العودة إلى تفاصيل المؤلَّف دور الحزب الشيوعي الإسرائيلي في النكبة

دور الحزب الشيوعي الإسرائيلي في النكبة

Role of the Israeli Communist Party in the Nakba

محمود محارب*Mahmoud

Muhareb

الملخّص

تبحث هذه الدراسة في دور الحزب الشيوعي الإسرائيلي في النكبة سنة 1948 استنادًا إلى وثائقه. وتقف عند العوامل الأساسية التي ساهمت في دعمه، عشية حرب 1948، إنشاءَ دولةٍ للمستوطنين الكولونياليين الصهيونيين اليهود في فلسطين ضد إرادة أصحابها الشرعيين وعلى حسابهم. وتتابع الدراسة كيفية انخراطه وعمله في جميع المجالات الفكرية والسياسية والعسكرية والإعلامية والأممية لتحقيق هذا الهدف. كما تعالج تجاهل الحزب الشيوعي الإسرائيلي الطبيعة الكولونيالية الإحلالية والإجلائية للحركة الصهيونية وتحالفها المتين مع الدول الاستعمارية، وتجاهله هدف الصهيونية ونشاطها لطرد الشعب الفلسطيني من أرضه، وتسويغه سعيها لإقامة الدولة اليهودية على حسابه بأنه "نضال من أجل التحرر القومي ومن أجل الاستقلال"، ونفيه في الوقت نفسه حق الشعب العربي الفلسطيني في الدفاع عن وطنه، ووقوفه ضد الحركة الوطنية الفلسطينية، وادعاءه أنها "عميلة للاستعمار"، وأن المقاتلين الفلسطينيين والعرب ما هم إلا "عصابات مأجورة" و"قتلة" و"خدم" الاستعمار.

Abstract

Based on Israeli Communist Party documents, this paper discusses the role of the party in the Nakba. It focuses on the main factors that contributed to the party's support, on the eve of the 1948 war, to the creation of a state for colonialist Zionist Jewish settlers in Palestine against the will, and at the expense, of its legitimate owners. This paper further highlights the party's involvement and activity in all intellectual, political, military, media and international fields. It notes how the party ignored the settler colonialist nature of the Zionist movement through uprooting the indigenous population and its strong ties with the colonial powers. The Israeli Communist Party disregarded Zionism's goal to expel the Palestinians from their land, thus justifying its aim to establish a Jewish state at the expense of the Palestinian people under the banner of a “struggle for national liberation and independence”. Simultaneously, the Israeli Communist Party denied the right of the Palestinian people to defend its land and stood against the national Palestinian movement describing it as “an agent for colonialism” and referring to Palestinians and Arab fighters as “mercenary bands”, “murderers”, and “servants” of colonialism.

الكلمات المفتاحية:
  • النكبة
  • الكولونيالية
  • الهاغاناه
  • الحزب الشيوعي
  • شموئيل ميكونيس
  • مئير فلنر
Keywords:
  • Communism
  • Communist Party
  • Haganah
  • the Nakba
  • Shmuel Mikonis
  • Meir Flanner
  • Colonialism

أولً: خلفية تاريخية

يتفق الباحثون على أن جذور الحركة الشيوعية في فلسطين تعود إلى اليسار الصهيوني. ففي سنة 1919 أسس مستوطنون يهود صهيونيون في فلسطين "حزب العمال الاشتراكي" (مبس) على إثر انشقاقهم عن "حزب عمال صهيون" في فلسطين. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 1919 عقد هذا الحزب أول مؤتمر عامّ له، سيعتبره الحزب الشيوعي الفلسطيني لاحقًا أول مؤتمر له1. وفي سنة 1920 أضاف الحزب إلى اسمه كلمة "العبريين"، فأصبح "حزب العمال الاشتراكيين العبريين" (مبسي)2. وشهد هذا الحزب في السنوات الثلاث التالية عدة انشقاقات، إلى أن توحّد في سنة 1923، بعد توسط الأممية الشيوعية (الثالثة)، (الكومنترن)، تحت اسم الحزب الشيوعي الفلسطيني3. انضم أول عربي إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني في سنة 1923، بيْد أن الحزب فشل لأسباب ذاتية وموضوعية في تعريب نفسه، وظلّ عدد العرب المنخرطين في صفوفه حتى بداية الثلاثينيات ضئيلً جدًا. فوجئ الحزب الشيوعي بثورة 1929 في فلسطين وفشل في قراءتها وعدّها مذبحة "بوغروم" ضد اليهود، وبذلك تماهى موقفه منها مع موقف الحركة الصهيونية، ولم يرَ فيها أي جوانب ثورية، ما حدا بالكومنترن إلى التدخّل مرارًا لتصويب موقف الحزب وفرض التعريب عليه من "القمة إلى الأسفل". في أواخر سنة 1929 حلّ الكومنترن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الفلسطيني، وشكّل لجنة مركزية جديدة مكونة من ثلاثة من العرب ويهوديَيّن إلى جانب الأمين العام للحزب الشيوعي الفلسطيني نجاتي صدقي4. وفي بداية سنة 1931، عقد الحزب الشيوعي الفلسطيني مؤتمره العام السابع الذي عُدّ نقطة تحول في تاريخ الحزب، إذ طوّر هذا المؤتمر موقف الحزب، ووضع وفقًا لتعليمات الكومنترن وتحليلاته المباشرة تحليلً أعمق للحركة الصهيونية وللحركة القومية العربية وللصراع الطبقي ولأساليب النضال. فإلى جانب إقراره بأن الحركة الصهيونية كانت أداة في يد الإمبريالية البريطانية، أكّد المؤتمر العام أن الحركة الصهيونية تهدف إلى إقامة دولة يهودية على حساب الجماهير العربية من خلال استعمار فلسطين، وأشار إلى أن الاستعمار الصهيوني لفلسطين كان يمر بثلاث مراحل؛ الأولى، هجرة يهودية كبيرة من مختلف أنحاء العالم إلى فلسطين بمساعدة الإمبريالية البريطانية. والثانية، انتزاع الأراضي العربية من خلال طرد الفلاحين الفلسطينيين من أرضهم، ليستعمرها المستوطنون اليهود الصهيونيون. والثالثة، خلق امتيازات لمجتمع المستوطنين الصهيونيين في فلسطين. وأوضح المؤتمر العام أن كل فرد تقريبًا في المجتمع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين يتمتع بامتيازات، بمن في ذلك المزارعون والعمال اليهود الذين كان دخلهم يبلغ أربعة أضعاف دخل المزارعين العرب، وقارن دورهم السياسي بدور الكولاك المضاد للثورة. وحلل المؤتمر السابع، بعمق، وضع الطبقة العاملة في مجتمع المستوطنين اليهود في فلسطين، وأكد أنها كانت تتمتع بفرص عمل وظروف أفضل من الطبقة العاملة العربية. وفي ما يخص مشاركة الطبقة العاملة اليهودية في النضال ضد الإمبريالية والصهيونية، أكد المؤتمر أن العمال اليهود لن يدركوا أن عليهم إما ترْك المعسكر الإمبريالي، ما يعني الهجرة من فلسطين، وإما الانضمام إلى المعسكر الثوري، إلا إذا فقدوا امتيازاتهم. وأكد المؤتمر أن جماهير الفلاحين والعمال العرب الفلسطينيين هي التي تشكل الغالبية العظمى من سكان فلسطين، وهي

  1. بيرتس مرحاف، تاريخ الحركة العمالية في أرض إسرائيل: التطور الفكري السياسي (مرحافيا: هاكيبوتس هآرتسي، 1967)، ص 83 (بالعبرية.)
  2. اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الإسرائيلي، خمسون سنة لتأسيس الحزب الشيوعي في البلاد (حيفا: الحزب الشيوعي الإسرائيلي، 1970)، ص 35 (بالعبرية.)
  3. محمود محارب، الحزب الشيوعي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية 1948 - 1981: دراسة نقدية (القدس المحتلة: [د.ن].، 1989)، ص  12.
  4. سميح سمارة، العمل الشيوعي في فلسطين: الطبقة والشعب في مواجهة الكولونيالية (بيروت: دار الفارابي، 1979)، ص 157. للمزيد عن دور الكومنترن في تعريب الحزب الشيوعي الفلسطيني، انظر: المرجع نفسه، ص 169 - 176.

التي تشكّل قاعدة النضال الثوري ضد الإمبريالية البريطانية والصهيونية وكبار الملاكين العرب. وأشار المؤتمر إلى أن أشكال النضال التقليدية السلمية لم تعد تكفي وحدها، ودعا إلى القيام بالثورة المسلحة بقيادة الطبقة العاملة5. ويبدو أن قسمًا كبيرًا من المستوطنين اليهود أعضاء الحزب لم يهضم قرارات المؤتمر؛ فعند انطلاق ثورة 1936 – 1939 في فلسطين، أيّدتها قيادة الحزب الشيوعي الفلسطيني، ولكن سرعان ما دبّ الخلاف بين الأعضاء العرب الفلسطينيين والمستوطنين اليهود في الحزب بشأن الثورة في فلسطين، وتوترت العلاقات بين الجانبين، ما أدى إلى سماح قيادة الحزب للمستوطنين اليهود في داخل الحزب بأن ينظموا أنفسهم تنظيمًا مستقلً. وقد توسّع الخلاف والصراع بين العرب الفلسطينيين والمستوطنين اليهود في داخل الحزب في أواخر الثلاثينيات وبداية الأربعينيات، بشأن المسألة القومية في فلسطين، ودار حول عدة مواضيع رئيسة، هي: الموقف من الحركة الوطنية الفلسطينية ومن أساليب النضال ومن تقويم ثورة 1936، والموقف من الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وإذا ما كان المستوطنون اليهود في فلسطين يشكّلون أمة، ولهم حقوق قومية تقدمية لا تتناقض مع حقوق الشعب العربي الفلسطيني القومية، ومدى وجود عناصر تقدمية داخل الحركة الصهيونية وإمكانية التحالف معها6. أسفر الصراع الداخلي بين العرب الفلسطينيين والمستوطنين اليهود في داخل الحزب الشيوعي الفلسطيني عن انقسامه نهائيًا في سنة 1944 إلى حزبين. وفي حين أعاد المستوطنون اليهود أعضاء الحزب تنظيم أنفسهم بقيادة شموئيل ميكونيس7، الأمين العام للحزب حتى الانشقاق في الحزب في سنة 1965، ومئير فلنر8، الرجل الثاني في الحزب الذي أصبح أمينًا عامًّا للحزب الشيوعي الإسرائيلي في سنة 1965، واحتفظوا باسم الحزب الشيوعي الفلسطيني، نظّم الشيوعيون الفلسطينيون في أواخر سنة 1943 أنفسهم في "عصبة التحرر الوطني". عقد الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي اقتصرت عضويته على المستوطنين اليهود الشيوعيين فقط، كما كان الوضع عليه في السنوات الأولى لتأسيسه، المؤتمر العام الثامن للحزب الشيوعي الفلسطيني في سنة 1944. وقد تناقضت قرارات هذا المؤتمر مع قرارات المؤتمر السابع للحزب الشيوعي الفلسطيني الذي عُقد في سنة 1931، واقتربت كثيرًا من مواقف الحركة الصهيونية، ولا سيما في ما يتعلق بالهجرة اليهودية إلى فلسطين، وبناء الوطن القومي اليهودي والموقف من الشعب العربي الفلسطيني وحقوقه القومية. وقد عارضت قرارات المؤتمر الثامن للحزب، تمامًا كما عارضته الحركة الصهيونية بشدة، "الكتاب الأبيض" البريطاني الذي صدر في أيار/ مايو 1939، وحدّ من الهجرة اليهودية إلى فلسطين ومن امتلاك الحركة الصهيونية الأراضي العربية. واعترف المؤتمر كذلك بالمستوطنين اليهود في فلسطين بوصفهم أقلية قومية لها حقوق جماعية في فلسطين9.

  1. قرارات المؤتمر السابع للحزب الشيوعي الفلسطيني"، في: إلياس مرقص (ترجمة وإعدادًا)، الأممية الشيوعية والثورة العربية: الكفاح ضد الإمبريالية، الوحدة، فلسطين، وثائق 1931 (بيروت: دار الحقيقة، 1970)، ص 121 - 173.
  2. محارب، ص 18.
  3. ولد شموئيل ميكونيس (1903 - 1982) في أوكرانيا لعائلة يهودية متدينة، وانضم في صغره إلى حركة "هحلوتس" الصهيونية، وهاجر من خلالها واستوطن في فلسطين في سنة 1921. تعلّم الهندسة في فرنسا، وفي سنوات 1933 – 1945 عمل مهندسًا في شركة "شل"، وبنى خلال وظيفته هذه قواعد عسكرية، وشقّ شوارع للجيش البريطاني في فلسطين. انضم في سنة 1939 إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني وأصبح أمينه العام في سنة 1944 بعد الانقسام الذي حصل في الحزب بين اليهود والعرب في ذلك العام. ظل أمينًا عامًّا للحزب الشيوعي، الذي غيّ اسمه إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي بعد قيام إسرائيل، حتى انشقاق الحزب الشيوعي الإسرائيلي في سنة 1965.
  4. ولد مئير فلنر (1918 - 2003) في مدينة فيلنا في ليتوانيا. انضم في فيلنا إلى حركة "هشومير هتسعير" اليسارية الصهيونية، وهاجر من خلالها إلى فلسطين واستوطن فيها في سنة 1938. تعلّم في الجامعة العبرية في القدس وانضم إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني في سنة 1940، وأصبح في سنة 1943 سكرتير فرع الحزب الشيوعي في القدس. وفي سنة 1944 أصبح الرجل الثاني في الحزب الشيوعي الفلسطيني بعد شموئيل ميكونيس. ومئير فلنر هو الذي وقّع وثيقة استقلال إسرائيل في سنة 1948 عن الحزب الشيوعي الإسرائيلي. وبعد انشقاق الحزب الشيوعي الإسرائيلي في سنة 1965 وخروج ميكونيس منه، أصبح مئير فلنر أمينًا عامًا للحزب الشيوعي الإسرائيلي.
  5. محارب، ص 19.

