن الأخيرين سيغادرون مكانهم بعد تمام تطهرهم، وجاء في رؤيا الأب يواكيمو ذا فلورا في العصر نفسه أقوال عن الجسر الضيق الذي تتفاوت سرعة العابرين فيه بحسب الخطايا، ويرتفع عند أحد جانبيه سور توجد في أعلاه روضة الفردوس. وقال القديس توما الأكويني في الخلاصة اللاهوتية في القرن الثالث عشر الميلادي إن الخطيئة تزول بالتطهر الذي لا يتم إلا إذا قبلت النفس العدالة الاجتماعية. مع نهاية القرن الثاني عشر الميلادي، إذًا، انبعثت كلمة المطهر بقوة؛ بحيث أصبح العذاب المؤقت هو المكان الجديد في الآخرة في معتقد البابوية، وهو مكان وسيط بين الجنة والنار. وهو الذي أطلق عليه مارتن لوثر لاحقًا "المكان الثالث"، واعتبره فكرة "مبتكرة"، إذ لا وجود له في الكتاب المقدس، وهكذا عندما يموت المسيحي الأوروبي تنتظره، بحسب الكنيسة الكاثوليكية، ثلاث حالات، فإما أنه سيذهب إلى النعيم السماوي، وإما سيذهب إلى الجحيم، وإما سيذهب إلى المطهر للتكفير عن خطاياه قبل الحصول على الخلاص الأبدي. المَطهَر مصطلح لاهوتيّ ظهر في الغرب الأوروبي خلال القرون الوسطى، وهو مكان للعذاب والقصاص والتَّكفير بالنَّار عن الخطايا والآثام والذنوب الصغرى، تطهيرٌ للأنفس لتصبح مستعدة لدخول الملكوت الإلهي الفسيح، إنَّه مكان وسط بين الفردوس حيث الفرح الأزلي، والجحيم حيث الألم الأبدي. يطرح التطهير، إذًا، فكرة تكفير التائب عن خطاياه بعد الموت، فكيف وُلدت هذه الفكرة عند الكاثوليك؟ وما موقف باقي الكنائس الأخرى منها؟ تعتبر عقيدة المطهر من العقائد التي تجادلت بشأنها الطوائف المسيحية، فآمن بها الكاثوليك واعتبروها عقيدة إيمانية، بينما رفضتها الطوائف الأرثوذكسية بشتى أنواعها واعتبرتها اختراعًا كاثوليكيًا وبدعة تتنافى مع منطوق الكتاب المقدس، كما رفضت فكرة المطهر الطوائف البروتستانتية لاحقًا. تقوم فكرة مطهرة الذنوب في الأصل على مفهومَي الخطيئة والعقاب، وعلى تقسيم الخطيئة إلى كبيرة وصغيرة؛ وتسمّي الكنيسة الكاثوليكية الخطيئةَ الكبرى "الخطيئة القاتلة"، وعقابها النار، والخطيئة الصغرى تسميها "الخطيئة العرضية"، وهي قابلة للتكفير عبر التطهير، في مكان ثالث، لا هو في السماء ولا هو في جهنم، حيث تذهب إليه أرواح من اقترفوا الهفوات والمعاصي ولم يتمكنوا قيد حياتهم من التطهر منها تطهرًا كاملً. فهؤلاء سيجدون أنفسهم في المطهر بعد الموت، وسيتعذبون بنارٍ فترة محددة، وبعد انتهاء مدة التطهير سيلتحقون مباشرة بالفردوس حيث يوجد القديسون والمؤمنون المسيحيون الخيّون. إن موضوع المطهر هو العذاب المؤقت للنفوس الآثمة التائبة، بينما يعذب الآثمون غير التائبين عذابًا أزليًا. ولذا يمكن اعتبار المطهر موضعًا قائمًا بالذات بين الجحيم والفردوس، باعتباره حالةً وسطى يصبح فيها الجحيم ذكرى للخطايا السابقة، ويشعّ فيها الفردوس أملً تتطلع إليه الأرواح النادمة التائبة. ويعتبر دانتي أول من تناول فكرة المطهر بالتفصيل رغم أنه ليس أول من تطرّق إلى هذا الموضوع، وقد خالف المألوف في تصور المطهر عند أهل الغرب في العصور الوسطى، إذ جعله مستقلً بذاته، وليس في موضع واحد من الجحيم أو ملتصقًا بها، ولعله تأثر في ذلك بتراث الإسلام والمشرق على العموم. جعل دانتي المطهر جبلً شاهقًا لا ترقى الأبصار إلى مدارجه، وقد قدّم وصفًا دقيقًا له في الأناشيد الشعرية، وخصص له الجزء الثاني من الكوميديا الإلهية، فقد تحدّث عن العقاب الذي يناسب كل خطيئة، ومنحنا أمثلة عديدة على ذلك، وتحدّث عن تجربة المطهر من خلال توظيف الاستعارات والمجازات والصور

46  دانتي أليجيري، الكوميديا الإلهية: المطهر، ج 2، ترجمة وتقديم حسن عثمان (القاهرة: دار المعارف، 2001)، ص 13 - 14.

  1. Le Goff,  La naissance du purgatoire , p. 11.

والتشبيهات التي أسهم بها في بناء عالم مستقل، مزج فيه التاريخ بالأسطورة والخيال بالواقع والطبيعة بالإنسان والعلم بالفن والدنيا بالآخرة. يعمل المطهر على محو الآثام واستئصالها بالتوبة والتكفير، وحينما تتطهر الروح من الخطايا يرتجف جبل المطهر ويتزلزل، ويرسل صوتًا مدوّيًا ابتهاجًا بانتصار الروح الآثمة على ذاتها. وتنتهي تجربة المطهر بالاغتسال من مياه ليتي (نهر النسيان) وبالشرب من مياه إنيووي (نهر الذكريات الطيبة)، فآنذاك فقط تصبح الأرواح متأهبة للصعود إلى فردوس السماوات. إن كلمة مطهر، التي ذاع صيتها خلال القرن الثاني عشر الميلادي، لا وجود لها في الأناجيل المعتمدة، وإنما انتقلت إلى الكنيسة الكاثوليكية من الحضارات والأمم السابقة، إذ نجد فكرة وزن أعمال البشر بعد الموت ماثلة في ديانة الفراعنة. وفي ديانة الفرس نجد ما يسمى "التشينواتو برتو"، أي جسر الحساب أو جسر المفرِّق، حيث تعذب به الأرواح في مقامات متعددة حتى تتطهر من آثامها وتصبح جديرة بالصعود إلى السماء. وفي تراث اليونان نجد فيثاغورس يقول في القرن السادس قبل الميلاد بتطهر الروح في الحياة بالدراسة والتأمل. وقال أفلاطون بضرورة العقاب للتخلص من الشر. وقال الرِّواقيون بضرورة تطَهُّر النفس من الخطايا بعد الموت، حتى تنال السعادة في الحياة الآخرة، وحتى في الإسلام هناك حديث عن الصراط الذي هو أدقُّ من الشعرة وأحدُّ من السيف ولن يجتازه إلا أصحاب الأعمال الطيبة. كما أن هناك إشارة واضحة في سورة خاصة عن مكان يوجد بين الجنة والنار يسمَّى "الأعراف"، وهو سور عالٍ عبارة عن حاجز يشاهد منه أصحابه أهل الجنة وأهل النَّار، ثم يُدخلهم ربهم في آخر المطاف جنَّته، وأرجح أقوال المفسرين فيهم أنهم أقوام استوت حسناتهم وسيئاتهم. وبناءً عليه فإن الأعراف، من المحتمل، مرحلة انتظارية ومقام خاص فلا هم معذبون ولا هم مستمتعون. أما الأناجيل المسيحية فلا تُحيل في تمثّلها للآخرة بشكل صريح سوى إلى مكانين مختلفين في العالم الأخروي؛ مكان نوراني مفعم بالسعادة يستقبل الأخيار، وآخر مغرق في الظلام والعذاب يستقبل الأشرار، ولم تذكر أي مكان ثالث وسيط بينهما. ولذا فإن فكرة المطهر لا تجد لها أسانيد واضحة في تقاليد الرسل والقديسين وآباء الكنيسة الأوائل وأعمالهم وأقوالهم. لكن مع توالي القرون تشكَّلت فكرة وجود مكان وسيط مؤقت، وهذا المكان معدّ لأولئك الذين لم تؤهلهم أفعالهم الدنيوية لدخول الجنة، إذ لم يكونوا على الخير الذي يمكّنهم من ذلك، ولا على الشَِّّ الذي يزجّ بهم في النَّار، وهؤلاء موعودون بتطهيرٍ عبر النَّار لدخول الجنة. حاول رجال الدين المسيحيون البحث عن جذور لفكرة التطهير في الكتب المقدسة، من خلال الاستناد إلى إشارة في العهد القديم تتحدث عن تقديم ذبيحة التكفير لأجل الأموات، وفي القرن الرابع الميلادي، كان الإيمان بالمطهر يظهر في تجمعات التَّعازي والصَّلوات لأجل مساعدة المَيِّت على دخول السماء. كما أنَّ النَّاس كانوا يعتقدون ب "الليمبو" ويخشونه؛ وهو دهليز جهنم في المسيحية، تذهب إليه أرواح الأطفال ممن ماتوا ولم يتم تعميدهم، وقد تمَّ تأويلُ عددٍ من عبارات الإنجيل وأقوال الآباء القدماء أمثال القدّيسين أمبروسيو

