العودة إلى تفاصيل المؤلَّف زعامات الحركة العربية ووعد بلفور (1917-1920)

زعامات الحركة العربية ووعد بلفور (1917-1920)

The Leaderships of the Arab Movement and the Balfour Declaration (1917-1920)

فتحي ليسير

Fathi Lissir

الملخّص

لقد كتب كثير عن وعد بلفور، بل إن هذا الحدث، كما يقال، قُتل بحثًا. ولكن ذكرى مئوية هذا الحدث، كما سائر المئويات، تمثّل - مثلما هو معلوم - مناسبة للباحثين والمؤرخين كي يعودوا إليه ليستأنفوا الحفر في أبعاده المتراصّة، التاريخي منها والسياسي والأخلاقي والمعرفي والرمزي ... إلخ. فالتاريخ إنما هو في الحصيلة كتابة مستمرة؛ لأنه ببساطة علم تأويلي في رأي الفيلسوف دالتي Dilthey؛ ذلك أن المؤرّخ يهتم بأفعال البشر ويجتهد - ما وسعه ذلك - في استقصاء ضمائر الأموات، ما يعني أنه يتعامل مع المعنى، والمعنى لا يفسّر بل يؤوّل. ومن ثمّ فإن التاريخ، بوصفه كتابة، لا ينتهي. ضمن هذه الإحداثيات العامة تندرج ورقتنا التي سنبحث فيها ردود أفعال زعامات الحركة العربية على إعلان وعد بلفور خلال الحقبة الواقعة بين نهاية 1917 ومطلع 1920، ومسوغات تلك الردود ومعانيها.

Abstract

Professor of Contemporary and Present History at the Faculty of Arts and Humanities, Sfax University, Tunisia.

الكلمات المفتاحية:
  • وعد بلفور
  • فلسطين
  • إسرائيل
  • الانتداب البريطاني
  • العرب
Keywords:
  • Balfour Declaration
  • Palestine
  • Israel
  • British Mandate

The Leaderships of the Arab Movement and the Balfour Declaration

مقدمة

نصّ قصير، من 117 كلمة، مؤرخ في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1917، غيّ مسار تاريخ منطقة الشرق الأدنى وأعاد تشكيل خريطتها، وفاض على جغرافيتها. ذاك هو تصريح بلفور الذي بعث به وزير الخارجية البريطاني، آرثر جيمس بلفور، إلى اللورد روتشيلد، أحد زعماء الحركة الصهيونية، في مطلع القرن العشرين. مرّ قرن على ذلك الحدث الهائل monstre Evènement، وفق العبارة التي اجترحها المؤرّخ بيار نورا Nora Pierre، ولكن هذا الحدث لم يتحوّل بعد إلى جزء من الماضي، على الأقل بالنسبة إلى العرب، فقد ظلّ فائرًا ممضًّا، متلجلجًا في الصدور، مؤرّقًا الضمائر، إنه من طراز ذلك الماضي الذي يأبى أن يمضي “ pas passe ne qui passé Un ”. لقد كتب كثير عن وعد بلفور، بل إن هذا الحدث، كما يقال، قُتل بحثًا. ولكن ذكرى مئوية هذا الحدث، كما سائر المئويات1، تمثّل - مثلما هو معلوم - مناسبة للباحثين والمؤرخين كي يعودوا إليه ليستأنفوا الحفر في أبعاده المتراصّة، التاريخي منها والسياسي والأخلاقي والمعرفي والرمزي... إلخ. فالتاريخ إنما هو في الحصيلة كتابة مستمرة؛ لأنه ببساطة علم تأويلي في رأي الفيلسوف دالتي Dilthey؛ ذلك أن المؤرّخ يهتم بأفعال البشر ويجتهد - ما وسعه ذلك - في استقصاء ضمائر الأموات، ما يعني أنه يتعامل مع المعنى، والمعنى لا يفسّ بل يؤوّل. ومن ثمّ فإن التاريخ، بوصفه كتابة، لا ينتهي. ضمن هذه الإحداثيات العامة تندرج ورقتنا التي سنبحث فيها ردود أفعال زعامات الحركة العربية على إعلان وعد بلفور خلال الحقبة الواقعة بين نهاية 1917 ومطلع 1920، ومسوغات تلك الردود ومعانيها. وقد يفيد التذكير هنا بأنه لا تاريخ من دون سردية، ولا سردية من دون شخصيات. والمقصود بالشخصيات في مقامنا هذا الفاعلون الكبار acteurs grands Les، وما تنسب إليهم المصادر والمرويات من أدوار في التأثير في الأحداث وتوجيهها وجهات معيّنة، إن قليلً أو كثيرًا.

  1. أستاذ التاريخ المعاصر والراهن بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة صفاقس، تونس.
  2. يعيش العالم منذ نحو أربعين عامًا "حمّى الاحتفاليات التذكارية". وإحياء الذكرى في تعريفه العام عمل جماعي collectif acte Un، عمومي Public، موضوعه حدث أو فعل باهر ماضٍ أو شخصيّة فذّة عزت إليها المجموعة الوطنية دورًا بارزًا في حقبة من حقب تاريخها. ويُعتبر إحياء الذكرى، بوصفه تجليًّا للذاكرة، إحدى دعامات هويّات المجموعات والشعوب.

لقد تمّت العودة بقوّة إلى الفرد في الكتابة التاريخية الأكاديمية، منذ أكثر من أربعين سنة، بعد فترة من التغييب المتعمّد2، في أفق أبحاث ترى أن الممارسات الاجتماعية والسياسية والثقافية يمكن قراءتها من خلال الإستراتيجيات الفردية للفاعلين. وقد صُقل هذا التمشي على مرّ الأعوام بعد ذلك. ولعلّ في تدبّر تعاطي الزعامات العربية مع خبر إعلان وعد بلفور ما يعين على إدراك أهمية إضاءات الأقدار الفردية destins Les individuels في توضيح بعض الأشياء، حتى إن بدت تلك الإضاءات بسيطة أحيانًا.

أولً: الزعامات العربية يف سياق الحقبة (1919-1914)

1. ما المقصود بالزعامات العربية؟

يجدر التذكير، بدايةً، بأن الحركة العربية الحديثة مرّت بعدة أطوار، وفق ما شدّد عليه الذين عكفوا على تعقّب مراحل تلك الحركة وتقصّ تقلباتها وتداعياتها3. وكان الطور الأول من هذه الحركة (نهاية القرن التاسع عشر - بداية الحرب العالمية الأولى) قد شهد ما يسمّيه المؤرخون بلورة الانبعاث القومي العربي4، وقيام الجمعيات والهيئات والأحزاب التي مثّلت البداية الفعلية ل "المشروع العربي "5. هكذا تمّ الانتقال من الحديث عن العرب إلى الحديث عن الأمة العربية، لا سيما بعد إنفاذ سياسة "التتريك" في الولايات العربية المشرقية كما هو معروف6؛ إذ تطورت من المطالبة بالمساواة مع الأتراك، في مرحلة أولى، إلى الدعوة إلى الإصلاح، وإقامة نظام لامركزي (مقررات المؤتمر العربي الأول في باريس عام 1913) في مرحلة ثانية، أي أن تكون تلك الولايات مستقلة استقلالً ذاتيًا في إطار الإمبراطورية العثمانية، قبل أن تتطور إلى الاستقلال التام والانفصال عن الإمبراطورية في مرحلة لاحقة باعتبار أن "يقظة [العرب] كانت توقًا إلى تقرير المصير والاستقلال السياسي"7. شكّلت جمعيات عربية وهيئات ثورية نحو "الفتاة" و"حزب اللامركزية"، وجمعية "العهد" لحمة هذه الحركة وسداها. وقد أسست زعامات عربية معروفة عدة جمعيات وهيئات وأدارتها8، ولكن تعرّض قسم منها للتصفية من جانب جمال باشا عامي 1915 و 1916.

Antoine Prost, “Les acteurs dans l'histoire,” in: Jean-Claude Ruano-Borbalan (dir.), L'histoire aujourd'hui (Paris: Editions Sciences Humaines, 1999), pp. 413 – 426.

  1. عاد الفرد ليحتل صدارة الاهتمامات بعد فترة طويلة لقي فيها من الغمط والإهمال قدرًا كبيرًا؛ ذلك أن اهتمام المؤرخين، ولا سيما في الفترة 1930 - 1974، قد انصب على "الأقدار الجماعية collectifs destins Les أو الفاعلين بوصفهم مجموعات مثل البرجوازية أو الفلاحين أو البروليتاريا"، انظر على سبيل المثال:
  2. على سبيل الذكر، لا الحصر، انظر: محمد عزة دروزة، نشأة الحركة العربية الحديثة: انبعاثها ومظاهرها وسيرها في زمن الدولة العثمانية إلى أوائل الحرب العالمية الأولى، تاريخ ومذكرات وذكرياتوتعليقات (بيروت/ صيدا: المكتبة العصرية، 1971)، ص 56 - 150، 516.
  3. من تجليات هذا الانبعاث الحركة الأدبية والفكرية التي عرفتها البلاد العربية المشرقية آنذاك. بخصوص ذلك، انظر: ساطع الحصري، محاضرات في نشوء القومية العربية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1955.)
  4. جورج أنطونيوس، يقظة العرب: تاريخ حركة العرب القومية، ترجمة ناصر الدين الأسد وإحسان عباس، ط 8 (بيروت: دار العلم للملايين، 1987)، ص 97 - 126، 149 - 174؛ محمد الناصر النفزاوي، التيارات الفكرية والسياسية في السلطنة العثمانية (1839 - 1918)، (تونس: كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية/ دار محمد علي للنشر، 2001)، ص 566.
  5. زين نور الدين زين، نشوء القومية العربية: مع دراسة تاريخية في العلاقات العربية التركية، ط 3 (بيروت: دار النهار، 1979)، ص 91 – 107.
  6. المرجع نفسه، ص 139.
  7. عرفت الإمبراطورية العثمانيّة خلال الحقبة 1908 - 1914 عدة جمعيات عربية؛ منها جمعيات علنيّة مثل جمعيتي الإخاء العربي العثماني (1908) والمنتدى الأدبي (1909)، وجمعيات سرّية نحو الجمعية القحطانية (1909)، والعربية الفتاة (1909)، والعهد (1913.)

