العودة إلى تفاصيل المؤلَّف السرد والعالم الواقعي

السرد والعالم الواقعي

Narrative and the Real World: An Argument for Continuity

ديفيد كار

Thaer Deeb

ثائر ديب

David Carr

الملخّص

ما يبيّنه ديفيد كار فيبحثه هذا هو أنَّ السرد والعالم الواقعي لا يستبعدان أحدهما الآخر. وأنَّ الحياة ليست تسلسل أحداث بلا بنية؛ بل تتألّف من بنى معقدة لتكوينات زمنية متشابكة تتلقّى معانيها من داخل الفعل ذاته. فليس صحيحًا أيضًا أنَّ الحياة تفتقر إلى وجهة نظر تحوّل الأحداث إلى قصة من خلال حكيها. يبيّن كار أيضاً أنّ محطّ اهتمامنا ليس الماضي بل المستقبل، عبر ما نلتقطه من تكوينات تمتد إلى المستقبل. وبهذا المعنى، فإنَّ الفعل ينطوي على اتّخاذ وجهة نظر مستقبلية ارتجاعية حيال الحاضر. ويمكن النظر إلى أفعال الحياة على أنّها عملية نحكي من خلالها قصصاً لأنفسنا. وما نظرة السارد الارتجاعية سوى امتداد وصقل لوجهة نظر متأصّلة في الفعل ذاته. ذلك أنّ حكاية القصص نشاط اجتماعي، تُحكى فيه قصة حياة المرء للآخرين بقدر ما تُحكى له هو نفسه. يبيّن كار، أخيراً، أنَّ الزمن الإنساني الاجتماعي، شأنه شأن الزمن الإنساني الفردي، مبنيّ في تسلسل تكويني. ويمكن لسيرورة السرد العملية من المرتبة الأولى، تلك السيرورة التي تكوّن شخصًا أو جماعة، أن تغدو سرداً من المرتبة الثانية لا تتغير ذاته لكن اهتمامه هو اهتمام معرفي أو جمالي في المقام الأول.

Abstract

Narrative and the real world are not mutually exclusive. Life is not a structureless sequence of events; it consists of complex structures of temporal configurations that interlock and receive their meaning from within action itself. It is also not true that life lacks a point of view which transforms events into a story by telling them. Our focus of attention is not the past but the future, because we grasp configurations extending into the future. Action involves the adoption of an anticipated future-retrospective point of view on the present. The actions of life can be viewed as the process of telling ourselves stories. The retrospective view of the narrator is an extension and refinement of a viewpoint inherent in action itself. Because storytelling is a social activity, the story of one’s life is told as much to others as to oneself. Social human time, like individual human time, is constructed into configured sequences. The practical first-order narrative process that constitutes a person or a community can become a second-order narrative whose subject is unchanged but whose interest is primarily cognitive or aesthetic.

الكلمات المفتاحية:
  • الأحداث
  • المستقبل
  • حكايا القصص
  • الزمن الانساني الاجتماعي
  • الزمن الانساني الفردي
Keywords:
  • Events
  • action
  • past
  • present
  • future
  • storytelling
  • Social human time
  • individual human time
  • narrative process

ما يبيّنه ديفيد كار في بحثه هذا هو أنَّ السرد والعالم الواقعي لا يستبعدان أحدهم الآخر. وأنَّ الحياة ليست تسلسل أحداث بلا بنية؛ بل تتألّف من بنى معقدة لتكوينات زمنية متشابكة تتلقّى معانيها من داخل الفعل ذاته. فليس صحيحًا أيضًا أنَّ الحياة تفتقر إلى وجهة نظر تحوّل الأحداث إلى قصة من خ لاا حكيها. يبيّ كار أيضًا أنّ محطّ اهتممنا ليس الماضي بل المستقبل، عبر ما نلتقطه من تكوينات تمتد إلى المستقبل. وبهذا المعنى، فإنَّ الفعل ينطوي عى اتّخاذ وجهة نظر مستقبلية ارتجاعية حيال الحاضر. ويمكن النظر إلى أفعال الحياة عى أنّها عملية نحي من خلالها قصصًا لأنفسنا. وما نظرة السارد الارتجاعية سوى امتداد وصقل لوجهة نظر متأصّلة في الفعل ذاته. ذلك أنّ حكاية القصص نشاط اجتمعي، تُحكى فيه قصة حياة المرء للآخرين بقدر ما تُحكى له هو نفسه. يبيّ كار، أخرًا، أنَّ الزمن الإنساني الاجتمعي، شأنه شأن الزمن الإنساني الفردي، مبنيّ في تسلسل تكويني. ويمكن لسرورة السرد العملية من المرتبة الأولى، تلك السرورة التي تكوّن شخصًا أو جمعة، أن تغدو سردًا من المرتبة الثانية لا تتغر ذاته لكن اهتممه هو اهتمم معرفي أو جملي في المقام الأول. كلمت مفتاحية:  الأحداث، المستقبل، حكاية القصص، الزمن الإنساني الاجتمعي، الزمن الإنساني الفردي.

