العودة إلى تفاصيل المؤلَّف التنوع الديني والطائفي في الفترة الإسلامية المبكرة من خلال كتاب

التنوع الديني والطائفي في الفترة الإسلامية المبكرة من خلال كتاب

Religious and sectarian diversity in the early Islamic period: A study of Dirar b. ‘Amr al-Ghatafani’s (d.c. 200AH / 815 AD) Kitab at-Tahrish

عبد الرحمن حللي*Abdulrahman

Helli

الملخّص

يتناول هذا البحث بالدرس والتحليل كتاب التحريش لضرار بن عمرو الغطفاني (ت. نحو 200هـ/ 815م)، ويبرز من خلاله التنوع الديني والطائفي والاختلافات بين المسلمين في القرن الثاني الهجري. كما يدرس أسلوب المؤلف في عرضه الاختلافات في عصره، ويحلل موقفه منها. ويسلط الضوء على الجوانب التي يمكن أن يقدمها توافر هذا الكتاب الذي كان مفقودًا في مراجعة قضايا عدة في مختلف العلوم الإسلامية. ويحلل طريقة المؤلف في تقييم الاختلافات في عصره، ومحاولته إيجاد معيار للدليل يضبط الاختلاف بين الفرق. ويخلص البحث إلى أن كتاب التحريش يحكي حقائق تاريخية لمّا يدركها كثير من المسلمين اليوم، وهم أحوج إلى معرفتها وتمثلها لحاضرهم، من أهمها أن الصورة المثالية عن رؤية واحدة للإسلام في الفترة المبكرة تحديدًا لا وجود لها، وأن الاختلاف الذي كان وسيبقى، له مبرراته العلمية، كما له أسباب خارجية ترجع إلى بعض علماء الدين الذين يوظفون الدين لمصالح شخصية ذات صلة بالمال والسلطة.

Abstract

This article is a study and analysis of Dirar b. ‘Amr’s Kitab at-Tahrish demonstrating the religious and sectarian diversity of, as well as differences among, the Muslims of the second century AH. The article examines the author’s method in presenting the disagreements of his age and analyzes his position on these disagreements. It also sheds light on the topics covered by this book – which was lost – covering various issues in various fields of the Islamic sciences. It also presents an analysis of how the author evaluated the disagreements of his age and his attempt to establish a yardstick by which to evaluate differences between sects. The article concludes that Kitab at-Tahrish narrates historical truths most of today’s Muslims are oblivious to, awareness and revitalization of which is urgently necessary in their present-day lives. The most important of these truths are that the perception of a harmonized unified Muslim vision in the early centuries has no foundation in fact, and that differences have existed and will always exist for both intellectual reasons and external reasons attributable to the exploitation of religion by some religious scholars for their own personal gain, for the acquisition of wealth, authority and prestige.

الكلمات المفتاحية:
  • التحريش
  • ضرار بن عمرو
  • الفرق الإسلامية
  • المعتزلة
  • القرن الثاني الهجري
Keywords:
  • at,Tahrish
  • Dirar b. ‘Amr
  • Muslim sects
  • Mu'tazilah
  • difference
  • second century AH

تمهيد1

يُعَدُّ القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي من أغنى الفترات الزمنية في التاريخ الإسلامي من حيث التنوع الديني والطائفي والفكري، وكثرة الاختلاف بين المسلمين. يمكن إدراك هذه الحقيقة من خلال تتبع المصادر التاريخية، لا سيما تلك التي تؤرخ للملل والنحل والفرق، وما وصلنا من مصنفات القرن الثاني الهجري نفسه أهم شاهد على ذلك التنوع والاختلاف، حتى إن سيولة الاختلاف تلك أدت إلى نشوء اتجاه في كل علم يعنى بوضع معايير يمكن من خلالها ضبط الاختلاف في العلم نفسه وتقعيد أصوله. فكتاب الرسالة للشافعي (ت. 205 ه/  820 م) أُلِّف في سياق البحث عن ضوابط ومعايير للاختلاف بين أهل الرأي وأهل الحديث، والكتابلسيبويه (ت. 180 ه/  796 م) صُنِّف أيضًا للضبط النحوي، والعينللخليل بن أحمد (ت. 170 ه/  786 م) للضبط اللغوي. ومضت فترة طويلة لم يعثر فيها على كتاب يرجع إلى القرن الثاني الهجري يرسم صورة واضحة للاتجاهات العقدية والكلامية في تلك الفترة، ويرجع ذلك إلى اندثار كثير من كتب تلك المرحلة، لا سيما كتب المعتزلة، ويأتي العثور حديثًا2 على مخطوط كتابالتحريشلضرار بن عمرو الغطفاني، ليقدم إضافة نوعية إلى المصادر التي ترجع إلى القرن الثاني الهجري، وإلى مصادر الفرق والملل والنحل تحديدًا، حيث تضمن أسماء الفرق والاتجاهات والأفكار والمصطلحات التي كانت سائدة آنذاك. ويمكن القول من خلال تحليل الكتاب إن هاجس ضبط الاختلاف كان حاضرًا وصريحًا لدى المؤلف، وإن لم يكن هو موضوع الكتاب الأساسي، لكنه غير خاف في طريقة عرضه الاختلاف وأسبابه، وما انتهى إليه في آخر الكتاب. لذا يمكن قراءته في سياق كتب الشافعي (الأصولي) وسيبويه (النحوي) والخليل (اللغوي)؛ فضرار (المتكلم) حرص في كتابه على وصف سيولة الاختلاف الديني وأسبابه، وتقرير ما يضبط الدليل الذي يمكن أن يكون مرجعًا بين المختلفين، وما يحتمله من الاختلاف، أو ما يرجع إلى أسباب أخرى تتعلق بالمختلفين. ويمكن أن يتضح هذا الوصف من خلال المحاور التي سندرس من خلالها الكتاب.

أولً: ضرار بن عمرو الغطفاين وكتابه التحريش

1. ضرار بن عمرو الغطفاني

نشأ الغطفاني في الكوفة وغادرها في سبعينيات القرن الثاني الهجري إلى بغداد، وقد اختُلف في تأريخ وفاته بين 193 ه و 230 ه، وكان من المعتزلة، ومن تلاميذ واصل بن عطاء ثم خالفهم وانفرد بآرائه، حتى رفض المعتزلة تصنيفه واحدًا منهم، لكنه ظل متمسكًا ببعض آراء المعتزلة كالمنزلة بين المنزلتين3. لذا ظلت كتب التراجم والفرق تنسبه إلى المعتزلة مع الإشارة إلى مخالفته لهم، فيذكره ابن النديم (ت. 380 ه/ 990 م) في الفهرستفي فصل عنوانه: "ذكر قوم من المعتزلة أبدعوا وتفردوا "4، وذكر من كتبه التحريش والإغراء، وهو الكتاب موضوع هذا المقال، وسرد له عشرات من الكتب التي صنفها، ومعظمها في الجدل والردود على الأديان والفرق والأفكار التي كانت منتشرة في عصره، كما نسب له كتبًا في "تأويل القرآن"، و"تناقض الحديث"، و"اختلاف الناس وإثبات الحجة". لكنّ مطالعة نقده الواسع للاتجاهات التي كانت في عصره، وتبنيه أفكارًا من تصورات اتجاهات مختلفة، تعزز القول بتفرده، وهو ما أكده أبو القاسم البلخي (ت. 319 ه/  931 م) فنفى

  1. تم نشر هذا المقال في سياق مشروع البحث العلمي LOEWE الممول من وزارة العلوم والفنون بولاية هيسن الألمانية، وذلك ضمن محور: "تحديد المواقع الدينية: الأنماط والجماعات في السياقات اليهودية والمسيحية والإسلامية"، في جامعة غوته - فرانكفورت، وجامعة يوستوس ليبيش - غيسن. This article has been published within the framework of the Hessian Ministry for Science and Art funded LOEWE research hub "Religious Positioning: Modalities and Constellations in Jewish, Christian and Muslim Contexts" at the Goethe University Frankfurt / Justus-Liebig- University Giessen"
  2. عثر على كتابالتحريشلضرار بن عمرو عام 2008 تقريبًا، ضمن المخطوطات الموجودة بجامع بلدة شهارة غرب صنعاء، وهي المخطوطة الوحيدة الباقية للكتاب، ويعود تاريخ نسخها إلى عام 540 ه، وهي جزء من مجموع يشتمل أيضًا على كتاب المقالاتلأبي هاشم الجبائي (ت. 303 ه/  916 م.)
  3. نسب إليه ابن النديم كتابًا بالعنوان نفسه "المنزلة بين المنزلتين."
  4. انظر: أبو الفرج محمد بن إسحاق بن النديم، الفهرست، تحقيق أيمن فؤاد سيد (لندن: مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، 2009)، ص 596  -  598.