أما قيادة الحركة العربية خلال الطور الثاني الذي يهمّنا في هذا السياق، فإنها عرفت تغيًّا مهمًّا إذ نهض بزعامتها الشريف حسين وأبناؤه الأربعة، لا سيما فيصل وعبد الله، في حين أصبح دور القوميين العرب الشاميين والعراقيين شبه ثانوي. لقد تمّ انتقال القيادة إلى الهاشميين بطلب من زعامات الشام، وبرغبة منها حتى قبل أن يقدم جمال باشا على تصفية عدد من رموز ناشطي الطور الأول من القوميين العرب9. ولكن تلك الحاجة أضحت أوثق بعد الإعدامات التي لحقت قيادات الحركة العربية في سورية ولبنان خلال عامي 1915 و 1916. أضف إلى كل هذا الدورَ الذي أدته القوى الخارجية، وعلى رأسها بريطانيا العظمى، كي يستأثر الشريف حسين وأبناؤه بقيادة الحركة. وخلاصة الأمر أن قيادة الحركة العربية عرفت، خلال هذه الفترة، تبدلً ملحوظًا بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى وانخراط الإمبراطورية العثمانية فيها (31 تشرين الأول/ أكتوبر 1914)، وإعلان العرب الثورة على الأتراك (5 حزيران/ يونيو 1916)، وانحياز الشريف حسين وأبنائه إلى صفّ بريطانيا في حربها على دولة الخلافة. وجاء هذا التغيّ تكريسًا وتتويجًا للتقارب بين ما سمّاه المؤرخ المستعرب فلاديمير لوتسكي (1906 - 1962) "إقطاعيي العرب بالحجاز"، و"برجوازية سوريا والعراق"10.

2 ي. ف التركيبة الجديدة للزعامات والتحول النوعي في القيادة العربية

ساءت العلاقة بين قادة الحركة العربية والأتراك بعد الانقلاب الدستوري (1909) وانتهاج الأتراك الاتحاديين سياسة التتريك (1909)، وتنكّر الباب العالي لوعوده للزعماء العرب بعد مؤتمر باريس (عام 1913)، وزادت حادثة الحكم بالإعدام على عزيز علي المصري، من تعزيز شعور انعدام الثقة بين العرب والأتراك. وقد وجد شعور النقمة وغياب الثقة بالأتراك ترجمته في ظهور جمعيات ثورية عربية؛ نحو حزب العهد، وجمعية العلم الأخضر التي تأسست عام 191411، والجمعية الثورية العربية التي ظهرت في مطلع 1914 بالقاهرة ودعت إلى استعمال العنف وتجاوز مطلب اللامركزية إلى الانفصال والاستقلال12. وعلى إثر تبلور هذه النزعة الثورية ضد الأتراك، دخل عدد من القادة العرب في اتصالات ومشاورات مع ممثلي القنصليات الفرنسية والبريطانية، وكذا استعلامات هذين البلدين. وهنا ينبغي لنا التذكير بأن فرنسا وإنجلترا كانتا تعملان جاهدتين على تعزيز وجودهما في منطقة المشرق العربي وصون مصالحهما، في انتظار انهيار الإمبراطورية العثمانية وما سيسفر عنه تقسيم ولايات المنطقة وأقاليمها. ومن ثمّ ساعدت هاتان القوتان الإمبرياليتان النزعات الانفصالية في الولايات العربية الراجعة بالنظر إلى الباب العالي13. وفي الوقت نفسه، أجرى القوميون العرب من ناحية، والإنكليز من ناحية أخرى، كلّ بأساليبه الخاصة، اتصالات بالشريف حسين14 الذي تصدّى للقيام بدور الزعيم العربي المناهض للأتراك والمنادي بطردهم من البلاد العربية.

  1. على سبيل المثال، انظر في هذا الصدد: دروزة، ص 235؛ سليمان موسى، الحركة العربية، المرحلة الأولىللنهضة العربية الحديثة (1908 ‑ 1924)، ط 3 (بيروت: دار النهار، 1986)، ص 127.
  2. فلاديمير لوتسكي، تاريخ الأقطار العربية الحديث، ط 7 (بيروت: دار الفارابي، 1980)، ص 455.
  3. دروزة، ص 478 - 480.
  4. المرجع نفسه، ص 462 - 473.
  5. ربطت القنصليتان الفرنسيتان في دمشق وبيروت صلات ببعض القوميين العرب، وموّلتا عددًا غير قليل من الصحف العربية. وقبل اندلاع الحرب العالمية الأولى تكثّفت هذه الاتصالات، من ذلك دخول شفيق المؤيد باسم حزب اللامركزية في مفاوضات مع بومبار السفير الفرنسي في الآستانة طالبًا من فرنسا تقديم الدعم المالي والسياسي "لانتفاضه عربية مرتقبة" (كذا). وفي هذه الأثناء أبرم حزب اللامركزية اتفاقية مع فرنسا تقضي بتسليم العرب 20 ألف بندقية، وتكليف عدد من المدربين العسكريين بتأطير المقاتلين العرب. كما قامت اتصالات مماثلة مع المقيمين الإنكليز بالمنطقة.
  6. هو الحسين بن علي الهاشمي مؤسس المملكة الحجازية الهاشمية. وُلد في إستانبول عام 1854 حينما كان والده منفيًا فيها. كان الشريف حسين أول من نادى (برفقة أولاده الأربعة: عبد الله، وفيصل، وزيد، وعلي) باستقلال العرب عن حكم الدولة العثمانية كما سنعرض إلى ذلك لاحقًا.

ولعله من المفيد في هذا السياق تأكيد أن الشريف حسين قد عيّ شريفًا على مكة في 1  تشرين الثاني/ نوفمبر 1908، أي بعد مجيء الاتحاديين إلى الحكم في الآستانة15. ولم يكد يمضي وقت طويل حتى أدرك الاتحاديون فداحة خطئهم بهذا التعيين؛ وذلك عندما أخذ الحسين يؤكد سلطانه الشخصي على قبائل الحجاز، ورغبته الجامحة في أن يصبح حاكمًا مستقلً على المنطقة ويبسط نفوذه على مناطق أخرى في شبه الجزيرة العربية. ولقد أثارت النيات التوسعية للرجل حفيظة الأتراك، ما تسبب في النهاية في تدهور العلاقة بينه وبين مركز الخلافة. والحق أن شريف مكة كان على بيّنة من تفاقم الغضب العربي على الاتحاديين واحتداد الشعور القومي العربي لدى النخب العربية المدنية والعسكرية في مطلع عام 1914، وتحديدًا بعد حادثة إيقاف عزيز علي المصري ومحاكمته16. وكان القوميون العرب من جماعة "الفتاة" و"العهد" آنذاك ينظرون إلى الشريف حسين على أنه أقوى الزعماء العرب17. وكانت الجمعيات العربية، المسلمة والمسيحية، تتطلّع إلى زعيم كبير يتولى قيادتها و"ينشئ الدولة العربية الكبرى"18 المنشودة، ما يعني في التحليل الأخير أن القوميين العرب في ذلك الوقت كانوا يفتقرون إلى قيادة قوية جامعة19. لقد أقام الشريف حسين اتصالات مع الإصلاحيين والقوميين العرب في الشام في مطلع عام 1914، على الرغم مما كان معروفًا عنه من عدم اطمئنانه إلى الأحزاب والجمعيات وقلّة ثقته بها20. وقد كان لابنيه فيصل21 وعبد الله22 دور مهمّ في هذا المضمار. وعلى سبيل المثال، كان فيصل عضوًا في "الفتاة" و"العهد" وسبق له أن أقسم على مبادئهما وأهدافهما، إضافة إلى أن شقيقه عبد الله دخل عضوًا في جمعية "الجامعة العربية" في ربيع 1914. ومن جهتها، قامت بعض الزعامات العربية، ولا سيما عدد من أعضاء حزب اللامركزية، بزيارة الشريف حسين في معقله بالحجاز، إضافة إلى نفر من حكام الجزيرة العربية الآخرين. وخلال ربيع 1914، جرى لقاء في حائل (عاصمة إمارة شمّر) بين عدد من القوميين العرب وحكام شبه الجزيرة العربية، وقد تدارسوا - من بين ما تدارسوه - إمكان بعث "جبهة عربية موحدة" تتكفل بالإعداد للثورة المسلحة على الأتراك23. وجد الحسين بن علي شريف مكة نفسه في تلك الفترة الدقيقة من تاريخ الإمبراطورية العثمانية عمومًا، والولايات العربية خصوصًا، في مركز إستراتيجي، مزوّدًا بالسلطة الروحية وبتأييد القبائل، فضلً عن طيف واسع من القوميين العرب؛ الأمر الذي هيَّأ له أن يطالب بطرد الأتراك، ورفع شعار دولة عربية مستقلة.

