العودة إلى تفاصيل المؤلَّف قراءة طوبونيمية لباب أفريقية بحاضرة فاس الإدريسية

قراءة طوبونيمية لباب أفريقية بحاضرة فاس الإدريسية

A Toponymical Reading of the Africa Gate of Idrissi Fez

الحسن الغرايب

الملخّص

والتكوين، فاس، المغرب. * أستاذ التعليم العالي مؤهل، باحث في التاريخ الوسيط للغرب الإسلامي وتاريخ الأقليات، مكون بالمركز الجهوي لمهن التربية University Professor and Researcher in Medieval History and Instructor at the Regional Center for Pedagogy and Training in Fez, Morocco.

Abstract

Islamic cities were walled after their construction with to protect the new settlement as well as ensure the authorities were safe from anyone seeking to undermine their control of areas near and far. Starting from the fact that cities were necessary transit points to reach other areas, gates were opened in the walls as starting points for other cities. This led to gates being named either with reference to a destination they led to or the ethnic group that controlled the area, whether inside or outside the walls. Fez was subject to the same logic of construction as other cities in the Islamic world, which meant that its various gates provide historical indications of settlement around them, but do their names give true evidence? This question is posed to all researchers in the medieval history of the Islamic West.

الكلمات المفتاحية:
  • فاس
  • باب أفريقيا
  • البربر
  • الفرس
  • الإثنيات
  • تثاقف
Keywords:
  • Fez
  • Africa Gate
  • Africans
  • Persians
  • ethnicity studies
  • Amazigh
  • Acculturation
*Al-Hassan al-Gharayib يبالغرالحسنا|
Al Hassan al يبالغرا لحسناGharayib |
y
ر يب|
ن
سُوّرت المدن الإس مااية بعد تشييدها، وكان الهدف من ذلك حمية الساكنة الحديثة العهد بالاستقرار، مع جعل السلطة
في مأمن من كل طامع في تقويض هيمنتها عى المجالات القريبة والبعيدة عى حد سواء. وانطلاقًا من كون المدن
ممرات إجبارية للوصول إلى جهات أخرى، فقد فُتِحَت في أسوارها أبواب تعدُّ منطلقًا نحو مجالات أو مدن بعيدة، وهو ما
فرض تسميتها إما بالوجهة التي ترمي إليها، أو بالإثنية التي تتحكم في مجالها سواء داخل السور أو خارجه. خضعت فاس
وغرها من مدن العالم الإس مااي لمنطق التأسيس نفسه، ما جعل أبوابها المتعددة تحمل دلالة تاريخية عن الاستقرار
بمجالها، لكن هل تدل أسمء الأبواب عى حقيقتها؟ إنه سؤال يطرح عى كل الباحثن في تاريخ الغرب الإسلامي الوسيط
للإجابة عن بعض دفائنه التي لم تبح بأسرارها.
كلمت مفتاحية: فاس، باب أفريقية، أفارقة، الفرس، الإثنيات، بربر، تثاقف.
Islamic cities were walled after their construction with to protect the new settlement as well as ensure the
authorities were safe from anyone seeking to undermine their control of areas near and far. Starting from the fact
that cities were necessary transit points to reach other areas, gates were opened in the walls as starting points for
other cities. This led to gates being named either with reference to a destination they led to or the ethnic group
that controlled the area, whether inside or outside the walls. Fez was subject to the same logic of construction as
other cities in the Islamic world, which meant that its various gates provide historical indications of settlement
around them, but do their names give true evidence? This question is posed to all researchers in the medieval
history of the Islamic West.
Keywords: Fez, Africa Gate, Africans, Persians, Ethnicities, Amazigh, Acculturation.
قراءة طوبونيمية لباب أفريقية بحاضرة فاس الإدريسية
A Toponymical Reading of the Africa Gate of Idrissi Fez
y
ر يب|
ن

مقدمة

تظل الطوبونيميا، أحيانًا، الملجأ الوحيد للدارس ليعطي تفسيرًا مقنعًا ومنطقيًا لكثير من التسميات التي أطلقت على أماكن بعينها، وتستمد معناها من دلالتها في المتداول من لغة ساكني المجال؛ وهو ما ينطبق على نحو بعيد على عدة مناطق في المغرب في العصر الوسيط، إذ غيرت القبائل والإثنياث حضارة مجال طوال فترة وجودها به. كما أصبحت ثقافة هذه القبائل هي السائدة بفعل التثاقف1 الذي يقوم بدور تطويعي للساكنة ولكل مكوناتها المعنوية السابقة، وهو ما يسمح بإعطاء تصورات جديدة عن كل العلاقات الإنتاجية وقواها، وكذا انعكاساتها على البنية الفكرية. تضع الطوبونيميا علاقات الإنسان والطبيعة في قلب المشكلات الكبرى التي يصبح فيها التأويل مهمًا2 بارتباطاته التي تظل لصيقة بمجالات استيطان الجماعات والأفراد3، ما يبرز العلاقة الوطيدة بين "الجغرافيا الاجتماعية" التي انتقلت من تناولها المعطى الفيزيقي إلى ما هو دينامي، عادَّةً المجال معطىًاجتماعيًا4 لا يمكن أن ينظر إليه إلا انطلاقًا من كونه ذاكرة5. وتحمل أسماء المواقع والوديان والقبائل، بل حتى الأشخاص، رموزًا ذات دلالة بكامل مكونات المجال، بوصفه معينًا لا ينضب من المعلومات حول ماضينا غير المستغل على نحو جيد إلى وقتنا الراهن، علمًا أن "التاريخ مقترن [...] بجغرافية المكان وتضاريسه تحديدًا"6، إذ ليس هناك شيء أشدّ تجذرًا ومقاومة من الطوبونيم7 على مستوى التداول اليومي الصرف. فاستثمار الدلالات اللغوية المرتبطة به يحيل، بالضرورة، على محايثتها لما هو معيش، وكونها انعكاسًا له، لذا فإن معانيه المتعارف عليها التي يمتلكها بقوة التداول، هي نفسها التي نجد لها صدى في الواقع مع امتلاكه جذوره التي بها يتفرد8. إن علاقة التاريخ بالطوبونيميا هي نفسها تعبير عن علاقة الإنسان بكل مكونات مجاله الذي يمثّل امتدادًا له في الزمن، ومقاومة الطوبونيم واستمراره في الزمن هي مقاومة اللغة في حد ذاتها، وفرضها نفسها على من مر بهذا الوسط، وصنع حضارة مادية لها ارتباطات

  1. عدَّ مفهوم "التثاقف" غريبًا عن الدراسات الوسيطية؛ لكون استعماله وليد الفترة الاستعمارية التي "أطاحت" الثقافات المحلية لمصلحة الدخيلة المسنودة بالقوة، غير أن استعارتنا هذا المفهوم تطلبته وضعية العلاقات التي خلقها الجوار من جهة، والاستيلاء على المجال من جهة ثانية، ضمن الحركية التي عرفتها القبائل طوال الفترة الوسيطية بالمغرب الأقصى. لمراجعة مدى علاقة هذا المفهوم بالتاريخ والأنثروبولوجيا واستعماله في تاريخ العصر الوسيط، انظر: Cécilia Courbot, “De l'acculturation aux processus d'acculturation, de l'anthropologie à l'histoire. Petite histoire d'un terme connoté,” Revue Hypothèses , vol. 1 , no. 3 (2000), pp. 128 - 129 ; وقد طرح جاك لوغوف هذا الإشكال وربطه بمدى وجود تراتبية على مستوى هيمنة ثقافة على أخرى والكيفية التي تطرح بها إشكالية الثقافتين، انظر: Jacques Le Goff, Pour un autre Moyen Age: Temps, travail et culture en Occident (Paris: Gallimard, 1977), p. 346.
  2. André Aymard, “Toponymie et histoire,” Annales. Histoire , Sciences Sociales , 6 ème Année, no. 1 (Janvier/ Mars 1951), p. 48.
  3. إن الرجوع إلى إيتيولوجيا étiologie الطوبونيم تساعد إلى حد بعيد على فهم تاريخ المواقع والإثنيات التي أثرت في الحدث اليومي، ما يجعل العودة إلى النصوص التي تتناول تأسيس معلمة أو مدينة أمرًا في غاية الأهمية وعلامة فارقة بالنسبة إلى غيرها من النصوص التي جعلت من "الحدث السلطاني" محورًا رئيسًا لكتابتها، لمزيد من الاطلاع يمكن الرجوع إلى: Jeannine Drouin, “Éléments de toponymie berbère dans l'Atlas marocain,” Nouvelle revue d'onomastique , no. 41 - 42 (2003), p. 211.
  4. لضبط العلاقة المتينة التي تجمع الجغرافيا بما هو اجتماعي، والتأثيرات التي تجعل المجتمع أولوية لدى الجغرافي في تعامله مع الظواهر الطبيعية، انظر: Rochefort Renée, “Réflexions liminaires sur la géographie sociale,” in: Daniel Noin (dir.), Géographie sociale , Actes du Colloque de Lyon 14 - 16 octobre 1982 (Paris: CNRS, 1983), p. 13.
  5. Yves Guermond, “La géographie sociale: Un nouveau paradigme,” Espace géographique , vol. 15 , no. 2 (1986), p. 85.
  6. محمد حسن، الجغرافيا التاريخية لإفريقية من القرن الأول إلى القرن التاسع الهجري: فصول في تاريخ المواقع والمسالك والمجالات (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2004)، ص 37.
  7. Aymard, p. 48.
  8. حاولنا في هذا الطرح استعارة بعض من طروحات تناولها بول ريكور في كتابه صراع التأويلاتتهتم بالمعنى والمرجع في دراسة الكلام بوصفه خطابًا، غير أن استثمارنا لهذا الطرح مرده علاقة المعنى السابق بالمرجع الذي يمثل "طريقة خاصة أيضًا للدلالة على فاعل الخطاب"، انظر: بول ريكور، صراع التأويلات: دراسات هيرمينوطيقية، ترجمة منذر عياشي (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2005)، ص 125.