48  دانتي، ص 16 - 25. 49 المرجع نفسه، ص 18. 50  يعتمد القائلون بوجود مكان بين الجنة والنار في الإسلام على قول الله: ﴿وبَيْنَهُمَا حَِجَابٌ وَعلَ الأعْرَافَِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كلُاًّ بسِيمَاهُمْ ونَادَواْ أَصْحَابَ الْجنَّةِ أَن سلاَمٌ علَيْكُمْ لَمْ يَدْخلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ. وَإ ذَا صُِفَتْ أبْصَارهُمْ تَِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ قَالُواْ ربَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا معَ الْقَوْمِ الظَّالمِينَ. ونَادَى أَصْحَابُ الأعْرَافَِ رِجَالا يَعْرِفُونَهُمْ بسِيمَاهُمْ قَالُواْ مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعكُمْ ومَا كُنتُمْ تَسْتَكبُِونَ. أهَؤلُاء الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ ينَالهمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخلُواْ الْجنَّةَ لاَ خَوْفٌ علَيْكُمْ ولاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾، (الأعراف: 46 - 49).

  1. Pierre Nautin, “J. Le Goff:  La naissance du Pu rgatoire [compte-rendu],”  Revue de l'histoire des religions , vol. 202 , no. 2 (1985), p. 177.
  2. Ibid.

وأوغسطينوس، وغريغوريوس الكبير من القرن السادس الذي اعتبُر صاحب فكرة المطهر. ثم ما لبثت أن ترسَّخت الفكرة ترسّخًا كبيرًا في مناقب القديسين؛ ففي بداية القرن الثامن يُروَى عن نبيلٍ يافع، وهو راهب، يحرس أغنامًا داخل الدير الذي يرتبط به، وفجأة يظهر أمامه ابن عم له مات حديثًا. وبكيفية بسيطة جدًا يسأله: ماذا تفعل؟ فيجيبه الآخر: لقد متّ، وعدت لأنِّ في المطهر، ويجب أن تدعو لي. فقال الراهب: سنقوم بالواجب. ويبتعد في المرج ويختفي في نهاية الحقل كأنه جزء من المنظر الطبيعي. إن عقيدة المطهر، بحسب جاك لوغوف، نشأت نحو ستمئة سنة بعد ظهور المسيح، ثم ترسَّخت في المعتقد المسيحي الغربي "بين عامي 1150 و 1250 م"، وهي "نتاج تراكم"؛ فلوصول الفكرة إلى هذا النضج "كان لزامًا أن تتبلور بعد تاريخ طويل من الأفكار والصور والمعتقدات والنقاشات اللاهوتية"، ويفترض هذا البناء الزمني لمعتقد المطهر تغييرًا جوهريًا لأطر المخيال المسيحي الزمانية والمكانية، وهذه البنى الذهنية للمكان والزمان هي هيكل تفكير مجتمعٍ ما وحياته، فتغيير مجال الآخرة يعني حدوث ثورة ذهنية جوهرية - وإن كانت بطيئة - ويعني ذلك حرفيًا تغيير الحياة. ومن الواضح لدى لوغوف أن ولادة هذا المعتقد مرتبطة بتغيرات جذرية للمجتمع الذي ينبثق منه، وهذا التخيل الجديد للآخرة نسج بالتأكيد علاقة بالمتغيرات الاجتماعية؛ فإحدى أهم خصائص الاقتصاد التجاري مبدأ النشاط الفردي، فخلافًا للنظام الاقتصادي في العصور الوسطى الذي كان لكل شخص فيه مكان ثابت في نظام اجتماعي مرتب وواضح، فقد وضع الاقتصاد الرأسمالي الجديد الفرد على قدميه تمامًا. وكانت مسائل من قبيل: ماذا يعمل؟ وكيف يعمل؟ وهل ينجح أم يخفق؟ شأنه الخاص. أعطى الكاثوليك موضوع المطهر أهمية كبرى؛ فقد تحدّث مجمع ليون الثاني الذي عقد عام 1274 م عن عقوبات مطهرية ومبررة. ولم يُقرَّر المطهر بوصفه أحد معتقدات الكنيسة الكاثوليكية إلا عام 1439 م في مجمع فلورنسا، وتم تأكيد ذلك في ميثاق المجمع التريدنتيني بتورينتو الذي عقد متفرقًا في الفترة 1545 - 1563، وخلاله تركّز الاهتمام على توحيد الصفوف إزاء الخطر العثماني، وتنظيم الكنيسة الكاثوليكية وتحديد معتقداتها استنادًا إلى أحقية الكنيسة في تفسير الكتاب المقدس، "وذلك تزامنًا مع بروز حركة الإصلاح البروتستانتية"، وكانت فكرة التطهير بعد الموت عقابًا على الخطايا من أهم مقرراته، وقد أخذ المصلحون الدينيون، وبالخصوص لوثر، على ابتداع الكاثوليك واختراعهم ما ليس له وجود في الكتابات المقدسة. تنتهي فكرة النار المطهِّرة للذنوب واللَّمم، والتي تمَّ اعتبارها عقابًا مؤقَّتًا مع حلول الدَّيْنُونة الأخيرة، تختلف مُدَّتُهَا العقابية بحسب نوع الخطايا المرتكبة. ولأدعية المؤمنين الأحياء من الكاثوليك الصالحين وصلواتهم المشتركة في حضرة الكنيسة أهمية كبرى بالنسبة إلى المذنبين الراقدين تحت التراب، فهي تنفعهم وتخلّصهم من عذاباتهم بسرعة؛ "إذ أصبح في مقدور أي شخص من خلال صلواته وأعماله الطيبة وزيارته للأماكن المقدسة ومساهماته المالية أن يحصل على الخلاص لروحه وأن يصل إلى ما وصل إليه القديسون من

53  عندما كتب أوغسطينوس عن الإرادة الحرة قبل أن يمسي أسقفًا، توقع أن الأطفال الرضع الذين يموتون من دون تعميد لن يجدوا مصيرهم في الفردوس ولا في الجحيم. انظر: هنري تشادويك، أوغسطينوس، ترجمة أحمد محمد الروبي، مراجعة هاني فتحي سليمان، سلسلة مقدمة قصيرة جدًا (القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2016)، ص 131. 54  جاك لوغوف، "العجيب في الغرب القروسطوي"، في: العجيب والغريب في إسلام العصر الوسيط، ترجمة وتقديم عبد الجليل بن محمد الأزدي (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2002)، ص 72. 56  إريك فروم، الهروب من الحرية، ترجمة محمود منقذ الهاشمي (دمشق: دار الحوار للنشر والتوزيع، 2016)، ص 154، 158. 57  موريس أولندر، لغات الفردوس: آريون وساميون، ثنائي العناية الإلهية، ترجمة جورج سليمان، مراجعة سميرة ريشا (المنامة: هيئة البحرين للثقافة والآثار، 2016)، ص 316.