عنه صفة الاعتزال أو قبول المعتزلة له5، ووصف أتباعه بالضرارية6، وهو ما فعله أيضًا أبو الحسن الأشعري (ت. 324 ه/ 936 م)، والذي عد الضرارية واحدة من عشر هي أمهات الفرق الإسلامية7، وبدأ التعريف بهم بذكر ما فارق به الغطفاني المعتزلة8. وكما يشير رضوان السيد9، فإن شأن الغطفاني مثل شأن سائر المتكلمين الأوائل، ضاعت كتبهم وكتبه، إلى حدود القرن الرابع الهجري، إلا أننا نعرف مجمل آراء الغطفاني ومعتزلة الأجيال الثلاثة الأولى بعد واصل بن عطاء، من تواريخ علم الكلام مثل طبقات المعتزلة للكعبي وكتب القاضي عبد الجبار، ومقالات الإسلاميينللأشعري، والملل والنحل للشهرستاني. وثمة شواهد تؤكد صحة نسبة الكتاب إليه، من خلال الإشارة إلى كتابه في مصنفات المتقدمين، وتطابق بعض الآراء المنسوبة إليه مع ما ورد في الكتاب، بل هناك شبه اقتباسات تظهر فيمقالات الإسلاميين، وفيالملل والنحلمنسوبة إلى الغطفاني. وكان للمستشرق الألماني جوزيف فان إس السبق في إبراز أهمية الغطفاني في تطور الكلام المبكر، وذلك منذ أواخر ستينيات القرن الماضي في مقالات كتبها عنه، كما درس آراءه في موسوعته: "علم الكلام والمجتمع في القرنين الثاني والثالث للهجرة"10، وقد أثار اكتشاف كتاب التحريش11 الاهتمام بالغطفاني مجددًا، فترجم الكتاب إلى التركية المحققان للنسخة العربية12، ونشر عنه المستشرق الألماني جوزيف فان إس ثلاثة مقالات13، إضافة إلى ما كتبه رضوان السيد الذي وعد بتحقيقه14، وحسن أنصاري الذي عني بكتاب المقالاتللجبائي المكتشف مع المجموع المخطوط الذي فيه كتابالتحريش15، وآخرون16.

  1. أبو القاسم الكعبي البلخي، "باب ذكر المعتزلة من 'مقالات الإسلاميين'"، في: أبو القاسم البلخي والقاضي عبد الجبار والحاكم الجشمي، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، تحقيق فؤاد سيد (تونس: الدار التونسية للنشر، 1974)، ص 75.
  2. انظر: ضرار بن عمرو الغطفاني، التحريش، تحقيق حسين خانصو ومحمد كسكين (إسطنبول: دار الإرشاد؛ بيروت: دار ابن حزم، 2014)، الهامش 2، ص 8، نقلً عن: أبي إسحاق البلخي، كتاب المقالات [مخطوط]، مخطوطة في مكتبة الدكتور راجح عبد الحميد الكردي بالجامعة الأردنية، ورقة 37.
  3. أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، مج 1، تحقيق نعيم زرزور (بيروت: المكتبة العصرية، 2005)، ص 25.
  4. المرجع نفسه، ص 220.
  5. انظر: رضوان السيد، "المعتزلة وتأثيراتهم في اللاهوت اليهودي"!، الحياة، 23 / 8 / 2008، شوهد في 4 / 4 / 2019، في: https://bit.ly/2FZ6L16
  6. Josef van Ess, Theologie und Gesellschaft im 2. und 3. Jahrhundert Hidschra: Eine Geschichte des religiösen Denkens im frühen Islam , 3 rd ed. (Berlin/ New York: Walter de Gruyter, 1992), pp. 32  -  63.
  7. ضرار بن عمرو الغطفاني، التحريش، تحقيق حسين خانصو ومحمد كسكين (إسطنبول: دار الإرشاد؛ بيروت: دار ابن حزم، 2014)، ص 153.
  8. Hüseyin Hansu & Mehmet Keskin, Kitâbu’t-Tahrîş: İlk Dönem Siyasî ve İtikâdî İhtilâflarında Hadîs Kullanımı (Istanbul: Litera Yayınları, 2014).
  9. Josef van Ess, Kleine Schriften , Hinrich Biesterfeldt (ed.), Series: Islamic History and Civilization, vol. 137 , 3 rd ed. (Leiden: Brill, 2018); Josef van Ess, "Das K. at-Taḥrīš des Ḍirār b. ʿAmr: Einige Bemerkungen zu Ort und Anlaß seiner Abfassung," in: Ess, Kleine Schriften , pp. 2461 - 2500 ; Hinrich Biesterfeldt, "Schicksal und selbstbestimmtes Handeln aus der Sicht von Ḍirār b. ʿchicksal at-Taḥrīš," in: Ess, Kleine Schriften , pp. 2501 - 2533 ; Josef van Ess, "Das Bild der Ḫāriǧiten im K. at-Taḥrīš des Ḍirār b.ʿAmr," in: Ess, Kleine Schriften , pp. 2534  -  2601.
  10. انظر: السيد، وقد أشار في هذا المقال وفي غيره إلى أنه يعمل على إصدار نسخة محققة من كتاب التحريش، وأشار في موقعه على الإنترنت إلى أنه سيصدرها عام 2011، لكن لم أعلم أنه أصدرها حتى تاريخه.
  11. نقل حسن أنصاري عن كاتب مجهول كتب على المخطوط نقلً عن أبي علي الجبائي في كتابهالمقالاتنسبة كتابالتحريش إلى ضرار بن عمرو، وقوله عنه "وكان وضع - یعني ضرارًا - في تلك الأيام كتاب التحریش وكان ضرار كوفيًا ناصبيًا في كلام طويل ذكر فيه أنه تاب علي يدي علي الأسواري"، انظر: حسن أنصاري، "أبو علي الجبائي وكتاب المقالات"، بررسى تاريخى، شوهد في 4 / 4 / 2019، في:.https://bit.ly/2TSAtca وله عن كتاب التحريش بالفارسية "درباره كتاب التحريش ضرار بن عمرو"، بررسى تاريخى، شوهد في 4 / 4 / 2019، في: https://bit.ly/2K4QwE9؛ Hassan Ansari, "Kitābi Kalāmi az Ḍirār b. ʿAmr," Kitāb-i Māh-i Dīn 89  -  90 (1383 - 4 / 2004 - 5), pp. 4  -  13. ونشُر له عن كتابالمقالاتوصلة مخطوطه بمخطوط التحريش بالفرنسية: Hassan Ansari, "Abū ʿAlī al-Jubbāʾī et son livre al-Maqālāt," in: Camilla Adang, Sabine Schmidtke & David Sklare (eds.), A Common Rationality: Muʿtazilism in Islam and Judaism , (Wurzburg: Ergon Verlag Wurzburg in Kommission, 2016), pp. 21  -  37.
  12. Sean Anthony (rev.), "W., Kitāb al-Taḥrīsh. By Ḍirār ibn ʿAmr al-Ghaṭafānī," Journal of Near Eastern Studies, vol. 76 , no. 1 (April 2017), pp. 199 - 203 ; Mehmetcan Akpınar, "Kharijism in Kufa: Accounts on Abu Bakr and ʿ Ac according to Dirar b. ʿAmr’s (d. ca. 200 / 815) Kitab al- Tahrish," paper presented at the XXXIII, Deutscher Orientalistentag, Jena, 18 - 22 / 9 / 2017 ; رامي محمود، "قراءة في كتاب التحريش لضرار بن عمرو الغطفاني (200 ه/  815 م")، Dergisi Fakültesi İlahiyat Üniversitesi İstanbul، العدد 35 (2016)، ص 281  -  292.

ومن أهم مقولات الغطفاني التي تفرد بها: مصطلح "الكسب" الذي تبناه الأشعري لاحقًا، والقول بالماهية الخفية لله والتي يدركها الإنسان بحاسة سادسة في الآخرة17، وتعدُّ شخصيته حاضرة بقوة في تاريخ نقد الأديان18(والجدل في قضايا تتصل بالفلسفة والإنسان19.