  1. قضى الشريف حسين مدة طويلة في إستانبول في ما يشبه الإقامة الجبرية برفقة أبنائه الأربعة، زمن حكم السلطان عبد المجيد الثاني.
  2. أنطونيوس، ص 195 – 199.
  3. أمين سعيد، الثورة العربية الكبرى: تاريخ مفصل جامع للقضية العربية في ربع قرن، مج 1 (القاهرة: مكتبة مدبولي، [د.ت.])، ص 124.
  4. المرجع نفسه، ص 125.
  5. عندما سأل الأمير فيصل الزعيم ياسين الهاشمي (أركان حزب الفيلق الثاني عشر): ماذا تطلبون من الحجاز؟ أجاب: "لا نطلب شيئًا، ولا نحتاج إلى شيء فعندنا كل شيء. وما عليك إلا أن تقودنا وتسير في الطليعة"، انظر: سعيد، مج 1، ص  132.
  6. محب الدين الخطيب، المذكرات (سيرة جيل)، مخطوط بمكتبة آل الخطيب بالقاهرة، عن سهيلة الريماوي، "صفحات من تاريخ الجمعيات في بلاد الشام 1908 - 1918 "، في: مجموعة مؤلفين، الحركة العربية القومية في مائة عام 1875 – 1982، ناجي علوش (مشرف ومحرر)، (بيروت: دار الشروق، 1997)، ص 119.
  7. فيصل بن حسين (1883 – 1933): هو الابن الثالث للشريف حسين. ولد بالطائف وأقام مع والده بالآستانة بداية من عام 1896، حيث تلقى تعليمه بالعربية والتركية. عاد مع والده إلى الحجاز عام 1909. انتخب نائبًا عن مدينة جدّة بمجلس المبعوثان العثماني عام 1913. عاد إلى إستانبول حيث اكتسب خبرة سياسية ومعرفة بدواليبها ورجالها.
  8. عبد الله بن الحسين (1882 - 1951): هو الابن الثاني للشريف حسين، ولد بمكة، ودرس بالآستانة خلال إقامة والده فيها. عيّ نائبًا عن مكة في مجلس المبعوثان عام 1909. شارك في الثورة العربية الكبرى، وأصبح أميرًا على إمارة شرق الأردن عام 1921.
  9. لوتسكي، ص 435.

إن العنصر الوحيد الذي كان يفتقده شريف مكة الطَموح آنذاك هو الدعم المسلّح من جانب دولة عظمى، وهو ما حاول السعي لالتماسه عند الإنكليز في مصر. أوفد الشريف حسين، في شباط/ فبراير 1914، ابنه عبد الله إلى القاهرة للاتصال باللورد كيتشنر المعتمد البريطاني في مصر. وقد لمّح عبد الله في ثنايا حديثه إلى كيتشنر إلى تحفّز قبائل الحجاز إلى الثورة على الدولة العثمانية، وتساءل في تحفّظ عن موقف الحكومة البريطانية في حال إعلان العرب الحرب على تركيا. واعتذر المعتمد البريطاني إلى نجل الحسين بلباقة الدبلوماسيين الإنكليز عن مساعدة والده بحجّة الصداقة التقليدية التي تربط بريطانيا بالدولة العثمانية. بيد أن كيتشنر لم يقفل باب الاتصالات نهائيًا مع الهاشميين؛ إذ عهد إلى رونالد ستورس المستشار الشرقي بدار المعتمد البريطاني بمتابعة التشاور مع الأمير عبد الله؛ ما يؤشر إلى أن الإنكليز كانوا حريصين على متابعة التباحث والتحاور مع شريف مكة. 3. "بروتوكول دمشق" ورهان الزعامات العربية على مساعدة بريطانيا في الانقلاب على الأتراك أو السير إلى "الثورة العربية" إثر اندلاع الحرب العالمية الأولى وانضمام الأتراك إلى دول المركز (1914) Powers Central أعلن السلطان العثماني خليفة المسلمين الجهاد ضدّ دول الحلفاء. وقد أصبح موقف العرب من الدعوة إلى الجهاد موضع اهتمام مباشر، وذا أهمية بالنسبة إلى الدول الحليفة، وعلى رأسها بريطانيا؛ إذ كان الإنكليز يعتقدون أن استجابة العرب لنداء الجهاد سيعرّض مصالحهم في مصر (قناة السويس) وفي الخليج العربي للخطر24. والحق أن العرب، عمومًا، وقفوا إلى جانب الدولة العثمانية في حربها مع دول التحالف بدافع العاطفة الدينية. أما الفاعلون السياسيون، فقد انقسموا إلى أقلية من القوميين كانت ترى ضرورة التعامل مع الحلفاء، لأن زوال الإمبراطورية – بالنسبة إليهم – بات في حكم الأمر المحتوم. أما القسم الأكبر من النخبة (استوى في ذلك شيوخ الدين والموظفون المدنيون والعسكريون والوجاهات القبلية والأرستقراطية)، فقد آثر مؤازرة دولة الخلافة تحت شعار "الجامعة الإسلامية". في هذه الأثناء، تلكأ الشريف حسين في تأييد الدعوة إلى الجهاد ضد بريطانيا، على الرغم من إلحاح أنور باشا رئيس الوزارة، وجمال باشا والي سورية عليه في ذلك الوقت25. ولقد عجّل اندلاع الحرب بعودة الاتصالات بين الحسين والإنكليز في نسخة جديدة، بعد أن خرج هؤلاء عن موقف التردّد الذي وسم إجابتهم عن طلب الشريف حسين خلال مرحلة المشاورات الأولى (شباط/ فبراير - نيسان/ أبريل 1914). فخلال أيلول/ سبتمبر - تشرين الثاني/ نوفمبر 1914، اتصل عبد الله بن الشريف حسين برسالتين من المستشار لدى المعتمد البريطاني بمصر، جاء فيهما التزام إنكليزي بتقديم المساعدات اللازمة للعرب من أجل الثورة على الأتراك ونيل استقلالهم. وعلى إثر فشل هجوم جمال باشا على قناة السويس في شباط/ فبراير 1915، أعلن مكماهون Mahon Mac المندوب السامي البريطاني في مصر (بإيعاز من كيتشنر الذي تولّ وزارة الحرب البريطانية) أن "بريطانيا ستساعد العرب عند انتهاء الحرب على نيل استقلالهم والاعتراف بالخلافة العربية بدلً من الخلافة العثمانية"26.

27  Full text of “Sykes-Picot,” Internet archive, accessed on 23 / 12 / 2018 , at: https://goo.gl/y 6 vU 7 b

  1. يضاف إلى ذلك حالة الهيجان التي ستعمّ كامل المنطقة العربية، لا سيما منطقة الحجاز؛ بسبب خشية أن يعمد الأتراك إلى إنشاء قواعد خفيّة على ساحل البحر الأحمر تمكّنهم من زرع الألغام وإرسال الرسل منها إلى مصر والسودان وباقي البلاد العربية في شمال أفريقيا.
  2. كانت ذريعة الشريف حسين للاتحاديين أنه لا يستطيع أن يعلن دعمه لنداء الجهاد؛ خشية من محاصرة بريطانيا لموانئ الحجاز، وربما قصفها بالقنابل. لكن سرعان ما فطن الأتراك إلى مناوراته بحلول شباط/ فبراير 1915؛ فقرر الباب العالي التخلص منه. لكن الحسين علم بالمخطط بواسطة جواسيسه فأرسل ابنه فيصل إلى الآستانة للاحتجاج (ظاهريًا) على مشروع عزله، لكنّه كان – في حقيقة الأمر – مكلفًا بالاتصال بالزعماء العرب في الشام والعراق؛ للتأكد من مدى استعدادهم للانضمام إليه في حال إعلانه الثورة على الباب العالي. واجتمع فيصل، خلال زيارته الثانية إلى دمشق، بعدد من الزعماء السوريين والبدو والدروز الذين انضمّوا إلى "الفتاة" و"العهد" وأقسم كل من قابل فيصل "يمين الولاء لحركة الاستقلال العربي والمبايعة بالزعامة للشريف حسين"، انظر: سعيد، مج 1، ص 133.

وعلى الرغم من كل هذه الوعود، فإن الشريف حسين بدا متردّدًا في الثورة ضدّ دولة الخلافة؛ لأنه لا يجد المبرّر الكافي أمام العالم الإسلامي للإقدام على مثل تلك الخطوة الخطِرة. حدث هذا قبل أن تتطور الأحداث لاحقًا وتسوء العلاقة بين العرب والاتحاديين وفق ما شرحناه آنفًا. وفي أيار/ مايو 1915، أجرى الأمير فيصل في دمشق مشاورات مع القوميين السوريين قبل إعدامهم من طرف جمال باشا، ونصحهم بالوقوف إلى جانب الإنكليز ضد الأتراك. وقد أطلعه أعضاء من "الفتاة" و"العهد" على نصّ ميثاق حرروه، تضمّن شروط العرب لعقد اتفاق مع بريطانيا، والدخول إلى جانبها في الحرب، وطلبوا إليه أن يقدّمه إلى والده كي يجعله أساسًا لمفاوضاته مع بريطانيا28. ويستمدّ هذا الميثاق الذي يسمّى في المصادر "بروتوكول دمشق" أهميته من كونه أول قرار تتخذه قيادات سياسية قومية عربية بإنشاء دولة عربية مستقلة متحدة تستعين على توطيد كيانها وسلطتها بإبرام معاهدة دفاعية مع بريطانيا. ومنح هذه القوّة الدولية العظمى الأولوية بين الدول في المشاريع الاقتصادية، وهو أمرٌ يتيح لها ضمان مصالحها الحيوية وتأمين طرق مواصلاتها مع الشرق29. والحق أن التفاصيل التي نقلها فيصل لوالده شريف مكة بخصوص وجود يقظة قومية في سوريا، والتفات تلك اليقظة القومية إلى شخصه كي يتزعمها، أو يسير بها نحو إنشاء دولة عربية متحدة ومستقلة، كان لها أثر قوي لدى الرجل؛ ما دفع به إلى أن يعيد الاتصال بممثلي الحكومة البريطانية في مصر.

ثانيًا: فلسطين ونهاية عهد: من هزيمة الأتراك إلى فضح لاتفاقيات السرية

1 ي. هزيمة العثمنيين والألمان ف فلسطين

تحولت فلسطين30، منذ بداية الحرب العظمى عام 1914 حتى نهايتها عام 1918، إلى ساحة من ساحات هذه الحرب. ففي بداية الحرب، جعل الأتراك من فلسطين قاعدة لجيشهم الزاحف على قناة السويس في مصر، فكانوا يغيرون منها على مواقع الإنكليز في الصحراء وعلى ضفتي القناة. وكان جمال باشا قد عيّ عند اندلاع الحرب قائدًا للجيش الرابع في سوريا31 وأنيطت به مهمة توطيد الأمن في سورية والهجوم على قناة السويس، إضافة إلى إشغال الجيش الإنكليزي في مصر32. ولكن الوضع تغيّ بعد إعلان الشريف حسين الثورة على الأتراك في 5 حزيران/ يونيو 1916، وبعد اشتراك العرب في الحرب إلى جانب الحلفاء.