  1. Le Goff,  La naissance du purgatoire , pp. 11 - 13.
  2. Le Goff,  La naissance du purgatoire , p. 11.

فضائل، والتي يمكنهم بها التطهر من الآثام". كما أن البابا قادر بما يمتلك من مكانة دينية استثنائية على منح الصفح لبعض الموتى، ما أفضى في النهاية "إلى نوع من اقتسام السلطة على الآخرة بين الكنيسة والله". وهو ما يعني ارتباط فكرة التطهير بظاهرة بيع المغفرة والخلاص عن طريق صكوك الغفران، إذ بشراء الإنسان صك الغفران من رسول البابا، يُعفي نفسه من العقاب الدنيوي الذي يفترض أنه يقوم مقام العقاب الأبدي، وللوهلة الأولى فهذه الممارسة كان يشتري بها المرء إسقاط عقوبة المطهر من البابا. وهي الممارسة التي فتحت الباب أمام المؤسسة الكنسية لتبرير جمع الأموال والاغتناء المادي من خلال إبقاء الباب مفتوحًا بين عالم الأحياء وعالم الموتى. ومن خلال تأكيد أن الخلاص النهائي من المطهر يتم بعدة طرق، ومنه كان يمكن من خلال القداديس والصلوات والصدقات أن يُخرج الموتى ذوي الصلة وبسرعةٍ نوعًا ما، فيتعزز بذلك جهد الأحياء؛ فالمساعدة الروحية للأحياء عبر هذه الطقوس وبحضرة القساوسة اعتبرت الطريقة الأنجع، فهي تشفع لمن يوجدون في المكان الثالث وتعجّل بخلاصهم الأخروي شريطة تقديم مقابل مالي، وهو ما فتح المجال أمام ابتزاز الأحياء. كما أن عائلات أصحاب الذنوب ممن هم على قيد الحياة تساهم أيضًا من خلال ذبيحة القداس والإكثار من الصدقات في الشفاعة لهم. إن عقيدة المطهر التي اعتمدها الفاتيكان في مجامعه المذكورة سابقًا كانت مرفوضة بالنسبة إلى الأرثوذكس، وقد ساهمت في عودة المواجهة والسِّجال بين الكنيسة البيزنطية والغربية مجددًا؛ فالمطهر بالنسبة إلى الأرثوذكس من المفاهيم الغريبة عن تقاليد الدين المسيحي الشرقي وتراثه، لذا أنكروه ورفضوا التسليم بوجوده واعتبروه من هرطقات اللاهوت السكولائي، إذ لا يوجد في اعتقادهم أي إشارة لا في العهد القديم ولا في العهد الجديد تثبت وجود مكان ثالث، فبعد الموت هناك موضعان فقط. إن فكرة التطهير فكرة لاهوتية كاثوليكية مستحدثة تنكر في نظر الأرثوذكس إسهام المسيح بدمه وآلامه على الصليب في التكفير عن خطايا أتباعه وغسل ذنوبهم، ويكفي الإيمان بدم يسوع الديّان لتحقيق الخلاص من الخطايا من دون حاجة إلى المطهر، فالشفاعة للمذنبين وتكفير آثامهم تمّت مسبقًا بتقديم الرب ذبيحته على الأرض. كما اشتهرت طائفة الكاثاريين (المتطهِّرين) في منطقة اللانغدوك Languedoc جنوب فرنسا خلال القرن الثاني عشر الميلادي بنفي الجحيم والمطهر، لأن العالم الأرضي بالنسبة إليهم هو ميدان الشيطان، وحيث إنه لا يوجد أسوأ من عالمنا الذي نعيش فيه، فلن يكون هناك مطهر ولا جهنم، وسيبقى فيه الجزء المادي من الإنسان فقط؛ أي إنّ الجسد لن يبعث حيًا، في حين أن نفسه التي هي الروح النقية ستصعد مجددًا ونهائيًا إلى العالم السماوي وستتحد بالجسد السامي، أمّا الروح الشريرة فسوف تتقمص شكل حيوانات، ولأجل ذلك، على الإنسان أن يتطهَّر، وأن يعيش مطهره في هذه الدنيا. وقد اتهمت الكنيسة الأم هذه الطائفة بالهرطقة. وبسبب ذلك، أعلن البابا إنوقنطيوس الثالث حربًا صليبية ضدها، وهي الحرب الصليبية الألبيجنسية (نسبة إلى الألب)، انتهت بالقضاء على هذه الحركة المتمردة بصعوبة، وذلك إثر سلسلة طويلة من المواجهات المسلَّحة التي جُيِّشت فيها الآلاف من القوات التابعة للبابا وفرنسا، وقاوم أنصار "بدعة الكاثاريين" بشراسة لكونهم كانوا يفضّلون الموت على المحرقة على أن يَرْتَدُّوا عن

59  بيشوب، ص 165، 166. 61  شجّعت الكنيسة الكاثوليكية على إقامة الصلوات الجامعة وشراء صكوك الغفران للسعي إلى تطهير نفوس الآثمين حتى يبلغوا مراتب السعادة العلوية، انظر: دانتي، ص 4. وعلى سبيل المثال قامت جماعة من إقليم ساكسونيا بجمع كومة من مليونين من النقود بوصفها نوعًا من التطهر م مَّا اقترفوه في أيامهم من آثام، انظر: بيشوب، ص 166. 62  فروم، ص 125. 63  جاك لوغوف، التاريخ والذاكرة، ترجمة جمال شحيد (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص 131. 64  خلاص الإنسان بالمسيح يمكن اعتباره نوعًا من الشفاعة بالمعنى الإسلامي، مع وجود اختلافات في التفاصيل.