2. كتاب التحريش: العنوان والأسلوب والأهمية

يعدّ كتاب التحريشأقدم مخطوطة وصلتنا لها علاقة بأوائل المعتزلة، وأقدم كتاب يتناول الفِرَق والملل والاختلاف في القرن الثاني الهجري، يعرض المؤلف فيه آراء سائر الفرق الكلامية في زمانه بالكوفة وما حولها، وبطريقة فريدة تعتمد أسلوبًا أدبيًا فيه خيال ومجاز ورمزية، ويظهر البعد الأدبي من عنوان الكتاب، فسماه التحريش، والتَّحْرِيشِ بَيَْ النَّاسِ إِغْرَاءُ بَعْضهِمْ بِبَعْضٍ، والإِفْسَاد بَيْنَهُمْ. وحرَّش بين المتقاتلين أفسد وأغرى بعضَهم ببعض، وهيَّجهم على بعض، ويستعمل في تهييج الحيوانات على بعضها20، وهو منهي عنه في الإسلام لورود أثر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التحريش بين البهائم21، وهو تهييج بعضها على بعض للعب والفرجة، وقد أشار الغطفاني في كتابه إلى هذا الحديث22؛ مما يعني أنه استخدم هذه الكلمة في العنوان على سبيل النقد، لأن تأليب الفرق بعضها على بعض ظاهرة سلبية، وعلى سبيل السخرية، باتهامه من يحرض الفرق بعضها على بعض بأنه يعامل الناس كالبهائم. ويعدُّ كتاب التحريشنصًا عربيًا نادرًا في هذه الفترة المبكرة من حيث استخدامه أسلوب الخيال الأدبي في موضوع لاهوتي، وإن كان سبقه ابن المقفع (ت. 142 ه/  759 م) في كليلة ودمنة لكن في موضوع آخر، وكان عملً مترجمًا23. فيتحدث الغطفاني في كتابه على لسان شخصية رمزية أطلق عليها "الفقيه"، ولئن كانت كلمة "فقيه" مجازية ومطلقة فإن تخمين من هو المقصود من خلال السياق ليس أمرًا عسيرًا24، ويمثل الفقيه هنا مرجعًا يحتكم إليه أهل الفرق جميعًا، في سائر المسائل، وتسميته بالفقيه لا تعني أنه المختص بمجال الفقه والفروع، وإنما للفقيه هنا معنى أوسع يحيل إلى العالم بشؤون الدين عمومًا، وهذه الوظيفة التي يبرزها الكتاب للفقيه تجعل من الضروري إعادة النظر في دلالة اصطلاح الفقيه في تلك المرحلة ومقارنته بمصطلحات أخرى شبيهة. يدور الكتاب على الفقيه الذي يأتيه جماعة يسألونه في قضية ما أو عن فرقة من الفرق فيوافقهم على ما يرونه، ويستشهد لهم بسيل من الآثار عن النبي والصحابة والتابعين، والتي تدعم وجهة نظرهم، ثم يأتيه آخرون مخالفون لهم، ويقولون له: كيف توافق على هذا؟ فيقول لهم الفقيه: لقد كذبوا على لساني، بل إن الصحيح كذا وكذا، ثم يعود فيورد عشرات الأحاديث والآثار التي تدعم وجهة النظر الثانية. ثم تأتي إليه جماعة ثالثة في قضية أخرى، ثم نقيضهم، ويدلل لكل منهم على مرادهم بالطريقة نفسها... إلخ. وقد فعل ذلك على طول الكتاب في عشرات المسائل، أكثرها من مسائل علم الكلام المتداولة بين الفرق في القرن الثاني الهجري، وبينها بعض المسائل الفقهية، ويستشهد أحيانًا بالآيات القرآنية، وقلما يعلق الغطفاني على ما يورده باسم الفقيه، لكن طريقة عرضه توحي في مواضع كثيرة بما يميل إليه الغطفاني أو يتبناه، فنراه لا يعقب على الفقيه بل يحشد الأدلة التي تؤيد الفكرة التي يتبناها، وفي بعض المواضع يعقّب،

  1. الأشعري، ص 221؛ وكذلك: 47 , 45. pp , Theologie , Ess.
  2. David Thomas et al., (eds.), Christian-Muslim Relations: A Bibliographical History , vol. 1 (600 - 900) (Leiden; Boston: Brill, 2009), pp.
  3. Cornelia Schöck, "Jahm b. Ṣafwān (d. 128 / 745 – 6) and the ‘Jahmiyya’ and Ḍirār b. ʿb. (d. 200 / 815)," Sabrine Schmidtje (ed.), The Oxford Handbook of Islamic Theology (New York: Oxford University, 2016), pp. 55  -  86.
  4. محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب، ج 6، ط 3 (بيروت: دار صادر، 1993)، ص 279  -  280.
  5. أخرجه سليمان بن الأشعث أبو داود فيالسنن، تحقيق شعيب الأرناؤوط ومحمد كامل قره بللي، ج 4 (دمشق: دار الرسالة العالمية، 2009)، ص 209، رقم 2562.
  6. الغطفاني، ص 41.
  7. Hinrich Biesterfeldt, "Das k. at-Taḥrīš des Dirār b. ʿAmr," in: Ess, Kleine Schriften , p. 2473.
  8. Ibid., pp. 2478  -  2479.

بعنف وسخرية، على الفقيه وما يورده من شواهد، فيقول عن الفقيه في بداية بيان دوره في الاختلاف بين المسلمين "ثم حرَّش وهو عريان غير مستتر"25، واصفًا فعله بأنه مخالفة فاضحة لحديث النهي عن التحريش بين البهائم، وأنه لِعوَار ما يبرر به لم يعد خافيًا على أحد، ويصف مواقفه في موضع آخر مفترضًا فيه سوء النية ورقة الدين بقوله "فلم ينج منه ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا قال فيه بالبهتان وقذفه بالعظيم جرأة على الله وإرادة هدم دينه"26، ويستهزئ به في مواطن أخرى، عندما يمثل دور أهل السنة والجماعة، بتصويره عبدًا للمال وتابعًا للملوك، "وقال الملك: يا غلام أعط الفقيه ألف دينار فإنه صاحب سنة وجماعة وإنه بلغني أن عليه دينًا"27، وفي سياق آخر "قال له الملك: فرجت عني أنت من أهل السنة والجماعة، وقد بلغني أن عليك دينًا، يا غلام أعطه خمسة آلاف دينار يستعين بها على دينه ومئة ثوب من الخاصة يكسوها عياله، وولَّه قضاء مِصرٍ من الأمصار من أفضلها "28، ويعقب متهمًا على ما أورده الفقيه من آثار في فضائل البلدان بقوله "فلم يبْق للحرمين شيء"29، ويدعو عليه ذامًّا ومكذبًا ما يرويه من أحاديث تُشَبِّه الله بالإنسان "وقال [أي الفقيه] لعنه الله: إن الله نظر في الماء وخلق آدم على صورة نفسه.]...] وقال [أي الفقيه] لعنه الله: إن الله ينزل يوم عرفة"30. إن هذه المواضع القليلة التي يكشف فيها الغطفاني عن رأيه الصريح في بعض المسائل، ومواطن أخرى يستشف فيها رأيه، تكشف عن حدة في مواقفه من بعض المسائل، ولين في مسائل أخرى، تطرق إليها في سياق عرضه الاختلافات في عصره، وهي موضوع كتاب التحريشالأساسي، ومحل أهميته؛ إذ يقدم أقدم خريطة تفصيلية واسعة لسائر الفرق الإسلامية بالكوفة، منتصف القرن الثاني الهجري تقريبًا، لكن المسائل المثارة في الكتاب، كما أشار رضوان السيد31، كانت موضوع جدل في تلك الفترة في الكوفة وغيرها من المدن الإسلامية. فهو أقدم كتاب يظهر فيه مصطلح "السنة والجماعة"، وكذلك أسماء الفرق الإسلامية، فالشيعة يسميهم دائمًا الشِّيَع، ويفرق بينهم وبين الروافض، ومن الف رق التي تكرر ذكرها بوضوح الجهمية والمعتزلة والإباضية والمرجئة، إضافة إلى آخرين عرَّف بهم من خلال آرائهم. ولم ينسب المؤلف نفسه إلى أي من الفرق، وسجل نقدًا تجاه آراء جميع الفرق تقريبًا. وكما يظهر من الكتاب لم يكن الغطفاني واضحًا في موقفه من الحديث النبوي؛ فتضمن كتابه بعض الأحاديث التي اتهم رواتها بالوضع والكذب استنادًا إلى محتواها، وهي عند الآخرين من الأحاديث الصحيحة، وثمة أحاديث أخرى تصنف، بمعايير المحدثين لاحقًا، من الحديث الموضوع أوردها على لسان الفقيه تبريرًا لآراء السائل ولم يعقب عليها، كما كان يستشهد ببعض الأحاديث مباشرة، كحديث النهي عن التحريش وأحاديث أخرى تتعلق بالاختلاف، وسيشترط لاحقًا قبول الجماعة للخبر حتى يكون حجة، ونُس ب إليه كتاب في "تناقض الحديث"، فيبدو من خلال الكتاب أن الغطفاني لم يكن رافضًا للحديث أو حجيته32، إنما يرى أن ثمة شروطًا للأخبار حتى يحتج بها. وأرجع فان إس إظهار الغطفاني التناقضات في الأحاديث إلى أنه يريد إعطاء القرآن الأولوية33، فكان يكثر الاستشهاد بالقرآن في بعض الأماكن، لا سيما في القضايا التي يتبناها.

  1. الغطفاني، ص 41.
  2. المرجع نفسه، ص 101.
  3. المرجع نفسه، ص 104.
  4. المرجع نفسه، ص 130.
  5. المرجع نفسه، ص 120.
  6. المرجع نفسه، ص 136.
  7. السيد.
  8. عن موقفه من الحديث، انظر: محمود. وقد أحصى في كتاب التحريشما يقرب من 311 حديثًا غالبها لبيان سوء استعمالها، وانظر أيضًا: محمد أنس سرميني، "تأملات في كتاب التحريش لمؤلفه ضرار بن عمرو الغطفاني"، 6 / 9 / 2017، شوهد في 4 / 4 / 2019، في: https://bit.ly/2UsAKGR وتجدر الملاحظة أن تحقيق الكتاب تضمن أخطاء في تخريج الأحاديث، فضلً عن أخطاء في ضبط الألفاظ وتدقيقها اللغوي.
  9. Biesterfeldt, pp. 2464  -  2465.