Narrative and the real world are not mutually exclusive. Life is not a structureless sequence of events; it consists of complex structures of temporal configurations that interlock and receive their meaning from within action itself. It is also not true that life lacks a point of view which transforms events into a story by telling them. Our focus of attention is not the past but the future, because we grasp configurations extending into the future. Action involves the adoption of an anticipated future-retrospective point of view on the present. The actions of life can be viewed as the process of telling ourselves stories. The retrospective view of the narrator is an extension and refinement of a viewpoint inherent in action itself. Because storytelling is a social activity, the story of one’s life is told as much to others as to oneself. Social human time, like individual human time, is constructed into configured sequences. The practical first-order narrative process that constitutes a person or a community can become a second-order narrative whose subject is unchanged but whose interest is primarily cognitive or aesthetic.

ديفيد كار (-1940)، أكاديمي ومفكّر ظاهراتي أميركي، من أعمله: الظاهراتية ومشكلة التاريخ (1974)، تأويل هسرل (1987)، الزمن والسرد والتاريخ (1991)، تناقض الذات (1999)، التجربة والتاريخ: منظور ظاهراتي إلى العالم التاريخي.)2014(David Carr (born 1940), American phenomenology scholar. Among Professor Carr’s publications: Phenomenology and the Problem of History (1974), Interpreting Husserl (1987), Time, Narrative and History (1991), The Paradox of Subjectivity (1999), and Experience and History: Phenomenological Perspectives on the Historical World (2014). Syrian writer and translator.

ما العلاقة بين سردٍ وما يصفه من أحداث؟ هذا واحد من الأسئلة التي دار الجدال حولها بين كثيرٍ من المساهمين في النقاش الحيوي المتعدد التخصصات الذي تناول السرد في السنوات الأخيرة. عُنِيَ الجدال المذكور بصدق الروايات السردية، بالمعنى الأوسع لمصطلح الصدق هذا. فالتواريخ السردية التقليدية تزعم أنّها تخبرنا

ما حصل بالفعل. وتصوّر السرديات القصصية التخييلية، بالتعريف، أحداثًا لم تحصل قطّ، لكنْ غالبًا ما يُقال إنّها تبدو واقعية؛ أي إنّها

تخبرنا كيف يمكن أن تكون قد جرت أحداث معينة لو أنها جرت بالفعل. وقد تكون بعض التواريخ غير صحيحة وبعض القصص غير محتملة، لكن ما من شيء يحول، من حيث المبدأ، بين هذه السرديات وبين النجاح في تحقيق هدفها، بل إننا نتّخذ بعض الحالات

مثالً على النجاح الباهر. بيد أنّ حلفًا قويًا من الفلاسفة ومنظّري الأدب والمؤرّخين ظهر مؤخّرًا وأعلن أنَّ هذه النظرة القائمة على الفهم الشائع هي نظرة

خاطئة وساذجة. فالحوادث الواقعية لا تتآزر معًا بطريقة سردية، وإذا ما تعاملنا معها كما لو أنها تفعل، فلن نبدو واقعيين؛ وذلك ليس

بسبب الافتقار إلى الأدلة أو بعد الاحتمال فحسب، وإنّما لأنَّ كلّ رواية سردية تقدّم لنا، بحكم شكلها، صورة مشوّهة للأحداث التي

ترويها. وتتمثّل إحدى نتائج ذلك بالنسبة إلى النظرية الأدبية بنظرة إلى التخييل السردي تؤكّد استقلاليته وانفصاله عن العالم الواقعي.

كما تتمثّل إحدى النتائج بالنسبة إلى نظرية التاريخ في التشكك في الروايات التاريخية السردية. ما أودّ القيام به هو الوقوف ضد هذا الحلف، ليس دفاعًا عن النظرة القائمة على الفهم الشائع، بل دفاعًا عن الحقيقة الأعمق

والأشدّ إثارة للاهتمام التي أحسب أنّها تشكّل أساسها. فالسرد ليس مجرد طريقة محتملة النجاح في وصف الأحداث؛ بل تتأصّل بنيته

في هذه الأحداث ذاتها. والرواية السردية ليست تشويهًا شكليًا للأحداث التي ترويها، بل هي امتداد لواحد من سماتها الأساسية. وفي

حين يدافع آخرون عن الانفصال الجذري بين السرد والواقع، فلن أدافع من جهتي عن اتصالهما فحسب، بل أيضًا عن اشتراكهما في الشكل. دعونا ننظر باقتضاب إلى وجهة النظر التي تدافع عن الانفصال قبل أن نمضي في جدالنا ضدها.

