المؤرخ والمقاربات الكمية: حول الدراسات الديموغرافية لبعض الحواضر الإسلامية - عرض أطروحات وإثارة تساؤلات
The Historian and Quantitative Approaches: Demographic Studies of Islamic Cities Hypotheses and Questions
الملخّص
يواجه المؤرخ إشكالات منهجية عند دراسته ظروف عيش المجتمعات التاريخية وأنماطها، خصوصًا عند سعيه لتحديد طبيعة نمو الساكنة ووترتها. فهو غالبًا ما يواجه ندرة المصادر وشُحَّ الوثائق، ويضطر إلى "اختراع" مناهل مصدرية جديدة، واستعمل مقاربات وآليات منهجية مستعارة من علوم أخرى، كالاستقصاء الإثنوغرافي أو المناهج الكمية، لعلها تُكنه من استنطاق جديد للنصوص، وقراءات متجددة للمعطيات. إن الإقبال الكبر عى المقاربات الكمية يضعنا أمام أسئلة أولية بخصوص مروعية الاستناد إلى هذه المقاربات، وبما يتعلق بمقاصد هذه الأدوات الإحصائية وأهدافها، وكذا بحدودها المعرفية والمنهجية. من خلال هذه الدراسة، سنحاول التعريف بمراحل تطور التاريخ الكمي عبر أعلامه ومدارسه، قبل أن نعرض لبعض الأطروحات التاريخية الكرى التي قاربت التاريخ الديموغرافي للمجتمعات العربية - الإس مااية وأطّرت البحث في هذا المجال. وفي مستوى آخر، سنبرز - من خلال مجموعة من الدراسات العربية والغربية الرصينة - مختلف المناهج المتعلقة بدراسة وإحصاء ساكنة المدن الإس مااية عبر أزمنة تاريخة مختلفة. أما القصد من هذا العرض المُوسَّع لمجموعة من الحواضر الإسلامية، فهو توسيع المجال المدروس، واستعراض نقدي لنمذج مختلفة من استثمر النظريات الديموغرافية، ومن توظيف الآليات والمقاربات الكمية من خلال مختلف النصوص التاريخية والمعطيات العمرانية والأثرية. كلمت مفتاحية: التاريخ الاسلامي، السكان، الديموغرافيا التاريخية، المقاربات الكمية، المرق.
Abstract
The historian attempting to comprehensively establish the living conditions of a particular society, or to determine rises and falls in population, is setting out on a difficult path. The sources and documents are typically lacking and he is thus forced to 'invent' new sources or use methods borrowed from elsewhere to make the existing sources speak. Indeed, when examining a document, he may be compelled to adopt the approaches of other disciplines such as social anthropology, ethnographic enquiry, or quantitative methodologies. This study – after tracing the development of quantitative history through its various pioneers and schools of thought – looks in depth at methods by which the population of various historical Islamic cities can be measured. These methods draw on demographic theories, ways of teasing out the demographic clues scattered throughout classical texts, and mathematical extrapolations based on the area of and number of public buildings in these cities that can be used as indicators of population dynamics.
- التاريخ الإسلامي
- السكان
- الديموغرافيا التاريخية
- المشرق
- المقاربات الكمية
- Islamic history
- Population
- Historical demography
- Quantitative approaches
- Mashreq
المؤرخ والمقاربات الكمية: حول الدراسات الديموغرافية
لبعض الحوارض الإسلامية
عرض أطروحات وإثارة تساؤلات
Hypotheses and Questions
The historian attempting to comprehensively establish the living conditions of a particular society, or to determine rises and falls in population, is setting out on a difficult path. The sources and documents are typically lacking and he is thus forced to ‘invent’ new sources or use methods borrowed from elsewhere to make the existing sources speak. Indeed, when examining a document, he may be compelled to adopt the approaches of other disciplines such as social anthropology, ethnographic enquiry, or quantitative methodologies. This study – after tracing the development of quantitative history through its various pioneers and schools of thought – looks in depth at methods by which the population of various historical Islamic cities can be measured. These methods draw on demographic theories, ways of teasing out the demographic clues scattered throughout classical texts, and mathematical extrapolations based on the area of and number of public buildings in these cities that can be used as indicators of population dynamics.
أستاذ التعليم العالي في جامعة محمد الأول في المغرب، وعضو في مجموعة البحث 5648 بالمركز الوطني للبحث العلمي في فرنسا، حاصل على شهادة الدكتوراه في التاريخ وعلم الآثار من جامعة ليميير في ليون 2 بفرنسا. Professor of Higher Education, Mohamed I University in Morocco. Member of Research Group 5648 at the National Centre for Academic Study in France. Received his doctorate in history and archaeology from Lumière-Lyon University, France.
مقدمة
يجد المؤرخ نفسه أمام مسالك وعرة إذا ما حاول استجلاء ظروف عيش مجتمع ما في مختلف أبعاده، أو إذا ما سعى لتحديد حركة المد والجزر على مستوى السكان. فغالبًا ما تنقصه المصادر والوثائق ويضطر إلى "اختراع" مصادر جديدة واستعمال آليات مستجلبة
تمكنه من استنطاق النصوص، بل أحيانًا - عند افتقاد الوثيقة - يلجأ المؤرخ إلى ركوب مطيات علمية أخرى، يستند فيها إلى مقاربات
العلوم الأخرى كالأنثروبولوجيا الاجتماعية أو الاستقصاء الإثنوغرافي أو المناهج الكمية. مقصدنا من هذا البحث - بعد التعريف بمراحل تطور التاريخ الكمي عبر أعلامه ومدارسه - هو استقصاء مناهج وطرق إحصاء ساكنة بعض المدن الإسلامية عبر التاريخ، من خلال استثمار بعض النظريات الديموغرافية، أو عن طريق تفعيل النصوص القديمة واستنباط الإشارات الإحصائية المتفرقة فيها، أو بتوظيف الاستنتاج الرياضي المرتبط بمساحة هذه الحواضر وعدد منشآتها العمومية، باعتبارها مؤشرات دالة على ديناميكية عدد السكان. أما إعطاء العمق الزمني في تحديد الفترات المدروسة من بداية الإسلام إلى فترة التاريخ المعاصر فهو، أولً، متصل إجرائيًا بما
تُقدمه المصادر القديمة وبما تطرحُه الدراسات المعاصرة. وهو، ثانيًا، مرتبط من الناحية المنهجية باقتناعنا؛ من جهة بضرورة المراوحة بين
سوابق الظواهر ولواحقها لاستيضاح الأمور، لأن القضايا بدوافعها ونتائجها تُدرك، ومن جهة أخرى، لأن استيعاب ظواهر الديموغرافيا
التاريخية لا يُستكمل إلا بذكر أولياتها وتولداتها، وبمقارنة معطياتها الإحصائية بين أزمنة مختلفة. فتمديد الإطار الزمني للبحث يتناسب
مع إيقاع التغيرات السكانية المفصلية البطيء. ثم إن هناك سببًا آخر لا يقل وجاهة، يتمثل بخصوصية تحقيب التاريخ الإسلامي الذي
لم تتأثر بنيات مجتمعاته، سياسيًا واجتماعيًا، إلا في فترات العصر الحديث.
أولً: الديموغرافيا التاريخية: مسار طويل وطموحات محدودة
يتشكل خطاب المؤرخ في كل مرة وفق سياقات مرحلته ومستوى انفتاحه على مواضيع العلوم الأخرى ومناهجها. هذا الانفتاح، أصبح يتجاوز، في السنوات الأخيرة، منطق "العلوم المساعدة" إلى مفهوم "العلوم المتشابكة" باعتبار التأثير المتبادل بين مختلف التخصصات المعرفية على الصعيدين الإبستيمولوجي والمنهجي. أما على الصعيد الأول، فقد مثلت الثورات العلمية المتلاحقة في العلوم "الحقة"، تأثيرًا ضاغطًا على تصور الإنسان نفسه، فتقلبت
التصورات بين اختزال الإنسان في حيوانيته أو في مفهوم الآلة أو بين تشييئه أو تقزيمه في مجموعة أعضاء بيولوجية2. وقد انسحبت هذه الاختزالات المعرفية لتؤطر كثيرًا من تصورات المشتغلين بحقل العلوم الإنسانية والاجتماعية ومناهجهم. أما على الصعيد الثاني، فما زالت قضية المُناهجة (تعدد المناهج وتداخلها) ترزح في مستوياتها الدنيا، ليس بالضرورة لاستعصاء الخوض فيها، ولكن لتصلب مواقف المشتغلين بهذه العلوم وتصوراتهم، بل ما زال كل تخصص يتخبط مع ذاته ويحارب أشباحه وأوثانه. فالمؤرخ، كما أكد ذلك فرانسوا سيميوند (1873 - 1935) في مقاله المشهور3، ما فتئ يواجه الأوثان الثلاثة: "الفرد" و"السياسة" و"الكرونولوجيا". وفي المقابل، ما تزال مسيرة انفتاح المؤرخ تراوح بين الإقدام والتردد. فبعد مراجعة أولوياته، وتوسيع مفهوم الوثيقة وتحديد أشكال استنطاقها، أصبح ينفتح بحذر شديد على مقاربات العلوم الأخرى كالمناهج التكميمية الحسابية والإحصائية.
1 انظر التحليل المتميز لهذه الاختزالات الأربعة في:
Jean-Claude Guillebaud, Le Principe d’humanité (Paris: Seuil, 2001), pp. 43 - 158. 2 François Simiand, "Méthode historique et science sociale," Annales, Economies, société, civilisations ,vol. 15 , no. 1 (1960), pp. 83 - 119.
عرف هذا التاريخ الكمي سنواته التأسيسية بين ثلاثينيات القرن الماضي وخمسينياته على إثر استعمال رواد التاريخ الاقتصادي النماذج أو الأنظمة الرياضية4. ظهر هذا الاتجاه في الولايات المتحدة الأميركية مع سيمون كوزنيت Kusnet Simon في إطار دراساته في الاقتصاد السياسي، وضمن الرابطة العالمية للبحث في الدخل والثروة Wealth and Income in Research for Association International5. مثلت أبحاث عالم الاجتماع والاقتصادي الفرنسي سيميوند التي جمعت بين علوم الإحصاء والتحليل الاجتماعي6 مُنطلق هذه
المرحلة في فرنسا. وقد جاءت بعد ذلك فترة إيرنست لابروس الذي استلهم من أعمال سلفه، لتصبح مساهماته العلمية أنموذجًا للحوار
بين علوم التاريخ والاقتصاد والإحصاء7. فإذا كان المعطى الرقمي، من قبلُ، يُستعمل استثناءً وبصفة معزولة، فقد أصبح يُوظفُ في إطار مجموعات إحصائية منسجمة
ومنظمة، لخدمة إشكاليات تاريخية، عند أصحاب هذا التوجه الجديد في التاريخ الاقتصادي. عرف الحماس للمقاربات الكمية ومحاولة التمثيل الرقمي للظواهر التاريخية أوجه في الفترة 1950 - 1980، وساهم في تحويل شكل الخطاب التاريخي بتجاوز الطابع السردي من جهة، وبتأكيد الطبيعة العلمية لهذا التخصص من جهة أخرى8. ومع مرور الزمن، أصبحت المقاربة الكمية مدعومة بالتناول المعلوماتي للمعطيات، وأصبح توظيفها يتجاوز التاريخ الاقتصادي إلى ميادين جديدة، وخصوصًا التاريخ الديموغرافي. فقد سمحت إعادة صياغة وبناء المعطيات التاريخية بتقدم كبير في فهم
السلوكات الديموغرافية. أما بعد 1960، فقد أصبح المنهج الكمي والاتجاه التاريخي الجديد المعروف ب Sérielle histoire ’ L (تاريخ المجموعات الإحصائية المنسجمة والمنتظمة) يطمح إلى الامتداد إلى الجانب الثقافي، مع محاولة إقامة علائق بين القياس ودراسة الذهنيات والتمثلات المجتمعية (المستوى الثالث بحسب بيير شوني)9، وأصبح يهتم بالنطاقات المخصصة عادةً للتحليل الكيفي، نحو: الثقافة المكتوبة، والمواقف تجاه الموت10. وإذا كان هذا الانجذاب إلى المنهج الكمي قد عرف أزمته في ثمانينيات القرن الماضي، فقد قام الباحثون بمراجعاتهم لتجاوز الثقة العمياء والساذجة بدلالات الأرقام؛ لكون المعايير الكمية ليس لها الوجاهة نفسها ودرجة الموضوعية العلمية نفسها بين العلوم الاجتماعية والإنسانية والعلوم "الحقة". غير أن المؤرخين ما يزالون مقتنعين بأهمية المعطى الرقمي وبشرعيته المتجددة، وبكونه لغة شاملة ووظيفية وقابلة الاختزال، لكن على أساس مشروع علمي أقل طموحًا، يَعتبر المعطيات الكمية أداة
منهجية ومؤشرًا نسبيًا، وليس فلسفةً وتاريخًا علميًا جديدًا. وأصبحت هذه الطموحات المتواضعة تركز أساسًا على الدراسات
الاقتصادية والديموغرافية12.
