العودة إلى تفاصيل المؤلَّف القوّة في الحكاية

القوّة في الحكاية

The Power in the Story

ميشيل رولف ترويو

Michel-Rolph Trouillot

الملخّص

ثمة تداخل يبلغ حدّ الالتباس بن التاريخ بوصفه سرورة اجتمعية تاريخية، والتاريخ بوصفه معرفة بتلك السرورة أو حكاية عنها، بن "ما حدث" و"ما يُقال إنّه حدث"، ومردّ ذلك أنّ البر يساهمون في التاريخ بوصفهم فاعلن وساردين عى حدّ سواء. وإذا ما كانت الوضعية قد مالت إلى تأكيد التمييز بن السرورة التاريخية وحكايتنا عنها، في حن شدّدت البنائية عى التداخل بينهم، فقد آن أوان النظر إلى إنتاج التاريخ خارج الثنائيات التي يشر إليها هذان الموقفان ويعيدان إنتاجها. مثل هذا النظر الخارج عى الثنائيات، لا يعني عدم الاعتراف بأنّ للسرورة التاريخية بعض الاستقلالية إزاء السرد، وبأنّ الحدود بن "ما حدث" و"ما قيل إنّه حدث" تبقى ضرورية، مهم تكن ملتبسة وطارئة. بل يعني أن يؤخذ بأشدّ الحسبان تنوّع الساردين الذين لا يقت وررن البتّة عى المؤرّخن المختصن، وما تنطوي عليه سردياتهم من رهانات أبعد من الأكاديميا. إنّ ما يقتضيه تنوّع البر المساهمن ووجود رهاناتهم هو التركيز الملموس عى عملية إنتاج التاريخ، لا الاهتمم المجرد بطبيعة التاريخ. وحده التركيز عى هذه العملية يمكن أن يكشف عن الطرائق التي يتداخل بها جانبَا التاريخ في سياق بعينه. ومن خلال هذا التداخل فحسب يمكن أن نكشف عن التباين في ممرسة القوّة؛ ذلك التباين الذي يجعل بعض السرديات ممكنةً ويُسكت أخرى. كلمت مفتاحية:  التاريخ، السرورة، السرد، الوضعية، البنائية، الفاعلون، القوة.

Abstract

Words are not concepts and concepts are not words: between the two are the layers of theory accumulated throughout the ages. But theories are built on words and with words. Thus it is not surprising that the ambiguity offered by the vernacular use of the word history has caught the attention of many thinkers since at least antiquity. What is surprising is the reluctance with which theories of history have dealt with this fundamental ambiguity. Indeed, as history became a distinguishable profession, theorists have followed two incompatible tendencies. Some, influenced by positivism, have emphasized the distinction between the historical world and what we say or write about it. Others, who adopt a “constructivist” viewpoint, have stressed the overlap between the historical process and narratives about that process. Most have treated the combination itself, the core of the ambiguity, as if it were a mere accident of vernacular parlance to be corrected by theory. What I hope to do is to show how much room there is to look at the production of history outside of the dichotomies that these positions suggest and reproduce.

الكلمات المفتاحية:
  • التاريخ
  • السرد
  • الفاعلون
  • القوة
  • الوضعية
  • البنائية
Keywords:
  • history
  • Process
  • Positivism
  • Constructivism
  • Actors
  • Power

ثمة تداخل يبلغ حدّ الالتباس بن التاريخ بوصفه سرورة اجتمعية تاريخية، والتاريخ بوصفه معرفة بتلك السرورة أو حكاية عنها، بن "ما حدث" و"ما يُقال إنّه حدث"، ومردّ ذلك أنّ البر يساهمون في التاريخ بوصفهم فاعلن وساردين عى حدّ سواء. وإذا ما كانت الوضعية قد مالت إلى تأكيد التمييز بن السرورة التاريخية وحكايتنا عنها، في حن شدّدت البنائية عى التداخل بينهم، فقد آن أوان النظر إلى إنتاج التاريخ خارج الثنائيات التي يشر إليها هذان الموقفان ويعيدان إنتاجها. مثل هذا النظر الخارج عى الثنائيات، لا يعني عدم الاعتراف بأنّ للسرورة التاريخية بعض الاستقلالية إزاء السرد، وبأنّ الحدود بن "ما حدث" و"ما قيل إنّه حدث" تبقى ضرورية، مهم تكن ملتبسة وطارئة. بل يعني أن يؤخذ بأشدّ الحسبان تنوّع الساردين الذين لا يقت

وررن البتّة عى المؤرّخن المختصن، وما تنطوي عليه سردياتهم من رهانات أبعد من الأكاديميا. إنّ ما يقتضيه تنوّع البر المساهمن ووجود رهاناتهم هو التركيز الملموس عى عملية إنتاج التاريخ، لا الاهتمم المجرد بطبيعة التاريخ. وحده التركيز عى هذه العملية يمكن أن يكشف عن الطرائق التي يتداخل بها جانبَا التاريخ في سياق بعينه. ومن خلال هذا التداخل فحسب يمكن أن نكشف عن التباين في ممرسة القوّة؛ ذلك التباين الذي يجعل بعض السرديات ممكنةً ويُسكت أخرى. كلمت مفتاحية:  التاريخ، السرورة، السرد، الوضعية، البنائية، الفاعلون، القوة.

Words are not concepts and concepts are not words: between the two are the layers of theory accumulated throughout the ages. But theories are built on words and with words. Thus it is not surprising that the ambiguity offered by the vernacular use of the word history has caught the attention of many thinkers since at least antiquity. What is surprising is the reluctance with which theories of history have dealt with this fundamental ambiguity. Indeed, as history became a distinguishable profession, theorists have followed two incompatible tendencies. Some, influenced by positivism, have emphasized the distinction between the historical world and what we say or write about it. Others, who adopt a “constructivist” viewpoint, have stressed the overlap between the historical process and narratives about that process. Most have treated the combination itself, the core of the ambiguity, as if it were a mere accident of vernacular parlance to be corrected by theory. What I hope to do is to show how much room there is to look at the production of history outside of the dichotomies that these positions suggest and reproduce.

Professor of Anthropology and Sociology at the University of Chicago. He is considered a prominent authority on transcultural dynamics of power and authority. Researcher and deputy director of the book translation unit, Arab Center for Research and Policy Studies, Beirut Office, Lebanon

مقدمة5

هذه حكايةٌ داخل حكاية: زلقةٌ عند الحواف إلى الحدّ الذي يدفع المرء إلى أن يتساءل: متى بدأت؟ وأين؟ وهل ستنتهي؟ في أواسط شباط/ فبراير 1836، وصل جيش الجنرال أنطونيو لوبيز دي سانتا آنا إلى الأسوار المتداعية للإرسالية القديمة في سان أنطونيو دي فاليرو في مقاطعة تيخاس المكسيكية. كانت تلك بضعة آثار تركها الكهنة الفرنسيسكان الذين بنوا هذه الإرسالية منذ أكثر من

قرن قبل أن يفرّوا أمام هجمات الزمن وسلسلةٍ من المقيمين الأقلّ تديّنًا. كان النزلاء المتناوبون، من جنودٍ إسبان ومكسيكيين، قد

حوّلوا المكان إلى نوع من الحصن أطلقوا عليه اسم "الألامو"، من اسم وحدة الفرسان الإسبانية التي اضطلعت بواحد من التحولات

الكثيرة التي اعترت البناء الأولّي. والآن، بعد ثلاث سنوات من بسط سانتا آنا سلطته على المكسيك المستقلة، كان يشغل المكان عدد

قليل من النزلاء الناطقين بالإنكليزية، رافضين الاستسلام لقوته المتفوقة. وكان من حُسن حظ سانتا آنا أنّ عديده كان يفوق عديد

أولئك النزلاء، الذين ما كانوا ليزيدوا على 189 من المقاتلين القادرين، وأنّ البناء ذاته كان ضعيفًا. ولذلك كان الفتح سهلً، أو هكذا اعتقد سانتا آنا. لم يكن الفتح سهلً؛ فقد استمر الحصار اثني عشر يومًا من القصف المدفعي. وفي 6 آذار/ مارس، أطلق سانتا آنا الأبواق التي اعتاد المكسيكيون على استخدامها للإعلان عن هجوم حتى الموت. وفي وقت لاحق من ذلك اليوم ذاته، اخترقت قواته الحصن أخيرًا،

وقتلت معظم المدافعين عنه. غير أنّه لم تمضِ بضعة أسابيع حتى وقع سانتا آنا، في 21 نيسان/ أبريل، على ضفاف سان خاسينتو، أسيرًا لدى سام هيوستن، القائد الجديد المعتمَد حديثًا لجمهورية تكساس الانفصالية. خرج سانتا آنا من هذه المحنة؛ وصار في أربع مرّات أخرى زعيم المكسيك التي اختُزلت مزيدًا من الاختزال. لكنّ هزيمته في

سان خاسينتو كانت هزيمة مضاعفة؛ إذ خسر معركة ذلك اليوم، كما خسر أيضًا تلك المعركة التي كان قد ربحها في الألامو، ذلك أنّ رجال هيوستن زركشوا هجومهم الظافر على الجيش المكسيكي بصيحات متكررة: "تذكّروا الألامو! تذكّروا الألامو!". ومع الإشارة إلى الإرسالية القديمة، كانوا يصنعون التاريخ على نحو مضاعف. فهم بوصفهم فاعلين، أسروا سانتا آنا وحيّدوا قواته.

وهم بوصفهم ساردين، كانوا يعطون حكاية الألامو معنى جديدًا. ولم تعد الخسارة العسكرية في آذار/ مارس نقطة النهاية في السرد، بل باتت منعطفًا ضروريًا في الحبكة - محاكمة الأبطال - التي عملت، بدورها، على جعل النصر النهائي حتميًا وعظيمًا على

السواء. مع صرخة معركة سان خاسينتو، عكس رجال هيوستن طوال أكثر من قرن وجهة النصر الذي اعتقد سانتا آنا أنّه أحرزه في سان أنطونيو. يساهم بنو البشر في التاريخ بوصفهم فاعلين وساردين على السواء. ويشير التجاذب المتأصّل في كلمة "التاريخ" History في كثير من اللغات الحديثة، بما فيها الإنكليزية، إلى هذه المساهمة المزدوجة. ففي الاستخدام الدارج، يعني التاريخ وقائع الأمور وسرد تلك الوقائع، "ما حدث" و"ما يُقال إنّه حدث". يركّز المعنى الأول على السيرورة الاجتماعية التاريخية، ويركّز الثاني على معرفتنا تلك السيرورة، أو على حكايتنا عنها.

1 هذا هو الفصل الأول من كتاب بعنوان إسكات الماضي: القوة وإنتاج التاريخ History of Production the and Power: Past the Silencing، الصادر في عام 1995

للأنثروبولوجي والمؤرّخ والمفكّر الهاييتي الأصل ميشيل رولف ترويو (1949 - 2012.)

إذا كتبتُ: "يبدأ تاريخ الولايات المتحدة مع المايفلاور"6، وهو قول قد يجد كثير من القرّاء أنّه تبسيطي ومحلّ جدل، فلن يكون

ثمة شك كبير في أنّني أقترح أنّ الحدث المهم الأول في السيرورة التي شهدتها ما نسمّيها الآن الولايات المتحدة هو رسوّ المايفلاور.

لننظر الآن إلى جملة مطابِقة نحويًا للجملة السابقة، ولعلّها محلّ جدل مثلها: "يبدأ تاريخ فرنسا مع ميشليه"8. لقد انزاح معنى كلمة

"التاريخ"، على نحو لا لبس فيه، من السيرورة الاجتماعية التاريخية إلى معرفتنا تلك السيرورة. وما تؤكّده الجملة هو أنّ أول سرد مهم عن فرنسا هو ذاك الذي كتبه جول ميشليه. لكنّ التمايز بين ما حدث وما يُقال إنّه حدث ليس واضحًا على الدوام. لننظر في جملة ثالثة: "تاريخ الولايات المتحدة هو تاريخ

هجرة". قد يختار القارئ أن يفهم استخدامَي كلمة "تاريخ" على أنّهما يشددان على السيرورة الاجتماعية التاريخية. ويبدو، عندئذ، أنّ

الجملة تشير إلى أنّ واقعة الهجرة هي العنصر الأساسي في تطور الولايات المتحدة. لكنّه يبقى تفسيرًا لهذه الجملة مشروعًا بالمثل أن يُقال

إنّ السرد الأفضل عن الولايات المتحدة هو حكاية هجرات، ويغدو هذا التفسير ذا امتياز إذا ما أضفتُ بعض النعوت: "تاريخ الولايات المتحدة الحقيقي هو تاريخ هجرات. ذلك التاريخ لا يزال ينتظر أن يُكتَب". بيد أنّ تفسيرًا ثالثًا قد يضع التشديد على السيرورة الاجتماعية التاريخية بالنسبة إلى الاستخدام الأول لكلمة "تاريخ"، وعلى المعرفة

والسرد بالنسبة إلى استخدامها الثاني في الجملة ذاتها، مشيرًا بذلك إلى أنّ السرد الأفضل عن الولايات المتحدة هو سردٌ تُشكِّل الهجرةُ

موضوعه الأساسي. وليس هذا التفسير الثالث ممكنًا إلّ لأننا نعترف ضمنيًا بتداخل بين السيرورة الاجتماعية التاريخية ومعرفتنا بها،

وهو تداخل كبير بما يكفي لأن نشير، بدرجات متفاوتة من النية المجازية، إلى أنّ تاريخ الولايات المتحدة هو حكاية هجرات. ولا يقتصر الأمر على أنّ التاريخ يمكن أن يعني إما السيرورة الاجتماعية التاريخية أو معرفتنا بتلك السيرورة، بل يتعدى ذلك إلى أنّ الحدود بين المعنيين غالبًا ما تكون حدودًا مرنة. هكذا يضعنا الاستخدام الدارج لكلمة "تاريخ" إزاء التباس دلالي: تمايز غير قابل للاختزال، ثمّ تداخل غير قابل للاختزال بالمثل،

بين ما حدث وما يُقال إنّه حدث. لكنّه يشير أيضًا إلى أهمية السياق؛ فالتداخل والمسافة بين جانبَي التاريخية Historicity قد لا يَعْنوان

لصيغةٍ عامة. والطرائق التي تحدد إنْ كان ما حدث وما يُقال إنّه حدث هما الشيء ذاته أم لا قد تكون هي ذاتها تاريخية. ليست الكلمات مفاهيم وليست المفاهيم كلمات؛ بين الاثنين طبقات النظرية المتراكمة على مرّ العصور. لكن النظريات مبنية

على كلمات وبكلمات. فلا عجب إذًا أن يكون الالتباس الذي يضعنا إزاءه الاستخدام الدارج لكلمة تاريخ قد لفت انتباه عديد من المفكّرين منذ العصور القديمة على الأقل. ما يثير العجب هو الإحجام الذي تعاملت به نظريات التاريخ مع هذا الالتباس الجوهري. والحال، إنّه حين غدا التاريخ اختصاصًا مميزًا، اتّبع المنظّرون اتجاهين متعارضين؛ فأكّد بعضهم، ممن تأثّروا بالوضعية، التمييز بين

العالَم التاريخي وما نقوله عنه أو نكتبه، وشدّد آخرون، ممن تبنّوا وجهة نظر "بنائية"، على التداخل بين السيرورة التاريخية والسرديات التي تتناول تلك السيرورة. وعالج معظمهم التضافر ذاته، وهو لبّ الالتباس، كما لو كان مجرد مكروه ينزل باللغة الدارجة على

النظرية أن تصوّبه. ما آمل أن أفعله هو أن أبيّ مقدار المدى المتاح للنظر إلى إنتاج التاريخ خارج الثنائيات التي يشير إليها هذان

الموقفان ويعيدان إنتاجها.