بكل مكونات المجتمع. غير أن تسميات الأماكن في الغرب الإسلامي التي تداولتها كتب التاريخ والجغرافيا، على حد سواء، تحيل على أنها "جديدة تعبر عن قطيعة وتتجلى في بروز ألفاظ عربية، أو تعبيرات جغرافية مجلوبة من المشرق"9، لتحل مكان الطوبونيميات المحلية التي جرى تعريبها بما يوافق الوضع الجديد. فتعريب المجال، أملته طبيعة الوجود الدائم لسلطة طارئة على مجتمع "غابت" عنه ذاكرته، واستبدلت بها ذاكرة بأخرى تقوم بعملية جمع معظم الأحداث وتدوينها وفق منطق "الغالب"؛ لجعلها الحقيقة الوحيدة في الرواية التاريخية لكل المجالات التي هي موضع الدرس والتحقيق. إن محاولة نقل الموروث الشفهي بصورته المتداولة إلى المدون التاريخي تجعل العلاقة ملتبسة في التعامل مع المعطى الواقعي المعيش وفق ما يدل عليه لدى كل القبائل التي جعلت من تاريخها الخاص استمرارية لنظرتها إلى المجال، وما يحيط بها من مكونات إثنية، وعلاقة الدخيل بها من دون أن يجعل من ماضيها الموروث قاعدة لرؤية تَجْمَع بين ما اختزنته ذاكرة المجال والتصور عنه في التدوين التاريخي له المتأخر قرونًا10. غير أن ارتباط الطوبونيم بإثنيات معينة يجعل من شهادته محددًا للوجود11 وليس محدِّدًا لكثافته.

فاس، التأسيس أو بنية مدن الغرب الإسلامي

لم تعرف مدن الغرب الإسلامي إشكالية في تأسيسها كما عرفتها مدينة فاس التي أثْرَت الجدل الذي دار حول تاريخ بنائها وتاريخ استقرار ساكنتها12، فتحول تاريخها إلى تاريخ إشكالي، زادته الأسطورة التي رافقت فترات التأسيس غموضًا13، ومثّل مجال التأسيس في حد ذاته نقطة تفكير جديدة، إذ إن الإثنيات والقبائل التي سكنته طبعته بميسمها، حتى إن عدة أحياء سميت بأسمائها وحملت الأبواب أسماء تمتح من القاموس الخاص بالديانات أو الحِرف التي مورست في أزقتها مع وجود أسماء أبواب تحمل في ذاتها نوعًا من القلق النابع من سكوت المصادر عن مغزى التحديد الاسمي للباب المنفتح على المجال الخارجي للمدينة الناشئة، وبذلك، عدت هذه الأبواب منافذ، في نظر بعض المؤرخين إلى المدينة؛ من شاكلة ابن أبي زرع، والجزنائي، والبرنوسي، أكثر منها ذات دلالة على التعدد الإثني والمذهبي للساكنة. ظل المجال في كل الحقب مقلقًا السلطة، لارتباطه بالأمن بالدرجة الأولى بما في ذلك أمن المدن التي انفتحت على محيطها بوصفها "وحدة اجتماعية" متراصة غير قابلة لفك ارتباطاتها بما هو حيوي لها. فالتنظيم هو الذي أعطى إمكان الإبقاء على العلاقة الوطيدة التي تجمع الأفراد والمجالات التي يجري فيها فعلهم، مع نوعية النشاطات التي لها الأولوية في تمتين الروابط مع كل ما هو قابل لإدامة الوجود في المكان. ومن هذه المنطلقات، أصبح للطوبونيم دلالته الراسخة في المتداول من الثقافة، لكونه يحيل دائمًا على تاريخيته التي

  1. هشام جعيط، تأسيس الغرب الإسلامي: القرن الأول والثاني ه/ السابع والثامن م، ط 2 (بيروت: دار الطليعة، 2008)، ص 54.
  2. ظل التأريخ للحدث الإدريسي في الغرب الإسلامي شأنًا مرينيًا بامتياز، وما تطرق إليه مؤرخون سابقون للفترة المرينية لم يصلنا منه إلا ما ورد عند المعروف من مؤرخي دولة المرينيين، أما كتاب محمد بن موسى الكناني الراياتوكتاب المجموع المفترقلأبي الحسن النوفلي وغيرهما، فلم يصلنا منهما، أو من غيرهما، إلا ما رواه عنهما غيرهما على الرغم من كونهما متأخرين عن فترة الأدارسة.
  3. André-Georges Haudricourt & Lucien Febvre, “Le témoignage de la toponymie,” Mélanges d'histoire sociale , no. 5 (1944), p. 69.
  4. عرفت مدينة الكوفة وضعًا، وإن لم يكن شبيهًا بوضع فاس على مستوى التمصير، فإن نواة المدن المستقبلية في العصر الوسيط صاحبها غموض مرده طبيعة القوى المتعاقبة على المجال، وبذلك يمكن القول إن مسألة تأسيس الحواضر، خاصة تلك التي لها علاقة بالسلطة أو استقرار الجند، مدعاة إلى إعادة النظر في بدايات تأسيسها. بالنسبة إلى مدينة الكوفة، انظر: هشام جعيط، الكوفة: نشأة المدينة العربية الإسلامية (الكويت: مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، 1986)، ص 117 - 120.
  5. طرح ليفي بروفانسال Provençal Lévi إشكالية سنة التأسيس من باب أنها لا توافق الأحداث التي عرفتها المنطقة وكذا طريقة قراءته المصادر ومقارنتها. ويعدّ مقاله إشكاليًا من حيث تناول الأحداث والمقابلة بين النصوص، زيادة على كونه لم يفقد راهنيته على الرغم من صدور العديد من المقالات التي لم ترقَ إلى مستوى وضعه الإشكاليات الكبرى التي صاحبت الطرح العام للموضوع، ومقاربته بنوع من الدربة المبنية على استثمار النصوص وفك رموزها، من دون تكرار ما قيل في المصادر التي لم تستغل على مستوى تأويلها وقراءتها في ضوء المستجد من الدراسات الرصينة التي عالجت الخصوصي من تاريخ المدن في علاقته بالتطور العام للمجتمع، انظر: ليفي بروفانسال، "تأسيس مدينة فاس"، مجلة البحث العلمي، جامعة محمد الخامس، الرباط، العدد 31 (16 تشرين الأول/ أكتوبر 1980)، ص 157 - 185.

استقاها من حركية الفعل الإنساني وتغييره للمجال نحو الأفضل، مع كونه مصدرًا "للمعلومة التاريخية"14 التي نصل عبرها إلى ماهية الأسماء بما لها من وقع تاريخي على الأحداث. تعطي بنية فاس الإثنية دليلً قويًا على كونها منطقة جذب واستقرار منذ عهود قديمة، فإذا كانت المصادر التاريخية15 قد تحدثت عن ساكنتها قبل مجيء إدريس بن عبد الله، فلكونها نقطة التقاء ثقافات عدة وديانات متنوعة؛ من بينها النصرانية التي سادت ديانةً، واعتنقتها بعض القبائل الزناتية التي مارست نشاطاتها باستقرارها في مجال غني ثقافيًا بمؤثرات توحيدية (يهودية) وأخرى وثنية (مجوسية)16. فاستيعاب الثقافة الزناتية كل هذه المؤثرات هو نتيجة منطقية لامتلاكها خصائص ذات بعد قادر على استدماج المتشابه منها، وإعطاء إمكان بناء نشاطات دينامية تبرز اختلافًا في الوحدة مع الحفاظ على المجال من التفكك، لأن "المجال الجغرافي يولد من المبادرة الإنسانية ويعبر عن مشروع خاص لكل مجتمع"17، ولا سيما أن المجتمع القبلي لم يكن منغلقًا على ذاته بقدر ما تولدت لديه، طوال تعايشه مع كل المكونات الإثنية، علاقة استقطاب بما يمكن أن يحدث النقلة النوعية نحو التماسك، بدلً من الحرب والتوجس المبني على الخوف من امتلاك غيره مجالات نشاطاته، ويشهد على ذلك حميمية التعاون بين المجموعات القبلية في أدائها نشاطاتها التي لم تكن في مجال مدينة فاس ‑ قبل بروز بنيتها المعمارية ‑ إلا ذات طابع فلاحي رعوي، له امتدادات في المناطق المحيطة بها، خاصة الشمالية الغربية، أي تلك التي تحاذي مجال غمارة وقبائلها، وكذا الجنوب الشرقي الذي عدَّ مجال فاس ملجأً للفارين من معتنقي المسيحية في منطقة درعة18 ونزولهم بين ظهراني الزناتيين قبل بناء المدينة الإدريسية.

فاس بين عملية التسوير و لانفتاح عىل الخارج

عدّ التمصير شرطًا ضروريًا للاستقرار، ما خلق معسكرًا في مجال فاس المستقبلية وهو ما يتيح إمكان الحديث عن تطور العمران وفق تصورات ثقافية قبلية لساكنتها، قبل انفجارها الديموغرافي الذي حوَّل المدينة الوليدة إلى وجهة لكل القبائل. فالطابع البربري للمدينة19 تنحّى وإن لم يختفِ إطلاقًا، على الرغم من اختلاط مكوناتها الإثنية وبداية توحد الرؤية المجالية لمدينة في طور التوسع، بعد أن تخلت عن طابعها البربري السابق المرتبط بنوعية العلاقات التي تجسدت في إعادة إنتاج التصورات نفسها والمواقف من كل دخيل، والتخلي عن نمطها في العيش والانخراط في نشاطات بديلة تتطلب دربة وحنكة في التعامل، وهو أمرٌ غير غريب عن قبائل لها إرث ثقافي وديني متعدد، وبهذا، يكون تعريف المجال مرتبطًا بعلاقات بمجتمع20 يجعل من القبيلة عصبه الرئيس.

  1. Haudricourt & Febvre, p. 70.
  2. أبو عبيد الله البكري، المغرب في ذكر بلاد أفريقية والمغرب: جزء من كتاب المسالك والممالك، تحقيق دو سلان (باريس: منشورات مكتبة أميركا والشرق، 1965)؛ علي بن أبي زرع، الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوكالمغرب وتاريخ مدينة فاس، تحقيق عبد الوهاب بنمنصور، ط 2 (الرباط: المطبعة الملكية، 1999)؛ الحسن الوزان، وصف إفريقيا، ترجمة محمد حجي ومحمد الأخضر، ط 2 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1983)؛ محمد بن علي البرنوسي، "الخبر عن بناء إدريس الإمام بن إدريس مدينة فاس وذكر ما اختصت به من الفضائل والمحاسن التي يفوق بها المغرب"، مخطوط الخزانة الوطنية بباريس، قسم المخطوطات العربية، رقم 1892 ضمن مجموع [أي مجموعة من المخطوطات ذات المواضيع المختلفة التي تجمع في دفتين وتُعطى إيكونوغرافيًا رقمًا تُعرف به رفوف الخزانات].
  3. الحسن الغرايب، مسيحيو المغرب الأقصى في العصر الوسيط (الرباط: منشورات مطابع الرباط نت، 2015)، ص 163 - 164.
  4. Hildebert Isnard, L'espace géographique , Coll. Le géographe (Paris: PUF, 1978). p. 41.
  5. J. Gattefosse, “Juifs et Chrétiens du Dra' avant l'Islam,” Bulletin de la société de préhistoire du Maroc , vol. 9 , no. 3 - 4 (1935), pp. 41 , 43.
  6. عدّ العمران أساسًا للتوسع والتأثير في المحيط، لكن مسألة التأثير الداخلي لمكونات الساكنة له من القوة؛ ما جعل مدينة فاس تحافظ على مجموعة من سمات القبائل التي قطنت مجالاتها وأثرت في طبيعة توزيع أحوازها وأرباضها، ولم يبدأ هذا التأثير في الاضمحلال إلا بعد فترة طويلة من استقرار الساكنة وتغير طبيعة العيش لديها، وإدماجها المقومات الثقافية للوافدين الجدد سواء من الشرق أو أولئك الذين جرى طردهم من الأندلس في عهد الحكم الربضي.
  7. Isnard, p. 212.