وفي مؤتمره التاسع الذي عُقد في سنة 1945، اقترب الحزب الشيوعي الفلسطيني، بقيادة شموئيل ميكونيس ومئير فلنر، أكثر فأكثر نحو صلب الصهيونية ونحو هدفها المركزي؛ وهو إنشاء وطن قومي يهودي في فلسطين، ولكن من دون أن يتبنّى الصهيونية رسميًا. ليس هذا فحسب، بل نادى الحزب بفتح أبواب الهجرة اليهودية إلى فلسطين وتسهيل عملية الاستيطان فيها؛ فقد دعا ميكونيس في المؤتمر التاسع للحزب الشيوعي إلى "التطور الحر للوطن القومي اليهودي"، وإلى "النضال من أجل تطوير الوطن القومي اليهودي"، وأكد أن الحزب الشيوعي الفلسطيني يعتبر "الييشوف"10 اليهودي جزءًا لا يتجزأ من سكان فلسطين، وفي الوقت نفسه، جزءًا من الشعب اليهودي في العالم. وشرح مفهوم الحزب الشيوعي للوطن القومي اليهودي، فأكد أن الوطن القومي اليهودي يعني منح إمكانية للييشوف اليهودي لتطوير حياته الاقتصادية في مجالات الزراعة والصناعة والملاحة والتجارة... إلخ، وكذلك تطوير حياته القومية والثقافية على أسس التقدمية وأخوة الشعوب، ويعني إلغاء القوانين المعادية لليهود التي وردت في "الكتاب الأبيض" في ما يخص الهجرة اليهودية والاستيطان، ويعني أيضًا الحق في تطوير مؤسسات الحكم القومي الذاتي، ابتداء من السلطات المحلية وانتهاء باللجنة القومية11، في جميع القضايا الداخلية للييشوف اليهودي12. وأقر الحزب الشيوعي الفلسطيني في مؤتمرة العاشر الذي عقده في سنة 1946 بأن "الوطن القومي اليهودي بات حقيقة"، وبأن "وجود أمتين في فلسطين لم يعد بالإمكان تجاهله"، ودعا إلى إقامة دولة ثنائية القومية في فلسطين13. وخلاصة القول، غيّ الحزب الشيوعي الفلسطيني الجديد، الذي انبثق من المؤتمر الثامن للحزب الشيوعي الفلسطيني بقيادة ميكونيس وفلنر، والذي اقتصرت عضويته على المستوطنين الشيوعيين اليهود، شيئًا فشيئًا من سياسته، وتحرّك بوضوح نحو الصهيونية ونحو تحقيق أهدافها، ولكن من دون أن يتبنّى الصهيونية رسميًا. واستبدل مصطلح الصهيونية بمصطلحات تؤدي المعنى نفسه مثل "القومية اليهودية" و"الوطنية اليهودية" و"الوطنية الإسرائيلية". وإلى جانب تغيير مضمون سياسته السابقة وتبنّيه مضامين الأهداف الصهيونية، أخذ الحزب الشيوعي الفلسطيني يستعمل اللغة والمصطلحات الصهيونية. وقادته هذه التغييرات إلى تغيير اسمه في أيار/ مايو 1947 من الحزب الشيوعي الفلسطيني إلى "الحزب الشيوعي الأرض - إسرائيلي". وشرع في استعمال المصطلحات الصهيونية، فذكر فلسطين في نشراته العبرية ب "أرض إسرائيل"، وذكر الشعب العربي الفلسطيني ب "عرب أرض إسرائيل". وفي اليوم نفسه الذي أعلن فيه بن غوريون عن تأسيس دولة إسرائيل، غيّ الحزب اسمه مرة أخرى من "الحزب الشيوعي الأرض - إسرائيلي" ليصبح "الحزب الشيوعي الإسرائيلي"14.

  1. تعني كلمة "الييشوف" بالعبرية مستوطنة أو استيطانًا، وتطلق مجازًا على مجتمع المستوطنين اليهود في فلسطين قبل تأسيس إسرائيل سنة 1948.
  2. اللجنة القومية، بالعبرية "هفاعد هليؤومي"، هي القيادة الرسمية لمجتمع المستوطنين اليهود في فلسطين حينئذ.
  3. شموئيل ميكونيس، "نحو المؤتمر التاسع للحزب"، في: شموئيل ميكونيس، عواصف الزمن (تل أبيب: اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الإسرائيلي، 1969)، ص 35 - 45 (بالعبرية.)
  4. كلمة مئير فلنر في المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي الفلسطيني"، كول هعام، 5 / 12 / 1946. صحيفة كول هعام (صوت الشعب) هي لسان حال الحزب الشيوعي الإسرائيلي باللغة العبرية، بدأت في الصدور سنة 1937 بوصفها نشرة شهرية، ثم تحولت سنة 1942 إلى أسبوعية. وفي كانون الأول/ ديسمبر 1944 منحت سلطات الانتداب البريطاني صحيفة كول هعامتصريحًا للصدور، فأخذت تصدر منذ 20 كانون الأول/ ديسمبر 1944 بشكل قانوني، وفي شباط/ فبراير 1947 تحوّلت كول هعامإلى صحيفة يومية، وظلت لسان حال الحزب الشيوعي الإسرائيلي حتى انشقاق الحزب الشيوعي سنة 1965.
  5. إعلان الحزب الشيوعي"، كول هعام، 16 / 5 / 1948.

ثانيًا: فرض الدولة اليهودية بقوة السلاح

الحزب إلى ذلك، وأهمها:

على حساب الشعب العربي الفلسطيني وعلى أنقاضه. ازدياد تأثير الأيديولوجيا الصهيونية في الحزب، ولا سيما عشية الحرب العالمية الثانية وخلالها وبعدها.

موقف الاتحاد السوفياتي الداعم لإنشاء الدولة اليهودية. إصدار الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار التقسيم في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1947.

جميع القوى لخوض حرب إقامة الدولة اليهودية المستقلة15. لم يكن دعم الحزب الشيوعي، بقيادة ميكونيس وفلنر، لإقامة دولة للمستوطنين اليهود في فلسطين مفاجئًا تمامًا، بل جاء تتويجًا للتغيير الذي حدث في الحزب تدريجيًا، ولا سيما منذ مؤتمره العام الثامن في سنة 1944. لقد ساهمت مجموعة من العوامل في وصول

الخلفية الصهيونية للحزب وواقع وجوده في فلسطين بوصفه جزءًا من حركة كولونيالية استيطانية إحلالية تسعى لإقامة دولة يهودية

إدراك قيادة الحزب أن باستطاعة المنظمات العسكرية الصهيونية، وخاصة الهاغاناه، فرض الدولة اليهودية في فلسطين بالقوة العسكرية.

وفي اليوم الذي صدر فيه قرار التقسيم أعلن الحزب الشيوعي تأييده هذا القرار، ودعا أمينه العام، شموئيل ميكونيس، إلى اجتماع عاجل مع إدارة اللجنة القومية، لبحث قضايا الأمن. وأبلغ ميكونيس في هذا الاجتماع رئيسَ اللجنة القومية، دافيدريمز، موقف الحزب الشيوعي الداعي إلى حشد القوى الشعبية المقاتلة وتعبئتها، الميليشيا، من أجل إقامة الدولة اليهودية المستقلة16. ووضّح ميكونيس، في مقالة له في صحيفة كول هعامبعد هذا الاجتماع بأسبوع، أن التحديات التي يواجهها الييشوف اليهودي توجب بذل جهد قومي شامل، وحشد كل ذرّة قوة لتحقيق الهدف التاريخي؛ وهو إقامة الدولة اليهودية. ودعا ميكونيس إلى إقامة جبهة وطنية مكونة من الحزب الشيوعي وحزبَ "هشومير هتسعير" و"أحدوت هعفوداه – بوعلي تسيون" لكي تشكّل القاعدة المتينة التي تكون قادرة على حشد

وسرعان ما انخرط "الحزب الشيوعي الأرض – إسرائيلي" في الحملة الصهيونية التي دعت السلطات البريطانية إلى منح المنظمة العسكرية الصهيونية، الهاغاناه، وضعًا قانونيًا، كي تتمكن من فرض الدولة اليهودية بالقوة العسكرية. وطالب بيان أصدرته اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الأرض - إسرائيلي، في 10 كانون الأول/ ديسمبر 1947، سلطات الانتداب البريطاني بمنح الهاغاناه وضعًا قانونيًا، كما طالب قيادة الييشوف بتوسيع عملية التجنيد لصفوف الهاغاناه لتشمل كل شخص يهودي باستطاعته حمل السلاح، وطالب كذلك بإقامة لجان أمن في كل حارة وشارع يهودي للانخراط في الجهد العسكري للييشوف17. وفي 25 كانون الأول/ ديسمبر 1947 طالبت سكرتاريا فرع الحزب الشيوعي في تل أبيب لجنة الأمن في المدينة بإشراك الحزب الشيوعي في لجنة الأمن في تل أبيب18. منذ أن تبنّى الحزب الشيوعي إقامة الدولة اليهودية في فلسطين، أخذ يتخذ مواقف أكثر تشددًا من قادة الحركة الصهيونية في دعوته إلى إقامة الدولة اليهودية، وفي الإعراب عن قناعته بقدرة الييشوف على إقامتها بالقوة العسكرية، وفي توجيه النقد إلى قيادة الحركة الصهيونية لتقصيرها في حشد كل الطاقات من أجل تحقيق هذا الهدف. فقد انتقد ميكونيس في مقالة له سياسة قيادة الحركة

  1. كول هعام، 30 / 11 / 1947.
  2. شموئيل ميكونيس، "في أيام الامتحان هذه"، كول هعام، 5 / 12 / 1947.
  3. بيان الحزب الشيوعي الأرض - إسرائيلي، "لئلا تصبح حياتنا مستباحة! لتعطَ الهاغاناه وضعًا قانونيًا"، كول هعام، 11 / 12 / 1947.
  4. كول هعام، 25 / 12 / 1947.

الصهيونية وقيادة الييشوف في جملة من القضايا التي تؤثر سلبًا في قدراتها على حشد طاقات اليهود المختلفة لإقامة الدولة اليهودية19. وادعى ميكونيس في مقالته أن عدم قيام القيادة الصهيونية بتفعيل الجماهير اليهودية الواسعة وتجنيدها في الانخراط في الأمن، وحصر توجّهها لإقامة الميليشيا الشعبية بالمسار القانوني، وعدم وقفها التعاون مع الإدارة البريطانية في فلسطين وعدم توافر الاستعداد لديها لإقامة المؤسسات المؤقتة للدولة اليهودية؛ كل ذلك يشير إلى عدم وجود "مبادرة قومية ثورية" لدى القيادة الصهيونية في هذه اللحظات المصيرية، وإلى استمرار نمط تعاونها مع الإمبريالية. وعدّ ميكونيس أن سياسة القيادة الصهيونية تنبع من عدم الثقة بالجماهير اليهودية ومن الخوف من مبادراتهم. وأضاف قائلً: "نحن نعلم أنه توجد طاقات عظيمة كامنة في الطبقة العاملة وفي جماهير الشباب، وأنه يوجد استعداد كبير للانخراط في النضال في القضايا الحاسمة من أجل إقامة الدولة اليهودية المستقلة رغم العقبات من الداخل والخارج". وأردف قائلً: "فلتقم هذه القوة ولتقف على قدميها ولتجنّد هذه القوة لخدمة الشعب والاستقلال، وليُضخّ دم جديد في عروق جيش التحرير الوطني" من أجل إقامة الدولة اليهودية20. وفي 26 كانون الأول/ ديسمبر 1947 أرسلت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الأرض - إسرائيلي رسالة إلى الدائرة السياسية للوكالة اليهودية، جاء فيها أنه رغم توجّه الحزب الشيوعي إلى الوكالة اليهودية في ما يخص حشد جميع الطاقات اليهودية في الجهد الأمني، فإن الحزب الشيوعي لم يتلقّ ردًّا. وأعربت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي عن استغرابها من تأخر الوكالة اليهودية في الرد، في ضوء ما وصفته بالخطر المتربص بالييشوف، ما يستدعي وحدة كل قوى الييشوف21. ودعا مئير فلنر أيضًا، في محاضرة له في اجتماع شعبي في 3 كانون الثاني/ يناير 1948، إلى تجنيد جميع قوى الييشوف في الجهد الأمني، وإلى "وجوب النظر إلى حربنا كحرب معادية للإمبريالية ورؤية الإمبريالية عدوًا رئيسًا، واعتبار 'المشاغبين العرب22' عملاء للإمبريالية"23. وأكد شموئيل ميكونيس في مقالة له دور الطبقة العاملة اليهودية في "حرب التحرر القومي والاستقلال" التي يخوضها الييشوف اليهودي، ودعا الطبقة العاملة اليهودية إلى المطالبة بأن تكون الهاغاناه المنظمة العسكرية الوحيدة في صفوف اليهود؛ وذلك من أجل التصدي ل "المؤامرات الإمبريالية وخدمها العصابات العربية التابعة للجنة العربية العليا"، فكل عاقل يهودي يدرك ضرورة إقامة قيادة واحدة لجميع قوى الأمن في الييشوف من أجل إقامة الدولة اليهودية المستقلة24. وفي 14 كانون الثاني/ يناير 1948 نشرت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي بيانًا وصفت فيه منظمة الهاغاناه بأنها "جيش الشعب"، ودعت إلى تزويدها بالسلاح والعتاد25. وورد في هذا البيان كثير من المغالطات المقصودة، وادعى البيان أن "الإمبريالية البريطانية تشنّ حربًا مكشوفة ضد الييشوف"، وأنها تحاول إحباط إقامة الدولة اليهودية، وتبذل كل ما في وسعها لإثارة الفوضى في البلاد، وأنها باتت تشلّ الإدارة الحكومية والخدمات الحيوية. وادعى البيان، كذلك، أن الإمبريالية البريطانية والرجعية العربية تقفان في جبهة واحدة ضد إقامة الدولة اليهودية، وأن اللجنة العربية العليا وقوى الرجعية العربية أعلنتا الحرب على الييشوف، وأن الإمبريالية البريطانية

  1. شموئيل ميكونيس، "من روتين الماضي إلى طريق جديد"، كول هعام 26 / 12 / 1947.
  2. المرجع نفسه.
  3. كول هعام، 28 / 12 / 1947.
  4. استعمل فلنر والحزب الشيوعي الإسرائيلي مصطلح "هبورعيم هعرفيم"، تمامًا كما كانت الأحزاب والمنظمات العسكرية الصهيونية تستعمله، لوصف المناضلين الفلسطينيين الذين كانوا يدافعون عن وطنهم، ومعنى هذا المصطلح هو: المشاغبون العرب أو المعتدون العرب، ولكنه يحمل معاني سلبية أكثر من ذلك، فهو مشتق من فعل "برع" (פרע) ويعني اعتدى على، نكّل ب، ومن المصدر "برعوت" (פרעות) ويعني اعتداءات، حوادث شغب، مذبحة، حوادث دموية.
  5. كول هعام، 7 / 1 / 1948.
  6. شموئيل ميكونيس، "جمهور العمال إزاء الوضع"، كول هعام، 9 / 1 / 1948.
  7. بيان اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الأرض - إسرائيلي، "سلاح وعتاد للمدافعين"، كول هعام، 14 / 1 / 1948.