2  المايفلاور Mayflower The: هي السفينة الإنكليزية التي نقلت البيوريتانيين الإنكليز الأوائل، المعروفين اليوم بالحجيج، من بلايموث في إنكلترا إلى العالم الجديد في

عام 1620. صارت هذه السفينة أيقونة ثقافية في تاريخ الولايات المتحدة (المترجم.) 3  جول ميشليه (1798 - 1874) Michelet Jules: مؤرّخ فرنسي، كان في كتابه تاريخ فرنسا (1855) أول مؤرّخ يستخدم كلمة Renaissance (النهضة) ويعرّفها بأنها مرحلة في

التاريخ الثقافي الأوروبي تشكّل قطيعة مع العصور الوسطى. ويُعَدّ كتابه تاريخ الثورة الفرنسية (1847) حجر الزاوية في كلّ تأريخ للثورات، فضلً عن كونه تحفة أدبية (المترجم.)

أولً: تاريخية أحادية الجانب

عادةً ما تعمل العروض الموجزة للاتجاهات الفكرية والفروع التخصصية على خداع الكتّاب المتنوعين الذين تعيد جمعهم بشيء من القسر.

لكني لن أحاول هنا، ولو محاولةً، إعادة الجمع هذه. وآمل أن تكون الخطوط العامة التالية كافية لتبيان ضروب المحدودية التي أسائلها9. للوضعية صيت سيئ هذه الأيام، لكنّ بعضًا من هذا النفور على الأقل مُستحقّ بالفعل. فمع توطّد التاريخ اختصاصًا في القرن

التاسع عشر، حاول الباحثون المتأثّرون بوجهات النظر الوضعية أن ينظّروا للتمايز بين السيرورة التاريخية والمعرفة التاريخية. ومن ذلك التمايز ينطلق في جزء منه إضفاء الطابع الاختصاصي على فرع التاريخ: فكلما بعدت السيرورة الاجتماعية التاريخية عن معرفتها، سَهُل

ادعاء الاختصاصية "العلمية". هكذا كان المؤرّخون، وفلاسفة التاريخ بوجه أخص، فخورين باكتشاف، أو بتكرار، حالات افتُضَ

فيها أنّ التمايز ليس محلّ جدال؛ إذ لم يكن موسومًا بالسياق الدلالي فحسب، بل بالصرف أو بالمعجم ذاته. وساعد التمييز اللاتيني

بين gesta Res و um gestar Rerum) Historia (، أو التمييز الألماني بين Geschichte و Geschichtschreibung، على نقش اختلاف

جوهري، كياني (أنطولوجي) في بعض الأحيان، ومعرفي (إبستيمولوجي) في بعضها الآخر، بين ما حدث وما قيل إنّه حدث. وهذه الحدود

الفلسفية، بدورها، أعادت تعزيز الحد الزمني الذي يفصل بين الماضي والحاضر، ذلك الحدّ الموروث من العصور القديمة. سيطر الموقف الوضعي على البحث الغربي بما يكفي للتأثير في رؤية التاريخ حتى بين مؤرخين وفلاسفة لم يروا أنفسهم بالضرورة على أنّهم وضعيون. ولا تزال تعاليم تلك الرؤية تُملي المعنى العام للتاريخ في معظم أوروبا وأميركا الشمالية: دور المؤرّخ هو كشف الماضي،

اكتشاف الحقيقة، أو التقرّب منها على الأقل. وفي وجهة النظر هذه، ليست القوة إشكالية، ولا صلة لها ببناء السرد بما هو كذلك.

والتاريخ، في أفضل الأحوال، هو حكاية عن القوة، حكاية عن أولئك الذين انتصروا. الأطروحة التي مفادها أنّ التاريخ شكل آخر من أشكال القصّ أو التخييل قديمةٌ قِدم التاريخ نفسه، وإن اختلفت الحجج

المستخدمة في الدفاع عنها أشدّ الاختلاف. وما من جديد، كما يشير زفيتان تودوروف، حتى في الزعم الذي يرى أنّ كل شيء هو تأويل،

باستثناء النشوة التي تحيط الآن بهذا الزّعم11. وما أسمّيها النظرة البنائية إلى التاريخ هي طبعة بعينها من هاتين الأطروحتين بات لها

حضورها الواضح في الأكاديميا منذ سبعينيات القرن العشرين. وهي تقيم بنيانها على التطورات الحديثة في النظرية النقدية ونظرية

السرد والفلسفة التحليلية. وهي تزعم، في طبعتها السائدة، أنّ السرد التاريخي يتخطّى قضية الحقيقة بفضل شكله. فضروب السرد

محبوكة بالضرورة على نحو لا تُحبَك عليه الحياة. ولذلك فهي تحرّف الحياة بالضرورة سواء أمكن إثبات صحة الأدلة التي تستند إليها

4  نظريات التاريخ التي ولّدت الكثير من الجدالات والنماذج والمدارس الفكرية منذ أوائل القرن التاسع عشر على الأقلّ كانت موضوع عدد من الدراسات والأنطولوجيات

والمواجز، انظر:

Henri-Irénée Mar-rou, De la Connaissance historique (Paris: Seuil, 1975 [1954]); Patrick Gardiner (ed.), The Philosophy of History (Oxford: Oxford University Press, 1974); William Dray, On History and Philosophers of History (Leiden, NY: Brill, 1989); Robert Novick, That Noble Dream: The 'Objectivity Question' and the American Historical Profession (Cambridge: Cambridge University Press, 1988).

وثقتي هنا بأنّ كثيرًا من ضروب مَفْهَمة التاريخ تنزع إلى منح حظوة لجانب من التاريخية على الجانب الآخر، وأنّ معظم الجدالات حول طبيعة التاريخ تنبع، بدورها، من هذه

الطبعة أو تلك من الطبعتين الأحاديتي الجانب؛ وأنّ أحادية الجانب هذه لا تكون ممكنة هي ذاتها؛ لأنّ معظم نظريات التاريخ مُقامة من دون كثير انتباه على عملية إنتاج

سرديات تاريخية معينة. حاول كثير من الكتّاب اختطاط نهج بين القطبين الموصوفين هنا. وهناك عدد من الخطوط الواصلة، من عمل ماركس (الثامن عشر من برومير)

إلى أعمال جان شينو ومارك فيرو وميشال دو سارتو وديفيد وليم كوهن وراناجيت غُهَا وكريستوف بوميان وآدم شاف وزفيتان تودوروف، تتشابك في عملي هذا، من دون أن

يكون ذلك دومًا من خلال وسائل الاقتباس الميكانيكية، انظر:

Jean Chesneaux, Du Passé faisons table rase (Paris: F. Maspero, 1976); David W. Cohen, The Combing of History (Chicago: University of Chicago Press, 1994); Michel De Certeau, L'Ecriture de l'histoire (Paris: Gallimard, 1975); Marc Ferro, L'Histoire sous surveillance (Paris: Calmann-Lévy, 1985); Ranajit Guha, “The Prose of Counter Insurgency,” Subaltern Studies , vol. 2 (1983); Karl Marx, The Eighteenth Brumaire of Louis Bonaparte (London: G. Allen & Unwin, 1926); Krzysztof Pomian, L'Ordre du temps (Paris: Gallimard, 1984); Adam Schaff, History and Truth (Oxford: Pergamon Press, 1976); Tzvetan Todorov, Les Morales de l'histoire (Paris: Bernard Grasset, 1991). 5  Ibid., pp. 129 - 130.

  1. Ibid., pp. 129 - 130.

أم لا. ومن هذا المنظور، يصبح التاريخ نمطًا واحدًا بين أنماط السرد الكثيرة لا يفرق عنها إلا بادعائه الحقيقة14. وفي حين تخفي النظرة الوضعية مجازات القوة خلف إبستيمولوجيا ساذجة، تنكر النظرة البنائية استقلال السيرورة الاجتماعية التاريخية. وإذا ما مضينا بالبنائية إلى نهايتها المنطقية، نجد أنّها تنظر إلى السرد التاريخي باعتباره قصًّا أو تخييلً بين سواه من صنوف القصّ والتخييل. لكن ما الذي يجعل بعض السرديات من دون سواها قوية بما يكفي لأن تمرّ بوصفها تاريخًا مقبولً إن لم تكن التاريخية ذاتها؟

وإذا لم يكن التاريخ سوى القصة التي يرويها المنتصرون، فكيف انتصروا أصلً؟ ولماذا لا يروي جميع المنتصرين القصة ذاتها؟

ثانيًا: بين الحقيقة والتخييل

يجدد كلّ سرد تاريخي زعم الحقيقة16. حين أكتبُ قصة تصف كيف ذبحت القوات الأميركية خمسمئة غجريّ وهي تقتحم سجنًا

ألمانيًا في نهاية الحرب العالمية الثانية، وحين أزعم أنّ هذه القصة تقوم على وثائق عثُر عليها مؤخّرًا في المحفوظات السوفياتية وأيّدتها

مصادر ألمانية، وحين أختلق هذه المصادر وأنشر قصتي على هذا النحو، فإنني لا أكتب قصًّا أو تخييلً، بل أُنتج زيفًا. فأنا أنتهك القواعد

التي تحكم مزاعم الحقيقة التاريخية17. وكان اختلاف هذه القواعد باختلاف الزمان والمكان قد دفع كثيرًا من الباحثين إلى القول إنّ

بعض المجتمعات (غير الغربية) لا تفرّق بين التخييل والتاريخ. ويذكّرنا هذا التأكيد بجدالات سابقة بين بعض المراقبين الغربيين حول

لغات الشعوب التي استعمروها. فحين لم يجد هؤلاء المراقبون كتبَ قواعد أو معاجمَ بين من يُدعون بالهمج، وحين عجزوا عن فهم

قواعد النحو التي تحكم هذه اللغات أو تطبيقها، سارعوا إلى استنتاج مفاده أنه لا وجود لمثل هذه القواعد. لم يكن الحقل متكافئًا منذ البداية، وكان من الواضح أنّ المواضيع المتقابلة غير قابلة للمقارنة، على عادة المقارنات بين الغرب

والآخرين التابعين الكثر الذين خلقهم لنفسه. وضعت المقارنة خطابًا عن اللغة إزاء ممارسة لغوية من غير عَدْل، فأثبتت لغةُ القواعديين

التي تتناول اللغة وجود قواعد في اللغات الأوروبية؛ وأثبت الكلام العفوي غيابها في غير مكان. ورأى بعض الأوروبيين وطلبتهم المستعمَرين في هذا الغياب المزعوم للقواعد تلك الحرية الطفولية التي قرنوها بالهمجية، في حين رأى فيه آخرون دليلً آخر على دونية

غير البيض. ونحن نعلم الآن أنّ الطرفين كليهما كانا على خطأ، وأنّ القواعد تعمل عملها في جميع اللغات. فهل يمكن أن نقول الشيء ذاته عن التاريخ، أم أنّ التاريخ مطواع إلى ما لا نهاية في بعض المجتمعات بحيث يفقد حقّه في ادعاء الحقيقة؟ كذلك يرتبط تصنيف غير الغربيين كلّهم بأنّهم غير تاريخيين في جوهرهم بافتراضٍ مفاده أنّ التاريخ يقتضي إحساسًا بالزمن خطيًا

وتراكميًا يسمح للمراقب بأن يعزل الماضي بوصفه كيانًا متميزًا. لكنّ ابن خلدون كان قد طبّق على دراسة التاريخ نظرةً دورية وكان ذلك

مثمرًا. بل إنّ تقيّد المؤرخين الغربيين الحصري بالزمن الخطي، ونبذهم التالي للشعوب المتروكة "بلا تاريخ" يعودان كلاهما إلى القرن

التاسع عشر19. فهل كان للغرب تاريخ قبل عام 1800؟

6  Hayden White, Metahistory: The Historical Imagination in Nineteenth-Century Europe (Baltimore: The Johns Hopkins University Press, 1973); Hayden White, Tropics of Discourse: Essays in Cultural Criticism (Baltimore: The Johns Hopkins University Press, 1978); Hayden White, The Content of the Form: Narrative Discourse and Historic Representation (Baltimore: The Johns Hopkins University Press, 1987).

7  لا بد لكل سرد من أن يجدد هذا الزعم مرتين في الحقيقة. فالسرد، من منظور إجراءاته المباشرة، يزعم أنّه يعرف: ما يُقال إنّه حدث معروفٌ أنّه حدث. وكل مؤرخ إنما يُطلق سردًا

مع شهادة صدق، مهما تكن أهليتها. أما من منظور جمهوره، فيجب أن يجتاز السرد التاريخي اختبار القبول، الأمر الذي يعزز زعم المعرفة: ما يُقال إنّه حدث مصدَّقٌ أنّه حدث.

8  Todorov, pp. 130 - 169.

حيث تجد مناقشةً للفروق بين التخييل والزيف والكتابة التاريخية وللأنواع المختلفة من مزاعم الحقيقة.

9  Pomian, pp. 109 - 111.

  1. Hayden White, Metahistory: The Historical Imagination in Nineteenth-Century Europe (Baltimore: The Johns Hopkins University Press, 1973); Hayden White, Tropics of Discourse: Essays in Cultural Criticism (Baltimore: The Johns Hopkins University Press, 1978); Hayden White, The Content of the Form: Narrative Discourse and Historic Representation (Baltimore: The Johns Hopkins University Press, 1987).
  2. Todorov, pp. 130 - 169.
  3. Pomian, pp. 109 - 111. David Crystal, A Dictionary of Linguistics and Phonetics , 3 rd ed. (Oxford: Basil Blackwell, 1991), p. 127.

عَمِل استخدام "الوثوقيات" في عدد من اللغات غير الأوروبية على تكذيب الاعتقاد الخبيث الذي مفاده أنّ الصّحة المعرفية لا

تهمّ سوى الغربيين المتعلمين، لأنّ الآخرين يفتقرون إما إلى المعنى الصحيح للزمن أو إلى المعنى الصحيح للأدلة20. ومن الأشياء القريبة

إلى هذا أن توجد في الإنكليزية قاعدةٌ تجبر المؤرخين على التمييز نحويًا بين “ happened it that heard I ” (سمعت أنّ ذلك حدث)،

و“ happen it saw I ” (رأيت ذلك يحدث)، و“ happened it that evidence obtained have I ” (لديّ أدلّة على حدوث ذلك) كلّما

استخدموا الفعل “ happen to ” (يحدث). والإنكليزية لا تملك، بطبيعة الحال، مثل هذه القاعدة النحوية لتقويم الأدلّة. فهل تهيّئ

حقيقة امتلاك لغة التوكويا نظامًا متقنًا للأدلة ناطقيها الأمازونيين لأن يكونوا مؤرّخين أفضل من معظم الإنكليز؟

يبيّ أرجون أبادوراي بصورة مقنعة أنّ القواعد المتعلقة بما يسمّيه "كون الماضي محلّ جدال" تعمل عملها في جميع المجتمعات21.