غدا التحول الذي عرفه مجال فاس محط نقاش عميق؛ لأن تناغم التغيرات مع مكوناته هو ما حدا بكل قبيل مالك للأرض إلى التنازل عن الملكية وفق مبدأ البيع21 لمصلحة السلطة السياسية الناهضة والانخراط في إعادة هيكلة البنية العامة للمجال، ليصبح قادرًا على التلاؤم مع إدارة بديلة، لها تصور جديد عن حدود المجال الذي يمكن أن يؤمن الديمومة والاستمرارية للورثة، ويعطي قوة للسياسي politique Le الْمُوَحِّد والمنتظم مقابل القبلي tribal Le الذي ينحو إلى الانعزال والتشرذم. تميزت القبائل المستقرة في مجال فاس بتلاحم "خاص" من حيث الذهنية، وهو ما جعلها تمثِّل هوية غير تلك التي تحدث عنها المؤرخون22 وهذا ما جعل، في الوقت نفسه، أمر بقاء المدينة واستمراريتها رهينًا بمدى قوة هذا التلاحم، حتى في ظل الفترات العصيبة التي حدثت بعد انهيار دولة الأدارسة. فالرعاة والفلاحون المستقرون مثّلوا خزانًا بشريًا للمدينة من دون أن يؤثر ذلك في طبيعة العلاقات التي تم نسجها مع باقي القبائل المحيطة بمجال فاس وحتى مجال وليلي23 المركز الحضري الذي عدّ حاضرة قبائل أوربة البربرية ذات التاريخ الطويل في الاستقرار والمتعددة المعتقد والتقاليد المتعددة، والمهيكل وفق بنية قبلية في مواجهة غيرها، والتي لم تكن ذات عداء واضح مع مكونات المدينة الناشئة. فالروابط التي جمعت كل القبائل هي في أغلبها محكومة بالانتماء إلى حلف معيّ، أو أنها متحكم فيها بغلبة دين معيّ من دون سيادته (وثنية، أو يهودية، أو مسيحية) ما يفضي إلى بنية المقدس وعلاقته ببناء القبيلة كلها. فروح الحلف رسخت العلاقة بين القبائل، دافعة الاختلاف الديني إلى الخلف، من دون أن يكون له تأثير مباشر في منظومة القيم والقواعد، لكن ذلك لم يمنع من جعل الغزو نشاطًا موازيًا لباقي النشاطات، خاصة بالنسبة إلى القبائل التي تمارس الرعي، وهو ما أعطى مشروعية التفكير في رد الهجمات لسلطة قوية قادرة على مأسسة الدفاع، وجعله في صلب مشاريعها المستقبلية. إن هذا التصور الدفاعي أملى على السلطة الوليدة بناء الأسوار، والمجال المسور يستدعي نقل العالم الخارجي إليه وترويض تناقضاته التي هي في الأصل تناقضات قبلية. فالتصور الدفاعي هو في نهاية المطاف رؤية مستقبلية للمدينة الوليدة برموزها، المسجد والسور والباب، وهي بذلك تخالف التمثل القائم على بناء مدينة (حصن) لها من المميزات المغايرة ما يجعل الدارس يبحث عن كيفية وصول إرث شرقي إلى الغرب الإسلامي وإدماجه في المعمار، لكن بتصور محلي، يعكس دمج المفهوم البربري للحماية والمتمثل ب "أفراگ"24 والسور المبني كما هو شائع في المدن المنشأة في

  1. الحسن الغرايب، "تنظيم ملكية الأرض وبناء المدن بالمغرب الأقصى في العصر الوسيط. فاس ومراكش نموذجان"، في: أحمد المحمودي وإبراهيم القادري بوتشيش (محرران)، أعمال ندوة التاريخ والقانون: التقاطعات المعرفية والاهتمامات المشتركة: أعمال مهداة للأستاذ الدكتور محمود إسماعيل. أيام: 3، 4، 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 2009، سلسلة ندوات رقم 22 (مكناس: جامعة مولاي إسماعيل، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2009)، ص 211 ‑ 220.
  2. تناولت أغلب الأخبار الصراع القبلي بين بني يزغيتن وزواغة بوصفه نتيجة منطقية لعداء بين مكوناتها، لكن المتمعن في هذا الأمر يكتشف أن المجال وعلاقة القبيلة به هو المحرك الأساس للصراع، وأن أمر امتلاكه يفضي، ضرورةً، إلى الغلبة بمعناها الخلدوني. بشأن الصراع، انظر: ابن أبي زرع، ص 39.
  3. استعملنا هنا الاسم المتعارف عليه بين مؤرخي الفترة، علمًا أنه في الأصل وجب ترك الاسم اللاتيني فوليبيليس Volubilis؛ للدلالة على الموقع أو اعتماد الاسم الذي ساد في رواية المؤرخين، مع إرجاعه إلى أصله البربري "أوليلي."
  4. انظر في هذا الصدد: علي الجزنائي، جنى زهرة الآس في بناء مدينة فاس، تحقيق عبد الوهاب بن منصور، ط 2 (الرباط: المطبعة الملكية، 1991)، ص 19. يرى الجزنائي أن "الإمام إدريس ضرب أخبيته وقبابه بالموضع المعروف بجرواوة من عدوة الأندلس، ودور عليه جرواوة من الخشب فسمي الموضع به"، وقد حاول المرحوم ابن منصور شرح ذلك اعتمادًا على نسخ أخرى عادًّا جرواوة، أو أجرواو، حائطًا أو حاجزًا (انظر: هامش 55 من جنى زهرة الآس) وهذا مناف معنى الحائط بالأمازيغية؛ إذ اختلطت على المؤلف والمحقق معناه، فأجراو هو المجلس، ونظرًا إلى كون مجال عدوة الأندلس من مدينة فاس كان آهلً بقبائل بربرية لها مجلسها الذي يتداول فيه أمور حياتها اليومية وغيرها، فإن ذلك أعطى المكان موضع اجتماع شيوخ القبيلة اسمه البربري الذي ما زال إلى الآن يعني الشيء نفسه، انظر: محمد شفيق، المعجم العربي الأمازيغي، ج 1 (الرباط: دار النشر العربي الأفريقي، 1990)، ص 228، 361؛ وأما الحائط بالأمازيغية فهو Afrag، انظر: Emile Laoust, Contribution à une étude de la toponymie du Haut Atlas, Adrär N Deren (Paris: Librairie Orientaliste Paul Geuthner, 1942), p. 83 ; إن كلمة "أفراگ" التي تفيد إحاطة مكان مابأغصان شوكية حماية لما وراءه من ممتلكات وغيرها حتى لا تطالها يد طامع، تقترب من المعنى السابق للفظ "إجروان" الذي يعني "الحواطة لحفظ  الحبوب"، وقد كتب محمد شفيق هذه الكلمة على النحو الآتي " ئݣاروان " وهو ما يحيل على الجذر البربري الذي يعني "الحظيرة لحفظ الحبوب" في تفسير محمد شفيق، وهذا ما نتحفظ عليه بالرجوع إلى ما هو معروف لدى القبائل في التعامل مع محاصيلها. ويبدو أن محمد شفيق غلَّب التفسير العربي للكلمة، مستندًا في ذلك إلى ما ورد عند الفيروز آبادي في "قاموسه" لشرح كلمة حظيرة من كونها "جرين التمر، والمحيط بالشيء، خشبًا أو قصبًا"، انظر: الفيروز آبادي، القاموس المحيط، تحقيق لجنة بإشراف محمد نعيم العرقسوسي، ط 6 (بيروت: مؤسسة الرسالة، [د. ت.])، ص 377. Chafik T. Benchekroun, “Les Idrissides: l'histoire contre son histoire,” MASAQ , vol. 23 , no 3 (2011), p. 171 - 188 ; B. Rosenberger, “Les premières villes islamiques du Maroc: Géographie et fonctions,” in: P. Cressier & M. Garcia-Arenal (eds.), Genèse de la ville islamique en al-Andalus et au Maghreb occidental (Madrid: CSIC, 1998), p. 229 - 235 ; Mohamed Mezzine, Fès médiévale. Entre légende et histoire, un carrefour de l'Orient à l'apogée d'un rêve (Paris: Autrement, 1992), pp. 13 - 57.

الشرق؛ الكوفة، وبغداد، وغيرهما. إن صمود التقليد البربري في البناء وتحويله إلى معلم عمراني رسخ مفهوم صد الهجمات الخارجية لاستبعاد المباغتة، وكبح ثورات الداخل عبر لجمها بين أسوار المدينة، وهو ما جعل المدينة تقطع مسيرة تطورها داخل مجالها المسور استجابة لضرورة كونها عاصمة دولة الأدارسة. وبحدودها تلك، صمدت على نحو بعيد حتى أصبح سورها، بأبوابه المتعددة والمنفتحة على عالم قريب وآخر يرنو نحو الشرق، جزءًا من ثقافتها اليومية التي آمنت بالانكفاء على الذات لبناء القوة في مواجهة كل الأخطار. إن المدينة إرث ثقافي اختزلت فيه القبيلة/ القبائل/ الحلف القبلي نظرتها إلى الكون ومفهومها للمجال رابطة إياه بغيره من الرموز، ما جعله تكييفًا للتراكمات الرومانية والوندالية والبيزنطية في المجال الحضري مع تطويره وفق خط تاريخي متسارع يأخذ في الحسبان انهيار مدن في الجوار (فوليبيليس "وليلي" وفقدانها أهميتها بعد انتقال السلطة السياسية إلى فاس)، أو انهيار أخرى بفعل وقوعها خارج الدورة الاقتصادية للمجالات المتحكم فيها سياسيًا. اتجهت فاس بأسوارها نحو تأسيس ثقافة الاستقرار، فجلبت المياه ونظمت توزيعها على نحو أضحت فيه أحياؤها ومعالمها الدينية مرتبطة بعنصر حيوي دائم، جرى ترويضه لمصلحة الساكنة التي آثرت تغيير سلوكها المعتمد على التنقل، واختطت لها أحياء عديدة اختص بعضها بحِرف ذات مردودية داخل فضاء حضري متوثب للسيطرة على كل المجالات القريبة والبعيدة، الأمر الذي غيّ من مورفولوجية المجال فأصبح قابلً للتحول وفق خطط إنشاء المدن.