تدّعي أنها تقف على الحياد، ولكنها بخلاف ما تدّعيه تدعم "المشاغبين العرب"، ولا تفرض حصارًا على القدس فحسب وإنما على كل الييشوف أيضًا، وهي مستمرة في مصادرة سلاح الهاغاناه وفي اعتقال اليهود المدافعين عن الييشوف. ورغم كل ذلك أضاف البيان قوله: "لقد صمدنا وسنواصل الصمود والنضال من أجل وجودنا واستقلالنا القومي" بكل القوة والاستعداد للتضحية، مدركين أن "كل الشعب يقف معنا" إلى جانب قوى تقدمية كبيرة في الأمم المتحدة والعالم. وأكدت اللجنة المركزية أن الحزب الشيوعي يقف مع الييشوف، وأنه سيجنّد "الرأي العام التقدمي في العالم بأسره، للوقوف إلى جانب مطالبنا العادلة ولإقامة الدولة اليهودية المستقلة والديمقراطية". ونفى البيان أي صفة وطنية للفلسطينيين الذين كانوا يدافعون عن وطنهم ومدنهم وقراهم وممتلكاتهم، والذين كانوا يناضلون ضد إقامة دولة يهودية على أنقاض وطنهم وشعبهم، ووصفهم بأنهم "عصابات من المشاغبين" الذين يخدمون الإمبريالية البريطانية ويأتمرون بأوامرها. ودعا البيان إلى عزل "عصابات المشاغبين العربية" هذه عن بقية الشعب العربي الفلسطيني، وإلى ضربها بكل قوة26. وانسجامًا مع موقفه الداعي إلى فرض الدولة اليهودية بقوة السلاح على الشعب الفلسطيني، شدد الحزب الشيوعي الأرض - إسرائيلي على ضرورة تجنيد كافة قوى الييشوف للعمل معًا لتحقيق هذا الغرض. وفي هذا السياق انخرط أعضاء الحزب الشيوعي وأنصاره في القتال في صفوف الهاغاناه، وفضّلت غالبيتهم الانضمام إلى قوات "البلماح"27 التابعة للهاغاناه. لا توجد معطيات رسمية بشأن عدد أعضاء الحزب الشيوعي وأنصاره الذين انخرطوا في صفوف الهاغاناه والبلماح ثم في الجيش الإسرائيلي، في حرب 1948. ولكن يمكننا أن نستشفّ عدد أعضاء الحزب الشيوعي وأنصاره الذين شاركوا في حرب 1948 من خلال معرفة عدد الأصوات التي حصل عليها الحزب الشيوعي الإسرائيلي في الجيش الإسرائيلي في انتخابات الكنيست التي جرت في 25 كانون الثاني/ يناير 1949. فقد حصل الحزب الشيوعي الإسرائيلي في هذه الانتخابات على 3000 صوت من بين صفوف الجيش الإسرائيلي28. وقد دعا الحزب الشيوعي طوال أيام الحرب، منذ بدء الاشتباكات يوم صدور قرار التقسيم في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1947 حتى بداية سنة 1949، في قرارات مؤسساته والبيانات التي أصدرها، ومن خلال صحيفته الرسمية كول هعاموصحفه ونشراته الأخرى التي أصدرها حينئذ مثل كول هحيال (صوت الجندي) وكول هلوحيم (صوت المقاتل) وكول همجوياس (صوت المجند) وكول هنوعر (صوت الشبيبة)، إلى الانخراط في صفوف الهاغاناه والبلماح. وبعد تأسيس إسرائيل دعا الحزب، في وسائل إعلامه المختلفة، إلى الانخراط في صفوف الجيش الإسرائيلي. ولا يكاد عدد من أعداد هذه الصحف يخلو من دعوة الشباب اليهود، في إعلانات ونداءات خاصة موجهة إليهم، إلى الانخراط في صفوف الهاغاناه أو الجيش الإسرائيلي، ومن أمثلة ذلك: "أيها الشباب العبري لك الغد تطوع"29، و"لا تقل غدًا، تطوع اليوم "30، و"أيها الشباب العبري من أجل استقلالنا السياسي تطوع بسرعة "31، و"أيها الشباب العبري للدفاع عن العلم تطوع"32، و"أيها الضباط والجنود قوموا بواجبكم. تطوعوا لخدمة الشعب "33.

  1. المرجع نفسه.
  2. البلماح هي اختصار لكلمتي "بلوغوت ماحتس" اللتين تعنيان بالعبرية "كتائب السحق" أو "كتائب الانقضاض"، وقد كانت القوة العسكرية الضاربة الأكثر تدريبًا ومهنية لمنظمة الهاغاناه، ووصل عدد أفرادها في حرب 1948 إلى نحو 6000 عنصر، وهي التي ارتكبت معظم المجازر في حق الفلسطينيين في حرب 1948، وكان من أبرز قادتها يغآل ألون ويسرائيل غليلي وموشيه ديان وحاييم بارليف وإسحاق رابين.
  3. شهادة ميكونيس"، في المقابلات التي أجراها معه لاودر منور من قسم التاريخ الشفوي في معهد ترومان في الجامعة العبرية في القدس، في كانون الأول/ ديسمبر 1975، الممتدة على مئات الصفحات، والمحفوظة في أرشيف معهد لافون، ملف 104 - v 1 - 85 - A 151، ص  97.
  4. كول هعام، 16 / 12 / 1947.
  5. كول هعام، 17 / 12 / 1947.
  6. كول هعام، 18 / 12 / 1947.
  7. كول هعام، 19 / 12 / 1947.
  8. كول هعام، 18 / 2 / 1948.

إلى جانب ذلك، دعا الحزب الشيوعي طوال تلك الفترة في مختلف صحفه ونشراته إلى التبرع بسخاء للجهد العسكري من خلال مؤسسات الجباية الصهيونية، مثل: "إعلان حالة الطوارئ في إسرائيل. العدو على الأبواب ولا يهمنا سوى أمر واحد هو الانتصار في هذه الحرب. الانتصار بسرعة. أموال القرض القومي مخصصة لاحتياجات الحرب"34. وقد بلغت حماسة الحزب الشيوعي في الدعوة إلى جمع هذه التبرعات للجهد العسكري درجة لم تُمْحَ فيها الفوارق بينه وبين الأحزاب الصهيونية الأخرى فحسب، بل بات الحزب يتقدمها في رفعه الشعارات والأقوال الصهيونية المأثورة، كنشره في صحيفته كول هعامقولً مأثورًا لمؤسس المنظمة الصهيونية العالمية، ثيودور هرتزل، بشكل بارز: "أنا سأقوم بتدبير قرض قومي لليهود. لقد كان هناك المال اليهودي الوفير جدًا من أجل سيناء، ومن أجل مد سكك حديدية للزنوج، ومن أجل أكثر المشاريع مغامرة – أوليس بالإمكان إيجاد المال من أجل الضرورة المباشرة الأشد عمقًا والأكثر حيوية لليهود؟ ثيودور هرتزل 1895 "35.

ثالثًا: رهان الحزب عىل الحل العسكري

أعرب مئير فلنر في مقالة له نشرها في كانون الثاني/ يناير 1948، بعنوان "الأدوار السياسية والهاغاناه"، عن قناعته بقوة الهاغاناه في فرض الدولة اليهودية بالقوة العسكرية. وادعى فلنر أن الإمبريالية البريطانية والرجعية العربية في الدول العربية المجاورة و"عصابات المشاغبين العرب" كانت تحاول تقويض قرار التقسيم وإقامة الدولة اليهودية، وأنها كانت تقف وراء ما أطلق عليه فلنر الفوضى العامة وسفك الدماء والهجمات على اليهود من أجل إثبات استحالة تنفيذ قرار التقسيم للرأي العام العالمي، وأن الييشوف لا يستطيع إقامة الدولة اليهودية وحمايتها. ودعا فلنر إلى التمييز بين "المشاغبين العرب" وبين بقية الشعب العربي الفلسطيني، ليسهل عزلهم وضربهم بقوة للقضاء عليهم. واستخلص أن هذه المهمة تقع على كاهل الهاغاناه "التي تقوم بدور جوهري ومهم، سواء في الدفاع عن الأرواح والممتلكات أو في إلحاق الهزيمة بالمؤامرات الإمبريالية، وعملائها العرب الذين يهدفون إلى تغيير قرار الأمم المتحدة، وحرماننا من تحقيق استقلالنا السياسي"36. كان الشغل الشاغل لدى قيادة الحزب الشيوعي الأرض - إسرائيلي في تلك الفترة الحاسمة من تطور القضية الفلسطينية هو كيفية إقامة الدولة اليهودية بقوة السلاح، وكيفية إحباط نضال الشعب الفلسطيني في التصدي لإقامة الدولة اليهودية على حسابه. ولم يكن قادة الحزب يتصورون أي صيغة أخرى للعلاقة بين المستوطنين اليهود في فلسطين والشعب الفلسطيني سوى إقامة الدولة اليهودية في فلسطين على حساب أصحابها الفلسطينيين. وانصبّ جلّ تفكير قيادة الحزب الشيوعي على التفكير في أفضل الوسائل لتحقيق المشروع الصهيوني الذي أجمع عليه مجتمع المستوطنين والمهاجرين اليهود في فلسطين، وهو إقامة الدولة اليهودية. وفي هذا السياق دعا شموئيل ميكونيس، في اجتماع شعبي في تل أبيب في 16 كانون الثاني/ يناير 1948، إلى إقامة حكومة وحدة وطنية يهودية، والتحالف مع المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفياتي من أجل إقامة الدولة اليهودية بقوة السلاح. ودعا ميكونيس إلى القيام بنشاط جماهيري يهودي في الييشوف، وفي وسط اليهود في العالم من "أجل التزود باحتياجاتنا الأولية في اللحظة الراهنة"، وهي السلاح والعتاد ومنح الهاغاناه وضعًا قانونيًا، وفتح الميناء فورًا من أجل استيعاب المهاجرين اليهود37.

  1. كول هعام، 21 / 5 / 1948.
  2. كول هعام، 27 / 6 / 1948.
  3. مئير فلنر، "الأدوار السياسية والهاغاناه"، كول هعام، 16 / 1 / 1948.
  4. شموئيل ميكونيس، "بشأن مسألة توجه الدولة اليهودية"، كول هعام، 19 / 1 / 1948.

وفي كانون الثاني/ يناير 1948 اتحد حزبَا "هشومير هتسعير" و"أحدوت ععفوداه - بوعلي تسيون" في حزب واحد، أ طلق عليه حزب العمال الموحد (مبام). ورغم معرفة الحزب الشيوعي الأرض - إسرائيلي أن حزب "أحدوت هعفوداه" ظل متمسكًا بهدفه العلني، وهو إقامة الدولة اليهودية في كل أرض فلسطين، أرسلت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الأرض - إسرائيلي رسالة بخصوص هذه المناسبة إلى حزب العمال الموحد هنأته فيها على هذا التحالف، واعتبرت أنه يمثّل بداية لإقامة جبهة ديمقراطية واسعة في صفوف الطبقة العاملة اليهودية والهستدروت كنواة أساسية لجبهة وطنية يهودية ديمقراطية38. ومن المهم الإشارة إلى أن أهمية تأسيس حزب العمال الموحد حينئذ لم تنبع فقط من أنه كان حزبًا كبيرًا فحسب، وإنما كان، أيضًا، أساسيًا لأن قادته وكوادره، وفي مقدمتهم يغآل ألون ويسرائيل غليلي، شكّلوا أغلبية كبيرة جدًا في صفوف البلماح، كان لها الدور الأهم في تنفيذ "خطة د"39، وطرد الفلسطينيين من ديارهم وارتكاب المجازر في حقهم. وفي 5 شباط/ فبراير 1948 أصدرت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الأرض - إسرائيلي بيانًا موسعًا هاجمت فيه "الحكومة البريطانية" لنقضها، وفق البيان، الالتزام بالجلاء عن الميناء البحري في تل أبيب، طبقًا لقرار الأمم المتحدة، والجلاء أيضًا عن مجالٍ حوله كافٍ لتسهيل الهجرة اليهودية. واتهم البيان "الإمبريالية البريطانية" باتباع سياسة عامة في مختلف المجالات ضد الييشوف، وادعى أنها "مستمرة في تجنيد عصابات المشاغبين العرب وزُمرهم" في فلسطين وفي الدول العربية بواسطة "الرجعية العربية" ضد الييشوف اليهودي. وانتقد البيان بشدة القيادة المتنفذة في الييشوف والوكالة اليهودية لتقصيرها في تجنيد الييشوف كله "لوقف الهجوم الإمبريالي وضمان الاستقلال القومي". وادعى البيان أن "أجزاء كبيرة وذات نفوذ واسع في الوكالة اليهودية بأجنحتها الأميركية والبريطانية والأرض - إسرائيلية ليست مستعدة لخوض حرب متواصلة" لإقامة الدولة اليهودية، وأنها سلّمت بعدم فتح الميناء ووقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وقصّت في تجنيد الييشوف اليهودي لخوض الحرب وتجنيد مختلف الوسائل المطلوبة المرتبطة بالأمن وحشدها. وإزاء هذا الوضع، طالب البيان القيادة الصهيونية بتوسيع التجنيد وإقامة الميليشيا الشعبية اليهودية، وإقامة نظام طوارئ يستند إلى المساواة في التضحية ويهتم بالجبهة وبالعمق. وطالب البيان بإشراك الحزب الشيوعي في مؤسسات الأمن والجباية، وأكد أنه لا يمكن أن تكون جبهة "من أجل الاستقلال القومي للييشوف اليهودي، ولا يمكن أن تكون حربًا مظفرة من أجل إقامة الدولة اليهودية" من دون اشتراك الحزب الشيوعي الأرض - إسرائيلي فيها40. وفي 13 شباط/ فبراير 1948 عاد الأمين العام للحزب، شموئيل ميكونيس، وانتقد في مقالة له ما أطلق عليه تردد قيادة الحركة الصهيونية وارتداعها عن مواجهة بريطانيا وإحجامها عن القيام بدورها في تجنيد طاقات الييشوف اليهودي للحرب41. فالقيادة الصهيونية، وفق ميكونيس، لا تثق بالجماهير اليهودية ولا بالقوة الكامنة فيها، وتفضّل اتباع أسلوبها التقليدي المساوم مع الإمبريالية التي "تهدف إلى استغلالنا في المستقبل وإخضاعنا لأهدافها الرجعية". وأضاف ميكونيس قوله إن قيادة الحركة الصهيونية لم تدرك بعد أن الإمبريالية البريطانية والأميركية غير معنيّتين بأي شكل من الأشكال بإقامة الدولة اليهودية، وإن تحقيق ذلك لا يتم إلا بواسطة "حرب تحرير قومية". واتهم ميكونيس قيادة الوكالة اليهودية بالخضوع للإمبريالية البريطانية والأميركية بعدم تمسّكها بفتح الميناء في

  1. الحزب الشيوعي الأرض - إسرائيلي يقترح التعاون مع حزب العمال الموحد"، كول هعام، 25 / 1 / 1948.
  2. وضعت قيادة الييشوف اليهودي خططًا إستراتيجية بشأن كيفية تفعيل القوة العسكرية اليهودية ضد الفلسطينيين والعرب، كان أبرزها خطة "أ" في سنة 1941 وخطة "ب" في سنة 1943 وخطة "ج" في سنة 1946 وخطة "د" (دالت) في 10 آذار/ مارس 1948. وهدفت خطة "دالت" إلى احتلال المدن والبلدات والقرى الفلسطينية وطرد سكانها العرب منها، وإقامة الدولة اليهودية بقوة السلاح في أوسع مساحة ممكنة من فلسطين.
  3. بيان اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الأرض - إسرائيلي، "ليفتح الميناء ولتؤسس الميليشيا رغم أنف بيفن! نطالب كل قوى الاستقلال بقيادة حربنا!"، كول هعام،
  4. شموئيل ميكونيس، "لنستجمع قوانا من أجل تحقيق استقلالنا"، كول هعام، 13 / 1 / 1948.

تل أبيب، وبفتح الهجرة اليهودية إلى فلسطين؛ فالوكالة اليهودية لم تقم بالخطوة الوحيدة التي كان لا بد منها، وفق ميكونيس، وهي "فتح الميناء وتفعيله بالقوة رغم أنف بيفن". فهذه الخطوة كانت ستخلق أمرًا واقعًا جديدًا، وتشعل الحماس في صفوف الشعب اليهودي وتحشده كافةً بكل طاقاته لإقامة الدولة اليهودية، وكانت ستقنع العالم أيضًا "بأننا جادون في عزمنا بناء الدولة اليهودية"؛ الأمر الذي يؤدي إلى الحصول على تأييد قوى السلام والديمقراطية في العالم ومساعدتهم. ومن أجل إدارة "حرب التحرير" على نحو أفضل، لتحقيق الهدف التاريخي الكبير وهو إقامة الدولة اليهودية، دعا ميكونيس إلى تشكيل الحكومة المؤقتة للدولة اليهودية فورًا، جنبًا إلى جنب مع إقامة الميليشيا اليهودية الشعبية المسلحة42.

