العودة إلى تفاصيل المؤلَّف من تاريخ الأسر الحاكمة إلى تاريخ الزمن الراهن: قراءة في بعض تجارب الكتابة التاريخية بالمغرب

من تاريخ الأسر الحاكمة إلى تاريخ الزمن الراهن: قراءة في بعض تجارب الكتابة التاريخية بالمغرب

From the History of Ruling Dynasties to the History of the Present

عبد الرحمان المودن

الملخّص

يتطرق هذا البحث إلى تطور الكتابة التاريخية بالمغرب من تاريخ الأسر الحاكمة إلى الزمن الراهن، وينقسم هذا التطور إلى ثلاث مراحل متفاوتة من حيث الامتداد الزمني، ويتميز كل منها بتجانس كبير؛ وهي مرحلة ما قبل الاستعمار، والمرحلة الاستعمارية، ومرحلة ما بعد الاستقلال. وقد عرفت المرحلة الأولى انتشار الكتابة التقليدية ذات الصلة بالعلوم الشرعية، وتركيزها على التراجم والوفيات ثم الحوليات وتاريخ تعاقب الدول ومآثر السلاطين. ثم جاءت المرحلة الثانية بمفاهيم ومناهج جديدة وفدت مع علوم اجتماعية حديثة، ومن ضمنها التاريخ بمنظور الوضعانية الأوروبية. ولكنّ عددًا من هذه العلوم كانت مشربة بنظرة استعمارية استعلائية تصدى للرد عليها مؤرخون مغاربة غداة الحصول على الاستقلال، فكان إنتاجهم جزءًا من المرحلة الثالثة، حيث تدرجت الكتابة من توجه ذي نزعة وطنية إلى التاريخ الاجتماعي، ثم الكتابة المنفتحة على شتى الاتجاهات؛ مثل تاريخ العقليات والتاريخ العلائقي وتاريخ الزمن الراهن. وفي الختام، يطرح السؤال عن مستقبل الكتابة التاريخية المغربية بين تعميق المكتسبات واحتمال النكوص.

Abstract

* خبير في المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب بالرباط، وهو حاليًا أستاذ زائر في معهد الدوحة للدراسات العليا، قطر (ربيع -2018 ربيع.)2019 An expert at the Royal Institute for Research on the History of Morocco, Rabat, and currently (Spring 2018 – Spring 2019) visiting professor at the Doha Institute for Graduate Studies, Qatar.

الكلمات المفتاحية:
  • المغرب
  • الكتابة التاريخية
  • الحوليات
  • التاريخ الإسلامي
  • التاريخ الاجتماعي
  • تاريخ الزمن الراهن
Keywords:
  • Morocco
  • History Writing
  • Annals
  • Social History
  • History of the Present
*Abderrahmane El-Moudden لمودنالرحمناعبد|
Abderrahmane El لمودنا لرحمنا عبدMoudden |
وم| ن
نا
ر
ب
يتطرق هذا البحث إلى تطور الكتابة التاريخية بالمغرب من تاريخ الأسر الحاكمة إلى الزمن الراهن، وينقسم هذا التطور
إلى ثلاث مراحل متفاوتة من حيث الامتداد الزمني، ويتميز كل منها بتجانس كبر؛ وهي مرحلة ما قبل الاستعمر، والمرحلة
الاستعمرية، ومرحلة ما بعد الاستقلال. وقد عرفت المرحلة الأولى انتشار الكتابة التقليدية ذات الصلة بالعلوم الرعية،
وتركيزها عى التراجم والوفيات ثم الحوليات وتاريخ تعاقب الدول ومآثر الس طن. ثم جاءت المرحلة الثانية بمفاهيم
ومناهج جديدة وفدت مع علوم اجتمعية حديثة، ومن ضمنها التاريخ بمنظور الوضعانية الأوروبية. ولكنّ عددًا من هذه
العلوم كانت مربة بنظرة استعمرية استعلائية تصدى للرد عليها مؤرخون مغاربة غداة الحصول عى الاستقلال، فكان
إنتاجهم جزءًا من المرحلة الثالثة، حيث تدرجت الكتابة من توجه ذي نزعة وطنية إلى التاريخ الاجتمعي، ثم الكتابة المنفتحة
عى شتى الاتجاهات؛ مثل تاريخ العقليات والتاريخ العلائقي وتاريخ الزمن الراهن. وفي الختام، يطرح السؤال عن مستقبل
الكتابة التاريخية المغربية بن تعميق المكتسبات واحتمل النكوص.
كلمت مفتاحية: المغرب، الكتابة التاريخية، الحوليات، التاريخ الاجتمعي، تاريخ الزمن الراهن.
This article deals with the development of history writing in Morocco from the history of ruling dynasties to the
history of the present. This development is divided into three stages: the pre-colonial period, colonial period, and
the post-independence period. The first period witnessed the spread of traditional forms of writing connected to
Sharia scholarship with a focus on biographies and deaths, annals, the history of the succession of states, and the
deeds of rulers. The second period brought new concepts and methods imported with the new social sciences,
including history from the perspective of European positivism. Here the sciences, however, were imbued with
an arrogant colonialist perspective, which Moroccan historians would confront on the eve of independence. The
work of those historians was part of the third period, where history writing ranged from taking a nationalist slant
to social history, to being open to different avenues such as the history of mentalities, relational history, and the
history of the present. In the conclusion, the question of the future of Moroccan history writing is posed: will it
make further progress or will it regress?
Keywords: Morocco, History Writing, Annals, Social History, History of the Present.
من تاريخ الأسر الحاكمة إلى تاريخ الزمن الراهن
قراءة في بعض تجارب الكتابة التاريخية بالمغرب
From the History of Ruling Dynasties to the History of the Present
وم| ن
نا
ر
ب

مقدمة

يُعد الاهتمام بالماضي وما ارتبط به من التدوين التاريخي من أقدم الممارسات في الثقافة العربية الإسلامية. فغداة ظهور الإسلام، كان الاحتفاء ب "أيام العرب" عادة قائمة تستحضر وقائع الحروب والبطولات الماضية، وتستنبط منها العبر والآثار الشعرية والأدبية، وجاء الإسلام بدوره ليضيف قصص الأنبياء والأولين، وهو أمرٌ كرس الاهتمام بأخبار الماضي، سواء أكانت واقعية حدثت بالفعل أم أسطورية تنتمي إلى عالم الخيال والإبداع. ومع نشأة الدولة الإسلامية، وانتقالها من لحظة الخلافة إلى مرحلة الأسر الحاكمة، على عهد الأمويين ثم العباسيين، وما تخلل هذه المراحل من تقلبات وأحداث كبرى من جهة، ثم مع التشكل التدريجي للعلوم الشرعية وترسخ مرحلة الجمع والتدوين، التي شملت الأحاديث النبوية والشعر والنحو واللغة وغير ذلك من جهة أخرى، ظهرت أهمية جديدة للعناية بالتاريخ؛ فعلى غرار التدقيق في اللغة بالنسبة إلى علوم التفسير، تجلت ضرورة التدقيق في تاريخ الرجال1 وتعاقب الأحداث للحسم في صحة الأحاديث أو وضعها. ومن هذه الوجهة يمكن تأكيد أن العناية بالتاريخ لم تنفصل عن العناية ببقية العلوم المساعِدة للعلوم الشرعية، كما سنرى ذلك لاحقًا. ولما وصل الإسلام إلى المغرب انتقلت معه الممارسة الثقافية العربية الإسلامية في شتى تجلياتها، ومن ضمنها الكتابة في التاريخ كجزء من الهواجس الشرعية. وانتقلت هذه الكتابة بالتدريج من هذا المستوى إلى تاريخ الأسر الحاكمة، ولو عبر العناية بتاريخ مدن بعينها؛ مثل دمشق، وبغداد، وفاس. وخلال مدة طويلة امتدت قرونًا، لم تتعد كتابة التاريخ هذا المستوى إلا استثناءً، وذلك حتى قيام المرحلة الاستعمارية؛ حيث ظهرت في الساحة المغربية صيغ جديدة لتناول الماضي المغربي، وطرحت نفسها كمقاربات منافسة للمقاربة التقليدية، ولو أنها اشتغلت بكيفية منفصلة عنها. ولن يقع اندماج بين البحث التاريخي المغربي وبين مكتسبات البحث التاريخي الأوروبي والفرنسي على وجه الخصوص إلا بعد الحصول على الاستقلال؛ حيث صار الباحثون المغاربة ساعين إلى كل جديد، واقتحموا مستجدات مناهج العلوم الاجتماعية بمختلف تلويناتها وتجرؤوا، في الآونة الأخيرة، على ولوج ميادين كانت وقفًا على العلوم السياسية والسوسيولوجيا؛ مثل تاريخ الزمن الراهن. فما هي سمات هذا التحول الطويل الأمد؛ من تاريخ الأسر الحاكمة وتاريخ المعارك، إلى تاريخ الزمن الراهن بما فيه من تشابكات بين الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية؟ وما هي المراحل الكبرى لهذا التحول العميق؟ ثم ما هي السمات الرئيسة لكل مرحلة على حدة؟ قبل التفصيل في هذه المستويات، لا بد من إبداء بعض الملاحظات التمهيدية، وهي كالآتي: الملاحظة الأولى: إن ما أقدمه هنا من عرضٍ حول تطور الكتابة التاريخية بالمغرب هو عبارة عن مجموعة من التأملات والاستنتاجات التي تولدت لديَّ من ممارسة شخصية للبحث التاريخي، وكذلك من مجموعة من القراءات والمناقشات مع الزملاء والطلبة، بحيث لا أدعي نسبتها إلى نفسي بكيفية خاصة، بل إن منها الكثير الذي أتقاسمه مع العديد من الزملاء والباحثين. الملاحظة الثانية: ثمة مجموعة من أساتذتنا ومن الزملاء الذين كتبوا في هذا الموضوع وقدموا مساهمات قيّمة بحسب مجال تخصص كلّ منهم، أذكر منهم على سبيل المثال، لا الحصر، عبد الله العروي، وعبد الأحد السبتي، ومحمد المنصور، وعبد المجيد القدوري، وعبد الرحيم بنحادة، ومحمد حبيدة، إضافة إلى كل الذين تطرقوا إلى الموضوع نفسه على نحو يطول أو يقصر في مستهل الأبحاث التي أنجزوها. وقد صدَرت، في العقود الأخيرة، مجموعة من الأعمال الفردية أو الجماعية تصدت لهذا الموضوع تحديدًا، أو لموضوع أشمل يتعلق بالكتابة التاريخية على نطاق أرحب، بأوروبا وأميركا، وأخص بالذكر منها: عبد الله العروي: دشن هذا التوجه بكتاب عنوانه مجمل تاريخ المغرب، وهوكتاب وضعه المؤلف أصلً باللغة الفرنسية سنة 19702، وتمت ترجمته ترجمةً سيئة إلى اللغة العربية من قِبل مترجم بعيد عن الفضاء المغاربي، ما جعله يقترف أخطاء فادحة في أسماء المواقع

  1. من المؤلفات ذات الصيت الواسع في هذا المجال، كتب الطبقات التي تفصِّل في تعاقب أجيال المسلمين، ومن ثمّ تمكِّن من ضبط أسانيد الحديث، انظر مثلً: محمد بن سعد البصري الزهري،  كتاب الطبقات الكبير، وهو كتاب من أهم الكتب التي ألفت في تراجم الرجال، إذ تناول فيه تراجم   الصحابة ومَن تلاهم من التابعين وبعض الفقهاء والعلماء. واعتمد في جمع أخبار رواة السنّة النبوية على منهج الجرح والتعديل وصنفهم إلى ثقات وضعفاء، ورتبهم بحسب طبقات.
  2. Abdallah Laroui, L'Histoire du Maghreb: Un essai de synthèse (Paris: François Maspéro, 1970).