الأبواب وعلاقتها بالمجال المديني

ليس للمدينة المسورة من منفذ إلا الأبواب التي ترمز إلى الانفتاح على مجالات أخرى، وقد كان لوجودها دور أكبر، ارتهن بالمكان وساكنته، وحددت وجهته التي تعطي مغادر المدينة مسارًا متعارفًا عليه لدى الوافد والمغادر26. فإذا كان باب الفوارة من أبواب عدوة الأندلس منه "يخرج إلى مدينة سجلماسة"27 وباب أبي سفيان "ومنه يخرج إلى بلاد غمارة وإلى الريف "28، وبجرواوة، جرى إحداث باب يتوجه منه إلى بلاد تلمسان يعرف بباب الكنيسة31؛ وهو ما يحيل على أن بعض ساكنة مدينة فاس كانوا من غير المسلمين واليهود، والأمر نفسه بالنسبة إلى باب الشيبوبة المقابل لباب الفصيل32 الذي يفصح عن وجود الديانة المجوسية التي اعتنقها بعض البربر آنذاك33، فقد كان بيت عبادتهم بها.

25  تناولت الدراسات التاريخية الخاصة بمدينة فاس - في أغلبها - مسألة البناء لا غير، وما تردد في المصادر، وإن كان ثمة اختلاف من دارس إلى آخر بحسب ما رامه من عملية سبر غور المتون الوسيطية، إلا أن جل الدارسين لم يتطرق إلى طوبونيمية المجال وعلاقته بتسمية الأبواب المحدثة في السور المحيط بالمدينة الناشئة. وعلى الرغم من تعدد الدراسات، فإنها ظلت بعيدة عن التنقيب في شأن ما أطلق من أسماء على أبواب المدينة الإدريسية، ولا سيما أن مسألة ربط العلاقة بين المكونات الإثنية والبناءات المحدثة في مجال بربري بامتياز، تجعل من إعادة التفكير في مسميات الأبواب أمرًا ملحًا، وهو ما غاب في المقالات والدراسات التي تناولت نشأة المدينة؛ الأمر الذي يجعل العودة إليها تكرارًا غير مفيد، وهو ما فرض علينا عدم الإشارة إليها، لخلوها مما يفيد التوجه العام للمقال، وهي: هاشم العلوي القاسمي، مجتمع المغرب الأقصى حتى منتصف القرن الرابع الهجري، ج 2 (الرباط: منشورات وزارة الأوقافوالشؤون الإسلامية، المملكة المغربية، 1995)، ص 379 - 427؛ روجيه لوتورنو، فاس قبل الحماية، ترجمة محمد حجي ومحمد الأخضر، ج 1 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1992)، ص 53 - 73؛ روجيه لوتورنو، فاس في عصر بني مرين، ترجمة نيقولا زيادة (بيروت: مكتبة لبنان، 1967)، ص 13 ‑ 31؛

29  أحمد بن القاضي، جذوة الاقتباس في ذكر من حل من الأعلام مدينة فاس، ج 1 (الرباط: دار المنصور للطباعة والوراقة، 1973)، ص 30؛ البرنوسي، ص 5؛ ابن أبي زرع، ص 40. 30  لم تخلُأرض المغرب الأقصى من نحل متعددة؛ بدليل وجود أماكن عبادة لها بالمناطق التي استقرت ومارست فيها طقوسها، وقد أكد ابن أبي زرع أن مدينة فاس سكنتها "قبيلتان من زناتة وزواغة وبني يزغثن، وكانوا أهل أهواء مختلفة، منهم على الإسلام، ومنهم على النصرانية ومنهم على اليهودية، ومنهم على المجوسية، ومنهم بنو يزغثن وكانوا يسكنون بخيامهم بحومة عدوة الأندلس الآن، وكان بيت نارهم بالشيبوبة"، انظر: ابن أبي زرع، ص 31. ويعد معتنقو هذه الديانة أقلية إذا ما قورنوا بغيرهم "وهو ما مكن إدريس الثاني من إنهاء أمرهم بسهولة"، كما أن بيت نارهم الذي كانوا يرتادونه حمل اسم الشيبوبة وهو "تحريف بسيط ل שביב أي لهيب بالعبرية"، انظر: محمد الغرايب، مجتمع يهود المغرب الأقصى. دراسة تاريخية اجتماعية (الرباط: منشورات الرباط نت، 2012) ص 69، 71. وقد أشار إسماعيل بن الأحمر إلى أن بيت بني عبودة "كان جدهم عبودة قيم النار التي كان يعبدها أهل موضع فاس قبل بناء فاس" وقد تم "هدم بيت النار، وكان بالموضع المعروف الآن بشيبوبة بفاس الأندلس"، انظر: إسماعيل بن الأحمر، بيوتات فاس الكبرى (الرباط: دار المنصور للطباعة والوراقة، 1972)، ص 52.

  1. ابن أبي زرع، ص 40.
  2. المرجع نفسه.
  3. البرنوسي، ص 5؛ ابن أبي زرع، ص 40.

والمتتبع لخريطة المنافذ بالأسوار، يؤكد أن هذه المواقع الجغرافية اختيرت بعناية ولغرض معين من دون غيره، كما أن المعلومات المتوافرة في المتون التاريخية توحي بالتصور الذي تم تبنيه من الساكنة والسلطة الطارئة (الأدارسة) في عملية الاستقرار، وهو تصور أخذ في الحسبان الأصل الديني أو المعتقد الغالب لدى الساكنة في المجال المحدد للبناء. ارتبطت الأبواب بالساكنة وبمعيشهم اليومي؛ لكونها منفذهم الوحيد نحو الأملاك الموجودة خارج الأسوار، وقد طبع المجال الخارجي ما وراء الأسوار مع تأثيره في نوعية النشاطات التي لها ارتباطات بهذه المنافذ، لذا فإن الدراسات الإيتيمولوجية هي الوحيدة القادرة على فك ألغاز مجالات فاس؛ نظرًا إلى ضياع تراثها المكتوب في الفترة الإدريسية، كما أن غياب تاريخ مكتوب للإثنيات التي شاركت في بناء تاريخ فاس جعل ذاكرتها الجماعية تتمحور حول "هويتها المشتركة"34 من دون أن يكون ذلك قادرًا على إضاءة المعتم من التاريخ الخاص بها، وقد فوت علينا ذلك معرفة مجموعة من الحقائق التي انجلى بعضها بفضل إعادة الاعتبار لدراسة النقود ومضامينها؛ سواء ما تعلق منها بالتواريخ، أو الرموز المسكوكة، الأمر الذي ساعد على تفسير بعض الأحداث التي كانت لها علاقة بفترة السك، مع ارتباط ذلك أيضًا بدُور الضرب القريبة أو البعيدة عن مركز السلطة أو التي تواليه35. ليس لدينا من معلومات حول أسماء الأبواب، إلا ما جاء في بعض المصادر، وإبرازها خصائصها المرتبطة بالجهة التي فتحت من أجلها لضمان مجال يمكّن الساكنة من استعماله وجعله منفذًا للدخول والخروج ومراقبة المجالات البعيدة وضبطها من سلطة اعتمدت على القبائل التي تدين لها بالولاء أو بالتحالفات، أقامتها لنشر العقيدة والإذعان لسيف السلطة القادمة من "فوليبيليس/ وليلي" نحو فاس. وبهذا الخصوص، تضاربت أسماء الأبواب من مصدر إلى آخر36، ما حتم علينا أخذ هذا المعطى بحذر شديد، خاصة أن إيتيمولوجيتها تحيل على ما له علاقة بالمكان من جهة، أو بالانتماء الإثني الضارب في التاريخ وله علاقة وطيدة بالمحيط المباشر للمدينة الوليدة من جهة أخرى. إن مشكلة الوجهة التي يتخذها المغادر لمدينة فاس عبر أبوابها العديدة طرح إشكالً تناولته كارسيا أرينال باقتراحها اللجوء على نحو أساسي إلى القاموس البربري المحلي مع الأخذ في الحسبان مسألة اختلاف اللغة من قبيل إلى آخر، لتفسير معنى أسماء بعض الأبواب، وعلى رأسها باب أفريقية37. إن دارس تاريخ مدينة فاس وطوبونيميتها مجبر على استحضار الماضي البربري للمدينة، وتنوع مكوناتها الإثنية، مع التركيز على نواتها البربرية بامتياز؛ لهذا حافظت على إرثها ورسخته عبر إطلاق أسماء بربرية على بعض أبوابها. فالمتمعن في اتجاهات المسالك والطرق التي تنفتح عليها أبواب فاس يدرك مدى الخلط الذي وقع فيه أغلب الدارسين؛ لوثوقهم بمُدون المصدر، مع

  1. Jacques Le Goff, Histoire et mémoire (Paris: Gallimard, 1988), p. 115 ; تناول لوغوف ارتباط الذاكرة المشتركة بالكتابة التي من خلالها يمكن الوصول إلى الحدث البارز الذي يوصلنا إلى التمييز بين الشفهي والمكتوب المختزن للأخبار مع إمكان مراجعتها وتنضيدها بما يخدم التاريخ العام. وفي مقابل ما جاء عند لوغوف، يرى فرانسوا دوس Dosse François أن "الذاكرة المشتركة تتمثل بنهر يوسع من مجراه في جريانه على خط مستقيم"، وهو بهذا التعريف يجعل من التاريخ مجالً للتقطعات، وكأننا بهذا نستحضر ما جاء عند Halbwachs Maurice الذي ابتدأ به دوس دراسته حول هذه العلاقة الملتبسة بين التاريخ والذاكرة. انظر: François Dosse, “Entre Histoire et mémoire: Une Histoire Sociale de la Mémoire,” Raison présente (septembre 1998), pp. 5 - 24.
  2. بقيت عدة دور لسك النقود على عهد إدريس الثاني خارج مجال المراقبة الفعلية للسلطة، لكنّ ولاءها بالاسم ظل حاضرًا، وهو ما دفع بدارسي نقود الفترة الإدريسية إلى ربط توطين أماكن ضرب العملة بمدى التبعية السياسية، أو إعلان التحالف من دون أن تكون هناك سلطة فعلية للأمراء الأدارسة على مدن السك، مثل زيز وتودغة أو تلك التي خرجت عن طاعتهم بعد وقوعها في يد خصومهم السياسيين، مثل تلمسان. Daniel Eustache, Corpus des dirhams Idrissides et contemporains (Rabat: Banque du Maroc, 2008), p. 318.
  3. بخصوص هذا الأمر، انظر: البكري، ص 116؛ البرنوسي، ص 4 - 6.
  4. M. Garcia-Arenal & E. M. Moreno, “Idrissisme et villes Idrissides,” Studia Islamica , no. 2 (1995), p. 18. حين شروع إدريس في تسوير عدوة القرويين "ابتدأه من رأس عقبة عين علون، وصنع برأس العقبة بابًا وسماه باب أفريقية"، انظر: ابن أبي زرع، ص 39.