رابعًا: زيارة ميكونيس دول أوروبا الرشقية

أَولى الحزب الشيوعي الأرض- إسرائيلي أهمية قصوى لموقف دول أوروبا الشرقية بقيادة الاتحاد السوفياتي من القضية الفلسطينية، وسعى بكل طاقاته لتجنيد مختلف أنواع الدعم من هذه الدول لإقامة دولة يهودية للمستوطنين الكولونياليين اليهود في فلسطين بقوة السلاح على حساب الشعب الفلسطيني. وفي هذا السياق أرسل الحزب الشيوعي الأرض - إسرائيلي في كانون الأول/ ديسمبر 1947 عضوَي المكتب السياسي للحزب، إلياهو غوجانسكي (1914 - 1948) وروت لوبيتش (1906 - 2010)، إلى دول أوروبا الشرقية ليمكثا فيها نحو ستة أسابيع43، للاتصال بالأحزاب الشيوعية وبالمسؤولين وبالتجمعات اليهودية في هذه الدول، من أجل تجنيد مختلف أنواع الدعم ومساندة المستوطنين الكولونياليين اليهود في حربهم ضد الشعب الفلسطيني لإقامة دولة للمستوطنين اليهود في فلسطين44. ولم يكتفِ الحزب الشيوعي بالجهود التي بذلها إلياهو غوجانسكي وروت لوبيتش في دول أوروبا الشرقية لحشد مختلف أشكال الدعم للييشوف اليهودي في حربه ضد الفلسطينيين، وقرر أن يرسل أمينه العام، شموئيل ميكونيس، إلى هذه الدول. ففي شباط/ فبراير 1948 سافر الأمين العام للحزب الشيوعي الأرض – إسرائيلي، شموئيل ميكونيس، إلى أوروبا الشرقية، بتكليف رسمي من اللجنة المركزية للحزب، وفي يده رسالة رسمية منها، وقّعها مئير فلنر، تخوّل ميكونيس إجراء اتصالات بغرض الحصول على مختلف أنواع الدعم لحرب الييشوف اليهودي في فلسطين45. وسعى ميكونيس لتحقيق عدة أهداف اعتبرها الحزب الشيوعي الأرض – إسرائيلي ذات أهمية قصوى، وهي: الحصول على مختلف أنواع السلاح من هذه الدول للهاغاناه، ثم للجيش الإسرائيلي في الحرب ضد الشعب الفلسطيني. العمل على تجنيد اليهود في هذه الدول، ولا سيما الشباب وذوي الخبرة العسكرية التي اكتسبوها خلال الحرب العالمية الثانية في جيوش دولهم، للمشاركة في الحرب ضد الشعب الفلسطيني. العمل على فتح أبواب الهجرة اليهودية من هذه الدول إلى فلسطين، لا سيما الهجرة المقاتلة. العمل على إقامة معسكرات في بعض هذه الدول لحشد المتطوعين اليهود من مواطني هذه الدول وتدريبهم، تمهيدًا لإرسالهم إلى فلسطين للانخراط في الحرب ضد الشعب الفلسطيني.

  1. المرجع نفسه.
  2. كول هعام، 3 / 2 / 1948.
  3. عن نشاط إلياهو غوجانسكي في أوروبا الشرقية، انظر: "الرفيق غوجانسكي في اجتماع شعبي في كلوج"، كول هعام، 9 / 2 / 1948.
  4. شهادة ميكونيس"، ص 63.

القيام بحملة سياسية وإعلامية واسعة في هذه الدول، تهدف إلى تشويه نضال الفلسطينيين، ومقاومتهم لإقامة دولة يهودية للمستوطنين الكولونياليين اليهود في فلسطين على حسابهم، وتمجيد سعي المستوطنين الكولونياليين اليهود لإقامة دولة يهودية في فلسطين على حساب الشعب الفلسطيني، وطرح هذا السعي كأنه نضال من أجل التحرر القومي. مكث شموئيل ميكونيس في دول أوروبا الشرقية نحو خمسة شهور في الفترة شباط/ فبراير-آب/ أغسطس 1948، عاد خلالها إلى تل أبيب عدة مرات لفترات قصيرة. ولا يشير مكوث الأمين العام للحزب، ميكونيس، فترة طويلة في دول أوروبا الشرقية أثناء الفترة الحاسمة من حرب 1948، إلى الأهمية القصوى التي كان يوليها للحصول على دعم دول أوروبا الشرقية لمجتمع المستوطنين الكولونياليين اليهود في فلسطين في حربه ضد الشعب الفلسطيني فحسب، وإنما أيضًا إلى دوره ودور الحزب الشيوعي الإسرائيلي في المساعدة للحصول على هذا الدعم.

1. زيارة ميكونيس رومانيا

استهل ميكونيس جولته في دول أوروبا الشرقية بزيارة رومانيا. ففي 21 شباط/ فبراير 1948 وصل ميكونيس إلى بوخارست قادمًا من فلسطين، لحضور مؤتمر الوحدة بين الحزب الشيوعي الروماني والحزب الاشتراكي الديمقراطي الروماني. وألقى ميكونيس خطابًا في هذا المؤتمر عرض فيه قراءة الحزب الشيوعي الأرض - إسرائيلي للوضع في فلسطين. ولما كانت هذه زيارة ميكونيس الأولى لدولة في أوروبا الشرقية منذ صدور قرار التقسيم، احتلت والخطاب الشامل الذي ألقاه في هذا المؤتمر أهمية خاصة، ولا سيما أن جميع الأحزاب الشيوعية في أوروبا الشرقية والكثير من الأحزاب الشيوعية والاشتراكية في العالم شاركت في هذا المؤتمر. ومن الملاحظ أن ميكونيس لم يحاول أن يعرض مشروع الحركة الصهيونية إقامة دولة يهودية للمستوطنين اليهود في فلسطين على حساب أصحابها الشرعيين وعلى أنقاضهم، في سياقه التاريخي الكولونيالي الاستعماري المتحالف تحالفًا عضويًا ومتينًا مع الإمبريالية البريطانية والأميركية، وإنما في سياق متخيل منافٍ للواقع والحقائق التاريخية، وكأن إقامة دولة للمستوطنين الكولونياليين اليهود في فلسطين تأتي في سياق صراع حركات التحرر القومي في العالم ضد الدول الاستعمارية. ومن الملاحظ أيضًا أن ميكونيس حشا خطابه بالكثير من المغالطات والأكاذيب، واجتهد كثيرًا في تمجيد الذات الجمعية للمستوطنين اليهود الصهيونيين الكولونياليين في فلسطين، وفي الوقت نفسه دأب على تشويه اسم الشعب العربي الفلسطيني وسمعته وقيادته، وعلى نفي حقه في مقاومة الصهيونية والاستعمار البريطاني. استهل ميكونيس خطابه على نحو درامي، وقال إنه جاء "من أرض إسرائيل التي هي واحدة من البلدان التي تناضل من أجل حريتها واستقلالها مثل إندونيسيا وفيتنام والصين واليابان ضد دوائر بيفن ومارشال وأذنابهم"46. وقال ميكونيس إنه جاء من بلاد تسمع فيها طوال الأيام منذ شهور طويلة طلقات الرصاص والانفجارات في المدن و"الموشافات" (المستوطنات اليهودية) التي يسقط فيها يوميًا ضحايا كثر، والتي يصعب الانتقال فيها من مكان إلى آخر من دون استعمال المصفحات. وقال كذلك: "لقد أتيتكم من جبهة النار والدم، من جبهة حرب قاسية وشاقة من أجل التحرر القومي. فقد فرضت علينا الإمبريالية الأنغلوسكسونية حربًا دامية؛ فالإمبريالية تنظم عصابات عربية في داخل البلاد وفي الدول العربية المجاورة بواسطة الرجعية العربية، فهي تنظم زلم أندرس البولندي47 وزلم هتلر والفاشيين البوسنيين، وكل من هبّ ودبّ من اللمم ومن الخونة والقتلة، وتدفع بهم جميعًا ضد الييشوف اليهودي". وأضاف ميكونيس قوله: "إن حدود بلادي باتت مفتوحة لغزو مجموعات مسلحة عميلة للإمبريالية من الدول المجاورة التي تزودها بالسلاح والعتاد"48.

  1. خطاب ميكونيس في المؤتمر، "تهنئة الحزب الشيوعي الأرض - إسرائيلي لمؤتمر الوحدة بين الحزب الشيوعي الروماني والحزب الاشتراكي الروماني"، كول هعام،
  2. فلايدسلاف أندرس البولندي (1892 - 1972): كان جنرالً بولنديًا خلال الحرب العالمية الثانية، وعيّنته الحكومة البولندية التي كانت تقيم في المهجر، في شباط/ فبراير 1945، قائدًا عامًا للجيش البولندي، وكان معارضًا للحكومة البولندية الموالية للاتحاد السوفياتي التي أقيمت في تلك الفترة.
  3. خطاب ميكونيس في المؤتمر.

وفي سياق سعيه لمنح صفة معاداة الاستعمار للحركة الصهيونية، وخلق تناقض وهمي بين القوات العسكرية الصهيونية وبريطانيا أمام مستمعيه في المؤتمر، ادعى ميكونيس في خطابه أن "قوات جيش بيفن وأتلي وشرطتهما" تصادر السلاح من المنظمات العسكرية اليهودية وتعتقل وتقتل أفرادها، وتتجسس على مواقع القوات العسكرية اليهودية في فلسطين وتزود "العصابات العربية" بهذه المعلومات. ولم يكتفِ ميكونيس في خطابه بهذه الأكاذيب، بل استمر خياله ينسج الواحدة تلو الأخرى، فادعى أن "الدبابات البريطانية تمنح المهاجمين العرب غطاء وتشكّل لهم درعًا واقية". واستطرد قائلً: "لقد فجّر البريطانيون عمارة مكونة من أربعة طوابق في شارع في تل أبيب، لكي يتمكن قناصة عرب تحت غطاء الشرطة البريطانية من إطلاق النار على الشوارع المجاورة. وهذا هو المتّبع في حيفا والقدس وكل مكان آخر"49. واستمر ميكونيس في طرح افتراءاته أمام المؤتمر، فقال إن الشرطة البريطانية كثيرًا ما تطلق النار على بلدة يهودية من منطقة عربية وبالعكس، وذلك من أجل إلقاء اليهود والعرب في دوامة من الدم. وأضاف قائلً إن هناك حالات كثيرة تعتقل فيها السلطات البريطانية شبابًا يهودًا، وتنقلهم في مجنزرة إلى منطقة عربية وتسلّمهم إلى رعاع عرب يقتلونهم، وتفعل الأمر نفسه أيضًا تجاه العرب الذين يلقون المصير نفسه. ادعى ميكونيس في خطابه أن الحرب التي يخوضها الييشوف اليهودي لإقامة الدولة اليهودية هي حرب الشعب، وأنها "حرب عادلة وتقدمية وضد مؤامرات الإمبريالية الأنغلوسكسونية وعملائها العرب". كما قال إن "الشعب مستعد للحرب ويريد تحقيق الانتصار". وفي ختام خطابه، ناشد ميكونيس "معسكر السلام والديمقراطية" بقيادة الاتحاد السوفياتي التدخل الفعال وتقديم المساعدة لحرب الييشوف50. أجرى ميكونيس أثناء زيارته رومانيا اتصالات مكثفة مع قادتها من أجل تشجيع الهجرة اليهودية وتنظيمها، من رومانيا إلى فلسطين، ثم إلى إسرائيل بعد إنشائها في أيار/ مايو 1948. فقد بقي في رومانيا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية نحو 400 ألف يهودي، وبذل ميكونيس في تلك الفترة الحاسمة من الحرب في فلسطين جلّ جهده للحصول على موافقة السلطات الرومانية من أجل السماح لمواطنيها اليهود بالهجرة إلى فلسطين، للمساهمة في الجهد العسكري الصهيوني في إقامة الدولة اليهودية، ولتوطينهم في القرى والمدن التي يتم تهجير الفلسطينيين منها. وقد تسنّى له ذلك من خلال العلاقات المتينة التي أقامها ميكونيس مع آنا باوكر (1893 - 1960)، وزيرة الخارجية الرومانية في الفترة 1948 - 1952. وكانت آنا باوكر رومانية يهودية ومحسوبة في الحزب الشيوعي الروماني على الخط السياسي الموالي لموسكو. ومن خلال علاقاته بآنا باوكر وقيادات رومانية أخرى، اجتمع ميكونيس بالقيادات اليهودية الرومانية، وعقد اجتماعات شعبية لليهود في المدن الرومانية لحثهم على الهجرة إلى فلسطين. وقد أقنع ميكونيس السلطات الرومانية بأن تسمح للسفن باستعمال ميناء كونستانتسا لنقل المهاجرين اليهود من دول أوروبا الشرقية إلى فلسطين، علمًا أن ذلك كان مناقضًا لقرار الأمم المتحدة الذي نصّ على تجميد الوضع القائم في فلسطين في تلك الفترة، بما في ذلك وقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين ونقل السلاح إلى الييشوف اليهودي. وفي حزيران/ يونيو 1949 استجابت باوكر لطلب ميكونيس المتمثل بفتح أبواب الهجرة ليهود رومانيا إلى إسرائيل، وأخبرته أن على اليهود الذين يرغبون في الهجرة إلى إسرائيل أن يسجّلوا أسماءهم في وزارة الخارجية الرومانية. ونقل ميكونيس هذا الخبر المهم إلى قيادات اليهود في رومانيا، فهاجر عشرات آلاف اليهود إلى إسرائيل، واستوطنوا في القرى والمدن التي هُجّر الفلسطينيون منها51.

  1. المرجع نفسه.
  2. المرجع نفسه.
  3. شهادة ميكونيس"، ص 110.

2. زيارة ميكونيس يوغسلافيا

في بداية آذار/ مارس 1948، سافر ميكونيس من رومانيا إلى يوغسلافيا، وبذل فيها جهودًا جمة في شرح طبيعة الحرب في فلسطين للمسؤولين وللقيادات اليوغسلافية. وقد اجتمع ميكونيس في بلغراد بإيهود أفرئيل52، مندوب الهاغاناه في أوروبا الشرقية، الذي أخبر ميكونيس في حاجة الهاغاناه الماسّة إلى عشرة مدافع من عيار 120 ملم من أجل دكّ أسوار القدس العربية واختراقها. فطلب ميكونيس من السلطات اليوغسلافية أن تقوم يوغسلافيا بتزويد الهاغاناه بهذه المدافع. وعلى إثر هذا الجهد الذي بذله ميكونيس، اشترت يوغسلافيا عشرة مدافع من عيار 120 ملم من سويسرا وأعطتها للهاغاناه53. أشار ميكونيس، أيضًا، إلى أنه طلب من المسؤولين اليوغسلاف تزويد الييشوف ب  400 عسكري يهودي يوغسلافي من ذوي الخبرة في الحرب. وقد رفض المسؤولون اليوغسلاف في البداية طلبه، بيْد أنهم عادوا وقبلوا هذا الطلب في حزيران/ يونيو 1948، وأرسلوا 400 عسكري يهودي إلى إسرائيل للمشاركة في حرب 1948. إلى جانب ذلك، وبفضل الجهد الذي بذله ميكونيس، سمحت يوغسلافيا للهاغاناه ثم للجيش الإسرائيلي باستعمال أحد مطاراتها لنقل السلاح من تشيكوسلوفاكيا إلى إسرائيل، كما سنبيّ لاحقًا54.