ثانيًا: الأديان من خال كتاب التحريش

لا يهدف الغطفاني في كتابالتحريشإلى الحديث عن الأديان في عصره، وإنما كان يقصد الحديث عن الاختلاف داخل الإسلام، لكن سياق الحديث أدى به إلى التطرق إلى المسيحية بما يعكس التصور عن فرقهم في عصره، وإلى أصناف المشركين بما يعكس أصنافهم الموجودة تاريخيًا. فحديثه عن المسيحية كان من حيث اختلافها وأسبابه34، وكان يقصد به الإشارة إلى مقارنة ما حدث في الإسلام بما حدث في المسيحية، فيؤرخ لحظة الانقسام والاختلاف بأنها ترجع إلى ما بعد عيسى بن مريم عليه السلام، ويعزو سببه إلى أثر رجال الدين (الأحبار والرهبان)، ويربط بين أسماء هذه الفرق ووصف القرآن العقائد المسيحية التي انقسمت بشأن المسيح وأمه مريم، وهذه الفرق هي: الملكانية: يقولون ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثلَاثَةٍ﴾ (المائدة: 73.) اليعقوبيون: يقولون ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيمَ﴾ (المائدة: 72.) النسطورية: يقولون ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ (التوبة: 30.) اليهود: يقولون "مريم كانت بغيًّا" ﴿وَبِكُفْرهِمْ وقَوْلهِمْ علَ مَرْيمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 156 ")، وكان عيسى لغير رشده فتعلم السحر والكهانة وكان ساحرًا كاهنًا." المؤمنون: وهم قلة منهم يؤمنون أن عيسى بشر وأمه صديقة طاهرة، ﴿ولَوْ أنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لكفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيّئَاتهِمْ ولَدْخَلْنَاهُمْ جنَّاتِ النَّعِيم ﴾ِ)المائدة: 65.) ولم يربط الغطفاني بين هذه العقائد التي أشار إليها القرآن وتسميته لأصحابها وبين الطوائف المسيحية في عصره، وكأنه كان يستعرضها فقط للمقارنة والاستشهاد في تفسير ظاهرة الانقسام الديني. وهو يحكي هذه الانقسامات على أنها موضوع أثر يروى عن ابن عباس، فيتابع في ذلك فكرة معروفة قبله عن هذه الانقسامات وأسماء أصحابها، كما سبقه إلى ذكرها، كما يشير فان إس35، المؤرخ سيف بن عمر التميمي (ت. 200 ه/  815 م)، وفي سياق غير مباشر وفي الحوار مع الفقيه يشير إلى عقيدة للنصارى في الجنة، وأنهم يرون أنه ليس فيها طعام ولا شراب36. إضافة إلى تصنيف اختلافات أهل الكتاب، يُعدِّد الغطفاني أصناف المشركين على لسان من يسأل الفقيه عن النفاق37، وأن المنافق "مقموع يكتم نفاقه" مقارنة بالمشركين الذين يعدد أصنافهم من حيث علاقتهم بالمسلمين سلمًا وحربًا38، مبرزًا من خلال هذه الأصناف أنهم ليسوا مضطرين إلى النفاق؛ فالصنف الأول "بعضهم يعطي الجزية عن يد وهم صاغرون"، وهم المُتَغلَّب عليهم أو المسالمون، وذِكْر معلومة تاريخية عن هذا الصنف يقدم إضافة مهمة تدعم الرأي الفقهي الذي يقول إن المشركين مثل أهل الكتاب من حيث إمكان قبول الجزية منهم، وهم قلة من المذاهب الفقهية كالمالكية، ويُستبعد أن يقصد بالمشركين هنا أهل الكتاب، وإن كان المتقدمون يشملونهم بإطلاق لفظ "المشركين" ثم يستثنونهم، لأن وصف أهل الكتاب بالمشركين كان في سياق مناقشة عقائدهم أو استثنائهم من عموم أحكام المشركين، وليس في سياق بيان قبول الجزية منهم.

  1. الغطفاني، ص 42  -  43.
  2. Biesterfeldt, pp. 2464  -  2465.
  3. الغطفاني، ص 82.
  4. عبارته: "ثم جاءه قوم آخرون فقالوا: ما تقول في النفاق مع محمد عليه السلام من المنافقين والمشركين؟ لأن المنافق مقموع يكتم نفاقه والمشركون أصناف بعضهم يعطي الجزية عن يد وهم صاغرون، وبعضهم حرب يجاهد المسلمين، وبعضهم مرتد ذليل محكوم عليه غير ممتنع"، المرجع نفسه، ص 82.
  5. المرجع نفسه.

والصنف الثاني من المشركين "بعضهم حرب يجاهد المسلمين"، وهم الأعداء في المعارك وحالة الحرب، وهذا يعني بالضرورة أن من لا يحارب المسلمين من المشركين يدخل في الأصناف الأخرى وأن حاله المسالمة. أما الصنف الثالث من المشركين "بعضهم مرتد ذليل محكوم عليه غير ممتنع"، وهذا الصنف يُعرَّف من خلال أربعة عناصر: ӵ ӵ مرتد إلى الشرك بعد أن كان مسلمًا. ذليل، بمعنى أنه محل خضوع وليس مصدر قلق للسلطة أو الجماعة. ӵ ӵ محكوم عليه، بمعنى أنه تحت سلطة الإمام. غير ممتنع، بمعنى أنه ليس باغيًا ولا قاطع طريق ولم يلتحق بالمحاربين، فلا منعة له من جيش أو حصن أو سلاح أو حلف مع الأعداء. تشير هذه الأوصاف الأربعة إلى صنف ثالث من المشركين معروف في المجتمع، هم المشركون المرتدون عن الإسلام، الذين غيروا دينهم ولم يحاربوا أو يغادروا بلاد المسلمين ولم يضطروا إلى النفاق، واختاروا الردة إلى الشرك، فلم يقتلوا وظلوا تحت السيطرة، ويبدو أنهم كانوا ظاهرة حتى عدُّوا قسيمًا للمحاربين والمسالمين، فهم راضخون لأحكام المسلمين مأمونو الجانب. وهذا الصنف الثالث المتحدث عن وجوده يتناقض مع التنظير الفقهي لدى جمهور المسلمين والقاضي بقتل المرتد لمجرد ردته بغض النظر عن محاربته، ويبدو أن الواقع التاريخي يؤكد ما أورده الغطفاني من وجود مرتدين مسالمين، استمروا في كل العصور39. إن هذا التوصيف المبكر لأصناف المشركين تأريخ من غير جدل في الحكم المتعلق بهم يعني أنهم ظاهرة موجودة في المجتمع، وفي حالتي دفع المشركين الجزية أو وجود مشركين مرتدين بعد الإسلام، يتناقض حالهم مع ما قرره جمهور الفقهاء من كيفية التعامل مع المشركين (الإسلام أو القتال) والمرتدين (التوبة أو عقوبة القتل)، ومن ثمّ فنحن أمام وثيقة تاريخية تعزز الاجتهادات المتأخرة التي ترى إطلاق حرية الاعتقاد من غير تمييز بين أهل الكتاب وغيرهم، وبين حرية الاعتقاد قبل الدخول في الإسلام أو بعده ما دام ذلك في إطار السلم.

ثالثًا: لاختاف بين المسلمين

يرى الغطفاني أن ظاهرة الاختلاف والانقسام إلى فرق في الأديان واحدة، وأنها ظاهرة ترتبط بأمرين: الأول أن يحصل حادث مهم بين أتباع الدين الواحد فيبحثوا عن الموقف الديني تجاهه، والثاني موقف رجال الدين نفسه تجاه هذا الحدث ودورهم في شق صفوف الناس. وعليه، يرى أن ما جرى للمسلمين قد سبقهم إليه اليهود والنصارى، "فابتلي أصحاب موسى بالسامري، وأصحاب عيسى ببولس والذي بعده"40، فنظير السامري وبولس في الإسلام هو شخصية رمزية يسميها الفقيه، والحدث الذي كان أول سبب الاختلاف بين أهل الصلاة ومنه تشعبوا هو الاختلاف في شأن المواقف من الصحابة. لذا بدأ بعرض الاختلافات المتعلقة بالمواقف من الصحابة، ثم أتبعها باختلافات في تصورات عقدية تتصل بصفات الله أو الإيمان والعمل أو الآخرة، واختلافات أخرى ذات بعد سياسي أو تتصل بمسائل جزئية أو فقهية، ونظرًا إلى تداخل ما عرضه المؤلف من اختلافات، لعله راعى في ترتيب بعضها الجانب التاريخي، سأعيد تصنيف الاتجاهات التي ذكرها في كتابه بحسب موضوع الاختلاف وليس بحسب ترتيب الكتاب، وذلك للخروج من تداخل الموضوعات في سرده، ولتكون الصورة أوضح عن طبيعة الاختلافات، وسأنقل أسماء الفرق والاتجاهات كما ذكرها من دون تعريف بها

  1. هذه الظاهرة تستحق الدراسة والتتبع في المصادر التاريخية والفقهية؛ إذ يبدو أن مدار الحكم الفقهي المتعلق بقتل المرتد، على مستوى الممارسة التاريخية، هو مدى بغي المرتد ومحاربته، فما دام المرتد مسالمًا خاضعًا للسلطة لم يقتل، وهذا يفسر استمرار الأقليات من الفرق المحكوم بردتها في التاريخ الإسلامي. فقد أشير في بعض المصادر الفقهية إلى أحكام عملية تتصل ببعض الفرق المسالمة والمصنفة خارج الإسلام، والتي ينطبق عليها نظريًا حكم المرتدين. انظر: معتز الخطيب، "الأقليات الدينية في الوعي الفقهي: النظام الفقهي ومأزق الدولة"، في: مجموعة مؤلفين، المسألة الطائفية وصناعة الأقليات في الوطن العربي، تنسيق محمد جمال باروت (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، ص 443.
  2. الغطفاني، ص 41.