3 Maria-Novella Borghetti, "Histoire Quantitative, Histoire Sérielle," in: Christian Delacroix et al. (dir.), Historiographies: Concepts et débats (Paris: Gallimard, 2010), p. 412. 4 Jean Marczewski, Introduction à l’histoire quantitative (Genève: Droz, 1965), p. 185. 5 François Simiand, Statistique et expérience: Remarques de méthode (Paris: Éditions M. Rivière, 1922), p. 79. 6 Ernest Labrousse, Esquisse du mouvement des prix et des revenus en France au 18 e siècle (Paris/ Montreux:. Éditions des Archives contemporaines, 1984), p. 697. 7 Bernard Lepetit, "L’Histoire quantitative: Deux ou trois choses que je sais d’elle," Histoire & Mesure , vol. 4 , no. 3 - 4 (Janvier 1989), pp. 191 - 199. 8 Borghetti, p. 415. 9 Pierre Chaunu, Histoire quantitative, histoire sérielle (Paris: Editions Armand Golin, 1978), p. 304. 10 Borghetti, p. 417.
الحقيقة أن تخصص الديموغرافيا التاريخية فتح آفاقًا جديدةً وورشات عمل مختلفة، رغم أن الاستناد إلى آلية الاستنباط والإحصاء الافتراضي هو أمر استثنائي، يأتيه المؤرخ مكرهًا؛ لأنه، في غالب الأحيان، ليست له حظوة امتلاك مصادر دقيقة تُمكن من
تصور التنامي العددي لمجتمع ما وإدراكه. قد تتسرب إلى الذهن أسئلة أولية: لماذا السير، إذًا، في هذه الأرضية غير الثابتة؟ ولماذا الاستناد إلى هذه المناهج غير الدقيقة؟ ولماذا هذه الحُمى الرقمية التي أصابت المؤرخين؟ وما مبلغ مثل هذه المقاربات وهدفها؟ يمكن الإجابة عن هذه الأمور من جانبين معرفيين: أول: لأن تحديد عدد السكان أو معرفة وضع الساكنة هو تحديد لأول فاعل ولأهم عامل في صناعة التاريخ: الإنسان، وهو كذلك
الاقتراب من "المُعطى الأول" الذي يرسم الحدث، ويحددُ الطلب، ويصنع الصراع ويخلق أشكال التحضر. ثانيًا: إذا سلمنا بهذا المعطى العام فلماذا إذًا محاولة التدقيق في العدد ونموه عبر الفترات؟ الحقيقة أن التزايد السكاني ليس تراكمًا
كميًا فقط، بل هو أحيانًا تحولٌ نوعي مطردٌ مع العدد، بمعنى أن هناك تباينًا بين القلة والكثرة في قوانين العمران، وأن هناك عتباتٍ رقمية
حًاسمة Critiques Seuils وحدودًا حرجة، وطفراتٍ تتغير على إثرها بنية المجتمع وتصبح أشد تعقيدًا (اجتماعيًا، واقتصاديًا وسياسيًا)،
تتبدل فيها السيناريوهات التاريخية، وتظهر مجموعة من الظواهر الناشئة والإفرازات المجتمعية الجديدة: من مستفيدين ومهمشين، من انتماء قبلي إلى آخر حضري أو من تفتيت التركيبة الواحدة لتجمعات متباينة، أو من تراجع هيمنة سلوكيات قديمة وقيم إلى أخرى
جديدة. إن أي مجتمع متنامٍ عدديًا تتغير أقداره كيفيًا ارتباطًا بمكوناته وإمكاناته، ووفقًا لخياراته الفردية والجماعية. مثلً، يرى ابن خلدون أن القلة والكثرة تصنعان عز القبيلة أو ذلها. فعند حديثه عن قبيلة هوارة التي ذهب عزها بذهاب كثرتها، قال: "وكانت برقة من مواطن هوارة هؤلاء [...] ولما خرجت زُويلة (إحدى مدن برقة) انتقلوا منها إلى فزان من بلاد الصحراء وأوطنوها،
وكان لهم بها مُلك ودولة [...] ومن قبائل هوارة هؤلاء بالمغرب أمم كثيرة [...] وذهب ما كان لهم من الاعتزاز والمنعة أيام الفتوحات
بسبب الكثرة، وصاروا إلى الافتراق في الأودية بسبب القلة، والله مالك الأمور"13. طبعًا، يجب تأكيد ارتسام هذا الانتقال المجتمعي وهذا التعامل النوعي مع طاقات المجال ومعطياته بحسب الظروف والسياقات
وآليات التوازن عبر مظاهر مختلفة: من الازدهار الاقتصادي إلى تدهور مستوى المعيشة وسوء التغذية، ومن التنظيم المهني المتخصص إلى عدم التناسب بين الفئة العاملة والفرص المتضائلة في العمل، ومن استصلاح الأراضي وتطور البوادي إلى الهجرة من القرى والنزوح عنها. المستقر الرئيس أن معرفة عدد السكان هو أداة تاريخية لإدراك التركيبة المجتمعية وبنيتها، تنظيمًا وتناقضًا، وقدرة على استيعاب
العناصر الحديثة أو الوافدة على المجتمع الحضري الأصلي وإدماجها، وهو معطى معرفي يساهم كذلك في توفير قاعدة بيانات أولية أشد صلابة لتفسير أسباب الأحداث والظواهر التاريخية وسياقاتها، ويمكن من تقدير معدل التغيرات وحجمها ووجهتها.
ثانيًا: قضايا كبرى وأطروحات متباينة حول التاريخ الديموغرايف للعالم الإسلامي
الحاصل، كذلك، أن إدراك المعطى السكاني يساعد على تصور جدية، أو هشاشة، مجموعة من الأطروحات "العامة" أو "النماذج" modèles التي حاولت التأريخ لفضاءات واسعة في العالم الإسلامي ورصد آثار التنامي السكاني وتجلياته وتقلباته.
11 أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، تاريخ العلامة ابن خلدون، ج 6 (بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1983)، ص 291 - 292.
فهذا هنري بيرين (1862 - 1935) يربط بين انتشار المسلمين وتنامي عددهم في فترات وجيزة بتجلياته العسكرية والاقتصادية
عبر البحر الأبيض المتوسط، ويشير إلى الكيفية التي مثل فيها هذا الأمر قطيعة لوحدة هذا البحر، حيث ستُفصل إسبانيا (الأندلس)
وإفريقية عن الحضارة، وكيف أن هذه التركيبة السكانية الجديدة ثقافيًا ستَحُد، بحسب رأيه، من عمليات التبادل في هذا الفضاء
المتوسطي، قاطعة الشرق عن الغرب، وجاعلة البحر المتوسط "بُحيرة مُسلمة" musulman Lac14. يرى مارشال هودسون أن العالم الإسلامي ظل مركزًا للبشرية حتى القرن السادس عشر إلى حدٍ لم تستطع، لا عبقرية النهضة
الأوروبية ولا اكتشاف العوالم الجديدة زحزحة هذا التفوق الإسلامي15. وارتباطًا بهذا الرأي، يتساءل الباحث الفرنسي كابرييل مرتنيز
كرو16 عن ذلك، ويقترح استنطاق المعطيات الديموغرافية للعالم في القرن الخامس عشر لفهم هذه الظاهرة، ليجد في إحصاءات المؤرخ
الديموغرافي برابن17 التي تكشف عن نسبة سكان العالم الإسلامي مقارنة بباقي العالم، ما يشد عضد هذا الرأي. بعد تأكيد هذه المعطيات يحاول مرتنيز كرو تفسير هذه الأرقام المرتفعة للعالم الإسلامي التي صادفت حدس المؤرخ الكبير مارشال
هودسون. فبعد تراجع سكاني طفيف ما بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر، ارتفع عدد سكان العالم الإسلامي ليتصدر المشهد في
الفترة 1400 - 1700، وكان للعالم الآسيوي والأفريقي دور كبير في ذلك على خلاف العالم العربي. الجدول (1) تقديرات سكان العالم بالملايين عبر جهاته الكبرى في تواريخ مختلفة
السنوات
| السنوات | ن المناطق | ||||||||||||
|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|
| 1200 | 1100 | 1000 | 900 | 800 | 700 | 600 | 500 | 400 | 200 | ميلادية | 200 ق.م. | 400 ق.م | |
| 124 | 83 | 56 | 48 | 56 | 44 | 49 | 32 | 25 | 60 | 70 | 40 | 19 | الصين |
| 69 | 48 | 40 | 38 | 43 | 50 | 37 | 33 | 32 | 45 | 46 | 55 | 30 | الهند، باكستان، بنغلاديش |
| 27 | 28 | 33 | 33 | 29 | 25 | 32 | 41 | 45 | 46 | 47 | 52 | 42 | جنوب - غرب آسيا |
| 6 | 7 | 7 | 7 | 6 | 5 | 4 | 2 | 1. 5 | 0. 5 | 0. 3 | 0. 2 | 0. 1 | اليابان |
| 31 | 24 | 19 | 16 | 14 | 12 | 11 | 8 | 7 | 5 | 5 | 4 | 3 | باقي آسيا من دون الاتحاد السوفياتي |
| 49 | 35 | 30 | 28 | 25 | 22 | 22 | 30 | 36 | 44 | 31 | 25 | 19 | أوروبا من دون الاتحاد السوفياتي |
الاتحاد السوفياتي
12 Henri Pirenne, Mahomet et Charlemagne (Paris: PUF, 1970); Maurice Lombard, "Mahomet et Charlemagne: le problème économique," in: Espaces et réseau du Moyen Age (Paris: Éditions Mouton, 1972). 13 Marshall Hodgson, The Venture of Islam, Conscience and History in a World Civilization, The expansion of Islam in the Middle Periods, vol. 2 (Chicago: The University of Chicago Press, 1974). 14 Gabriel Martinez-Gros, "La Seconde islamisation du monde," in: Patrick Boucheron (dir.), Histoire du monde au XVe siècle, Temps et devenirs du monde, Tome 2 (Paris: Édition pluriel, 2017), p. 416. 15 Jean-Noël Biraben, "L'Histoire du peuplement humain des origines à nos jours," in: Graziella Caselli, Jacques Vallin & Guillaume Wunsch (dir.), Démographie: Analyse et synthèse: L'Histoire du peuplement et prévision, vol. 5 (Paris: Edition de l'INED, 2004), pp. 9 - 31.
| 17 | 15 | 13 | 11 | 10 | 10 | 11 | 11 | 12 | 13 | 12 | 14 | 13 | الاتحاد السوفياتي |
|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|
| 8 | 8 | 10 | 10 | 10 | 9 | 11 | 12 | 13 | 16 | 13 | 13 | 10 | إفريقية الشمالية |
| 40 | 30 | 30 | 20 | 16 | 15 | 17 | 20 | 18 | 14 | 12 | 9 | 7 | براقي إفريقية |
| 3 | 2 | 2 | 2 | 2 | 2 | 2 | 2 | 2 | 2 | 2 | 2 | 1 | أرميركا الشمالية |
| 23 | 19 | 16 | 13 | 15 | 15 | 14 | 13 | 11 | 9 | 10 | 8 | 7 | أميركا من الوسط إلى الجنوب |
| 2 | 1 | 1 | 1 | 1 | 1 | 1 | 1 | 1 | 1 | 1 | 1 | 1 | أمموقيانوسيا |
| 399 | 301 | 257 | 227 | 227 | 210 | 211 | 205 | 204 | 255 | 250 | 223 | 152 | المجموع العالمي |
| 1970 | 1950 | 1900 | 1850 | 1800 | 1750 | 1700 | 1600 | 1500 | 1400 | 1340 | 1300 | 1250 | انلمناطق |
| 774 | 558 | 415 | 435 | 330 | 220 | 150 | 110 | 84 | 70 | 70 | 83 | 112 | الصين |
| 667 | 431 | 290 | 216 | 190 | 165 | 175 | 145 | 95 | 74 | 107 | 100 | 83 | الهند، باكستان، بنغلاديش |
| 118 | 75 | 38 | 31 | 28 | 28 | 30 | 30 | 23 | 19 | 22 | 21 | 22 | جنوب - غرب آسيا |
| 104 | 83 | 44 | 31 | 30 | 30 | 28 | 12 | 8 | 8 | 7 | 7 | 6 | اليابان |
| 386 | 245 | 115 | 78 | 68 | 61 | 53 | 42 | 33 | 29 | 29 | 29 | 31 | باقي آسيا من دون الاتحاد السوفياتي |
| 462 | 395 | 295 | 209 | 146 | 111 | 95 | 89 | 67 | 52 | 74 | 70 | 57 | أوروبا من دون ايالاتحاد السوفياتي |
| 243 | 180 | 127 | 79 | 49 | 35 | 30 | 22 | 17 | 13 | 16 | 16 | 14 | الاتحاد السوفياتي |
| 70 | 44 | 23 | 13 | 9 | 10 | 9 | 10 | 8 | 8 | 9 | 9 | 8 | إفريقية الشمالية |
| 266 | 167 | 95 | 90 | 92 | 94 | 97 | 104 | 78 | 60 | 71 | 60 | 49 | براقي إفريقية |
| 283 | 166 | 90 | 25 | 5 | 3 | 2 | 3 | 3 | 3 | 3 | 3 | 3 | أرميركا الشمالية |
| 283 | 164 | 75 | 34 | 19 | 15 | 10 | 10 | 39 | 36 | 29 | 29 | 26 | أميركا من الوسط إلى الجنوب |
| 19 | 13 | 6 | 2 | 2 | 3 | 3 | 3 | 3 | 2 | 2 | 2 | 2 | أمموقيانوسيا |
| 3620 | 2521 | 1613 | 1243 | 968 | 775 | 682 | 580 | 458 | 374 | 439 | 429 | 413 | المجموع العالمي |
المجموع العالمي 413
المصدر (بتصرف:) Jean - Noël Biraben , " L ’ Histoire du peuplement humain des origines à nos jours ," in: Graziella Caselli , Jacques Vallin
& Guillaume Wunsch (dir.), Démographie: Analyse et synthèse: L’Histoire du peuplement et prévision, vol. 5
(Paris: Edition de l ’ INED , 2004), p. 23.