وعلى الرغم من أنّ هذه القواعد تبدي اختلافات جوهرية باختلاف الزمان والمكان، فإنّها تهدف جميعًا إلى ضمان حدّ أدنى من الصدقية

في التاريخ. ويشير أبادوراي إلى عدد من القيود الشكلية التي تفرض هذه الصدقية فرضًا كونيًا شاملً للجميع وترسم حدودًا لطبيعة

الجدالات التاريخية: السلطة، والاستمرارية، والعمق، والاعتماد المتبادل. ليس للتاريخ في أيّ مكان أن يكون عرضة للابتداع بلا نهاية. تفرّق بين السرد التاريخي والتخييل حاجة كلّ منهما إلى نوع مختلف من الصدقية، وهذه الحاجة هي طارئة وضرورية على حد

سواء؛ فهي طارئة بقدر ما تمضي بعض السرديات ذهابًا وإيابًا على الخط الفاصل بين التخييل والتاريخ، في حين تشغل سرديات أخرى

موضعًا غير محدَّد يبدو أنّه ينكر وجود مثل هذا الخط ذاته. وهي ضرورية بقدر ما يكون على مجموعات من البشر محددة تاريخيًا أن

تقرر، في لحظة ما، إن كان سردٌ معين منتميًا إلى التاريخ أم إلى التخييل. بعبارة أخرى، إنّ القطيعة المعرفية (الإبستيمولوجية) بين

التاريخ والتخييل يُع.بَّ عنها على الدوام على نحو ملموس من خلال التقويم المتوضِّع تاريخيًا لسرديات معينة

هل جزيرة آكلي اللحوم البشرية حقيقة أم تخييل؟ لطالما حاول الباحثون تأكيد (أو نفي) ما زعمه المستعمرون الإسبان الأوائل من أنّ الأميركيين الأصليين في جزر الأنتيل يأكلون لحوم البشر23. هل يستند الارتباط الدلالي بين الكلمات: Caribs (الكاريبيون)

و Cannibals (آكلو لحوم البشر) و Caliban (كاليبان)24 إلى ما يزيد على التوهمات الأوروبية؟ يزعم بعض الباحثين أنّ الاستيهام

بلغ من الأهمية بالنسبة إلى الغرب حدّ أنّه لم يعد مهمًّا إن كان مستندًا إلى الوقائع أم لا. هل يعني هذا أنّ الخط الفاصل بين التاريخ

والتخييل بلا فائدة؟ ما دام الحديث مشتملً على أوروبيين يتحدثون عن هنود ميتين، فإنّ الجدال أكاديمي محض. لكن حتى الهنود الميتون يمكن أن يعودوا بوصفهم أشباحًا تطارد المؤرخين، محترفين وهواة. يؤكّد مجلس قبائل الهنود الأميركيين

أنّ رفات أكثر من ألف شخص، معظمهم من الكاثوليك الأميركيين الأصليين، دُفنت في أرض مجاورة للألامو، في مقبرة قديمة مرتبطة

بالإرسالية الفرنسيسكانية، لكنّ معظم آثارها الظاهرة اختفت. ولم تفلح جهود المجلس الرامية إلى اعتراف ولاية تكساس ومدينة سان

أنطونيو بقدسية تلك الأرض سوى جزئيًا. لكن تلك الجهود تبقى ذات وقع بما يكفي لتهديد سيطرة المنظمة الراعية للألامو، "بنات

جمهورية تكساس" التي عهدت إليها الولاية بالموقع التاريخي منذ عام 1905.

10  الوثوقيات Evidentials: هي بناءات نحوية يعبّ من خلالها المتكلمون عن التزامهم طرحًا ما في ضوء الأدلة المتاحة، انظر:

David Crystal, A Dictionary of Linguistics and Phonetics , 3 rd ed. (Oxford: Basil Blackwell, 1991), p. 127.

وعلى سبيل المثال، فإنّ الفارق في الجهة الإبستيمية بين شخص شاهِد وشخص غير شاهِد قد يكون يقتضي التعبير عنه نحويًا.

11  Arjun Appadurai, “The Past as a Scarce Resource,” Man , vol. 16 , no. 2 (1981), pp. 201 - 219.

12  ثمة تجديد لهذا النقاش في:

Paula Brown & Donald F. Tuzin (eds.), The Ethnography of Cannibalism (Washington, D.C.: Society for Psychological Anthropology, 1983); Peter Hulme, Colonial Encounters: Europe and the Native Caribbean, 1492-1797 (London and New York: Methuen, 1986); Philip P. Boucher, Cannibal Encounters: Europeans and Island Caribs, 1492-17 63 (Baltimore: The Johns Hopkins University Press, 1992).

13  كاليبان: شخصية في مسرحية شكسبير العاصفة، مسخ دميم الخلقة أبعد ما يكون عن شكل الإنسان وأقرب إلى شكل القرد. يرمز إلى الطبيعة مقابل الثقافة وإلى

الهمجية مقابل الحضارة (المترجم.)

  1. Arjun Appadurai, “The Past as a Scarce Resource,” Man , vol. 16 , no. 2 (1981), pp. 201 - 219. Paula Brown & Donald F. Tuzin (eds.), The Ethnography of Cannibalism (Washington, D.C.: Society for Psychological Anthropology, 1983); Peter Hulme, Colonial Encounters: Europe and the Native Caribbean, 1492-1797 (London and New York: Methuen, 1986); Philip P. Boucher, Cannibal Encounters: Europeans and Island Caribs, 1492-17 63 (Baltimore: The Johns Hopkins University Press, 1992).

يقع الجدال حول الأرض ضمن حرب أوسع وصفها بعض المراقبين بأنّها "معركة الألامو الثانية". وتطاول تلك المناظرة الأوسع حصار

قوات سانتا آنا للمبنى في عام 1836. هل كانت تلك المعركة لحظة مجد اختار فيها الأنكلوس المحبّون للحرية، والأقلّ عددًا إنّما الأشاوس،

أن يقاتلوا حتى الموت بدلً من الاستسلام لدكتاتور مكسيكي فاسد؟ أم أنّها مثال وحشي على النزعة التوسعية الأميركية، قصة قلّة من المفترسين

البيض الذين استولوا على ما كان أرضًا مقدسة، وقدّموا بموتهم الذي لم يختاروه بملء إرادتهم، الذريعة لضمٍّ مدروس ومخطَّطٍ له جيدًا؟

يثير الجدال المصوغ على هذا النحو قضايا كان بعض المؤرّخين وسكان ولاية تكساس قد انقسموا في شأنها على مدار العشرين سنة الماضية.

لكنّ تركيبة سكان سان أنطونيو الحالية التي تبلغ فيها نسبة الهسبان الاسمية 56 في المئة، يعترف كثير منهم أيضًا بمحتدٍ أميركي أصلي، أوصلت "معركة الألامو الثانية" إلى الشارع بالمعنى الحرفي للكلمة. وباتت المظاهرات والاستعراضات وافتتاحيات الصحف والمطالبات بشتى الأوامر البلدية أو القضائية، بما فيها الأمر الذي يغلق الآن الشوارع المؤدية إلى الألامو، تتخلل الجدال بين الأطراف التي يتزايد غضبها. في السياق الحامي لهذا الجدال، يسائل المدافعون من كلا الجانبين الأقوال الوقائعية، تلك الأقوال التي لم تكن دقتها لتهمّ سوى

قلة قليلة منذ نصف قرن مضى. "وقائع"، قد تكون تافهة أو ذات شأن إذا ما أُخذت بمعزل عن السياق، تُساءَل أو تُعظَّم لدى كلِّ معسكر. لطالما شكك المؤرّخون في صحة بعض الأحداث وثُبوتها في سرديات الألامو، وفي مقدمتها قصّة الخط على الأرض. تقول هذه

القصّة إنّه حين اتضح أنّ الخيار المتاح أمام شاغلي الألامو ال  189 هو بين الهرب والموت المحقَّق بأيدي المكسيكيين، رسم القائد وليم

باريت ترافيس خطًّا على الأرض وطلب من جميع الراغبين في القتال حتى الموت أن يعبُوه. والمفترض أنّ الجميع قد عبروه، ما خلا ذلك

الرجل الذي نجا ليحكي القصة. ولطالما اتفق مؤرخو تكساس، لا سيما مؤلّفو الكتب المدرسية والتاريخ الشعبي المقيمون في تكساس، على أنّ هذا السرد تحديدًا ليس سوى "قصة جيدة"، وأنّه "لا يهمّ في الحقيقة ما إذا كانت صحيحة أم لا"27. ومثل هذه التعليقات

كان يطلقها قبل الموجة البنائية الحالية أناسٌ يؤمنون بأنّ الوقائع هي الوقائع ولا شيء سوى الوقائع. ولكن في سياق يُشكَّك فيه علانيةً

في شجاعة الرجال الذين بقوا في الألامو، غدا الخط على الأرض فجأةً من بين "الوقائع" الكثيرة التي تخضع الآن لاختبار الصدقية. قائمةُ مثل هذه "الوقائع" لا نهاية لها29. أين كانت المقبرة تحديدًا؟ ألا يزال الرفات هناك؟ هل تنتهك الزيارات السياحية

للألامو حقوق الموتى الدينية، وهل يجب أن تتدخل ولاية تكساس؟ هل دفعت الولاية يومًا للكنيسة الكاثوليكية الرومانية ما اتُّفق عليه

من ثمن كنيسة الألامو، وإن لم تكن قد فعلت، ألا يكون القيّمون عليها مغتصبين لمَعْلَمٍ تاريخي؟ هل دفنَ جيمس بوّي، أحد القادة

الأميركيين البيض، كنزًا مسروقًا في ذلك الموقع؟ إن كان قد فعل، فهل هذا هو السبب الحقيقي وراء اختيار من كانوا هناك القتال، أم

أنّ بوّي، بالعكس، حاول التفاوض كي ينقذ حياته وكنزه؟ باختصار، كم كان الجشع، وليس الوطنية، أساس معركة الألامو؟ هل اعتقد

المحاصرون خطأً أنّ الدعم كان في طريقه؟ وإذا كان الأمر كذلك، فإلى أيّ مدى يمكن أن نؤمن بشجاعتهم؟ هل مات ديفي كروكيت

في أثناء المعركة أم بعد المعركة؟ هل حاول الاستسلام؟ هل كان يرتدي قلنسوة من فرو الراكون حقًّا؟

14  Ralph W. Steen, Texas: A Story of Progress (Austin: Steck, 1942), p. 182 ; Adrian N. Anderson & Ralph Wooster, Texas and Texans (Austin: Steck-Vaughn, 1978), pp. 158 - 171.

15  تستند قائمة "الوقائع"، التي هي محل نزاع جزئي وكذلك فهمي للجدال حول الألامو، إلى مصادر شفوية ومكتوبة. وقد أجرت الباحثة المساعدة ريبيكا بينيت مقابلات

هاتفية مع جيل لوفنغ بارنيز من بنات جمهورية تكساس وغاري ج. (غابي) غابريهارت من المجلس القَبلَي. وأنا أشكرهما كليهما، كما أشكر كارلوس غويرا، على تعاونهم. أما

المصادر المكتوبة فتشتمل على مقالات في صحف محلية (لا سيما News Express Antonio San التي تنشر عمود غويرا)، انظر:

Carlos Guerra, “Is Booty Hidden Near the Alamo?” San Antonio Light , August 22 , 1992 ; Carlos Guerra, “You'd Think All Alamo Saviors Look Alike,” San Antonio Express News , February 14 , 1994 ; Robert Rivard, “The Growing Debate Over the Shrine of Texas Liberty,” San Antonio Express News , March 27 , 1994.

وهي تشتمل أيضًا على مجلات أكاديمية وكتب، انظر:

Edward Tabor Linenthal, “A Reservoir of Spiritual Power: Patriotic Faith at the Alamo in the Twentieth Century,” Southwestern Historical Quarterly , vol. 91 , no. 4 (1988), pp. 509 - 531 ; Stephen L. Hardin, “The Félix Nunez Account and the Siege of the Alamo: A Critical Appraisal,” Southwestern Historical Quarterly , vol. 9 , no. 1 (1990), pp. 65 - 84 Jeff Fong, Duel of Eagles: The Mexican and the U.S. Fight for the Alamo (New York: William Morrow, 1990).

  1. Ralph W. Steen, Texas: A Story of Progress (Austin: Steck, 1942), p. 182 ; Adrian N. Anderson & Ralph Wooster, Texas and Texans (Austin: Steck-Vaughn, 1978), pp. 158 - 171. Carlos Guerra, “Is Booty Hidden Near the Alamo?” San Antonio Light , August 22 , 1992 ; Carlos Guerra, “You'd Think All Alamo Saviors Look Alike,” San Antonio Express News , February 14 , 1994 ; Robert Rivard, “The Growing Debate Over the Shrine of Texas Liberty,” San Antonio Express News , March 27 , 1994. Edward Tabor Linenthal, “A Reservoir of Spiritual Power: Patriotic Faith at the Alamo in the Twentieth Century,” Southwestern Historical Quarterly , vol. 91 , no. 4 (1988), pp. 509 - 531 ; Stephen L. Hardin, “The Félix Nunez Account and the Siege of the Alamo: A Critical Appraisal,” Southwestern Historical Quarterly , vol. 9 , no. 1 (1990), pp. 65 - 84 Jeff Fong, Duel of Eagles: The Mexican and the U.S. Fight for the Alamo (New York: William Morrow, 1990).