والمدن، من دون تحرٍّ ولا بحث، فاضطر المؤلف إلى إعادة الترجمة بنفسه وصدر الكتاب ابتداء من سنة 1984 في ثلاثة أجزاء وأُعيد طبعه عدة مرات3؛ ثم صدر للمؤلف نفسه كتاب مفهوم التاريخ، في جزأين، صدرت منه طبعتان سنة 1992، ثم طبع مرات أخرى لاحقًا4. وهذا المؤلَّف جزء من سلسلة من الكتب خصصها العروي لرصد بعض المفاهيم المحورية في العلوم الإنسانية وتبسيطها؛ مثل مفهوم الحرية، ومفهوم الدولة، ثم مفهوم العقل. ولا بد من تأكيد أن العروي من أبرز المؤرخين والمفكرين المتميزين؛ لا على صعيد المغرب فحسب، ولكن على المستوى المغاربي والعالم العربي برمته. ويبدو هذا التأكيد ضروريًا حتى لا يحصل أي إجحاف في حق هذا المؤرخ/ المفكر عندما يتم ترتيبه، بعد قليل، ضمن توجه الكتابة التاريخية ذات النزعة الوطنية. فهو مؤرخ متنوع الإسهام في حقول متعددة، ويصعب وضعه في زاوية محددة، لا سيما أنه لا يزال غزير الإنتاج، على الرغم من تقدمه في السن. فقد أصدر في عام 2017 كتابًا جديدًا بالفرنسية5 يهتم بتقاطعات الفلسفة والتاريخ، وهو عبارة عن سيرة ذاتية فكرية. من المؤلفات التي اهتمت بالكتابة التاريخية أحد الأعمال الجماعية، وهو بعنوان البحث في تاريخ المغرب: حصيلة وتقويم6، وهو عبارة عن تقويم لثلاثين سنة من البحث التاريخي بالمغرب. ثمة عمل جماعي ثانٍ عنوانهخمسون سنة من البحث التاريخي في المغرب7 صدر في مجلة البحث التاريخي، وهي مجلة الجمعية المغربية للبحث التاريخي، وهو ملف حاول أن يتمم ما ورد في الملف السابق ويحيِّنه. ثمة عمل جماعي آخر عنوانه الكتابات التاريخية في المغارب: الهوية والذاكرة والإسطوغرافيا8. وتجدر الإشارة إلى أن هذا المجموع لا يعتني بالكتابة التاريخية بالمغرب فحسب، بل يتعدى ذلك إلى تتبع أوضاع هذه الكتابة على المستوى المغاربي ولا سيما في المغرب وتونس، حيث تبدو تقاطعات وتباينات مهمة بين التجربتين، ما يرتقي بالتفكير في الحالة المغربية من المستوى المغربي المحدود إلى السياق المغاربي الأوسع. أنهي هذه الإشارات غير الحصرية بذكر عملين حديثين، هما عبارة عن مجموعين لقراءات في الكتابة التاريخية خلال مرحلة طويلة من الزمن، وقد قام صاحباهما بنشرهما مؤخرًا، وفيهما العديد من النصوص التي تعتني بالكتابة التاريخية في المغرب، ولو أنهما يتعديان هذا المستوى إلى قراءة مستجدات الكتابة التاريخية بأوروبا وفرنسا على وجه الخصوص. يتعلق الأمر ب  كتابة التاريخ: قراءات وتأويلات9، والماضي المتعدد: قراءات ومحاورات تاريخية10. الملاحظة الثالثة: تتعلق بفرضية أنطلق منها وتبدو بديهية، وهي أن الكتابة التاريخية جزء من التطور التاريخي لثقافة ما ولمجتمع معيّ. ومن ثم، فهي تتأثر بالتحولات الحاصلة فيه، ولا شك في أنها تسهم في بلورة التحولات نفسها. طبعًا، لا يتم هذا التفاعل بكيفية آلية سريعة أو شاملة، بل يحصل على المدى المتوسط أو البعيد. وتأسيسًا على هذه الفرضية، سوف تكون عنايتنا بتطور الكتابة التاريخية

  1. عبد الله العروي، مجمل تاريخ المغرب، ط 5 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2007.)
  2. عبد الله العروي، مفهوم التاريخ، ط 5 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2012.)
  3. Abdallah Laroui, Philosophie et Histoire (Casablanca: La Croisée des chemins, 2017).
  4. البحث في تاريخ المغرب: حصيلة وتقويم، تنسيق محمد كنبيب ومحمد المنصور وعبد الأحد السبتي (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 1989.)
  5. خمسون سنة من البحث التاريخي في المغرب"، تنسيقعبد الرحمان المودن، مجلة البحث التاريخي، العددان 7 - 8 (2009 - 2010.)
  6. الكتابات التاريخية في المغارب: الهوية والذاكرة والإسطوغرافيا، تنسيق عبد الرحمان المودن وعبد الرحيم بنحادة وعبد الحميد هنية (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 2007.)
  7. محمد حبيدة، كتابة التاريخ: قراءات وتأويلات (الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2013).
  8. عبد الأحد السبتي، الماضي المتعدد: قراءات ومحاورات تاريخية (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2015.)

في ذاتها وفي علاقتها المعقدة بمختلف التغيرات التي عاشها المغرب في القرنين الأخيرين على الأقل، وخصوصًا في العقود الأخيرة من المرحلة الراهنة. الملاحظة الرابعة: تشير إلى أن التطورات التي عرفتها الكتابة التاريخية بالمغرب لم تكن معزولة عما اعترى الكتابات التاريخية والعلوم الاجتماعية بالبلدان الغربية - سواء بأوروبا أو بالولايات المتحدة - من تحولات مهمة خلال القرن العشرين، بل إنها كانت منفتحة عليها، ولو في حدود معينة؛ إما بصفة مباشرة عن طريق القراءات والتكوين بالجامعات الغربية، وإما بصفة غير مباشرة عن طريق الحوارات والندوات وغيرها. ولكن تلك التطورات جاءت، من ناحية ثانية، لتنضاف إلى مرتكزات محلية سابقة سوف تظل قائمة إلى جانبها بصفة متوازية، أو سوف تؤثر فيها أحيانًا وتحد من إشعاعها. الملاحظة الخامسة (الأخيرة): يفرضها تمديد النظر في تجارب الكتابة التاريخية بالمغرب من الكتابة التقليدية إلى تاريخ الزمن الراهن. ويتطلب منا هذا الأمر وقفة سريعة عند الواقع المغربي الراهن، وخصوصًا على الصعيد السياسي، وهو ما سوف أعود إليه بعد نظرٍ سريع في ماضي الكتابة التاريخية. يمكن تقسيم تطور الكتابة التاريخية بالمغرب - منذ ما قبل الاستعمار إلى اليوم - إلى ثلاث مراحل غير متساوية من الناحية الزمنية، ولكن تتميز كل مرحلة منها بنوع من التجانس من حيث المحتوى العام. ومعلوم أن المراحل تتحدد بأهمية تحولاتها، وليس بطولها أو قصرها. فَرُبَّ مرحلة طويلة لم تشهد أي تحول يُذكر، بينما قد تعج مرحلة قصيرة بتحولات عميقة؛ وهذا ما سنلمسه تحديدًا بخصوص تطور الكتابة التاريخية بالمغرب. هذه المراحل هي كما يلي: مرحلة ما قبل الاستعمار التي تمتد على عدة قرون، والتي لم تشهد أي تحولات كبرى خلال هذه المدة، والمرحلة الاستعمارية التي لم تتعدَّ أربعة عقود ونيف، ولكنها شهدت تغيرات عميقة كان لها أبلغ الأثر فيما تلاها من تحولات، ثم مرحلة الاستقلال التي تعتبر بمنزلة التركيب لمتغيرات المرحلتين السابقتين مع الانفتاح على المؤثرات المنهجية العالمية.