الأُلفة التي كوَّنُوها باستعمالهم إياه من دون طرح أسئلة حول علاقة الإيتيمولوجيا والطوبونيميا في وسط بربري مع المُحْدَث من المعالم، ما عمق إشكالية معرفة المرامي التي دفعت السلطة المركزية إلى فتح منفذ هنا ومنفذ آخر هناك، إضافة إلى تغييب ربط العلاقة بالأمكنة الْمُحَدِّدَة لأسماء القبائل القاطنة بها، والاستعمال اليومي للأبواب منافذ منفتحة على المجالات سواء القريبة أو البعيدة، ووجهة المسافرين عبرها بالضرورة، لاحتلالها مكانًا مركزيًا في مجالات فاس القبلية التي لم يَنْمَحِ عنها طابعها البربري وبقاء ارتباطاتها بغيرها من القبائل المحيطة، حتى إن حاول إدريس الثاني تعريب أزقتها وفضاءاتها عبر إعطاء الأولوية للعناصر القادمة من أفريقية38 والعراق39 وتلك التي هاجرت من الأندلس40 قبل وقعة الربض، "ورفع منازلهم وجعلهم بطانته دون البربر، فاعتز بهم"41. أخذت هذه العملية بعدًا سياسيًا في كل مراحلها، لكن هذا لم يمنع من بقاء المعالم البربرية راسخة، خاصة ما تعلق منها بأسماء المواقع. فالتسوير وضع إشكالً جديدًا لمواقعية المناطق، علمًا أن المنافذ التي جرى توزيعها على طول السور، لم يكن الهدف منها سوى تسهيل عمليات الاتصال بالعالم الخارجي، وهكذا أطلقت أسماء على هذه المخارج مع الأخذ في الحسبان الوجهة التي ارتضاها واضعها لها، فإذا كانت باب الكنيسة، يخرج منها إلى تلمسان وهي باب شرقية42، و"باب الفتوح منه قبلي يخرج إلى القيروان "43 وهي حاضرة أفريقية، فما دور باب أفريقية في التوجه نحو الشرق علمًا أنه يقع في الشمال الغربي؟ يحيلنا الجواب عن هذا السؤال على الأصول الأولى للساكنة في المنطقة، وهو ما يفند مقولة بناء المدينة في الفترة الإدريسية الثانية، عادّين أن ما جاء عند ليفي بروفانسال من معطيات كفيل بجعل إعادة قراءة تاريخ المدينة ضروريًا، وأن تساؤلات كارسيا أرينال نتيجة منطقية لإشكالية بناء المدن في العصر الوسيط على أنقاض قرى ومجالات بربرية، خاصة تلك التي لها موقع إستراتيجي سابق، وازدهارها العمراني مشروط بالوظيفة التي بنيت من أجلها، علمًا أن حاضرة سقوما44 على مرمى البصر من مكان بناء المدينة الإسلامية الوليدة التي بقي أثرها، فحسب، بعد دك دورها وتقتيل أهلها، ولم يجرِ التفكير في جعلها عاصمة ملك الأدارسة، وهو أمر يدعو إلى التساؤل عن هذا الإحجام في جعل مدينة سابقة وفي بسيط من الأرض مركزًا جديدًا للسلطة. إن مردّ هذا التفكير ساكنة فاس التي هي مزيج من كل القبائل التي لها علاقة ما بمكونات المجال السابق على التأسيس (مراعٍ، وطرق تجارية، ودين)، لهذا نجد أن بناء الأبواب انفتاح على هذه المجالات التي عرفها البربر على نحو جيد، ولا يمكن أن يخطئ من له جذور ضاربة في المنطقة وجهة سفره، من باب لا ينفتح على مكان توجهه، إلا إذا كان غريبًا على المدينة وهو أمر مشكوك فيه، لأن إيتيمولوجية المواقع مُحَدِّد دقيق لما وقع في الماضي، ما أعطى لدلالته بعدًا مستمَدًّا من تاريخية أحداثه.

  1. ظل التعمير قائمًا بعدوة القرويين من فاس طوال فترة حكم الإمام إدريس إذ نزلها معه "ثلاث مئة بيت من أهل القيروان"، وهم من القادمين من أفريقية إلى هذه الجهة، انظر: المرجع نفسه، ص 47.
  2. المرجع نفسه، ص 39. ذكر ابن أبي زرع أن مكان إقامة هؤلاء هو "ناحية عين علون".
  3. المرجع نفسه، ص 47.
  4. الجزنائي، ص 18. يتفق أغلب مؤرخي الدولة المرينية على أن إدريس بن إدريس عامل القادمين من الشرق بتمييز خاص، معطيًا إشارة قوية للقبائل البربرية مفادها أن أصوله الشرقية هي المحددة لعلاقاته وصلاته بالأفراد من المجتمع الناشئ.
  5. البرنوسي، ص 5.
  6. البكري، ص 116.
  7. المرجع نفسه، ص 117. رأى البكري أن "سقوما" قلعة من القلاع القريبة من مدينة فاس الإدريسية، وهي نفسها التي عرفت تقتيلً للبربر من الجيوش الإسلامية الفاتحة على عهد موسى بن نصير، على الرغم من الاعتراف بأنهم "قوم في الطاعة "، انظر: الرقيق القيرواني، تاريخ أفريقية والمغرب، تحقيق عبد الله العلي الزيدان وعز الدين عمر موسى (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1990)، ص 44؛ أما الحميري فقد عدَّها مدينة ليس بالمغرب أعظم منها، انظر: أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد المنعم  الحميري، الروض المعطار في خبر الأقطار، تحقيق إحسان عباس، ط 2 (بيروت: نشر مؤسسة ناصر للثقافة، 1980)، ص 328. وبهذا يكون التقليد العمراني غير غريب عن المنطقة بدليل سرعة إنجاز الدور داخل فاس الإدريسية قبل الانتهاء من عملية التسوير.

فباب أفريقية هذا وضع برأس عقبة عين علون45 وهو بذلك مواجه جبلي زالغ وتغات، ومعلوم أن هذه المناطق كان فيها من القبائل والأجناس ما يجعلنا نطرح سؤالً عن الساكنة التي لم يكتب تاريخها على نحو يجعل الباحث في مأمن من الخطأ الناتج من سوء قراءة واقعٍ ومجال بقيا بكرين، إذ لم تفكك البنى الاجتماعية والاقتصادية للقبائل المستقرة على مشارف مدينة ناشئة، ليظهر دورها في تاريخ المنطقة التي أضحت نواة دولة وليدة، فكَّت ارتباطاتها بقبيلة أوربة وتجذرت في مجال زناتي بكل تناقضاته. لم يُعرَّب مجال فاس بدخول الإسلام، بل بقي محافظًا على تراثه الثقافي ولغته في التواصل وتحديد المواقع، وهو ما يجعل البحث في القاموس البربري عن بعض الأسماء مفتاحًا لما هو مبهم لدى مؤرخي الفترات اللاحقة. فإفريقية التي ارتبطت بباب عَقْبَة عين علون هو تحريف لغوي لمسمى آخر، ومن الممكن أن الاسم المتداول يشير إلى مجال مغاير غير هذا. لذا، فإن البحث في تدقيق أسماء مجالات المدينة هو القادر على حل لغز تسمية باب لا علاقة له بمكوناتها الإثنية القاطنة في مجال له منفذ على مرتفعات كانت في السابق أماكن لسكن مكونات دانت بغير الإسلام، ولا يمكن إطلاقًا ربط هذه التسمية المتداولة بمجال جغرافي لم ينزل فيه العرب القادمون من أفريقية. إذًا، أين وقع اللبس لدى مدوني تاريخ الحاضرة الإدريسية؟ إن استيعاب الدلالة الخاصة لطوبونيمية المجالات التي كانت مسرحًا لحدث البناء، وغياب نص قاطع من الفترة، جعلا الربط غير المقنع بين منفذ خارجي وإثنية طارئة على المجال يأخذ طابعًا شرعيًا عبر نسبة مجال إلى غير ساكنيه، وأسهم في هذا "لاشعور الانتماء" إلى الجذمة العربية في شرعنة التسمية وعدم الالتفات نحو اللغة الخاصة بمكونات المجال الذي ظل على نحو بعيد بربري المَلْمَح. وقد أعلى فعل القدوم من أفريقية نحو فاس من ربط "تعسفي" بين الحدث وتسمية الباب التي لم تخلق لأي كان قلقًا تاريخيًا معينًا، ما يعيد إلى الواجهة مسألة البحث في الرواية الرسمية لأسماء الأماكن وقاطنيها. إن التأريخ الرسمي هو الطاغي على رواية الحدث التاريخي السابق، وهو أمرٌ يؤكد أن زحزحة المعتقد من كونه حدثًا تاريخيًا يحتمل "التجريح" فيه مجازفة معرفية لاستئناس الغالبية بالموروث والاطمئنان إليه.

باب الأفارق والتسمية المتنحية

ظهر تقسيم مجال فاس وأبوابها على القبائل التي ظلت وفية للمكان، بينما ظهرت قبائل أخرى مؤثثة الأحياء وقد أصبحت تحمل أسماءها. ومن البديهي أن يعيد المؤرخون فيما بعد، ما وصل إليهم من خبر عن عملية البناء والتجزيء المحدد لمواصفات أحياء المدينة الناشئة، وكذا عملية التسوير التي جعلت المدينة الجديدة بمنأى عن الأخطار المحدقة بها إلى غاية صلابة عود السلطة بالوافدين الجدد من العراق46والعرب القيسية والأزد واليحصبيين47. بقي أمر تسمية المجالات الحضرية بالنازلين بها من الأخبار التي لم تناقش أبدًا، إما ليقينية ما جرى ترويجه، وإما لعدم النبش في مسلمات تدخل ضمن المحرم من التواريخ التي كان بعض أحداثها "وبالً" على المدينة ومكوناتها الإثنية، بعد الصراع المرير في فترة

  1. ابن أبي زرع، ص 39؛ الجزنائي، ص 25؛ البرنوسي، ص 4.
  2. ابن أبي زرع، ص 39. لم يرد أي ذكر لجنس هؤلاء القادمين من العراق إلا عند ابن أبي زرع، ما يجعل أمر العود إلى التحقق من النازلين مجال فاس من داخل الأسوار أساسيًا، وذلك لعلاقته بما تم التخطيط له في توزيع الأحياء وغيرها. غير أن ابن القاضي أكد أن إدريس بن إدريس "وفد عليه في تلك الأيام جماعة من الفرس من بلاد العراق فأنزلهم بناحية عين علون"، انظر: ابن القاضي، ج 1، ص 32.
  3. ابن أبي زرع، ص 46؛ الجزنائي، ص 17 - 18.