قد يبدو السؤال الأخير على أنّه الأشد تفاهة في قائمة غريبة؛ لكنّه يبدو أقلّ تفاهة ولا غرابة فيه على الإطلاق حين نلحظ أنّ مزار

الألامو هو المعلم السياحي الرئيس في تكساس، وأنه يجتذب نحو ثلاثة ملايين زائر سنويًا. وإذا ما علَت الأصوات المحلية الآن بما يكفي

للتشكيك في براءة "غرينغو" صغير يرتدي قلنسوة ديفي، فإنّ أمّي وأبي قد يفكران مرتين قبل شراء واحدة، وقد تعتري الرعشة القيّمين

على التاريخ، خوفًا من الماضي الذي سرعان ما يلحق بالحاضر. وفي سياق مثل هذا الجدال، يغدو مهمًّا فجأة ما كان عليه ديفي الفعلي. الدرس المستفاد من الجدال واضح. في مرحلة من المراحل، ولأسباب تاريخية هي ذاتها، غالبًا ما يثيرها الجدال، تشعر الجماعات

بالحاجة إلى طرح اختبار الصدقية على أحداث وسرديات معينة؛ إذ يغدو مهمًّا بالنسبة إليهم ما إذا كانت هذه الأحداث حقيقية أم زائفة،

ما إذا كانت هذه القصص واقعة أم تخييلً. أن يكون ذلك مهمًّا بالنسبة إليهم لا يعني بالضرورة أن يكون مهمًّا بالنسبة إلينا. ولكن ما هو المدى الذي يمكن أن تبلغه

انعزاليتنا؟ ألا يهمّنا حقًّا ما إذا كان السرد السائد عن الهولوكوست أو المحرقة اليهودية صحيحًا أم زائفًا؟ ألا يهمّنا حقًّا ما إذا كان قادة

ألمانيا النازية قد خططوا بالفعل لموت ستة ملايين يهودي وأشرفوا عليه؟ يؤكّد أعضاء "معهد المراجعة التاريخية" أنّ سرد المحرقة أمر مهم، لكنهم يؤكدون أيضًا أنّه غير صحيح. وهم يتفقون عمومًا على

أنّ اليهود كانوا ضحية خلال الحرب العالمية الثانية، بل يقرّ بعضهم أنّ المحرقة اليهودية كانت مأساة. ومع ذلك، يدعو معظمهم إلى

وضع الأمور في نصابها في ثلاث قضايا رئيسة: العدد الذي يُقدَّم، ستة ملايين يهودي قتلوا على يد النازيين، والتخطيط النازي المنهجي

لإبادة اليهود، ووجود "غرف الغاز" المخصصة لعمليات القتل الجماعي35. وما يزعمه المراجعون هو أنّه ما من دليل دامغ يدعم أيًّا من

هذه "الوقائع" الأساسية في سردية الهولوكوست السائدة التي لا تعمل إلا على تعضيد شتّى السياسات التي تعتمدها الدولة في الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل. دحض عدد من الكتّاب أطروحات المراجعين حول الهولوكوست. وعمد المؤرّخ بيير فيدال ناكيه الذي توفيت والدته في أوشفيتز،

إلى استخدام تفنيداته المتكررة لأطروحات المراجعة في طرح أسئلة قوية حول العلاقة بين البحث والمسؤولية السياسية. ويوثّق جان بيير بريساك أفضل من أيّ مؤرّخ آخر آلات الموت الألمانية، علمًا أنّه كان مراجعًا من قبل هو نفسه. ويتفحّص أحدث كتاب لديبورا

ليبستات حول هذا الموضوع دوافع المراجعين السياسية في نقدٍ أيديولوجي للمراجعة. ويردّ المراجعون على هذا النوع الأخير من النقد بأنّهم

مؤرّخون، فما الذي يجعل لدوافعهم أهمية إذا ما كانوا يتّبعون "أساليب النقد التاريخي المعتادة"؟ لا يمكننا أن ننبذ النظرية القائلة

بمركزية الشمس لأنّ كوبرنيكوس كان يكره الكنيسة الكاثوليكية فحسب37.

16  Arthur A. Butz, “The International 'Holocaust' Controversy,” The Journal of Historical Review , vol. 1 , no. 1 (1980), pp. 5 - 20 ; Robert Faurisson, “The Problem of the Gas Chambers,” Journal of Historical Review , vol. 1 , no. 2 (1980). 17  Pierre Vidal-Naquet, Les Assassins de la mémoire: 'Un Eichmann de papier' et Autres essais sur le révisionnisme (Paris: Fa Découverte, 1987); Jean-Claude Pressac, Les Crématoires d'Auschwitz: La machinerie de meurtre de masse (Paris: CNRS, 1993); Deborah E. Fipstadt, Denying the Holocaust: The Growing Assault on Truth and Memory (New York: The Free Press, 1993); Faurisson; Mark Weber, “A Prominent Historian Wrestles with a Rising Revisionism,” Journal of Historical Review , vol. 11 , no. 3 (1991), pp. 353 - 359.

تقدّم الفروق بين هذه التفنيدات دروسًا في الإستراتيجيات التاريخية. يواجه كتاب بريساك مباشرةً تحدي المراجعة الداعي إلى التعامل مع الهولوكوست مثل أيّ جدال تاريخي آخر

والتعامل مع الوقائع ولا شيء إلا الوقائع. فهو "أكاديمي" جدًا على الطراز القديم. ما يقارب ثلاثمئة هامش للمراجع الأرشيفية، صور وافرة، مخططات، جداول توثّق آلة القتل الجماعي

التي أقامها النازيون. وتتخذ ليبستات موقفًا مفاده أنّه ينبغي ألَّ يكون ثمّة جدال حول "الوقائع"، لأنّ مثل هذا الجدال يشرعن المراجعة؛ لكنها تجادل المراجعين في دوافعهم السياسية،

الأمر الذي لا يبدو لي أقلّ شرعنةً ويتطلب إلماعات كثيرة إلى الخلافات الإمبريقية. ويرفض فيدال ناكيه بوعي الأطروحة التي مفادها أنّ الجدالات حول "الوقائع" والأيديولوجيا تتبادل

الإقصاء. وعلى الرغم من تجنّبه الإساءات اللفظية، فهو يواصل التعبير عن استيائه الأخلاقي؛ لا من سرد المراجعة فحسب، بل من الهولوكوست أيضًا. فما من مراجعة لو لم يكن هناك

هولوكوست. وهذه الإستراتيجية تفسح له مجالً كي ينتقد المراجعة منهجيًا وسياسيًا، وكي يختار الجدال ردًّا على التحدي الإمبريقي في شأن "الوقائع". ويتجنّب فيدال ناكيه أيضًا فخّ

الاستثنائية اليهودية التي يمكن أن تفضي بيسر إلى نظرة إلى التاريخ بوصفه انتقامًا وتبرر استخدام سردية الهولوكوست وإساءة استخدامها: لا يسع أوشفيتز أن تفسّ صبرا وشاتيلا.

  1. Arthur A. Butz, “The International 'Holocaust' Controversy,” The Journal of Historical Review , vol. 1 , no. 1 (1980), pp. 5 - 20 ; Robert Faurisson, “The Problem of the Gas Chambers,” Journal of Historical Review , vol. 1 , no. 2 (1980).
  2. Pierre Vidal-Naquet, Les Assassins de la mémoire: 'Un Eichmann de papier' et Autres essais sur le révisionnisme (Paris: Fa Découverte, 1987); Jean-Claude Pressac, Les Crématoires d'Auschwitz: La machinerie de meurtre de masse (Paris: CNRS, 1993); Deborah E. Fipstadt, Denying the Holocaust: The Growing Assault on Truth and Memory (New York: The Free Press, 1993); Faurisson; Mark Weber, “A Prominent Historian Wrestles with a Rising Revisionism,” Journal of Historical Review , vol. 11 , no. 3 (1991), pp. 353 - 359.

يوفّر تمسّك المراجعين المزعوم بالإجراءات الإمبريقية حالةً مثالية لاختبار حدود البنائية التاريخية38. فالرهانات السياسية

والأخلاقية الفورية التي تنطوي عليها سرديات الهولوكوست بالنسبة إلى عدد من الأوساط في أرجاء الدنيا، وقوة هذه الأوساط وعلوّ

صوتها في الولايات المتحدة وفي أوروبا، تترك البنائيين عراة سياسيًا ونظريًا على السواء؛ لأنّ الموقف البنائي المنطقي الوحيد في جدال

الهولوكوست هو إنكار أنّ ثمة موضوعًا للنقاش. وعلى البنائيين أن يزعموا أنّه لا يهمّ في الحقيقة إن كانت هنالك غرف للغاز أم لا، أو

إن كان عدد القتلى مليونًا واحدًا أم ستة ملايين، أو إن كان قد خُطِّطَ للإبادة الجماعية أم لا. والحال، إنَّ البنائيّ هايدن وايت كان قد

اقترب اقترابًا خطرًا من الإيحاء بأنّ الأهمية الرئيسة لسردية الهولوكوست السائدة هي أنّها تشرعن سياسات دولة إسرائيل. لكنّ وايت

عدّل لاحقًا موقفه البنيوي المتطرف واعتنق نسبيةً أشدّ تواضعًا بكثير. لكن إلى أيّ مدى يمكننا أن نختزل ما حدث إلى ما قيل إنّه حدث؟ إن كانت الستة ملايين لا تهمّ في الحقيقة، فهل يكون

المليونان كافيين، أم أنّ بعضنا يرضى بثلاثمئة ألف؟ وحين يكون المعنى منقطعًا تمامًا عن المرجع "خارجًا هناك"، وحين لا يكون ثمة

غرَض معرفيّ، ولا يكون ثمّة ما نثبته أو ندحضه، ما عساه يكون هدف القصة؟ جواب وايت واضح: إقامة سلطة أخلاقية. ولكن لماذا

نزعج أنفسنا بالهولوكوست أو عبودية المَزارِع أو بول بوت أو الثورة الفرنسية، ما دامت لدينا "ذات الرداء الأحمر"؟ تتمثّل معضلة البنائية في أنّها في حين تمكّنها الإشارة إلى مئات الحكايات التي توضح ادعاءها العام أنّ السرديات تُنتَج إنتاجًا، لا

يمكن أن تقدّم رواية ​كاملةً عن إنتاج أيّ سرد​ واحد؛ ذلك أننا إمّا أن نتشارك جميعًا قصص الشرعنة ذاتها، وإمّا أن تكون الأسباب التي

تجعل حكاية بعينها مهمة لجمهرة بعينها تاريخيةً هي ذاتها. فأن نقول إنّ سردًا محددًا يشرعن سياسات محددة يعني أن نشير ضمنيًا

إلى رواية "حقيقية" لهذه السياسات عبر الزمن، رواية يمكن أن تتخذ هي ذاتها شكل سردٍ آخر. لكن الاعتراف بإمكانية هذه الرواية الثانية يعني، بدوره، الاعتراف بأنّ للسيرورة التاريخية بعض الاستقلالية إزاء السرد، وبأنّ الحدود بين ما حدث وما قيل إنّه حدث تبقى

ضرورية، مهما تكن ملتبسةً وطارئة. ليس الأمر أنّ بعض المجتمعات يميّز بين التخييل والتاريخ وبعضها الآخر لا يميّز. الأحرى أنّ الفارق هو في حجم السرديات

التي يجب أن تُخضعها جماعات بعينها لاختبارات الصدقية التاريخية الخاصة بها بسبب الرهانات التي تنطوي عليها هذه السرديات.

ثالثًا: تاريخية أحادية الموقع

نخطئ إذ نعتقد أنّ مثل هذه الرهانات تنبع بصورة طبيعية من أهمية الحدث الأصلي. والفكرة الواسعة الانتشار عن التاريخ بوصفه

ذكريات تجارب الماضي المهمة هي فكرة مضللة. والنموذج ذاته معروف جيدًا: التاريخ بالنسبة إلى الجماعة كالتذكر بالنسبة إلى الفرد،

استعادةٌ واعية إلى هذا الحدّ أو ذاك لخبرات الماضي المخزونة في الذاكرة. وهذا ما يمكن أن ندعوه، باختصار، وبصرف النظر عن منوّعاته

الكثيرة، نموذج المخزن الخاص بالتاريخ - الذاكرة. المشكلة الأولى بين مشكلات نموذج المخزن هي قِدَمه، أو قِدَم العلم الذي يستند إليه. فهو يفترض نظرةً إلى المعرفة ترى أنّها

استعادة أو تذكّر، وهي نظرة تعود إلى أفلاطون، وينازعها الآن الفلاسفة وعلماء المعرفة. وعلاوة على ذلك، شكك باحثون من مختلف

18  كما لاحظنا، ثمّة تنوع واسع في وجهات النظر التي عبّ عنها المراجعون، لكن الخمسة عشر عامًا الأخيرة شهدت تحولً في اتجاه موقف أشدّ أكاديمية، سوف أعود إليه.

19  White, The Content of Form. 20  Hayden White, “Historical Emplotment and the Problem of Truth,” in: S. Friendlander (ed.), Probing the Limits of Representation (Berkeley: University of California Press, 1992), pp. 37 - 53.

  1. White, The Content of Form.
  2. Hayden White, “Historical Emplotment and the Problem of Truth,” in: S. Friendlander (ed.), Probing the Limits of Representation (Berkeley: University of California Press, 1992), pp. 37 - 53.

المشارب، منذ نهاية القرن التاسع عشر على الأقلّ، فيما تستند إليه من رؤية إلى الذاكرة الفردية. فالذكريات، بحسب تلك الرؤية، تمثيلات منفصلة مخزونة في خزانة، ومحتوياتها دقيقة عمومًا وفي المتناول عند الطلب. لكنّ البحث الحديث يشكك في جميع هذه

الافتراضات. فالتذكّر ليس دومًا عملية استحضار لتمثيلات ما حدث، حتى ربط الحذاء يحمل ذكرى، لكنّ قلّة منّا فحسب هي التي

تنكبّ على استدعاء صريح للصور كلّما ربطنا أحذيتنا. وسواء كان التمييز بين الذكرى الضمنية والصريحة ينطوي على أنظمة مختلفة

للذاكرة أم لا، فقد تكون حقيقة الترابط الذي لا ينفصم بين مثل هذه الأنظمة في الممارسة سببًا إضافيًا من أسباب تغيّ الذكريات

الصريحة. وعلى أيّ حال، ثمّة أدلّة على أنّ محتويات خزانتنا ليست بالثابتة ولا في المتناول عند الطلب. علاوة على ذلك، فإنّ مثل هذه المحتويات، حتى لو كانت كاملة، لن تشكّل تاريخًا. خذوا مثلً مناجاةً للنفس تصف بالتسلسل جميع ذكريات فرد من الأفراد، لا بد أنها ستبدو نشازًا خاليًا من المعنى حتى بالنسبة إلى السارد. بل إنّ أحداثًا مهمة في مسار الحياة ربما

لم تكن معروفة للفرد وقت حدوثها ولا يمكن الكلام عليها بوصفها تجارب مُتذكَّرة. وقد يتذكّر الفرد ما يتكشّف فحسب، وليس الحدث

ذاته. قد أتذكّر أنني ذهبت إلى اليابان من دون أن أتذكّر ما شعرت به هناك. قد أتذكّر أنه قيل لي إنّ والديّ أخذاني إلى اليابان حين كان عمري ستة أشهر. ولكن، هل التكشّف وحده هو الذي ينتمي إلى تاريخ حياتي؟ هل يمكننا أن نستبعد بثقة من تاريخ المرء جميع الأحداث التي لم تُعَش أو لم تتكشف بعد، بما في ذلك، مثلً، تبنّي هذا المرء حين ولادته؟ فقد يوفّر التبنّي منظورًا حاسمًا ننظر منه إلى

حوادث وقعت فعليًا قبل تكشّفه. وقد يؤثّر التكشّف ذاته في تذكّر السارد المستقبلي للأحداث التي وقعت من قبل. حين تُبنى الذكريات بوصفها تاريخًا فرديًا، حتى بهذا المعنى الأبسط، كيف يمكن للماضي الذي تستعيده أن يكون ثابتًا؟ ليس

لدى نموذج المخزن إجابة عن هذه المشكلة. وتفترض طبعتاه، الشعبية والعلمية على السواء، الوجود المستقل لماضٍ ثابت وتطرحان الذاكرة على أنها استعادة لذلك المحتوى. لكن الماضي لا يوجد مستقلً عن الحاضر. بل إنّ الماضي ليس ماضيًا إلا لأنّ هنالك حاضرًا،

على نحو يشبه تمامًا أنني لا أستطيع أن أشير إلى شيء هناك إلا لأنني هنا. لكنّ ما من شيء هو هناك أو هنا أصلً. وبهذا المعنى، فإنّ

الماضي ليس له محتوى. الماضي أو الماضويّة بصورة أدقّ، هو موقف. ولذلك، لا يمكن البتّة أن نحدّد الماضي على أنّه ماضٍ. ولو تركنا

جانبًا الآن حقيقة أنّ معرفتي أنني ذهبت مرّةً إلى اليابان، مهما تكن معرفةً مشتقّة، قد لا تكون لها الطبيعة ذاتها التي لتذكّرٍ ما يشعر