أما أندري ميكيل18 فقد طرح في كتابهالإسلام وحضارتهأسئلة كبرى حول ديموغرافيا الدول الإسلامية. يقول متسائلً إنه إذا كان الانفجار السكاني الهائل في القرن العشرين، أمرًا معلومًا، نتيجة انخفاض معدل الوفيات وتنامي معدل المواليد، الذي لا يزال قويًا
جدًا، فكيف كان حال هذا العالم في الماضي؟ اعتمادًا على أبحاث عمر لطفي باركان20 وروسل21، واستنادًا إلى معطيات تاريخ العالم الغربي، مع اقتراح تأويلات جديدة للنصوص
والأحداث المعروفة، حدد ميكيل الخطوط العريضة لديموغرافيا الدول الإسلامية على النحو التالي: النقص المزمن في عدد الرجال، وأكثر
من ذلك، التوزيع السيئ للسكان، ثم تضاؤل سكان الأرياف لمصلحة المدن. كما عرفت هذه المدن، اكتظاظًا حضريًا، وحساسية كبيرة
للكوارث الديموغرافية كالأوبئة والمجاعات. في هذا السياق، بين ابن خلدون كيف أن "الطاعون الجارف" كان كارثة ديموغرافية مدمرة حلت بأطراف العالم العربي غربًا وشرقًا،
في منتصف القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي؛ إذ يقول: "وأما لهذا العهد، وهو آخر المائة الثامنة، فقد انقلبت أحوال المغرب الذي
نحن شاهدوه، وتبدلت بالجملة [...] هذا ما نزل بالعمران شرقًا وغربًا في منتصف هذه المائة الثامنة من الطاعون الجارف الذي تحيف
الأمم، وذهب بأهل الجيل وطوى كثيرًا من محاسن العمران ومحاها، وجاء للدول على حين هرمها وبلوغ الغاية من مداها، فقلص من
ظلالها، وفل من حدها، وأوهن من سلطانها، وتداعت إلى التلاشي والاضمحلال أموالها، وانتقض عمران الأرض، بانتقاض البشر، فخربت الأمصار والمصانع، ودرست السبل والمعالم، وخلت الديار والمنازل، وضعفت الدول والقبائل، وتبدل الساكن وكأني بالمشرق قد نزل به مثل ما نزل بالمغرب، لكن على نسبته ومقدار عمرانه، وكأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض، فبادر بالإجابة، والله وارث الأرض ومن عليها، وإذا تبدل الخلق من أصله وتحول العالم بأسره وكأنه خلق جديد ونشأة مستأنفة وعالم محدث"22. بعد الطاعون العظيم، سيعرف سكان العالم الإسلامي في القرنين الخامس عشر والسادس عشر ارتفاعًا حيويًا. وعلى إثر ذلك،
ستتباعد معطيات بلاد المسلمين ديموغرافيًا عن مثيلاتها في أوروبا؛ إذ إنه "على خلاف التكاثر الغربي، ظلت التركيبة السكانية للمسلمين
تخضع كليًا لقوانين الجوع والمرض. وما بين 1600 م و 1800 م، سوف يمتد الإسلام على الخريطة بشكل أقل مما كان يمكن أن يتحقق
لو توفّرت نفس الظروف الصحية الأوروبية"24. ويضيف ميكيل أنه كان يجب انتظار نهاية القرن التاسع عشر لتنطلق ديموغرافيا
المسلمين من جديد. أما ذلك الضمور السكاني السابق، فقد أصبح فرضية أُخرى تُوظف لتفسير تخلف العالم الإسلامي حاليًا. على مستوى البنية المجتمعية والتعداد السكاني، نُذكر بأطروحة بيير غيشار25 حول البنية الاجتماعية "الشرقية" و"الغربية"
في الأندلس، وهي تؤكد أن الخصائص الأنثروبولوجية للمجتمع العربي والبربري في الأندلس؛ من انقسامية، وزواج قرابي، وتركيبة اجتماعية، وقيم الشرف، خلفت مجتمعًا وتشكيلة بشرية أثرت، بكيفية واضحة، في طبيعة المجتمع الأندلسي على مختلف المستويات
(السياسية، والاقتصادية، واستغلال المجال). ولقد احتفى بهذه الرؤية التحليلية كثير من الباحثين الفرنسيين والإسبان، إلى درجة أصبحت أطروحته أداةً للتحليل، وأنموذجًا للتفسير التاريخي واستكشاف خصوصية "إسبانيا المسلمة."
16 André Miquel, L’Islam et sa civilisation, Collection Destins du monde (Paris: A. Colin, 1968), p. 572. 17 Ömer Lutfi Barkan, "Essai sur les données statistiques des registres de recensement dans l’Empire Ottoman au XVe et XVIe siècles," Journal of Economic and Social History of the Orient , vol. 1 , no. 1 (August 1957), pp. 9 - 36. 18 J.C. Russel, Late Ancient and Medieval Population , Transactions of the American Philosophical Society, New Series, vol. XLVIII, part 3 (Philadelphia: The American Philosophical Society, 1958).
19 أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، المقدمة (بيروت: دار القلم، 1986)، ص 32 - 33.
20 Miquel, p. 572. 21 Pierre Guichard, Structures sociales "orientales"et "occidentales" dans l’Espagne musulmane (Paris: Éditions Mouton, 1977).
وانطلاقًا من رؤية سلبية مثقلة بالأفكار المسبقة عن الشرق، يُمكن إيراد المقولة التي صيغت أولً في كتابات الرحالة فولني26
القائلة بتراجع سكان الشام وتضاؤلهم في فترة الحكم العثماني. والحقيقة أنها لم تصبح انطباعات رحالة فقط، بل لقد كرستها مجموعة من الدراسات التاريخية اللاحقة والمسكونة بفكرة "استبداد الشرق" Oriental Despotisme، المتشبعة بالقراءات التوراتية حول بهاء الشرق27 التي مفادها أن الشام عرف خلال السنوات 1600 - 1800 فترة ديموغرافية سوداء تقابلها فترة اندفاع سكاني في أوروبا، وبالطبع، بحسب هذه المقولات، كان وراء هذا الإفراغ والإخلاء استبداد الإدارة العثمانية وتنكيلها بساكنة الشام، قبل أن يُسلم الشام
للقوى الغربية بلدًا شبه خال. الحقيقة أن هذه الأطروحة، حول تضاؤل سكان الشام، عرفت عدة ردود من خلال دراسات متخصصة انطلاقًا من الأرشيف العثماني لتلك الفترة، وخصوصًا أن فكرة انكماش المدن العثمانية في القرن الثامن عشر لا تتطابق مع ما نعرفه عن التطور العام للسكان
في العالم في التاريخ الحديث. ويوصلناهذاالأمرإلىالحديثعنبعضالمناهجالنظريةوالمقارباتالعامةالمقارنةأومايسمىبظاهرةالتناسبالمتزامنوالتنظيمالديموغرافيالذاتي.
ثالثًا: نظرية التناسب السكاين: مدخل منهجي أولي
يرى إرنست فاغمان Wageman Ernest وفرناند بروديل28 أن هناك تناسبًا وتحركاتٍ جامعةً في المدن المتوسطية وعلى مستوى
القارات. يلاحظ بروديل، بصفة عامة، زيادة في القرن السادس عشر، ثم ركودًا وتقلصًا في القرن السابع عشر، ونهوضًا في القرن الثامن
عشر. وينطلق في رأيه هذا من فضاءين كبيرين، للمؤرخ تصور عام حول سكانهما (أوروبا والصين)، باعتبارهما وحدتي قياس تمثلان ربُع سكان العالم أو خمُسه. انطلاقًا من هذا المقياس ومن تتبع وتيرة تطور عدد السكان، تم ملاحظة تناسب متزامن بين مختلف القارات، تكون فيه التطورات السكانية (الناتجة من نمو تجاري، أو أوبئة كبرى... إلخ) هزات ارتدادية يمكن قراءتها ورصدها عبر العالم، وملاحظة تزامنها في أماكن
مختلفة، كأنه قدر كوني Destiny Cosmic. هذا التزامن، كان جليًا في القرن الثامن عشر، ونسبيًا في القرن السابع عشر، ومحتملً جدًا
في القرن الثالث عشر.. ويرى الاقتصادي والديموغرافي فاغمان أن التطور الديموغرافي مرتبط، أساسًا، بأسباب غير التي تتجلى في المجال الاقتصادي أو
التقدم الطبي، لأن الاقتصاد الدولي لا يمكنه أن يشرح هذا التناسب المتزامن أو التوازن الذاتي، بل إن العامل الاقتصادي نفسه يمكن اعتباره، أحيانًا، نتيجةً وليس سببًا. على العموم، تساعد هذه التقلبات شبه المتزامنة في أطراف الأرض على تخيل قضية أن التجمعات البشرية حافظت فيما بينها - على مستوى عدد السكان - على تناسب رقمي ثابت (الربع، والثلث، والنصف... إلخ) وفهمها، ما يساعد على الاستنتاج والقياس. والحقيقة أن هذه الأعداد التعميمية، رغم عدم دقتها، تساعد على تتبع "النمو البيولوجي للإنسانية" باعتباره مخزنًا واحدًا كما يسميه الإحصائيون.
22 Constantin-François de Chasseboeuf Volney, Voyages en Syrie et en Egypte, pendant les années 1783 , 1784 et 1785 (Paris: Éditions Mouton & Co, 1959).
23 أنطوان عبد النور، "السكان وديمغرافية المدينة، مدن بلاد الشام في العصر العثماني"، ترجمة ماري فرانس جنابزي، الفكر العربي، العدد 29 (1982)، ص 267.
24 Fernand Braudel, Civilisation matérielle, économie et capitalisme, XVe-XVIIIe siècle: Les Structures du quotidien, Le possible et l’impossible , vol. 1 (Paris: Armand Colin, 1979), p. 18.
| اﻟﻌﺎ أو ﺧُﻤﺴﻪ اﻟﻌﺎ أو ﺧُﻤﺴﻪ | |||
|---|---|---|---|
| ﺳﻜﺎن اﻟﺼ، رُﺑﻊ ﺳﻜﺎن ﺳﻜﺎن أوروﺑﺎ، رُﺑﻊ ﺳﻜﺎن | اﻟﻌﺎ أو ﺧُﻤﺴﻪ اﻟﻌﺎ أو ﺧُﻤﺴﻪ | ||
ساكنتها 10 آلاف نسمة.
الرسم البياني (1)
تطور سكان العالم ما بين القرنين الثالث عشر والعشرين بحسب فرناند بروديل
المصدر: Fernand Braudel, Les structures du quotidien: Le possible et l’impossible, Civilisation matérielle, économie et capitalisme, XV-XVIII siècle , Tome 1 (Paris: Armand Colin, 1979), p. 24.
وقد يكون التناسب عكسيًا بين فضاءين جغرافيين متباينين كما بين ذلك المؤرخ التونسي محمد طالبي حين درس التحولات
الديموغرافية في دول المغارب Maghreb ما بين القرنين الحادي عشر والخامس عشر29. لقد حاول في هذا البحث تجاوز نقص المعطيات الرقمية في المصادر العربية، حيث لجأ إلى استثمار إشارات الجغرافيين العرب ليُبين الكثافة العمرانية التي ميزت استغلال
المجال في القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي في المنطقة، الذي وافقه في أوروبا الميروفنجية والكارولنجية، غياب مدن تتجاوز
25 Mohamed Talbi, "L’Effondrement démographique au Maghreb du XI au XV siècle," Cahiers de Tunisie , vol. 25 , no. 97 - 98 (1 et 2 trim. 1977), pp. 51 - 60.