مرحلة ما قبل لاستعمر

إن عبارة "ما قبل الاستعمار" هي عبارة فضفاضة، وليس هناك اتفاق بين الباحثين في مختلف العلوم الاجتماعية على مضمونها أو حدودها الزمنية. فبعض الباحثين يحصرها في العقود التي سبقت مباشرة الاستعمار بالنسبة إلى كل بلد على حدة، ومنهم من يعطيها مدى زمنيًا طويلً قد يصل إلى عدة قرون، وسوف نرجح استعمالها بهذا المعنى الثاني؛ لأن الموضوع يحيلنا على المدة الطويلة بحسب تحقيبات فرناند بروديل Braudel. F11. منذ وصول الإسلام إلى شمال أفريقيا في أواخر القرن السابع الميلادي، أصبح المغرب جزءًا من العالم الإسلامي؛ فلا غرابة أن يستقبل مختلف تياراته الثقافية ويتأثر بها ويؤثر فيها. وعلى الرغم من نزوعه نحو الاستقلال السياسي منذ أواخر القرن الثامن، فإن التأثيرات الثقافية والدينية ظلت مستمرة. فمَع الإسلام، جاءت اللغة العربية ووفدت مختلف العلوم الدينية والعلوم المساعدة لها، ومن ضمنها التاريخ. وبموازاة الاهتمام ب "أيام العرب"، مثَّل التاريخ عند منشئه علمًا من العلوم اللازمة لإتقان الفقه وعلوم الحديث، خاصة عن طريق التحكم في أدوات "الجرح والتعديل"؛ أي القيام بالنظرة المتفحصة لسند الحديث ومقارنة عهود الرواة ووفياتهم؛ للتثبت في وجود خلل فيها أو انعدامه، وهو ما يضفي على الحديث النصيب الأوفر من الصدقية. وقد سار بعض المؤلفين في هذا المنحى إلى مداه

  1. Fernand Braudel, Ecrits sur l'Histoire (Paris: Flammarion, 1969).

الأقصى، فجمعوا تآليف خاصة في التراجم والوفيات، وحرص بعضهم على إتمام ما ألّفه من سبقهم في هذا الموضوع12. هكذا، ربما لا يخلو تصدير كتاب من كتب التاريخ من ربط مؤلِّفه، لاشتغاله بالتاريخ، بهاجس الواجب الشرعي، وهو تبرير يضفي المشروعية على العناية بهذا الصنف من الكتابة، وظل المؤلفون في التاريخ يتحصنون بالتبرير نفسه إلى آونة متأخرة من مرحلة ما قبل الاستعمار. يقول الإفراني (القرن الثامن عشر) في خطبة كتابه نزهة الحادي: "علم التاريخ من أشرف العلوم ومكانه من العلوم الشرعية معلوم. وما زال الجهابذة الأحبار يقطعون نفائس أوقاتهم في جمع الأخبار"13. ويسير الناصري (القرن التاسع عشر) في تصديره لكتابه الاستقصا14 في الاتجاه نفسه، مخصِّصًا للمسألة مقدمة مطولة أثبتها تحت عنوان "في فضل علم التاريخ"، يقول فيها: "اعلم أن التاريخ من أجَلّ العلوم قدرًا وأرفعها منزلة وذكرًا، وأنفعها عائدة وذخرًا، وكفاه شرفًا أن الله تعالى شحن كتابه العزيز [...] من أخبار الأمم الماضية والقرون الخالية بما أفحم به أهل الكتاب [ويُحكى] أن الإمام الشافعي رضي الله عنه ([767 - 820 م)]، كان يقول ما معناه دأبتُ على قراءة علم التاريخ كذا وكذا سنةً وما قرأته إلا لأستعين به على الفقه"15. ويشرح الناصري كلام الشافعي على الكيفية التالية: "إن علم التاريخ لما كان مطلعًا على أحوال الأمم والأجيال، ومفصحًا عن عوائد الملوك والأقيال، ومبيِّنًا من أعراف الناس وأزيائهم ونحلهم وأديانهم ما فيه عبرةٌ لمن اعتبر [...] كان مُعِينًا على الفقه ولا بد، وذلك أن جلَّ الأحكام الشرعية مبنيٌّ على العُرف وما كان مبنيًّا على العُرف لا بد أن يطَّرد باطِّراده وينعكس بانعكاسه، ولهذا ترى فتاوى الفقهاء تختلف باختلاف الأعصار والأقطار بل والأشخاص والأحوال"16. ومن القصص الشهيرة التي يوردها المؤرخون التقليديون ما حصل أيام العباسيين عندما حاول بعض اليهود الاستدلال برسم يُعفيهم من الضرائب يعود إلى أيام النبي محمد، مؤرَّخٍ بسنة سبعة للهجرة ومن ضمن الشهود المسجلين في هذا الرسم معاوية بن أبي سفيان، فكان الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي (ت. 463 ه/ 1071 م) هو من كشف عن زور الوثيقة، بالنظر إلى أن معاوية لم يُسلم إلا في السنة الثامنة للهجرة وما كان له أن يكون من بين الشهود17. هذا هو نوع النقد الذي يقوم به علماء الحديث أيضًا لمقارنة السنوات بالأحداث والوفيات والتثبت في صحة الروايات أو زيفها. يتضح، إذًا، أن العناية الأصلية بالتاريخ في الثقافة العربية، بعد مجيء الإسلام، كانت على صلة وثيقة بعلوم الدين. ولذلك كان التاريخ يدخل في تكوين الفقهاء، كما أن معظم المؤرخين لهم انفتاح كبير على العلوم الدينية، حتى عندما استقل التاريخ نسبيًا عن منشئه الديني الصرف. ومنذ مرحلة مبكرة، ارتبطت الكتابة التاريخية التقليدية بتكوين الدول وتعاقب الأسر الحاكمة وتخليد آثار السلطان وفتوحاته وأعماله. ولعلنا نجد خير صورة عن هذا النوع من الكتابة في روض القرطاسلابن أبي زرع (ت. 1326 م)19، وهو مؤرخ الأسر الحاكمة بالمغرب منذ قيام إمارة الأدارسة إلى الدولة المرينية؛ إذ يقول: "وإني لما رأيت مكارم دولته السعيدة [المقصود هنا هو السلطان المريني أبو

18  علي بن أبي زرع الفاسي، الأنيس المُطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، راجعه عبد  الوهاب بن منصور، ط 2 (الرباط: المطبعة الملكية، 1999.)

  1. على غرار ما قام به مؤلفو الطبقات في المشرق، تصدى عدد من المؤلفين المغاربة لضبط أخبار الأعلام من علماء وصالحين ورياس ووزراء. ومن بين أهم المؤلفات في هذا الباب: محمد بن عسكر الحسني الشفشاوني، دوحة الناشر لمحاسن مَن كان بالمغرب من مشايخ القرن العاشر [القرن السادس عشر]، تحقيق محمد حجي (الرباط: مطبوعات دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر، 1977)؛ محمد الصغير بن الحاج الإفراني، نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي[أواخر القرن السابع عشر وأوائل الثامن عشر]، تحقيق عبد اللطيف الشادلي (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1998)؛ محمد بن الطيب القادري، نشر المثاني لأهل القرن الحادي عشر والثاني [القرن الثامن عشر]، تحقيق محمد حجي وأحمد التوفيق (الرباط: مكتبة الطالب، 1977 - 1986)؛ عبد السلام بن عبد  القادر بن سودة، إتحاف المطالع بوفيات أعلام القرن الثالث عشر والرابع [القرن العشرون]، في: موسوعة أعلام المغرب، تحقيق وتنسيق محمد حجي (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1996)، ج 7 - 9. ومن الواضح، من خلال هذه القائمة غير الحصرية، أن التابعين من المؤلفين حرصوا على مواصلة ما بدأه أو واصل العمل به من سبقهم.
  2. الإفراني، ص 25 - 26.
  3. أحمد بن خالد الناصري، كتاب الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، تحقيق جعفر الناصري ومحمد الناصري (الدار البيضاء: دار الكتاب، 1997.)
  4. المرجع نفسه، ج 1، ص  59.
  5. المرجع نفسه، ص 60.
  6. المرجع نفسه.

سعيد عثمان الذي تولى الحكم خلال الفترة 1310 - 1331 م] تُنظَم نَظْم الجُمَان، وصُور محاسنها تُتلى بكل لسان، أردت خدمة جمالها والتقرب إلى كمالها [...] بتأليف كتاب جامع لطيف الأخبار [...] يخبر بنُبَذٍ من أخبار ملوك المغرب المتقدمين وأمرائه الماضين وأممه السالفين، وتاريخ أيامهم وذكر أنسابهم وأعمارهم وسيرهم وغزواتهم وأحوالهم في دولتهم [...] أذكرهم أميرًا بعد أمير وملكًا بعد ملك وخليفة بعد خليفة وأمة بعد أمة، على حسب تواليهم في أعصارهم ومراتبهم في دولتهم وأزمانهم كما وقع في الزمان"21. في هذه المحطة، يتخذ التاريخ شكل تجميع الأخبار وترتيبها بحسب الدول. وتعني كلمة الدولة، في هذا السياق، عهد سلطان من السلاطين الذين يتداولون على الحكم من دون أن تتطابق تمامًا مع المعنى الحديث لمصطلح الدولة State , Etat. ومن ناحية أخرى، يُرتَّب التاريخ بحسب السنين؛ ومن ثم عُرف هؤلاء المؤرخون بالإخباريين، وعُرفت كتبهم بالحوليات. أما من حيث المحتوى، فإن التاريخ في هذه الحقب يركز خاصةً على تقلبات الحياة داخل البلاط ودسائسها وتطاحناتها، وعلى التحركات العسكرية والتمردات القبلية. لذا، فإن التاريخ هو أساسًا تدوين لآثار الأسر الحاكمة وتعاقب سلاطينها. وهنا لا بد من إبداء ثلاث ملاحظات مهمة حول الكتابة التقليدية قبل الاستعمار فيما يتعلق بالمغرب. الملاحظة الأولى: تتعلق بالانتقال من التواريخ العامة إلى التواريخ المعتنية بالرقعة الجغرافية المغربية، وبالدولة المغربية بصفة محددة، وهذا الأمر له علاقة بتميز التكوين السياسي المغربي واستقلاله عن بقية جنوب البحر الأبيض المتوسط الذي أصبح منذ أوائل القرن السادس عشر خاضعًا للدولة العثمانية. ومعلوم أن المغرب اتبع ابتداءً من هذا التاريخ طريقه الخاص بالنسبة إلى بقية بلدان المغارب والوطن العربي. ويكفي أن نلقي نظرة على عناوين بعض المؤلفات الوازنة لنقتنع بهذا التطور. ففي حين نجد عنوان مؤلَّف ابن عذاري المراكشي خلال القرن الثالث عشر البيان المُغرب في اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب22، وعنوان مؤلَّف ابن خلدون خلال القرن الرابع عشر ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر23 - ومثل هذه مؤلفات تعمُّ منطقة الغرب الإسلامي أو جنوب البحر الأبيض المتوسط برمته - سوف نرى توجهًا جديدًا يركز على المغرب خاصةً. ويبدو هذا التوجه واضحًا ابتداء من القرن السادس عشر. ونكتفي ببعض العناوين. فعنوان مؤلَّف عبد العزيز الفشتالي في القرن السادس عشر هو مناهل الصفا في مآثر موالينا الشرفا24، والمقصود بهم السعديون؛ وعنوان أحد مؤلَّفات أبي القاسم الزياني في القرن الثامن عشر هو البستان الظريف في ذكر دولة مولانا الشريف25، والمقصود هنا المولى إسماعيل بن الشريف، المؤسس الفعلي للدولة العلوية، ليُتوج هذا المسار بالمؤلف الشهير الذي وضعه أحمد بن خالد الناصري في أواخر القرن التاسع عشر تحت عنوان كتاب الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى. وهكذا، فعند نهاية هذا المسار أصبح لدى الإخباريين، فيما يبدو، وعي واضح بتميز بلدهم المجالي من بقية البلاد الإسلامية. الملاحظة الثانية: ترتبط بمضامين هذه التآليف، وهل تقتصر هذه الكتب على التاريخ الحدثي السياسي والعسكري؟ طبعًا لا يرتبط الجواب بمحتوى هذه المصادر فحسب، بل يرتبط أيضًا - وربما بصفة أكبر - بطريقة المعالجة التي نُخضعها لها، وبالأسئلة التي نوجهها إليها. ثم إن هناك بعض النصوص التقليدية التي تثير الانتباه المتعلق بمدى اهتماماتها الواسعة التي تجعل منها مصدرًا خصبًا لشتى المقاربات الحديثة. وأكتفي هنا بذكر نصتاريخ الضُّعَيِّفالرباطي الغنيّ؛ إذ يقول محقِّقه أحمد العماري: "أما بالنسبة لمفهوم الحدث التاريخي،