به المرء حين يكون في اليابان، فإنّ النموذج يفترض أنّ نوعَي المعلومات يوجدان على أنّهما ماضٍ قبل استعادتي لهما. ولكن كيف

أسترجعهما على أنّهما ماضٍ من دون معرفة مسبقة بما يكوّن الماضويّة أو ذكرى عنه؟ تتضاعف المشكلات المتعلّقة بتحديد ما ينتمي إلى الماضي عشرة أضعاف حين يُقال إنّ هذا الماضي هو ماضٍ جمعيّ. والحال، إنّه

حين يجري تحويل معادلة التاريخ - الذاكرة إلى جماعة، تضيف الفردانية المنهجية وزنها إلى الصعوبات المتأصلة في نموذج المخزن. فقد نفترض بقصد الوصف أنّ تاريخ حياة فرد من الأفراد يبدأ بالولادة. لكن متى تبدأ حياة جماعة من الجماعات؟ ما النقطة التي نعتبرها بداية الماضي كي نسترجعها؟ كيف نقرر، وكيف تقرر الجماعة، الأحداث التي يجب أن تُدْنَ وتلك التي يجب أن تُق؟ لا يفترض صَ

21  H. Ebbinghaus, Memory: A Contribution to Experimental Psychology (New York: Dover, 1964 [1885]); A.J. Cascardi, “Remembering,” Review of Metaphysics , vol. 38 , no. 2 (1984), pp. 275 - 302 ; Henry L. Roediger, “Implicit Memory: Retention Without Remembering,” American Psychologist , vol. 45 , no. 9 (1990), pp. 1043 - 1056 ; Robin Green & David Shanks, “On the Existence of Independent Explicit and Implicit Learning Systems: An Examination of Some Evidence,” Memory and Cognition , vol. 21 , no. 3 (1993), pp. 304 - 317 ; D. Broadbent, Peter FitzGerald & Margaret Broadbent, “Implicit and Explicit Knowledge in the Control of Complex Systems,” British Journal of Psychology , vol. 77 , no. 1 (1986), pp. 33 - 50 ; Daniel L. Schackter, “Understanding Memory: A Cognitive Neuroscience Approach,” American Psychologist , vol. 47 , no. 4 (1992), pp. 559 - 569 ; Elizabeth Loftus, “The Reality of Repressed Memories,” American Psychologist , vol. 48 , no. 5 (1993), pp. 518 - 537.

  1. H. Ebbinghaus, Memory: A Contribution to Experimental Psychology (New York: Dover, 1964 [1885]); A.J. Cascardi, “Remembering,” Review of Metaphysics , vol. 38 , no. 2 (1984), pp. 275 - 302 ; Henry L. Roediger, “Implicit Memory: Retention Without Remembering,” American Psychologist , vol. 45 , no. 9 (1990), pp. 1043 - 1056 ; Robin Green & David Shanks, “On the Existence of Independent Explicit and Implicit Learning Systems: An Examination of Some Evidence,” Memory and Cognition , vol. 21 , no. 3 (1993), pp. 304 - 317 ; D. Broadbent, Peter FitzGerald & Margaret Broadbent, “Implicit and Explicit Knowledge in the Control of Complex Systems,” British Journal of Psychology , vol. 77 , no. 1 (1986), pp. 33 - 50 ; Daniel L. Schackter, “Understanding Memory: A Cognitive Neuroscience Approach,” American Psychologist , vol. 47 , no. 4 (1992), pp. 559 - 569 ; Elizabeth Loftus, “The Reality of Repressed Memories,” American Psychologist , vol. 48 , no. 5 (1993), pp. 518 - 537. Philip Curtin, The Atlantic Slave Trade: A Census (Madison: University of Wisconsin Press, 1969).

نموذج المخزن الماضي الذي يجب تذكّره فحسب بل الذات الجمعية التي تقوم بالتذكّر أيضًا. ومشكلة هذا الافتراض المزدوج هي أن

الماضي المبني مكونٌ للجماعة هو ذاته. هل يتذكّر الأوروبيون والأميركيون البيض اكتشاف العالم الجديد؟ لم تكن أوروبا كما نعرفها الآن، ولا البياض كما نعيشه الآن، موجودَين على هذا النحو في عام 1492. وكلاهما مكوِّنٌ لهذا الكيان الاستعادي الذي نسمّيه الآن "الغرب"، وما كان ليمكن من دونه

التفكير في "الاكتشاف" في شكله الحالي. هل يمكن لمواطني كيبيك الذين يفخرون بأنّ لوحات مركباتهم تحمل العبارة remember I

(أتذكّر) أن يستعيدوا حقًّا ذكريات الدولة الاستعمارية الفرنسية؟ هل يستطيع المقدونيون، أيًّا كانوا، أن يتذكّروا صراعات الهيلينية

الجامعة ووعودها؟ هل يمكن لأيّ أحد في أيّ مكان أن يتذكّر تحولات الصرب الجماعية الأولى إلى المسيحية؟ في مثل هذه الحالات،

كما في كثير غيرها، لم تكن الذوات الجمعية التي يُفترض أنّها تتذكر موجودة بوصفها كذلك في وقت الأحداث التي تزعم أنّها تتذكرها.

بل إنّ تكوّنها بوصفها ذواتًا يسير جنبًا إلى جنب مع خلق الماضي المتواصل. وبهذا، فهي لا تعقب مثل هذا الماضي؛ إنّها معاصرته. حتى حين تكون الاستمراريات التاريخية غير قابلة للشك، لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن نفترض وجود علاقة بسيطة بين

حجم الأحداث عند حدوثها وأهميتها بالنسبة إلى الأجيال التي ترثها عبر التاريخ. وتقدّم الدراسة المقارنة للعبودية في الأميركيتين مثالً

لافتًا على أنّ ما نسميه في العادة "إرث الماضي" قد لا يكون فيه أيّ شيء موروث عن الماضي. للوهلة الأولى، يبدو واضحًا أنّ ما للعبودية في الولايات المتحدة من أهمية تاريخية إنّما ينبع من أهوال الماضي. وهذا الماضي لا يني

يُطرح على أنّه نقطة انطلاق رضّةٍ مستمرة وتفسير ضروري لأوجه التفاوت الحالية التي يعانيها السود. وأنا آخر من يمكن أن ينكر أنّ

عبودية المزارع كانت تجربة راضّة تركت ندوبًا عميقة في جميع أنحاء الأميركيتين. لكنّ تجربة الأميركيين الأفارقة خارج الولايات المتحدة

لا يكفي فيها هذا الربط المباشر بين رضوض الماضي والأهمية التاريخية. لم تستورد الولايات المتحدة، قياسًا ببقية القارّة، سوى عدد صغير نسبيًا من الأفارقة المستعبدين سواء قبل استقلالها أم بعده.

فخلال أربعة قرون، أوصلت تجارة الرقيق إلى "العالم الجديد" ما لا يقلّ عن عشرة ملايين من العبيد. عمل الأفارقة المستعبدون في الكاريبي وماتوا فيه قبل قرن من مستوطنة جيمستاون في ولاية فرجينيا. وكان للبرازيل، حيث دامت العبودية أطول مدّة، نصيب

الأسد من العبيد الأفارقة، ما يقارب أربعة ملايين. واستوردت منطقة الكاريبي من العبيد ما يزيد على ما استوردته البرازيل، توزّعوا

على مستعمرات القوى الأوروبية المختلفة. بل إنّ هذا الاستيراد كان مرتفعًا في كلّ منطقة من مناطق الكاريبي على حدة، لا سيما جزر

السكر. هكذا استوردت جزيرة المارتينيك الفرنسية الكاريبية، وهي منطقة صغيرة حجمها أقلّ من ربع حجم جزيرة لونغ آيلاند، ما يزيد على ما استوردته جميع الولايات الأميركية من العبيد. ومن المؤكّد أنّه بحلول أوائل القرن التاسع عشر، كان لدى الولايات المتحدة من العبيد الكريول ما يزيد على ما لدى أي بلد أميركي آخر، لكن هذا العدد كان بسبب الزيادة الطبيعية. ومع ذلك، لا يمكننا أن نقول، بأي حال من الأحوال، إنّ حجم العبودية في الولايات المتحدة الأميركية يفوق مثيله في البرازيل أو الكاريبي، سواء من حيث مدته أو من

حيث عدد الأفراد المعنيين. ثانيًا، كانت أهمية العبودية في الحياة اليومية للمجتمعين البرازيلي والكاريبي مماثلة، على الأقل، لأهميتها في مجتمع الولايات

المتحدة الأميركية. فجزر السكر البريطانية والفرنسية على وجه الخصوص، من بربادوس وجامايكا القرن السابع عشر إلى سان دومينغو

22  أرقام الولايات المتحدة لا تتضمن مستعمرة لويزيانا. بخصوص ما يقف وراء هذه التقديرات من سرد ومصادر، انظر:

Philip Curtin, The Atlantic Slave Trade: A Census (Madison: University of Wisconsin Press, 1969).

بعض التحديث الجزئي لأرقام هذا المصدر المتعلقة بتصدير العبيد من أفريقيا لا يقلل من قيمة الصورة العامة التي يقدمها عن استيرادهم إلى أرجاء الأميركيتين.

ومارتينيك القرن الثامن عشر، لم تكن مجتمعات لديها عبيد فحسب، بل كانت مجتمعات عبودية. فالعبودية هي التي حددت تنظيمها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي؛ كانت العبودية سبب وجودها. ومن عاشوا هناك، سواء كانوا أحرارًا أم لا، كانوا يعيشون هناك بسبب

وجود العبيد. أمّا المكافئ الشمالي فيحتاج إلى الولايات المتحدة القارية جميعًا كي تبدو مثل ولاية ألاباما في ذروة شغلها بالقطن. ثالثًا، لا حاجة بنا إلى أن نفترض أنّ المعاناة البشرية يمكن قياسها كي نؤكّد أن ظروف العبيد المادية لم تكن خارج الولايات المتحدة أفضل منها داخلها. فعلى الرغم من المزاعم الأبوية، نحن نعلم أنّ السادة في الولايات المتحدة لم يكونوا أكثر إنسانية من نظرائهم البرازيليين أو الكاريبيين. لكننا نعلم أيضًا أنّ الضريبة البشرية للعبودية، ماديًا وثقافيًا على السواء، وثيقة الصلة بمقتضيات الإنتاج،

لا سيما نظام العمل. وعمومًا، فرضت ظروف العمل التي عاشها عبيد الكاريبي والبرازيل متوسط عمر أخفض، ومعدلات وفيات أعلى،

ومعدلات ولادة أدنى بكثير مقارنةً بنظرائهم في الولايات المتحدة. من وجهة النظر تلك، كان قصب السكر أكثر معذبي العبيد ساديةً. باختصار، ثمة مجموعة من الأدلة كبيرة بما يكفي لأن تدعم زعمًا تجريبيًا متواضعًا، مفاده أنه لا يمكن بأيّ حال من الأحوال

أن نقول إنّ تأثير العبودية بوصفها ما حدث بالفعل كان أقوى في الولايات المتحدة منه في البرازيل والكاريبي. والسؤال إذًا، ما الذي يجعل الأهمية الرمزية للعبودية بوصفها رضّة وأهميتها التحليلية بوصفها تفسيرًا اجتماعيًا تاريخيًا أطغى في الولايات المتحدة اليوم منها

في البرازيل أو الكاريبي؟ لعلّ جزءًا من الجواب يكمن في الطريقة التي انتهت بها عبودية الولايات المتحدة: حربٌ أهلية يبدو أنّ مزيدًا من البيض ينحون

فيها باللائمة على العبيد، وليس على أبراهام لينكولن الذي تبقى دوافعه الخاصة في ذلك المشروع محلّ خلاف. ولعلّ جزءًا من الجواب

يكمن في مصير ذرّية العبيد، لكن هذا في حدّ ذاته ليس قضية من قضايا "الماضي". واستمرار العنصرية في الولايات المتحدة ليس إرثًا من

العبودية بل ظاهرة حديثة جددتها أجيال من المهاجرين البيض الذين يُرجَّح أنّ أسلافهم كانوا منخرطين في أعمال السخرة، في هذا

الوقت أو ذاك، في البرّ الأوروبي. في الواقع، لم يصدّق جميع السود الذين عاشوا العبودية أنّها إرث سوف يحملون عبئه هم وأولادهم إلى الأبد. وبعد نصف قرن من إعلان تحرير العبيد، لم تكن العبودية موضوعًا رئيسًا بين المؤرّخين البيض أيضًا، وإن اختلفت الأسباب. أنتج تأريخ الولايات المتحدة، لأسباب

ربما لا تختلف كثيرًا عن أسباب نظيره البرازيلي، ضروب سكوته الخاصة حيال عبودية الأميركيين الأفارقة. في وقت باكر من هذا القرن العشرين،

كان ثمة سود وبيض في أميركا الشمالية تجادلوا حول ما للعبودية من أهمية رمزية وتحليلية بالنسبة إلى الحاضر الذي كانوا يعيشونه. وتشير هذه الجدالات إلى أنّ الأهمية التاريخية لا تنبع مباشرة من الأثر الأصلي للحدث، أو طريقة تدوينه، أو حتى استمرار ذاك التدوين.

23  Robert William Fogel & Stanley L. Engerman, Time on the Cross: The Economics of American Negro Slavery (Boston: Little, Brown, 1974); B.W. Higman, Slave Populations of the British Caribbean, 1807-1834 (Baltimore: The Johns Hopkins University Press, 1984); Ira Berlin & Philip D. Morgan (eds.), Cultivation and Culture: Labor and the Shaping of Life in the Americas (Charlottesville, VA: The University Press of Virginia, 1993); Robert William Fogel, Without Consent or Contract: The Rise and Fall of American Slavery (New York: W.W. Norton, 1989). 24  W.E.B. Du Bois, Some Efforts of American Negroes for Their Own Social Betterment (Atlanta: The Atlanta University Press, 1898); W.E.B. Du Bois, Black Reconstruction in America: An Essay Toward a History of the Part Which Black Folk Played in the Attempt to Reconstruct Democracy in America, 1860-1880 (New York: Russell and Russell, 1962); Eric Foner, Reconstruction: America's Unfinished Revolution, 1863-1877 (New York: Harper & Row, 1988).

25ًانظر مثل:

Du Bois, Black Reconstruction ; Edward Franklin Frazier, Black Bourgeoisie (Glencoe: Free Press, 1957); Melville J. Herskovits, The Myth of the Negro Past (Boston: Beacon Press, 1990 [1941]); Gunnar Myrdal, An American Dilemma: The Negro Problem and Modern Democracy (New York and Fondon: Harper & Brothers, 1944).