في نظرية التاريخ، قد يتوقع المرء نظرة كهذه من أولئك الذين يؤمنون بأنّ التاريخ السردي لطالما احتوى على عناصر من التخييل

لا بدّ لتاريخ علمي جديد من أن يطردها. وهؤلاء يراوحون من الوضعيين إلى مؤرّخي الحوليات. والمفارقة أنَّ التشكك حيال التاريخ

السردي نشأ بين أولئك الذين أغدقوا عليه ذلك الضرب من الاهتمام الذي يُدَّخر في العادة لموضوعٍ محلّ إعجاب وعاطفة. خذوا عمل

لويس مينك، على الرغم من أنّه يتحدث عن السرد باعتباره "طريقة للفهم" و"أداة معرفية"، ويبدو لأول وهلة أنّه يدافع عن التاريخ السردي ضد الاختزاليين مثل همبل، فإنّه يصل في النهاية إلى استنتاج مماثل لاستنتاجهم، وهو أنَّ التاريخ التقليدي يمنعه شكله ذاته

من تحقيق ادعائه المعرفي. فالبنية السردية، لا سيما الانغلاق والتكوين اللذان تسبغهما بداية القصة ووسطها ونهايتها على تسلسل الأحداث، هي بنية مستمدة من فعل حكاية القصة، وليس من الأحداث ذاتها. وفي النهاية، فإنَّ مصطلح "التاريخ السردي" هو نوع من

إرداف الخُلف الذي يجمع لفظتين متناقضتين: "فهو كتاريخ يدّعي أنّه يمثّل، من خلال شكله، جزءًا من تعقيد الماضي الواقعي، لكنّه،

كسرد، نتاج بناء خيالي لا يقوى على الدفاع عن ادّعائه الحقيقة بأيّ إجراء مقبول من إجراءات الحجاج أو التوثيق"1. يقول مينك:

"القصص لا تُعاش بل تُحكى. ليس للحياة بدايات وأواسط ونهايات [...] خصائص السرد تُنقَل من الفنّ إلى الحياة"2.

1  Louis O. Mink, "Narrative Form as a Cognitive Instrument," in: R. H. Canary & H. Kozicki (eds.), The Writing of History (Madison, WI: University of Wisconsin Press, 1978), 145. 2  Louis O. Mink, "History and Fiction as Modes of Comprehension," New Literary History , vol. 1 , no. 3 (1970), p. 557 f.

  1. Louis O. Mink, "Narrative Form as a Cognitive Instrument," in: R. H. Canary & H. Kozicki (eds.), The Writing of History (Madison, WI: University of Wisconsin Press, 1978), 145.
  2. Louis O. Mink, "History and Fiction as Modes of Comprehension," New Literary History , vol. 1 , no. 3 (1970), p. 557 f.

إن كان مينك لا يتوصّل إلى مثل هذه الاستنتاجات المتشككة إلّ على مضض، فإنّ هايدن وايت يعتنقها بجرأة. وهو مثل مينك،

يطرح السؤال عن قدرة السرد على التمثيل. وبعد تحرّيه "قيمة السرد في تمثيل الواقع"، من الواضح أنّه يستنتج في هذا الصدد أنّ تلك

القيمة ليست سوى صفر. ويتساءل "ما الأمنية التي يحققها، ما الرغبة التي يلبّيها ذلك التهويم الذي مفاده أنَّ الأحداث الواقعية تُمثَّل

على النحو الصحيح حين يمكن أن نبيّ أنّها تبدي التماسك الشكلي الذي تبديه قصة؟"3، "هل يقدّم العالَم نفسَه للإدراك حقًّا على

هيئة قصص حسنة الصنع؟ أم أنّه يقدّم نفسه أكثر بالطريقة التي يقترحها الحوليون والإخباريون، إمّا كسلسلة محض من دون بداية أو

نهاية أو كسلاسل من البدايات تنقطع فحسب ولا تصل إلى ختام قطّ؟". بالنسبة إلى وايت، الإجابة واضحة: "الفكرة التي مفادها أن

سلاسل الأحداث الواقعية تمتلك الصفات الشكلية للقصص التي نرويها عن الأحداث المتخيّلة لا أصول لها إلا في الأمنيات وأحلام اليقظة

والتهويمات". الحوليون والإخباريون على وجه التحديد هم من يقدمون لنا "نماذج للطرائق التي يقدّم بها الواقع نفسّه للإدراك"4. ما يسوق مينك ووايت في هذه الوجهة المتشككة هو في جزء منه إيمانهما المشترك بالعلاقة الوثيقة بين السرديات التاريخية والتخييلية؛ فإذا ما نظرنا إلى بعض دراسات السرد الأدبي الأشدّ أثرًا في السنوات الأخيرة، نجد نظرة مشابهة إلى العلاقة بين السردي

والواقعي، وهي نظرة يقتسمها البنيويون وغير البنيويين على حد سواء. يعبّ فرانك كيرمود عن الأمر، في دراسته النافذة الموسومة

الإحساس بالنهاية: دراسات في نظرية التخييل، على هذا النحو: "في ’فهم‘ العالم [...] نستشعر حاجةً [...] لاختبار ذلك التناغم بين البداية والوسط والنهاية الذي هو جوهر تخييلاتنا الشارحة"5. لكن مثل هذه التخييلات "تتدهور"، على حدّ قوله، إلى "أساطير" ما