  1. بخصوص تفاصيل هذا البروتوكول، انظر: موسى، ص 131؛ أنطونيوس، ص 243 - 244.
  2. دوّن الجنرال غلوب، في كتابه: بريطانيا والعرب (لندن: [د.ن].، 1959)، ص 60، ما يلي: "إن بنود الميثاق (وهي أول عرض يتقدّم به القوميون العرب في المفاوضات) أعطت بريطانيا العظمى كل شيء كان يمكن أن ترغب فيه"، عن موسى، ص 131.
  3. كانت فلسطين جزءًا من سورية الطبيعية في الطرف الغربي من قارة آسيا على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وتحديدًا إلى الجزء الجنوبي الغربي. وخلال العهد العثماني، كانت فلسطين مقسّمة إداريًا بين ولاية بيروت وسنجق القدس؛ إذ كان القسم الشمالي من فلسطين يتبع ولاية بيروت. أما سنجق القدس، فكان يشمل القسم الجنوبي من فلسطين.
  4. كان مقرّه مدينة دمشق. وكانت دائرة نفوذه العسكرية والإدارية تشمل البلاد الممتدة من جنوبي طرطوس إلى اليمن؛ أي إنها كانت تضم ولايات أضنة وحلب والشام وبيروت وجبل لبنان وفلسطين والحجاز.
  5. غادر جمال باشا مركز القيادة في دمشق ليشرف في القدس وبئر السبع على تنظيم الهجمات على قناة السويس وحاول الجيش العثماني مرارًا عبور القناة (في مطلع شباط/ فبراير 1915)، وخلال هجوم مشترك تركي - ألماني (3 آب/ أغسطس 1916)، لكن كلّ هذه المحاولات باءت بالفشل.

لقد تمكّنت القوات العربية من طرد القوات العثمانية من الحجاز33، ثم زحفت شمالً، تحت إمرة فيصل في اتجاه العقبة، لتحتل هذا الموقع المهمّ في 6 تموز/ يوليو 1917. بعدئذٍ، شرع الجيش العربي في نشر قواته على طول الطريق بين العقبة ومعان34. وعلى إثر سقوط العقبة، قرّر الإنكليز في مصر أن يجعلوا عمليات الجيش العربي فيها وفي جهة معان تحت قيادة إدموند هنري اللنبي35 وأن تتحوّل القوات العربية في العقبة إلى الجناح الأيمن للجيش البريطاني في زحفه نحو الشام. وكان الجيش البريطاني قد تقدّم من مصر إلى فلسطين مخترقًا شبه جزيرة سيناء، بقيادة الجنرال اللنبي فدحر الجيش العثماني في رفح، في 10 كانون الثاني/ يناير 1917، ثم واصل زحفه نحو غزّة التي احتلها في 7 تشرين الثاني/ نوفمبر 1917. وفي غزة، جرى اجتماع بين الجنرال اللنبي والأمير فيصل قائد الجيش العربي، وتم الاتفاق بين الطرفين على ضرورة قيام القوات العربية بعمليات في فلسطين وشرقي الأردن وسوريا. وبعدئذ، زحف جيش الحلفاء بقيادة اللنبي شمالً فاحتل يافا في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 1917، واحتل بيت لحم أيضًا. وفي 8 كانون الأول/ ديسمبر 1917، اضطرّ العثمانيون إلى الانسحاب من القدس التي دخلها الجنرال اللنبي في 11 كانون الأول/ ديسمبر 1917. وإثر ذلك، أنشأ اللنبي في فلسطين إدارة عسكرية بريطانية على رأسها ضابط عسكري كبير مقرّه القدس، يحمل لقب "الحاكم العام للمنطقة الجنوبية من أراضي العدو المحتلة"36.

2. الغدر بالعرب: من سايكس - بيكو إلى وعد بلفور

حين كان العرب، ممثلين في الشريف حسين وأبنائه، يعاضدون الحلفاء في حربهم ضد الإمبراطورية العثمانية وحليفتها ألمانيا، أملً في تحقيق حلم دولة عربية مستقلة، كانت تجري، في مكاتب وزارات خارجية بريطانيا وفرنسا وروسيا ومعابرها، مفاوضات تهدف إلى اقتسام تركة "الرجل المريض" في آسيا الصغرى والشرق الأدنى العربي، وقد توّجت هذه المشاورات والمحادثات السرية بتوقيع اتفاقية سايكس - بيكو التي أرفقت بخريطة تبيّ تقسيم المشرق العربي بين بريطانيا وفرنسا37، في حين لم تشمل حصّة روسيا شيئًا من البلاد العربية38. ومن أجل تفادي جملة الالتزامات التي سبق لهم أن قطعوها على أنفسهم، قرّر الإنكليز استغلال الحركة الصهيونية التي أخذت تنشط على نحو مكثّف ومركّز في نهاية القرن التاسع عشر39. وقبل الحرب العالمية الأولى، التفت قادة الفرع الصهيوني البريطاني بقيادة حاييم وايزمان إلى الحكومة البريطانية في سعي منهم لإقامة تعاون معها.

  1. لاقى جيش "الثورة" في البداية بعض الصعوبات، خاصة عام 1916، الأمر الذي أثار شكوكًا لدى القيادة العامة البريطانية في القاهرة حول قدرة الشريف حسين على أن يهزم الأتراك. بيد أن الأوضاع تغيّت في مطلع 1917 على إثر نجاح فيصل، في بداية كانون الثاني/ يناير 1917، في احتلال مركز الوجه (مركز مهم على ساحل البحر الأحمر يقع نحو 400 كلم شمال جدّة)، وهو ما ثبّت أقدام الثورة في الحجاز.
  2. بخصوص تفاصيل معارك الجيش الرابع، انظر: صبحي العمري، المعارك الأولى: الطريق إلى دمشق، أوراق الثورة العربية (1) (لندن/ ليماسول: رياض الريس للكتب والنشر، 1991)، ص 105 - 259.
  3. سعيد، مج 1، ص 58.
  4. أنطونيوس، ص 330 - 331؛ موسى، ص 307.
  5. بخصوص اتفاقية سايكس – بيكو، وعلى سبيل الذكر، لا الحصر، انظر: archive Internet ,” Picot - Sykes “ of text Full؛ أنطونيوس، ص 348 – 358؛ موسى، ص 338 – 364؛ "اقتسام العالم: بمناسبة مرور مئة سنة على اتفاقية سايكس -  بيكو"، أسطور، العدد 6 (تموز/ يوليو 2017)، ص 203 – 320.
  6. شملت حصة فرنسا (باللون الأزرق) غربي سورية ولبنان وكيليكيا والجنوب الشرقي من الأناضول. وتمثل نصيب بريطانيا (باللون الأحمر) بمنطقة ما بين النهرين (بما في ذلك البصرة وبغداد وميناءَا حيفا وعكا في فلسطين.)
  7. لوتسكي، ص 466 – 468.

وفي مطلع عام 1917، أي في خضم استعدادهم لاحتلال فلسطين، "تذكّر" الإنكليز مطامع الصهيونيين؛ فقرّروا استغلال خدماتهم وتوظيفها من أجل اقتطاع فلسطين من الدولة العربية. وخلال شباط/ فبراير من العام نفسه، قام مارك سايكس، بتكليف من الحكومة البريطانية، بإجراء اتصالات مع نفر من القادة الصهيونيين. وتكرّرت هذه المفاوضات، خلال صيف 1917، لتسفر في النهاية عن تطابق في وجهات النظر، فإذا الحصيلة نشر الحكومة البريطانية، في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1917، بيانًا عن سياستها في فلسطين، وقد كان كناية عن تصريح سيشتهر لاحقًا باسم "وعد بلفور"، تعهدت بريطانيا بموجبه بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. وقد جاء هذا الالتزام في نصّ رسالة مقتضبة بعث بها آرثر جيمس بلفور وزير خارجية بريطانيا إلى اللورد روتشيلد رجل الأعمال الصهيوني المعروف40. هكذا نتبيّ أن بريطانيا كانت تتفاوض مع ثلاثة أطراف في الآن نفسه: العرب ممثلين بالشريف حسين وأبنائه، وحليفتيها فرنسا وروسيا، وأخيرًا الحركة الصهيونية. والسؤال هنا: كيف كان الإنكليز يأملون التوفيق بين هذه المتناقضات والاتجاهات المتضاربة؟ ما هو مؤكد أن هدف الإنكليز، وهذا ما برهنت عليه الأحداث لاحقًا، كان واضحًا: تأمين مصالحهم في المنطقة، حتى إن نكثوا العهود بعد ذلك41. كان من الطبيعي ألّ تبقى اتفاقية في مثل خطورة سايكس –  بيكو، ووعد في مثل جسامة وعد بلفور طي الكتمان طويلً. ففي تشرين الثاني/ نوفمبر 1917، نشر البلاشفة الذين استولوا على الحكم في روسيا بنود الاتفاقية في محاولة منهم إرباك حلفاء النظام القيصري من "الدول الإمبريالية". ومن الطريف أن الشريف حسين، مثله مثل سائر العرب الآخرين، قد علم بتصريح بلفور قبل أن يعلم باتفاقية سايكس – بيكو التي كانت سرّا معلقًا عند نشر ذلك التصريح. لقد صدم سايكس - بيكو ووعد بلفور زعامات الحركة العربية وأثارَا سخط عامة الناس، بحيث بدأت تتسرَّب الاتجاهات المعادية للإنكليز إلى صفوف الجيش العربي؛ من خلال تململ الضباط والجنود، وشروع عدد من قادة الثورة في التفاوض مع تركيا مهددين بعقد صلح منفرد معها. إن السؤالين اللذين يتوقف عليهما جلاء جوانب من الإشكالية التي نتحرّك في إطارها هما: بماذا اتسمت ردّات الفعل الأولية لأولئك القادة والزعامات حيال تصريح بلفور فور ذيوع خبره، ومعاني هاتيك الردود؟ وهل كان لدى بعضهم وعي، ولو جنيني، بما قد ينطوي عليه مثل ذلك الوعد من أخطار على العرب بعامّة، وعلى فلسطين بخاصّة؟