نظرًا إلى كثرتها، ولتوافر مصادر خاصة بالتعريف بالفرق، وسأحرص على استخدام عباراته ما أمكن، في وصف مواقف الفرق وآرائها، مع إبراز المواطن التي أبدى فيها رأيه. وتجدر الملاحظة أنه في الغالب يعتمد قسمة ثنائية في عرض الاختلاف تجاه القضية الواحدة، مع احتمال وجود رأي ثالث أو رابع في القضية نفسها، كما أنه يقتصر في ذكر أصحاب الاتجاه في تبني كل فكرة على من عُرِفَ بالقول بها، وكان دقيقًا في نسبة الأقوال حتى إنه أفرد بعض أتباع الفرقة الواحدة في تبني القول دون الآخرين من أتباعها. وقد استخرجت من الكتاب ما يربو على أربعين مسألة أساسية صنفتها ضمن محاور: عقدية، وأخرى ذات بعد سياسي، ومسائل من فروع الأحكام، واختلافات في طرق إدراك الحق. ولا يتسع بحث يهدف إلى وصف الكتاب وتقديم محتواه للكشف عن خيط ناظم للمسائل التي استعرض الكتاب الاختلاف فيها، لكن لدى التأمل نجدها تدور في المسائل العقدية حول مفهوم الإيمان نفسه، وصلته بالعمل، وأمور تتصل بصفات الله، أو حول المكلف ومسؤوليته، أو حول التكفير ووحدة الجماعة. وعليه، فإن حيزًا مهمًا من المسائل العقدية له صلة بالتصورات السياسية، على نحو مباشر أو تبعي (كل ما يخص العمل والجماعة له بعد سياسي). أما المسائل ذات البعد السياسي فكانت تدور حول الموقف من الصحابة واختلافاتهم، ومن ثم الموقف من الإمامة وما يتصل بالحاكم والتعامل معه وتوظيف الأحاديث لتبرير الموقف منه. أما المسائل الفرعية فهي من هوامش الاختلاف الديني أو السياسي، والاختلاف في توصيف ما اختلف فيه وفي سبيل إدراك الحق هو في جوهره اختلاف في تمييز ما يرجع إلى الدين وما يرجع إلى السياسة مما يختلف فيه، وبعبارة أخرى هو توصيف حال الشأن العام وربطه بالنص أو الدين أو الاجتهاد أو الجماعة، لذلك كان الحل الذي انتهى إليه يجمع بين مرجعية الدين ومرجعية الجماعة (الخبر المجتمع عليه)، وهو سعي منه لإيجاد ضابط للاختلاف الذي بسط صورَه في الكتاب، والذي يتلخص في هذه المحاور:

1 يلاختاف. ف المسائل العقدية

أ. لاختافات في الإيمان وصفات الله

الاختلاف في إطلاق اسم الإيمان41: ذهب الحشو والشُكَّاك (الذين يشكون في إيمانهم من المرجئة) إلى الحذر في إطلاق اسم الايمان وإرجاء الأمر إلى الله، وتعليق النجاة به. أما المرجئة والخوارج والشيع، فذهبوا إلى الجزم في إطلاق وصف الإيمان على المؤمنين. قضايا العمل بأمر الله وإرادته ومشيئته ورضاه42: القدرية وهم من جميع أصناف أهل القبلة كفّروا مخالفيهم من أهل القبلة، وقالوا: ما عمل أحد من أهل القبلة بحسنة ولا بسيئة وإنما هو معمول بهم، ثم يعلق على رأيهم بما يعكس رؤيته التي توافق المعتزلة "وأبطلوا بتأويلهم دلالة آيات كثيرة على جزاء العمل"، وخالفهم من الخوارج الميمونية والأزارقة والفضيلية، ومن المرجئة الغيلانية والسمرية وعامة الحشو من جميع أصناف القبلة: يقولون الإيمان إقرار بلا عمل. ذكر قول الرافضة بالبداء، وعقب عليه بقوله "تعالى الله عما قالوا علوًا كبيرًا"43. نقل الخلاف في إمكان رؤية الله، والكلام عن صفاته، ثم أغلظ القول على الفقيه بلعنه لما يرويه من آثار مما يقر به رؤية الله وتشابه صورته أو تجسده، ويصف هذه الأحاديث بالشرك والكفر والفرية على الله، ويصف قابليها بأنهم مشركون، عبدة الصورة44، على أن الغطفاني، كما أشرت، اختص برأي ثالث في الموضوع وهو إمكان رؤية الله في الآخرة، لكن بحاسة سادسة يخلقها الله. وعن النفاق قال بعضهم لا نفاق بعد رسول الله، في حين رأى آخرون القول بخصال للنفاق، وإن من أتى كبيرة فهو منافق45.

  1. المرجع نفسه، ص 72  -  74.
  2. المرجع نفسه، ص 94  -  101.
  3. المرجع نفسه، ص 106  -  107.
  4. المرجع نفسه، ص 135  -  137.
  5. المرجع نفسه، ص 137  -  139.

ب. لاختاف في التكفير، والعاقة بين الإيمان والعمل46

قول سابق، وخلاصتها: الجماعة والمرجئة وبعض الخوارج وعامة أهل التوحيد ما خلا الشكاك والمتزمتين: رفض تكفير أهل القبلة.

والملائكة والمؤمنون.

خالق من قول أو علم أو عمل فليس من الإيمان، ولا من الدين ولا من العبادة.

الفرض، أو هو قول لأنه دليل على موافقة القلب.

الخوارج والشيع والمعتزلة وجميع من خالف المرجئة: العمل من الدين. الإيمان من الإسلام، والإيمان والإسلام اسمان للدين. الإيمان له أركانه، والإسلام له أركانه كما ورد في الحديث.

عهد الرسول. وهذه من المسائل التي يشترك فيها الغطفاني مع المعتزلة.

ج. لاختافات في الحساب والآخرة

في كتابه. وينقل رأي أصحاب السنة والجماعة القائلين بنجاة العصاة يوم القيامة، وإمكان الشفاعة لهم47.

ويصلي خلف رجل من هذه الأمّة ويكسر الصليب، وأنكر ذلك آخرون لأنه لا نبي بعد محمد48. الله، وقول البعض إن الموتى يعقل بعضهم عن بعض ما يعقل الأحياء، وقول آخرين إن الأرواح تعقل دون الأجساد49. هذا المحور هو أكثر موضوعات الاختلاف تفصيلً في الكتاب، حيث عرض فيه نحو تسعة اتجاهات بعضها متشابه أو فرع من

الغيلانية (طائفة من مرجئة أهل الشام): معرفة الله فطرة وليست بدين ولا تكليف ولا اكتساب ويستوي فيها جميع الخلق وإبليس

الجهمية (مرجئة خراسان وهم رأس المرجئة): الإيمان والإسلام ما بطن دون ما ظهر، وأما ما ظهر وبطن مما سوى معرفة الله أنه

مرجئة الكوفة (النعمانية، والصباحية، والوضاحية، وقيس الماضر، والردية) والبصرة (السموية): الإيمان قول، فمن قال أدى

الأزارقة والنجدات من الخوارج: الإيمان كل ما أقر به، والعمل أجمع ليس بدين ولا إيمان ولا عبادة، وأن الدين لا يتفاضل فيه أهله.

المعتزلة: الفجار من أهل القبلة بين منزلتين، لا هم مشركون ولا كفار، ولا من الطيبين، فهم فجرة فسقة، وقد استشهد لوجهة نظرهم بآيات كثيرة، وأطال في وصف منزلة الفاسقين وأنهم الأخسرون أعمالً، والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، وأن المنافقين كانوا في

يعرض الاختلاف في الموقف من الشفاعة، ومصير أهل المعاصي في الآخرة، وهنا يصرح الغطفاني برأيه المتفق مع رؤية المعتزلة وهو القول بالوعد والوعيد، ويذهب إلى تكفير من يصدق الأحاديث التي تقول بالمغفرة للعصاة50، وهذا من أشد المواقف التي يتخذها صراحة

من المسائل المتصلة بالآخرة يذكر الخلاف في قضية عودة عيسى بن مريم، فيؤيد ذلك الحشوُ والمتزمتون في الرواية، وأن عيسى يرجع يعرض اختلاف أهل القبلة في وصف حال الميت، بين من يرى أنه لا ينسب إليه من الحياة شيء ولا يحل ذلك وأنه كذب وفرية على

  1. المرجع نفسه، ص 74  -  82.
  2. المرجع نفسه، ص 70.
  3. المرجع نفسه، ص 72.
  4. المرجع نفسه، ص 108  -  109.
  5. المرجع نفسه، ص 114  -  115.

وعن مصير الأرواح بعد الموت، ذكر القول بالتناسخ وأنه مأخوذ من المجوس، ورد هذا القول ووصفه بالكفر51. وعن عذاب القبر ذكر إنكار جميع الخوارج وعامة الشيع والمعتزلة وعامة المرجئة عذاب القبر، وقول الحشو والمقلدين به52. ӵ ӵ وذكر خلافًا في حال من مات وعليه دَين للغير53.