إن نصدقها أو ننسب خصائصها السردية إلى ما هو واقعي، أي "ما إن يكفّ وعينا عن اعتبارها متخيَّلة"6. ويتحدث سيمور تشاتمان،

في عرضه المفيد مؤخّرًا لنظريات السرد البنيوية، عن البنية المؤلّفة من بداية ووسط ونهاية، ويلحّ على أنّها تصحّ "على السرد، على حوادث

القصة كما تسُرَد، ولا تصحّ على [...] الأفعال ذاتها، وذلك ببساطة لأنّ مثل هذه المصطلحات لا معنى لها في العالم الواقعي"7. وهو

في هذا يردد ما يقوله معلمه رولان بارت الذي يقول في عمله الشهير "مدخل إلى التحليل البنيوي للسرد": "لا يعرف الفنّ أيّ سكون."

بعبارة أخرى، ما من شيء في قصةٍ إلا وله مكانه في بنيةٍ في حين يُزَال ما هو خارجيّ دخيل؛ وهي بهذا تختلف عن "الحياة" التي يكون

كلّ شيء فيها عبارة عن "رسائل مختلطة" Brouillees Communications8. هكذا يعمد بارت، مثل مينك، إلى طرح السؤال القديم عن العلاقة بين "الفن" و"الحياة"، ويصل إلى الاستنتاج ذاته: الأوّل عاجزٌ في تكوينه عن تمثيلالثانية. يجمع بول ريكور في كتابه الزمن والسرد، الصادر مؤخّرًا، بين نظرية التاريخ ونظرية الأدب كي يقيم تناولً للسرد مركَّبًا يُفترض به

أن يكون محايدًا في ما يتعلق بالتمييز بين التاريخ والتخييل. وتحظى مشكلة التمثيل بالنسبة إلى ريكور، كما بالنسبة إلى وايت، بأهمية

مركزية: المفهوم الرئيس في تناوله هو مفهوم المحاكاة، المستمد من كتابفنّ الشعر لأرسطو. تحتفظ نظرية ريكور بهذا المفهوم ولا ترفضه، تبدو للوهلة الأولى كأنّها تجري بعكس التأكيد الذي وجدناه لدى آخرين على

الانفصال بين السرد و"العالم الواقعي". لكنّ ريكور إذ يُحك م نظريته الكاملة في علاقة المحاكاة يكشف أنّه أقرب إلى مينك ووايت

3  Hayden White, "The Value of Narrativity in the Representation of Reality," in: W. J. T. Mitchell (ed.), On Narrative (Chicago: The University of Chicago Press, 1981), p.  4. 4  Ibid., p. 23. 5  Frank Kermode, The Sense of An Ending: Studies in the Theory of Fiction (London: Oxford University Press, 1966), p. 35 f. 6  Ibid., p. 39. 7  Seymour Chatman, Story and Discourse: Narrative Structure in Fiction and Film (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1978), p. 47. 8  Roland Barthes, "Introduction a l'analyse structurale des recits," Communications , vol. 8 , no.  1 (1966), p. 7.

  1. Hayden White, "The Value of Narrativity in the Representation of Reality," in: W. J. T. Mitchell (ed.), On Narrative (Chicago: The University of Chicago Press, 1981), p.  4.
  2. Ibid., p. 23.
  3. Frank Kermode, The Sense of An Ending: Studies in the Theory of Fiction (London: Oxford University Press, 1966), p. 35 f.
  4. Ibid., p. 39.
  5. Seymour Chatman, Story and Discourse: Narrative Structure in Fiction and Film (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1978), p. 47.
  6. Roland Barthes, "Introduction a l'analyse structurale des recits," Communications , vol. 8 , no.  1 (1966), p. 7.

والبنيويين مما يبدو عليه للوهلة الأولى. وهو لا يبلغ حدّ القول معهم إنَّ العالم الواقعي تسلسلي أو تتابعيّ صرف، بل يُبقي بدلً من ذلك

على أنَّ له "بنية ما قبل سردية" من عناصر تعنو للتشكيل السردي9. لكن هذا التشكيل القبلي ليس بنية سردية هو ذاته، وهو لا ينقذنا مما يبدو أنَّ ريكور يعتبره ضربًا من التشوش التكويني المرتبط

بتجربة الزمن، وهي ذاتها تجربة "مختلطة، عديمة الشكل، على الحدّ، بكماء"10. ويخلص ريكور من دراسته اعترافاتأوغسطين

إلى أنَّ تجربة الزمن تتّسم ب "النَّشاز" بصورة أساسية. ويضفي الأدب، في شكله السردي، التناغم إلى هذه "المعضلة" Aporia من

خلال ابتداع حبكة؛ ذلك أنَّ السرد هو "توليف المتغاير" الذي تُجمَع فيه معًا عناصر العالم البشري المتباينة، "فاعلون وأهداف ووسائل

وتفاعلات وظروف ونتائج غير متوقعة، وما إلى ذلك"11، ويُضفى عليها الانسجام. ومثل الاستعارة التي كرَّس ريكور لها أيضًا دراسة

مهمة، فإنَّ السرد "ابتداع دلالي" يُدْخَل فيه شيءٌ جديد إلى العالم من طريق اللغة12. وبدلً من وصف العالم، فإنّه يُعيد وصفه.