لكن فيما بعد، في نهاية القرن الثاني عشر، حينما أصبحت المدن الأوروبية، نحو ميلانو، تعد 200 ألف نسمة وتعرف أوجها الاقتصادي والعمراني، كانت المدن المغاربية تشهد تراجعًا ديموغرافيًا واضحًا31. هذا التقهقر، بدأ، بحسب طالبي، خفيًا في القرن الرابع الهجري/ العاشر
الميلادي ليصبح جليًا مع أزمات المجاعة والطاعون، وخصوصًا في سنة 395 ه/ 1005 م، ليتبين أن هذه المنطقة أصبحت ذات ثقل ديموغرافي
متراجع قبل أن تعرف بعد ذلك ما يُسميه الباحث "عمق الهاوية" الديموغرافية في منتصف القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي مع
الطاعون الأكبر والأزمات الأخرى المتلاحقة في القرنين التاسع والعاشر الهجريين/ الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين. وأخيرًا، يخلص الباحث إلى أن محاولة تفسير منحنى هذا التراجع السكاني في العصر الوسيط يحتاج إلى مقاربة مجموعة من
المستويات والظرفيات السياسية والسوسيو-اقتصادية والصحية، وربما كذلك ربطها بالمعطيات الطبيعية (الطقس والغطاء النباتي) من دون نسيان حالات الحرب، والتراجع التقني، والأزمات الطبيعية، والسياسات الضرائبية، وكذا تحولات البنية الاجتماعية33.
رابعًا: تاريخ العالم الإسلامي: خصوصية المصادر وحفريات يف الأصول
إلى جانب المقاربات العامة، يستند المؤرخ إلى مصادر متميزة تسعف، إلى حد بعيد، بناء مقاربات إحصائية - ديموغرافية لجوانب كثيرة من تاريخ الشعوب الإسلامية. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، بدأ الاهتمام، عمومًا، بكتب التراجم والطبقات لتنوعها وأهميتها.
ومثلت هذه الأعمال مرحلة وعي أكيدة بأهمية هذه النوعية من المصادر. ولقد بدأ الاهتمام بالبعد الإحصائي وبالإشارات المتعلقة بالميكرو - ديموغرافيا فيها، وخصوصًا أن هذه المصادر قد اهتمت بتراجمَ وسير فئات مختلفة من المجتمع (الفقهاء والعلماء، والأطباء،
والشعراء... إلخ) عبر الزمن أو في حواضر إسلامية معينة (بغداد، ودمشق، وفاس، ومراكش... إلخ.) ففي دراسة شارل بيلا حول مسألة إمكان معرفة نسبة التوالد في الفترة النبوية34، وانطلاقًا من مجموعة من المصادر؛ نحو الطبقات الكبرىلمحمد بن سعد ونسب قريش لمصعب بن عبد الله الزبيري والإصابة في تمييز الصحابة لأحمد بن حجر، حاول استخلاص بعض المعلومات الديموغرافية الخاصة بفترة الثلث الأول من القرن السابع الميلادي (في مكة والمدينة) من خلال جمل من قبيل "فولدت له" أو "من ولد فلان." فبعد إحصاء 700 امرأة في نسب قريشيقابلها 1726 مولودًا (1327 طفلً ذكرًا و 399 أنثى) انتهى إلى تحديد نسبة توالد تُعادل
46. 2 (89. 1 من الذكور و 57. 0 من الإناث). طبعًا؛ إذا اعتبرنا التحديد النسبي لمعدل الخصوبة مسألة مهمة يُمكن نمذَجتها وأجرأتها
في دراسات لاحقة، فإن الأرقام المستقاة تبقى عامة، لها وعليها، كما أن التناسب بين الذكور والإناث أمر فيه نظر. وانتقل الباحث بعد ذلك إلى تحديد آخر، انطلاقًا من 50 امرأة ذُكر أبناؤهن (340ً طفل: 233 ذكرًا و 117 أنثى)؛ أي بمعدل خصوبة
يعادل 8. 6 (46. 4 من الذكور و 36. 2 من الإناث)، وبتناسب جديد بين الذكور والإناث (190 طفلً ذكرًا لكل 100 أنثى). وفي عينة أدق
للنساء اللاتي تزوجن أكثر من مرة، أحصى بيلا 27 حالة محددة بدقة يوافقها 102 من الأطفال (67 من الذكور و 35 من الإناث) أي 177 ذكرًا لكل 100 أنثى. وبعد استعراض هذه العينات المختلفة، ووضع مجموعة من الحسابات والجداول الإحصائية الدقيقة، توصل
الباحث إلى تحديد معدل الخصوبة في تلك الفترة ب 5. 2 لكل امرأة.
26 Ibid., p. 54. 27 Ibid., pp. 59 - 60. 28 Charles Pellat, "Peut-on connaître le taux de natalité au temps du Prophète? A la recherche d’une méthode," Journal of the Economic and Social History of the Orient , vol. 14 , no. 2 (August 1971), pp. 107 - 135.
المرأة زوجة لأخوين عن طريق الميراث، وحيث ظاهرة التعدد، وزواج النساء الأرامل والمطلقات أكثر من مرة.
ولقد سمح هذا الكم من المعطيات بالوصول إلى مجموعة من الاستنتاجات حول معدل أعمار الأعلام عبر تسعة قرون.
| الفترة الزمنية | معدل العمر من خلال ترجمات شذرات الذهب |
|---|---|
| القرن 2 الهجري | 81 سنة |
| القرن 3 الهجري | 85 سنة |
| القرن 4 الهجري | 86 سنة |
| القرن 5 الهجري | 82 سنة |
| القرن 6 الهجري | 78 سنة |
| القرن 7 الهجري | 75 سنة |
| القرن 8 الهجري | 72 سنة |
| القرن 9 الهجري | 67 سنة |
| القرن 10 الهجري | 71 سنة |
القرن 10 الهجري
بظروف وفاتهم (مرض، أو قتل، أو حوادث أخرى.)
لكن هذه النتائج لا تأخذ أهميتها ليتم أجرأتها معيارًا أو أنموذجًا، أو لفهم وتيرة تجدد الأجيال أو خصوبة الأسر، إلا باعتبار
مجموعة من القضايا المرتبطة، بخصوصيات المصادر من جهة، وبالمعطيات السوسيولوجية المُشكلة للبيئة العامة من جهة أخرى؛ إذ إن حالات عديدة من العينات المدروسة تعود إلى فترة ما قبل الإسلام، حيث تكثر حالات تزوج الابن والأب من المرأة نفسها، وحيث تصبح
في دراسة أخرى للباحث نفسه35، اعتمد فيها هذه المرة على كتاب شذرات الذهب في أخبار من ذهب (1032 - 1089 ه/ 1623 - 1679 م) لعبد الحي بن أحمد بن العماد، الذي يغطي فضاء ألف سنة في مجال العالم الإسلامي، ويُمكن من تتبع مجموعة من المشكلات، ومن عقد
مقارنات بين القرون. فالكتاب يضم: 3311 ترجمةً تحمل إشارات إلى الأعمار، و 1573 ترجمةً تحمل إشارات دقيقة إلى سنة الميلاد والوفاة.
الجدول (2)
معدل أعمار الأعلام عبر تسعة قرون من خلال كتاب: شذرات الذهب
معدل العمر
71 سنة
المصدر: Charles Pellat, "Quelques chiffres sur la vie moyenne d’une catégorie de musulmans," in: Mémorial Alfred Bel (Leyde: Brill, 1974).
ليخلص في النهاية إلى معدل عمر عام يوافق (73 - 74 سنة شمسية = 75 سنة وثمانية أشهر قمرية) مع الاعتراف بأنها تبقى محاولة منهجية جزئية ومبسطة، ولكنها ربما كانت قادرة على فتح آفاق جديدة إذا ما تمّت مقارنتها بقضايا تحركات الأعلام والعلماء، وكذا
29 Charles Pellat, "Quelques chiffres sur la vie moyenne d’une catégorie de musulmans," in: Mémorial Alfred Bel (Leyde: Brill, 1974), pp. 233 - 246.
المناقب والتراجم، وهو كتاب المستفاد في مناقب العباد لمحمد بن عبد الكريم التميمي (ت. 604 ه)، لتحاول الكشف عن جزء من آليات النمو السكاني المرتبط بالهجرة الخارجية وترجمتها برسم بياني وجداول توضح أن التوافد السكاني على فاس سار في خط تصاعدي منذ مطلع القرن السادس الهجري، لترتفع نسبته نسبيًا في العهد الموحدي. وهذه النتائج، رغم قلة المعلومات المصدرية وعدم دقتها، لها
أبعاد جديدة يمكن أن تكتسب أبعادًا جديدة؛ إذا ما ربطت بالبنيات الاقتصادية وتحولاتها في العصر الوسيط، ووُطنت مجاليًا وخرائطيًا
على مستوى فضاء المدينة، وقُوبلت، بالموازاة مع المعطيات الأثرية الجديدة.
الرسم البياني (2)
التوافد السكاني على فاس منذ مطلع القرن السادس الهجري إلى العهد الموحدي
اﳌﺴﺘﻘﺮون اﳌﺆﻗﺘﻮن
ﻋﺪد اﻟﻮاﻓﺪﻳﻦ 30 25 20
ن 1 ﻣﻦ ق 6 ﻩ
ن 2 ﻣﻦ ق 5 ﻩ
المصدر: عبد الأحد الرايس، "حركة السكان بفاس خلال عصر المرابطين والموحدين: حركة الوافدين مثالً، مجلة كنانيش،
العدد 4 (2002)، ص 34.
والسادس عشر الميلاديين. يضم كل سجل، خصوصًا في فترة السلطان سليمان القانوني (1520 - 1566)، معطيات رقمية دقيقة حول
السكان والضرائب المدفوعة، تُجدد كل شهر أو كل أربعين سنة، شهر بحسب التقاليد الإدارية العثمانية36.
من حيث ساكنة المدن والبوادي، والأعيان والعسكر الإنكشاريين، والقبائل الرحل والطوائف الدينية، والتشكيلة الاقتصادية والمهن، الأسواق والضرائب. هذه الوثائق الغنية، سمحت للباحث التركي باركان بإقامة جداول دقيقة حول ملُاك الأراضي الفلاحية، والبنية
30 عبد الأحد الرايس، "حركة السكان بفاس خلال عصر المرابطين والموحدين: حركة الوافدين مثالً"، مجلة كنانيش، العدد 4 (2002)، ص 9 - 34.
وحول المتن المصدري نفسه، نجد دراسة عبد الأحد الرايس حول حركية السكان بفاس في العصر الوسيط37، تنطلق من أحد كتب
ن 1 ﻣﻦ ق 7 ﻩ
ن 2 ﻣﻦ ق 6 ﻩ اﻟﻔﱰة اﻟﺰﻣﻨﻴﺔ
من المصادر المتميزة في العالم الإسلامي كذلك، نجد السجلات الإحصائية العثمانية التي ترجع إلى القرنين الخامس عشر
تسمح هذه المعلومات برسم لوحة تاريخية حية لتركيا العثمانية (وبعض مدن الدول العربية التابعة آنذاك للإمبراطورية العثمانية)
31 Barkan, p. 11.
والمحاذير المنهجية المرتبطة بما يلي: عدم الإشارة إلى الرجال العُزاب في الإحصاءات الضرائبية.
| ما بعد 1580 | 1580 - 1571 | 1530 - 1520 | ما قبل 1520 | الأسماء |
|---|---|---|---|---|
| 700000؟)( | 400000؟)( | 97956 (عام 1478) | إسطنبول | |
| 46365 | 45331 | 56881 | 67344 | حلب |
| (عام 1595) 42779 | - | 57326 | - | دمشق |
| - | 70686 | 34930 | - | بورصة |
| - | 30140 | 22335 | أدرنة | |
| - | 31443 | (عام 1541) 18942 | - | ديار بكر |
| - | 29007 | 14872 | - | أنقرة |
| - | 17616 | 12633 | أثينا | |
| (عام 1646) 21219 | 13282 | 8354 | (عام 1455) 17328 | توكات |
| - | 16846 | 5560 | 3396 | سريفاس |
| - | 23485 | 5632 | - | سرراييفو |
| - | 5918 | 4647 | 2645 | مينستير |
| - | 9867 | 4631 | 4974 | سكوبيلي (مقدونيا) |
| - | 7848 | 3899 | - | صوفيا |
صوفيا -
الاجتماعية والإدارية للإمبراطورية العثمانية، وطوائف الأعيان. واستطاع، من خلال ثلاثة إحصاءات مختلفة ومتفرقة في الزمن في الفترة (1451 - 1575)، تتبع سكان المدن العثمانية وتأكيد نمو هذه المدن في القرن السادس عشر، ومقارنتها بمثيلاتها الأوروبية والآسيوية. يمضي الباحث باركان في مجموعة من الاستنتاجات حول تتبع التقلبات الديموغرافية الأخرى، مراعيًا أ ضمومة من المعطيات
استعمال الضارب الثابت " 5 " لكل موقد أو أسرة بحذر، وبحسب الجهة المدروسة أو الفئة الاجتماعية أو وظائف الأسر. غياب فئة العبيد في السجلات العثمانية، رغم أنها كانت تمثل، تقريبًا، ما بين خمسة وعشرة في المئة من سكان المدن آنذاك. افتراض وجود تجار أجانب وطلبة المدارس، رغم غياب الأدلة الداعمة والإشارات الإحصائية في السجلات المدروسة. الجدول (3) سكان أهم المدن العثمانية عبر محطات زمنية مختلفة من خلال السجلات العثمانية
المصدر (بتصرف:) Ömer Lutfi Barkan, "Essai sur les données statistiques des registres de recensement dans l’Empire Ottoman au XVe et XVIe siècles," Journal of Economic and Social History of the Orient , vol. 1 , no. 1 (August 1957), p. 27.