  1. Robert William Fogel & Stanley L. Engerman, Time on the Cross: The Economics of American Negro Slavery (Boston: Little, Brown, 1974); B.W. Higman, Slave Populations of the British Caribbean, 1807-1834 (Baltimore: The Johns Hopkins University Press, 1984); Ira Berlin & Philip D. Morgan (eds.), Cultivation and Culture: Labor and the Shaping of Life in the Americas (Charlottesville, VA: The University Press of Virginia, 1993); Robert William Fogel, Without Consent or Contract: The Rise and Fall of American Slavery (New York: W.W. Norton, 1989).
  2. W.E.B. Du Bois, Some Efforts of American Negroes for Their Own Social Betterment (Atlanta: The Atlanta University Press, 1898); W.E.B. Du Bois, Black Reconstruction in America: An Essay Toward a History of the Part Which Black Folk Played in the Attempt to Reconstruct Democracy in America, 1860-1880 (New York: Russell and Russell, 1962); Eric Foner, Reconstruction: America's Unfinished Revolution, 1863-1877 (New York: Harper & Row, 1988). Du Bois, Black Reconstruction ; Edward Franklin Frazier, Black Bourgeoisie (Glencoe: Free Press, 1957); Melville J. Herskovits, The Myth of the Negro Past (Boston: Beacon Press, 1990 [1941]); Gunnar Myrdal, An American Dilemma: The Negro Problem and Modern Democracy (New York and Fondon: Harper & Brothers, 1944). Paul Ricoeur, Time and Narrative , Kathleen Mclaughlin & David Pellauer (trans.), vol. 1 (Chicago: University of Chicago Press, 1984), p. 95. De Certeau; François Furet, L'Atelier de l'histoire (Paris: Flammarion, 1982); Joyce Appleby, Fynn Hunt & Margaret Jacob, Telling the Truth about History (New York: W.W. Norton, 1994). David Carr, Time, Narrative, and History (Bloomington: Indiana University Press, 1986), p.  3. Cohen; Ferro; Paul Thompson, The Myths We Live By (New York and Fondon: Routledge, 1990).

لا تشتمل الجدالات حول الألامو أو الهولوكوست أو أهمية العبودية في الولايات المتحدة الأميركية على مؤرّخين محترفين فحسب،

بل على قادة إثنيين ودينيين، وأصحاب مناصب سياسية، وصحافيين، ومنظمات شتى داخل المجتمع المدني، إضافة إلى مواطنين مستقلين، ليسوا جميعًا من النا​شطين. وهذا التنوع في الساردين هو واحد من مؤشرات كثيرة تدل على أنّ لنظريات التاريخ نظرة محدودة

نوعًا ما إلى حقل الإنتاج التاريخي، إذ تحطّ على نحو جسيم من حجم المواقع المتداخلة حيث يُنتَج التاريخ، كما من أهمية تلك المواقع

وتعقيدها، لا سيما خارج الأكاديميا. تتنوّع قوة الجماعة الحِرَفية التاريخية من مجتمع إلى آخر. وحتى في المجتمعات الشديدة التعقيد حيث يكون وزن هذه الجماعة

الحِرفية مهمًا، لا يشكّل إنتاج المؤرّخين متنًا مغلقًا على الإطلاق. الأحرى أنّ ذلك الإنتاج لا يتفاعل مع عمل الأكاديميين الآخرين

فحسب، بل أيضًا مع التاريخ المهم المُنتَج خارج الجامعات. وبذلك لا يقتصر تفعيل الوعي بمواضيع التاريخ على الأكاديميين المعترف

بهم. فنحن جميعًا مؤرخون هواة بدرجات مختلفة من وعي إنتاجنا، ونحن أيضًا نتعلّم التاريخ من هواة مماثلين. والجامعات والمطابع

الجامعية ليست المحلّ الوحيد لإنتاج السرد التاريخي. ومبيعات الكتب تفوق حتى مبيعات قلنسوات الراكون في متجر هدايا الألامو، حيث تدرّ نصف دستة من العناوين التي كتبها مؤرخون هواة ما يزيد على 400000 دولار في العام. وكما يرى مارك فيرو، فإنّ للتاريخ

مواقده الكثيرة، وليس الأكاديميون أساتذة التاريخ الوحيدين على وجه البسيطة. يتعلّم معظم الأوروبيين والأميركيين الشماليين دروس التاريخ الأولى من خلال وسائل الإعلام غير الخاضعة للمعايير التي تضعها مراجعات النظراء، أو المطابع الجامعية، أو لجان الدكتوراه. وقبل وقت طويل من قراءة المؤرخين الذين يضعون معايير اليوم لزملائهم وطلابهم، يصل المواطنون العاديون إلى التاريخ من خلال الاحتفالات، وزيارات الموقع والمتاحف، والأفلام، والأعياد الوطنية، والكتب المدرسية الابتدائية. ولا شك في أن الآراء التي يتعلمونها هناك تخضع، بدورها، لدعم الباحثين المنخرطين في البحث الأساسي أو تعديلهم أو تفنيدهم. ومع استمرار إحكام التاريخ بوصفه اختصاصًا، ومع مسارعة المؤرخين المتزايدة إلى تعديل أهدافهم وتنقيح أدواتهم في

الاستقصاء، يزداد تأثير التاريخ الأكاديمي، ولو كان ذلك على نحو غير مباشر. لكن دعونا لا ننسى مدى هشاشة تلك الهيمنة الظاهرة ومحدوديتها وحداثة عهدها. دعونا لا ننسى أنّ التاريخ الوطني والعالمي أطالا، في الآونة الأخيرة، وفي كثير من أجزاء الولايات المتحدة، سردًا عن العناية الإلهية وأمدّاه بنغمات دينية قوية. بدأ تاريخ العالم مع

الخلق الذي يُفترض أنّ تاريخه معروف جيدًا، واستمر مع القدَر الواضح، كما يليق ببلد ميّزته العناية الإلهية. ولم تتخلص العلوم

26  يلاحظ بول ريكور بحقّ أنّ الوضعيين المنطقيين وخصومهم أطلقوا جدالهم المديد حول طبيعة المعرفة التاريخية وخاضوه من دون كثير انتباه إلى ممارسة المؤرخين

الفعلية، انظر:

Paul Ricoeur, Time and Narrative , Kathleen Mclaughlin & David Pellauer (trans.), vol. 1 (Chicago: University of Chicago Press, 1984), p. 95.

ويكثر ريكور نفسه من استخدام أعمال المؤرخين الأكاديميين من أوروبا والولايات المتحدة الأميركية. وينتفع كتّاب محدثون آخرون من الأعمال التاريخية القديمة والحالية،

بدرجات شتّى من الإلحاح على مدارس أو بلدان بعينها، وباستطرادات شتّى في شأن العلاقة بين تطور التاريخ وتطور أشكال المعرفة المؤسسية الأخرى، انظر:

De Certeau; François Furet, L'Atelier de l'histoire (Paris: Flammarion, 1982); Joyce Appleby, Fynn Hunt & Margaret Jacob, Telling the Truth about History (New York: W.W. Norton, 1994).

مثل هذه الأعمال تقرّب النظرية من رصد الممارسة الفعلية، لكن هل الإنتاج التاريخي مقتصر على ممارسة المؤرخين المختصين؟ يمكن القول، أولً، ومن وجهة نظر ظاهراتية،

إنّ لدى الكائنات البشرية جميعًا وعيًا للتاريخ سابقًا على الموضوعات ويعمل خلفيةً لعيشهم السيرورة الاجتماعية، انظر:

David Carr, Time, Narrative, and History (Bloomington: Indiana University Press, 1986), p.  3.

ثانيًا، وهو الأكثر أهمية بالنسبة إلى مقاصدنا هنا، لا يقتصر منتجو التاريخ السردي على المؤرخين المختصين، انظر:

Cohen; Ferro; Paul Thompson, The Myths We Live By (New York and Fondon: Routledge, 1990). 27  Ferro.

28  القدَر الواضح Destiny Manifest: عبارة صُكَّت في عام 1845، عبّت عن الفلسفة التي كانت تدفع توسّع الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر؛ إذ ترى أنّ الولايات

المتحدة مُقدَّرٌ لها – إلهيًا - أن توسّع مجال سيطرتها وتنشر الديمقراطية والرأسمالية في جميع أرجاء القارة الأميركية الشمالية (المترجم.)

  1. Ferro.

الاجتماعية الأميركية بعد من الإيمان بالاستثنائية الأميركية التي لم تفارق ولادتها وتطورها. وبالمثل، فإنّ التخصص الأكاديمي لم

يُسكِت بعد تاريخ الخلق الذي لا  يزال حيًّا في جيوب داخل النظام المدرسي. قد لا تكون لهذا النظام المدرسي الكلمة الأخيرة في أيّ قضية، لكن كفاءته المحدودة لها آثارها الحسنة والسيئة على السواء.

ومنذ أواسط خمسينيات القرن العشرين إلى أواخر ستينياته، تعلّم الأميركيون عن تاريخ أميركا الاستعمارية والغرب الأميركي من الأفلام والتلفزيون أكثر مما تعلموه من الكتب العلمية. تذكروا الألامو؟ كان ذلك درسًا في التاريخ قدّمه جون واين على الشاشة. وكان ديفي

كروكيت شخصية تلفزيونية أصبحت شخصية تاريخية بارزة وليس العكس. وقبل التزام هوليوود المديد بتاريخ رعاة البقر والروّاد

وبعده، فإنّ الكتب المصورة وليس الكتب المدرسية، والأغاني الريفية وليس الجداول الزمنية، هي التي ملأت الفجوات التي خلّفها

الغربيون. وكما هو الحال الآن، فقد تعلّم الأطفال الأميركيون وعدد غير قليل من الصبيان في غير مكان اتخاذ أجزاء من هذا التاريخ مواضيع لتأديتهم أدوار رعاة البقر والهنود. أخيرًا، تعكس الجماعة الحِرَفية على نحو مفهوم الانقسامات الاجتماعية والسياسية في المجتمع الأميركي. لكن الجماعة الحِرَفية،

نظرًا إلى مزاعمها الاختصاصية، لا تستطيع التعبير عن آراء سياسية مثل هذه، بخلاف الناشطين وجماعات الضغط. هكذا باتت المفارقة

أنّه كلما ازدادت أهمية قضية من القضايا بالنسبة إلى قطاعات بعينها من المجتمع المدني، زاد كبت التفسيرات التي يقدّمها معظم المؤرخين المختصين لوقائع تلك القضية. وبالنسبة إلى أغلبية الأفراد المنخرطين في الجدالات الدائرة حول ذكرى مرور خمسة قرون على اكتشاف كولومبوس أميركا، أو المعرض الموسوم ب Fact Last في متحف سميثسونيان عن إينولا غاي وهيروشيما، أو حفر مقابر العبيد، أو بناء النصب التذكاري لحرب فيتنام، كثيرًا ما بدا ما يقوله معظم المؤرخين مبتذلً أو غير ذي صلة. وفي هذه الحالات، كما في كثير غيرها، كان

أولئك الذين يهمّهم التاريخ يبحثون عن التفسيرات التاريخية على هامش الأكاديميا إن لم يكن خارجها تمامًا. مع ذلك، كثيرًا ما تتجاهل نظريات التاريخ حقيقةَ أنّ التاريخ يُنتَج أيضًا خارج الأكاديميا. وأبعد من الاتفاق العريض - وحديث

العهد نسبيًا - حول تموضع المؤرخ المتخصص أو انغماسه، ليس ثمّة كثير من الاستكشاف الملموس للنشاطات التي تحدث في غير مكان

لكنها تؤثّر كثيرًا في موضوع الدراسة. ومن المؤكّد أنّ مثل هذا التأثير لا يَعْنو للصيغ العامة بيسر. وهذا مأزق يعود باللوم والتوبيخ على

معظم المنظّرين. وقد لاحظتُ أنّه في حين يقرّ معظم المنظّرين في البداية بأنّ التاريخ يشمل السيرورة الاجتماعية والسرديات عن تلك

السيرورة، فإنّ نظريات التاريخ تميّز عمليًا واحدًا من هذين الجانبين كما لو أنّ الآخر لا يهمّ. يتأتّ إمكان أحادية الجانب هذه من أنّ نظريات التاريخ نادرًا ما تتفحّص على نحو مفصَّل الإنتاج الملموس لسرديات بعينها.

فالسرديات تُطرح في بعض الأحيان بوصفها إيضاحات أو تُفَكّ مغاليقها، في أحسن الأحوال بوصفها نصوصًا، أمّا عملية إنتاجها فنادرًا

ما تكون موضوع دراسة. وبالمثل، يقرّ معظم الباحثين بسهولة بأنّ الإنتاج التاريخي يحدث في كثير من المواقع. لكنّ الوزن النسبي

لهذه المواقع يتنوّع بتنوّع السياق، وتفرض هذه التنوّعات على المنظِّر عبء ما هو ملموس. هكذا، يمكن لتفحّص القصور الفرنسية

بوصفها مواقع للإنتاج التاريخي أن يوفّر دروسًا توضيحية تساعد على فهم دور هوليوود في الوعي التاريخي للولايات المتحدة الأميركية،

29  Dorothy Ross, The Origins of American Social Science (Cambridge and New York: Cambridge University Press, 1994).

30  ساهم كروكيت نفسه في تلقّيه بوصفه بطلً، بدءًا من سيرته الذاتية. لكن أهميته التاريخية ظلّت محدودة إلى أن جعله المسلسل التلفزيوني والفيلم السينمائي الذي قام

ببطولته جون واين في عام 1960، الألامو، شخصية قومية. 31  إينولا غاي Gay Enola: الطائرة الأميركية التي ألقت القنبلة النووية على هيروشيما (المترجم).

32  من الاستثناءات البارزة، كلّ بطريقته، كتاب كوهن: Combing The، وكتاب فيرو: surveillance sous Histoire ' L، وكتاب دي سيرتو: histoire ' l de Écriture ' L.