الاستعارة، كما يقول ريكور، هي القدرة على "الرؤية كما لو أنَّ"13(. والسرد يفتحنا على "عالم الكما لو أنَّ"14. هكذا تكون البنية السردية بالنسبة إلى ريكور في النهاية منفصلة عن "العالم الواقعي" كما هو حالها عند المؤلّفين الآخرين الذين اقتبسناهم. وهو يكرر أفكار مينك ووايت والآخرين إذ يقول: "لا تؤخذ أفكار البداية والوسط والنهاية من التجربة؛ فهي ليست سمات لفعل واقعي بل آثار ترتيب شعري"15. وإذا ما كان دور السرد هو الإتيان بشيء جديد إلى العالم، وكان ما يأتي به هو توليف المتغاير، فمن

المفترض أنّه يسبغ على حوادث العالم شكلً ما كانت لتمتلكه من دونه. إنَّ قصةً من القصص لتعيد وصف العالم؛ وبعبارة أخرى، فإنّها

تصفه مفترضة لو أنّه، في الحقيقة، ليس ما هو عليه كما16. ما يُظهره هذا المسح المقتضب لوجهات النظر الحديثة حول السرد لا يقتصر على أنَّ البنية السردية تُرى بقوة على أنّها سمة

للنصوصالأدبية والتاريخية، بل يتعدّاه إلى أنَّ تلك البنية تُرى على أنّها لا تنتميّإلإلى مثل هذه النصوص وحدها. فالمقاربات المختلفة

لمشكلة التمثيل تضع القصص والتواريخ على صعيد مختلف جذريًا عن العالم الواقعي الذي تزعم تصويره. وما نظرة ريكور إلى هذا الأمر

سوى نظرة لطيفة ومحبّذة لما سبقها من نظرات. وهو يعتقد أنَّ السرديات التخييلية والتاريخية توسّع الواقع، وتمدد فكرتنا عن أنفسنا

وعمّا هو ممكن. وما فيها من محاكاة ليست محاكاةً للواقع بل إبداعًا له. ويبدو أنَّ هايدن وايت يحمل بخلاف ذلك وجهة نظر أكثر

قتامة وأكثر تشككًا، يقتسمها مع بارت وما بعد البنيويين مثل فوكو وديلوز. فالسرد ليس مجرد هروب أو عزاء أو تحوّل عن الواقع؛ بل

قد يصل في أسوأ الأحوال إلى كونه أفيونًا: تشويه مفروض من الخارج كأداة قوة وتلاعب. والسرد في كلتا الحالتين صنيع ثقافي، أدبي مختلف عمّا هو واقعي17.

9  Paul Ricoeur, Temps et recit (Paris: Seuil, 1983), pp. I, 113. 10  Ibid., p. 14. 11  Ibid., p. 102. 12  Ibid., p. 11. 13  Ibid., p. 13 ; Paul Ricoeur, La Métaphore vive (Paris: Seuil, 1975), p. 305 ff. 14  Ricoeur, Temps et recit , p. 101. 15  Ibid., p. 67.

16 ثمة تناول نقدي مفصَّل لكتاب ريكور في مقالتي التي هي مراجعة له والموجودة في:

David Carr, "Review Essay," History and Theory , vol. 23 , no. 3 (1984), pp. 357  -  370.

17 يتناول وايت نفسه في مقالة حديثة العهد له هذه التطورات تناولً أشد تفصيلً مما أفعله هنا. لكنّ لي ثلاثة تحفّظات على عرضه الذي يُعدّ نموذجًا للبحث والتركيب:

من الواضح أنَّ التواضع يمنع وايت من تسجيل دوره المهم في التطورات التي يصفها؛ وهو عمومًا يوافق على الاتجاهات التي سوف أنتقدها؛ وهو لا يوفّق، كما أحسب، في

تقويم موقف ريكور، ربما لأنَّ كتاب الزمن والسرد لم يكن متوافرًا له، انظر:

Hayden White, "The Question of Narrative in Contemporary Historical Theory," History and theory , vol. 23 , no. 1 (1984), pp. 1  -  33.