المرينيين بين الشرفاء الأدارسة وغيرهم من الفقهاء والعامة ممن ضاقوا ذرعًا بسلوك هؤلاء48 ودخول السلطة طرفًا في النزاع في كثير من الأحيان49. فكتابة تاريخ فاس في غياب مصادر أخرى قبل الفترة الإدريسية أو بعدها مباشرة، عمّق الغموض على مستوى الوصول إلى الخبر في تعدده، ما جعل الكل يركن إلى التأريخ المريني للمدينة لعدم وجود ما يخالفه، ولتطابق رؤية مؤرخي الفترة ونُسَّاخ كتبهم التي تكررت بها الأحداث بالصيغة نفسها والأسلوب، وكأن راويَ الخبر لديهم واحد. وأمام تقلب الحدث المرتبط بمكونات "مجتمع فاس" ومجاله، آثر البعض "الأمنيزيا التاريخية"50، وركن البعض إلى الظاهر من الحدث من دون الخوض في ثناياه، ما جعل من هذا "التوافق" في الكتابة التاريخية اعترافًا "بقلق" ما، يغلفه تفاهم حول عدم الاقتراب من الحدود التي تمثّل بؤرة للتوتر بين "الخاص" و"العام"، وأسهم هذا في تعميقالهوة بين التاريخ والذاكرة لتصير قطيعة ناتجة من التحولات المرتبطة بصيرورة النقل بين الأجيال51 للمعارف، وزادت مصادر المرحلة المرينية المعلومات غموضًا؛ لبعدها الزمني عن فترة تأسيس حاضرة الدولة الوليدة، ما يفرض في هذه الحالة ضرورة وجود وساطة لاستنباط الخبر52، مع الأخذ في الحسبان توظيف اللغة في السرد التاريخي وعلاقتها بالموروثات الثقافية التي لها حضور قوي في مجال التداول. إن الشفهي المتداول هو "لغة عامية" ما يجعل من نقلها إلى المكتوب من النصوص عملً محفوفًا بمخاطر التأويل والفهم، لكون النطق السليم للكلمات في وسط متعدد اللغات (بربرية، وعبرية، وعربية بتلاوينها) يظل مأزقًا للدارس، خاصة في حالتنا هذه53.

  1. لمعرفة الصراع الذي احتدم فترة المرينيين بين "الشرفاء" من الأدارسة وبعض الفقهاء ورموز السلطة و"الإسلاميين" ممن اعتنقوا الإسلام حديثًا، انظر: محمد بن أحمد بن محمد ميارة، نصيحة المغترين وكفاية المضطرين في التفريق بين المسلمين بما لم يلزمه رب العالمين ولا أخبر به الصادق الأمين ولا ثبت عن الخلفاء المهديين، تحقيق محمد الغرايب ومصطفى بنعلة (الرباط: مطبعة الرباط نت، 2013)؛ مؤلف مجهول، قضية المهاجرين المسمون اليوم بالبلديين، تحقيق محمد فتحة (الرباط: دار أبي رقراق، 2004). وتعد هذه المصادر غنية من حيث المعلومات التي تناولت على نحو أساس الصراع المحتدم بين مكونات المجتمع الفاسي وانحياز السلطة إلى طرف دون آخر، وهو ما جرى التطرق إليه في كل فصول المصادر السالفة، زيادة على ما ورد في الدراسة الأصيلة التي تناولت فيها مايا شتزميلر الفترة المرينية بكل تقلباتها من خلال كتب مؤرخي المرحلة. ولمعرفة حوادث الفترة على نحو أوضح، انظر: Maya Shatzmiller, L'historiographie Mérinide: Ibn Khaldūn et ses contemporains (Leiden: Brill, 1982).
  2. عدّ مفهوم "الشرف" عاملً حاسمًا في الحصول على الامتيازات التي يخولها الارتباط بالسلطة الدينية التي تمتع بها المنتسبون إلى البيت الإدريسي الذين يدعمهم فقهاء فاس؛ وذلك في غياب سند ديني للمرينيين إلا من قوة "المال" الذي كان بيد أهل الذمة. اتخذ الصراع طوال الفترة المرينية صورًا عدة مرة في شكل هيعة الرعاع ضد اليهود وتقتيلهم، ما فرض على السلطة نقلهم للبيضاء (فاس الجديد)، أو اغتيال للسلطان. وفي نهاية أمر المرينيين، أخذ الوطاسيون مكانهم في وضع يضج بالفوضى الممهدة لسلطان السعديين. في كل هذه الأحداث نجد السلطة طرفًا في الصراع ولم تتخذ أبدًا موقف الحياد، خاصة ما تعلق بالصراع بين "الإسلاميين" من ذوي النفوذ الاقتصادي و"الشرفاء" المدعومين من رعاع الأحياء الذين اتخذوا من مسألة الجلوس ب "قيسارية" فاس ذريعة لتصفية حساباتهم مع هؤلاء الذين كانوا حديثي العهد بالإسلام، انظر كتاب محمد القبلي على نحو إجمالي؛ لكونه يتناول هذه المسألة على نحو جيد وعميق: Mohamed Kably, Société, pouvoir et religion au Maroc à la fin du moyen-âge (Paris: Maisonneuve/ Larose, 1986).
  3. طرح الأمين بن محمد بابه المصطفى الصراع بين الشفوي والكتابي ضمن التراث الموريتاني على نحو يجعل أمر الكتابة عن قضايا تاريخية شائكة عائقًا للمعرفة، وقد وظف مفهوم "الأمنيزيا الجماعية" واستعمله في قضية الصراع الكبير بين النبلاء وغيرهم من السود والحراطين. واستعارتنا لهذا المفهوم تختلف في مراميها عما ذهب إليه، لأننا حاولنا ربطه بتاريخ إثني للمدينة الناشئة وتداول "المعلومة" المرتبطة ببناء الأبواب بين مؤرخي الفترة المرينية واتفاقهم اللاشعوري حول كنهها. بشأن ما كتبه الأمين بن محمد، انظر: مجموعة مؤلفين، التاريخ الشفوي: مقاربات في المفاهيم والمنهج والخبرات، وجيه كوثراني ومارلين نصر (محرران)، ج 1 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص 244. غير أن ما قصدناه في المتن هو أن الذاكرة بوصفها حياة فهي منفتحة وتطورها مستمر مع وجود جدل بين الذكريات بوصفها حوادث في الزمن وفقدان الذاكرة، لذا وجب الإقرار بألّ يوضع التاريخ في خدمة الذاكرة. لمزيد من الاطلاع، انظر: Lucien Febvre, “Vers une autre histoire (1949),” in: Combats pour l'histoire (Paris: Armand Colin, 1965), p. 437.
  4. Dosse ,  p. 11.
  5. Michel Zimmermann, “L'histoire médiévale coule-t-elle de source? ” École nationale des chartes, accessed on 15 / 8 / 2018 , at: https://bit.ly/ 2 TxEYKd
  6. درس زيميرمان، على نحو جلي، مسألة اللغة في الوسط القشتالي من خلال الوثائق المكتوبة بين الفئات المختلفة، ورأى أن التعددية اللسانية عائق يجعل للخطأ اللغوي المنطوق وقعًا على ما هو مكتوب، وهو الأمر نفسه الذي نحاول من خلاله جلو اللبس عن مضامين كتبت بعقلية خاضعة للمهيمن في الوسط "الثقافي"، وهذا يحيل على ضرورة القراءة المتفحصة سواء للمتداخل من "العامي"، وغيره، مع "اللغة العالمة" التي خضعت مكرهة إلى التداخلات الثقافية، شأن ما وقع في مصادرنا التي تحفل بكلمات بربرية لا يعرف كنهها إلا المتخصص والعارف بالاختلافات بين الزناتية والصنهاجية والمصمودية، وهو مأزق جديد في دراسة التاريخ المحلي، انظر: Ibid.

وبسبب كون مجال فاس قبليًا بربريًا، فإن نطق العرب كلمات بربرية تبتدئ بكسر، وقريبة أبجديًا مما هو متداول في العربية لمكان آخر معروف لديهم، سهّل مهمة قلب الاسم البربري ليصبح عربيًا يتماشى مع طبيعة المتداول من اللغة لدى الغالب الذي أخضع باقي المكونات الإثنية لسلطته54. إن ما وقع لتعريب الأسماء البربرية يدفعنا إلى القيام بأبحاث إيتيمولوجية لما هو سائد في مجالات القبائل. وبسبب ما لمدن الفتح من رمزية لدى الفاتحين من العرب، ظل وقعها اللغوي حاضرًا في كل ما يمكن أن يذكرهم بوضع اسمها الخاص، ما جعل أمر ربط وجهة الشرق ممثلً في أفريقية إحدى الوضعيات التي زادت البحث لبسًا وطمسًا للحقيقة حين تداول المؤرخون على التوالي الاسم نفسه، لكن بحمولته العربية وتغييب جذره البربري الذي يعني شيئا آخر غير ذاك الذي أراده الرواة، على الرغم من صمود الطوبونيم أمام تداول لغوي جديد، واحتفاظه بما يمكن أن يحيل عليه في النطق، الأمر الذي قربه من الحقيقة الطوبونيمية ودلالتها من غيره على مر الحقب وفي الأحوال جميعًا، والدعوة إلى الرجوع إلى اللغات السائدة في مجالاتها لاستجلاء حقيقة الأسماء. إن القبائل النازلة بفاس استقرت في أماكن كان لها بها علاقة ما، ولم تبرحها؛ لأن التقسيم المعتمد أشرفت عليه السلطة الجديدة، وهو إجراء يجعل من رسم الحدود بين مكونات المدينة "شأنًا للسلطان" الذي أنزل "جماعة من الفرس من بلاد العراق [...] بناحية عين علون"55، وفي "رأس عقبة عين علون وضع [...] بابًا سماه باب أفريقية "56، وهو مجال بعيد عن المكان الذي حمل اسم النازلين من أهل العراق بفاس، إذ حمل أحد الأبواب في أول أغلان اسم باب الفرس57، ما يجعلنا نتساءل عن كنه هذا الأمر الذي يبدو محيرًا على مستوى إطلاق التسمية على باب بعيد عن مجال نزول النازحين من العراق، ويزيد هذا الأمر لبسًا ما أورده الجزنائي من أن اسم هذا الباب هو "باب القوس"58، وما بين تسميتي الباب نفسه، ينفتح التأويل على مصراعيه لتصبح إعادة قراءة مجالات فاس ضرورة ملحة59. غير أن سؤالنا يظل قائمًا بشأن هذا المستجد في إعادة قراءة مجالات توطين القبائل والنازحين نحو المدينة ممن "انتصر" لدعوة إدريس. فتسمية باب لا وجود في محيطه لِلفُرس من النازحين من الشرق، واختلاف تسميته بين مؤرخ وآخر، من المسائل التي تضع الباحث في أتون "قلق" تاريخي. وهذا ينطبق على باب أفريقية الذي ظلت علاقته بدلالة الاسم موضع سؤال لم يلتفت إليه دارسو الفترة؛ لأخذهم بوثوقية ما ورد في هذه المصادر، من دون أن يكلف أحدهم النظر إلى المعلومات التي قد يكون لها تأثير ما في التاريخ المحلي للمدينة، وعلاقة ذلك بالمجالات التي كانت مسرحًا للقتال، لتثبيت سلطة الدولة الصاعدة. لم تذكر المصادر في ثناياها أي علاقة للحصون الموجودة في مرتفعات زالغ وسلطة الأدارسة، كما أن مكونات الجبل القبلية لم ترد إطلاقًا في ثنايا ما وصلنا عن فاس، ما قد يميط الغموض عن أصولها وعلاقة ذلك بالزناتيين من القبائل التي كان لها حضور تاريخي أثناء فترة التأسيس وبعدها.