ثالثًا: الرشيف حسين ووعد بلفور (1920-1917)

سعت الحكومة البريطانية بعد شيوع خبر وعد بلفور لمحاولة طمأنة العرب من ناحية، ولتقريب وجهات النظر بين العرب واليهود الصهيونيين من ناحية أخرى. كان هاجس الإنكليز الحفاظ على مركزهم الحربي في المنطقة. ومن أجل تجسيد هذا الهدف، كان لا بد، بالنسبة إليهم، من إيجاد نوع من التفاهم بين العرب واليهود الصهيونيين42، على أن الخطوة الأولى في هذا التمشي كانت تهدئة الخواطر العربية، والتأثير في

  1. إن الأبحاث والدراسات والكتب حول وعد بلفور عديدة وقد جاءت بلغات عديدة، وهي متفاوتة من حيث القيمة والفائدة. وبناءً عليه، فإننا لا نريد إيراد لائحة لهذه الأعمال، حتى لو كانت منتخبة، بسبب ضيق الحيّز.
  2. حدث هذا على سبيل المثال مع روسيا حول فلسطين التي كان من المفروض (بحسب اتفاقية سايكس – بيكو) أن تكون منطقة دولية، ومع فرنسا حول الموصل التي كانت من نصيب فرنسا وفق سايكس – بيكو، انظر على سبيل المثال: فتحي ليسير، "رهان النفط في مسار سايكس – بيكو 1916 – 1920 "، أسطور، العدد 6 (تموز/ يوليو 2017)، ص 238 - 252.
  3. عبد الوهاب الكيالي، تاريخ فلسطين الحديث، ط 7 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1979)، ص 107.

الملك حسين كي يعدل عن موقفه من المشكلة الصهيونية. ومما جاء في إحدى المراسلات السرية البريطانية في هذا الشأن: "لا بد أن يفهم الملك أن صداقة اليهودية العالمية للقضية العربية تعني كسب تأييد جميع الدول التي يتمتع فيها اليهود بنفوذ سياسي"43.

1. رسالة هوغارت44 إلى "ملك العرب"

كانت دهشة الشريف حسين كبيرة عندما تناهى إليه نبأ تصريح بلفور45، هذا على الأقل ما تتفق بشأنه أغلبية المصادر التاريخية. وكعادة الحسين كل مرّة، في تعامله "الشفّاف" مع الإنكليز، توجه إليهم بالسؤال مستفهمًا عمّا إذا كان ما بلغه من أمر التصريح صحيحًا، وطلب كذلك تعريفًا لمعنى الوعد ومداه46. وكان ردّ السلطات البريطانية في القاهرة إيفاد ديفيد هوغارتالخبير الإنكليزي بالشؤون العربية إلى مكة لمقابلة "سيّد الحجاز". وفي 4 كانون الثاني/ يناير 1918، سلّم هوغارت الشريف حسين مذكرة أعلنت فيها بريطانيا "أن دول الحلفاء مُصمّمة على أن تتيح للشعب العربي فرصة كاملة لاستعادة كيانه كأمة في العالم. وهذا لا يتيسّ حقيقة إلّ باتحاد العرب أنفسهم، وأن بريطانيا العظمى وحلفاءها سيتبعون سياسة ترمي إلى تحقيق هذه الوحدة"47. وقال هوغارت في مذكراته تعليقًا على هذه النقطة الأخيرة: "من الجليّ أن الملك يعدّ الوحدة العربية مرادفة لملكه وأنها بغير هذا لا تكون ذات معنى، وهو ينظر إلى تصريحاتنا ودعواتنا إليها على اعتبار أنها مظهر لنيّتنا الحسنة لا أكثر"48. وفي اجتماع 9 كانون الثاني/ يناير 1918، قرأ هوغارت على مسمع الحسين القسم المتعلّق بإقامة اليهود في فلسطين وقال: "إن الملك يرحب باليهود في كل البلاد العربية"49. وكتب هوغارت في مذكراته، في  ما يتعلّق بالإشراف الدولي على الأماكن المقدسة في فلسطين، أن الملك "لم يدع لي شكًا في أنه يعدّ هذه المسألة يعاد النظر فيها بعد عقد الصلح على الرغم من تأكيدي له بأنها تدبير نهائي. وقد شبهنا معه باثنين يهمّان بأن يسكنا بيتًا واحدًا ولكنّهما غير متفقين على اقتسام الغرف وتوزيع الأدوار"50. أما بخصوص فلسطين، فقد جاء في الرسالة التي قرأها هوغارت: "أننا مصممون على أن لا يخضع شعب لشعب آخر"، وقال ما يتعلّق بموضوع إقامة اليهود في فلسطين: "إن الملك لا يقبل قيام دولة يهودية مستقلة في فلسطين، ولم تصدر لي تعليمات بأن أذكر له أن ما تفكر فيه وتنويه بريطانيا العظمى ولعله لا يعرف إلّ القليل على الحالة الاقتصادية الواقعة أو الممكنة في فلسطين. وأما موافقته السريعة على إقامة اليهود في فلسطين فلا تعني شيئًا ولا قيمة لها، ولكنّي أظنّه يقدر مزية التعاون العربي مع اليهود"51.

  1. المرجع نفسه، ص 107.
  2. ديفيد هوغارت (1862 - 1927): عالم آثار إنكليزي اشتغل بالشرق الأوسط قبل أن يجري تسميته في مصر بمصلحة الاستعلامات التابعة للجيش الإنكليزي عند اندلاع الحرب العالمية الأولى. وقد تولى بعدئذٍ رئاسة المكتب العربي بالقاهرة.
  3. أنطونيوس، ص 375.
  4. أشار سليمان موسى إلى أن هوغارت عقد عشرة اجتماعات مع الشريف حسين خلال الفترة 8 - 14 كانون الثاني/ يناير 1918، انظر: موسى. أما جورج أنطونيوس، فإنه يؤكد أن عدد هذه الاجتماعات لم يتجاوز اثنين؛ ذلك أن هوغارت قابل الملك مرّتين خلال الأسبوع الأول من كانون الثاني/ يناير 1918، انظر: أنطونيوس، ص 375. وربما كان أنطونيوس يقصد الاجتماعات المخصصة لوعد بلفور؛ لأن المباحثات الأولى بين هوغارت والحسين كانت مخصصة لإعادة الوئام بين هذا الأخير والملك ابن سعود في نجد، انظر: المرجع نفسه، ص 371
  5. موسى، ص 372.
  6. ديفيد هوغارت، "مذكرات عن لقائه بالشريف حسين (15 كانون الثاني/ يناير 1918)"، في: وثائق فلسطين: مائتان وثمانون وثيقة مختارة، 1839 – 1987 (تونس: منظمة التحرير الفلسطينية، دائرة الثقافة، 1987)، ص 68 – 69.
  7. موسى، ص 373
  8. هوغارت، ص 68 - 69.
  9. المرجع نفسه.

ما يهمنا هنا أن التعابير السلسة المنمّقة التي "نمنم" بها هوغارت خطابه إلى الشريف حسين، وقدرته على تمويه الوقائع، وإخفاء النيات الحقيقية للسياسة البريطانية، قد فعلت فعلها فلم يغادر العرب ساحة المعركة، على الرغم من الشعور الذي أصبح يساورهم بعدم الاطمئنان إلى سياسة بريطانيا وعدم الثقة بها.

2. ثقة الحسين المفرطة بوعود الإنكليز

لا يملك الباحث المتقصّ فيما كان يجري في المنطقة العربية بالمشرق زمن الحرب العالمية الأولى وإثر نهايتها إلّ أن يعجب من "الثقة العمياء" التي وضعها شريف مكة في الإنكليز. هكذا لاح الحسين كمَنْ خاطر بكل أسهمه إلى جانب بريطانيا، وظل على رأيه ذاك غير لاوٍ على تحذيرٍ أو لومٍ. وقد جعل موقفه هذا منه شخصية إشكالية52 حيّت المؤرخين. وههنا بيانُ بعض من ذلك. لنبدأ بعرض الصّلح الذي قدّمه جمال باشا إلى الشريف حسين في خريف 1917 بعد افتضاح أمر سايكس – بيكو ووعد بلفور. لقد أجاب الشريف حسين ابنه فيصل الذي راجعه في الموضوع بقوله إنه "يضع الموضوع كلّه بين يدي الحكومة البريطانية التي لا بد أن تكون مطّلعة على مسائل سياسية كثيرة لا يعرفها هو"، ثم فوّض الحسين إلى ريجنالد وينغايت Wingate Reginald المفوّض البريطاني السامي في مصر "أن يبلغ لفيصل [من الأوامر] ما يرى إبلاغه"53. وكان الشريف لا يني في "رجم" ابنه فيصل بالأوامر والتعليمات التي تحثّه "على أن يعمل بما يقول له ساسة بريطانيا"، وكان يردّد "إن الحكومة البريطانية هي التي ستوضّح له طبيعة مهمّته"54. وعندما بدأ التململ يسري في صفوف جيش فيصل إثر انتشار خبر وعد بلفور، أبرق فيصل إلى أبيه معبًّا عن خشيته مما يجري في نبرة تشي بعدم الاطمئنان إلى الإنكليز، فأجابه الحسين في لهجة قاطعة: "الحلفاء أجلُّ وأكبرُ من أن يخلُّوا بحرف من مقرّراتنا معهم"55. ولما شاع نبأ تصريح بلفور على نطاق واسع، ظلّ الشريف حسين على قناعته بصدق الحكومة البريطانية، بل إنه "بعث إلى أكبر أتباعه في مصر وفي صفوف جيش الثورة ليخبرهم أنه تلقى تأكيدات بأن توطين اليهود في فلسطين لن يتعارض مع استقلال العرب [...] بل أوعز بنشر مقال في الجريدة الناطقة بلسانه56، يحضّ فيها عرب فلسطين على الترحيب بإخوانهم اليهود "57.