  1. Paul Ricoeur, Temps et recit (Paris: Seuil, 1983), pp. I, 113.
  2. Ibid., p. 14.
  3. Ibid., p. 102.
  4. Ibid., p. 11.
  5. Ibid., p. 13 ; Paul Ricoeur, La Métaphore vive (Paris: Seuil, 1975), p. 305 ff.
  6. Ricoeur, Temps et recit , p. 101.
  7. Ibid., p. 67.
  8. ثمة تناول نقدي مفصَّل لكتاب ريكور في مقالتي التي هي مراجعة له والموجودة في: David Carr, "Review Essay," History and Theory , vol. 23 , no. 3 (1984), pp. 357  -  370.
  9. يتناول وايت نفسه في مقالة حديثة العهد له هذه التطورات تناولً أشد تفصيلً مما أفعله هنا. لكنّ لي ثلاثة تحفّظات على عرضه الذي يُعدّ نموذجًا للبحث والتركيب: من الواضح أنَّ التواضع يمنع وايت من تسجيل دوره المهم في التطورات التي يصفها؛ وهو عمومًا يوافق على الاتجاهات التي سوف أنتقدها؛ وهو لا يوفّق، كما أحسب، في تقويم موقف ريكور، ربما لأنَّ كتاب الزمن والسرد لم يكن متوافرًا له، انظر: Hayden White, "The Question of Narrative in Contemporary Historical Theory," History and theory , vol. 23 , no. 1 (1984), pp. 1  -  33.

كان هناك بعض الخارجين على وجهة النظر هذه، مثل الناقدة الأدبية باربرا هاردي والمؤرّخ بيتر مُنز والفيلسوف فريدريك

أولافسون18. ويقدّم أليسدِر ماكنتاير وجهة نظر مختلفة جدًا في كتابهما بعد الفضيلة، وسيكون لديّ المزيد مما أقوله عنه لاحقًا. لكنَّ

من الواضح أنَّ ما أسميته نظرية الانفصال هي محلّ اقتناع بعض من أهمّ الذين يكتبون عن السرد في التاريخ والتخييل. وأودّ الآن

أن أبيّ لماذا أجد هذا الرأي على خطأ.

انتقادي الأول لتلك النظرية هو أنها تقوم على التباس خطير. فما الذي يُفترض بذلك السرد، بحسب النظرة الانفصالية، أن

يشوّهه؟ "الواقع" هو أحد المصطلحات المستخدمة. ولكن ما الذي يعنيه الواقع؟ يبدو في بعض الأحيان أنَّ العالم "الواقعي" لا بدَّ من

أن يكون العالم المادي، ذلك العالم الذي يُفترض أن يكون عشوائيًا واعتباطيًا أو بخلاف ذلك وعلى الضد منه منظّمًا بدقّة على أسس

سببية؛ لكنّه يُفترض به، في جميع الأحوال، أن يكون حياديًا حيال المشاغل البشرية. فالأشياء تحدث في تسلسل لا معنى له، مثل

الساعة "المتكتكة" التي ذكرها فرانك كيرمود. حين يُسأل ما الذي تقوله "نحن متفقون على أنّها تقول تيك توك. ومن خلال هذا

التخييل نؤنسنها [...] نحن، بالطبع، من نقيم الفرق التخييلي بين الصوتين؛ تيكهي كلمتنا التي تعبّ عن بداية مادية، وتوكهي

كلمتنا التي تعبّ عن نهاية"19. لكنّ هذا المثال البارع يزيد تعقيد المشكلة، لأنّ ما تصوره القصص والتواريخ وما يجب قياس السرد قبالته إذا ما أردنا أن نحكم

على صلاحية النظرة الانفصالية ليس الواقع المادي في المقام الأول، بل الواقع الإنساني، بما في ذلك نشاط "أنسنة" الأحداث المادية ذاته. فهل يمكن أن نقول عن الواقع الإنساني إنه مجرد تسلسل أو تتابع، شيء تلو الآخر، كما يبدو أنّ وايت يوحي به؟ من الأفضل أن نتذكر

هنا ما بيّنه بعض الفلاسفة حول تجربتنا مع مرور الزمن. فوفقًا لهوسرل، حتى التجربة الأكثر سلبية لا تشتمل على تذكّر الماضي فحسب

بل تشتمل أيضًا على التوقّع الضمني للمستقبل، أو ما يسميه الاستباق. وما يراه لا يقتصر على أنَّ لدينا القدرة النفسية على التخطيط

قدُمًا والتذكّر. وزعمه هو الزعم المفهومي أنّه لا يسعنا أن نجرّب أيّ شيء كما يحدث، بوصفه حاضرًا، إلا على خلفية ما تلاه وما نتوقع

أن يتلوه20. وقدرتنا على التجربة ذاتها، قدرتنا على أن ندرك ما هو كائن، أي "الواقع كما يقدّم نفسه لتجربةٍ من التجارب"، كما يقول

هايدن وايت، تُطاول المستقبل والماضي. تحليل هوسرل للتجربة الزمنية هو في هذا الصدد نظير النقد الذي يقدّمه ميرلو بونتي لفكرة الإحساس في التجريبية الكلاسيكية

وزعمه أنَّ ترسيمة الصورة الخلفية أساسية في الإدراك المكاني21. وهو يعتمد على علماء نفس الغشتالت الذين يدينون بدورهم لهوسرل.