  1. Le Goff,  La naissance du purgatoire , p. 12.

معتقداتهم. ولذلك نتج من التصدي لهذه الهرطقة مآسٍ بشعة، إذ حدثت مجازر رهيبة ونفّذت إعدامات عديدة بالحرق في الفترة 1209 - 1241 م. وفي القرن السادس عشر الميلادي احتدّت المناقشات بين البروتستانت والكاثوليك؛ ففي الصراع بين الطرفين كان هناك اتفاق على شيء واحد على الأقل مفاده أنّ الحقيقة توجد في القِدم، وهذا ما أدى إلى إعادة اكتشاف الماضي المسيحي والدخول في السّجال بشأنه. وقد استثمر البروتستانت الماضي من أجل إبراز الهوّة التي تفصل الكنيسة الكاثوليكية عن بدايتها، وتم تبيان عدد من الطقوس والمعتقدات التي كانت مجهولة لدى المسيحيين الأوائل، والتي تمَّ اعتبارها بِدعًا تتعارض مع عقيدة الأسلاف. ومنها، إضافة إلى بدع البابوية وظاهرة بيع صكوك الغفران وطقس المناولة الأولى، نجد قضية المطهر المستحدثة، إذ عارض المُصلحون خصومهم في قضية الاعتقاد بوجود المطهر، فمارتن لوثر اعتبره اختراعًا بابويًا بشريًا، معللً ذلك بعدم وجود أي ذكر له في الكتاب المقدس، وقد استطاع تهدئة النفوس المعذَّبة والقلقة وحرَّرها من أوهامها بتأكيده أن الخلاص لا يكون إلا عن طريق الإيمان، أو بتعبير آخر نحن أمام مجانية الخلاص حتى من دون الأعمال، وهو ما يطلق عليه عقيدة "التبرير بالإيمان": أي إن غفران الله للمذنبين إنما يحصل من خلال الإيمان بتضحية المسيح فقط، بصرف النظر عن أعمال المؤمنين وجهودهم. وقد كتب لوثر عام 1520 أن الإيمان وحده يكفي للمسيحي فلا حاجة به إلى أي عمل. وبناءً عليه، فهو في حلٍّ من الوصايا والشرائع كلها. ومتى تأكد ذلك فقد تأكدت حريته بالفعل عينه. تلك هي الحرية المسيحية التي يولّدها الإيمان، وهنا يقطع لوثر نهائيًا مع السكولائية الأكوينية. كما أنكر بشدة اعتبار صكوك الغفران ضرورية للخلاص، بل إنه في أطروحته الثانية والثلاثين اعتبر أن كل من يعتقد بإمكانية الخلاص عن طريق شراء صكوك الغفران سيذهب إلى الجحيم، وقد دانه قرار البابا ليون العاشر (1513 - 1521) بسبب أطروحاته حول الخلاص والخطيئة والإيمان من دون الأعمال. وعارضت الأنجليكانية، بدورها، فكرة التطهير والتنقية وشجبتها بشدة. من الملاحظ أنَّ عددًا كبيرًا من الممارسات والعقائد الخاصة بالكنيسة الرومانية الكاثوليكية تم إرساؤه خلال العصور الوسطى، فقد ارتبطت نشأة المطهر، عقيدةً، بمرحلة الازدهار التي عرفتها أوروبا أواخر هذا العصر. وحتى صك الغفران وممارسته يوضِّحان على وجه الخصوص تأثير الرأسمالية النامية، فلا تُع بِّ الفكرة التي مفادها أن المرء يستطيع أن يشتري التحرر من عقوبته عن الإحساس بالدور الرفيع للمال، ولكن نظرية صكوك الغفران كما صاغها كليمنتس الرابع عام 1343 م تظهر كذلك روح التفكير الرأسمالي الجديد، وينسب إلى هذا الأخير قوله: إن في عهدة البابا مقدارًا غير محدود من الحسنات التي اكتسبها من المسيح والقديسين، وإنه يستطيع من ثمَّ أن يوزِّع أجزاء هذه الثروة على المؤمنين، ونجد هنا مفهوم البابا بوصفه المحتكر الذي يمتلك رأس مالٍ أخلاقيًا طائلً ويستخدمه

65  إن نجاح "الكاثاريين" في جنوب فرنسا يطرح مشكلة علم نفس إثني: كيف نفسر ميل مجموعة من السكان تتميز بالانفتاح والمرح إلى التحمُّس لمناصرة عقيدة نظريتها متشائمة إلى حد إدانة الحفاظ على النوع البشري (كانوا يرفضون الزواج وإنجاب الأولاد باعتبارهما إثمًا منظمًا)؟ بعد القضاء على هذه الطائفة بصعوبة، وفي فترة الإصلاح الديني تبنَّت منطقة اللانغدوك البروتستانتية الكالفانية الأشد صرامة. ويمكن تفسير هذا التحفُّظ الديني بواقع جنوب فرنسا الأشد عراقة في تحضره من الوسط أو الشمال، ولذلك كان يُبدي حيال باقي المملكة استقلالً فكريًا يمضي به عن قصد إلى حدوده القصوى. للمزيد بشأن الكاثاريين، انظر: ويتلر، ص 115 - 136؛ بيشوب، ص 199، 200. 66  جوزيف لوكلير، تاريخ التسامح في عصر الإصلاح، ترجمة جورج سليمان (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية/ المنظمة العربية للترجمة، 1994)، ص 118 - 119.

68  لوكلير، ص 198. 69  برولي، ص 71. 70  كان ليون العاشر البابا الأكثر إسرافًا وبذخًا، وقد اشتدت الدعوة في عهده لبيع الصكوك حتى قيل فيه تهكمًا: "لقد التهم ليون ثلاثة بابوات." 71  بيشوب، ص 165.

  1. Jérémie FOA, “Histoire du religieux,” in: Christian Delacroix et al. (dir.), Historiographies , vol. I: Concepts et débats , collection Folio histoire (Paris: Gallimard, 2010), p. 269.

لمنفعته المالية. ويمكن متابعة التطور التاريخي للاعتقاد لدى المؤمنين المسيحيين، إذ تنطوي فكرة المطهر في جوهرها على تعديل كبير في جغرافيا الآخرة، وفي الأطر المكانية والزمانية للمتخيل المسيحي ولذهنيات العامة في الفترة الانتقالية، فمن الواضح أن ولادة هذا الاعتقاد أملتها الظروف الاقتصادية والاجتماعية الجديدة؛ فتطور العقلية الدينية ارتبط بتطورات البنية الاجتماعية الناشئة في مرحلة عصر النهضة وتصورات تلك الفترة، ذلك أن المطهر كفكرة وفضاء جغرافي أخروي ثالث وسيط بين الجنة والجحيم تزامن مع ظهور الطبقة الجديدة الوسطى بين الأسياد والأقنان خلال مرحلة تفكك النظام الإقطاعي، وهي الطبقة البرجوازية. كما أن فكرة المطهر استطاعت تحرير الفرد تجاه الخلاص الفردي في النهاية، من خلال تأكيد فكرة الدينونة الخاصة، وهو انتصار مرحلي في العلاقات الجديدة بين الموتى والأحياء. فقد كانت باحة التطهير والفرز تستقبل المسيحيين عند نهاية حياتهم الدنيوية. والجدير بالذِّكر أن هذه الباحة كانت عالمًا أخرويًا فرديًا في الطريق نحو العالم الأخروي الجماعي الذي ينتظم بعد يوم القيامة.

ثالثًا: فكرة التطهير وإنقاذ المرايب المسيحي: من زمن الكنيسة إىل زمن التجار

كان يُنظر إلى التُّجَّار بوصفهم أشخاصًا مزاولين للرِّبا. وكانت الكنيسة تدين هذا العمل وتُحَرِّمُه مطلقًا، فقد كان الرِّبا من الأعمال المُشينة التي نُسبت إلى اليهودي فقط، ويُعتبر من وجهة نظر المؤمن المسيحي، وإن لم يكن مواظبًا على الشعائر، من الكبائر التي تحُول بين المرابين ودخول الجنة. لكن تحولات النّظام الاقتصادي خلال عصر النَّهضة وبعده كانت قائمة كلها على المعاملات الرّبوية، فلم يكن في الإمكان وقف الزمن والتضحية بالإنجازات الجديدة. ومع ذلك، اتَّخذ الجدل بين الدين والاقتصاد صورة دراما طويلة، وإذا كانت معركة الرّبا لم تستطع في نهاية المطاف أن تمنع شيئًا، فقد أثارت أزمات عميقة في الضمائر في الوقت نفسه الذي كانت فيه العقليات تتطور حيال متطلبات الرأسمالية. سيعمل بعض القساوسة لاحقًا على إنقاذ المرابي المسيحي من النار، وكانت البداية مع الفكر السكولائي الذي فتح منافذ واستثناءات، وليس من غريب الصدف أن تنسب فكرة ابتكار التطهير للتكفير عن الذنب إليهم أيضًا، فأصبح الرِّبا، الذي كان يُعتبر من الكبائر، ذنبًا صغيرًا لا يحول بين المتعامل به والجنة، ففي المسيحية يعاقب مرتكبو الذنوب الصغرى تطهيرًا لهم قبل الدخول فيها، من دون أن يحرموا منها حرمانًا كاملً. كانت هذه الخطوة الأولى الممهدة للتغيرات المقبلة في مواقف الكنيسة تجاه هذه الممارسة المالية غير المشروعة. كان الرِّبا ممارسة محرمة في البلدان الأوروبية المسيحية منذ قرون عديدة، ولم يكن يكفّرها أي شيء، فالخلاص الذي يمنحه المسيح لأتباعه من الخطايا والآثام لم يكن يشمل هذه الكبيرة المستقبحة بحسب رجال الدين وتصريحات البابوية. ولذا كان اليهود فقط يشتغلون بها، قبل أن يمتهن المسيحيون بأنفسهم مع بدايات عصر النهضة العمل المصرفي الذي انتقل من وظيفة إيداع الأموال