20  ابن عذاري المراكشي، البيان المُغرب في اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب - قسم الموحدين، تحقيق محمد إبراهيم الكتاني وآخرين (بيروت: دار الغرب الإسلامي،

  1. المرجع نفسه، ص 16.
  2. عبد الرحمن بن خلدون، ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، تحقيق خليل شحادة (بيروت: دار الفكر، 1981.)
  3. عبد العزيز الفشتالي، مناهل الصفا في مآثر موالينا الشرفا، تحقيق عبد الكريم كريم (الرباط: مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والثقافة، [د.ت.)].
  4. أبو القاسم الزياني، البستان الظريف في دولة أولاد مولاي الشريف، دراسة وتحقيق رشيد الزاوية (الرباط: مطبعة المعارف الجديدة، 1992.)

فنجد الضعيف يختلف عن غيره اختلافًا دقيقًا: فالتاريخ عنده ليس هو الأحداث السياسية والعسكرية والاقتصادية والعلمية فقط كما عند غيره. بل التاريخ عنده هو كل فعل يصدر عن الإنسان [أو يتأثر به الإنسان]. فقد اهتم بالبيعة والخلع والحروب وبناء المآثر أو تغييرها والأوبئة والمجاعات والأنواء الجوية من أمطار وثلوج ورياح وحوادث كونية من زلازل وكسوف أو خسوف [...] وبنظام الحروب ولباسها والاستعداد لها والحفلات والزواج والطلاق والنزهات وبالكراسي العلمية والدروس التي تعطى فيها وعلاقة الطلبة بالسلطة، و[اهتم أيضًا] بالولادات والوفيات وبإحصائيات الوفيات خلال الكوارث الطبيعية والأوبئة [...] [إضافة إلى اهتمامه] بجميع شرائح المجتمع"26. يبقى أن النصوص مثل تاريخ الضعيفما زالت محدودة العدد، ولربما يكشف نشر المزيد من المخطوطات عن نصوص مماثلة غير معروفة حتى الآن27. الملاحظة الثالثة (الأخيرة): تتعلق بأن مصطلحي التاريخ والدولة اخترقَا الحقب باللفظ نفسه، ولكن محتواهما ونطاق استعمالهما ما فتئا يتغيران ويتوسعان حتى أصبحا بعيدين كل البعد عن مدلولهما القديم. والخلاصة أن التاريخ، على العكس من بعض العلوم الإنسانية والاجتماعية الأخرى الوافدة على الساحة الثقافية المغربية، كالسوسيولوجيا أو الأنثروبولوجيا، أو العلوم الاقتصادية، له جذور في الثقافة المحلية، ولهذا سوف تستمر بعض تجلياته التقليدية حتى خلال الحقبة الثانية المقترحة هنا؛ أي الحقبة الاستعمارية.

المرحلة لاستعمرية

معلوم أن المغرب خضع للحماية الفرنسية والإسبانية ما بين عامي 1912 و 1956. ولم تقتصر الحماية على بسط النفوذ الأجنبي في المغرب على المستويات السياسية والإدارية والعسكرية والاقتصادية فحسب، بل حملت معها توجهات علمية وثقافية ساهمت في تثبيت سيطرتها. ويصح القول إن المبادرات ذات الصبغة العلمية سبقت الحضور العسكري؛ بما أن الرحالة المستكشِف والباحث المقيم سبَقا الجندي ورجل الإدارة. ويمكن الإشارة هنا إلى كتاب حديث الصدور للمؤرخ الأميركي إدموند بورك28، يلح فيه على دور البعثة العلمية للمغرب Maroc du scientifique Mission، منذ سنة 1903، في التمهيد لقيام الحماية بالمغرب، وذلك عن طريق نشاط إثنوغرافي حثيث، جمعت فيه هذه البعثة المعطيات، وترجمت أمهات المؤلفات التقليدية، وأصدرت العديد من الدراسات؛ إما في صيغة مؤلفات، وإما ضمن مجلتين أساسيتين، هما الأرشيفات المغربية marocaines Archives29 ومدن وقبائل المغرب Maroc du Tribus et Villes30. جاءت هذه المرحلة، إذًا، بمحتوى جديد لمصطلح التاريخ، ولو أنه ظل مدةً محصورًا في الأوساط الأجنبية. يتعلق الأمر بالمفهوم الوضعاني للتاريخ السائد آنئذ في أوروبا عامة، وفرنسا على وجه الخصوص. وبحسب هذا المنظور، يدعي التاريخ العلمية، أو يطمح إليها،

  1. محمد الضعيف الرباطي، تاريخ الضعيف (تاريخ الدولة السعيدة)، تحقيق أحمد العماري (الرباط: دار المأثورات، 1986، ص. ف (من تقديم المحقق.)
  2. تجدر الإشارة هنا إلى أن تحقيق النصوص المخطوطة بدأ يكشف عن بعض التآليف الغنية، ومن بينها: عبد الكريم بن موسى الريفي، زهر الأكم، تحقيق آسية بنعدادة (الرباط: مطبعة المعارف الجديدة، 1992). ولا بد من التنويه بأن كتب الوفيات، مثل نشر المثاني، عادة ما تذيل قوائم الوفيات بالنسبة إلى سنة معينة بقسم تعنونه ب "حوادث السنة"، ويكون في الغالب مليئًا بالفوائد التاريخية المختلفة. على سبيل المثال، انظر: Muhammad Al-Qadiri,  Nashr al-Mathani: The Chronicles , Norman Cigar (trans.), (London: Oxford University Press, 1981).
  3. E. Burke III, The Ethnographic State: France and the Invention of Moroccan Islam (Oakland, California: University of California Press, 2014).
  4. تأسست منذ سنة 1903 كفرع من فروع البعثة العلمية بطنجة بالمغرب، فشرعت في نشر عدد من البحوث والنصوص الأصيلة ابتداءً من عام 1904، ونظرًا إلى أهميتها الإستراتيجية في إرساء نظام الحماية الفرنسية بالمغرب، ألحقها المقيم العام ليوتي Lyautey سنة 1919 بقسم الشؤون الأهلية بالإقامة العامة بالرباط، وكان هذا القسم تحت إشرافه المباشر.
  5. اعتمدت هذه الدورية على تعاون وثيق بين مصالح الإدارة الاستعمارية والباحثين في علوم اجتماعية شتى، كالإثنوغرافيا والجغرافيا والسوسيولوجيا والتاريخ ودراسة الثقافة الشعبية. وقد ركزت في أعدادها الأولى، منذ سنة 1915، على تخصيص دراسات وافية للمناطق التي تم إخضاعها مبكرًا للإدارة الاستعمارية، مثل الدار البيضاء والرباط.

احتذاءً بالعلوم البحتة، فيركز موضوعه على الوقائع والأحداث السياسية والعسكرية، من حروب وتوسعات وتبدل أنظمة وحكومات، مع العناية بالعلاقات الدبلوماسية فيما بينها... إلخ، ويَعتبر أن الاعتماد على الأرشيف المكتوب كفيل بالتوصل إلى صياغة نص يعيد بناء التاريخ كما حصل، معتمدًا على التسلسل الكرونولوجي، وعلى تفسير الأحداث بحسب التعاقب الزمني. ومما ساعد هذا التوجه بفرنسا، مثلً، وجود مؤسسات قائمة تُيسر عمل الباحث في التاريخ؛ وأعني بها دور المحفوظات والأرشيف التي تحتفظ بالأرصدة الوثائقية وتنظمها وتبوِّبُها وتجعلها في خدمة الباحثين. وهكذا، فعند قيام الحماية الفرنسية بالمغرب، سهرت إدارة هذه الحماية على إحداث بنيات تساعد باحثيها وإدارييها على القيام بأبحاثهم وتحضير تقاريرهم، ومن ذلك ما يلي: إحداث الخزانة العامة وقسم الأرشيف وتكليف متخصصين بجمع المخطوطات وترتيبها. تأسيس معهد الدراسات العليا المغربية Marocaines Etudes Hautes des Institut، وهو بمنزلة البنية الجامعية التي تضم باحثين بارزين، من أمثال المستعرب إفاريست ليفي بروفانصال Provençal - Lévi. E صاحب كتاب مؤرخو الشرفاء des historiens Les chorfas31، الذي يعتبر مدخلً مهمًا للمصادر العربية حول تاريخ الدولتين السعدية والعلوية. إشراف الكونت هنري دو كاستر Castries de Henry على مشروع ضخم، بتشجيع ودعم من المقيم العام ليوتي، ويتعلق الأمر ب: Les Maroc du Histoire ' l de Inédites Sources، وهو عنوان يُعرَّب في الكتابات المتعلقة بالعلوم الاجتماعية في المغرب بأشكال مختلفة؛ منها المصادر غير المنشورة لتاريخ المغرب، والمصادر الدفينة لتاريخ المغرب، والمصادر المحفوظة لتاريخ المغرب32. ونال هذا المشروع الكبير رعاية الإدارة الفرنسية، وكان الهدف منه جمع ما يتعلق بالمغرب في الأرشيفات الفرنسية والإسبانية والبرتغالية والبريطانية والهولندية، وتحقيق ما أمكن منها، أو ترجمتها، ثم نشرها بالتتابع. وقد أفضى هذا المشروع إلى نشر عدد من المجلدات تحتوي على رصيد هائل من الأرشيفات المتعلقة بالتاريخ المغربي الداخلي والخارجي بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، ولا غنى للباحثين اليوم عن الرجوع إلى هذه السلسلة النفيسة، مع ملاحظة أنها لم تهتم ببعض الأرشيفات الأخرى كالأرشيفين الإيطالي والروسي، أو الأرشيف العثماني على وجه الخصوص33. وهكذا مكنت هذه الأدوات من توفير مادة مصدرية وأرشيفية غزيرة تمَّت معالجتها بحسب المنهج العلمي المتاح آنئذ، أي المنهج الوضعاني المشار إليه آنفًا. وهكذا ظهرت أعمال صارت من الكلاسيكيات يمكن أن نذكر من بينها: مؤلفات شارل أندري جوليان، وهنري تيراس، وروبير مونتاني، وجاك بيرك34، إلا أن أعمال معظم هؤلاء لم تخرج عن الخطاطة الفكرية الاستعمارية التي كانت قد تبلورت في مستعمرة الجزائر وانتقلت إلى المغرب. ومن بين أفكارها المحورية العامة أن المجتمع المغربي مجموعة من القبائل المستقلة عن بعضها، والدولة ضعيفة أو منعدمة تمامًا، والمجال منقسم إلى بلاد المخزن الخاضعة للسلطان وبلاد السيبة المتمردة ضده، والأراضي الواطئة تحت سيطرة العرب بينما اضطر البربر (اليوم نقول "الأمازيغ") إلى الاحتماء بالجبال هربًا من تعسفهم، والشريعة الإسلامية لا تتعدى المدن في حين أن القبائل تخضع لسيطرة