  1. Dorothy Ross, The Origins of American Social Science (Cambridge and New York: Cambridge University Press, 1994).

لكنّه ما من نظرية مجردة يمكن أن تضع، مسبقًا، القواعد التي تحكم ما للقلاع الفرنسية والأفلام الأميركية من تأثير نسبي في التاريخ

الأكاديمي المُنتَج في هذين البلدين. كلّما زاد عبء الملموس، زاد احتمال أن تتجاوزه النظرية. ولذلك، تتواصل حتى أفضل معالجات التاريخ الأكاديمي كما لو أنّ

ما حدث في المواقع الأخرى لم يكن عمومًا بتلك الأهمية. ولكن هل هو من غير أهمية حقًّا أن يُكتب تاريخ أميركا في عالمٍ لا ترغب فيه

سوى قلّة من الصبية في أن يكونوا هنودًا؟

رابعًا: تنظير لالتباس وتعقّب القوّة

يُنتَج التاريخ على الدوام في سياق تاريخي محدد. والفاعلون التاريخيون هم ساردون أيضًا، والعكس بالعكس. يسوقني تأكيد أنّ السرديات تُنتَج على الدوام في التاريخ إلى طرح خيارين. أزعم، أولً، أن نظريةً في السرد التاريخي يجب أن

تعترف بالتمايز والتداخل بين السيرورة والسرد. ولذلك، فإنّ هذا الكتاب، على الرغم من كونه عن التاريخ بوصفه معرفة وسردًا في المقام

الأول، يبقى مشتملً تمامًا على الالتباس المتأصّل في جانبَي التاريخية. يشتمل التاريخ، بوصفه سيرورة اجتماعية، على بشر يتمتعون بثلاث قدرات متمايزة: 1. بوصفهم فعاليات Agents أو شاغلي

مواقع بنيوية، 2. بوصفهم فاعلين Actors في تواجهٍمطّرد مع سياق، 3. بوصفهم ذواتًا، أي أصواتًا تعي صوتيتها. والأمثلة المعهودة لمن أسمّيهم الفعاليات هي الشرائح والمجموعات التي ينتمي إليها البشر، مثل الطبقة والمرتبة، أو الأدوار المرتبطة بها. فاﻟﻌﻤﺎل والعبيد

واﻷﻣﻬﺎت هم فعاليات. ويمكن لتحليل العبودية أن يستكشف البُنى اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ اﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ، واﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ، واﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ واﻷيديولوجية

التي تحدد مواقع مثل مواقع العبيد والسادة. ما أعنيه بالفاعلين هو حزمة القدرات المحددة في الزمان والمكان على نحو يجعل من وجود البشر وفهمهم قائميَن على تفاصيل

تاريخية أساسًا. وعلى سبيل المثال، فإنّ مقارنة العبودية الأفريقية الأميركية في البرازيل والولايات المتحدة بما يتعدّى الجداول الإحصائية

لا بد أن تُعنى بالتفاصيل التاريخية التي تحدد الأوضاع التي تجري مقارنتها. وما تتناوله السرديات التاريخية هو أوضاع معينة، وهي، بهذا المعنى، لا بد أن تتعامل مع البشر بوصفهم فاعلين. لكنّ البشر هم أيضًا ذوات التاريخ، على نحوِ ما يكون عمّال ذوات إضرابٍ من الإضرابات، فيحددون حتى المصطلحات التي

يمكن أن توصف بها بعض الأوضاع. لنأخذ إضرابًا بوصفه حدثًا تاريخيًا من وجهة نظر سردية بحتة، أي من دون التدخلات التي عادةً

ما نضعها تحت تسميات مثل التأويل أو التفسير. ليس ثمة طريقة نستطيع بها وصف إضراب من دون أن نعتبر قدرات العمال الذاتية جزءًا أساسيًا من الوصف. ومن المؤكّد أنّ ذكر غيابهم عن مكان العمل لا يكفي. فنحن نحتاج إلى أن نذكر أنّهم توصلوا بصورة

جماعية إلى قرار البقاء في البيت في يوم كان يفترض به أن يكون يومَ عملٍ عاديًا. ونحتاج إلى أن نضيف أنهم عملوا بذلك القرار بصورة

33  في معظم الحالات التي تُستخدَم فيها كلمة "التاريخ" من الآن فصاعدًا، سوف تُستخدَم في المقام الأول وذلك المعنى في الذهن. في حين أدّخر عبارة السيرورة الاجتماعية

التاريخية للجزء الثاني من التمايز.

34  أَسِمُ شاغلي مثل هذه المواقع البنيوية وسواها بأنّهم فعاليات كي أشير أولً إلى رفض ثنائية البنية/ الفعالية. فالمواقع البنيوية تمكّن وتحدّ في آن معًا.

35  Alain Touraine, Le Retour de l'acteur (Paris: Gallimard, 1984), pp. 14 - 15.

36  أنا أبْسُط هنا ما جاء فيَ:

W.G. Runciman, A Treatise on Social Theory , vol. I: The Methodology of Social Theory (Cambridge: Cambridge University Press, 1983), pp.

  1. Alain Touraine, Le Retour de l'acteur (Paris: Gallimard, 1984), pp. 14 - 15. W.G. Runciman, A Treatise on Social Theory , vol. I: The Methodology of Social Theory (Cambridge: Cambridge University Press, 1983), pp.

جماعية. بَيد أنّ هذا الوصف الذي يأخذ في الحسبان وضع العمال بوصفهم فاعلين، ليس وصفًا وافيًا للإضراب رغم ذلك. والسياقات

التي يمكن لمثل هذا الوصف أن يفسّ فيها أيّ شيء قليلةٌ في الحقيقة. لعل العمال قرروا أنّه إذا ما تعدّى هَطْل الثلوج عشر بوصات

هذه الليلة، فلن يأتي أيّ منا إلى العمل غدًا. وإذا قبلنا سيناريوهات التلاعب أو أخطاء التأويل بين الفاعلين، فإنّ الاحتمالات تصبح

بلا حدود. ولذلك، يحتاج سردٌ وافٍ عن إضراب من الإضرابات، أبعد من التعامل مع العمال بوصفهم فاعلين، إلى أن ينفذ إلى العمال

بوصفهم ذواتًا هادفة لها غاياتها وتعي أنّ لها أصواتها الخاصة. يحتاج إلى صوتهم (أصواتهم) بضمير المتكلّم أو يحتاج، على الأقل،

إلى إعادة صوغ ذلك الضمير. وعلى السرد أن يقدّم لنا لمحة عن الأسباب التي جعلت العمال يرفضون العمل والهدف الذي يحسبون

أنهم يسعون إليه، حتى لو اقتصر هذا الهدف على التعبير عن الاحتجاج. بعبارة أبسط، لا يكون الإضراب إضرابًا إلا حين يحسب العمال

أنهم مضربون. فذاتيتهم جزءٌ لا يتجزأ من الحدث ومن أيّ وصف وافٍ لذلك الحدث. يعمل العمال في العادة أكثر مما يضربون بكثير، لكنّ القدرة على الإضراب لم تُزَل قطّ تمام الإزالة من شرط العمال. بعبارة أخرى،

ليس البشر على الدوام تلك الذوات التي لا تني تواجه التاريخ كما يرغب بعض الأكاديميين، لكن قدرة الفعل التي تمكّنهم من أن يصبحوا ذواتًا هي جزء من شرطهم على الدوام. وهذه القدرة الذاتية تولّد نوعًا من الخلط والارتباك لأنّها تجعل البشر تاريخيين على نحو

مضاعف أو تجعلهم تاريخيين تمامًا، بعبارةٍ أصحّ. فهي تورّطهم في السيرورة الاجتماعية التاريخية وفي البناءات السردية التي تتناول

هذه السيرورة في آنٍ معًا. واكتناف هذا الالتباس، المتأصّل فيما أسمّيه جانبَي التاريخ، هو الخيار الأول بين خيارات هذا الكتاب. الخيار الثاني لهذا الكتاب هو التركيز الملموس على عملية الإنتاج التاريخي، لا الاهتمام المجرد بطبيعة التاريخ. لقد ساقنا البحث عن طبيعة التاريخ إلى إنكار الالتباس الذي كان يفضي بدوره إمّا إلى رسم الخطّ الفاصل الدقيق والدائم بين السيرورة التاريخية والمعرفة

التاريخية، وإمّا إلى الخلط الدائم بين السيرورة التاريخية والسرد التاريخي. والحال، إنّ بين التطرف "الواقعي" الميكانيكي والتطرف

"البنائي" الساذج، المهمةَ الأخطر المتمثلة ليس في تحديد ما هو التاريخ؟ وهذا هدف لا أمل فيه إذا ما صيغ بمفردات جوهرانية، بل كيف يعمل التاريخ؟ ذلك لأنّ ما هو التاريخ يتغيّ بتغيّ الزمان والمكان، أو لأنّ التاريخ، كما أفضّل القول، لا يتكشّف إلّ من خلال إنتاج

سرديات بعينها. وما يهمّ أكثر من سواه هو عملية إنتاج مثل هذه السرديات وظروف إنتاجها. وحده التركيز على هذه العملية يمكن أن

يكشف عن الطرائق التي يتحابك بها جانبَا التاريخ في سياق بعينه. ومن خلال هذا التداخل فحسب يمكن أن نكشف عن التباين في

ممارسة القوّة، ذلك التباين الذي يجعل بعض السرديات ممكنةً ويُسكت أخرى. يتطلب تعقّب القوّة نظرةً إلى الإنتاج التاريخي أكثر غنى مما يقرّ به معظم المنظّرين. ولا يمكننا أن نستبعد مقدّمًا أيًّا من الفاعلين

الذين يساهمون في إنتاج التاريخ أو أيًّا من المواقع التي يمكن أن يحدث فيها ذلك الإنتاج. فإلى جانب المؤرّخين المختصيّن، نكتشف

حرفيين من مختلف الأصناف، عمال ميدانيون بلا أجر ولا اعتراف يُنْمون عمل المختصين أو يحرفونه أو يعيدون تنظيمه، مثل

السياسيين والطلاب وكتّاب القصص وصانعي الأفلام ومشاركين من الجمهور. ونحن بفعلنا هذا، إنّما نبلغ رؤيةً إلى التاريخ الأكاديمي

ذاته أشد تعقيدًا؛ إذ لا ننظر إلى المؤرخين المختصيّن على أنّهم المشاركون الوحيدون في إنتاجه. توسّع هذه الرؤية الأشمل الحدودَ الزمنية لعملية الإنتاج؛ إذ يمكن أن نرى هذه السيرورة على أنّها تبدأ أبكر مما يعترف به معظم

المنظّرين وتمضي أبعد منه على حدّ سواء. وتلك السيرورة لا تتوقف مع الجملة الأخيرة التي يخطّها مؤرّخ مختص لأنّه من المرجّح تمامًا

أن يساهم الجمهور في التاريخ ولو بإضافة قراءاته الخاصة إلى النتاجات العلمية وحولها. ولعلّ الأهم من ذلك، نظرًا إلى ميوعة التداخل

بين التاريخ بوصفه سيرورة اجتماعية والتاريخ بوصفه معرفة، أنّ المساهمين في أيّ حدث قد يشرعون في إنتاج سرد عن ذلك الحدث قبل

أن يصل المؤرّخ المختص إلى المشهد. والحال، إنّ السرد التاريخي الخاص بحدث فعلي يمكن أن يسبق هذا الحدث نفسه، نظريًا على

الأقل، وربما عمليًا أيضًا. يشير مارشال سالينز إلى أنّ أهل هاواي قرؤوا مواجهتهم مع الكابتن جيمس كوك على أنّها وقائع موت سبق

التنبّؤ به. لكن مثل هذه الأمور لا تقتصر على الشعوب التي لا مؤرّخين لديها. ألا تشبه سرديات نهاية الحرب الباردة تاريخًا معدًّا مسبقًا

عن رأسماليةٍ في دروع الفرسان؟ يشير وليم لويس إلى أنّ إحدى نقاط القوة السياسية لدى رونالد ريغان كانت قدرته على نقش رئاسته في

سردية معدّة مسبقًا عن الولايات المتحدة. وتشير صورة عامة للإنتاج التاريخي العالمي بمرور الزمن إلى أنّ المؤرخين المختصين لا يضعون

وحدهم الإطار السردي الذي تتنزّل فيه قصصهم. غالبًا ما يكون شخص آخر قد دخل المشهد قبلً وأطلق دورة ضروب السكوت. هل تُبقي هذه النظرة الموسَّعة على إمكان الخروج بتعميمات صائبة في شأن إنتاج السرد التاريخي؟ الإجابة عن هذا السؤال هي

"نعم" غير مشروطة، إذا ما اتفقنا على أنّ مثل هذه التعميمات ترتقي بفهمنا إلى ممارساتٍ محددة من دون أن تقدّم مخططات يُفترض

بالممارسة أن تتبعها أو توضحها. تدخل ضروب السكوت سيرورة الإنتاج التاريخي في أربع لحظات حاسمة: لحظة خلق الواقعة (صنع المصادر)، لحظة جمع الواقعة (صنع المحفوظات أو الأراشيف)، لحظة استعادة الواقعة (صنع السرديات)، ولحظة الدلالة المستعادة (صنع التاريخ في نهاية المطاف). هذه اللحظات هي أدوات مفهومية، تجريدات من الدرجة الثانية لعمليات يغتذي بعضها من بعضها الآخر. ولذلك لا يُقصَد بها

أن تقدّم وصفًا واقعيًا لصنع أيّ سردية مفردة. الأحرى أنّها تساعدنا في أن نفهم: لماذا لا تتساوى جميع ضروب السكوت؟ ولماذا لا يمكن

أن نتناولها أو أن نعيد تناولها بالطريقة ذاتها؟ بعبارة أخرى، كلّ سرد تاريخي هو حزمة بعينها من ضروب السكوت، وثمرة عملية فريدة، ولذلك تختلف العملية المطلوبة لتفكيك ضروب السكوت هذه من سرد إلى سرد. تعكس الإستراتيجيات التي يُعبّئها هذا الكتاب هذه التنوّعات. وكلّ سردية من السرديات التي عالجتُها في الفصول الثلاثة التالية

تجمع ضروب سكوت شتّى. وتتقاطع ضروب السكوت هذه في كل حالة أو تتراكم بمرور الزمن كي تنتج خليطًا فريدًا. وسوف أعمد في

كلّ حالة إلى استخدام مقاربة مختلفة كي أكشف عن توافقات ذلك الخليط وتوتراته. أرسمُ في الفصل الثاني الخطوط العامة لصورة عبد سابق بات كولونيلً، وهو الآن شخصية منسيّة من شخصيات الثورة في هاييتي.

وعلى الرغم من شحّ المصادر، كانت الأدلة اللازمة لحكاية قصته متاحة في المتن الذي درسته. واقتصر الأمر على إعادة ترتيب تلك الأدلة

كي تولّد سردًا جديدًا وبديلً يكشف بتطوره تلك الضروب من السكوت التي كانت، إلى الآن، قد دفنت قصة الكولونيل. موضوع الفصل الثالث هو إسكات التأريخ الغربي لثورة هاييتي. ويعود ذلك الإسكات أيضًا إلى القوة غير المتكافئة في إنتاج المصادر والمحفوظات والسرديات. لكني إذا ما كنت مصيبًا في أنّ هذه الثورة لم يكن من الممكن التفكير فيها على نحو ما جرت، فإنّ ذلك يعني

أنّ قلّةً شأن هذه القصة مدوّنة في المصادر، بصرف النظر عمّا تكشفه. ما من وقائع جديدة هنا، ولا حتى وقائع كانت قد أُهملت. وهنا

كان عليّ أن أجعل ضروب السكوت تتحدث عن نفسها. وقد قمت بذلك من خلال التقريب بين مناخ العصر وكتابات المؤرخين حول الثورة نفسها وسرديات التاريخ العالمي على نحوٍ يُظهِر أثر السكوت الأصلي بوضوح تام. وفّر لي اكتشاف أميركا، وهو موضوع الفصل الرابع، تركيبةً أخرى اقتضت نوعًا ثالثًا من الإستراتيجية. كانت هنا ثمة وفرة في

كلّ من المصادر والسرديات. بل كان ثمة إحساس حتى عام 1992، على الرغم من كونه إحساسًا متكلّفًا وحديث العهد، باتفاق عالمي

37  Ferro; Marshall Sahlins, Historical Metaphors and Mythical Realities: Structure in Early History of the Sandwich Lslands Kingdom (Ann Arbor, MI: University of Michigan Press, 1981); Hélène Carrère d'Encausse, La Gloire des nations, ou, la fin de l'empire soviétique (Paris: Fayard, 1990); Francis Fukuyama, The End of History and the Last Man (New York: Free Press, 1992); William F. Fewis, “Telling America's Story: Narrative Form and the Reagan Presidency,” Quarterly Journal of Speech , vol. 73 , no. 3 (1987), pp. 280 - 302.