72  فروم، ص 125. 73  من المعلوم أنّ جاك لوغوف يرفض في كتاباته اعتبار عصر النهضة قطيعة، بل اعتبر القرن الخامس عشر عملية توقف مهمة في مسيرة تاريخ أوروبا العصر الوسيط. 74  الدينونة الخاصة معتقد كاثوليكي خاص، وهو غير الدينونة العامة التي تحدث بعد القيامة، فهم يرون أنه بموت الفرد لا يوجد انتظار، إذ تبدأ مباشرة دينونته فينال جزاءه بصفة فردية بحسب أعماله، فإن كان صالحًا يذهب إلى الجنة، وإن كان شريرًا يذهب إلى الجحيم، وإن كان صاحب ذنوب يذهب إلى المطهر ليكفر عنها. وقد عارضت الطوائف المسيحية الأخرى الدينونة الخاصة باعتبار أن الكتاب المقدس لم يشر سوى إلى الدينونة العامة. 75  لوغوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ ص 159. 76  بروديل، ص 728.

إلى وظيفة الاستثمار ومنح القروض بالفائدة، وذلك تماشيًا مع التحولات الاقتصادية المرتبطة بظهور المؤسسات المالية الجديدة والطبقة البرجوازية، ولم يعد اليهود يحتكرون وحدهم هذا الميدان. أنفق عدد كبير من التجار المسيحيين ثرواتهم في أعمال البر والإحسان خلال هذه الفترة أكثر من باقي الفترات؛ إذ قدّموا الصدقات والأعطيات وبنوا مراكز صحية في الحواضر، بل انخرط بعضهم في عمليات تشييد كنائس جديدة وأغدقوا المال على الرسامين والنحاتين لزخرفتها وتزيينها، "وكانوا يبتغون من وراء تلك الأعمال التكفير عن ذنوبهم أملً في الحصول على الخلاص الذي ظلت الكنيسة حتى حدود القرن الثالث عشر الميلادي ترفض منحه للمشتبه في مزاولتهم لأعمال الرِّبا". إن النظام الاقتصادي الجديد لفترة ما بعد الحقبة الوسيطية قائم في جوهره على المعاملات الربوية والخدمات الائتمانية، وسيعمل اللاهوت على تبنّي فكرة التطهير للتكفير عن الذنب حلً للمسألة دينيًا، ولرفع الحرج عن المسيحيين المرابين. كان الأمر معقدًا جدًا في جوهره، فلم يكن في إمكان المسيحي أن يحافظ على أرباحه في البورصة من دون التعاملات الربوية، ولا يريد في الوقت نفسه أن يخسر آخرته، فكيف يجمع إذًا بين أمرين متناقضين؟ كان العصر الوسيط ينذر بانكسارات وتغيرات ذهنية كثيرة تبدو صغيرة لكنها عميقة ومعقدة وممتدة في الزمن، وقد استغرق انهيار العالم القروسطوي وتحرُّر الناس من عاداته واعتقاداته قرونًا طويلة، فمفهوم الاستمرارية في التاريخ الإنساني يرفض كُلِّيًا الحديث عن وجود قطيعة مفاجئة؛ إذ قام الغرب المسيحي الوسيطي على أنقاض الدولة الرومانية ومعالمها. كما أن عصر النهضة، بدوره، ليس إلا امتدادًا للعصر الوسيط، فهو لا يعدو أن يكون تجربة من التجارب الناجحة ضمن التاريخ الوسيط الطويل المدى كما عبّ عن ذلك جاك لوغوف، ثم هناك أيضًا مسألة تعدُّد التسميات التي رافقت الفترة؛ فهناك تقسيم ثنائي يتحدث عن العصور الوسطى المبكرة من القرن الخامس إلى حدود القرن الحادي عشر، والعصور الوسطى المتأخرة إلى حدود القرن الخامس عشر. وضمن هذا التقسيم الثنائي هناك تقسيمات جزئية أخرى لكل فترة، ما يجعلنا أمام عصور وسطى متعددة. كما أن القرن الخامس عشر الميلادي نفسه يبدو فيه العصران الوسيط والنهضة متكاملين ومتداخلين. لم تظهر إلى الوجود تسمية القرون الوسطى إلا أوائل القرن السادس عشر مع انطلاق الاكتشافات الجغرافية الكبرى، وبداية عهد النهضة الإيطالي، وبزوغ الانشقاق الديني البروتستانتي. واعتمد التسمية أولئك الذين اعتبروا الحقبة الزمنية الممتدة بين العصور القديمة وعصر النهضة عصورًا مظلمة، إذ ساد خلالها النظام الإقطاعي والفكر الكاثوليكي المعادي للفلسفة والعلم. ولقد تجادل المؤرخون بشأن الحدود الفاصلة بين التاريخ الوسيط والحديث. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فقد شدد الفرنسي بيير سافي على أهمية تحولات فترة القرن السادس عشر؛ فتفكّك النظام الفيودالي أمام بروز ملامح الدولة الحديثة، وانشقاق الكنيسة المسيحية بعد الإصلاح الديني، وتوجّه أطماع الأوروبيين صوب المحيط الأطلسي بدلً من البحر المتوسط، كلها تحولات تعكس انتقالات بنيوية داخل أوروبا، ولا يصح اعتبارها جزءًا من العصر الوسيط.

77  الجدير بالذكر أن كلمة الفائدة ظهرت في هذا المجال لتتخلص من الحرج الذي تسببه كلمة الرِّبا وقد اصطبغت بصبغة مستهجنة، انظر: المرجع نفسه، ص 733. 78  لوغوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ ص 125. 79  لوغوف، هل يجب حقًا تقطيع التاريخ شرائح؟ ص 99. 80  في مجموعة مقالات نشرت تباعًا، لامس جاك لوغوف قضية العصر الوسيط الممتد بكثير من التفصيل، انظر: لوغوف، هل يجب حقًا تقطيع التاريخ شرائح؟