3. زيارة ميكونيس بلغاريا

سافر ميكونيس من يوغسلافيا إلى بلغاريا، وأجرى فيها اتصالات مع قادتها من أجل السماح للبلغار اليهود بالهجرة إلى فلسطين والمشاركة في الحرب فيها. وعقد ميكونيس أثناء هذه الزيارة اجتماعات بالقادة البلغار اليهود، وألقى المحاضرات في اجتماعات شعبية حثّ فيها اليهود على الهجرة إلى فلسطين في أسرع وقت، للمشاركة في الحرب. وفي 8 نيسان/ أبريل 1948، اجتمع ميكونيس بجورجي ديميتروف (1882 - 1949)، زعيم الحزب الشيوعي البلغاري ورئيس الحكومة البلغارية في الفترة 1946 - 194955. وذكر ميكونيس أن ديميتروف كان متزوجًا من بلغارية يهودية، وأنه كان متعاطفًا جدًا مع إقامة دولة يهودية في فلسطين، وأنه وافق على الاجتماع بميكونيس رغم مرضه الشديد، وأن هذا الاجتماع استمر أكثر من ثلاث ساعات، رغم أنه كان مخصصًا له في البداية ربع ساعة فقط. وذكر ميكونيس أن ديميتروف قال له في هذا الاجتماع "إنني أحسدك لأنك تشارك في حرب الاستقلال، ولو لم أكن رئيسًا لحكومة بلغاريا لكنت ذهبت إليكم لأحارب إلى جانبكم في حرب استقلالكم". وأشار ميكونيس إلى أنه بحث مع ديميتروف في هذا الاجتماع هجرة يهود بلغاريا إلى فلسطين، وأنه طلب من ديميتروف السماح ليهود بلغاريا بالهجرة إلى فلسطين بأسرع وقت، من أجل المساهمة في حرب فلسطين، وأن ديميتروف أخبره عن موافقته بالسماح لكل من يشاء من يهود بلغاريا بالهجرة إلى فلسطين56. وذكر ميكونيس أن ديميتروف أطلعه على برقيتين وصلتا إلى ديميتروف من الإدارة الأميركية والحكومة البريطانية، تحتجّان فيهما على مساعدة ديميتروف في الهجرة اليهودية إلى فلسطين، لأنه بذلك يخرق حظر الأمم المتحدة للهجرة اليهودية إلى فلسطين، وأن ديميتروف قال لميكونيس إنه تجاهلهما57.

  1. ولد إيهود أفرئيل (1917 - 1980) في فيينا وهاجر إلى فلسطين في 1939. وكان نشيطًا خلال الحرب العالمية الثانية في منظمة الهاغاناه في تنظيم الهجرة اليهودية إلى فلسطين وفي شراء السلاح للهاغاناه. عيّنه بن غوريون في أعقاب الحرب العالمية الثانية مندوبًا للهاغاناه في أوروبا الشرقية من أجل شراء السلاح لمنظمة الهاغاناه، ثم أصبح أول سفير لإسرائيل في براغ، ثم مديرًا لمكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية، دافيد بن غوريون، ثم شغل عدة مناصب أخرى.
  2. شهادة ميكونيس"، ص 69.
  3. المرجع نفسه، ص 70.
  4. المرجع نفسه، ص 73؛ وانظر "ميكونيس يلتقي بديميتروف"، كول هعام، 14 / 4 / 1948.
  5. شهادة ميكونيس"، ص 73.
  6. المرجع نفسه، ص 53.

4. زيارة ميكونيس تشيكوسلوفاكيا

بعد أن أنهى مهماته في بلغاريا، سافر ميكونيس في منتصف نيسان/ أبريل إلى تشيكوسلوفاكيا، وأجرى اتصالات مكثفة في براغ مع المسؤولين التشيك بشأن تزويد تشيكوسلوفاكيا الييشوف اليهودي بمختلف أنواع الأسلحة المتطورة، وإمداد الييشوف اليهودي بالمقاتلين اليهود التشيك الذين يمتلكون الخبرة والمهارات القتالية من جرّاء مشاركتهم في القتال أثناء الحرب العالمية الثانية. وقد أولى ميكونيس أهمية قصوى لتشيكوسلوفاكيا، لأنها كانت، كما ذكر، الدولة الوحيدة في أوروبا الشرقية، ما عدا الاتحاد السوفياتي، التي تصنع الأسلحة المتطورة وتمتلكها، والتي يمكنها بيعها للهاغاناه، ثم لإسرائيل بعد تأسيسها في أيار/ مايو 1948. وذكر ميكونيس أنه كان له الدور المهم في إقناع القيادة التشيكية بضرورة تزويد منظمة الهاغاناه، ثم إسرائيل بمختلف أنواع الأسلحة المتطورة، وأنه كان له لاحقًا الدور الحاسم في إقناع القادة المسؤولين التشيك بإقامة الفيلق التشيكوسلوفاكي اليهودي وإرساله إلى إسرائيل للمشاركة في حرب 1948، من خلال اتصالاته المكثفة بالقادة والمسؤولين التشيك وإسهابه في شرحه لهم طبيعة الحرب "المعادية للإمبريالية" التي يخوضها الييشوف اليهودي في فلسطين، وأنه كان له الدور المهم جدًا في فتح الباب لممثل الهاغاناه في أوروبا الشرقية، إيهود أفرئيل، لدى القادة التشيكوسلوفاكيين، وفي مقدمتهم زعيم الحزب الشيوعي ورئيس الحكومة التشيكوسلوفاكية، كليمنت غوتوولد (1896 - 1953)، ووزير الخارجية فلاديمير كلامنتيس، ولودفيك سفوفودا (1895 - 1979) الذي كان قائدًا لوحدات الجيش التشيكوسلوفاكي في الجيش السوفياتي أثناء الحرب العالمية الثانية، والذي كان أيضًا رئيس منظمة المقاتلين القدامى الذين شاركوا في الفيلق الدولي في الحرب الأهلية الإسبانية58.

5. زيارة ميكونيس بولندا

سافر ميكونيس في نيسان/ أبريل 1948 من براغ إلى بولندا، واجتمع بالقادة البولنديين، وفي مقدمتهم فلاديسلاف غومولكا (1905 - 1982)، الزعيم البولندي والأمين العام للحزب الشيوعي البولندي الذي كان يطلق عليه "حزب العمال البولندي الموحد". وطلب ميكونيس من غومولكا أن تنظم بولندا دورات عسكرية على أراضيها لتدريب ضباط بولنديين يهود، ثم إرسالهم إلى الييشوف اليهودي بعد أن يكتسبوا الخبرة العسكرية في القيادة وفنون الحرب، لأن الهاغاناه والبلماح لا توجد لديهما الخبرة الكافية في هذه المجالات، وفق ما ذكر ميكونيس. وفعلًاستجاب غومولكا لطلب ميكونيس وجرى تدريب 60 ضابطًا بولنديًا يهوديًا فورًا في دورة عسكرية مكثفة، وأرسلتهم بولندا إلى إسرائيل وشاركوا في حرب 194859. إلى جانب ذلك التقى ميكونيس بالكثير من القادة والناشطين البولنديين اليهود، وعقد اجتماعات شعبية في مدن بولندا، تحدّث فيها عن "حرب الاستقلال" التي يخوضها الييشوف اليهودي، ودعاهم إلى الهجرة إلى فلسطين، وإلى تقديم مختلف أنواع الدعم للييشوف، وفي مقدمتها المقاتلون، والهجرة اليهودية المقاتلة.

خامسًا: اجتمع ميكونيس ببن غوريون

بقي شموئيل ميكونيس في أوروبا الشرقية حتى 12 أيار/ مايو 1948، وقد عاد إلى تل أبيب قبل يومين من إعلان دافيد بن غوريون قيام الدولة اليهودية في فلسطين. وبادر ميكونيس بعد فترة وجيزة من وصوله إلى تل أبيب إلى الاجتماع ببن غوريون، رئيس الحكومة الإسرائيلية. وقد ذكر ميكونيس أنه عندما رأى في الخامس عشر من أيار/ مايو 1948 طائرات مصرية تحلق فوق تل أبيب بارتفاع منخفض وتطلق النار على محطة توليد الكهرباء في تل أبيب، اتصل فورًا بمساعد بن غوريون، نحمياه أرغوف، وطلب منه الاجتماع

  1. المرجع نفسه، ص 65.
  2. المرجع نفسه، ص 80.

ببن غوريون، وقد رتّب له أرغوف اجتماعًا ببن غوريون الذي كان مشغولً جدًا بإدارة شؤون الحرب. وذكر ميكونيس في شهادته أنه عند اجتماعه ببن غوريون في 24 أيار/ مايو60، قال لبن غوريون في هذا الاجتماع: "لم أكن أتخيل أنكم ضعفاء إلى هذا الحد. ألا يوجد لديكم شيء؟ كيف تسمحون للطائرات المصرية بالطيران بحرية فوق تل أبيب وقصف محطة ريدينغ لتوليد الكهرباء من دون أي رد؟". فأجابه بن غوريون، وفق ما ذكر ميكونيس، بقوله: "لا يوجد لديّ أي شيء"61. أشار ميكونيس إلى أن بن غوريون كان شديد الحرص على أن يعرف في هذا الاجتماع كل شيء عن نشاط ميكونيس في أوروبا الشرقية في الشهور الثلاثة الأخيرة، وعن تفاصيل اجتماعاته الكثيرة بقادة دول أوروبا الشرقية. وأخبر ميكونيس بن غوريون أنه يعتزم العودة إلى أوروبا الشرقية، وخاصة إلى تشيكوسلوفاكيا، من أجل جلب السلاح من تشيكوسلوفاكيا، وكذلك لجلب المقاتلين والهجرة اليهودية، ولا سيما الهجرة المقاتلة من دول أوروبا الشرقية. كان ميكونيس شحيحًا جدًا في إعطاء تفاصيل في شهادته عن مضمون اجتماعه ببن غوريون. وقد ادعى ميكونيس في شهادته أنه لم يقدم تقريرًا لبن غوريون عن نشاطه في أوروبا الشرقية، ولم يطلعه على تفاصيل الاتصالات التي أجراها في أوروبا الشرقية لجلب السلاح والمتطوعين، والهجرة اليهودية إلى الييشوف اليهودي في فلسطين. ولكن يُستشفّ مما كتبه بن غوريون في كتابه يوميات الحرب، أن ميكونيس قدّم لبن غوريون شرحًا وافيًا عن نشاطاته في زيارته دول أوروبا الشرقية، وعن الاجتماعات التي عقدها بقادة هذه الدول التي زارها، وأيضًا عن اجتماعاته بقادة الأحزاب الشيوعية فيها. فقد ذكر بن غوريون في كتابه يوميات الحربأن ميكونيس جاء إليه في مكتبه بعد ظهر 24 أيار/ مايو 1948، بعد زيارته رومانيا ويوغسلافيا وتشيكوسلوفاكيا وبولندا وبلغاريا، وقد "تحدّث مع قادتها عن تزويدنا بالسلاح. في بلغاريا مع ديميتروف، وفي يوغسلافيا مع رانكوفيتش، وفي رومانيا مع لوكا، وفي تشيكيا مع كلامنتيس، وفي بولندا مع بيرمن ومودولوفسكي". كما قال بن غوريون إن ميكونيس سأله إنْ كان ما نشرته في تلك الأيام صحيفة عال همشمار، لسان حال حزب العمال الموحد، صحيحًا، من أن إسرائيل ترفض طلب المساعدة العسكرية من دول أوروبا الشرقية، فأجابه بن غوريون بأن القائمين على صحيفة عال همشمار يعرفون أن ما نشروه هو محض افتراء. وقال بن غوريون: "لقد توجّهنا وحصلنا فعلً على مساعدة عسكرية من تشيكوسلوفاكيا ويوغسلافيا حتى قبل تأسيس الدولة". وقال بن غوريون أيضًا إن ميكونيس سأله إذا كان بن غوريون يقبل بقدوم خبراء عسكريين شيوعيين من دول أوروبا الشرقية إلى إسرائيل، فأجابه بقوله: "نقبلهم بكل ترحاب"62. وبعد اجتماعه ببن غوريون، ذهب ميكونيس هو وعضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي الإسرائيلي، إستير فيلونسكا، واجتمعا بغولدا مئير، وأخبراها بأن ميكونيس يريد السفر بأسرع وقت إلى تشيكوسلوفاكيا من أجل جلب السلاح والمقاتلين والهجرة اليهودية إلى إسرائيل. وقد رحّبت غولدا مئير بهذه الخطوة بشدة، واتخذت الإجراءات لتسهيل سفر ميكونيس إلى تشيكوسلوفاكيا بأسرع وقت63. وفعلً سافر ميكونيس إلى تشيكوسلوفاكيا في 1 حزيران/ يونيو 1948، واستأنف اتصالاته بالقادة والمسؤولين التشيك، التي كان قد بدأها في زيارته السابقة إلى تشيكوسلوفاكيا من أجل جلب السلاح والمتطوعين للقتال إلى جانب إسرائيل في حرب 1948. واتصل ميكونيس أيضًا عند وصوله إلى براغ بإيهود أفرئيل، مندوب الهاغاناه في أوروبا الشرقية، الذي أصبح سفيرًا لإسرائيل في براغ بعد تأسيس إسرائيل، وسأله عن كمية الأسلحة ونوعيتها التي تحتاج إليها إسرائيل من تشيكوسلوفاكيا. فقال له أفرئيل إن إسرائيل تحتاج إلى كل شيء. فقام ميكونيس بعقد اجتماعات متتالية بالقادة والمسؤولين التشيكوسلوفاكيين لحضّهم على تزويد إسرائيل بمختلف أنواع

  1. كول هعام، 26 / 5 / 1948؛ انظر كذلك: دافيد بن غوريون، يوميات الحرب: حرب الاستقلال 1948 - 1949، ج 2 (تل أبيب: وزارة الدفاع، 1982)، "يوم 24 / 5 / 1948 "، ص 455 (بالعبرية.)
  2. شهادة ميكونيس"، ص 82.
  3. بن غوريون، ص 455.
  4. شهادة ميكونيس"، ص 91.

الأسلحة التي تحتاج إليها إسرائيل في حرب 1948. ومن أجل تسهيل عملية نقل السلاح التشيكي إلى إسرائيل بأسرع وقت ممكن، ألحّ ميكونيس في لقاءاته بالمسؤولين التشيكيين على ضرورة تخصيص مطار تشيكي بالقرب من براغ، كما كانت تطالب إسرائيل، لنقل مختلف الأسلحة التشيكية إلى إسرائيل. وقد استجابت السلطات التشيكية لهذا الطلب وظل هذا المطار، الذي أطلق عليه ميكونيس والسفارة الإسرائيلية في براغ مطار "عتسيون"، يعمل على نقل الأسلحة إلى إسرائيل طوال عدة شهور.

سادسًا: شراء إرسائيل السلاح من تشيكوسلوفاكيا

1. كميات السلاح

تنقسم الفترة الزمنية التي حصلت عليها منظمة الهاغاناه، ثم إسرائيل، على السلاح من تشيكوسلوفاكيا إلى مرحلتين أساسيتين. اشترت الهاغاناه السلاح من تشيكوسلوفاكيا في المرحلة الأولى التي امتدت من كانون الثاني/ يناير 1948 إلى تأسيس إسرائيل في منتصف أيار/ مايو 1948. أما المرحلة الثانية التي اشترت فيها إسرائيل السلاح من تشيكوسلوفاكيا، فامتدت من منتصف أيار/ مايو 1948 حتى نهاية العام، وقد فاقت كميته ونوعيته ما اشترته الهاغاناه في المرحلة الأولى. وشملت الأسلحة التي حصلت عليها الهاغاناه في المرحلة الأولى 24500 بندقية حديثة و 5000 مدفع رشاش خفيف من نوع 34 MG و 200 مدفع رشاش متوسط من نوع "بزه" و 54 مليون رصاصة و 25 طائرة حربية بكامل أسلحتها وذخيرتها64. وقد نقلت هذه الطائرات جوًا بعد تفكيكها، وأعيد تركيبها حال وصولها إلى إسرائيل بمساعدة الخبراء التشيك.