  1. ليفي بروفنصال، مؤرخو الشرفاء، ترجمة عبد القادر الخلادي  (الرباط: دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر، 1977.)
  2. سلسلة وثائقية على قدر كبير من الأهمية، معروفة لدى المهتمين بالتاريخ الحديث للمغرب، امتد نشرها طوال عدة عقود، ابتداءً من العشرية الأولى للقرن العشرين، وأخرجت إلى النور عددًا هائلً من الوثائق المحفوظة في الأرشيفات البرتغالية والإسبانية والهولندية والبريطانية والفرنسية.
  3. من المفيد الإشارة هنا إلى الجهود المعتبرة لمؤسسة أرشيف المغرب والمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بشأن استقدام ما أمكن من صور الوثائق المحفوظة بالأرشيفات الأجنبية المتعلقة بتاريخ المغرب.
  4. من الأعمال المؤسسة في هذا الصدد: R. Montagne, Les Berbères et le Makhzen dans le sud du Maroc: Essai sur la transformation politique des Berbères sédentaires (groupe chleuh) , (Paris: Felix Alcan, 1930); Charles-André Julien, Histoire de l'Afrique du Nord: Des origines à 1830 (1931); H. Terrasse, Histoire du Maroc: Des origines à l'établissement du Protectorat français (Casablanca: Editions Atlantides, 1949 - 1950); J. Berque, Structures sociales du Haut-Atlas (Paris: PUF, 1955).

العرف، إلى غير ذلك من الثنائيات الاستعمارية المعروفة. قد يكون جاك بيرك أو شارل - أندري جوليان أقل تبنِّيًا لجوانب كثيرة من هذه الخطاطة، ولكنّ معظم مؤرخي المرحلة ينخرطون فيها من دون تردد35. ومما تجدر الإشارة إليه أن التحولات والسجالات المنهجية التي كانت تشهدها أوروبا عمومًا، وفرنسا على وجه الخصوص، في مجال الكتابة التاريخية بعد الحرب العالمية الثانية - أشير هنا إلى تجديد الكتابة التاريخية على يد المنتمين إلى مدرسة الأنال Annales - لم تصل في مجملها إلى الكتابة الاستعمارية؛ ذلك أن فكر الاستشراق المنغلق هو الذي طغى على العديد منها. ومن جانب آخر - خلال المرحلة الاستعمارية - استمرت الكتابة التقليدية لدى المغاربة كنوع من التشبث بالهوية ومقاومة السيطرة، ومن أبرز نماذجها عبد الرحمن بن زيدان، صاحب كتاب إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس36. ولئن بدا هذا المؤلِّف مهتمًا بتاريخٍ محليٍّ لمدينة مكناس - وعلى الرغم من تتبعه للمنهج التقليدي في كتابة التراجم والوفيات - فإنه يُلحّ على حضور الدولة في تاريخ المغرب بتخصيصه تراجم مطولة للسلاطين وتأكيده مآثرهم الداخلية وعلاقاتهم الخارجية، وهو ما يستفاد منه أمرٌ مناقض للأطروحات الاستعمارية التي تركز على غياب تام للدولة بالمغرب قبل الاستعمار. وفي أواخر مرحلة الحماية ظهرت كتابة تاريخية مغربية ذات نفحة جديدة مثَّلها علال الفاسي في كتابه الحركات الاستقلالية في المغرب العربي37. وهذا زعيم وطني يتناول قضايا النضال الوطني، لكنه يرتدي جبة المؤرخ عندما يعود إلى المراحل السابقة عن الحركة الوطنية لتأصيلها. فيتحدث عن مقاومة التغلغل الاستعماري خلال القرن التاسع عشر، وعن أول دستور طالب به المغاربة في أوائل القرن العشرين، وعن مقاومة جبال الريف بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي... إلخ. كان هذا الكتاب بمنزلة الإرهاصات الأولى للتاريخ ذي النزعة الوطنية الذي سوف ينتعش غداة الحصول على الاستقلال سنة 1956.

مرحلة ما بعد لاستقلال

يمكن تقسيم هذه الفترة إلى ثلاث مراحل فرعية مهمة بالنسبة إلى مجموع الكتابة التاريخية المغربية، وهي ذات التأثير الحقيقي اليوم. ӵ ӵ حقبة التاريخ ذي النزعة الوطنية. ӵ ӵ لحظة التاريخ الاجتماعي. ӵ ӵ بزوغ تاريخ الزمن الراهن.

وقد وجدت مثل هذه الأفكار صداها لدى جلّ المعتنين بالتاريخ المغربي من بين الفرنسيين خلال المرحلة الكولونيالية. ومن أبرز مَن مهدوا لقيام الحماية الفرنسية بالمغرب ميشو بلير، رئيس البعثة العلمية الفرنسية بطنجة، إذ يقول في إحدى مقالاته الرئيسة: "لا توجد دولة مغربية بالمعنى الحقيقي للكلمة، ذلك لأن الأهالي لا يشعرون بأي واجبات تجاه الدولة، من جهة، ولأن الدولة من جانبها لا تشعر بأي واجبات تجاه الأمة. إن الدولة التي يجسدها المخزن لا تسعى إلى تمديد سيطرتها إلا للرفع من مداخيلها بغرض استفادتها الخاصة، أما الأمة التي تتجسد في مجموعة من القبائل من دون أي تجانس فإنها لا تبحث سوى عن الإفلات من سيطرة سلطة لا تتجلى إلا بالجباية التعسفية والإذلال المفضي إلى الإفلاس"، انظر:

  1. يقول إرنست رينان، وهو من أشهر مؤرخي فرنسا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر: "أنْ يغزوَ جنس سامٍ بلدًا لجنس متدنٍّ ليستقر فيه ويحكمه، فليس في الأمر مدعاة للصدمة [...] ذلك أنه بقدر ما يدعو الغزو المتبادل بين الأجناس المتساوية إلى الإدانة، بقدر ما يُعتبر إحياء الأجناس المتدنية من قبل الأجناس السامية بمنزلة نظام للعناية الإلهية بالإنسانية. فأبناء الشعب عندنا [أي في أوروبا] يكادون ينتمون في معظمهم إلى فئة النبلاء السابقين الذين فقدوا مراتبهم؛ وهكذا فإن أيديهم القوية تتلاءم مع استعمال السيف أكثر مما تصلح لأدوات الخدمة [...] إن الطبيعة صنعت جنسًا من العمَلة، وهو الجنس الصيني، صاحب المهارة اليدوية الفائقة، وهو يكاد لا يتمتع بأي حس بالكرامة: احكموهم بعدل [...] وسوف يكونون راضين، كما صنعت الطبيعة جنسًا يبرع في فلاحة الأرض، وهم الزنوج: كونوا طيبين وإنسانيين معهم فستتمكنون من امتلاك ناصيتهم، وصنعت جنسًا من السادة والجنود، وهو الجنس الأوروبي"، انظر: Ernest Renan,  Réforme intellectuelle et morale (Paris: Callmann Lévy, 1871); Gilbert Comte,  L'Empire triomphant: 1871-1936 (Paris: Denoël, 1988), p. 13. E. Michaux-Bellaire, “L'organisme marocain,” Revue du monde musulman , no. 9 (1909), p.  19.
  2. عبد الرحمن بن زيدان، إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس (القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 2008.)
  3. علال الفاسي، الحركات الاستقلالية في المغرب العربي، ط 6 (الرباط: مؤسسة علال الفاسي، 2003.)