لقد وقف المؤرخ جاك لوغوف عند العديد من الظواهر، ليبيّ أنه لا يوجد تغير مفاجئ في البنى الاقتصادية والاجتماعية. كما أبرز المحلل النفسي إريك فروم أثناء حديثه عن "المجتمع القروسطوي" و"روح العصور الوسطى" تباينهما الشديد عن "المجتمع الرأسمالي". ومن الناحية الفعلية، لا شك في أن العصور الوسطى لم تنتهِفجأة في لحظة من اللحظات ولم يبدأ المجتمع الحديث في لحظة أخرى، فكل القوى الاقتصادية والاجتماعية التي تميز المجتمع الحديث كانت قد نشأت ضمن المجتمع القروسطوي في القرون الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر. وفي المدن، وكما يحدث في التاريخ دائمًا، كانت كل عناصر النظام الاجتماعي الجديد في أواخر العصور الوسطى من العناصر الحديثة، وكما استمرت عناصر قروسطية في الوجود في المجتمع الحديث، فإنه ليعوق الفهم النظري للعملية التاريخية أن يحاول المرء بتأكيده الاستمرار أن يقلل الاختلافات الجوهرية بين المجتمع القروسطوي والمجتمع الحديث، أو أن يرفض مفهومات من قبيل "المجتمع القروسطوي" و"المجتمع الرأسمالي" بوصفها بنى غير علمية. استحضر جاك لوغوف في دراساته عن موضوع التعاملات الربوية الذهنيات وتغيرها؛ ذلك أن تاريخ الذهنيات يسمح لنا بفهم مسألة المرور نحو الحداثة جيدًا، وقد ربط بين تطور الحياة الدينية والاقتصادية في تلك الفترة الزمنية الانتقالية، ففي الوقت الذي كانت فيه الحياة المالية تنمو، كان تحريم استثمار المال يعتبر مخاطرة حقيقية وعائقًا أمام الازدهار الاقتصادي في أوروبا الغربية، وبذلك استطاع لوغوف من خلال الاشتغال على معتقد المطهر أن يتابع بدقة كيفية انتقال المجتمع الأوروبي في فترة أواخر القرون الوسطى وحتى الثورة الصناعية من موقف تحريم الرِّبا بشتى أنواعه إلى موقف القبول به شيئًا فشيئًا، فقد تطورت العقليات حيال متطلبات الرأسمالية التجارية والصناعية بالتدريج، خاصة أن نظام البورصة والنظام المصرفي ونظام عمل المقاولات الكبرى، كانت قائمة كلها على الفائدة والكمبيالات والتأمين والرهونات والودائع والقروض. انخرط المسيحي في ممارسة الرِّبا بسبب متطلبات الواقع الاقتصادي، لكن ذلك لم يحل دون إحساسه بوخز الضمير، فكثيرًا ما كان المرابي عندما تحين ساعته ويحسّ أنه يوشك على المثول بين يدي خالقه، يتملّكه الندم، ويردّ ما أخذه من فوائد ربوية إلى أصحابها، وقد امتلأت سجلات الموثقين بحالات كثيرة من الندم ورد الفوائد، غير أنها سرعان ما بدأت في التلاشي تدريجيًا خلال القرن الرابع عشر. عند انتهاء القرن الثالث عشر الميلادي حقّق التجار مكسبيَن كبيرين هما الرفاه المادي والاستقرار الروحي، فقبل ذلك كانوا يجنون الأموال ولكنهم كانوا يتعذبون، فالصَّّة التي كان يضع فيها كل واحد منهم تلك الأموال ويربطها حول عنقه، كانت تبدو طوقًا يجذبهم نحو جهنم، وقد جسَّد كثير من الرسومات والجداريات هذا المشهد. بيْد أنه بعد القرن الثالث عشر الميلادي أصبح بمقدور التاجر الاحتفاظ بتلك الأموال والانتقال بها إلى المطهر ليمكث فيه فترة معينة، قبل أن يستكمل طريقه نحو الجنة. وبذلك نجح التجار في إحداث المصالحة بين "الصرّة والحياة".

81  فروم، ص 101. 82  المرجع. نفسه 83  انظر بشأن هذه القضية: 84  بروديل، ص 733. 85  إنه تعذيب ناتج من الخوف؛ فالكنيسة الكاثوليكية حاولت فرض هيمنتها على قلوب المؤمنين بإقحام الخوف في المنظور الديني حول قضايا متعددة، انظر: دوس، ص 86  لوغوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ ص 126.

كانت فكرة التطهير في جوهرها ردًّا على المتعاملين بالرِّبا ليتخلصوا على الأقل من وخز الضمير الذي كان يلازمهم، فقد كان اعتقاد الكاثوليكي أنّ التقيّ المؤمن يذهب إلى الجنة بعد الممات، بينما يذهب الكافر وكثير الذنوب إلى جهنم، وهناك فئة من المؤمنين قليلي الذنوب تحتاج بعد الممات وقبل ملاقاة ربها إلى عملية تطهير عبر عذاب يطول أو يقصر للتكفير عنها قبل دخول الجنة. وبما أن الكتاب المقدس لا يتضمن نصوصًا صريحة تتحدث عن التطهير كما سبقت الإشارة، فقد اختلف المسيحيون بشأنه بين قائل بأنه "فضاء خاص بين السماء والأرض" وقائل بأنه "حالة انتظار قبل الحصول على الغفران". وقد تم اعتبار الرِّبا الذي كان يعد كبائر معاصيَ صغيرةً تحتاج إلى التطهير فقط. لكن التحول التام في المسيحية والذهنيات العامة لم يتحقق تحققًا كاملً إلا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، إذ "طويت القضية نهائيًا" وأصبح التمييز واضحًا "بين الرِّبا وإيجار المال للقيام بمشروعات مربحة ومضاربات"، وهذا يعني "أن العقليات الدينية لم تتغير بالسرعة نفسها التي كانت الممارسات الاقتصادية تتغير بها"، إذ إن موقف الكنيسة تجاه الرِّبا كان قد تشكّل نتيجة تطورٍ بطيء للعقليات الدينية وخلال فترة طويلة، وكان من الصعب تحقيق الانفصال بصورة فجائية وفي مدة زمنية وجيزة. لم تكن الذهنيات قادرة على استيعاب فكرة التقدم التي يعود تاريخها الفعلي إلى القرن الثامن عشر، فلا مجال لإنكار أن العصر الوسيط كان عصر سيادة الفكر الديني إلى درجة أن كل شيء كان يبدو سابحًا في الدين، فرجال الكنيسة كانوا يهيمنون على المجتمع الغربي ويعطون معنى لمصيره، غير أن هيمنة الدين أخذت في التراجع شيئًا فشيئًا، وأصبحت القيم تنزل من السماء إلى الأرض. كما أن العلاقة بين العناية الإلهية والثروة أضحى فيها دور كبير للفرد والجماعة بعد أن كان هذا الدور منتفيًا إلى حد بعيد. وتتضح أهمية هذا الدور في إبداع الأوروبيين خاصة في مسألة الزمن الذي غدا دنيويًا. لقد أصبح الإنسان يتحكم في الثروة والجسد والزمن الذي هو الوقت، إذ أضحت له قيمة اقتصادية كبرى، لأن الوقت هو النقود، ولأن أوروبا القرن الخامس عشر غدت بحق أوروبا "الوقت الثمين". لذا بدأ في التبلور مفهوم جديد للزمن بمعناه الحديث، فأصبحت الدقائق غالية، ومن علامات هذا الإحساس الجديد بالزمن أن الساعات الكبرى في نورنبرغ كانت تدقّ كل ربع ساعة منذ القرن السادس عشر، وأخذت العطل الكثيرة تبدو مشكلة. وأصبح المرء يشعر بأن عليه ألا ينفق وقته إلا في الأغراض النافعة. وصار العمل القيمة العليا بصورة متزايدة، وتبلور موقف جديد من العمل وكان قويًا إلى درجة أنّ الطبقة الوسطى ازداد سخطها على انعدام الإنتاجية في مؤسسات الكنيسة. لقد تمّت قولبة الإنسان في شخص تواق إلى بذل معظم طاقته من أجل غاية العمل، وكان لا بد أن تتحول ضرورة العمل، والدقة في المواعيد، والانتظام إلى دافع داخلي بالنسبة إلى الأهداف. وهذا يعني أن على المجتمع أن ينتج الطابع الاجتماعي الذي تكون فيه هذه المجاهدات ملازمة له.

87  لننظر هنا إلى شارل الخامس ملك فرنسا، مثلً، لقد مجَّده جلّ المؤرخين لحسه الاقتصادي والإداري والسياسي، لكن ماذا عن إلغائه ضريبة المنازل عام 1830 وهو يشرف على الموت. كانت إشارة محيرة، فمن المؤرخين من رأى فيها فكرًا سياسيًا صعب التحديد ومنهم من فسَّ ها بلحظة توَهان الروح. لكن لماذا لا نرجح، بحسب جاك لوغوف، وببساطة ما اعتقده الناس زمنئذ: ملك خاف الموت وخشي آخرة مشحونة بكراهية رعاياه؟ ملك ترك في آخر لحظة عقليته تتفوق على سياسته، انظر: لوغوف، "العقليات تاريخ مبهم"، ص  121. 88  لوغوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ ص 126. 89  بروديل، ص 734، 737. 90  لوغوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ ص 213. 91  دوس، ص 370. 92  لوغوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ ص 14؛ أرياس، "تاريخ الذهنيات"، ص 295 - 297. 93  فروم، ص 113. 94  إريك فروم، المجتمع السوي، ترجمة محمود الهاشمي (دمشق: دار الحوار للنشر والتوزيع، 2015)، ص 171.