  1. Ferro; Marshall Sahlins, Historical Metaphors and Mythical Realities: Structure in Early History of the Sandwich Lslands Kingdom (Ann Arbor, MI: University of Michigan Press, 1981); Hélène Carrère d'Encausse, La Gloire des nations, ou, la fin de l'empire soviétique (Paris: Fayard, 1990); Francis Fukuyama, The End of History and the Last Man (New York: Free Press, 1992); William F. Fewis, “Telling America's Story: Narrative Form and the Reagan Presidency,” Quarterly Journal of Speech , vol. 73 , no. 3 (1987), pp. 280 - 302.

على أهمية رحلة كولومبوس الأولى. وعملت الاحتفالات العامة التي بدت كأنّها تعيد ترسيخ تلك الأهمية، على تجديد المبادئ الرئيسة للكتابة التاريخية وتعزيزها. فما ينتج ضروب السكوت، في هذا المتن الواسع المفتوح، ليس غياب الوقائع أو التأويلات بل الضروب المتنازعة لتملّك شخصية كولومبوس. وأنا لا أقترح هنا قراءة جديدة للقصة ذاتها، كما أفعل في الفصل الثاني، ولا تأويلات بديلة، كما في الفصل الثالث، بل أبيّ أنّ الاتفاق المزعوم في شأن كولومبوس إنّما يخفي في الحقيقة تاريخًا من النزاعات. ويبلغ هذا التمرين المنهجي

ذروته في سرد ​عن الضروب المتنافسة لتملّك الاكتشاف، حيث تظهر ضروب السكوت في فجوات النزاعات بين المؤوّلين السابقين. لا تمكن، إذًا، دراسة إنتاج السرد التاريخي بالاقتصار على وقائع ضروب سكوته أو تسلسلها الزمني. واللحظات التي أميّزها هنا

تتداخل في الزمن الفعلي. وهي تقتصر، مثل أجهزة للاستكشاف والتحرّي، على بَلْوَرة جوانب الإنتاج التاريخي التي تكشف على أفضل

وجه متى تدخل القوة الحكاية وأين تدخل القوة الحكاية. لكن هذه الصيغة ذاتها تبقى مضللة إذا ما كانت تشير إلى وجود القوة خارج الحكاية ويمكن تاليًا حظرها أو استئصالها. القوة

مكوِّنة للحكاية. ويقتصر أمر تعقّب القوة من خلال "لحظات" مختلفة على المساعدة في تأكيد الطابع العملياتي الجوهري الذي يَسِمُ

الإنتاج التاريخي؛ وتأكيد أنّ ماهية التاريخ أقلّ أهمية من كيفية عمله؛ وأنّ القوة ذاتها تعمل مع التاريخ جنبًا إلى جنب؛ وأنّ تفضيلات

المؤرخين السياسية المزعومة ليس لها سوى أثر ضئيل في معظم ممارسات القوة الفعلية. ومن المفيد هنا أن نذكر ذلك التحذير الذي أطلقه فوكو: "لا أعتقد أنّ من الممكن الإجابة عن السؤال 'من يمارس القوة؟' ما لم نجب في الوقت ذاته عن ذلك السؤال الآخر 'كيف

تجري؟"'. لا تدخل القوة الحكاية مرّة وإلى الأبد، بل في أوقات مختلفة ومن زوايا مختلفة. وهي تسبق السرد بمعناه الحقيقي، وتساهم في

خلقه وتأويله. وهي تبقى، بذلك، مهمة ووثيقة الصلة حتى لو استطعنا أن نتخيل تاريخًا علميًا تمامًا، وحتى لو أبعدنا تفضيلات المؤرخين

ورهاناتهم إلى طور منفصل يتلو الوصف. في التاريخ، تبدأ القوة عند المنبع. تبدأ تأدية القوة إنتاجَ سرديات بديلة مع الخلق المشترك للوقائع والمصادر، وذلك لسببين على الأقل. أولهما، هو أنّ الوقائع لا

تكون البتّة بلا معنى، بل إنّها لا تغدو وقائع إلا لأنها مهمة بمعنى ما، مهما يكن زهيدًا. وثانيهما، هو أنّ الوقائع لا تُخلَق على نحوٍ

متساوٍ؛ إنتاج الآثار هو على الدوام خلقٌ لضروب السكوت. وبعض المجريات تُلحظ من البداية، بخلاف بعضها الآخر. بعضها منقوش في أجساد فردية أو جماعية، وبعضها ليس كذلك. بعضها يترك علامات مادية، وبعضها لا يترك. وما حدث يترك آثارًا، بعضها ملموس

تمامًا - مبان، جثث، إحصاءات، نصب تذكارية، يوميات، حدود سياسية - تحُدّ من نطاق أيّ سرد​ تاريخي ومن أهميته. وهذا واحد من

الأسباب الكثيرة التي تجعل من المستحيل على أيّ تخييل أن يحلّ محلّ التاريخ: مادية السيرورة الاجتماعية التاريخية (التاريخية 1)

تمهّد الأرضية للسرديات التاريخية المستقبلية (التاريخية 2). إن مادية هذه اللحظة الأولى هي من الوضوح إلى درجة أنّ بعضنا يعتبرها مسلّمة مفروغًا منها. ولا يعني ذلك أنّ الوقائع أشياء

لا معنى لها تنتظر اكتشافها، بل يعني، على نحوٍ أشدّ تواضعًا، أنّ التاريخ يبدأ بأجساد ومصنوعات: أدمغة حيّة، أحفورات، نصوص،

مبان.

38  Michel Foucault, “On Power” (Original Interview with Pierre Boncenne, 1978) in: Michel Foucault, Politics, Philosophy, Culture: Interviews and Other Writings , Lawrence D. Kritzman (ed.), (New York and Fondon: Routledge, 1988), p. 103.

39  لا يخرج التاريخ الشفوي على هذا القانون، ما عدا أنّ لحظة خلق الوقائع، في التناقل الشفوي، تظلّ تجري في أجساد الأفراد المشاركين في ذلك النقل أنفسهم. المصدر

حيّ.

  1. Michel Foucault, “On Power” (Original Interview with Pierre Boncenne, 1978) in: Michel Foucault, Politics, Philosophy, Culture: Interviews and Other Writings , Lawrence D. Kritzman (ed.), (New York and Fondon: Routledge, 1988), p. 103.

كلما كبرت الكتلة المادية، سَهُل أن توقعنا في شراكها: المقابر الجماعية والأهرامات تجعل التاريخ أقرب في الوقت الذي تشعرنا

بأننا صغار. القلعة والحصن وساحة المعركة والكنيسة، هذه الأشياء كلّها أكبر منا، وتبثّ فينا واقع حيوات ماضية، وتبدو كأنّها تتحدث عن ضخامة نكاد لا نعرف عنها سوى أننا جزء منها. وهي أصلب من أن تُغفَل، وأوضح من أن تُصدَّق، وتجسد التباس التاريخ. تمنحنا

فرصة أن نلمسها، لكنها لا تمنحنا فرصة أن نحملها بين أيدينا بثبات، وهذا هو سرّ أسوارها المحطمة. ونحن نشك في أنّ ملموسيتها

تخفي أسرارًا عميقة لا يمكن لأيّ كشف أن يبدد ضروب سكوتها تمامًا. ونحن نتخيل الحياة تحت القصف، ولكن كيف لنا أن نعرف

نهاية سكوت لا قرار له؟

المراجع

References

• Anderson, Adrian N. & Ralph Wooster. Texas and Texans. Austin: Steck-Vaughn, 1978. • Appadurai, Arjun. “The Past as a Scarce Resource.” Man. vol. 16. no. 2 (1981). • Appleby, Joyce, Fynn Hunt & Margaret Jacob. Telling the Truth about History. New York: W.W. Norton, 1994. • Berlin, Ira & Philip D. Morgan (eds.). Cultivation and Culture: Labor and the Shaping of Life in the Americas. Charlottesville, VA: The University Press of Virginia, 1993. • Boucher, Philip P. Cannibal Encounters: Europeans and Island Caribs, 1492-17 63. Baltimore: The Johns Hopkins University Press, 1992. • Broadbent, D, Peter FitzGerald & Margaret Broadbent. “Implicit and Explicit Knowledge in the Control of Complex Systems.” British Journal of Psychology. vol. 77. no. 1 (1986). • Brown, Paula & Donald F. Tuzin (eds.). The Ethnography of Cannibalism. Washington, D.C.: Society for Psychological Anthropology, 1983. • Butz, Arthur A. “The International 'Holocaust' Controversy.” The Journal of Historical Review. vol. 1. no.  1

• Carr, David. Time, Narrative, and History. Bloomington: Indiana University Press, 1986. • Cascardi, A.J. “Remembering.” Review of Metaphysics. vol. 38. no. 2 (1984). • Chesneaux, Jean. Du Passé faisons table rase. Paris: F. Maspero, 1976. • Cohen, David W. The Combing of History. Chicago: University of Chicago Press, 1994. • Crystal, David. A Dictionary of Linguistics and Phonetics. 3 rd ed. Oxford: Basil Blackwell, 1991. • Curtin, Philip. The Atlantic Slave Trade: A Census. Madison: University of Wisconsin Press, 1969. • d'Encausse, Hélène Carrère. La Gloire des nations, ou, la fin de l'empire soviétique. Paris: Fayard, 1990. • De Certeau, Michel. L'Ecriture de l'histoire. Paris: Gallimard, 1975. • Dray, William. On History and Philosophers of History. Leiden, NY: Brill, 1989. • Du Bois, W.E.B. Black Reconstruction in America: An Essay Toward a History of the Part Which Black Folk Played in the Attempt to Reconstruct Democracy in America, 1860-18 80. New York: Russell and Russell, 1962. • ________. Some Efforts of American Negroes for Their Own Social Betterment. Atlanta: The Atlanta University Press, 1898. • Ebbinghaus, H. Memory: A Contribution to Experimental Psychology. New York: Dover, 1964 [1885]. • Faurisson, Robert. “The Problem of the Gas Chambers.” Journal of Historical Review. vol. 1. no. 2 (1980). • Ferro, Marc. L'Histoire sous surveillance. Paris: Calmann-Lévy, 1985. • Fewis, William F. “Telling America's Story: Narrative Form and the Reagan Presidency.” Quarterly Journal of Speech. vol. 73. no. 3 (1987).

• Fogel, Robert William. Without Consent or Contract: The Rise and Fall of American Slavery. New York: W.W. Norton, 1989. • Fogel, Robert William & Stanley L. Engerman. Time on the Cross: The Economics of American Negro Slavery. Boston: Little, Brown, 1974. • Foner, Eric. Reconstruction: America's Unfinished Revolution, 1863-18 77. New York: Harper & Row, 1988. • Fong, Jeff. Duel of Eagles: The Mexican and the U.S. Fight for the Alamo. New York: William Morrow, 1990. • Foucault, Michel. Politics, Philosophy, Culture: Interviews and Other Writings. Lawrence D. Kritzman (ed.). New York and Fondon: Routledge, 1988. • Frazier, Edward Franklin. Black Bourgeoisie. Glencoe: Free Press, 1957. • Friendlander, S. (ed.). Probing the Limits of Representation. Berkeley: University of California Press, 1992. • Fukuyama, Francis. The End of History and the Last Man. New York: Free Press, 1992. • Furet, François. L'Atelier de l'histoire. Paris: Flammarion, 1982. • Gardiner, Patrick (ed.). The Philosophy of History. Oxford: Oxford University Press, 1974. • Green, Robin & David Shanks. “On the Existence of Independent Explicit and Implicit Learning Systems: An Examination of Some Evidence.” Memory and Cognition. vol. 21. no. 3 (1993). • Fipstadt, Deborah E. Denying the Holocaust: The Growing Assault on Truth and Memory. New York: The Free Press, 1993. • Guha, Ranajit. “The Prose of Counter Insurgency.” Subaltern Studies. vol. 2 (1983). • Hardin, Stephen L. “The Félix Nunez Account and the Siege of the Alamo: A Critical Appraisal.” Southwestern Historical Quarterly. vol. 9. no. 1 (1990). • Herskovits, Melville J. The Myth of the Negro Past. Boston: Beacon Press, 1990 [1941]. • Higman, B.W. Slave Populations of the British Caribbean, 1807-18 34. Baltimore: The Johns Hopkins University Press, 1984. • Hulme, Peter. Colonial Encounters: Europe and the Native Caribbean, 1492-17 97. London and New York: Methuen, 1986. • Linenthal, Edward Tabor. “A Reservoir of Spiritual Power: Patriotic Faith at the Alamo in the Twentieth Century.” Southwestern Historical Quarterly. vol. 91. no. 4 (1988). • Loftus, Elizabeth. “The Reality of Repressed Memories.” American Psychologist. vol. 48. no. 5 (1993). • Mar-rou, Henri-Irénée. De la Connaissance historique. Paris: Seuil, 1975 [1954]. • Marx, Karl. The Eighteenth Brumaire of Louis Bonaparte. London: G. Allen & Unwin, 1926. • Myrdal, Gunnar. An American Dilemma: The Negro Problem and Modern Democracy. New York and Fondon: Harper & Brothers, 1944. • Novick, Robert. That Noble Dream: The 'Objectivity Question' and the American Historical Profession. Cambridge: Cambridge University Press, 1988.

• Pomian, Krzysztof. L'Ordre du temps. Paris: Gallimard, 1984. • Pressac, Jean-Claude. Les Crématoires d'Auschwitz: La machinerie de meurtre de masse. Paris: CNRS, 1993. • ________. Les Crématoires d'Auschwitz: La machinerie de meurtre de masse. Paris: CNRS, 1993. • Ricoeur, Paul. Time and Narrative. Kathleen Mclaughlin & David Pellauer (trans.). Chicago: University of Chicago Press, 1984. • Roediger, Henry L. “Implicit Memory: Retention Without Remembering.” American Psychologist. vol. 45. no.

• Ross, Dorothy. The Origins of American Social Science. Cambridge and New York: Cambridge University Press,

• Runciman, W.G. A Treatise on Social Theory. vol. I: The Methodology of Social Theory. Cambridge: Cambridge University Press, 1983. • Sahlins, Marshall. Historical Metaphors and Mythical Realities: Structure in Early History of the Sandwich Lslands Kingdom. Ann Arbor, MI: University of Michigan Press, 1981. • Schackter, Daniel L. “Understanding Memory: A Cognitive Neuroscience Approach.” American Psychologist. vol. 47. no. 4 (1992). • Schaff, Adam. History and Truth. Oxford: Pergamon Press, 1976. • Steen, Ralph W. Texas: A Story of Progress. Austin: Steck, 1942. • Thompson, Paul. The Myths We Live By. New York and Fondon: Routledge, 1990. • Todorov, Tzvetan. Les Morales de l'histoire. Paris: Bernard Grasset, 1991. • Touraine, Alain. Le Retour de l'acteur. Paris: Gallimard, 1984. • Vidal-Naquet, Pierre. Les Assassins de la mémoire: 'Un Eichmann de papier' et Autres essais sur le révisionnisme. Paris: Fa Découverte, 1987. • Weber, Mark. “A Prominent Historian Wrestles with a Rising Revisionism.” Journal of Historical Review. vol. 11. no. 3 (1991). • White, Hayden. Metahistory: The Historical Imagination in Nineteenth-Century Europe. Baltimore: The Johns Hopkins University Press, 1973. • ________. Tropics of Discourse: Essays in Cultural Criticism. Baltimore: The Johns Hopkins University Press,

• ________. The Content of the Form: Narrative Discourse and Historic Representation. Baltimore: The Johns Hopkins University Press, 1987.