1. محطة التاريخ الوطني

ينحو "التاريخ الوطني" منحى مجابهة المقولات الاستعمارية، فهو تاريخ نضالي، سجالي، انتقائي، دفاعي، يكاد يهمه الرد قبل الاكتشاف. هو جزء من حركة التحرر الوطني، ولا يمكن محاكمته خارج سياقه. وقد أفضى توجهه إلى الاهتمام بقضايا بعينها مثل الاهتمام بالدولة المركزية، ورد الاعتبار لكل ما هو وطني. والحصيلة التي رافع من أجلها هذا النوع من الكتابة التاريخية هي أن الدولة المغربية عريقة وقائمة منذ قرون، والمجتمع منسجم، مع الدعوة إلى الوحدة الوطنية والمركزية حول نص ذي نزعة وطنية يفترض فيه أنه مشترك بين مختلف فئات المجتمع؛ ما يترتب عليه نفي الاختلاف، بما في ذلك نفي أهمية الاختلاف الثقافي، المتمثل في وجود شرائح واسعة من المجتمع المغربي الناطقة بالأمازيغية أو الحسَّانية مثلً. فكان كل خوض في شأن هذا الاختلاف يعتبر من باب الدعاية للأطروحات الاستعمارية. وامتدت هذه المرحلة إلى أواسط السبعينيات من القرن الماضي، وتزامنت مع سيادة فكر القومية العربية حتى ولو لم يَت سائر رواد التاريخ الوطني بَ بالمغرب كل أفكار التوجه القومي العربي. ومن النماذج البارزة المتعلقة بهذا التوجه: جرمان عياش ودفاعه الشهير عن المخزن والوثائق المخزنية التي يؤكد وجودها، على النقيض مما ذهبت إليه الكتابة الاستعمارية التي أنكرت وجود دولة مغربية قائمة قبل الغزو الاستعماري، فأحرى أن تأبه بوجود أرشيفات رسمية مغربية. ومن باب رد الصاع صاعين، كاد عياش ألا يعترف بأي أهمية لغير الوثائق الرسمية المغربية، ولا سيما الأرشيفات الأجنبية، في كتابة تاريخ المغرب38؛ وضمن رواد هذا التوجه عبدالله العروي وأطروحته حول الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية39؛ إذ يدافع عن أهمية البيعة في النظام المخزني المغربي، ويعتبرها بمنزلة التعاقد بين الحاكم والمحكوم. بالموازاة مع بروز التوجه ذي النزعة الوطنية، استمر تيار آخر من الكتابة شبه التقليدية يلتقي مع التوجه المذكور في احتفائه بالثقافة والتاريخ المحليين. وقد ركز هذا التيار على مواصلة الجهود في تجميع التراث وتحقيقه ونشره. ومن أبرز ممثلي هذا التوجه محمد حجي40ومحمد المنوني41، والمختار السوسي42. في الحقبة نفسها، ظهرت أطر وبنيات جديدة، منها جامعة عصرية سوف تتفرع بعد حين إلى جامعات متعددة عبر التراب الوطني، وقد تطلب ذلك تعددًا في شعب/ أقسام التاريخ، ما هيأ بعض الظروف الملائمة لتشجيع البحث التاريخي؛ تلبيةً لحاجات البنيات الجامعية الجديدة من الأطر الأكاديمية، وتحفيزًا لهؤلاء على إنجاز أبحاثهم لإحراز التقدم في مسالكهم المهنية. ولكن هذه المرحلة لم ترتقِ إلى مستوى تصور إستراتيجية عامة للبحث على غرار ما كان حاصلً خلال المرحلة الاستعمارية. فلم تتبلور أي بنية بحثية تنسق أعمال الباحثات والباحثين، وتوجه جهودهم بحسب خطاطة واضحة تستهدف مراكمة البحث في اتجاه محدد، بل توزعت جهود الباحثين بحسب ميول كل منهم، وباعتبار الظروف والإمكانات التي خضعت بدورها، في العديد من الأحيان، للمصادفة المواتية فقط. بيد أن هذا الجيل الجديد من الباحثين تميز بعدد من السمات المشتركة تمثلت في كونه ترعرع بُعَيْد مرحلة الحركة الوطنية، ودرس التاريخ بطرق حديثة إما على أيدي أساتذة أجانب وإما على أيدي أساتذة مغاربة درسوا خارج المغرب، كما أنّ له انفتاحًا على التحولات العالمية على صعيد

  1. ألح جرمان عياش على هذه الأفكار في جلّ كتاباته، ولا سيما في أطروحته حول حرب الريف التحريرية، وفي عدد من مقالاته التي جمعها ونشرها، انظر: جرمان عياش، دراسات في تاريخ المغرب (الرباط: الشركة المغربية للناشرين المتحدين، 1986.)
  2. صدرت في الأصل باللغة الفرنسية سنة 1977 عن دار ماسبيرو بباريس ثمّ تمّ تعريبها، انظر: عبد  الله العروي، الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية 1830 - 12 19، ترجمة محمد حاتمي ومحمد جادور (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2016.)
  3. يعتبر محمد حجي من أبرز الباحثين المغاربة، ويحتل موقعًا رائدًا في تحقيق التراث ونشره، وكذلك في الإشراف على عدد من الأطروحات الجامعية المهتمة بالموضوع نفسه. على سبيل المثال، انظر: موسوعة أعلام المغرب.
  4. أخرج محمد المنوني العديد من المخطوطات الغميسة والوثائق المجهولة. من بين أعماله الأساسية، انظر: محمد المنوني، مظاهر يقظة المغرب الحديث (الرباط: الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، 1985.)
  5. محمد المختار السوسي: من أبرز المثقفين والوطنيين المغاربة المخضرمين الذين عاشوا تحت الحماية، والذين كان لهم دور متميز خلال فجر الاستقلال. له مؤلفات عديدة من بينها مؤلفه الشهير المعسول.

الكتابة التاريخية والأسئلة المحورية التي اخترقتها بعد الحرب العالمية الثانية في مرحلة الستينيات: منها مدرسة الأنال والاهتمام بالتاريخ الاقتصادي والاجتماعي، ومقولات المدرسة الأنكلوساكسونية المعتنية بالمغرب، كما في المدرسة الاجتماعية مع إرنست غيلنر43، أو في المدرسة التأويلية مع كليفورد غيرتز44. وتجدر الإشارة إلى أن سنوات الستينيات شهدت تراجعًا في اهتمام الفرنسيين بالبحث في تاريخ المغرب، بينما ظهر جيل من الباحثين الأنكلوساكسونيين، من أنثروبولوجيين ومؤرخين وعلماء سياسة، يتميزون بحرصهم على معرفة اللغات المحلية، وأحيانًا اللغة العربية الفصحى، وبموقفهم الانتقادي تجاه الرصيد الأرشيفي الفرنسي، كما كانوا يتمتعون بفكرة مسبقة إيجابية لدى عدد من الباحثين المغاربة مفادها أن أولئك الباحثين كانوا أكثر ميلً إلى التجرد والموضوعية مقارنةً بالمؤرخين الكولونياليين؛ لكون ماضي بلدانهم لا يضعهم موضع المحتلين السابقين بالنسبة إلى المغرب. ومن بين المؤرخين الأنكلوساكسونيين البارزين الأميركيان روس دان الذي كتب حول الجنوب الشرقي المغربي وإدموند بورك الذي كتب حول مغرب ما قبل الحماية، والبريطاني كينيث براون الذي اعتنى بتاريخ أهل سلا45.

2. محطة التاريخ لاجتمعي

برزت محطة ثانية، ضمن الباحثين المغاربة، اهتمت ب "التاريخ الاجتماعي"، وقد امتدت إلى بداية التسعينيات. وينبني هذا التوجه على انتقاد مزدوج تجاه المدرسة الاستعمارية، وتجاه التاريخ ذي النزعة الوطنية. من حيث المادة، لا يكتفي هذا التوجه بالوثائق المكتوبة، بل يستعمل كل ما يمكن الاستفادة منه؛ كالرواية الشفوية، والآداب الفقهية، والأرشيف، والآداب الأجنبية. ومن حيث المقاربة، يلح على الاهتمام بالجانب المحلي من التطورات الاجتماعية المختلفة، ومن ثم جاء تفضيل المونوغرافيا؛ فكان في هذا التوجه، بالنسبة إلى البعض على الأقل، استلهام للتاريخ المجهري أو الميكروستوريا Microstoria46السائدة آنئذ في إيطاليا. ومن حيث الحقول، وقع الاهتمام بتاريخ القبائل والواحات، والمدن وبعض القطاعات والمؤسسات. ومن النماذج المتألقة لهذا التوجه، أحمد توفيق وكتابه حول إينولتان47، والعربي مزين وبحثه حول تافيلايت48، وعبد الرحمان المودن ومؤلَّفه حول حوض إيناون49. إلا أن هذا التوجه، بعد الإنجازات المؤسسة المتميزة، سرعان ما أظهر جوانب من القصور يمكن إجمالها فيما يلي: تركُّز جل اهتمام الباحثين في العناية بالقرن التاسع عشر، وهو ما لا يوفر فرص المقارنة ولا مراكمة المعرفة التاريخية العمودية. الهروب مما يسميه العديد من الباحثين بالتنظير؛ أي طرح إشكاليات عامة يستنير البحث المجهري بها، ويساهم في تدقيق النظر فيها.

  1. E. Gellner, Saints of the Atlas (London: Weidenfeld & Nicolson, 1969).
  2. Cl. Geertz, Islam Observed: Religious Development in Morocco and Indonesia (Chicago & London: The University of Chicago Press,
  3. R. Dunn, Resistance in the Desert: Moroccan Responses to French Imperialism , 1881–1912 (Madison: University of Wisconsin Press, 1977); E. Burke III, Prélude to Protectorate in Morocco: Precolonial protest and résistance, 1860-1912 (Chicago & London: Univ. of Chicago Press, 1976); Kenneth L. Brown, People of Sale: Tradition and Change in a Moroccan City, 1830-1930 (Cambridge: Harvard University Press,
  4. نشأ التوجه المعروف بالتاريخ المجهري، أو الميكروستوريا، بإيطاليا خلال السبعينيات، وكان بمنزلة ردة فعل على التعميمات التي تسقط فيها المقاربات التاريخية المعتمدة على الوحدات الكبرى، كالبلد أو مجموعة من البلدان، ومن ثم اهتمَّ هذا التوجه بالوحدات الصغرى، مثل الأفراد والجماعات المحدودة أو الأحياء بالمدن أو القرى، وخاصة المهمشين الذين لا صوت لهم. ومن أبرز رواد هذه المقاربة جيوفاني ليفي Levi Giovanni، وكارلو كانزبور Ginzburg Carlo.
  5. أحمد التوفيق، المجتمع المغربي في القرن التاسع عشر (إينولتان 1850 - 1912)، ط 3 (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 2011).
  6. Larbi Mezzine, Le Tafilalt: Contribution à l'Histoire du Maroc au XVIIe et XVIIIe siècles (Rabat: Publications de la Faculté des Lettres et des Sciences Humaines, 1987).
  7. عبد الرحمان المودن، البوادي المغربية قبل الاستعمار: قبائل إيناون والمخزن بين القرن السادس عشر والتاسع عشر (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 1995.)