2. قطار جوي بين تشيكوسلوفاكيا وإسرائيل

في ضوء ازدياد بيع تشيكوسلوفاكيا مختلف أنواع الأسلحة لإسرائيل، واستمرار حظر الأمم المتحدة بيع الأسلحة للأطراف المتحاربة، خصصت تشيكوسلوفاكيا مطار "جاطتس"، الواقع قرب براغ، على إثر الجهد الذي بذله ميكونيس، كما رأينا سابقًا، لتصدير السلاح التشيكي منه إلى إسرائيل، ولتدريب طيارين متطوعين يهود وغير يهود من أوروبا الشرقية وغيرها، وكذلك طيارين إسرائيليين كان من بينهم عازر وايزمان الذي أصبح لاحقًا قائدًا لسلاح الجو الإسرائيلي. وفي الفترة 20 أيار/ مايو- 11 آب/ أغسطس 1948، نقل هذا القطار الجوي أكثر من 350 طنًا من الأسلحة والذخيرة في 95 نقلة جوية وفق ما كانت تطلبه إسرائيل من الأسلحة الحديثة حينئذ، وشمل ذلك الأسلحة الخفيفة والمتوسطة من بنادق حديثة ومدافع رشاشة خفيفة ومدافع متوسطة من نوع "بزه" وأسلحة أخرى والكثير من الذخيرة65. وإلى جانب هذا القطار الجوي، نقلت إسرائيل الأسلحة التي اشترتها من تشيكوسلوفاكيا بواسطة السفن، ولا سيما الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، وشملت الطائرات العسكرية والدبابات والمجنزرات والمصفحات والذخيرة. وبلغ إجمالي عدد الطائرات الحربية التي اشترتها إسرائيل من تشيكوسلوفاكيا خلال الحرب 85 طائرة حربية، وقد مثّلت هذه الطائرات النواة الأولى لسلاح الجو الإسرائيلي.

  1. موشيه يغار، تشيكوسلوفاكيا والصهيونية وإسرائيل: تطور علاقات مركبة (تل أبيب: المكتبة الصهيونية التابعة للمنظمة الصهيونية العالمية، 1979)، ص 86 (بالعبرية)؛ وللمزيد عن صفقات الأسلحة بين تشيكوسلوفاكيا والهاغاناه قبل قيام إسرائيل، انظر: يهودا سلوتسكي،   تاريخ الهاغاناه، مج 3، ج 2 (تل أبيب: وزارة الدفاع، 1978)، ص 1526 (بالعبرية).
  2. يغار، ص 102.

3 ي. أهمية السلاح التشيكوسلوفاكي ف حسم حرب 1948

لقد أشار الكثير من المؤرخين والمختصين والقادة الإسرائيليين إلى أهمية السلاح التشيكوسلوفاكي ومختلف أشكال الدعم الأخرى الذي حصلت عليه إسرائيل من أوروبا الشرقية بقيادة الاتحاد السوفياتي في حسم حرب 1948 لمصلحة إسرائيل، وأكدوا أيضًا أنه من دون حصول إسرائيل على هذا السلاح كان يُشكّ في قدرة اليهود على تأسيس دولة إسرائيل والحفاظ على وجودها. وقد كتب مؤسس إسرائيل، دافيد بن غوريون، في مذكراته يوميات الحرب، في 4 نيسان/ أبريل 1949: "في هذه الأيام مرّ عام على عملية نحشون التي شكلت تحولً في مجريات الحرب"66. وفي خطابه في الكنيست في 29 حزيران/ يونيو 1950، أشاد بن غوريون بالمساعدة العسكرية التشيكوسلوفاكية، وقال إننا لن ننسى أبدًا مساعدة تشيكوسلوفاكيا التي قدّمها يان ماسريك وكلامنتيس. ولم يساعدنا فقط هذان الرجلان اللذان اتصلنا بهما، وإنما ساعدتنا الحكومة التشيكوسلوفاكية باسم شعبها أيضًا. وأنا أريد أن يعرف كل يهودي هذه المساعدة ويثمّنها67. أما رئيسة الحكومة الإسرائيلية السابقة غولدا مئير التي جمعت في ربيع 1948 نحو 60 مليون دولار من يهود الولايات المتحدة، وهو مبلغ ضخم بمعايير تلك الفترة، لشراء الأسلحة لمنظمة الهاغاناه العسكرية، ثم للجيش الإسرائيلي، وكانت أول سفير لإسرائيل في موسكو أثناء فترة "شهر العسل" بين موسكو وتل أبيب، الذي امتد نحو سنتين، فأكدت في مذكراتها، التي نشرتها في سنة 1975، أن إسرائيل اعتمدت بالأساس في حرب 1948 على الأسلحة التي اشترتها من تشيكوسلوفاكيا. وأضافت قائلة: "لولا الأسلحة والذخيرة التي تمكّنا من شرائها من تشيكوسلوفاكيا، وتمريرها عن طريق يوغسلافيا ودول أخرى في البلقان، في تلك الأيام المظلمة من الحرب، لا أعرف إذا كان بإمكاننا الصمود، إلى أن تغيّ الوضع في حزيران/ يونيو 1948. في الأسابيع الستة الأولى من حرب الاستقلال، اعتمدنا أساسًا (ولكن ليس بالمطلق) على القذائف والأسلحة الرشاشة والرصاص، وحتى الطائرات التي تمكّنت الهاغاناه من شرائها من أوروبا الشرقية، في الوقت الذي أعلنت فيه حتى الولايات المتحدة عن حظر بيع السلاح وإرساله إلى الشرق الأوسط"68. أما إسحاق رابين، الذي كان قائد لواء في منطقة القدس في حرب 1948، والذي أصبح لاحقًا رئيسًا لأركان الجيش الإسرائيلي ووزيرًا للدفاع ورئيسًا للحكومة الإسرائيلية، فكتب في مذكراته عندما وصلت الأسلحة التشيكية في بداية نيسان/ أبريل 1948 في تلك الفترة الحاسمة: "مهما كان حساب دولة إسرائيل وحساب الشعب اليهودي مع العالم الشيوعي، فإنه ينبغي الكتابة على رأس الصفحة بأحرف بارزة وواضحة: من دون السلاح التشيكوسلوفاكي، الذي من المؤكد أنه كان وفق تعليمات من الاتحاد السوفياتي، من المشكوك جدًا فيه إذا كان بإمكاننا الصمود في حرب استقلالنا، عندما أغلقت جميع دول الغرب مخازنها في وجهنا. وعندما حصلنا على البنادق والرشاشات والمدافع والطائرات من تشيكوسلوفاكيا، تمكّن جيش الدفاع الإسرائيلي من الصمود في المعركة الصعبة"69.

4 ي. "الفيلق التشيكوسلوفاك"

اقترح شموئيل ميكونيس، أثناء اتصالاته بالمسؤولين التشيكوسلوفاكيين والناشطين التشيكوسلوفاكيين اليهود في براغ، إقامة قوة عسكرية تشيكوسلوفاكية منظمة مكونة من التشيكوسلوفاكيين اليهود ذوي الخبرة الحربية التي اكتسبوها خلال الحرب العالمية

  1. دافيد بن غوريون، يوميات الحرب: حرب الاستقلال 1948 - 1949، ج 3 (تل أبيب: وزارة الدفاع، 1982)، ص 985 (بالعبرية.)
  2. محاضر الكنيست (تل أبيب: المطبعة الحكومية، 1950)، "يوم 31 أيار/ مايو 1950 "، ص 1587 - 1588 (بالعبرية.)
  3. Golda Meir, My Life (Jerusalem and Tel Aviv: Steimatzky, 1975), pp. 188 - 189.
  4. إسحاق رابين، دفتر مذكرات خدمة، مج 1 (تل أبيب: مكتبة معاريف، 1979)، ص 58 (بالعبرية.)

الثانية، لتحارب إلى جانب إسرائيل في حربها ضد الشعب الفلسطيني والدول العربية في سنة 194870. وقد أطلق ميكونيس على هذه القوة العسكرية التي بادر بالدعوة إلى تأسيسها "الفيلق التشيكوسلوفاكي"، تقليدًا وتيمّنًا ب "الفيلق الدولي" الذي شارك في الحرب الأهلية الإسبانية إلى جانب القوات الجمهورية اليسارية ضد القوات اليمينية الفاشية. ففي سياق سعيه لتأمين مختلف أنواع الدعم التشيكوسلوفاكي، ولا سيما العسكري، اجتمع ميكونيس بباول رييمان، أحد قادة القسم الدولي في الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي، وطلب منه إقامة "فيلق تشيكوسلوفاكي" مكون من تشيكوسلوفاكيين يهود، ليحارب إلى جانب إسرائيل في حرب 1948، وليكون شبيهًا بالفيلق الدولي الذي حارب إلى جانب القوى التقدمية في الحرب الأهلية الإسبانية71. وقد أولى ميكونيس، كما يُستشفّ من شهادته، أهمية كبيرة لتأليف هذا الفيلق لأنه، إضافة إلى مردوده العسكري المحض، سيعطي وفق وجهة نظره "صبغة تقدمية" للحرب التي كانت تخوضها إسرائيل ضد الشعب العربي الفلسطيني والدول العربية. فضلً عن ذلك، فإن أفراد هذا الفيلق سيستوطنون في إسرائيل التي كانت في حاجة ماسة إلى الهجرة اليهودية، كي يتم توطين المهاجرين اليهود في المدن والقرى الفلسطينية التي كان يجري تهجير أصحابها العرب الفلسطينيين منها، ليتمّ تهويدها ولمنع عودة العرب الفلسطينيين إليها. وبعد موافقة السلطات التشيكوسلوفاكية على فكرة إنشاء الفيلق، أجرت هذه السلطات مفاوضات بشأنه مع إيهود أفرئيل، ممثل الهاغاناه في أوروبا الشرقية الذي أصبح سفيرًا لإسرائيل في براغ بعد تأسيس إسرائيل، وإقامة علاقات دبلوماسية، في أيار/ مايو 1948، بين براغ وتل أبيب72. وتوصل الطرفان بعد عدة أسابيع من المفاوضات إلى اتفاق بشأن إقامة الفيلق. وتعهدت الحكومة التشيكوسلوفاكية بموجب هذا الاتفاق بتزويد الفيلق بالسلاح الذي تدفع ثمنه الحكومة الإسرائيلية، وبوضع معسكر تدريب بالقرب من براغ تحت تصرف متطوعي الفيلق، يتم فيه تجميعهم وتدريبهم تمهيدًا لإرسالهم إلى إسرائيل. والتزمت الحكومة الإسرائيلية بنقل الفيلق إلى إسرائيل على حسابها، والتزمت كذلك بأن تدفع شهريًا لكل عنصر في الفيلق 20 جنيهًا إلى جانب 40 جنيهًا لأسرته74. وكان من المفروض، وفق تصور ميكونيس وإيهود أفرئيل، أن يبلغ عدد أفراد الفيلق نحو 3000 عسكري، بيْد أن ذلك لم يتحقق، إذ وصل عدد أفراده إلى نحو 1500 عسكري فقط، وقد سافروا إلى إسرائيل بأسلحتهم الخفيفة في ثلاث مجموعات، وصلت الأولى في كانون الأول/ ديسمبر 1948، أما الثانية فوصلت في كانون الثاني/ يناير 1949، في حين وصلت الثالثة في شباط/ فبراير 194975. وقد جرى دمج الفيلق التشيكوسلوفاكي في الجيش الإسرائيلي بناء على أوامر دافيد بن غوريون، وزير الأمن رئيس الحكومة الإسرائيلية. وشكّل الفيلق التشيكوسلوفاكي ثلاث كتائب في الجيش الإسرائيلي: كتيبة دبابات، وكتيبة مدفعية، وكتيبة مشاة آلية76. واستوطن أفراد الفيلق في إسرائيل بعد تسريحهم من الجيش الإسرائيلي. وقد استوطن قسم كبير منهم، بمبادرة ميكونيس وقيادة الحزب الشيوعي الإسرائيلي، كما ذكر ميكونيس في شهادته، في قرية إجزم الفلسطينية الواقعة في جنوب حيفا على سفح جبل الكرمل، التي كانت قوات الهاغاناه والبلماح، اللتين كان يخدم في صفوفهما عناصر من الحزب الشيوعي الإسرائيلي، قد هجّرت

  1. أكد ميكونيس مرارًا في شهادته المشار إليها آنفًا أنه هو الذي بادر واقترح وعمل على تنظيم "الفيلق التشيكوسلوفاكي، فقد قال ميكونيس مثلً: "لقد سافرت إلى براغ في بداية حزيران/ يونيو لكي أحقق أمرين، الحصول على السلاح والمقاتلين. وجزء من هؤلاء المقاتلين يسكنون اليوم في مهرال [إجزم] بالقرب من حيفا. أنا أعرفهم. أعرفهم جميعهم. فإنني أنا الذي نظم الفيلق"، انظر: "شهادة ميكونيس"، ص 62.
  2. يعقوب ماركوفيتسكي، "مؤامرة شيوعية أم مساعدة للأخوة: تجنيد الفيلق التشيكوسلوفاكي، 1948 - 1949 "، دراسات في نهضة إسرائيل، العدد 6 (1996)، ص 190 - 201 (بالعبرية.)
  3. يغار، ص 111. جرى تقديم أوراق اعتماد إيهود أفرئيل لرئيس تشيكوسلوفاكيا على عجل، ولم يمتلك أفرئيل معرفة في الأعراف الدبلوماسية ولا في ما يكتب في ورقة اعتماد السفير، فقدّم أفرئيل لرئيس تشيكوسلوفاكيا مغلفًا فارغًا، بناء على اقتراح رجال البروتوكول في مكتب رئيس تشيكوسلوفاكيا، انظر: المرجع نفسه، ص 111 - 112. 73  المرجع نفسه.
  4. يعقوب ماركوفيتسكي، الجمرة المقاتلة: التجنيد من خارج البلاد في حرب الاستقلال (تل أبيب: وزارة الدفاع، 1995)، ص 190 - 191 (بالعبرية.)
  5. ماركوفيتسكي، "مؤامرة شيوعية أم مساعدة للأخوة"، ص 199 - 200.

أصحابها العرب الفلسطينيين. وقد أطلق على قرية إجزم بعد تهويدها "كيرم مهرال". وذكر ميكونيس في شهادته أنه هو وقيادة الحزب الشيوعي الإسرائيلي الذين بادروا إلى توطين قسم كبير من عناصر الفيلق في قرية إجزم، أما الباقون فجرى توطينهم في عدة قرى وبلدات فلسطينية مهجّرة كان من بينها بلدة الجاعونة في الجليل الشرقي بالقرب من صفد، والتي أصبح يطلق عليها "روش بينا". وقد ذكر ميكونيس في شهادته أنه كان للحزب الشيوعي الإسرائيلي نحو 500 جندي في الفيلق التشيكوسلوفاكي. وعندما جرى تسريحهم من الجيش الإسرائيلي، بدأ الحزب الشيوعي وهؤلاء الجنود المسرّحون في السيطرة على البيوت العربية في قرية إجزم المهجّرة77.