إننا هنا بإزاء موقف جديد ومغاير، فقد كان المألوف قبل ذلك أن يُصوَّرَ المال بوصفه عقبة في طريق خلاص الإنسان. كذلك الموقف من الوقت، فقد كان الناس ينسبون الوقت إلى الرب، وكان الذي يبيع الوقت، للحصول على الفائدة بالأجل، يبيع شيئًا ليس ملكه. وها نحن نجد الوقت يعتبر بمنزلة بُعد من أبعاد الحياة، لا يليق هدره. تشكّلت روح رأسمالية جديدة صنعت على المدى الطويل عقليات جديدة، وتزامن ذلك مع الحلول التدريجي، ابتداء من القرن السادس عشر، للأمراء والكُتّاب والمثقفين الأوروبيين من الإنسيين مكان البنى التراتبية للكنيسة الكاثوليكية، التي أصيبت بالضعف بسبب صعود الملكيات ونشوء الأمم، وبسبب ذلك لم تكن قادرة على الوقوف في وجه نجاح الحركة الإصلاحية البروتستانتية الصاعدة. لقد تطلّب التغيير في العقليات ردحًا من الزمن، فالتحريم كان صارمًا جدًا، ويرتكز على أصول في الكتاب المقدس وفي اللاهوت المسيحي، وفي كتب رجال الدين وأقوالهم ووصاياهم، وقد كان المصلح البروتستانتي مارتن لوثر بدوره ضد المرابين؛ فقد اشتكى وهو على مشارف الموت من النبلاء الجشعين والعمال اللصوص والمحامين المحتالين ورجال المصارف المرابين، وقدّم في رسالته "عن التجارة والرِّبا" المطبوعة عام 1524 التعبير البليغ عن سخط التاجر الصغير وغيظه من الاحتكارات. إن جون كالفن هو الوحيد الذي عبَّ عن موقف إيجابي تجاه بعض الممارسات المالية الجديدة، لكن تم تطويع الأحكام في النهاية ونجحت المواءمة بين الديني والدنيوي في تغيير الذهنيات وإعادة تشكيلها في الفترة الانتقالية بين العصر الوسيط والعصر الحديث وخلال الفترة ما بعد الثورة الفرنسية، فبعد القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين بدأ الخطاب الديني يتأقلم مع انتقال السلطة من الدير إلى المدينة ومن القصر إلى الدولة المركزية الناشئة، وتعرّض التاريخ لعملية زمننة ليتناسب بشكل أفضل مع السلطة الجديدة، وما لبثت الكنيسة أن حلّلت بالتدريج بعض أنواع القروض بسبب الضغوطات، كما سمحت بالأرباح التي تحققها المشاركات التجارية، وكذلك المال الذي يودع لدى المصرفي ويدرّ عائدًا سمحت به المؤسسة البابوية بعد أن ظل تحريمه ساري المفعول قرونًا ممتدة في الزمن، واعتبرته نوعًا من المشاركة في المشروع. كما أن الكنيسة أجازت للتاجر الذي لحقه ضرر من جراء تأخير استلام بضاعة، أو ما شابه ذلك، الحق في المطالبة بتعويض. وعمومًا، فإن تلك المبررات تسمح بالقول إن ممارسة التجارة أدخلت في أذهان الأوروبيين وأخلاقهم مبادئ جديدة مثل الصدفة والمخاطر وعدم اليقين. كما أدخلت مبدأً مهمًا، هو التبرير، أو شرعنة الربح الذي يجنيه التاجر. إذ أصبح ينظر إلى الربح بوصفه أجرًا يتقاضاه التاجر مقابل عمل يقوم به، وساهم أقطاب الفكر المدرسي السكولائي بدورهم في الترويج لفكرة مفادها أن أعمال التجار تروم تحقيق المصلحة العامة؛ فقد صرّحوا بأن التجار يعملون من أجل منفعة عموم الناس ولِمَا فيه خير الجميع. في ضوء هذه المواقف الجديدة يتضح إذًا أن التجارة الدولية أضحت ضرورة يريدها الله، ولم تعد بذلك تتعارض مع الدين.

95  بروديل، ص 753. 96  برولي، ص 76. 97  هندريكس، ص 110. 98  فروم، الهروب من الحرية، ص 111. 99  هناك في رأي كالفن فائدة حلال، إذ إن الازدهار الذي حققته البلاد البروتستانتية يرجع إلى أنها أخذت بمفهوم أيسر في التعامل بالمال وتحقيق مردود أفضل، كما ذهب إلى ذلك هنري هاوزر، غير أن بروديل يتحدَّث عن أسباب أخرى ساعدت على تفوُّق الشمال الأوروبي على الجنوب الذي هو مهد الرأسمالية، انظر: بروديل، ص 739. 100  كان رجال الدين يعيشون في المدن ولم يكونوا معزولين عن الحياة الاقتصادية وتطوراتها، وحين كانوا يقومون بالوعظ والإرشاد حاولوا التأقلم مع المستجدات والتحولات الكبرى التي تجري أمامهم، فأسئلة الواقع الجديد المطروحة بحدة فرضت إجابات مختلفة، انظر: لوغوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ ص 128. 101  دوس، ص 371. 102  بروديل، ص 376 103  لوغوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ ص 124، 125.

خاتمة

ما كان يُميِّز المجتمع القروسطوي في تباينه عن المجتمع الحديث هو انعدام حريته الفردية (لأن الفرد لم يوجد بعد). فقد كان كل شخص في الفترة الباكرة مقيدًا بدوره في النظام الاجتماعي. وكان لدى المرء فرصة ضئيلة للانتقال اجتماعيًا من طبقة إلى أخرى، ويكاد لا يكون في مقدوره حتى أن ينتقل جغرافيًا من مدينة إلى أخرى. يبدو أن السيرورة المتنامية لخروج الفرد من روابطه الأصلية، وهي سيرورة يمكن أن ندعوها "التفرد" قد بلغت ذروتها في العصر الحديث، فقد حررت الرأسمالية التجارية الفرد تدريجيًا وسمحت له أن يجرب حظه وصار سيد مصيره، وصار المال المساوي الكبير للإنسان وتبيّ أنه أقوى من الميلاد والطبقة الاجتماعية، ثم حررت البروتستانتية بدورها الفرد وجعلته يواجه الله وحده، فقد أعطته الاستقلالية في الأمور الدينية، ونزعت من الكنيسة الكاثوليكية سلطتها وأعطتها للفرد. لقد تحرَّر المُرابي من قيود الكنيسة التي كبَّلته قرونًا طويلة وذلك تدريجيًا، وهو الأمر الذي يزكي فكرة جاك لوغوف عن عدم وجود تحولات أساسية تبرر الفصل بين العصر الوسيط وحقبة جديدة مختلفة هي النهضة؛ ذلك أن سطوة المسيحية على إيمان الغربيين ظلت مستمرة حتى القرن الثامن عشر، إذ لم يختف موضوع تحريم الرِّبا من النقاش العام إلا عام 1804 مع صدور قانون نابليون المدني. لقد تراجعت الممارسة الدينية، ثم الإيمان، لكن ذلك التراجع تم ببطء، بَيْدَ أنَّه كان ذا نتائج عميقة على تطور الذهنيات لاحقًا، وقد ساهمت فكرة فصل الديني عن السياسي، في الثقافة العلمانية الجديدة التي سادت أوروبا خلال مرحلة تكريس الحداثة، في تهميش دور الكنيسة في المجال الدنيوي وإنهاء احتكارها الحياة العامة، وحتى الاشتغال على المؤسسة الدينية وتاريخها ومؤسساتها ومعتقداتها لم يعد حكرًا على رجال الكنيسة بل امتد إلى الإنسيين، وهكذا أزيلت صفة القداسة عن الكنيسة ورجالاتها، ومن ثم انفصل الفرد المسيحي ولم يعد يتقيد حرفيًا بالتعاليم والشعائر المسيحية التي أصبحت بروتوكولات مناسباتية فقط يحضرها في الأعياد وأيام القداس، وقد أشار بوركهارت إلى أن النهضة أدت إلى فتور الإيمان وتراخي المؤمنين وهجر الكنائس، وهو الأمر الذي يمكن أن نَسِمَه ببزوغ الحداثة في المجال الديني، إذ أصبح الأوروبي المسيحي منفصلًانفصالً كبيرًا عن سطوة الفكر الديني القروسطوي، وغدا حرًا في تعاملاته المالية. وكانت تلك البداية الحقيقية لصعود الأثرياء وتطور النظام الاقتصادي الرأسمالي القائم بالأساس على الممارسات الربوية، فالفائدة هي التي صنعت في النهاية النظام الرأسمالي الذي نتجت منه طبقات وأفكار جديدة أثرت في كل المجالات الإنسانية، وأحدثت تبدلات في بنية المجتمع وثقافته وعاداته.