خامسًا: المؤشرات العمرانية ودلالاتها الديموغرافية ي ف بعض المدن الإسلامية
في غياب مصادر مكتوبة دقيقة تسعف المؤرخ الديموغرافي بتتبع تطور سكان المدن الإسلامية، نشأ تيار من المؤرخين يقوم على استقراء الآثار والمنشآت القائمة بطريقة منهجية مبتكرة للإجابة عن كثير من أسئلة الديموغرافيا التاريخية. يمكن الحديث هنا عن مقاربة ألكسندر لزين Lézine Alexandre لتقدير عدد سكان مدن إفريقية (تونس) في العصر الوسيط على نحو نسبي؛ من خلال تتبع تاريخ الجوامع الكبرى، ومراحل توسيعها، وتحديد مساحتها، لاستنتاج طاقتها الاستيعابية في الصلوات الجامعة، ومن ثم، استخلاص التطور السكاني في هذه المدن من خلال عينة المصلين. لقد طبق لزين هذا المنهج التقديري على مسجد سوسة الأعظم في مقاربة أثرية-
معمارية، استطاع على إثرها تحديد تطور عدد المصلين38 عبر الزمن، مستخدمًا ضاربًا ثابتًا لتحديد الكثافة العامة للسكان. وانطلاقًا من
المنهج نفسه، درس الجانب الديموغرافي لمدن تونسية أخرى، نحو القيروان عبر مسجدها الكبير (مساحته 9000 م 2.) في المنحى نفسه، وأمام القلة النسبية للوثائق والمعطيات الديموغرافية حول المدن العربية في العهد العثماني بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، اعتمد الباحث الفرنسي أندري ريمون Raymond André على المنشآت العمرانية الحضرية العامة، نحو الحمامات39
والسقايات (السبيل)40 بعددها وتوزيعها، باعتبارها مؤشرات على عدد السكان. فالحمام، يوازي إجمالً، بحسب رأيه، عددًا من
السكان يتراوح بين 3 و 5 آلاف، أي بمعدل حمام لكل 4 آلاف ساكن. واعتمادًا على الإشارات الإحصائية المُستخلصة من المصادر حول
المنشآت العمرانية العمومية، وخصوصًا في القاهرة العثمانية (ق. 15 - 18 م)، استطاع ريمون، في مقاربة عامة، أن يفند بدءًا مسألة تدهور
عدد السكان في العهد العثماني، بل إنه يؤكد ارتفاع عددهم (من 150 ألف نسمة في عام 1420 إلى 260 ألف نسمة في عام 1798)41. إن ما سنسعى لتمكين أعراقه، من خلال انتقاء بعض الأمثلة التي حاول أصحابها إعادة رسم الخريطة البشرية لمجموعة من المدن الإسلامية في فترات زمنية مختلفة، هو التنبيه إلى تباين المسالك المنهجية، وإلى كثافة القضايا التاريخية المتصلة بعدد السكان، وإلى ضرورة التعمق المعرفي في أي محاولة لفهم بنيات المجتمعات العربية وتغيراتها عبر التاريخ.
1. دمشق
بالنسبة إلى مدينة دمشق، يرى الباحث تييري بيانكي أن تحديد مساحتها وامتدادها في العصر الوسيط سهل التكميم نسبيًا، من
خلال الاستعانة بالخرائط المعاصرة التي تمكن من استيعاب تطور المدينة في المراحل السابقة42. وبحسب رأيه، فإن دمشق، على شاكلة مدينتي القدس وحلب، وعلى عكس القاهرة وبغداد، منتظمة حول مركز عمراني قديم (منذ الألفية الثانية قبل الميلاد)، يتطور عمرانها عبر بناء الجوانب المحيطة بهذا المركز أو هدمها. يحدد بيانكي مساحة دمشق في العصر الوسيط ب 115 هكتارًا، تُضاف إليها مساحة الأحياء المحيطة بها، المحددة ب 150 هكتارًا
تقريبًا. أما فيما يخص تحديد عدد سكانها في تلك الفترة، فيرى هذا المؤرخ أننا لا نملك محددات دقيقة، ولكن إذا ما اعتمدنا مساحة
32 قدر لزين متوسط المساحة الضرورية للمصلي الواحد كالآتي: مستطيل عرضه 60. 0 م وطوله 35. 1 م.
33 André Raymond, "Les Bains publics au Caire à la fin du XVIIIe siècle," Annales Islamologiques , no. 8 (1969), pp. 129 - 150. 34 André Raymond, "Signes urbains et études de la population des grandes villes arabes à l’époque ottomane," Bulletin d'études orientales, vol. 27 (1974), pp. 183 - 193. 35 André Raymond, "La Population du Caire de Maqrizi à la Description de l’Egypte," Bulletin d'études 0 rientales , vol. 28 (1975), p. 209. 36 Thiery Bianquis, "Damas," in: Jean-Claude Garcin (dir.), Grandes villes méditerranéennes du monde musulman médiéval, Collection EFR no. 269 (Rome: L’Ecole française de Rome, 2000), p. 41.
دمشق داخل أسوارها Muros - Intra المحددة ب 115 هكتارًا، وأنقصنا منها الثلث (أي المساحة التي تشكلها شبكة الطرقات الداخلية،
والبنايات العامة)، يتبقى نحو 70 هكتارًا تُتخذُ فضاءً سكنيًا تحتله الدور والمنازل. كل وحدة سكنية، بحسب تقدير المؤرخ، تغطي في المعدل مساحة 100 م 2 وتأوي من 3 إلى 7 أفراد؛ بمعدل عام يوازي 100 وحدة سكنية في كل هكتار، وبساكنة تراوح بين 300 و 700 فرد. بمعنى أنه إذا افترضنا أن المدينة كانت تضم 80 هكتارًا مساحةً سكنيةً، عدد
السكان الذي يقابلها يراوح بين 24 و 56 ألف فرد. ويلجأ الباحث إلى طريقة أخرى يستعين فيها بمصدر إخباري قديم (ابن القلانسي، 1071 - 1160 م)، الذي يحدد عدد أفران دمشق في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي ب 240 فرنًا. وكل فرن عمومي يلبي، بحسب تقديره، حاجات 50 عائلة كحد أقصى، كل واحدة منها مكونة من 5 أفراد أي ما يعادل (240 × 50 = 12 ألف عائلة)؛ بمعنى آخر، 60 ألف فرد كحد أقصى. إضافة إلى مؤشر القوت اليومي، يرتكز الباحث على معطيات رقمية تخص، هذه المرة، صبيب الماء، باعتباره أحد مقومات الحياة. استنادًا إلى الدراسات الأثرية حول شبكة المياه داخل دمشق في العصر الوسيط، ومقارنة بالمعطيات الرقمية لصبيب المياه في
بداية القرن العشرين، فإن دمشق لم يكن عدد سكانها خلال فترات تاريخها الوسيط يخرج عمّا بين 200 و 300 ألف ساكن43،
وهذا رقم كبير.
2. بغداد
قدم المؤرخون والأثريون أطروحات وافتراضات مختلفة لتعداد ساكنة بغداد في العصور الإسلامية، فقد تراوحت الأرقام المُقدمة ما
بين مئات آلافٍ إلى زهاء مليونَ ساكن. ولم تستند هذه التحديدات الرقمية في عمومها إلى معطيات حسابية دقيقة، بل هي افتراضات بُني صرحها انطلاقًا من عدد الحمامات المذكورة في المصادر التاريخية، أو استنادًا إلى معطى مساحة المدينة44. فيما يخص عدد الحمامات، يستعرض الإخباري الخطيب البغدادي (ت. 463 ه/ 1071 م) روايات مختلفة: الأولى لمحمد بن يحيى الصولي (ت. 335 ه/ 946 م)، وهي تذكر أن بغداد كانت تضم 60 ألف حمام، وهذا رقم مبالغ فيه. أما الروايتان الأخريان، والمتقاربتان في الزمن، فهما تبسطان معطيات رقمية متباينة: أكثر من 10 آلاف حمام بحسب المهلبي، وزير معز الدولة ما بين (322 - 334 ه 945-934 / م)، ثم معطى 27 ألف حمام في عهد الخليفة المقتدر (295 - 320 ه/ 908 - 932 م). ويضيف البغدادي رواية أخرى تحدد عدد حمامات بغداد في 50 ألفًا في عهد عضد الدولة الذي أحكم قبضته على بغداد في عام 368 ه/ 979 م45. وطبعًا،
يدعو تباين هذه الأرقام في فترة زمنية متقاربة إلى الشك فيها ويضيف التباسًا آخر.َ وفي المقابل، فضل المؤرخ المعاصر عبد العزيز الدوري الانطلاق من الرقم الذي قدمه الإخباري هلال الصابي في أواخر القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي (1500 حمام)، ومن مُعطى افتراضي مفاده أن كل حمّام كان يستجيب لحاجات 200 منزل، وأن كل عائلة
تضم في المعدل المتوسط 5 أفراد، ليحدد عدد سكان بغداد في العصر الوسيط ب 5. 1 مليون نسمة في أقصى توسعها46.
37 Ibid., p. 42. 38 Françoise Micheau, "Bagdad," in: Garcin, p. 93. 39 Ibid. 40 Abdelaziz Duri, "Bagdad," in: Encyclopédie de l’Islam ,vol. 1 , 2 ème ed., (Leyde; Paris: Maisonneuve & Larose, 1960), p. 925.
حاولت دراسات أخرى تقدير عدد سكان هذه المدينة الإسلامية عبر تحديد مساحتها، وإن كان هذا المنحى لا يخلو من صعوبات معرفية ومنهجية. ومثل هذه المقاربات، تفترض أن نكون مطلعين سلفًا على حجم هذه المساحة وعلى كثافة السكان فيها، لكن رغم ذلك، جازفت مجموعة من المؤرخين المعاصرين واتخذت هذا المسلك. طرح الباحث جاكوب لاسنر مقترحًا (40 ساكنًا في الهكتار الواحد في القرن الخامس الهجري)، واعتبر أن الكثافة السكانية فيها تقدر
بخُمس كثافة القسطنطينية (200 ساكن في الهكتار)، نظرًا إلى شساعة مساحة حدائق بغداد وقصورها. وبتقديره مساحة مدينة بغداد في 7
آلاف هكتار، توصل إلى نتيجة متمثلة ب 280 ألف ساكن47. ومن جهة أخرى خلَص روسل إلى أن كثافة بغداد الوسيطية يمكن تحديدها ب 100 ساكن في الهكتار الواحد، وحدد مساحتها ب 3 آلاف هكتار، ليقترح، أخيرًا، أن عدد السكان البغداديين يُقدر ب 300 ألف ساكن48. لا شك في أنه من الصعب الحسم في هذه التقديرات المتباينة، لكنها على العموم تؤكد ضخامة مدينة بغداد مقارنة بمثيلاتها في العصر الوسيط، وتؤكد كل المصادر القديمة هذا الأمر. يذكر الجغرافي أبو العباس اليعقوبي في كتابه البلدانأن فيها 10 آلاف زقاق (درب أو سكة)، بينما يشير محمد بن جرير الطبري إلى عدد يبلغ 7 آلاف منزل تهدمت في حي الكرخ، على إثر فيضانات عام 270 ه/ 883 م، أما جمال الدين بن القفطي، مؤرخ العلماء، فيحدد عدد أطباء بغداد ب 860، في عام 319 ه/ 931 م49.
3. القاهرة
بالنسبة إلى القاهرة، غالبًا ما يجد المؤرخ الديموغرافي نفسه أمام تقديرات عامة ومرتفعة لسكان المدينة (500 ألف و 600 ألف) بحسب
دراسات مارسيل كليرجي Clerget Marcel وجانيت أبو لغد Lughod - Abu Janet50. أما الباحث ميكايل دولس Dols Michael، فيحدد العدد في 450 ألفًا قبل طاعون عام 1349 م51. وفي المقابل، نجد تقديرات مخفضة (50 ألفًا و 60 ألفًا) مقترحة انطلاقًا من إحصاءات رياضية استُمدت على نحو خاطئ من المصادر التاريخية52. على كل حال، تبقى تقديرات ريمون أوجه وأشد إقناعًا53، فهو يقترح، بالنسبة إلى
الجزء من المدينة الذي لا يضم بولاق والفسطاط، أقل من 200 ألف في بداية القرن السادس عشر، وأقل من 250 ألفًا في القرن الرابع عشر.