حصر المعرفة في منطقة، أو قطاع، تحت دعوى الدقة، إضافة إلى محاولة إقامة احتكار لمجال معين، وحقبة معينة، يعتبر الباحث نفسه المتخصص الوحيد فيهما من دون غيره. الاستنكاف عن محاورة الباحثين الآخرين المجاورين أو البعيدين؛ فأحرى أن يتم التفكير في إقامة الحوار مع العلوم الإنسانية الأخرى، أو البحث الأجنبي، حول المجتمع والتاريخ المغربيين. وهكذا سقط هذا التوجه في نهاية المطاف في بعض المبالغة، وتميز بالسهولة، وظهر عدد من الباحثين الذين لجؤوا إلى صياغة بحوث تتصف بالتكرار واستنساخ النماذج المتميزة الأولى، وأحيانًا يكون ذلك بكيفية صارخة، ولا سيما أن إنجاز هذه الأبحاث في معظمها كان شرطًا أساسيًا للترقية في المسلك الأكاديمي. والنتيجة أن هذا التوجه بدأ يصل، مع حدود التسعينيات، إلى درجة الإجهاد والفتور. ومن جهة أخرى، استمرت بعض التيارات التقليدية في العمل، أو عادت إلى الظهور في حلة جديدة؛ ومنها ظاهرة التحقيق، وإن كانت هذه الظاهرة نبهت على الأقل إلى أهمية المصادر الدفينة وإخراجها إلى الوجود، مع أن الأعمال التي تم إنجازها في هذا المستوى تحمل أحيانًا العديد من الأخطاء؛ ما يجعل الركون إليها من دون تحفظ محفوفًا بالمخاطر. وفي العقد الأخير من القرن الماضي، ظهرت بعض المبادرات الجديدة التي تحاول تجاوز الاختيار المونوغرافي؛ ومن بينها التاريخ العلائقي50، وتاريخ أوروبا، وتاريخ التغذية، وتاريخ الموت، والتاريخ والمجال، وهي محاولات ذات خصوبة كبيرة لأنها تحرص على التفاعل مع الأنثروبولوجيا وبقية العلوم الإنسانية الأخرى، ولكنها ما زالت لم تنتظم في توجه عام. وإلى جانب هذه الانفتاحات المختلفة، بزغت عناية متزايدة بتاريخ الزمن الراهن.

3 لاهتمم بالزمن الراهن.

لا بد من الانتباه إلى أهمية السياق الذي بزغ فيه هذا الاهتمام. فمنذ أواخر عهد الملك الراحل الحسن الثاني، ظهرت بعض مؤشرات الانفتاح؛ من خلال ازدياد قوة الحركة الحقوقية والسياسية بالداخل، والتحولات العالمية المتعلقة بحقوق الإنسان، إضافة إلى ترتيبات نهاية العهد، فجاءت حكومة التناوب بقيادة الزعيم اليساري عبد الرحمن اليوسفي سنة 1998 دليلً على المزيد من الانفتاح. وعند اعتلاء الملك محمد السادس العرش سنة 1999، ظهرت رغبة في القطع مع العهد السابق، وما عُرف ب "سنوات الرصاص"؛ أي سنوات التوتر بين الفرقاء السياسيين ولجوء النظام إلى السلطوية والقمع والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وهكذا أُطلق شعار "العهد الجديد"، واتُّخذت سلسلة من الإجراءات تفضي إلى إطلاق الحريات والتصالح بين الدولة والمجتمع، منها: مراجعة مدونة الأسرة (2004) في اتجاه تمكين أكبر للمرأة. تأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة (2004)، بهدف التدقيق في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وجبر الضرر بالنسبة إلى الضحايا. إنشاء المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب (2005)، وتخويله مهمة البحث في التاريخ المغربي بجميع حقبه، بما في ذلك الزمن الراهن، مع التأكيد أن البحث التاريخي هو من مسؤولية المؤرخين من دون تدخل من السلطة السياسية، وهو ما يفيد حرية البحث، وعدم التهيب من التنقيب في المثالب، إلى جانب التنويه بالمناقب.

  1. عبد الرحمان المودن، "جوانب من التاريخ العلائقي: المغرب والدولة العثمانية بين القرنين السادس عشر والثامن عشر"، مجلة أسطور للدراسات التاريخية، العدد 8 (تموز/ يوليو 2018)، ص 50 - 59.

إصدار قانون الأرشيف (2007)، وتأسيس أرشيف المغرب (2011)، المكلف بحفظ الأرشيفات العمومية ووضعها في خدمة الباحثين. ومن بين ما تقوم به هذه المؤسسة أيضًا السعي إلى حيازة الأرشيفات الخاصة وحفظها، وهي التي تزخر بالمعطيات المتعلقة بالتاريخ القريب. من ذلك مثلً أنها حازت مؤخرًا أرشيف الراحل محمد العربي المساري، الذي يغطي فترة المغرب في عهد الاستقلال. تأسيس مركز الأبحاث الخاصة بالزمن الحاضر بكلية الآداب والعلوم الإنسانية (2013)، على عهد العميد عبد الرحيم بنحادة. وقد كان من المنتظر من هذا المركز أن يعطي دفعة قوية للبحث في هذا الميدان، وإن كانت النتائج قد جاءت دون المستوى المتوقع إلى حد الآن. لقد تزامنت هذه الإجراءات مع طلب متزايد في المجتمع على فهم التاريخ القريب للتمكن من متابعة التقلبات السريعة للمجال السياسي. وفي هذا الخضم، ارتفع الاهتمام بالتاريخ والسياسة لدى فئات واسعة من المجتمع، وبوجه خاص لدى شرائح عريضة من الشباب، بفضل الفورة الإعلامية؛ عبر تعدد الإذاعات الخاصة، والصحافة الإلكترونية، والمواقع الخاصة، وصفحات التواصل الاجتماعي المختلفة. وقد استفادت هذه الفورة الإعلامية من انتشار الهواتف المحمولة؛ إذ إن عددها يفوق عدد السكان بالمغرب مرةً ونصف المرة (عدد السكان نحو 34 مليون نسمة سنة 2017، مقابل نحو 45 مليون جهاز هاتف بحسب الأرقام الرسمية التي لا تأخذ في الاعتبار العدد الكبير من الهواتف المتداولة بصفة غير نظامية)، أضف إلى كل هذا الوصول إلى القنوات الفضائية العالمية بكل يسر، حتى في أعمق الأودية والجبال في المغرب العميق؛ بفضل تعميم الكهرباء بنسبة شبه كاملة. والنتيجة أننا بدأنا نعاين مزيدًا من الاهتمام بالزمن الراهن لدى المؤرخين. ففي السابق كانوا يتوقفون عند سنة 1956، أي عند استقلال المغرب، ويهتم معظمهم بتاريخ القرن التاسع عشر، كما ذكرنا سابقًا، بل إن عددًا من السوسيولوجيين وعلماء السياسة لجؤوا إلى البحث في القرن نفسه؛ لكي يأمنوا مخاطر البحث في القضايا الراهنة على عهد الملك الراحل. أما اليوم فقد اقتحم عدد من المؤرخين البحث في الزمن الراهن وأصبحوا يضايقون الباحثين في العلوم السياسية والسوسيولوجيا والحقوق. ومن المثير أن يكون بعض المؤرخين قد تحولوا أيضًا إلى خبراء في القضايا الراهنة، فصاروا يظهرون على شاشات التلفزيون، ويدلون بدلوهم في تحليل تطورات الشأن الراهن المحلي والدولي. وفي مستوى الإنتاج، ظهرت بعض الإصدارات التي تتصدى للموضوع، منها: ندوة التاريخ الحاضر ومهام المؤرخ51 بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط. أعمال المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، الذي أصدر المؤلف الجماعي تاريخ المغرب: تحيين وتركيب52، ويمتد التحليل التاريخي فيه إلى سنة 1999. ندوة في موضوع المغرب والزمن الراهن من نشر المعهد نفسه. من خلال معاينة هذه العناوين، نستشف بعض الإشكالات التي تكتنف هذا التوجه؛ بحيث إن التسمية نفسها لم تنَل بعدُ التوافق المطلوب: أهو تاريخ الزمن الراهن أم تاريخ الحاضر أم التاريخ المباشر؟ وما هي الحدود الزمنية لهذا التاريخ؟ ثم ما هو الاختلاف بين المؤرخ وعالم السياسة أو السوسيولوجي؟ وما هي الإضافة من خلال مقاربته الخاصة؟ وهل تتوفر له الأدوات الكافية لتتبع التقلبات المتسارعة؟ ومن ناحية أخرى، ما هي الحقول التي يغطيها؟ أهو مجال السياسة بامتياز، أم مجال الاقتصاد والمجتمع، أم ميدان الثقافة والفكر؟

  1. التاريخ الحاضر ومهام المؤرخ، تنسيق محمد كنبيب (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 2009.)
  2. تاريخ المغرب: تحيين وتركيب، إشراف وتقديم محمد القبلي (الرباط: منشورات المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، 2011 - 2012.)
  3. المغرب والزمن الراهن، تنسيق عبد الرحمان المودن (الرباط: منشورات المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، 2013.)

مهما تكن الأجوبة عن هذه الأسئلة، من الواضح أن تعميقها وتطوير مُخرجاتها لا يمكن أن يحصلا إلا في مناخ يتميز بالانفتاح وشفافية المؤسسات وديمقراطية المعلومة. والحال أن مغرب اليوم يقدم صورًا متباينة وقد تكون متناقضة. فهل يستمر في ترسيخ المكتسبات الديمقراطية التي ميزته منذ أن تمكن من تدبير حقبة ما سمي "الربيع العربي" بمرونة وذكاء، وهو ما جنّب البلاد الانفجارات والصراعات المشاهدة في بلدان عربية أخرى؟ وهل يعبر الانتظام النسبي للانتخابات منذ سنة 2011، مع ابتعادها عن التزوير المكشوف، عن الرغبة في القطع النهائي مع ممارسات هندسة المشهد السياسي التي سادت خلال "سنوات الرصاص"؟ أم أن حقبة الانفراج السياسي والبناء المؤسساتي التي عاشها المغرب خلال الفترة 2011 - 2016 لم تكن سوى "قوس" قد يتم غلقه في أول مناسبة؟ من المؤكد أن انتعاش البحث في مختلف قضايا التاريخ، بما فيها قضايا الزمن الراهن، لا يمكن أن يحصل إلا في إطار يرسخ دولة المؤسسات، ويضمن حرية التفكير والتعبير.