سابعًا: سعي الحزب الشيوعي الأرض -ي إسرائيل للمشاركة يف مؤسسات الأمن ومجلس الدولة اليهودية

شن الحزب الشيوعي الأرض - إسرائيلي حملة واسعة ومستمرة لإشراكه في مؤسسات الأمن للييشوف اليهودي في فلسطين وفي مجلس الدولة اليهودية78. وفي بداية آذار/ مارس 1948، أبلغت اللجنة القومية وإدارة الوكالة اليهودية اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الأرض – إسرائيلي موافقتها على أن يكون للحزب ممثل واحد في مجلس الشعب، وطلبت من اللجنة المركزية تسمية ممثل لها في هذا المجلس، وقد استجابت اللجنة المركزية للحزب فورًا، وعيّنت شموئيل ميكونيس الأمين العام للحزب، الذي كان حينئذ في أوروبا الشرقية، ممثلً لها في مجلس الشعب. لم يكتفِ الحزب الشيوعي بذلك واستمر في مطالبته بإشراكه في قيادة قوى الأمن للييشوف79. ودعا مئير فلنر في مقالة له، أثناء النقاش في الييشوف بشأن تركيبة مجلس الشعب وحجم القوى السياسية فيه، إلى تمثيل الحزب الشيوعي في مجلس الشعب بأكثر من عضو واحد، وبما يتناسب مع قوته الحقيقية في الييشوف اليهودي80. وناقش فلنر أولئك الذين يطرحون أن مجلس الشعب ينبغي ألّ يمثل موازين القوى في الييشوف اليهودي في فلسطين فقط، وإنما أيضًا موازين القوى "في الشعب اليهودي في العالم". وحاجج فلنر بأن "موازين القوى في الشعب اليهودي في العالم" ليست في صالح اليمين، وقال إن القوى التقدمية في صفوف الشعب اليهودي في العالم، وفي مقدمتهم الشيوعيون، يقفون بقوة إلى جانب إقامة الدولة اليهودية المستقلة والديمقراطية. وأوضح فلنر في مقالته أنه "حان الوقت لوضع حد، مرة وإلى الأبد، للادعاء الذي لا أساس له من الصحة المتمثل بأن دعم حرب الييشوف اليهودي للاستقلال القومي ودعم حق اليهود في الهجرة والاستيطان، قضية تخص الحركة الصهيونية فقط"؛ لأنه "منذ اللحظة التي لبست فيها الحرب لإقامة الدولة اليهودية طابعًا معاديًا للإمبريالية"، وفق ما ادعاه فلنر، باتت هذه المطالب مطالب ديمقراطية تقدمية. وادعى فلنر أنه لا يوجد أصلً أي أساس لاعتبارها مطالب صهيونية81. واسترسل فلنر في محاولته إثبات أن الحزب الشيوعي يتمسك بهذه المطالب أكثر من الحركة الصهيونية نفسها، فقال إنه بات واضحًا في هذه الأيام، وسيتضح ذلك أكثر في المستقبل، أنه توجد الآن قوى داخل المعسكر الصهيوني، وستزداد أكثر في المستقبل، التي ستخون حرب استقلال الشعب اليهودي انطلاقًا من علاقاتها بالإمبريالية البريطانية والأميركية. وأضاف قوله إنه توجد في مقابل ذلك قوى كثيرة ذات وزن لا تنتمي إلى المعسكر الصهيوني، وتدعم بلا هوادة ومن دون مساومات حرب الاستقلال القومي للييشوف اليهودي في فلسطين.

  1. شهادة ميكونيس"، ص 54.
  2. الحزب الشيوعي الأرض - إسرائيلي يطالب بإشراكه في مؤسسات الأمن ومجلس الحكومة"، كول هعام، 3 / 3 / 1948.
  3. إستير فيلونسكا، "ليتم إشراك الشيوعيين في قيادة قوات الأمن"، كول هعام، 5 / 3 / 1948.
  4. مئير فلنر، "الحزب الشيوعي ومجلس الحكومة المؤقت"، كول هعام، 12 / 3 / 1948.
  5. المرجع نفسه.

وانتقد فلنر في مقالته تقصير قيادة الحركة الصهيونية والييشوف في حشد مختلف الطاقات الكامنة في الييشوف واليهود في العالم وتجنيدها، وادعى أن الييشوف اليهودي مجنّد تجنيدًا جزئيًا فقط، وأنه ينقصه السلاح والعتاد والذخيرة ووسائل النقل. وطالب بالإسراع في إقامة الحكومة المؤقتة لكي تقوم بمهماتها ودورها بوصفها مؤسسة "مقاتلة تجند كل القوى الكامنة في الييشوف وفي الشعب اليهودي في العالم" من أجل تحقيق الاستقلال82. وبدوره، أشار إلياهو غوجانسكي في مقالة له إلى أن الييشوف اليهودي يواجه حربًا مصيرية وطويلة وقاسية، وأن ذلك يستدعي التعبئة والتجنيد الكاملين للجبهة، والعمق وملاءمة العمق لاحتياجات الجبهة، وتنظيم الاقتصاد والمجتمع ووسائل الإنتاج بالكامل لخدمة الحرب، بما في ذلك وضع قوانين طوارئ لخدمة الجهد الحربي83. وفي 13 آذار/ مارس 1948، اجتمعت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الأرض - إسرائيلي بكامل أعضائها، وناقشت تردّي أوضاع الييشوف اليهودي نتيجة النضال الفعال الذي كان يخوضه الشعب الفلسطيني، واتخذت مجموعة من القرارات في ما يخص الحرب وقراءة الحزب لها ودوره فيها. وعالجت اللجنة المركزية أربعة مواضيع أساسية، هي: وضع الأمن، ومسألة القضاء على التهرب من الخدمة العسكرية، ومطلب الحكومة المؤقتة للدولة اليهودية، ودور الحزب الشيوعي في الحرب84. ومن المهم عرض أهم ما جاء في هذه المواضيع التي عالجتها اللجنة المركزية، وهي كما يلي.

1. وضع الأمن

أكدت اللجنة المركزية أن وضع الأمن للييشوف في الشهر الماضي أصبح خطيرًا، واتهمت الإمبريالية البريطانية بالتسبب في ذلك لأنها نظّمت، كما ادعت اللجنة المركزية، الحرب العسكرية ضد قرارات الأمم المتحدة. ومرت هذه الحرب، وفق ادعاء اللجنة المركزية، بثلاث مراحل. ففي المرحلة الأولى، "جندت الإمبريالية بمساعدة اللجنة العربية العليا عصابات من العناصر الضعيفة من السكان العرب" لتقاتل ضد الييشوف. وقد عارض ذلك، وفق ما ادعته اللجنة المركزية، الكثير من القرى العربية وطبقات واسعة من الشعب العربي من عمال وحرفيين وتجار. ونتيجة لذلك، فشلت الإمبريالية البريطانية في إثارة أجزاء واسعة من الشعب الفلسطيني ضد الييشوف، فاضطرت إلى الانتقال إلى المرحلة الثانية، وهي "تجنيد عصابات من صفوف عناصر ظلامية من الدول العربية المجاورة ومن مناطق بعيدة". ولم تكتفِ اللجنة المركزية بهذه الافتراءات في سياق سعيها لتشويه النضال الفلسطيني، فأضافت افتراءً آخر لتسويقه ليس في فلسطين فقط، وإنما أيضًا للأحزاب الشيوعية والقوى التقدمية في العالم، ولا سيما في أوروبا الشرقية التي عانت الأمرّين من الاحتلال النازي، فذكرت أن "الإمبريالية البريطانية تقوم بتجنيد عشرات الضباط النازيين لهذه العصابات"، وذلك في الوقت الذي تزيد فيه من مصادرتها سلاح الييشوف ومن قيامها بتفجير مواقع للهاغاناه. واستطردت اللجنة المركزية قائلة إنه "في ضوء الصمود الأسطوري للييشوف اليهودي"، وفي ضوء ما زعمته معارضة الغالبية العظمى للشعب العربي في البلاد المشاركة في الهجوم على الييشوف اليهودي، انتقلت الإمبريالية البريطانية إلى المرحلة الثالثة، وهي وفق افترائها "المشاركة المباشرة للجيش والشرطة البريطانيَيّن في الهجوم على الييشوف". كما أضافت اللجنة المركزية قائلة إن الجهة التي يواجهها الييشوف اليوم ليست جهة سياسية فقط، وإنما هي جهة عسكرية تشمل الإمبريالية البريطانية والرجعية العربية أيضًا. واستخلصت اللجنة المركزية أنه يجب، من أجل تحسين الإدارة والقيادة ل "حربنا العسكرية"85، أن يكون للييشوف اليهودي المقاتل جيش واحد فقط، وأنه ينبغي إلغاء اتفاق منظمة الهاغاناه مع منظمة إتسل، ويجب إشراك جميع الأحزاب الديمقراطية اليهودية في قرارات الييشوف العسكرية والسياسية.

  1. المرجع نفسه.
  2. إلياهو غوجانسكي، "من أجل جهد حربي مجد"، كول هعام، 16 / 3 / 1948.
  3. من قرارات اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الأرض - إسرائيلي في اجتماعها في 13 / 3 / 1948 "، كول هعام، 18 / 3 / 1948.
  4. المرجع نفسه.

2. القضاء على التهرب من الخدمة وعلى السمسرة

انتقدت اللجنة المركزية بشدة قيادة الييشوف اليهودي لتقصيرها، وفق ما ادعته اللجنة المركزية، في مكافحة التهرب في صفوف الييشوف من الخدمة العسكرية، وفي التصدي للسمسرة في الييشوف. وأبدت اللجنة المركزية في بيانها حرصها على أمن الييشوف وحربه أكثر من قيادة الييشوف، فأكدت أنه في الوقت الذي يهدد فيه "العدو الإمبريالي" الوجود الجسدي المادي للييشوف اليهودي، فإن قيادة الييشوف لم تقم بتجنيد الييشوف وفقًا لمتطلبات مواجهة الخطر المحدق به على وجوده المادي. وادعت اللجنة المركزية أن قيادة الييشوف لم تتخذ الإجراءات الكافية ضد المتهربين من الخدمة العسكرية، ولا سيما ضد الأغنياء منهم، وضد أصحاب رؤوس الأموال الذين اتهمتهم اللجنة المركزية بالتهرب من القيام بواجبهم، في الوقت الذي كان فيه الييشوف في أمسّ الحاجة إلى ملايين الليرات لشراء السلاح والذخيرة. ودعت اللجنة المركزية قيادة الييشوف إلى اتخاذ الإجراءات الصارمة ضد المتهربين من الخدمة العسكرية، وضد السماسرة والمضاربين بالأسعار، واعتبارهم خائنين للوطن.

3. الحكومة المؤقتة

دعت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الأرض - إسرائيلي قيادة الحركة الصهيونية إلى تشكيل الحكومة المؤقتة في أقرب وقت ممكن، وقبل انتهاء آذار/ مارس 1948. وطالبت بأن تشمل هذه الحكومة الحزب الشيوعي وجميع الأحزاب الصهيونية العمالية. وأكدت اللجنة المركزية أن على الحكومة المؤقتة، عند تشكيلها، الإعلان عن حالة الطوارئ وتجنيد جميع المساعدات من "الشعب اليهودي في العالم"، والتوجه إلى جميع الدول الديمقراطية، ودعوتها إلى تقديم مختلف أشكال الدعم للييشوف اليهودي ضد "العدوان الإمبريالي" و"العصابات العربية من الدول العربية المجاورة". ودعت اللجنة المركزية الحكومة المؤقتة، "في ضوء الحرب العلنية" التي تشنها الإمبريالية البريطانية ضد إقامة الدولة اليهودية، و"في ضوء التخريب المتعمد" الذي تقوم به حكومة الولايات المتحدة الأميركية، أن تستخلص العبر، وأن تقف بشدة ضد التوصل إلى أي حل وسط على حساب سيادة الدولة اليهودية، وأن تعلن أنها ستعتبر أن "أي محاولة للخضوع للضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية للأعداء الإمبرياليين هي خيانة للوطن والشعب"86.

4. دور الحزب الشيوعي

أكدت اللجنة المركزية مجددًا أن الحزب الشيوعي الأرض - إسرائيلي بجميع كوادره وأعضائه وأنصاره، مجندون لمصلحة "حرب الييشوف اليهودي للاستقلال"؛ إذ إن "الحرب من أجل الاستقلال وإخلاء الجيش الأجنبي ما زالت مستمرة، فالإمبريالية الأميركية والبريطانية تقوم بكل شيء رغم الإعلانات من أجل إبقاء الحكم الإمبريالي بشكل جديد". ودعت اللجنة المركزية "جميع أعضاء الحزب إلى الانخراط فورًا، في هذه الساعة الحاسمة لمستقبل الييشوف، في الصفوف الأمامية للمناضلين ضد أي حل وسط مع الإمبريالية، والتصدي لكل هجوم عسكري أو سياسي أو اقتصادي ضد الييشوف اليهودي". وأكدت اللجنة المركزية أنه يتحتم على أعضاء الحزب المنخرطين في صفوف قوات الييشوف العسكرية في الجليل والنقب وفي مختلف خطوط التّماس في المدن والمستوطنات، أن يمثّلوا نموذجًا لمقاتلين من أجل الحرية. واختتمت اللجنة المركزية قراراتها بالشعار "تجنيد كامل من أجل الاستقلال الكامل"87.

  1. المرجع نفسه.
  2. المرجع نفسه.

ثامنًا: موقف الحزب الشيوعي الأرض -ي إسرائي ل من مطلب وضع فلسطين تحت الوصاية

في أعقاب المقاومة الباسلة التي أبداها الشعب العربي الفلسطيني في الشهور الثلاثة الأولى من سنة 1948، وفي أعقاب خشية الولايات المتحدة من عدم قدرة الحركة الصهيونية على فرض الدولة اليهودية بقوة السلاح على الشعب الفلسطيني، أعلن مندوب الولايات المتحدة في الأمم المتحدة في 19 آذار/ مارس 1948 أن حكومة الولايات المتحدة سحبت تأييدها مشروع تقسيم فلسطين إلى دولتين، وأنها باتت تميل إلى فرض نظام الوصاية على فلسطين بدلً من قرار التقسيم. واتخذ هذا الموقف أيضًا كل من فرنسا وبريطانيا والصين وأغلبية الدول الأعضاء في مجلس الأمن، ما عدا الاتحاد السوفياتي الذي ظل مصممًا على تنفيذ قرار التقسيم، ولا سيما الشطر الخاص منه المتمثل بإقامة دولة يهودية في فلسطين88. وقد أجمعت كل المؤسسات والأحزاب الصهيونية على إدانتها ورفضها بشدة اقتراح الولايات المتحدة بوضع فلسطين تحت الوصاية الدولية بدلً من تقسيم فلسطين وإقامة دولة يهودية فيها. وبرز الحزب الشيوعي الأرض - إسرائيلي في رفضه هذا الاقتراح ونعته بمختلف النعوت السلبية. ولم ينطلق الحزب الشيوعي في رفضه هذا الاقتراح من منطلق احترام قرارات الأمم المتحدة. فالحزب الشيوعي كان يعمل علنًا على أنه يقف ضد قرارات الأمم المتحدة، ويعمل ضدها عندما كانت هذه القرارات تتناقض مع أهداف الحركة الصهيونية، مثل تأييده احتلال أراضٍ عربية فلسطينية مخصصة للدولة العربية الفلسطينية وفق قرار التقسيم، وتأييده احتلال الجيش الإسرائيلي أثناء حرب 1948 أراضيَ تابعة للدول العربية، كانت خارج حدود الدولة اليهودية، وكذلك مثل تنظيم جلب السلاح والهجرة اليهودية والمقاتلين اليهود من أوروبا الشرقية، خلافًا لقرارات الأمم المتحدة، كما بيّنا سابقًا. وقد شن الحزب الشيوعي الأرض - إسرائيلي حملة شعواء ضد اقتراح الوصاية المؤقتة على فلسطين، وفي هذا السياق انتقدت صحيفة كول هعامهذا الاقتراح بشدة، وحمل عنوان عددها الصادر في 21 آذار/ مارس 1948 "خيانة مخجلة لحكومة أميركا" الذي صبّت فيه جام غضبها على الاقتراح الأميركي89. وفي افتتاحيتها في العدد نفسه كتبت كول هعامتحت عنوان "لن تنجح المؤامرة": إن حكومة أميركا الإمبريالية أعلنت عن تخليها التام عن قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة، وبذلك "تحوّل الآن التخريب الخفي الذي كانت تقوم به الولايات المتحدة إلى خيانة علنية". وأردفت كول هعامقائلة إن استقلال الييشوف غير مرتبط بالاعتبارات الإمبريالية الأميركية، و"لن يتأثر استقلالنا القومي بسبب هذه الخيانة الأميركية. فحريتنا مرتبطة بنا، بالييشوف اليهودي وبحلفائنا الحقيقيين". وأضافت كول هعامقولها إن الييشوف اليهودي حشد جميع طاقاته من أجل إقامة الدولة اليهودية وإفشال نظام الوصاية، وإن على قيادة الييشوف التوجه فورًا إلى المعسكر الاشتراكي، وطلب المساعدات منه لتمكين الييشوف من إقامة الدولة اليهودية90. وفي 22 آذار/ مارس 1948 أصدر الحزب الشيوعي الأرض - إسرائيلي بيانًا بعنوان "لتقم الحكومة المؤقتة للدولة اليهودية فورًا"، استهلّه بقوله: "لقد أصبح التخريب الأميركي على قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بإقامة الدولة اليهودية خيانة مكشوفة"91. وأضاف قوله: "إن استقلال الييشوف اليهودي لا يعتمد على الاعتبارات والمؤامرات الإمبريالية لمستعبدي الشعوب ومثيري الحروب في واشنطن ولندن. إن حريتنا تعتمد علينا، نحن الييشوف اليهودي. نستطيع الحصول على استقلالنا القومي فقط من خلال الحرب". وقال البيان أيضًا: "لسنا معزولين، لنا حلفاء عظماء. الاتحاد السوفياتي وبلدان الديمقراطية الشعبية في شرق أوروبا، وكل الشعب اليهودي

  1. عارف العارف، نكبة بيت المقدس والفردوس المفقود، ج 1 (صيدا: المكتبة العصرية، 1956)، ص 136.
  2. خيانة مخجلة لحكومة أميركا"، كول هعام، 21 / 3 / 1948.
  3. لن تنجح المؤامرة"، كول هعام، 21 / 3 / 1948.
  4. بيان الحزب الشيوعي الأرض – إسرائيلي، "لتقم الحكومة المؤقتة للدولة اليهودية فورًا"، كول هعام، 22 / 3 / 1948.