4. حلب
تشير المصادر الإخبارية إلى تطور مهم في عمران حلب ما بين القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وإلى أن هذا النمو، وفق ما يؤكده دومينيك سورديل، امتد إلى خارج أسوار المدينة57. وفيما يخص المعطيات العمرانية، يحدد كتاب محمد بن علي عز الدين بن شداد: الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة، الذي يصف فيه مدينة حلب قبل الغزو المغولي في عام 1260 م، بعض أعداد معالمها (208 مساجد، و 70 حمامًا) داخل أسوار المدينة59.
41 Jacob Lassner, The Topography of Baghdad in The Early Middle Ages (Detroit: Wayne State University, 1970), pp. 159 - 160. 42 Russel, p. 89. 43 Micheau, p. 93. 44 Doris Behrens-Abouseif, "Le Caire," in: Garcin, p. 179 - 180. 45 Ibid. 46 Russel, p. 131. 47 Raymond, "La population du Caire," pp. 201 - 215. 48 Dominique Sourdel, "Esquisse topographique d’Alep intra-muros à l’époque ayyoubide," Annales Archéologiques de Syrie , vol. 2 (1952), pp. 109 - 133. 49 Anne-Marie Eddé, "Alep," in: Garcin, pp. 159 ‑ 160.
إذا كان تطور المدينة، في الفترة الواقعة بين القرنين الثاني عشر والثالث عشر، أمرًا لا جدال فيه، فإن تحديد عدد السكان في هذه
الفترة الزمنية ليس منالً سهلً. فالمصادر التاريخية العربية تشير إلى بعض الأرقام الصعبة الاستيعاب على إثر الغزو المغولي (50 ألف شخص فروا من هذه المجازر، ربع السكان بحسب البعض، و 100 ألف تمّ بيعهم رقيقًا)60. من جهة أخرى، ظلت محاولات تكميم عدد السكان وإحصائهم من خلال مساحة المدينة ومنشآتها العامة، مخيبة للآمال. إن الإحصاء من خلال تحديد مساحة حلب يواجه مشكلتين أساسيتين: صعوبة تحديد مساحة الأحياء المحيطة بالأسوار، وجهل المؤرخين نسبة الفضاء المأهول أو غير المسكون داخل المدينة (نحو الأزقة، والمساحة غير المعمورة، والحدائق، والبنايات العمومية... إلخ)، ما يجعل أي عملية تقييم للكثافة العمرانية وتكميمها محفوفة بالنسبية والخطأ. توقفت تقديرات روسل لسكان مدينة حلب عام 1200 م عند 14 ألفًا، انطلاقًا من مساحة المدينة داخل أسوارها. فقد أسس افتراضه على معطى 125 ساكنًا في الهكتار الواحد من دون أن يعير سكان الحارات المحيطة بالأسوار اهتمامًا، ما يجعل تقديره بعيدًا عن الواقع التاريخي66. من الناحية المنهجية، تبدو تقديرات الباحث ريمون - المعروف باستثماره عدد البنايات العمومية في المدن العربية في العهد العثماني مؤشرًا على حركية السكان ونموهم - التي تحدد العدد الموازي لكل حمّام في حدود 3000 - 3500 نسمة، مردودةً وغير مناسبة لمدينة حلب
التي كانت تحوي في القرن الثالث عشر ما يناهز 163 حمّامًا عموميًا، إضافة إلى 30 حمامًا خاصًا، فالأمر مبالغ فيه. الشيء نفسه بالنسبة إلى تقديرات أطروحة هينز كوب Gaube Heinz وأوجن فيرت Wirth Eugen المنطلقة من عدد المساجد،
فقد خلصت إلى عدد سكان يناهز 200 ألف لمدينة حلب67. حقيقةً، إنه من الصعب تحديد عدد السكان الموازي لكل مسجد؛ لأن دور
العبادة كانت تتخذ أشكالً مختلفة: بناءً مستقلً، أو غرفًا في منشآت عمومية، سواء كانت خانات أو أبراجًا. أما بناء المساجد فكان غالبًا
لبواعث دينية أو شخصية أكثر منه استجابات لحاجات ديموغرافية في كل مرة. ترى آن ماري إيدي أن كثافة مدينة حلب يمكن تحديدها، قبيل الحملة المغولية، في عام 1260 م، بين 200 و 350 ساكنًا في
الهكتار68، في مساحة تقدر ب 112 هكتارًا، إضافة إلى 4 هكتارات هي حيز القصبات ذات الكثافة المنخفضة والمحدودة. كانت حلب داخل أسوارها تضم، على أقل تقدير، ما يُناهز 23 ألف ساكن، يضاف إليهم عدد سكان الأحياء المحيطة، الكثيرة
العدد، ما بين 25 - 30 ألفًا. وبكثافة تقارب 350 ساكنًا في الهكتار، يمكن تقدير ساكنة المدينة ب 40 ألفًا، وربما 45 ألفًا في الأحياء
الهامشية، ما مجموعه 50 - 85 ألف ساكن. أمام قلة الدراسات المرجعية عن عدد سكان حلب في العهد المملوكي، يبقى التذكير بأثر هجمات المغول في عام 1260 م، والطاعون الأكبر في الفترة 1348 - 1349 م والدمار الذي أحدثه تيمورلنك في عام 1400 م، والأوبئة التي مست المدينة في منتصف القرن الرابع عشر، وخلال القرن الخامس عشر، باعتبار هذه العوامل مؤشرات كبرى دالة على ركود النمو الديموغرافي وتراجعه في شمال سورية، وإن كان تعيين أرقام دقيقة لن يتأتى إلا مع بداية القرن السادس عشر69.
50 Ibid. 51 J.C. Russel, "The population of the Crusades States," in: Norman P. Zacour & Harry W. Hazard (eds.), A history of the Crusaders: The Impact of the Crusades on the Near East , vol. 5 (Madison: University of Wisconsin Press, 1985), pp. 295 - 314. 52 Eddé, p. 160. 53 Ibid., p. 161.
54 بالنسبة إلى القرن 16 م، فإن الدراسات المُستنطقة للمصادر الإدارية والضرائبية العثمانية تؤكد تراجع عدد السكان في مدينة حلب من 67 ألف فرد في عام 1519 م إلى نحو
45 ألفًا في عام 1580 م، انظر: 36 - 9. pp , Barkan.
في غياب مصادر مكتوبة دقيقة ومعطيات أثرية بينة، لن يتبقى للباحث إلا خيار المقارنة بمعطيات المدن الإسلامية الأخرى لتحديد عدد السكان الحلبيين في العصر الوسيط. ولهذا المقصد، يمكن استثمار المعطيات الخاصة بالكثافة السكانية (الحد الأقصى والحد الأدنى) لمدن الغرب الإسلامي بما فيها الأندلسية لتشكيل رؤية عامة.
5. تونس
في الغرب الإسلامي، وفي تونس خصوصًا، تبقى مقاربة لزين هي الأدق منهجية، وإن كانت تنطلق من مقدمات ليست
بالضرورة صحيحة ومُسلمًا بها. بالنسبة إلى هذا المهندس والمؤرخ، تعادل المساحة المفترضة (الضرورية) لكل مُصلٍّ في المسجد
الأعظم 60. 0 × 35. 1 متر، ومن ثم ينطلق من مسجد الزيتونة حين أعيد بناؤه في عام 864 م، وصار يستوعب 9 آلاف مصلٍّ، عندما كانت تونس ثاني مدينة في عهد دولة الأغالبة، وكانت ميناءً مهمًا في إفريقية (تونس)، ليصل إلى تقديراته التالية: في عام 732 م، كانت
تونس تضم 6500 ساكن، بينما وصل تعداد سكانها في عام 684 م، إلى 9 آلاف فرد. أما الكثافة السكانية فكانت تتأرجح في استنتاجاته ما بين 140 و 200 ساكن في الهكتار، علمًا أن امتداد مدينة تونس، في عهد الأغالبة، كان يصل إلى 500 متر، من شرقها إلى غربها،
وإلى نحو 1000 - 1300 متر، من الشمال إلى الجنوب، مع العلم - بحسب الرحالة محمد العبدري الحاحي الذي زار تونس في بداية القرن الثالث عشر - أن أرباض المدينة كانت في حجم المدينة نفسها. ومما تجود به المصادر التاريخية، إشارة ابن الشماع70 المتعلقة بتونس التي كانت في عام 772 ه/ 1370 م تضم 7 آلاف منزل، أي تقريبًا بحسب منهجية لزين، 35 ألف ساكن، وهو ما يقارب 120 ساكنًا في الهكتار الواحد. وتمت مضاعفة الرقم نفسه بضارب 10، من
طرف الباحث إبراهيم جدلة بدعوى تعدد الزوجات والجواري، والخدم، والعبيد في المسكن الواحد، ليصل إلى حدود 70 ألف ساكن71. وكان هذا التعداد السكاني (سواء 35 أو 70 ألفًا) ينتشر في فضاء عمراني يحدده الباحثون انطلاقًا من بقايا آثار الأسوار القديمة، لما بين 1317 - 1350 م، ب 293 هكتارًا73. وبحسب المؤرخ عبد العزيز الدولاتلي74، كانت تونس في القرن الخامس عشر تُغطي أكثر من 250 هكتارًا؛ وبناءً عليه، كانت الكثافة السكانية
تقارب 200 ساكن في الهكتار، داخل الأسوار، وكانت بنسبة أقل في الأرباض المحيطة التي ظلت تحافظ على طابع قروي في طريقة انتشارها. في القرن السادس عشر، صارت تونس، بحسب ليون الإفريقي (الحسن الوزان)، تضم 10 آلاف كانون (موقد لكل أسرة) بما يمثل 50 ألف ساكن، إذا ما سلمنا أن الأسرة تضم 5 أفراد في المعدل العام، وبكثافة سكانية تصل إلى 160 ساكنًا في الهكتار. في المقابل، تختلف قراءة إبراهيم جدلة مرة أخرى عن المعهود لتقترح تأويلً لمعلومة ليون الإفريقي، وترفع عدد سكان تونس آنذاك إلى 80 ألف ساكن. وفي الحقيقة، يحصي ليون الإفريقي 10 آلاف كانون داخل المدينة و 300 في حي "باب المنارة"، وأكثر من ألف في حارة السويقة، وأكثر من 300 في "باب البحر" أي ما يعادل 11600 كانون، أو مقدر بما بين 58 و 116 ألف ساكن بحسب القراءات والتأويلات.
55 أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الشماع، الأدلة البينة النورانية في مفاخر الدولة الحفصية، تحقيق وتقديم الطاهر بن محمد المعموري (تونس: الدار العربية للكتاب،
1984)، ص 105. 56 إبراهيم جدلة، السكان الحضر بإفريقية من القرن 13 إلى القرن 16، الديموغرافية التاريخية في تونس (تونس: دار سراس للنشر، 1993)، ص 97.
57 Mounira Chapoutot-Remadi, "Tunis," in: Garcin, p. 237.
58 عبد العزيز الدولاتلي، مدينة تونس في العهد الحفصي، تعريب محمد الشابي وعبد العزيز الدولاتلي (تونس: دار سراس للنشر، 1987)، ص 107.
59 Chapoutot-Remadi, p. 237.
إلى جانب هذه الخلاصة، تأتي دراسات أحمد السعداوي وإبراهيم جدلة حول الأوبئة والكوارث التي ضربت تونس لاستكمال مشهد تطور نمو سكان هذه المدينة، فيشير السعداوي إلى الرجوع الدوري Periodicity للكوارث (جفاف، ومجاعة، وطاعون) كل 19 سنة، في الفترة الممتدة بين 665 ه/ 1206 م و 899 ه/ 1494 م، وهو الأمر الذي يؤكده ليون الإفريقي؛ إذ يحدد، بدوره، هذا الرجوع الدوري في كل 10 - 15 سنة. من جهة أخرى، تكشف الباحثة منيرة رمادي أن تونس عرفت أحد عشر وباءً في الفترة 749 - 899 ه/ 1348 - 1494 م، وترى أن
المشهد سيكون أشد وضوحًا إذا ما تم استنطاق الأرشيف الإيطالي والإسباني الذي سيسعف، لا محالة، بضخ رؤى وتدقيقات جديدة.
6. القيروان
بدءًا، يرى الباحث منذر صقلي أنه من الصعب تحديد عدد سكان القيروان في العصر الوسيط بدقة. ويشير المؤرخ محمد طالبي إلى
أن سكانها لم يتجاوزوا قط 50 ألفًا. أما لزين الذي استند إلى طريقته المعهودة في الربط بين مساحة المسجد الأعظم والتطور العمراني، فيحدد عدد سكانها في 9250 فردًا، في الربع الأخير من القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي. وفي حين يذهب طالبي إلى أن سكان
القيروان في القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي ظلوا في ازدياد مستمر في عهد الأغالبة، فإن لزين، يعتبر أن المدينة آنذاك لم يكن لها أسوار ماثلة، وأن مساحتها كانت في توسع دائم، ما انعكس على توافد السكان وتكاثرهم. في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، سيتسع عمران القيروان ليُقابله، بحسب طالبي، كثافة سكانية، حددها لزين
ب 35 - 36 ألف ساكن. وفي المقابل، يرى طالبي أن مُنعرج التراجع السكاني لإفريقية كاملةً، كان من منتصف القرن الرابع الهجري/
العاشر الميلادي إلى منتصف القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، وأن سكان القيروان عرفوا خلال هذه الفترة انخفاضًا كبيرًا على إثر مجاعة عام 395 ه/ 1005 م وطاعونه.