خاتمة

مما لا شك فيه أن الكتابة التاريخية تشبه، إلى حد بعيد، طائر الفينيق phoenix الأسطوري، الذي كلما شاخ وبلغ نهاية عمره يحترق فيتولد عن وفاته طائر جديد يستمر مدةً من الزمن. فقد رأينا أن الكتابة التاريخية في العصور الإسلامية الأولى ساهمت بنصيب وافر في تدعيم العلوم الشرعية، ثم اتجهت بالتدريج إلى تدوين آثار الملوك والحكام، وتقلبات دولهم خلال حقب طويلة لم تزاحمها فيها أي صيغ بديلة، إلى أن جاء الاستعمار وأحضر، إلى جانب جنوده وإدارته ومؤسساته العقلانية، مناهج جديدة في البحث في ميادين العلوم الاجتماعية، من ضمنها أحدث ما كان متوفرًا في حقل الكتابة التاريخية؛ فكان على المهتمين بالتاريخ من أبناء الوطن المستعمَر أن يتأقلموا مع المناهج الجديدة حتى إن كان العديد منهم قد استمر في التشبث بالمقاربات التقليدية المألوفة. إلا أن هذا التأقلم الواضح لم يتم إلا في عهد الاستقلال؛ حيث ربط الباحثون أعمالهم بمستجدات المناهج الموجودة في أوروبا وأميركا. فلم يكن غريبًا على عدد من الباحثين أن يوظفوا مناهج الاقتصاد والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والعلوم السياسية في أبحاثهم، متماهين في ذلك مع ما كانت المدارس المنهجية تعرفه من تطورات على الصعيد العالمي، ومع ما صارت متطلبات المجتمع المغربي تفرضه على العلوم الإنسانية والاجتماعية من تجديد في الرؤية وجرأة في التناول، لا سيما بعد بزوغ مرحلة جديدة خلال القرن الواحد والعشرين، وبلوغ رياح الربيع العربي إلى مدن وقرى المغرب وما خلفه ذلك من مطالبة بالدمقرطة والمأسسة. كل هذا فتح الباب واسعًا أمام اهتمامات الجيل الجديد من المؤرخين الذين صاروا يقتحمون شتى الحقول ومختلف الحقب بما في ذلك وقائع الزمن الراهن. إلا أن خصوبة البحث التاريخي كما هو معلوم ترتبط بكيفية وثيقة بانتشارٍ ورسوخٍ لمناخ من الحريات العامة التي تشجع البحث والإبداع. وبالنظر إلى التطورات السياسية والاجتماعية الحاصلة بالمغرب في السنين الأخيرة، لا يمكن للمرء إلا أن يتساءل: أيتمكن المؤرخ من تعميق تجاربه الانفتاحية الأخيرة، أم يضطر إلى النكوص على غرار ما يبدو أنه أصاب مستويات أخرى بالبلاد من أنشطة سياسية واجتماعية وثقافية؟

  1. تُعرَّب هذه الكلمة في أحيان كثيرة ب "العنقاء" نظرًا إلى ارتباط كل من الأسطورة العربية من جهة، والأسطورة المصرية – اليونانية - الرومانية من جهة أخرى، بطائر خرافي جميل ابتدعته الثقافة الشعبية في كل دائرة ثقافية على حدة. على أن ثمة اختلافات جوهرية بين العنقاء والفينيق؛ فالعنقاء تتميز بضخامتها وبكونها تأخذ كل ما تختطفه، في حين يتميز الفينيق أساسًا بكونه يعود إلى الحياة كلما هرم وأصابه الفناء.

المراجع

العربية

ابن خلدون، عبد الرحمن. ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر. تحقيق خليل شحادة. بيروت: دار الفكر، 1981.

ابن زيدان، عبد الرحمن. إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس. القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 2008.

ابن سودة، عبد السلام بن عبد القادر. إتحاف المطالع بوفيات أعلام القرن الثالث عشر والرابع. في: موسوعة أعلام المغرب. تحقيق وتنسيق محمد حجي. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1996.

الإفراني، محمد الصغير بن الحاج. نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي. تحقيق عبد اللطيف الشادلي. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1998.

البحث في تاريخ المغرب: حصيلة وتقويم. تنسيق محمد كنبيب ومحمد المنصور وعبد الأحد السبتي. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 1989.

بروفنصال، ليفي. مؤرخو الشرفاء. تعريب عبد القادر الخلادي. الرباط: دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر، 1977.

التاريخ الحاضر ومهام المؤرخ. تنسيق محمد كنبيب. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 2009.

تاريخ المغرب: تحيين وتركيب. إشراف وتقديم محمد القبلي. الرباط: منشورات المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، 2011 - 2012. التوفيق، أحمد. المجتمع المغربي في القرن التاسع عشر (إينولتان 1850 - 1912). ط 3. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 2011.

حبيدة، محمد. كتابة التاريخ: قراءات وتأويلات. الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2013.

"خمسون سنة من البحث التاريخي في المغرب". تنسيقعبد الرحمان المودن. مجلة البحث التاريخي. العددان 7 - 8 (2009 - 2010.) الرباطي، محمد الضعيف. تاريخ الضعيف (تاريخ الدولة السعيدة). تحقيق أحمد العماري. الرباط: دار المأثورات، 1986.

الريفي، عبد الكريم بن موسى. زهر الأكم. تحقيق آسية بنعدادة. الرباط: مطبعة المعارف الجديدة، 1992.

الزياني، أبو القاسم. البستان الظريف في دولة أولاد مولاي الشريف. دراسة وتحقيق رشيد الزاوية. الرباط: مطبعة المعارف الجديدة، 1992. السبتي، عبد الأحد. الماضي المتعدد: قراءات ومحاورات تاريخية. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2015.

الشفشاوني، محمد بن عسكر الحسني. دوحة الناشر لمحاسن مَن كان بالمغرب من مشايخ القرن العاشر [القرن السادس عشر.] تحقيق محمد حجي. الرباط: مطبوعات دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر، 1977.

العروي، عبد الله. مجمل تاريخ المغرب. ط 5. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2007.

. مفهوم التاريخ. ط 5. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2012.

References

الثقافي العربي، 2016.

عياش، جرمان. دراسات في تاريخ المغرب. الرباط: الشركة المغربية للناشرين المتحدين، 1986.

الفاسي، علال. الحركات الاستقلالية في المغرب العربي. ط 6. الرباط: مؤسسة علال الفاسي، 2003.

منصور. ط 2. الرباط: المطبعة الملكية، 1999.

الإسلامية والثقافة، [د.ت.].

الطالب، 1977 - 1986.

هنية. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 2007.

وآخرين. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1985.

المغرب والزمن الراهن. تنسيق عبد الرحمان المودن. الرباط: منشورات المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، 2013.

المنوني، محمد. مظاهر يقظة المغرب الحديث. الرباط: الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، 1985.

منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 1995.

للدراسات التاريخية. العدد 8 (تموز/ يوليو 2018).

الكتاب، 1997.

الأجنبية

. الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية 1830 - 12 19. ترجمة محمد حاتمي ومحمد جادور. الدار البيضاء: المركز الفاسي، علي بن أبي زرع. الأنيس المُطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس. راجعه عبد الوهاب بن الفشتالي، عبد العزيز. مناهل الصفا في مآثر موالينا الشرفا. تحقيق عبد الكريم كريم. الرباط: مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون القادري، محمد بين الطيب. نشر المثاني لأهل القرن الحادي عشر والثاني. تحقيق محمد حجي وأحمد التوفيق. الرباط: مكتبة الكتابات التاريخية في المغارب، الهوية والذاكرة والإسطوغرافيا. تنسيق عبد الرحمان المودن وعبد الرحيم بنحادة وعبد الحميد المراكشي، ابن عذاري. البيان المُغرب في اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب - قسم الموحدين. تحقيق محمد إبراهيم الكتاني المودن، عبد الرحمان. البوادي المغربية قبل الاستعمار: قبائل إيناون والمخزن بين القرن السادس عشر والتاسع عشر. الرباط:. "جوانب من التاريخ العلائقي: المغرب والدولة العثمانية بين القرنين السادس عشر والثامن عشر". مجلة أسطور الناصري، أحمد بن خالد. كتاب الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى. تحقيق جعفر الناصري ومحمد الناصري. الدار البيضاء: دار

• Al-Qadiri, Muhammad. Nashr al-Mathani: The Chronicles. Norman Cigar (trans.). London: Oxford University

Press, 1981.

• Berque, J. Structures sociales du Haut-Atlas. Paris: PUF, 1955.

• Braudel, Fernand. Ecrits sur l'Histoire. Paris: Flammarion, 1969.

• Brown, L. Kenneth. People of Sale: Tradition and Change in a Moroccan City, 1830-1930. Cambridge: Harvard

University Press, 1976.

• Burke III, E. Prélude to Protectorate in Morocco: Precolonial protest and résistance, 1860-1912. Chicago &

London: Univ. of Chicago Press, 1976.

•. The Ethnographic State: France and the Invention of Moroccan Islam. Oakland, California: University

of California Press, 2014.

• Comte, Gilbert. L'Empire triomphant: 1871-1936. Paris: Denoël, 1988.

• Dunn, R. Resistance in the Desert: Moroccan Responses to French Imperialism , 1881–1912. Madison: University

of Wisconsin Press, 1977.

• Geertz, Cl. Islam Observed: Religious Development in Morocco and Indonesia. Chicago & London: The

University of Chicago Press, 1968.

• Gellner, E. Saints of the Atlas. London: Weidenfeld & Nicolson, 1969.

• Laroui, Abdallah. L'Histoire du Maghreb: Un essai de synthèse. Paris: François Maspéro, 1970.

•. Philosophie et Histoire. Casablanca: La Croisée des chemins, 2017.

• Mezzine, Larbi. Le Tafilalt. Contribution à l'Histoire du Maroc au XVIIe et XVIIIe siècles. Rabat: Publications de

la Faculté des Lettres et des Sciences Humaines, 1987.

• Michaux-Bellaire, E. “L'organisme marocain.” Revue du monde musulman. no. 9 (1909).

• Montagne, R. Les Berbères et le Makhzen dans le sud du Maroc: Essai sur la transformation politique des

Berbères sédentaires (groupe chleuh). Paris: Felix Alcan, 1930.

• Renan, Ernest. Réforme intellectuelle et morale. Paris: Callmann Lévy, 1871.

• Terrasse, H. Histoire du Maroc: Des origines à l'établissement du Protectorat français. Casablanca: Editions

Atlantides, 1949-1950.