رابعًا: فيصل ووعد بلفور (1920-1917)

يحسن القول، منذ البداية، إن آراء فيصل ومواقفه حول مستقبل فلسطين، في الحقبة موضوع البحث، لم تكن تختلف كثيرًا عن آراء والده الحسين ومواقفه، بل إنها كانت مماثلة لتلك الآراء التي حملتها آنذاك غالبية العرب العاملين في الحقل السياسي58.

1. اللقاء بين فيصل ووايزمان: حزيران/ يونيو – كانون الأول/ ديسمبر 1918

سبقت الإشارة إلى أن الإنكليز تعهّدوا برعاية الاتصالات بين قادة الحركة العربية والقادة اليهود الصهيونيين بعد ذيوع تصريح بلفور. وضمن هذا المدار، يمكن تنزيل قرار رونالد ستروس وجلبرت كلايتون إرسال وايزمان للاجتماع مع الأمير فيصل في مقرّ قيادته عام 1918.

P.R.O, F.O, 371 / 3395 , 686 / 37 , 656 / 38.

  1. يقول صبحي العمري: "إن الأحكام التي نزلت بالملك حسين وأولاده وعائلته وجيشه من قبل بعض الناس كانت أحكامًا غير عادلة، فبعضها يعطيه أقلّ مما يستحق من تقدير وفي بعضها ما لا يستحق من نقد"، انظر: العمري، ص 312.
  2. موسى، ص 378.
  3. المرجع نفسه، ص 432.
  4. من أوراق الأمير زيد، عن موسى، ص 379، انظر هامش الصفحة المذكورة:
  5. هي صحيفة القبلة (مكة) الناطقة باسمه، العدد 182، آذار/ مارس 1918.
  6. أنطونيوس، ص 277.
  7. المرجع نفسه، ص 395.

اجتمع فيصل بوايزمان، في 4 حزيران/ يونيو 1918. وحضر هذا الاجتماع الكولونيل جويس رئيس البعثة العسكرية البريطانية في الجيش الشمالي. وخلال هذه المقابلة، بسط وايزمان لفيصل أهداف الصهيونية ورغبة الصهيونيين في التعاون مع الزعماء العرب وحرصهم الشديد على التواصل معهم59. كما أكّد له أن الصهيونيين لن يعملوا على إنشاء حكومة يهودية في فلسطين ولكنهم يعملون على إعمار البلاد وتطويرها في ظل الحماية البريطانية، من دون أي اعتداء على المصالح المشروعة للآخرين. وكان جواب فيصل - الذي بدا حذرًا جدًّا خلال هذه المقابلة60 - أنه يدرك أهمية التعاون، ولكن يتعذّر عليه إبداء الرأي في الموضوع "لأنه في القضايا السياسية لا يزيد على كونه وكيل أبيه ولا يستطيع البحث فيها"61. وعندما شرع فيصل في رحلته الأوروبية، في خريف 1918، وهو في الطريق إلى مؤتمر الصلح بباريس لتمثيل والده فيه، اتصل به أثناء إقامته ناحوم سوكولوف أحد زعماء اليهود المعروفين "مرحّبًا به وطالبًا منه أن يظهر عطفًا على القضية اليهودية"، لكن فيصل "صرفه بلطف"62. وعند تحوله إلى لندن في تلك الفترة نفسها، زاره كبار اليهود الإنكليز، وعلى رأسهم ألفريد موند وهربرت صموئيل واللورد بركنهد (وزير الحقانية البريطانية)، مبدين تفهّمهم للعرب وقضيتهم. كما أظهروا استعدادهم لمساندة تلكم القضية بنفوذهم63. ثمّ تجدد الاتصال بين فيصل ووايزمان، في 11 كانون الأول/ ديسمبر، في فندق كارلتون بلندن مقرّ إقامة فيصل آنذاك بحضور توماس إدوارد لورنس الذي نهض بدور المترجم بين الرجلين. وخلال هذا الاجتماع، تبيّ للأمير فيصل أن اتفاقية سايكس – بيكو كانت حقيقة مجسّدة وليست خرافة تفتق عنها الخيال البلشفي المناور كما زعم الحلفاء في وقت من الأوقات. وقال فيصل عن هذا اللقاء الذي تمّ بطلب من وايزمان إن هذا الأخير أعلمه في مستهل الاجتماع أن "اليهود ليس لهم قصد في حكم فلسطين، وجلّ مقاصدهم أن يكون لهم ملجأ يلجؤون إليه، وليس لهم أدنى طمع في تأسيس حكم ما". وطمأن وايزمان الأمير فيصل بخصوص اتفاقية سايكس - بيكو، بل إنه بخّس من شأنها قائلً إنها لا تعدو أن تكون محض "وُريقة لا أهمية لها"، وإن العرب واليهود إذا مشينا جنبًا إلى جنب لا تستطيع أي أمة كانت أن تهضم لنا أدنى حق. كما كرّر وايزمان لمخاطبه قوله: إن اليهود لا قصد لهم بتشكيل حكومة، بل إنهم يريدون ألّ يمنعوا من التوطّن في البلاد، وهم يطلبون من العرب أن يمدّوا إليهم يد المعونة لصديق مخلص ليس له سلاح يقاتل به أو يستملك بقوّته، وإنما هو معين للعرب وللوطن بالمال والذكاء والتأثير السياسي الخارجي، وقال إن لدى اليهود أموالً يمكن للعرب أن يستفيدوا منها في توطيد حكومتهم وإعمار بلادهم وإصلاحها64. هذا أهم ما حاول وايزمان تمريره إلى فيصل في ذلك الوقت. ولكي تكتمل الصورة علينا ألّ نقصي من دائرة اهتمامنا التأثير الكبير والوازن جدًّا الذي مارسه لورنس مستشار فيصل حتى يقنع الأمير الهاشمي بفوائد التعاون مع اليهود. فقد هوّل الخطر الفرنسي، وخاصة

  1. سعيد، مج 2، ص 47.
  2. المرجع نفسه.
  3. موسى، ص 431.
  4. سعيد، مج 2، ص 48.
  5. المرجع نفسه.
  6. جاء هذا في رسالة مطوّلة بعث بها فيصل إلى والده الشريف حسين في 12 كانون الأول/ ديسمبر 1918، انظر: موسى، ص 435 – 437.

بعد أن أسفر الفرنسيون عن نياتهم الحقيقية في سوريا. وفي المقابل، أشاد بقدرة اليهود على التأثير في الموقف الأميركي حتى إنه أقنع الرجل – بفضل لباقته وقدرته الفائقة على الحجاج - بقوّة نفوذ اليهود عند الرئيس ويلسون65. والحقيقة التي لا شك فيها أن الحكومة البريطانية (عن طريق لورنس الناطق بلسانها) من ناحية، ونفر من الزعامات الصهيونية المعروفة من ناحية أخرى، مارَس كلّ من جانبه66 ضغوطًا شتى على فيصل (الذي يفترض أنه يمثل الطرف العربي) كي يعقد الطرفان العربي واليهودي اتفاقية مكتوبة، وهذا ما سيتجسّد من خلال اتفاقية ستعرف في كتب التاريخ باسم اتفاقية "فيصل – وايزمان" وهو ما سيكون موضع اهتمامنا في ما يلي.

2. اتفاقية فيصل - وايزمان: هل كانت اعترافًا عربيًا صريحًا بوعد بلفور؟

جرى توقيع هذه الاتفاقية، في 3 كانون الثاني/ يناير 1919، بين الأمير فيصل بن الشريف حسين بوصفه ممثلً عن المملكة العربية الحجازية، والقائم بالعمل نيابة عنها، ووايزمان بصفته ممثلً عن المنظمة الصهيونية العالمية والقائم بالعمل نيابة عنها. جاءت الاتفاقية في توطئة وتسع مواد. ونصّت في أصلها الإنكليزي67 على "القرابة الجنسية والصلات القديمة بين العرب واليهود" (التوطئة)، وعلى ضرورة التعاون وتنسيق الجهود في سبيل النهوض بالدولة اقتصاديًا وتطوير مواردها (المادة 7)، وعلى تقديم "أوفى الضمانات لتنفيذ وعد الحكومة البريطانية" (أي وعد بلفور) المؤرخ في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1917 (المادة 3)، وعلى تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين "على مدى واسع والحث عليها بأقصى ما يمكن من السرعة" (المادة 4) وعلى "حرية وممارسة العقيدة الدينية" (المادة 5)68. ولنا في هذا الشأن أربع ملاحظات: لقد اعترفت هذه الوثيقة في مادتها الثالثة بوعد بلفور؛ ذلك أن منطوق النص قد أشار إلى ضرورة إنفاذ وعد الحكومة البريطانية لليهود في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1917 وتفعيله، وهو كلام واضح لا غبار عليه. أضاف فيصل إلى مواد الاتفاقية مادة دوّنها بخط يده أدرجت أسفل باقي المواد التسع التي كتبت بالآلة الكاتبة. وهذه الإضافة هي كناية عن تحفّظ خطّي على الاتفاقية؛ إذ جعل فيصل موافقته على الاتفاقية مشروطة بإنجاز بريطانيا لعهودها التي قطعتها في أمر استقلال العرب، على حرفيتها؛ أي بحذافيرها، كما يقال. فقد جاء في نص هذه المادة التي يمكن عدّها المادة العاشرة من الاتفاقية ما يلي: "إذا نالت العرب استقلالها كما طلبنا بتقريرنا المؤرخ في 4 كانون الثاني/ يناير 191969 المقدم لنظارة خارجية حكومة بريطانيا العظمى فإني موافق على ما ذكر بباطن هذا من المواد، وإن حصل أدناه تغيير أو تبديل فلا أكون ملزومًا ومربوطًا بأي كلمة كانت بل تعدّ هذه المقاولة كلالَ شيء و حكم لها ولا اعتبار ولا أطالَب بأي صورة كانت"70.