د. اختافات في مسائل تتعلق بالنبوة والقرآن

ذكر خلافًا في تفضيل الأنبياء فرفض البعض ذلك وأجازه آخرون54، ونقل قول القدرية إن نساء الأنبياء كن يبغين، ونفي آخرين ذلك55، وعن حياة النبي محمد قبل الوحي قال الحشو وغيرهم ما آمن إلا بعد الأربعين، ورفض الآخرون هذا القول وأثبتوا له الإيمان والحنيفية56. كما نقل الخلاف في قراءة القرآن بحروف أخرى، وأن عليًا وابن مسعود وعمر كانوا يقرؤون بحروف أخرى، وأنه ذهب منه ما لا يدرى ما هو، ورفض ذلك الخوارج وأشباههم57، وكذلك الخلاف في الكفر بآية من القرآن هل هي كحال الكفر بكله، ويخص بالذكر قرآنية المعوذتين، فشهادة المهاجرين والأنصار وإجماع الأمّة على أنهما (المعوذتان) مثبتتان في اللوح المحفوظ، أما الحشو والحصيبية من الشيع والقدرية من المرجئة فيرون أنهما ليستا من القرآن58.

2 يلاختافات ذات البعد السيا. س

الاختلافات ذات البعد السياسي هي أول ما بدأ عرضه من الخلاف في الكتاب، وأوسع تلك الاختلافات هو المواقف من الصحابة وما جرى بينهم، فيذكر من اختلف فيه منهم، وموقف الفرق من كل منهم.

أ. الموقف من الصحابة

بدأ بعرض الموقف من عثمان (الخليفة الثالث)59؛ فمدح الأمويون وأتباعهم عثمانَ وكفّروا من قتله وأيّد قتله؛ بينما ذمّ الخوارج والروافض والشيع عثمانَ وكفّروه، وكفّروا من أيّده. وعن الموقف من معاوية بن أبي سفيان60؛ تبرأ العوام من معاوية ومن اتبعه، أما أتباع ملوك بني أمية وأهل العطا [...] وأهل القبلة والمرجانية وأهل سسار من أهل الرأي فتولوا معاوية. وعن الموقف من علي بن أبي طالب (الخليفة الرابع)61؛ مدح الرافضة والشيع عليًا ورأوا أنه خليفة النبي على أمّته، وأن النبي أسر إليه شيئًا من الوحي والدين، وأن الأمّة ارتدّت بعد النبي إلا أربعة، ثم تاب اثنان، ويعلق الغطفاني بعد ذكر ما أورد الفقيه من الأحاديث لهم بقوله "وفي نحو هذا من الحديث الضال المضل المفتعل"62. أما الخوارج فتبرؤوا من علي ومن تولاه وكفروه.

  1. المرجع نفسه، ص 123  -  124.
  2. المرجع نفسه، ص 112  -  114.
  3. المرجع نفسه، ص 89  -  90.
  4. المرجع نفسه، ص 115  -  117.
  5. المرجع نفسه، ص 101.
  6. المرجع نفسه، ص 118  -  120.
  7. المرجع نفسه، ص 107  -  108.
  8. المرجع نفسه، ص 109  -  111.
  9. المرجع نفسه، ص 45  -  47.
  10. المرجع نفسه، ص 48  -  50.
  11. المرجع نفسه، ص 50  -  53.
  12. المرجع نفسه، ص 52.

الحديث الذي اتفقت عليه الجماعة المعصومة الأولى وقبلته الخوارج"63، وعبارته هنا صريحة في موقفه وتعليله.

والصمتية والحشوية والمتزمتون إلى الإمساك عن ذكر الصحابة بسوء وتحريم سبهم64.

ب. الموقف من الخروج على الحاكم65

يستشهد الفقيه بها للخوارج في تكفير أهل المعاصي واستحلال دمائهم وأموالهم.

ج. الموقف من إمامة الفاسق والظالم والصاة خلفه66

الصلاح توليته وقالوا بمقاتلته إن أظهر فجوره67.

د. قريش

فضل بعضهم قريشًا وجعل فيهم الإمامة، ورفض الخوارج ذلك68.

ه. التقية

والطمع، فضلً عن المخافة والرهبة69. وعن الموقف من أبي بكر وعمر70؛ يورد الغطفاني على لسان الفقيه أحاديث ضد مواقف الرافضة والشيع ويعلق عليها بأنها "من

وعن الموقف من طلحة والزبير71؛ مدحهما الحشو وأتباع الملوك من طلاب الفتن، وذمهما الخوارج والشيع. واتجهت الجلسية72

أورد الغطفاني ثلاثة مواقف من الخوارج، الأول ذمهم والتحريض على قتلهم، والموقف الثاني موقف الحلسية من الحشو والمتزمتين وهو ذم خروجهم على الإمام العادل، وتفضيل عدم القتال ما أمكن حتى في دفع الظلم. أما الموقف الثالث وهو موقف الخوارج والشيع والخناقين، فقد استحلوا الدماء والأموال، وقالوا بالخروج على الظالم واستحلال دم من أظهر المعاصي، وأطال في الروايات التي

فذهب الحلسية والصمتية والحشوية والمتزمتون إلى القبول بإمامة الفاسق والصلاة خلفه والتقرب إلى السلاطين، أما الخوارج والشيع والمعتزلة فرفضوا إمامة الفاسق والظالم. وأورد على لسان الفقيه قبول أهل السنة والجماعة تولية الفاجر القوي، ورفض أهل

ذكر الخلاف في التقية، فرفضها الأزارقة، وقبلها آخرون من الخوارج والشيع، وعلق على موقفهم بأنهم استحلوا التقية في الرغبة

  1. المرجع نفسه، ص 53  -  56.
  2. المرجع نفسه، ص 56.
  3. المرجع نفسه، ص 56  -  58. ويلاحظ جوزيف فان إس أن الحلسية Ḥilsīya - al هو أقدم اسم لطائفة على الإطلاق، لكنه خرج من مفردات اللاهوتيين ومن النصوص، انظر:
  4. الجلسية (بالجيم) هكذا ضبطت في النسخة المحققة، ويبدو أنها الح لْسِيَّة (بالحاء) كما في المصادر الأخرى، وهي مأخوذة من الحلس وهو "بساط يبسط في البيت، ومنه قيل في الحديث كن حلس بيتك، أي الزمه في الفتنة والهرج لزوم البساط له، ويقال للذين يرون هذا في الفتنة الحلسية"، انظر: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، غريب الحديث، تحقيق عبد الله الجبوري، ج 1، إحياء التراث الإسلامي 23 (بغداد: مطبعة العاني، 1977)، ص 562. وأنكر عليهم الجاحظ انتسابهم إلى الصحابي عبد الله بن عمر وزعمهم أنه "رئيس الحلسية"، انظر: أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون، ج 3، ط 7 (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1998)، ص 130. Ess, Kleine Schriften , pp. 2481  -  2482.
  5. الغطفاني، ص 84.
  6. المرجع نفسه، ص 57  -  68.
  7. المرجع نفسه، ص 84  -  88.
  8. المرجع نفسه، ص 129  -  130.
  9. المرجع نفسه، ص 117  -  118.
  10. المرجع نفسه، ص  91 - 93.

و. الشام وأهلها، وأهل المشرق، وأهل الرايات السود

نقل على لسان الفقيه أخبارًا في مدح الشام وأهلها وعقب عليه بأنه "لم يبق للحرمين شيء"، ثم مدح أهل المشرق حتى رضوا73، وروى كذلك على لسانه أخبارًا في مدح أهل الرايات السود والدخول معهم (وهم بنو العباس) وروايات أخرى في ذمهم74.

3 يلاختاف. ف مواقف من مسائل فرعية

نقل خلافًا في مسألة الدعوة (إنذار العدو قبل غزوه ودعوته إلى الدخول في الإسلام)، وقد رفضها البيهسية، وعلل موقفهم بموافقة ذلك لأهوائهم75، وذكر الخلاف في قتل النساء والصبيان في المعارك، فاستحله الأزارقة والمنصورية، ورفضه الميمونية من الخوارج والفضيلية والقدرية من جميع الأصناف (لأن في جميع الأصناف قدَرًا)76. وأورد موقفين من الغنى والفقر مدحًا أو ذمًّا77، وكذلك الاختلاف في الإسراف في البناء، وفي الغناء78، وخلافًا إن كانت الصدقة تزيد في العمر79، وذكر رفض الحشو والمتزمتين اللعن، بينما قبله قوم لمن يستحقه وأنه تسبيح وطاعة وعبادة80. وينقل رفض خوارج الصفرية شهادة الواحد81، وعرض أقوالً في الاستثناء في اليمين والطلاق، ورفض تحليف السلطان ذلك أنه إكراه82، كما نقل خلافًا بين الصحابة في حكم نكاح النساء في أدبارهن83.

4 ي. أصناف الناس ف الموقف من اختافاتهم وطرق إدراك الحق

بعد عرضه اتجاهات الناس ومواقفهم من مختلف القضايا العقدية والسياسية في عصره، يعرض وجهة نظر الفرق الرئيسة من الاختلاف نفسه، والذي سماه البلاء بين الأمّة84؛ يقول "فلما وقع البلاء بين الأمّة، وحرَّش (أي الفقيه) بعضهم على بعض، وروى لكل صنف منهم ما وافق هواه وتأوله، صار الناس على ستة أصناف"85؛ فالصنف الأول الصفرية والمرجئة، يرون أن الأمور داخلة في بعض ما كان على عهد رسول الله وإن اختلفت وتلونت، وأنه لا مخرج إلا في اتباع النبي. الصنف الثاني الإباضية، يرون أن في الكتاب حكم ما ابتلينا به، ولو ابتلي النبي بمثل قومنا لحكم فيهم بمثل ما حكمنا. والصنف الثالث النجدات (وقَب لَهُ عنهم من المرجئة والحشو ممن يتعاطى الفتيا ويطلب الرياسة والقضاء ويتبع الملوك)، يرون أن الأمور حادثة ويُجْتَهد فيها الرأي، ولم يبتل النبي بمثل قومنا ولم ينزل الكتاب في حكم أمرهم. أما الصنف الرابع والخامس فهم الشيع وأتباع الملوك، سلموا أمورهم للرجال وجعلوا الهدى في اتباعهم. والصنف السادس والأخير هم بعض الحشو، أهملوا الأمر وقالوا النظر فيه بدعة.