7. فاس
تبقى المعطيات الديموغرافية لمدينة فاس قليلة باستثناء ما تفرق من المعطيات التي توفرها المصادر التي قد تسمح؛ إذا تم تحقيقها، باستنباط تقديرات تقريبية عن السكان. وتاريخيًا، أقيمت النواة الأولى للمدينة على الضفة اليمنى من وادي فاس سنة 172 ه/ 789 م.
سنوات بعد ذلك، أنشأ إدريس الثاني نواة أخرى على الجهة اليسرى لمسار الوادي. هذان التجمعان العمرانيان (عدوة القرويين، وعدوة الأندلس)، تطورا سريعًا، كل داخل أسواره، يفصلهما "وادي الجواهر". وعلى إثر ذلك، ستمثل موجات الهجرة نحو فاس، من
قرطبة (202 ه/ 818 م) والقيروان (210 ه/ 825 م) مددًا بشريًا جديدًا مكنت فاس من تجاوز حالتها الجنينية عمرانيًا، ليكون الأمر بداية
مسار حضري واسع. غير أن الاستقرار العمراني لم يمضِ وفق إيقاع متشابه في كلا العدوتين. فإذا لم تفتأ ضفة القرويين تتطور وتتعاظم،
فإن الضفة الأخرى، في المقابل، ظلت خاملة عمرانيًا إلى أمد ليس قصيرًا، ببنايات متباعدة، تفصلها مساحات واسعة تحولت إلى عراص
وأراض فلاحية. ومما أخبر به الجغرافي اليعقوبي (ت. بعد 287 ه/ 891 م)، أنه كان على نهر فاس في زمانه "ثلاثة آلاف رحى تطحن [...] وعمارات جليلة". لا شك في أن عدد الرحى المنسوبة إلى عدوة القرويين مبالغ فيه، ووجب أن يؤخذ بحذر، غير أن هذا التوصيف يظل معبرًا.
60 Ibid., p. 238.
61 أبو الحسن علي بن عبد الله بن أبي زرع الفاسي، الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ ملوك فاس (الرباط: دار المنصور للطباعة والوراقة، 1972)،
ص 39. 62 أحمد بن إسحاق اليعقوبي، كتاب البلدان، وضح حواشيه محمد أمين ضناوي (بيروت: دار الكتب العلمية، [د.ت.])، ص 198.
وعلى نحو أقل مبالغة، يلفت الجغرافي البكري (432 - 487 ه/ 1014 - 1094 م) نظرنا إلى أن مدينة فاس كانت تضم آنذاك نحو ثلاثمئة رحى، وعشرين حمامًا عموميًا، ومساحات خضُرًا تمد بغلّت وفيرة.
الأوسي، من خلال مخطوط لسلفه في المهنة، في فترة المنصور الموحدي (580 - 595 ه/ 1184 - 1198 م). وتشير هذه الوثيقة إلى أن مدينة فاس كانت تضم في عهد الموحدين مرافق عمرانية عديدة، وفق ما يبينه الجدول الآتي. الجدول (4) معطيات إحصائية حول المرافق العمرانية بمدينة فاس في فترة المنصور الموحدي
المرافق
| المرافق | العدد |
|---|---|
| الحوانيت | 9082 |
| امأرلقيساريات | 2 |
| الترابيع والأطرزة المعدة للحياكة | 3064 |
| دمار لعمل الصابون | 47 |
| ارملميضآت | 42 |
| األمصريات | 19041 |
| الأرحاء | 472 |
| ديار سك النحاس | 12 |
| ارلديار لعمل الفخار | 188 |
| املكوش لعمل الجير | 135 |
| المساجد | 782 |
| السقايات | 80 |
| دور الدباغة | 116 |
| األحمامات | 73 |
| الأفران | 1170 |
| الدور | 89236 |
| دور عمل الزجاج | 11 |
| الفنادق | 467 |
المصدر: أبو الحسن علي بن عبد الله بن أبي زرع الفاسي، الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ ملوك فاس (الرباط: دار
المنصور للطباعة والوراقة، 1972)، ص 48 - 49.
63 أبو عبيد البكري، كتاب المسالك والممالك، تحقيق وتقديم أدريان فان ليوفن وأندري فيري، ج 2 (تونس: الدار العربية للكتاب؛ المؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق
والدراسات، 1992)، ص 795. 64 ابن أبي زرع الفاسي، ص 48 - 49.
ويُضاف إلى ذلك وثيقة للدولة الموحدية تؤكد النمو العمراني عبر معطيات رقمية. يتعلق الأمر بإحصاء جمعهُ المشرفُ علي بن عمر
العدد
الفنادق 467
مرة أخرى، إذا كانت بعض هذه المعطيات الإحصائية مُضخمة؛ إما بداعي إظهار عظمة المدينة، وإما نتيجةً لأخطاء استنساخ
المعلومات الرقمية، فإنه من المؤكد أنها تعكس طرفًا من الحقائق التاريخية، وتكشف عن حجم المنشآت بفاس وتنوعاتها. إن تحليل المعطيات المتصلة بالقرن الثاني عشر الميلادي قد يسهم في تصور عدد السكان المستغل لهذه المنشآت وحجم التطور الاقتصادي ووتيرته لهذه المدينة التي أنشئت قبل بضعة قرون خلت. فالمستقر الرئيس عند إجالة النظر في هذه المعطيات المصدرية، في ضوء المعطيات الأثرية، هو أن مدينة فاس كانت تضم عدد سكان يناهز 100 ألف نسمة. وفي مرحلة لاحقة، ينقل ليون الإفريقي، في وصف إفريقية، معلومات إحصائية مهمة: 20 ألف عامل في قطاع النسيج، و 20 ألفًا آخرين، مستخدمين في أرحية المدينة الكثيرة. ويُضيف كذلك، أن حيًا واحدًا في المدينة قد يضم 500 كانون/ موقد. ومما جاء كذلك في رسائل الرحالة المستعرب نيقولا كليناردوس Clenardus Nicolas (1493 - 1542 م) أن ساكنة فاس عام 1540 م تقدر ب 40 ألف عائلة؛ أي ما بين 100 و 240 ألف نسمة. الحقيقة أن تحرير القول في مختلف هذه المعطيات والتقديرات، وتدقيقها تاريخيًا وإحصائيًا، لن يتأتيَا إلا باستثمار مختلف
المعطيات المصدرية من كتب التواريخ والأعلام والجغرافيا، واستثمار الخرائط الدقيقة التي تم إنجازها في السنوات الماضية حول الأحياء والمنازل، وتوظيف أنظمة المعلومات لتمحيص الفرضيات واستنبات النتائج.
8. مدن الأندلس
تعتبر أبحاث الإسباني طوريس بالباس من الدراسات المرجعية المهمة وغير المسبوقة حول ديموغرافيا المدن الأندلسية وعمرانها. فبعد انتباهه، خلال خمسينيات القرن الماضي، إلى إغفال الدراسات الديموغرافية الغربية مدن الأندلس، رغم دورها الكبير في تاريخ القارة الأوروبية في القرن العاشر الميلادي، حاول الخوض في هذا المبحث الجديد متحديًا انعدام المعطيات الرقمية الدقيقة. إن كان بالباس قد فطن إلى مسألة تضخيم المعطيات (سواء في المصادر العربية أو المسيحية) - إما احتفاءً بهذه المدن وإما للدعاية
السياسية - فقد احتفى ببعضها لتميز مُحتوياتها؛ إذ إن السجلات المسيحية المُحددة والمُحصية لممتلكات الموريسكيين المطرودين من
المدن الإسلامية، أو ما يسمى Repartimientos (سجلات التوزيع)، لتوزيعها على المسيحيين، بوصفها سجلات ميورقة، وبلنسية ومالقة ومرسية... إلخ، تُشير إلى معطيات دقيقة تخص عدد المنازل وأصنافها ومساحاتها. كما أن المعطيات الأثرية لبقايا الدور الأندلسية في مالقة وغرناطة، سمحت لهذا الباحث بتحديد المعدل المتوسط لمساحة المنازل الأندلسية وحسابه: 172 م 2، ومتوسط عدد العائلة الأندلسية المفترض في 5 أو 6 أفراد. وبالموازاة مع هذه المعلومات، استند بالباس إلى مُعطى مساحة المدن داخل الأسوار باعتبار هذه المدن إنشاءات ضخمة ومستدامة الأثر. وبعد الإحصاءات الرياضية التي أكد بالباس أن خطأها محدود، استطاع تجاوز الافتراضات السابقة غير المدعومة بتحليل كمي، وتقديم مجموعة من النتائج التي أصبحت مرجعًا لكثير من الدراسات الأندلسية التي نقدم بعضها في الجدول التالي.
65 تبقى الإشارة إلى ضرورة دراسة معنى كانون Feux عند ليون الإفريقي، وهل يتخذ المعنى نفسه في فاس والقاهرة وغيرهما.
66 Halima Ferhat, "Fès," in: Garcin, p. 219. 67 Leopoldo Torres Balbás, "Extension y demografia de las Cuidades hispano-musulmanas," Studia‑islamica , no. 3 (1955), p. 41. 68 Ibid., p. 32.
الجدول (5)
أهم استنتاجات طوريس بالباس حول سكان المدن الأندلسية وتوسعها في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين المدينة
عدد السكان
مساحة المدينة
الفترة الزمنية
| المدينة | عدد السكان | مساحة المدينة | الفترة الزمنية |
|---|---|---|---|
| مالقة | 15 - 20 ألفًا | 37 هكتارًا | القرن 11 م |
| غرناطة | 26 ألفًا | 75 هكتارًا | القرن 11 م |
| طليطلة | 37 ألفًا | 106 هكتارات | القرنان 11 و 12 م |
| ميورقة | ---- | 90 هكتارًا | القرنان 11 و 12 م |
| برلنسية | 15 ألفًا | 44 هكتارًا | القرنان 11 و 12 م |
| سرقسطة | 17 ألفًا | 47 هكتارًا | القرنان 11 و 12 م |
سرقسطة
17 ألفًا 47 هكتارًا القرنان 11 و 12 م
المصدر:
Leopoldo Torres Balbás , " Extension y demografia de las Cuidades hispano - musulmanas ," Studia ‑ islamica , no. 3
(1955), pp. 49 - 52.
يَخلص بالباس إلى أن الأندلس، إلى نهاية القرن الحادي عشر الميلادي، عرفت على الأقل سبع مدن (قرطبة، وطليطلة، وألمرية،
وغرناطة، وميورقة، ومالقة، وبلنسية) يمكن تصنيفها في خانة المراكز العمرانية الغنية والعامرة التي يحتل عمرانها داخل الأسوار مساحة
تتجاوز 40 هكتارًا، ويفوق عدد سكانها 15 ألف نسمة. في هذا المنحى تؤكد المصادر القديمة والدراسات الحديثة أهمية مدينة قرطبة التي كانت تُعتبر من أهم مدن العالم في القرن العاشر
الميلادي. ومن المعطيات المهمة التي تجود بها المصادر الوسيطية، إحصاءٌ للدور أمر به الحاجب أبو عامر المنصور في نهاية القرن العاشر
الميلادي. وقد شملت معطيات هذا الإحصاء الذي نقله لنا الجغرافي البكري 213077 من دور العامة، و 60300 من الدور الكبيرة (الخاصة.)
كما ضمت قرطبة 300 حمام عمومي، و 13 مقبرة وما بين 471 و 1600 مسجد بحسب المصادر، بينما يتجاوز عدد أحياء هوامش قرطبة
في القرن العاشر الميلادي عشرين حيًا. وَوفقًا لهذه المعطيات، حدد بعض المؤرخين عدد سكان قرطبة الإسلامية بأنه ما بين 100 ألف و 500
ألف نسمة (بحسب تقديرات بالباس وليفي بروفنصال مثلً). ورغم أن هذه المقاربات (محاولات تحليلية كمية) قد تكون إضافة نوعية لدراسة المجتمعات العربية الإسلامية عبر التاريخ، فإن ثغراتها المنهجية
تكشف حدودها ونسبيتها؛ إذ إن الاستدلال الافتراضي المنطلق، مثلً، من الربط بين مساحة المسجد الأعظم وعدد السكان ليس وجيهًا في كل مرة، ففي
إفريقية كما يؤكد ذلك فوزي محفوظ، كان بناء المساجد غالبًا ما يكون بإرادة رجال السياسية؛ لإعطاء الشرعية وإبراز القوة، وتخليد الاسم. فهي أقرب إلى
الفعل السياسي من التأثير الديموغرافي. كما أن تقدير الضارب الثابت (5 أفراد) مقابل كل مصلٍّ، ونسيان طبيعة الأسر المسلمة الممتدة، والكثافة المرتفعة
للمساكن الجماعية، يبقى مجازفة رقمية غير مؤصلة تاريخية بالنسبة إلى مجتمعات القرون الأولى الهجرية. إن هذه الاعتراضات التي فصل فيها أنطوان عبد النور في دراسة عامة، وفوزي محفوظ عبر نموذج صفاقس ما بين القرنين الثالث والسادس
الهجريين، لتفنيد كثير من المنطلقات الأولية بالنسبة إلى لزين، تبقى وجيهة؛ لا لإلغاء هذه الرؤية المنهجية، بل لتقويتها بمثل هذه الضوابط والتدقيقات.