  1. رسالتا فيصل إلى الشريف حسين وإلى شقيقه زيد في 12 كانون الأول/ ديسمبر 1918 (أوراق الأمير زيد)، المرجع نفسه، ص  437.
  2. في هذا الصدد، يقول جورج أنطونيوس إن وزارة الخارجية البريطانية قد مارست ضغوطًا شديدة على فيصل كي يبرم اتفاقية مع الصهيونيين قبل أن يصدر مؤتمر الصلح مقرراته، رغبة منها في أن تواجه بريطانيا مؤتمر الصلح ب "عمل ناجز"، المرجع نفسه، ص 394.
  3. يمكن العودة إلى النص الإنكليزي للاتفاقية، انظر: archive Internet ,” Picot - Sykes “ of text Full.
  4. يمكن الاطلاع على بنود هذه الاتفاقية في ترجمتها العربية في: وثائق فلسطين: مجموعة وثائق وأوراق خاصة بالقضية الفلسطينية، ج 1 (القاهرة: وزارة الإرشاد القومي، الهيئة العامة للاستعلامات، [د.ت.])، ص 251 – 252.
  5. فسّ سليمان موسى التضارب الواقع بين التاريخ المسجّل على الاتفاقية (3 كانون الثاني/ يناير 1919) والتقرير الذي ذكر فيه فيصل أنه قدّمه إلى وزارة الخارجية البريطانية (4 كانون الثاني/ يناير 1919) بكون وايزمان ولورنس أعدّا نص الاتفاقية في 3  كانون الثاني/ يناير 1919 ولكن فيصل – لسبب غير معروف – لم يوقّعها إلا بعد "مرور أيام" (كذا)، المرجع نفسه، ص 440.
  6. تعمّد لورنس خلال ترجمته هذا الشرط إلى اللغة الإنكليزية إسقاط كلمة "استقلال" العرب من النص، انظر: موسى، ص 439، الهامش 2.

وقّع فيصل بالعربي تحت المادة التي أضافها بخط يده. وجاء توقيع وايزمان تحت توقيع فيصل. وتأسيسًا على هذا، فإنه يجب عد هذا الشرط – المادة، أو هذه المادة – الشرط التي أضافها فيصل، مادّة أساسية في صلب الاتفاقية التي لا يمكن الحديث عنها وقراءتها بمعزل عنها. خلافًا لما قد يتبادر إلى الذهن، لم يتصرّف فيصل على نحو فردي في مسألة بمثل هذه الخطورة. فقد قال أحمد قدري، وهو واحد من أعضاء وفد فيصل، في مذكراته: "فيصل لم يتصرّف منفردًا في هذه القضية [توقيع الاتفاقية]، بل استشار على الأقل ثلاثة من كبار أعضاء وفده وهم: رستم حيدر وأحمد قدري وعوني عبد الهادي"71.

3. يف خلفيات إبرام فيصل لاتفاقية مع اليهود الصهيونيين

تعرّض الأمير فيصل لاتهامات وانتقادات عديدة؛ بسبب توقيعه رفقة وايزمان نصّ الاتفاقية في 3  كانون الثاني/ يناير 1919 التي حملت اسميهما72. إنها انتقادات واتهامات لا يسمح هذا الإطار بتقصّيها، أو حتى التلميح إلى أبرزها، فضلً عن محاولة نمذجتها. سنقصُ همّنا على السياق العام الذي "أُنْتجت" فيه هذه الوثيقة، وعلى جملة العوامل والإكراهات التي اضطرت الأمير فيصل إلى توقيعها وهو كظيم؛ لأن طرح مثل هذا السؤال من صميم إشكاليتنا. من الواضح أن عدم تمرّس فيصل بالسياسة الدولية العصرية، وأساليب الدبلوماسية الغربية آنذاك، وذهنيته العشائرية المحافظة التي تأصلت فيها تقاليد البداوة بطابعها الحسّ اللاتاريخي، وجهله باللغة الإنكليزية، من العوامل التي جعلته يسقط في "أحبولة" مستشاره لورنس (ومن ورائه السياسيون الإنكليز)، وبعض دهاة الحركة الصهيونية المعروفين، ويقتنع في التحليل الأخير بأن الخطر الحقيقي الذي يتهدّد العرب هو فرنسا، وليس بريطانيا أو اليهود. أضف إلى جملة هذه العوامل التبعية شبه التامة للهاشميين - في سياق تلك الحقبة - للمعونة الأجنبية من مال وسلاح، علاوة على نوع من الفهم "الساذج" للحراك السكاني اليهودي آنذاك بأن هجرة بضعة آلاف من اليهود إلى فلسطين أمرٌ بسيط لا يمكن أن يتناقض مع حرية العرب السياسية والاقتصادية، وهي حرية لم يتمّ التنصيص عليها في الوعد الشهير73. وإذا أبحنا لأنفسنا شيئًا من الاطمئنان بشأن الاستنتاجات المتأنية لجورج أنطونيوس حول حال فيصل وهو يتأهب لتوقيع الاتفاقية مع وايزمان، أمكننا القول إن الرجل كان أمام مأزق حقيقي. فقد وجد نفسه ممزّقًا بين عدم رغبته في إلزام والده بشيءٍ خطِر من دون علمه أو استشارته، ورغبته في أن يجاريَ الخارجية البريطانية. ولكي يحسم هذا الأمر، عزم فيصل على انتهاج ما رآه المخرج الوحيد الذي بقي أمامه، في زحمة تلك الشؤون والإكراهات "فوافق على التوقيع على الاتفاقية وجعل موافقته مشروطة بإنجاز بريطانيا لوعودها التي قطعتها في أمر استقلال العرب"74.

  1. أحمد قدري، مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى (دمشق: وزارة الثقافة السورية، 1956)، ص 97 - 98.
  2. على سبيل الذكر، لا الحصر، نورد اتهام المؤرخ عبد الوهاب الكيالي لفيصل ب "التخاذل"، انظر: المرجع نفسه، ص 132.
  3. ضمن وعد بلفور الحقوق المدنية والدينية لسكان فلسطين وتجاهل حقوقهم الاقتصادية والسياسية.
  4. أنطونيوس، ص 396.

خامسًا: القادة "القوميون العرب" بالقاهرة ووعد بلفور (1919-1917)

توازيًا مع المساعي البريطانية والصهيونية الهادفة إلى تبديد مخاوف الشريف حسين وفيصل ومن والاهما بخصوص "حقيقة" وعد بلفور، اتجهت همّة الإنكليز وبعض رموز الزعامات الصهيونية إلى الاتصال بقادة الحركة العربية من "القوميين العرب" وخاصة من كان منهم مقيمًا بالقاهرة75. ففي مصر، كان يقيم عدد من القادة السوريين من ذوي النفوذ والزعامة، وخاصة أقطاب حزب اللامركزية من أمثال رفيق العظم والشيخ رشيد رضا وإسكندر عمون. وكان هؤلاء الزعماء، الذين ظلّوا على اتصال وثيق بالتيارات السياسية في سورية عن طريق فروع الحزب في المدن الكبيرة، قد اختاروا منذ بداية التضييق على العمل السياسي في الولايات العربية الإقامة في مصر. وكان لهذا الاختيار ما يبرّره؛ إذ كانت مصر ملاذًا آمنًا، ومجالً مهمًّا يوفّر لهم حرية العمل والحركة. وعلى إثر اندلاع الحرب العالمية الأولى دخل ستروس في اتصالات مع أصحاب حزب اللامركزية بغية سبر آرائهم في ما يدور، فأبدوا استعدادهم لتأييد كل حركة ترمي إلى "استقلال العرب مهما كان شأنها"76. وقد حرص المسؤولون الإنكليز في مصر على الاستفادة من الزعماء العرب المقيمين بالقاهرة ولم يقطعوا قنوات الاتصال بهم، على الرغم مما أصاب هؤلاء من خيبة تجاه بريطانيا إثر إعلانها بسط حمايتها على مصر في 18 كانون الأول/ ديسمبر 1914. وعندما كانت المراسلات دائرة بين الشريف حسين ومكماهون، كان ستروس وكلايتون يستطلعان مواقف هؤلاء الزعماء. وكانت غاية الإنكليز من كل تلك الجهود "جمع كلمة العرب" حول اتفاق عام ذي خطوط عريضة حتى يكون لانتفاضة هؤلاء على الأتراك تأثير فعّال في البلاد العربية وخارجها. ولما شبّت "الثورة العربية" عاضد الزعماء السوريون في مصر الشريف حسين في ما قام به. ولكن سرعان ما بدأ بعض هؤلاء القادة يغيّون موقفهم من شريف مكة بعد أن ضجّوا من "تشدّده وصلابته في آرائه وعدم الميل إلى الأخذ برأي غيره من ذوي الرأي"77. وعند افتضاح أمر وعد بلفور واتفاقية سايكس – بيكو، لم يألُ البريطانيون جهدًا في التخفيف من مخاوف الزعماء العرب في القاهرة. وكان من بين المساعي البريطانية رسالة مؤرخة في 16  تشرين الثاني/ نوفمبر  1917 بعث بها سايكس إلى الزعماء العرب كافةً، جاء فيها أن الصهيونيين لا يقصدون الاستيلاء على فلسطين، وأن "غاية ما يبتغيه الصهيونيون أن ينالوا حق الاستعمار في فلسطين، وأن يعيشوا في مستعمراتهم عيشتهم القومية الخاصة [...]، وأن كل ما يرغبه الصهيونيون هو إعطاء الحرية لليهود للإقامة [في فلسطين] والتمتع بكامل الحقوق المدنية، وأن يشاطروا السكان الوطنيين حقوقهم وواجباتهم"78. لقد أثمرت هذه المساعي بشيء من السرعة؛ إذ أفلح الجنرال كلايتون في مصر في إقناع السياسيين السوريين من أعضاء جمعية الاتحاد السوري في القاهرة بالجلوس إلى عنصرين من أعضاء اللجنة الصهيونية، مؤكدًا لهم أن وايزمان يبذل وسعه من أجل إقامة

  1. من بين هؤلاء القادة: فارس نمر وفوزي البكري وإبراهيم عبد الهادي ورشيد رضا ورفيق العظم وإسكندر عمون.
  2. سعيد، مج 1، ص 130.
  3. صبحي العمري، أوراق الثورة العربية (2): ميسلون نهاية عهد (لندن/ ليماسول: رياض الريس للكتب والنشر، 1991)، ص 66.
  4. موسى، ص 428.