  1. المرجع نفسه، ص 120  -  121.
  2. المرجع نفسه، ص 121  -  123.
  3. المرجع نفسه، ص 90.
  4. المرجع نفسه، ص 93  -  94.
  5. المرجع نفسه، ص 102  -  104.
  6. المرجع نفسه، ص 132  -  135.
  7. المرجع نفسه، ص 104  -  106.
  8. المرجع نفسه، ص  125 - 126.
  9. المرجع نفسه، ص 111  -  112.
  10. المرجع نفسه، ص 126  -  129.
  11. المرجع نفسه، ص 131  -  132.
  12. المرجع نفسه، ص 139  -  140.
  13. المرجع نفسه، ص 139.

ويعقب عليهم بقوله: "اجتمعوا جميعًا أن الحق والهدى في اتباع النبي وأن الباطل في خلافه. والابتداع بدعة وكل بدعة ضلالة. فنقض ما أجمعوا عليه ما انفرد به كل منفرد منهم"86، ثم يلخص الأقاويل في طرق إدراك الحق، فعدد نحو خمسة عشر طريقًا يتبنى كل واحد منها فريق غير الآخر87، وهي تدور بين الخبر قرآنًا أو روايات، وبين الاجتهاد وما اتفقت عليه الجماعة، أو جمعًا بين ذلك، ثم يسرد مناقشة مجمل الأقوال بعد الاعتراض على كل منها، وينتهي إلى أن الحجة فيما أجمعت عليه الأمّة في الأخبار التي لا يدفعها أخبار مثلها88، وبهذا الإجماع عُرِف إبطال المخالف لأنه صدَّقَه، ولم يُتكَاذَبْ فيه أنه حق، ثم خالفه بتأويل ورواية بعد الاجتماع على قبوله. ويدعم هذه الحجة بقوله "فإن كان الهدى لا يصاب باجتماع الأمّة فهو بأن لا يصاب لانفراد أبعد"89، "وليبطلن بترك الاجتماع جميع الدين"90، لكنه إذ يقرر ما تقوم به الحجة لا ينفي الاختلاف الذي يرى أن الحق فيه، وأن لا سبيل إلى تقويمه أبدًا91.

خاتمة

بعد استعراض محتوى كتابالتحريشوأسلوبه، يمكنني القول إن هذا الكتاب يحمل رسائل عدة: ذمٌّ وتقريع لمن كانوا سببًا في تفريق أتباع الدين الواحد لأسباب شخصية تتعلق بطمعهم في المال والمنصب والجاه، والمقصود هنا من يمثل نموذج الفقيه سيئ الديانة والذي مارس التحريش. ذم الاختلاف غير المستند إلى دليل يقتضيه، والإقرار في الآن نفسه بأن الاختلاف في بعض وجوهه أمر لا مفر منه، نظرًا إلى طبيعة الأدلة المحتملة في كثير من المسائل المطروحة، وأثر الاجتهاد والتأويل في فهم النص. هذه الرسالة الثانية للكتاب يمكن لمحها صراحة في خاتمة الكتاب، حيث يُقِّرُ أن الحق في الاختلاف، وأنه لا سبيل إلى تقويمه، ويمكن تلمسها على نحو غير مباشر من خلال صمته عن كثير من استدلالات الفقيه، عندما يعرض وجهات نظر وأخبارًا متناقضة بحسب السائل، لا سيما عندما يورد آيات في الاستدلال. تقرير الأساس الذي يمكن أن يحتكم إليه المختلفون ويضبطوا به اختلافاتهم، ومن ثمّ تمييز الاختلاف الحق الذي يقتضيه الدليل والاختلاف الناتج من ضعف ديانة الفقيه ونزوعه إلى النفاق والكذب من أجل السلطة أو المال أو الجاه. حرص الغطفاني بعد عرضه هذه الصورة السائلة من التنوع الديني والفكري، والشطط في الاختلاف في عصره، على إيجاد قاسم مشترك يضبط ما يدرك به الحق بين المختلفين؛ فضبط معيار الحجة بما أجمعت عليه الأمّة في الأخبار التي لا يدفعها أخبار مثلها.

  1. المرجع نفسه، ص  140.
  2. المرجع نفسه، ص 141  -  145. وطرق إدراك الحق التي ذكرها: 1. البيهسية: الدليل على الحق نفسه لا يلتمس عليه شاهد غيره، 2. عامة الخوارج الصفرية: الدليل على الحق الواحد كائنًا ما كان إذا جاء بحق قبل، 3. الإباضية: الدليل على الحق الحق، 4. بعضهم: الحجة النبي، 5. النجدية: الدليل على الحق قول طائفتنا، 6. الحسنية: الدليل على الحق قول رجل يخالف النبي ولا يجب الحق اليوم لغيره، 7. الأزارقة والبدعية: الدليل على الحق ما نزل به الكتاب تلاوته. وما لم تتل به الكتاب باطل، 8. صنف من الحسنية: الدليل على الحق الروايات، 9. الرافضة والمعتزلة والحشو: الدليل على الحق أن من اجتهد عندنا واستحسن شيئًا ولم يوافق ولم يعط المعرفة عُذ، ر 10. الرقاشية: الدليل على الحق أن جميع الناس بجميع الدين عالمون، 11. المرجئة: الدليل على الحق قول الجماعة حتى لا يبقى منهم أحد، 12. الحشو: الدليل على الحق أن الله لم يقم الحجة على أهل الأهواء، 13. بعض الحشو: لا حجة لله في شيء فيه الاختلاف وإنما الحجة فيما لم يقع فيه الاختلاف، 14. طائفة: الدليل على الحق الجماعة، 15. طائفة: الدليل على الحق جميع أشباه ما مضى من الأقاويل خصلتين أو ثلاث بذلك يدرك الحق.
  3. إن الأمّة أجمعت عليه في الأخبار التي لا يدفعها أخبار مثلها. ولأنهم أجمعوا على ذلك كما جاء إجماعهم على القبلة والزكاة ونحوها. وبذلك من اجتماعهم عرفنا إبطال من خالفنا"، الغطفاني، ص 144.
  4. المرجع نفسه، ص 145.
  5. المرجع نفسه.
  6. فإذا اختلفنا كان الحق في الاختلاف، وما انفرد به بعضنا عن بعض فإنا نؤخذ به هذا وبأية حجة يعلم بأن هذا هكذا. وهذا ما لا يوجد إلى تقويمه سبيل أبدًا"، المرجع نفسه.