  1. تماشت سلطة الغالب مع ثقافته التي سادت، وفرضت ترسيمًا لبعض الطوبونيمات وفق النطق الخاص باللغة العربية، على نحوٍ جعل إعادة دراسة المجالات في المغرب الأقصى وفق المنظور اللساني من الأمور الضرورية، لا سيما التطور الذي عرفته عدة علوم مساعدة ولها ارتباط بمجال البحث التاريخي بدءًا من الأركيولوجيا إلى الأنثروبولوجيا وغيرها. وفي هذا السياق، نجد أن اسم الحاضرة الإدريسية الذي تناولته كل المصادر لم يرجع إلى اللغة البربرية التي تدل على أن المدينة الناشئة على الضفة اليمنى للوادي المخترق للعدوتين هو ما تدل عليه التسمية البربرية "أفاس"، انظر: محمد شفيق، المعجم العربي الأمازيغي، ج 3 (الرباط: دار النشر العربي الإفريقي، 1990)، ص  475. وإذا راجعنا بالمنهجية نفسها أسماء بعض المدن، نرى أنها عربت لتسهيل نطقها وغاب معناها عن العامة، شأن تسمية مكناس التي هي في الأصل "إمكناس" التي تفيد المتصارع أو الحيز الكثير الزحام، انظر: شفيق، ج 1، ص 246. إنها أمثلة لافتة من قاموس غني بموروث ما زال في بداية إعادة تثمينه.
  2. ابن القاضي، ج 1، ص 32؛ ابن أبي زرع، ص 39.
  3. ابن القاضي، ج 1، ص 33.
  4. المرجع نفسه، ج 1، ص 33؛ ابن أبي زرع، ص 39.
  5. الجزنائي، ص 25.
  6. في قراءة زيميرمان لعلاقة مؤرخي العصر الوسيط بالمصادر، تبرز أخطاء عديدة يمكن أن يقع فيها المؤرخ؛ بدءًا من الفحص اللغوي للوثائق التي بين يديه إلى العلاقة الملتبسة التي يقيمها مع المصادر، مرورًا بما يمكن أن ينتجه من خلال المعلومات المتضمنة فيها. وإذ يعمد زيميرمان إلى هذا الحذر والحديث عنه، ينبه الباحث إلى عدم أخذ ما يوجد في المصادر بنوع من الوثوقية، انظر: Zimmermann.

لم تبُنَ الأسوار إلا لفصل الأحياز60 عن بعضها وترسيم حدودها وهو نقيض ما كان سائدًا قبل البناء، على الرغم من وجود صراع مرير بين المكونين الأعظمين (بنو يزغيتن وزواغة) لمجال المدينة المستقبلية حول استغلال الأراضي الفاصلة بينهما في الرعي والأعمال الزراعية. ظل المجال كما كان إلا ما استُحدث فيه من تغييرات بفعل التوطين المشروع بالبناء داخل السور المحدث لضمان الاستقرار، غير أن هذه العملية استبعدت ما وراء السور ظاهرًا، لكن ثقل حضوره هو ما أدى إلى الحديث عن غزو الجوار، ودفع القبائل إلى نصرة السلطة الوليدة، وترك ما سبق من الديانات من أجل التوحيد من مهمات "السلطة المركزية" الوليدة. إن التركيز في بعض الأماكن في الهيستوريوغرافيا historiographie ' l المتناولة للتأسيس الأولي للمدينة وتطورها اللاحق يصور المواقع "أماكن للذاكرة وليس للتاريخ"61، مهمشة إمكان تحويل المشترك إلى موروث جماعي معبر عن الماضي الذي كان فيه المجال غير مجزّأ، إلا إذا استدعت الحتمية الاجتماعية ذلك. هل تنحّى الاسم الأصلي للباب، وفقد المجال ذاكرته التي بقي منها ما هو مقاوم للنسيان: الطوبونيم؟ يبقى هذا التأويل قويًا إذا ما أخذ في علاقته بما مورس قرب السور الذي فتح فيه الباب من نشاطات لها ارتباطات زراعية أو رعوية، علمًا أن المكونات الإثنية للمدينة الجديدة حافظت على نوعية نشاطاتها التي لم تغيرها؛ لطبيعة المجال من جهة ونوعية علاقتها به. لكن إذا ما أخذنا المجال الأبعد، فإننا نرى أن علاقة بربر مجال فاس لم تنقطع بغيرهم من البربر في المناطق المحيطة التي عدّت أراضيهم خطًا أماميًا للدفاع عما وراء الجبل المشرف على مدينة فاس62، وهو الذي يوجد فيه حصن  يصل إليه المسافر عبر صعود عقبة الأفارق عند صاحب "الاستبصار "63ما يعطينا إمكانًا آخر للتفسير المنطقي لإيتيمولوجية أول باب بني في السور، ويحيلنا في الوقت نفسه على ربط علاقةالأفارق القريبين من حصن زالغ64وساكنة المدينة من المسيحيين. إن معضلة إعطاء تأويل للأسماء راجعة إلى الطوبونيم نفسه الذي يوحي بالانتماء إلى ما هو ثقافي وجغرافي في ترابطهما، في الوقت الذي توحي دلالته بالمعنى غير الظاهر والمُغيَّب بفعل تغير الأحوال، ما يؤدي إلى تأسيس خصوصية جديدة مستمدة من تملك المجال، وذلك لضرورة تميزه من باقي الطوبونيمات التي تزخر بها فاس، والدفع بالمعرفة الخاصة بالمكونات الإثنية للمدينة نحو الإفصاح عن كنهها. فالإقرار بارتباط الأبواب بالوجهة المخصصة لها، يجعل من باب أفريقية لغزًا على مستوى التسمية لكن الإشارات القليلة عند البكري وصاحب الاستبصار تجعل الحديث عن الأفارق في هذه المنطقة عاديًا، وذلك لكون تلمسان الفترة الإسلامية ضمت جالية مسيحية بكنيستها وقسيسيها65 ما يوحي بأن هؤلاء الأفارق من البقايا التي استعصى إدخالها للدين الجديد على يد جيوش المسلمين،

  1. استعملنا مفهوم الحوز بالجمع لكونه يعطي المعنى الدقيق لما ذهبنا إليه حتى لا يختلط الأمر على القارئ في التمييز بين الأحياز والأحياء في المقال. لمزيد من التدقيق، انظر، الخليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين، ترتيب وتحقيق عبد الحميد هنداوي، ج 1 (بيروت: دار الكتب العلمية، 2003)، باب الحاء، مادة (ح ي ز)، ص 378.
  2. بول ريكور، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة جورج زيناتي (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2009)، ص 593.
  3. مؤلف مجهول، كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار، نشر وتعليق سعد زغلول عبد الحميد (الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 1985) ص 190. عند حديث المجهول عن فاس أطال في وصفها بتدقيق كبير وعدها "مدينة عظيمة النعيم، رغدة المعايش" (ص. 183). لهذا جرى بناء حصون/ بلدات للدفاع عن عاصمة الملك الإدريسي وأغلبها على جبل زالغ (الحصن الذي بناه المظفر بن المنصور بن أبي عامر) أو في اتجاه المناطق الشمالية المتاخمة لمجالات القبائل التي لها علاقة بمدن البحر المتوسط، لكون هذا الجبل يطل على المدينة التي بنيت بسفحه، ما يجعلها بمنأى عن المباغتة والحصار من القبائل التي لم تدخل تحت سلطة الأدارسة بعد.
  4. المرجع نفسه، ص 190؛ البكري، ص 114.
  5. المرجع نفسه.
  6. Jean Joseph L'eandre Bargès, Tlemcen, ancienne capitale du Royaume de ce nom (Paris: Benjamin Duprat/ Challamel Aine, 1859) pp. ذكر البكري أن مدينة تلمسان "بها بقية من النصارى إلى وقتنا هذا ولهم بها كنيسة معمورة"، انظر: البكري، ص 76. وإذا عرفنا العلاقات بين بعض المدن في هذه الفترة - ومن بينها فاس وتلمسان - فإننا نجزم بإمكان وجود علاقة بين ساكنتهما من المسيحيين الذين حافظوا على ديانتهم في وسط أصبحت فيه الغلبة للإسلام.

فآثروا الجبال مسكنًا والقلاع ملجأً، محافظين على ممارساتهم اليومية وتفردهم بالتسمية التي ميزتهم من سواهم، وعلى ديانتهم؛ "لأنهم مثل الروم نصارى أيضًا"66، كما حافظوا على نوعية النشاطات التي كانوا يقومون بها، لأن جبل زالغ به من الخيرات ما يفسر عدم حاجتهم إلى غيرهم. إن عقبة الأفارق هي تسمية قديمة في مجال أقرب إلى فاس من غيره من المناطق التي يمكن أن توحي بأسمائها لجعله اتجاها معينًا ووجهة مقصودة، وهذا ما جعل أمر عدّه فرضية ذات قوة لإعادة النظر في التسميات الخاصة بالأبواب وربطها بماضي المنطقة التي بنيت بها، مع إعطاء بعد عميق في تفسير الآليات المستعملة في تثبيت المداخل الخاصة بالمدينة ووسمها، وعلى رأسها اللغة البربرية بوصفها آلية متجذرة، وليست، فحسب، أداة للتواصل بين القبائل الساكنة في هذا المجال الذي يحمل في كل شبر منه تراثًا بربريًا لم يدرس على النحو المطلوب، على نحو أدى في كثير من الأحيان إلى تحميل الأسماء البربرية ما هو بعيد عن دلالاتها. فمطالبتنا بإعادة قراءة جديدة لتراث فاس نابعة من رد الاعتبار للتاريخ المشرق الذي صنعته إثنيات عديدة ذات رؤية دقيقة لواقع عاشته بكل تمفصلاته، من دون تغييب أي عنصر من العناصر الصغرى المكونة لليومي في تجلياته المعرفية التي أضحت إعادة استكشافها مهمة المؤرخ الملم بكل تفاصيل الحياة وأنماطها في مغرب العصر الوسيط مع جعل اللغة البربرية أفقًا للفكر.