69 Ibid. 70 Manuel Acién Almansa & Antonio Vallejo Triano, "Cordoue," in: Garcin, p. 121. 71 Ibid.
72 عبد النور، ص 270 - 271.
73 Faouzi Mahfoudh, "Aspects de la démographie de la ville de Sfax au Moyen Âge (IX-XII siècles)," in: La démographie historique en Tunisie et dans le monde arabe, collection Sources (Tunis: Céres productions, 1993), pp. 73 - 82.
من مسالك الضبط كذلك، الإلماع إلى أن دراسات لزين لسكان المدن التونسية تأتي بعد مجموعة أعماله حول المدن الرومانية في
إفريقية. غير أن الفترتين الكلاسيكية والوسيطية مختلفتان على أكثر من صعيد؛ وبناء عليه، من المخالف للصواب استنساخ نماذج مستعارة
واتخاذ المقاربة الإحصائية نفسها لدراسة سكان هاتين المرحلتين. فالمهندس الفرنسي لزين يستند إلى مجموعة منطلقات أولية لا تجد لها تأكيدًا تاريخيًا في العصر الوسيط، فهو ينطلق من مبدأ أن
مدن إفريقية لم تكن تملك في القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي إلا مسجدًا واحدًا لخطبة الجمعة، وأن حضور الساكنة الذكورية
(16 سنة) فما فوق ضروري في يوم الجمعة. وفي هذا الإحصاء الذي يستثني النساء والأطفال، ويعتبر كل مصلٍّ رب عائلة، يظن لزين أنه في
الإمكان تحديد قدرة استيعاب المسجد الأعظم، في مرحلة معيَّنة، إذا ما أخذنا في الاعتبار مساحة 60. 0 × 35. 1 مترًا لكل مصلٍّ؛ فإذا ما حدد
عدد أرباب العائلات، يتم ضرب هذا العدد في المعامل، المعهود استعماله في دراسة مدن البحر الأبيض المتوسط. وإذا كنا لا نستطيع معارضة
لزين في وجود مسجد للخطبة في كل مدينة، فإن مُنطلقاته الأولى الأخرى لا تلقى إجماعًا: طبيعة الحاضرين للجمعة (الجنس والسن)،
وتحديد المعامل نفسه لتحديد عدد العائلات الإفريقية في العصر الوسيط، وهذه مسائل افتراضية لا تستند إلى دراسات تاريخية دقيقة. يبدو كذلك أن المقابر قد تكون أحيانًا وسيلة قياس التحولات الديموغرافية بالنسبة إلى المؤرخ، غير أن طرق الدفن الإسلامية المتميزة
بالبساطة وغياب الأسماء على شواهد القبور أحيانًا، لا تسمح باستخلاصات رقمية مهمة، كما أن وجود عدة مستويات للدفن في المكان الواحد
- كما تبدَّى ذلك للباحث خالد مودود حين دراسته لمقبرة قريش في القيروان (سبع طبقات) - تضيف إشكالً جديدًا ذا طبيعة أركيولوجية. قد لا نُجانب الصواب إذا أكدنا أن ما يزعج في مثل هذه المقاربات هو الربط الميكانيكي بين المنشأة العمومية، من دون مراعاة طبيعتها
ومساحتها ومكانها داخل النسيج العمراني وارتباطها بشبكة المياه، وعدد السكان، وكذا الاعتماد على إحصاءات الحوليات العربية المبالغ فيها،
من دون مناقشة أو تشكيك مستمر، ومن دون بناء نسق نظري يسترشد بسياقات المرحلة المدروسة ليشد من عضد جهازنا التحليلي. إن هذه المقاربات المنهجية التي تضع الباحث ما بين التقديرات الرقمية الأكثر مغامرة، المحددة للسقف الأقصى أو الحد الأدنى
للساكنة الحضرية، وبين النظريات الأكثر كيفية، المتلائمة مع المصادر، والمؤسسة لرؤى تاريخية حول المجتمعات الإسلامية في ارتباطها
بالمعطيات السياسية والاقتصادية وبالنسيج الحضري وبنية السكان وحركاتهم، تبقى إحدى الوسائل المطلوبة لتجاوز النقص الكبير الموجود
في المصادر والحوليات العربية. وإن الحرص على المتابعة النقدية والحذرة لهذه المحاولات لتجنب التبسيط التعسفي يجب أن يوازيه
تأسيس معرفي يربط بين النماذج المستوحاة من التقديرات الرقمية والدراسات السكانية بالتاريخ السياسي، وتاريخ الذهنيات المرتبطة بوتيرة
تجدد الأجيال، وبالأسر والسلوكات الاجتماعية. إن الوصل المفصلي بين الكيفي والكمي وإحداث توازن خلاق بينهما، أمرٌ كفيل بتهيئة إطار ذهني يساهم في إعادة مسرح الظواهر
التاريخية ويساعد على تفسيرها، من دون أن يوقعنا ذلك في أوهام الكمال. لا يكفي أن نقيس الظواهر، أو نُكممها، لنراها، كما أن الأرقام
ليس لها بالضرورة وجاهة بديهية أو قدرة فعالة للكشف دون غيرها. ورغم ذلك، فإن المؤرخ مدعوٌّ إلى مراجعة يقينياته المتصلِّبة تجاه المناهج
الكمية، مع ضرورة الاستفادة من أسس المنطق الضبابي ومناهجه Fuzzylogic، وفقًا لطبيعة الظاهرة الإنسانية والاجتماعية التي
يكتنفها الغموض والتعقيد، والتي يصعب تكميمها والتعبير عنها بقيم محددة وصارمة.
74 Ibid., p. 74.
75 شهيرة شرف، منطق الضبابية والعلوم الإنسانية و لاجتماعية: مقاربة نظرية تطبيقية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016.)
المراجع
العربية
ابن أبي زرع الفاسي، أبو الحسن علي بن عبد الله. الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس. الرباط: دار المنصور للطباعة والوراقة، 1972. ابن الشماع، أبو عبد الله محمد بن أحمد. الأدلة البينة النورانية في مفاخر الدولة الحفصية. تحقيق وتقديم الطاهر بن محمد المعموري. تونس: الدار العربية للكتاب، 1984. ابن خلدون، أبو زيد عبدالرحمن بن محمد. تاريخ العلامة ابن خلدون. ج 6. بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1983.. المقدمة. بيروت: دار القلم، 1986. البكري، أبو عبيد. كتاب المسالك والممالك. تحقيق وتقديم أدريان فان ليوفن وأندري فيري. 2 ج. تونس: الدار العربية للكتاب؛ المؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدراسات، 1992. جدلة، إبراهيم. السكان الحضر بإفريقية من القرن 13 إلى القرن 16. سلسلة الديموغرافيا التاريخية في تونس. تونس: دار سراس للنشر، 1993. الدولاتلي، عبد العزيز. مدينة تونس في العهد الحفصي. تعريب محمد الشابي وعبد العزيز الدولاتلي. تونس: دار سراس للنشر، 1981. الرايس، عبد الأحد. "حركة السكان بفاس خلال عصر المرابطين والموحدين: حركة الوافدين مثالً ". مجلة كنانيش. العدد 4 (صيف – خريف 2002.) شرف، شهيرة. منطق الضبابية والعلوم الإنسانية و لاجتماعية (مقاربة نظرية تطبيقية). الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016. عبد النور، أنطوان. "السكان وديمغرافية المدينة، مدن بلاد الشام في العصر العثماني". ترجمة ماري فرانس جنابزي. الفكر العربي. العدد 29 (1982.) اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب. كتاب البلدان. وضح حواشيه محمد أمين ضناوي. بيروت: دار الكتب العلمية، [د. ت.]
الأجنبية
• Balbás, Leopoldo Torres. "Extension y demografia de las ciudades hispano-musulmanas." Studia‑islamica.
• Barkan, Ömer Lutfi. "Essai sur les données statistiques des registres de recensement dans l’Empire Ottoman au XVe et XVIe siècles." Journal of the Economic and Social History of the Orient. vol. 1. no. 1 (August 1957). • Boucheron, Patrick (dir.). Histoire du monde au XVe siècle. Temps et devenirs du monde. Paris: Édition pluriel, 2012. • Braudel, Fernand. Civilisation matérielle, économie et capitalisme, XVe-XVIIIe siècle.Les Structures du quotidien:
no. 3 (1955).
Le Possible et l’impossible. Paris: Armand Colin, 1979.
• Caselli, Graziella, Jacques Vallin & Guillaume Wunsch (dir.). Démographie: Analyse et synthèse. L’Histoire du peuplement et prévision. Paris: Edition de l’INED, 2004. • Chaunu, Pierre. Histoire quantitative, histoire sérielle. Paris: Editions Armand Colin, 1978. • Collectif. La Démographie historique en Tunisie et dans le monde arabe. Collection Sources. Tunis: Cérès Productions, 1991. • Delacroix, Christian et al. (dir.). Historiographies: Concepts et débats. Paris: Gallimard, 2010. • Encyclopédie de l’Islam. 2 ème éd. Leyde; Paris: Maisonneuve & Larose, 1960. • Garcin, Jean-Claude (dir.). Grandes villes méditerranéennes du monde musulman médiéval. Collection EFR no. 269. Rome: L’Ecole française de Rome, 2000. • Guichard, Pierre. Structures sociales "orientales" et "occidentales" dans l’Espagne musulmane. Paris: Éditions Mouton, 1977. • Guillebaud, Jean-Claude. Le Principe d’humanité. Paris: Seuil, 2001. • Hodgson, Marshall. The Venture of Islam: Conscience and History in a World Civilization. vol. 2: The Expansion of Islam in the Middle Periods. Chicago: The University of Chicago Press, 1974. • La démographie historique en Tunisie et dans le monde arabe, collection Sources. Tunis: Céres productions,
• Labrousse, Ernest. Esquisse du mouvement des prix et des revenus en France au 18 e siècle. Coll. Réimpression. Paris/ Montreux: Éditions des Archives contemporaines, 1984. • Lassner, Jacob. The Topography of Baghdad in The Early Middle Ages. Detroit: Wayne State University, 1970. • Lepetit, Bernard. "L’Histoire quantitative: Deux ou trois choses que je sais d’elle." Histoire & Mesure. vol. 4 , no. 3 (Janvier 1989). • Lombard, Maurice. Espaces et réseaux du haut Moyen Age. Paris: Éditions Mouton, 1972. • Marczewski, Jean. Introduction à l’histoire quantitative. Genève: Droz, 1965. • Miquel, André. L’Islam et sa civilisation. Coll. "Destins du monde". Paris: A. Colin, 1968. • Pellat, Charles. "Peut-on connaître le taux de natalité au temps du Prophète? A la recherche d’une méthode." Journal of the Economic and Social History of the Orient. vol. 14 , no. 2 (August 1971). • ________. "Quelques chiffres sur la vie moyenne d’une catégorie de musulmans," in: Mémorial Alfred Bel. Leyde: Brill, 1974. • Pirenne, Henri. Mahomet et Charlemagne. Paris: PUF, 1970. • Raymond, André. "Les Bains publics au Caire à la fin du XVIIIe siècle." Annales Islamologiques. no. 8 (1969). • ________. "Signes urbains et études de la population des grandes villes arabes à l’époque ottomane." Bulletin d’études orientales. vol. 27 (1974). • ________. "La Population du Caire, de Maqrizi à la description de l’Egypte." Bulletin d’études orientales. vol. 28 (1975).
• Russel, J.C. Late Ancient and Medieval Population. Transactions of the American Philosophical Society, New Series, vol. XLVIII, part 3. Philadelphia: The American Philosophical Society, 1958. • Simiand, François. Statistique et expérience: Remarques de méthode. Paris: Éditions M. Rivière, 1922. • ________. "Méthode historique et science sociale." Annales. Economies, société, civilisations. vol. 15 , no. 1
• Sourdel, Dominique. "Esquisse topographique d’Alep intra-muros à l’époque ayyoubide." Annales Archéologiques de Syrie. vol. 2 (1952). • Talbi, Mohamed. "L’Effondrement démographique au Maghreb du XIe au XVe siècle." Cahiers de Tunisie. vol. 25 , no. 97 - 98 (1 e- 2 e trim. 1977). • Volney,Constantin-François de Chasseboeuf. Voyage en Syrie et en Egypte, pendant les années 1783 , 1784 et 1785. Paris: Mouton & Co. 1959. • Zacour, Norman P. & Harry W. Hazard (eds.). A history of the Crusades. vol. 5: The Impact of the Crusades on the Near East. Madison: University of Wisconsin Press, 1985.