104  فروم، الهروب من الحرية، ص 96. 105  للمزيد، انظر: المرجع نفسه، ص 79، 126، 129. 106  لوغوف، هل يجب حقًا تقطيع التاريخ شرائح؟ ص 104.

المراجع

العربية

هيئة البحرين للثقافة والآثار، 2016.

التجاري وعملياته. ترجمة مصطفى ماهر. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2013.

بيشوب، موريس. تاريخ أوروبا في العصور الوسطى. ترجمة علي السيد علي. القاهرة: المشروع القومي للترجمة، 2005.

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2016.

منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرِّباط، 2014.

دانتي، أليجيري. الكوميديا الإلهية: المطهر. ترجمة وتقديم حسن عثمان. القاهرة: دار المعارف، 2001.

دوبريه، ريجيس. نقد العقل السياسي. ترجمة عفيف دمشقية. بيروت: منشورات دار الآداب، 1986.

للتعليم والثقافة، 2014.

روفي، جاك. "تاريخ العقليات". ترجمة محمد حبيدة. مجلة أمل. العدد 7 (1996.)

طحطح، خالد. "التاريخ من مجال العقليات إلى مجال الأنثروبولوجيا". المجلة العربية (أيلول/ سبتمبر 2016.)

________. "الأنثروبولوجيا التاريخية". المجلة العربية (تشرين الأول/ أكتوبر 2016.)

فروم، إريك. الهروب من الحرية. ترجمة محمود منقذ الهاشمي. دمشق: دار الحوار للنشر والتوزيع، 2016.

________. المجتمع السوي. ترجمة محمود منقذ الهاشمي. دمشق: دار الحوار للنشر والتوزيع، 2015.

References

أولندر، موريس. لغات الفردوس: آريون وساميون، ثنائي العناية الإلهية. ترجمة جورج سليمان. مراجعة سميرة ريشا. المنامة: باومان، زيجمونت. الحداثة والهولوكوست. ترجمة حجاج أبو جبر ودينا رمضان. القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 2014.

بروتون، جيري. عصر النهضة. ترجمة إبراهيم البيلي محروس. مراجعة هبة نجيب مغربي. القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2014. بروديل، فرناند. الحضارة المادية والاقتصاد والرأسمالية من القرن الخامس عشر حتى القرن الثامن عشر. ج 2: التبادل تشادويك، هنري. أوغسطينوس. ترجمة أحمد محمد الروبي. مراجعة هاني فتحي سليمان. سلسلة مقدمة قصيرة جدًا. القاهرة: حناوي، محمد. البحر المتوسط بين الإسلام والمسيحية. سلسلة الكتاب الجامعي 3. الرِّباط: جامعة محمد الخامس أكدال، دوس، فرانسوا. التاريخ المفتت من الحوليات إلى التاريخ الجديد. ترجمة الطاهر المنصوري. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، ديفيز، أوين. السحر. ترجمة رحاب صلاح الدين. مراجعة هبة نجيب مغربي. سلسلة مقدمة قصيرة جدًا. القاهرة: مؤسسة هنداوي شايرر، ويليام. قيام وسقوط الرايخ الثالث: نهاية ديكتاتور. ترجمة جرجيس فتح الله. أربيل: دار ئاراس للطباعة والنشر، 2002. الشرفي، عبد المجيد. الفكر الإسلامي في الرد على النصارى، إلى نهاية القرن الرابع/ العاشر. ط 2. بيروت: دار المدار الإسلامي، 2005. فولف، كريستوف. علم الأناسة: التاريخ والثقافة والفلسفة. ترجمة أبو يعرب المرزوقي. أبوظبي: مؤسسة كلمة للترجمة، 2009. لوثر، مارتن. اليهود وأكاذيبهم. دراسة وتقديم وتعليق محمود النجيري. الجيزة: مكتبة النافذة، 2007.

لوغوف، جاك (إشراف). التاريخ الجديد. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007.

________. العجيب والغريب في إسلام العصر الوسيط. ترجمة وتقديم عبد الجليل بن محمد الأزدي. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2002.

________. هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ تعريب وتقديم محمد حناوي ويوسف نكادي. وجدة: مطبعة مفكر، 2015.

________. التاريخ والذاكرة. ترجمة جمال شحيد. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018.

________. هل يجب حقًا تقطيع التاريخ شرائح؟ ترجمة الهادي التيمومي. البحرين: هيئة الثقافة والآثار، 2018.

لوكلير، جوزيف. تاريخ التسامح في عصر الإصلاح. ترجمة جورج سليمان. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية/ المنظمة العربية للترجمة، 1994.

مورو، بيار فرانسوا. إسبينوزا والإسبينوزية. ترجمة جورج كتورة. سلسلة نصوص. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2008.

نويمان، فرانز ليوبولد. البهيموت: بنية الاشتراكية القومية (النازية) وممارستها، 1933 - 44 19. ترجمة حسني زينة. مراجعة ثائر ديب. سلسلة ترجمان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017.

هندريكس، سكوت إتش. مارتن لوثر. ترجمة كوثر محمود محمد. مراجعة هبة عبد العزيز غانم. سلسلة مقدمة قصيرة جدًا. القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2014.

هوبزباوم، إريك. أزمنة متصدعة: الثقافة والمجتمع في القرن العشرين. ترجمة سهام عبد السلام. سلسلة ترجمان. الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015.

هوركهايمر، ماكس وتيودور أدورنو. جدل التنوير: شذرات فلسفية. ترجمة جورج كتورة. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2006. ويلتر، ج. الهرطقة في المسيحية: تاريخ البدع الدينية المسيحية. ترجمة جمال سالم. بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، 2007. ويلسون، كولن. راسبوتين وسقوط القياصرة. ترجمة فاضل مالك البديري. عمان: الدار الأهلية للنشر والتوزيع، 2016.

اليعقوبي، خالد وخالد طحطح. التاريخ من أسفل: في تاريخ الهامش والمهمش. سلسلة شرفات 81. سلا، الرِّباط: منشورات الزمن، 2016.

الأجنبية

• Delacroix, Christian et al. (dir.). Historiographies. vol. I: Concepts et débats. Collection Folio histoire. Paris:

• Delacroix, Christian, François Dosse & Patrick Garcia. Les courants historiques en France XIX-XX. Collection

• Nautin, pierre. “J. Le Goff: La naissance du Purgatoire [compte-rendu].” Revue de l'histoire des religions. vol.

Gallimard, 2010.

Folio histoire. Paris: Edition Armand Colin, 2005.

• Le Goff, Jacques.  La naissance du purgatoire. Paris: Gallimard, 1981.

202. no. 2 (1985).