وهو بتقريره هذا الضابط، يُقرُّ بحجية الخبر بشرط أن يكون ثمة إجماع عليه، ولا إشكال بعد ذلك في الاختلاف في تأويله، وقد سبق واستشهد بهذه الحجة في رده على مواقف الرافضة والشيع من أبي بكر وعمر، فيعلق على الآثار في فضلهما بأنها "من الحديث الذي اتفقت عليه الجماعة المعصومة الأولى وقبلته الخوارج"92، وكأنه بهذا الضبط للخبر بالإجماع على قبوله يرفض حجية خبر الآحاد التي اعتمدها أهل الحديث، وأ صَّل لها الشافعي. لكن يبقى سؤالان معلقان حول هذا الضابط الذي وضعه الغطفاني. السؤال الأول: أكان الغطفاني يرى شرط الإجماع على قبول الخبر فقط في المسائل الكبرى المتصلة بالعقيدة وشأن الجماعة أم يشمل هذا فروع الأحكام؟ والسؤال الثاني: أيكون هذا الضابط معيارًا لدرك الحقيقة وإثباتها أم لإقامة الحجة بين المختلفين وحل النزاعات والخصومات؟ لا يمكن حسم الإجابة عن السؤالين من خلال الكتاب نفسه، وهما مفتوحان لتتبع أفكار الغطفاني من مصادر أخرى، لكني أستشف أنه يقصد بالضابط الذي عبر عنه المسائل الكبرى التي تخص الاختلاف والتنازع بين الأمّة، وليس بصفته طريقًا لإدراك الحق في ذاته. فربط الأمر بالإجماع والجماعة المعصومة، وما اتفق عليه المختلفون من الأخبار، هو أقرب إلى إقامة الحجة على المختلفين منه إلى إقامة الحجة على إثبات الحق نفسه. لذا نجد في الغطفاني من الحدة ما يكفي عندما يقرر ما يتبناه، حتى إن كان لا يقر به الآخرون؛ وقد ظهر ذلك في الكتاب في تقرير مسائل الوعد والوعيد والمنزلة بين المنزلتين وذم الأخبار التي تشبِّه الله بخلقه، وكان يستند في حجاجه إما إلى آيات يحشدها على لسان الفقيه تعزز الرأي الذي يميل إليه، وإما يرد الرأي المخالف لكونه تأويلً أو تصديقًا لأخبار معناها شرك وكفر، وهذه حجة عقلية. إن موقف الغطفاني في تقييد الخبر الحجة بالمجتمع عليه بين المختلفين من غير تكاذب هو تعبير عن الارتباك الذي كان في عصره في الموقف من قضيتي الإجماع وحجية الأخبار؛ فجمع بينهما أصلً يحتكم إليه المختلفون وإن تفاوتوا في تأويل الخبر. وهما قضيتان جديرتان بالبحث من جديد في ضوء مصادر تلك الفترة؛ فالأخبار كانت زاد الفقيه في التحريش وتأجيج الخلاف، وفيها ما يصح وما هو مكذوب، وموضوع الإجماع كما يبدو من كتاب التحريشهو تقرير ما يصلح حجة من الأخبار، ويمكن بعده الاختلاف في التأويل فيكون الاختلاف حقًا، فتلتبس وظيفة الإجماع هنا مع الإجماع في القضايا الاجتهادية، وهي مسألة في حاجة إلى تحرير وتدقيق ومقارنة. إضافة إلى ما ذكرت، فإن كتاب التحريشيثير أسئلة كثيرة جديرة بالمتابعة، ومن شأنها أن تدقق الرؤية عن التصورات والحقائق التاريخية التي كانت سائدة في القرن الثاني الهجري، كما يمكن أن تقدم رؤية نقدية لأحكام وتصورات سادت لاحقًا على أنها امتداد لحقائق استقرت مبكرًا بينما هي ليست كذلك، ويمكن أن أشير إلى بعض هذه الجوانب والأسئلة التي لاحظتها من خلال دراسة كتاب التحريش، وأوصي بمتابعتها: أسماء الجماعات والفرق الإسلامية: تتكرر في الكتاب أسماء كثير من الفرق التي أصبحت مستقرة ومعروفة لاحقًا في كتب الملل والنحل كالمعتزلة والخوارج والمرجئة. لكننا نجد في كتاب التحريشمستويات وأصنافًا من الفرق نفسها والاتجاهات، فثمة فئات من الخوارج وفئات من المرجئة... إلخ، كما يسمي بعض التيارات المنتشرة في كل الأصناف كالقدرية، ويميز أيضًا بين تعابير تبدو مترادفة كالروافض والشيع، وثمة تعابير تبدو ملتبسة ومتداخلة وأحيانًا ذات بعد سياسي، أو قد تكون اتجاهًا أو فرقة أو جماعة، مثلً: الحشو، العوام، أتباع الملوك، الحلسية، الصمتية، البدعية، أهل البدع، أهل التوحيد، أهل القبلة، أهل الصلاح، أهل الرأي (ولا نجده يذكر تعبير أهل الحديث)، أهل الصلاح، المتزمتون بالرواية، طلاب الفتن... إلخ. والأهم من جميع تلك التسميات تعبير "السنة والجماعة" الذي يعدّ كتابالتحريشأقدم كتاب يذكر هذا الاصطلاح، ويستخدمه في سياق الذم، وغالبًا في قضايا ذات بعد سياسي، فما الحمل الدلالي لهذا التعبير المركب؟ وما الفرق بينه وبين التعابير الأخرى؟ وما المشترك معها؟ وما الخاص بها؟

  1. المرجع نفسه، ص 56.

المفاهيم والمصطلحات المستخدمة في الكتاب: رغم أن الكتاب استخدم أسلوب الخيال الأدبي في معالجة موضوع لاهوتي، فإنه مكتنز بمصطلحات تنتمي إلى مختلف العلوم من لغة القرن الثاني الهجري، وبعضها ما يزال ملتبسًا، أو استقر لاحقًا بمعنى مختلف؛ فمثل مصطلح الفقيه المستخدم في الكتاب يحمل دلالة أوسع من دلالته التي استقرت لاحقًا واختصت بمجال أحكام الفروع. ويمكن أن نعدد الكثير من المفاهيم والمصطلحات المستخدمة في الكتاب والتي أصبحت لاحقًا جزءًا من علوم الحديث أو أصول الفقه أو علم الكلام، من ذلك مثلً: مفاهيم "الخبر المجتمع عليه"، والحديث، والرواية، والرواية الشاذة، والتوفيق بين الروايات، والتفرد في القول، و"الأخبار التي لا يدفعها أخبار مثلها"، و"إدراك الحق"، و"الجماعة المعصومة"، والدليل، والحجة، والتأويل، والإجماع، وغيرها مما يمكن أن يعدّ كتابالتحريشمن أقدم المصادر المدونة في استخدامها، وهي جديرة بالضبط الدلالي في سياق القرن الثاني الهجري. ما أورده الغطفاني في وصف أصناف المشركين من حيث موقفهم من السلطة، وجعل المرتدين منهم صنفًا مستقلً غير محارب، يدعو إلى إعادة النظر في المصادر التاريخية تحديدًا عن أحوال وأصناف غير المسلمين والمرتدين عن الإسلام، وكيفية تعامل السلطة السياسية والقضائية معهم آنذاك، والمعيار الذي استندوا إليه في ذلك، ومن شأن تأريخ هذه الظاهرة أن تكشف عن رؤية فقهية مختلفة كانت مستندًا لهذا النمط من التعامل مع غير المسلمين في تلك المرحلة يختلف عما استقر في المذاهب الفقهية لاحقًا. وختامًا يمكن القول إن كتاب التحريشيحكي حقائق تاريخية لمّا يدركها كثير من المسلمين اليوم، وهم أحوج إلى معرفتها وتمثلها لحاضرهم، من أهمها أن الصورة المثالية عن رؤية واحدة للإسلام في الفترة المبكرة تحديدًا لا وجود لها، وأن الاختلاف الذي كان وسيبقى، له مبرراته العلمية، كما له أسباب خارجية ترجع إلى بعض علماء الدين ممن يوظفون الدين لمصالح شخصية ذات صلة بالمال والسلطة والجاه.

المراجع

العربية

ابن النديم، أبو الفرج محمد بن إسحاق. الفهرست. تحقيق أيمن فؤاد سيد. لندن: مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، 2009.

ابن قتيبة، أبو محمد عبد الله بن مسلم.غريب الحديث. تحقيق عبد الله الجبوري. إحياء التراث الإسلامي 23. بغداد: مطبعة العاني، 1977.

أبو داود، سليمان بن الأشعث. السنن. تحقيق شعيب الأرناؤوط ومحمد كامل قره بللي. دمشق: دار الرسالة العالمية، 2009.

الأشعري، أبو الحسن علي بن إسماعيل. مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين. تحقيق نعيم زرزور. بيروت: المكتبة العصرية، 2005. البلخي، أبو القاسم والقاضي عبد الجبار والحاكم الجشمي. فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة. تحقيق فؤاد سيد. تونس: الدار التونسية للنشر، 1974.

الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر. البيان والتبيين. تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون. ط 7. القاهرة: مكتبة الخانجي، 1998. الغطفاني، ضرار بن عمرو. التحريش. تحقيق حسين خانصو ومحمد كسكين. إسطنبول: دار الإرشاد؛ بيروت: دار ابن حزم، 2014. مجموعة مؤلفين.المسألة الطائفية وصناعة الأقليات في الوطن العربي. تنسيق محمد جمال باروت. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017.

محمود، رامي. "قراءة في كتاب التحريش لضرار بن عمرو الغطفاني (200 ه/  815 م.") Dergisi Fakültesi İlahiyat Üniversitesi İstanbul. العدد 35 (2016.)

الأجنبية

• Akpınar, Mehmetcan. "Kharijism in Kufa: Accounts on Abu Bakr and ʿ Ac according to Dirar b. ʿAmr’s (d. ca.

200 / 815) Kitab al-Tahrish." paper presented at the XXXIII. Deutscher Orientalistentag. Jena. 1822- / 9 / 2017.

• Adang, Camilla, Sabine Schmidtke & David Sklare (eds.). A Common Rationality: Muʿtazilism in Islam and

Judaism. Wurzburg: Ergon Verlag Wurzburg in Kommission, 2016.

• Ansari, Hassan. "Kitābi Kalāmi az Ḍirār b. ʿAmr." Kitāb-i Māh-i Dīn 89  -  90 (13834- / 20045-).

• Anthony, Sean (rev.). "W., Kitāb al-Taḥrīsh. By Ḍirār ibn ʿibn al-Ghaṭafānī." Journal of Near Eastern Studies.

vol. 76 , no. 1 (April 2017).

• Ess, Josef van. Kleine Schriften , Hinrich Biesterfeldt (ed.). Series: Islamic History and Civilization. vol. 137. 3 rd

ed. Leiden: Brill, 2018.

• ________. Theologie und Gesellschaft im 2. und 3. Jahrhundert Hidschra: Eine Geschichte des religiösen

Denkens im frühen Islam. 3 rd ed. Berlin; New York: Walter de Gruyter, 1992.

• Hansu, Hüseyin & Mehmet Keskin. Kitâbu’t-Tahrîş: İlk Dönem Siyasî ve İtikâdî İhtilâflarında Hadîs Kullanımı.

Istanbul: Litera Yayınları, 2014.

• Schöck, Cornelia. "Jahm b. Ṣafwān (d. 128 / 745 – 6) and the ‘Jahmiyya’ and Ḍirār b. ʿAmr (d. 200 / 815)." Sabrine

Schmidtje (ed.). The Oxford Handbook of Islamic Theology. New York: Oxford University, 2016.

• Thomas, David et al (eds.). Christian-Muslim Relations: A Bibliographical History. vol. 1 (600900-). Leiden;

Boston: Brill, 2009.