وكل القوى التقدمية في العالم تقف إلى جانبنا! لنحارب ضد كل محاولة للاستسلام! لنجند كل الييشوف في معسكر مقاتل لإقامة دولتنا. ولنقاوم كل عمل عدائي من جانب الإمبرياليين الغرباء وعصاباتهم العربية المأجورة". واختتم الحزب الشيوعي بيانه بدعوته قيادة الييشوف إلى إقامة الحكومة المؤقتة للدولة اليهودية فورًا92. فيي حين شرعت منظمة الهاغاناه وقواتها الضاربة، البلماح، في تنفيذ خطة "دالت" الكبرى لطرد الشعب العربي الفلسطيني من مدنه وقراه، ولا سيما من المنطقة الفلسطينية المخصصة لإقامة الدولة اليهودية فيها وفق قرار التقسيم، والتي شارك أعضاء الحزب وأنصاره فيها من خلال انضمامهم أولً إلى منظمة الهاغاناه والبلماح، ثم إلى الجيش الإسرائيلي، وفي حين كانت القوات العسكرية اليهودية ترتكب المجازر في حق المدنيين الفلسطينيين، كتب مئير فلنر مقالة مهمة بعنوان "الحرب من أجل استقلالنا"، عبّ فيها عن سياسة الحزب الشيوعي وروحيته في تلك الفترة. استهل فلنر مقالته بقوله: "إن حرب البطولة التي يخوضها شبابنا ستسجل في التاريخ كإحدى الصفحات الأكثر إشراقًا في الحرب من أجل الحرية للشعب اليهودي والإنسانية جمعاء"93. وقال فلنر إن جماهير الييشوف اليهودي صامدة ببطولة في الحرب، وهي مصممة على نيل الحرية والاستقلال القومي، وتكره الطغاة البريطانيين الغرباء و"عصابات المفتي التي تساعدهم". وانتقد فلنر قيادة الييشوف اليهودي بشدة لأنها "قررت الخضوع لضغط مارشال وبيفن"94، ولم تعلن قيام الحكومة المؤقتة للدولة اليهودية. ادعى فلنر أن وجود الييشوف اليهودي في فلسطين في خطر، وأن الإمبريالية الأميركية "تمهد لإبادة اليهود تمامًا كما فعل هتلر"95، وقال إنه إذا ما نجحت السياسة الإمبريالية الأميركية في إثارة حرب عالمية جديدة، فإن الحملة التي تقوم بها الإمبريالية الأميركية ضد الاتحاد السوفياتي تنسجم مع الحملة الإمبريالية ضد اليهود من أجل إبادتهم. وادعى فلنر أن "خطة مارشال في ما يخص الشعب اليهودي لن تكون مختلفة عن خطة هملر وخطة مايدنك وأوشفيتس وبابيار تمامًا، كما أن عقيدة ترومان لا تختلف عن عقيدة كتاب كفاحي". وعلل فلنر اتهاماته الخطيرة هذه بأن الولايات المتحدة تسعى لإبادة اليهود، وهي الاتهامات المنافية جدًا للواقع، لأن الولايات المتحدة تراجعت عن دعمها لقيام دولة يهودية، واقترحت فرض الوصاية على فلسطين. فذكر فلنر أن "التراجع في موقف أميركا من القضية الفلسطينية ليس مصادفة، وهو ليس مجرد تغيير في توقيت تحقيق إقامة الدولة اليهودية. فهذا القرار هو قرار تاريخي، وهو ينبع من رؤية الإمبريالية الأميركية الشاملة". فالإمبريالية الأميركية التي تحضّ للحرب العالمية الثالثة ضد الاتحاد السوفياتي، لا تعد الييشوف اليهودي في فلسطين جزءًا من معسكر مناصريها في الشرق الأوسط؛ ذلك أن الإمبريالية الأميركية والإمبريالية البريطانية وفق فلنر "تعتقدان أنه حتى إن وُجد قادة يهود في الييشوف الذين يخونون شعبهم ويناصرون الإمبريالية، وينخرطون في قطار الهتلرية الأميركية والموسولونية الإنكليزية ضد السلم العالمي، فإن جماهير الييشوف اليهودي لن تسمح لهم بالقيام بهذه المهمة القذرة". وعدّ فلنر أن التراجع الأميركي لم يكن فقط ضد إقامة دولة يهودية، وإنما كان أيضًا ضد مجرد وجود الييشوف اليهودي في فلسطين. ثم تساءل فلنر: "هل الشعب اليهودي مرغم على أن يتعرض لهولوكوست جديد؟". وقال فلنر أيضًا إن الإمبريالية الأميركية التي "تتجرأ على غمر شعوب اليونان والصين وإندونيسيا ببحر من الدماء، فإنها ستتجرأ أيضًا على إبادة الييشوف اليهودي في البلاد"96. واستخلص فلنر أن إمكانية خضوع الييشوف اليهودي للوصاية تعني الانتحار.

  1. المرجع نفسه.
  2. مئير فلنر، "الحرب من أجل استقلالنا"، كول هعام، 2 / 4 / 1948.
  3. المرجع نفسه.
  4. المرجع نفسه.
  5. المرجع نفسه.

وشدد فلنر في مقالته على أن "الشعب اليهودي" ليس وحيدًا في حربه، فالمعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفياتي يقف إلى جانبه. وما على الييشوف اليهودي سوى الاستمرار في الحرب بلا هوادة، فاستمراره في الحرب يقود إلى حصوله على المساعدات من "جميع الشعوب المناضلة من أجل الحرية والسلام". والبديل من الاستمرار في الحرب هو "غيتو وفقدان الإمكانية للاستقلال وخطر الإبادة". واتهم فلنر قيادة الوكالة اليهودية بالتقصير في قيادة الحرب، وأنها تخشى الإمبريالية الأميركية والبريطانية وتتراجع أمامهما، وأنها تتردد في إقامة الحكومة المؤقتة للدولة اليهودية لأنها ترغب "في الرقص على الحبلين"، وأنها تمنع التجنيد الكامل للييشوف اليهودي وتمنع كذلك حصول الييشوف، في حربه الدائرة، على مساعدة القوى التقدمية في العالم. وأضاف فلنر قوله: "إننا نحذّر قيادة الييشوف والأمم المتحدة: لن يكون وقف لإطلاق النار من دون استقلال الدولة اليهودية"، وأكد أن "حرب الييشوف ضد الإمبريالية ستستمر وستتعزز حتى إذا استمرت قيادة الييشوف في الارتداع" عن مواجهة الإمبريالية. ومن أجل استمرار الييشوف اليهودي في الحرب، دعا فلنر إلى إقامة جبهة وطنية يشارك فيها الحزب الشيوعي مع جميع "القوى التقدمية" و"القوى المعادية للإمبريالية"، بما في ذلك حزب العمال الموحد والهاغاناه، من أجل التصدي لخطر خنوع قيادة الييشوف للإمبريالية. فالطريق الوحيدة، وفق فلنر، هي الاستمرار في "حرب البطولة التحررية" لإقامة الدولة اليهودية بقوة السلاح97. على إثر وصول كميات كثيرة من الأسلحة المتطورة من تشيكوسلوفاكيا في بداية نيسان/ أبريل 1948، كما أشرنا إلى ذلك سابقًا، تمكّنت قوات الهاغاناه من تغيير سير المعارك والشروع في احتلال أجزاء واسعة من فلسطين، وطرد الفلسطينيين من المدن والقرى التي احتلتها بعد ارتكاب المجازر في حقهم وإعلان تأسيس إسرائيل في الخامس عشر من أيار/ مايو 1948. وعند احتلال الهاغاناه، ثم الجيش الإسرائيلي بعد قيام إسرائيل، مدنًا وقرى وأراضيَ عربية واسعة خارج حدود الدولة اليهودية، وتابعة للدولة العربية الفلسطينية وفق قرار التقسيم، لم يطالب الحزب الشيوعي الإسرائيلي إطلاقًا بانسحاب القوات العسكرية الإسرائيلية من هذه الأراضي، بل إنه، على النقيض من ذلك تمامًا، انتقد بشدة الحكومة الإسرائيلية "لخضوعها للضغوط الإمبريالية" بالانسحاب من أراضٍ فلسطينية وعربية تقع خارج المنطقة المخصصة للدولة اليهودية وفق حدود قرار التقسيم، وأيضًا لعدم احتلالها أراضيَ أخرى خارج حدود الدولة اليهودية، ولتخلّيها عن أراضٍ تابعة للدولة اليهودية وفق قرار التقسيم98. وكذلك انتقد الحزب الشيوعي الإسرائيلي بشدة الحكومة الإسرائيلية لفشلها في "تحرير" أراضٍ أخرى كان يعتقد الحزب الشيوعي أنه كان باستطاعة إسرائيل "تحريرها"، فقد اتهم شموئيل ميكونيس بن غوريون وانتقده، لعدم "تحريره مدينة القدس العربية القديمة رغم توافر جميع الشروط اللازمة لذلك"، وأوضح ميكونيس أن "الفشل في تحرير القدس القديمة كان نتيجة خضوع الحكومة الإسرائيلية لضغوط بريطانيا"99.

خاتمة

لقد تبنّى الحزب الشيوعي الإسرائيلي الرؤيا والرواية الصهيونيتين لحرب 1948. وشارك أعضاء الحزب الشيوعي وأنصاره في حرب 1948 في صفوف البلماح والهاغاناه والجيش الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني والدول العربية، وفي تنفيذ خطة "دالت"، وفي احتلال المدن والقرى الفلسطينية وطرد الفلسطينيين منها.

  1. المرجع نفسه.
  2. اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الإسرائيلي، المؤتمر العام الحادي عشر للحزب الشيوعي الإسرائيلي (تل أبيب: اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الإسرائيلي، 1949)، ص 48 - 49 (بالعبرية.)
  3. ميكونيس، عواصف الزمن، ص 129 - 130.

وقد ارتكبت الهاغاناه والبلماح والجيش الإسرائيلي، وفق ما ذكره المسؤول عن الأرشيف الإسرائيلي، 110  مجازر في حرب 1948. وكان أعضاء الحزب الشيوعي يقاتلون في صفوف البلماح والهاغاناه والجيش الإسرائيلي، وشاركوا في ارتكاب المجازر. لم يعترف الحزب الشيوعي بحدوث هذه المجازر، ولم يحتجّ على أي منها، رغم أنه كان يعرف عنها كما كان يعرف عنها جميع قادة الأحزاب الإسرائيلية الأخرى. كذلك شارك جنود الحزب الشيوعي الإسرائيلي وضباطه في الحرب في توسيع حدود الدولة اليهودية إلى خارج حدود التقسيم، وفي احتلال أراضٍ تابعة للدولة العربية الفلسطينية وفق قرار التقسيم، ورفضَ الحزب الشيوعي الإسرائيلي انسحاب إسرائيل منها. وانتقد الحزب الشيوعي الإسرائيلي الحكومة الإسرائيلية بشدة لتقصيرها في احتلال مناطق تقع خارج المنطقة المخصصة للدولة اليهودية، وفق قرار التقسيم، كان بإمكانها احتلالها، ولكنها لم تقم بذلك "لخضوعها للإملاءات الاستعمارية"، وفق ما ذكره الحزب، مثل عدم إصدارها الأمر باحتلال البلدة القديمة في القدس العربية. وانتقد الحزب الشيوعي الإسرائيلي بشدة الحكومة الإسرائيلية لانسحابها من مناطق عربية تابعة لدولة عربية احتلتها، مثل انسحابها من سيناء والعريش في حرب 1948 تحت الضغط البريطاني والأميركي. وأيد الحزب الشيوعي الإسرائيلي بشدة الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وساهم خلال الحرب بكل طاقاته في تنظيمها وفي تنظيم الهجرة اليهودية المقاتلة من دول أوروبا الشرقية. وشارك الحزب الشيوعي الإسرائيلي في توطين المهاجرين اليهود في المدن والقرى الفلسطينية التي هجرت الهاغاناه والبلماح والجيش الإسرائيلي أصحابها الفلسطينيين منها. وشارك الحزب الشيوعي الإسرائيلي كذلك في المبادرة وفي تنظيم استيلاء المهاجرين اليهود على الممتلكات والأراضي العربية الفلسطينية، ورفع شعار "الأرض لمن يفلحها"، بعد طرد أصحابها العرب الفلسطينيين منها. وبخلاف الانطباع السائد، تخلّ الحزب الشيوعي الإسرائيلي بسرعة مذهلة عن المطالبة بتطبيق قرار التقسيم المتعلق بإقامة دولة عربية فلسطينية، وعارض انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية التابعة للدولة العربية الفلسطينية التي احتلتها القوات الإسرائيلية، وأخذ يتعامل مع القضية الفلسطينية بوصفها صراعًا بين دول، دولة إسرائيل من ناحية والدول العربية من ناحية أخرى. وتبنّى الحزب الشيوعي الإسرائيلي الرواية الصهيونية في أسباب اقتلاع الفلسطينيين وتهجيرهم من مدنهم وقراهم الفلسطينية، ونفى أن تكون الحركة الصهيونية وقواتها العسكرية هي التي هجّرت الشعب الفلسطيني من وطنه، واتهم عوضًا عن ذلك الضحية الفلسطينية وحمّلها مسؤولية التهجير. فقد اتهم الحزب الشيوعي الإسرائيلي القيادة الفلسطينية والبنك العربي والشركات المرتبطة بهما، إلى جانب الرجعية العربية والاستعمار البريطاني، بالتسبّب في هجرة الشعب الفلسطيني.