"فلسطين بريطانية"79. وقد قرّر المجتمعون على إثر ذلك اللقاء تكرار مثل تلك الاجتماعات لأن "القصد الرئيسي من ذلك هو العمل سويًّا لتحرير بلادنا [كذا"]80. موازاةً مع تلك الجهود في اتجاه النخبة السياسية العربية، تحرك الإنكليز في اتجاه الصهيونيين من أجل تقريب الشقة بين الطرفين، ويشهد بذلك إبراق الجنرال اللنبي إلى وايزمان طالبًا منه إقامة اتصالات مباشرة مع القادة العرب المقيمين في القاهرة ومفاتحتهم في أمر "التعاون المشترك من أجل النهوض بفلسطين"81. وتدريجيًا، حققت هذه الإستراتيجية البريطانية المتمثلة بتبديد المضامين السياسية التي انطوى عليها وعد بلفور بعض النجاح. ومن آيات ذلك، اجتماع وايزمان خلال زيارته إلى مصر، في آذار/ مارس 1918، بعدد من الشخصيات السياسية السورية بفضل مساعي الميجور أنورابل، وأورمسبي جور الذي انتدبته وزارة الخارجية ليرافق اللجنة ضابطًا سياسيًا لها83. وجهد وايزمان خلال الاجتماعات التي عقدها مع الفاعلين السياسيين السوريين في طمأنة هؤلاء بخصوص أهداف الصهيونيين وتنظيماتهم. كما حاول إقناعهم بفكرة التعاون بين العرب والصهيونيين. لقد نجح وايزمان وكلايتون وأورمسبي، بفضل ما أُوتوا من قدرة على الإقناع، في التأثير في عدد من الشخصيات القومية العربية. ومن الأمثلة الدالة على ذلك، تجنّد فارس نمر باشا أحد مؤسسي جريدة المقطمفي مصر، والعضو المؤسس لجمعية بيروت السرية، إلى الدعوة على أعمدة هذه الصحيفة إلى التفاهم بين العرب واليهود. وجهد، في الوقت نفسه، من أجل تبديد مخاوف العرب حول مستقبلهم السياسي84. كما نجح كلايتون في إقناع كل من فوزي البكري ورفيق العظم وإبراهيم عبد الهادي ليتصّلوا ب  "أصدقائهم في فلسطين وذلك بقصد التهدئة من مخاوفهم وتطمينهم"85. يتراءى مما سبق أن الإنكليز والقادة اليهود الصهيونيين الذين كانوا يسعون إلى محاورة الهاشميين والقادة القوميين السوريين قد توخّوا الأسلوب نفسه في الطمأنة والتوضيح والتبرير والإقناع، بخصوص "نبل مقاصد" وعد بلفور. كما أن ردّ فعل القوميين الإصلاحيين "البرجوازيين" الشاميين يختلف نسبيًا عن موقف الشريف حسين وأبنائه من تصريح بلفور.

خاتمة

أفضى تقصّ مواقف قادة الحركة العربية من وعد بلفور، إبّان إعلانه، إلى الوقوف عند "عوائق" (في التفكير والممارسة السياسيين) كبّلت النخبة السياسية العربية خلال لحظةٍ انعطافيةٍ من تاريخ المشرق العربي المعاصر. وقد برهن مسلسل الأحداث آنذاك على أنه لم يكن هناك وعي عند قادة تلك الحركة – استوى في ذلك الهاشميون المحافظون والإصلاحيون الشاميون الليبراليون – بخطورة المشروع اليهودي الصهيوني، وبمضامينه وأبعاده المتعددة.

82  Full text of “Sykes-Picot,” Internet archive, p. 4.

  1. الكيالي، ص 436.
  2. حافظ وهبة، جزيرة العرب في القرن العشرين (القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1935)، ص 222 - 223.
  3. أنطونيوس، ص 378.
  4. أنطونيوس، ص 378.
  5. وثائق وزارة الخارجية البريطانية، كلايتون إلى سايكس، 31 آذار/ مارس 1918، ص 371 – 3391، في: الكيالي، ص 436.

ويعزو محمد عزة دروزة ضعفَ ذلك الوعي، أو حتى انعدامه، أو ما سمّاه "أسباب الانهيار"، إلى عدم "نضوج رجال الحركة"87؛ لأنهم كانوا دون مستوى الأحداث التي واجهوها، وإن لم يكونوا يتحمّلون تبعة كل ذلك فقد كان التردد والشعور بالضعف والحاجة إلى الغير وعدم الثقة بالشعب وإمكاناته من أبرز عوامل ذلك "الانهيار". ويذهب أمين سعيد مذهب دروزة حين يؤكد أن "فقد الرجال الأكفاء [من قادة الحركة] هو العامل الجوهري في إنكار الإنكليز لوعودهم وتجاهلهم إياها وعدم نجاح القضية العربية". إن فشل قادة الحركة العربية - بمشاربهم جميعًا - في إدراك المرامي الحقيقية للاستعمار الغربي والصهيونية العالمية لم يكن فشل "شخصيات"، أو "هيئات"، أو "جهات"، أو "أطراف" فحسب، بقدر ما كان ترجمانًا عن إخفاق "تجربة تاريخية" لم تتوافر لها أسباب النجاح حينذاك من جرّاء عوامل داخلية، وخارجية خاصة، شديدة التعقيد، وهذا موضوع آخر.

  1. قال دروزة عن الأمير فيصل في هذا الخصوص: "ومن أسباب الانهيار عدم تحلّ فيصل آنذاك بصفات الزعيم القوي الناضج الألمعي المؤمن بزعامته وقوته، والواثق بنفسه وشعبه، الحازم الرأي، القادر على الإملاء الحاسم والذي ينفخ في من حوله القوّة والإيمان والحزم والإقدام [كل هذه الأشياء] كان يلمسها فيه الأصدقاء والأعداء معًا"، انظر: محمد عزة دروزة، مذكرات 1881 – 1884، مج 1 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1993)، ص 486. 86  المرجع نفسه.
  2. سعيد، مج 1، ص  317 - 318.

المراجع

العربية

أنطونيوس، جورج. يقظة العرب: تاريخ حركة العرب القومية. ترجمة ناصر الدين الأسد وإحسان عباس. ط 8. بيروت: دار العلم للملايين، 1987.

وهبة، حافظ. جزيرة العرب في القرن العشرين. القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1935.

الحصري، ساطع. محاضرات في نشوء القومية العربية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1955.

دروزة، محمد عزة. نشأة الحركة العربية. ط 2. بيروت/ صيدا: المكتبة العصرية، 1971.

. نشأة الحركة العربية الحديثة: انبعاثها ومظاهرها وسيرها في زمن الدولة العثمانية إلى أوائل الحرب العالمية الأولى، تاريخ ومذكرات وذكرياتوتعليقات. بيروت/ صيدا: المكتبة العصرية، 1971.

. مذكرات 1881 – 1884. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1993.

زين، زين نور الدين. نشوء القومية العربية: مع دراسة تاريخية في العلاقات العربية التركية. ط 3. بيروت: دار النهار، 1979. سعيد، أمين. الثورة العربية الكبرى: تاريخ مفصل جامع للقضية العربية في ربع قرن. القاهرة: مكتبة مدبولي، [د.ت.].

العمري، صبحي. المعارك الأولى: الطريق إلى دمشق، أوراق الثورة العربية (1). لندن/ ليماسول: رياض الريس للكتب والنشر، 1991.. أوراق الثورة العربية (2): ميسلون نهاية عهد. لندن/ ليماسول: رياض الريس للكتب والنشر، 1991.

قدري، أحمد. مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى. دمشق: وزارة الثقافة السورية، 1956.

الكيالي، عبد الوهاب. تاريخ فلسطين الحديث. ط 7. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1979.

لوتسكي، فلاديمير. تاريخ الأقطار العربية الحديث. ط 7. بيروت: دار الفارابي، 1980.

ليسير، فتحي. "رهان النفط في مسار سايكس – بيكو 1916 – 1920 ". أسطور. العدد 6 /. تموز يوليو 2017.

مجموعة مؤلفين. الحركة العربية القومية في مائة عام 1875 – 1982. ناجي علوش (مشرف ومحرر). بيروت: دار الشروق، 1997. موسى، سليمان. الحركة العربية، المرحلة الأولىللنهضة العربية الحديثة (1908 ‑ 1924). ط 3. بيروت: دار النهار، 1986.

النفزاوي، محمد الناصر. التيارات الفكرية والسياسية في السلطنة العثمانية (1839 - 1918). تونس: كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية/ دار محمد علي للنشر، 2001.

وثائق فلسطين: مائتان وثمانون وثيقة مختارة، 1839 – 1987. تونس: منظمة التحرير الفلسطينية، دائرة الثقافة، 1987.

وثائق فلسطين: مجموعة وثائق وأوراق خاصة بالقضية الفلسطينية. القاهرة: وزارة الإرشاد القومي، الهيئة العامة للاستعلامات، [د.ت.].

الأجنبية

References

• Ruano-Borbalan, Jean-Claude (dir.). L'histoire aujourd'hui. Paris: Editions Sciences Humaines, 1999.