خاتمة

يظل التفكير في أسماء أبواب فاس من المواضيع التي لم يلتفت إليها بجدية، إلا بعد إعادة قراءة المجال في ضوء الدراسات الحديثة، بما فيها الطوبونيميا والعودة إلى استنطاق المتن المصدري وربطه بكل ما يجعل من سد الفراغات لبنة لإعادة النظر في الْمُسلَّم من الأخبار. إن العودة إلى استجلاء مجال فاس وقراءته على نحو مغاير مكَّنت من إعادة الاعتبار لإثنية الأفارق Afariq، المرتبطة تاريخيًا بأرض ساد فيها الإسلام من دون أن تمّحي من الذاكرة الجماعية علاقاتها بالحاضرة الإدريسية، ولبقاء مكوناتها في مرتفعات جبل زالغ منتزية بذاتها، على نحو حتم على مهندسي أبواب الحاضرة الإدريسية في هذه الفترة تسمية أحدها باسمها؛  وهو ما يجعل أمر الرجوع إلى المتون التي تتناول تاريخًا غابت مصادره - بسبب التمردات والفوضى التي أعقبت حكم الأسر المتعاقبة على السلطة بالمغرب الأقصى - ضرورةً لازمة للنبش في كل ما يميط اللثام عن المنسي من تواريخنا المحلية.

  1. Gabriel Camps (dir.), Encyclopédie Berbère , tome. 2 , “Afariq” (Aix-en-Provence: Edisud, 1985) p. 194.
  2. لم تذكر المصادر البتة نوعية العلاقات السائدة في هذه المنطقة، كما أن كتب الجغرافيا أهملت بعض هذه الإثنيات الساكنة فيها، على الرغم من أنها أفردت لمصامدة الشمال وغمارة شيئًا كثيرًا، انظر: البكري، ص 102 ‑ 115؛ مؤلف مجهول، الاستبصار، ص 188 - 193.
  3. بخصوص جرواوة، انظر: الجزنائي، ص 19.
  4. استعملنا هذه الكلمة لدلالتها العميقة في إبراز قوة الشكيمة والحدة والاستقلالية، انظر: الخليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين، ترتيب وتحقيق عبد الحميد هنداوي، ج 4، باب النون، مادة (ن، ز، و)، (بيروت: دار الكتب العلمية، 2003)، ص 213.

المراجع

العربية

ط 2. الرباط: المطبعة الملكية، 1999.

ابن الأحمر، إسماعيل. بيوتات فاس الكبرى. الرباط: دار المنصور للطباعة والوراقة، 1972.

بها المغرب". مخطوط الخزانة الوطنية بباريس. قسم المخطوطات العربية، رقم 1892 ضمن مجموع.

مكتبة أميركا والشرق، 1965.

جعيط، هشام. الكوفة: نشأة المدينة العربية الإسلامية. الكويت: مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، 1986.

_______. تأسيس الغرب الإسلامي: القرن الأول والثاني ه/ السابع والثامنم. ط 2. بيروت: دار الطليعة، 2008.

والمجالات. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2004.

مؤسسة ناصر للثقافة، 1980.

ريكور، بول. الذاكرة، التاريخ، النسيان. ترجمة جورج زيناتي. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2009.

_______. صراع التأويلات: دراسات هيرمينوطيقية. ترجمة منذر عياشي. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2005.

شفيق، محمد. المعجم العربي الأمازيغي. الرباط: دار النشر العربي الإفريقي، 1990.

الغرايب، الحسن. مسيحيو المغرب الأقصى في العصر الوسيط. منشورات مطابع الرباط نت. الرباط (2015.)

الغرايب، محمد. مجتمع يهود المغرب الأقصى دراسة تاريخية اجتماعية. الرباط: منشورات الرباط نت، 2012.

الفراهيدي، الخليل بن أحمد. كتاب العين. ترتيب وتحقيق عبد الحميد هنداوي. بيروت: دار الكتب العلمية، 2003.

الإسلامية، المملكة المغربية، 1995.

References

ابن أبي زرع، علي. الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس. تحقيق عبد الوهاب بنمنصور. ابن القاضي، أحمد. جذوة الاقتباس في ذكر من حل من الأعلام مدينة فاس. الرباط: دار المنصور للطباعة والوراقة، 1973.

البرنوسي، محمد بن علي. "الخبر عن بناء إدريس الإمام بن إدريس مدينة فاس وذكر ما اختصت به من الفضائل والمحاسن التي يفوق بروفانسال، ليفي. "تأسيس مدينة فاس". مجلة البحث العلمي. جامعة محمد الخامس. الرباط. العدد 31 (16 تشرين الأول/ أكتوبر 1980.) البكري، أبو عبيد الله. المغرب في ذكر بلاد أفريقية والمغرب: جزء من كتاب المسالك والممالك. تحقيق دو سلان. باريس: منشورات الجزنائي، علي. جنى زهرة الآس في بناء مدينة فاس. تحقيق عبد الوهاب بن منصور. ط 2. الرباط: المطبعة الملكية، 1991.

حسن، محمد. الجغرافيا التاريخية لإفريقية من القرن الأول إلى القرن التاسع الهجري: فصول في تاريخ المواقع والمسالك الحميري، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد المنعم. الروض المعطار في خبر الأقطار. تحقيق إحسان عباس. ط 2. بيروت: نشر القاسمي، هاشم العلوي. مجتمع المغرب الأقصى حتى منتصف القرن الرابع الهجري. الرباط: منشورات وزارة الأوقاف والشؤون القيرواني، الرقيق. تاريخ أفريقية والمغرب. تحقيق عبد الله العلي الزيدان وعز الدين عمر موسى. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1990. لوتورنو، روجيه. فاس في عصر بني مرين. ترجمة نيقولا زيادة. بيروت: مكتبة لبنان، 1967.

_______. فاس قبل الحماية. ترجمة محمد حجي ومحمد الأخضر. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1992.

مجموعة مؤلفين. التاريخ الشفوي: مقاربات في المفاهيم والمنهج والخبرات. وجيه كوثراني ومارلين نصر (محرران). الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015.

المحمودي، أحمد وإبراهيم القادري بوتشيش (محرران). أعمال ندوة التاريخ والقانون: التقاطعات المعرفية والاهتمامات المشتركة: أعمال مهداة للأستاذ الدكتور محمود إسماعيل. أيام: 3، 4، 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 2009. سلسلة ندوات رقم 22. مكناس: جامعة مولاي إسماعيل، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2009.

مؤلف مجهول. قضية المهاجرين المسمون اليوم بالبلديين. تحقيق محمد فتحة. الرباط: دار أبي رقراق، 2004.

مؤلف مجهول. كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار. نشر وتعليق سعد زغلول عبد الحميد. الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 1985. ميارة، محمد بن أحمد بن محمد. نصيحة المغترين وكفاية المضطرين في التفريق بين المسلمين بما لم يلزمه رب العالمين ولا أخبر به الصادق الأمين ولا ثبت عن الخلفاء المهديين. تحقيق محمد الغرايب ومصطفى بنعلة. الرباط: مطبعة الرباط نت، 2013.

الوزان، الحسن. وصف إفريقيا. ترجمة محمد حجي ومحمد الأخضر. ط 2. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1983.

الأجنبية

• Aymard, André. “Toponymie et histoire.” Annales. Histoire. Sciences Sociales. 6 ème Année. no. 1 (Janvier/ Mars 1951).

• Bargès, Jean Joseph L'eandre. Tlemcen, ancienne capitale du Royaume de ce nom. Paris: Benjamin Duprat/

Challamel Aine, 1859.

• Benchekroun, Chafik T. “Les Idrissides: l'histoire contre son histoire.” MASAQ. vol. 23. no 3 (2011).

• Camps, Gabriel (dir.). Encyclopédie Berbère. Aix-en-Provence: Edisud, 1985.

• Courbot, Cécilia. “De l'acculturation aux processus d'acculturation, de l'anthropologie à l'histoire. Petite histoire

d'un terme connoté.” Revue Hypothèses. vol. 1. no. 3 (2000).

• Cressier, P. & M. Garcia-Arenal (eds.). Genèse de la ville islamique en al-Andalus et au Maghreb occidental.

Madrid: CSIC, 1998.

• Dosse, François. “Entre Histoire et mémoire: Une Histoire Sociale de la Mémoire.” Raison présente (septembre 1998).

• Drouin, Jeannine. “Éléments de toponymie berbère dans l'Atlas marocain.” Nouvelle revue d'onomastique. no.

• Eustache, Daniel. Corpus des dirhams Idrissides et contemporains. Rabat: Banque du Maroc, 2008.

• Febvre, Lucien. Combats pour l'histoire. Paris: Armand Colin, 1965.

• Garcia-Arenal, M. & E. M. Moreno. “Idrissisme et villes Idrissides.” Studia Islamica. no. 2 (1995).

• Gattefosse, J. “Juifs et Chrétiens du Dra' avant l'Islam.” Bulletin de la société de préhistoire du Maroc. vol. 9.

no. 3-4 (1935).

• Guermond, Yves. “La géographie sociale: Un nouveau paradigme.” Espace géographique. vol. 15. no. 2 (1986).

• Haudricourt, André-Georges & Lucien Febvre. “Le témoignage de la toponymie.” Mélanges d'histoire sociale.

no. 5 (1944).

• Isnard, Hildebert. L'espace géographique. Coll. Le géographe. Paris: PUF, 1978.

• Kably, Mohamed. Société, pouvoir et religion au Maroc à la fin du moyen-âge. Paris: Maisonneuve/ Larose, 1986.

• Laoust, Emile. Contribution à une étude de la toponymie du Haut Atlas, Adrär N Deren. Paris: Librairie

Orientaliste Paul Geuthner, 1942.

• Le Goff, Jacques. Histoire et mémoire. Paris: Gallimard, 1988.

• ________. Pour un autre Moyen Age: Temps, travail et culture en Occident. Paris: Gallimard, 1977.

• Mezzine, Mohamed. Fès médiévale. Entre légende et histoire, un carrefour de l'Orient à l'apogée d'un rêve.

Paris: Autrement, 1992.

• Noin, Daniel (dir.). Géographie sociale, Actes du Colloque de Lyon 14-16 octobre 1982. Paris: CNRS, 1983.

• Shatzmiller, Maya. L'historiographie Mérinide: Ibn Khaldūn et ses contemporains. Leiden: Brill, 1982.

• Zimmermann, Michel. “L'histoire médiévale coule-t-elle de source?” École nationale des chartes. at: https://bit.

ly/ 2 TxEYKd