فوحدات الإحساس المتميزة والمحددة بدقّة يجب أن تُفهم على أنّها تشكيل يجب تجربته ككلّ. ويستنتج ميرلو بونتي أنّ الأحاسيس،

18  Barbara Hardy, "Towards a Poetics of Fiction: An Approach Through Narrative," Novel: A forum on Fiction , vol. 2 , no. 1 (1968), p. 5 f; Barbara Hardy, Tellers and Listeners: The Narrative Imagination (London: A & C Black, 1975); Peter Munz, The Shapes of Time (Middletown, CT: Wesleyan University Press, 1977); Frederick Olafson, The Dialectic of Action (Chicago: University of Chicago Press, 1979).

وقد شدد عدد من المنظّرين الألمان على تواصل التجربة والسرد، انظَر:

Wilhelm Schapp, In Geschichten Verstrickt , 2 nd ed. (Wiesbaden: Klostermann Rotereihe, 1979); Hermann Lübbe, Bewusstsein in Geschichten (Freiburg: Verlag Rombach, 1972); Karlheinz Stierle, "Erfahrung und narrative Form," in: J. Kocka & T. Nipperdey (eds.), Theorie und Erzahlung in der Geschichte (Munich: Taschenbuch-Verlag, 1979), p. 85 ff. 19  Kermode, p. 44 f. 20  Edmund Husserl, The Phenomenology of Internal Time-Consciousness , J. S. Churchill (trans.) (Bloomington, IN: Indiana University Press, 1964), p. 40 ff. 21  Maurice Merleau-Ponty, The Phenomenology of Perception , C. Smith (trans.) (New York: The Humanities Press, 1962), p. 3 ff.

  1. Barbara Hardy, "Towards a Poetics of Fiction: An Approach Through Narrative," Novel: A forum on Fiction , vol. 2 , no. 1 (1968), p. 5 f; Barbara Hardy, Tellers and Listeners: The Narrative Imagination (London: A & C Black, 1975); Peter Munz, The Shapes of Time (Middletown, CT: Wesleyan University Press, 1977); Frederick Olafson, The Dialectic of Action (Chicago: University of Chicago Press, 1979). وقد شدد عدد من المنظّرين الألمان على تواصل التجربة والسرد، انظَر: Wilhelm Schapp, In Geschichten Verstrickt , 2 nd ed. (Wiesbaden: Klostermann Rotereihe, 1979); Hermann Lübbe, Bewusstsein in Geschichten (Freiburg: Verlag Rombach, 1972); Karlheinz Stierle, "Erfahrung und narrative Form," in: J. Kocka & T. Nipperdey (eds.), Theorie und Erzahlung in der Geschichte (Munich: Taschenbuch-Verlag, 1979), p. 85 ff.
  2. Kermode, p. 44 f.
  3. Edmund Husserl, The Phenomenology of Internal Time-Consciousness , J. S. Churchill (trans.) (Bloomington, IN: Indiana University Press, 1964), p. 40 ff.
  4. Maurice Merleau-Ponty, The Phenomenology of Perception , C. Smith (trans.) (New York: The Humanities Press, 1962), p. 3 ff.

بعيدًا عن كونها وحدات التجربة الأساسية، هي نتاجات للتحليل مجردة جدًا. ولا بدَّ من قول الشيء ذاته، على أساس تحليل هوسرل

للتجربة الزمنية، عن فكرة تسلسل الأحداث المنعزلة "المجرد" أو "المحض". وهذا ما يَثْبتُ أنّه تخييل، تخييل نظري في هذه الحالة: قد

يسعنا أن نتصوره، لكنه ليس واقعيًا بالنسبة إلى تجربتنا. فالأحداث حين نواجهها، حتى في أشدّ حالاتنا سلبية، تكون مشحونة بالدلالة

التي تستمدها من تذكّراتنا واستباقاتنا. إن كان هذا يصحّ على تجربتنا الأشدّ سلبية، فهو يصحّ أكثر على حياتنا النشطة التي نستشير فيها التجربة السابقة، ونتصوّر

المستقبل، وننظر إلى الحاضر على أنّه ممرّ بين الاثنين. وكلّ ما نواجهه ضمن تجربتنا يعمل إمّا أداةً لخططنا وتوقعاتنا وآمالنا وإما عقبة

أمامها. ومهما تكن "الحياة" مختلفة عن ذلك، فإنّها من الصعب أن تكون تسلسلً بلا بنيةٍ لأحداث منعزلة. قد يُعترَض بأنَّ البنية ليست بالضرورة بنية سردية. ولكن ألا توجد صلة بين بنية الوسيلة - الغاية الخاصة بالفعل وبنية

البداية – الوسط - الخاتمة الخاصة بالسرد؟ في الفعل، نحن دومًا في خضمّ شيء ما، أسرى تشويق الطوارئ التي يُفترض أن تجد حلّها في

اكتمال مشروعنا. ومن المؤكد أنّ سردًا يجمع أفعالً كثيرة كي يشكّل حبكة. لكنَّ الكلّ الناتج غالبًا ما يظلّ يوسَم بأنّه فعلٌ واسع النطاق:

تقدّم في العمر، مجرى علاقة حب، حلّ لغزٍ محيطٍ بجريمة قتل. فبنية الفعل، ضيق النطاق وواسعه، هي بنية مشتركة بين الفنّ والحياة. ما الذي يمكن أن يعنيه أنصار النظرة الانفصالية، إذًا، حين يقولون إنَّ الحياة ليس لها بدايات وأواسط ونهايات؟ لا يقتصر الأمر

على أنّهم ينسون الموت، كما يشير ماكنتاير22، و من ثمّ الولادة، بل ينسون جميع أشكال الانغلاق والبنية الأخرى الأقلّ تحديدًا إنّما

المهمة التي يمكن العثور عليها على طول المسار من الولادة إلى الموت. هل يقولون إنَّ لحظةً يُدشَّن فيها فعلٌ، على سبيل المثال، ليست

بداية واقعية لمجرد أنَّ لها لحظات أخرى تسبقها، وأنّ الزمن (أو الحياة) يتواصلان بعد انتهاء الفعل وتحصل أشياء أخرى؟ لعلّهم

يضعون ذلك قبالة إطلاقية البداية والنهاية في رواية، إذ تبدأ في الصفحة الأولى وتنتهي في الصفحة الأخيرة مع "النهاية". لكنَّ من المؤكد

أنَّ المهم هنا هو العلاقة المتبادلة بين الأحداث المصوَّرة، وليس القصة بوصفها سلسلة من الجمل أو المنطوقات. وما أقوله هو أنَّ بنية

الوسيلة - الغاية الخاصة بفعل من الأفعال تبدي بعض خصائص بنية البداية – الوسط - الخاتمة التي يقول أنصار النظرة الانفصالية إنّها تغيب في الحياة الواقعية. هكذا يمكن لحوادث الحياة أن تكون أيّ شيء ما عدا كونها مجرد تسلسل أو تتابع؛ الأحرى أنّها تشكّل بنية معقدة من

التشكيلات الزمنية التي تتشابك وتستمدّ تعريفها ومعناها من داخل الفعل ذاته. من المؤكد أنَّ بنية الفعل قد لا تكون منسقة؛ فالأشياء

لا تعمل دومًا كما هو مخطط لها، لكن هذا يقتصر على أنّه يضيف إلى الحياة عنصر المصادفة والتشويق ذاته الذي نجده في القصص،

وهو لا يبرر الادعاء أنَّ الفعل العادي هو فوضى عناصر بلا رابط يربطها. لكن، لعلّ ثمّة طريقة أخرى للتعبير عن النظرة الانفصالية لا تتضمن الزعم غير المعقول أنَّ الأحداث البشرية ليس لها بنية زمنية.

ليست قصةٌ من القصص مجرد سلسلة من الأحداث منظَّمة زمنيًا، بما في ذلك تلك التي لبنيتها بداية ووسط ونهاية. وما ينتمي إلى

مفهومنا للقصة لا يقتصر على تطور الأحداث، بل يتعدّاه إلى قاصّ وجمهور يُقَصّ له. وقد يُعتقد أن هذا يضفي على الأحداث المترابطة

في قصةٍ نوعًا من التنظيم الذي يُنكَر من حيث المبدأ على حوادث الفعل العادي. ثمة ثلاث ميزات للسرد قد تبدو أنّها تبرر هذا الادعاء. أولً، في قصةٍ جيدة، وكي نستخدم صورة لرولان بارت، يجري قطعٌ لكلّ

ضوضاء أو سكون خارجيين؛ أي إنّ القاصّ لا يخبرنا نحن الجمهور إلا بما هو ضروري ل "دفع الحبكة قُدمًا". ويجري اصطفاء من

22  Alasdair MacIntyre, After Virtue (Notre Dame, IN: University of Notre Dame Press, 1981), p.  197.

  1. Alasdair MacIntyre, After Virtue (Notre Dame, IN: University of Notre Dame Press, 1981), p.  197.

بين جميع الأحداث والأفعال التي قد تنخرط فيها الشخصيات، فلا يجد طريقه إلى القصة سوى القليل منها. أمّا في الحياة، في المقابل،

فيُبقى على كلّ شيء؛ كما يكون هناك السكون كلّه. تفضي هذه النقطة الأولى إلى الثانية. فالاصطفاء يكون ممكنًا لأن القاصّ يعرف الحبكة على نحو لا يعرفه (وقد لا يعرفه) الجمهور

ولا الشخصيات. وتوفّر هذه المعرفة المبدأ اللازم لاستبعاد ما هو خارجي. إن الصوت السردي، كما يقول هايدن وايت23، هو صوت السلطة، لا سيما في العلاقة بالقارئ أو بالمستمع. فهذا الأخير هو في موقف العبودية الطوعية في ما يتعلق بما سيُكشف عنه ومتى.

ويحظى بالقدر ذاته من الأهمية أنَّ الصوت السردي هو صوت منطوٍ على مفارقة، احتمالً على الأقلّ، لأنَّ القاصّ يعرف العواقب

الفعلية والمقصودة لأفعال الشخصيات. وهكذا تتجسد هذه المفارقة في المقام الأول في العلاقة بين القاصّ والشخصية؛ لكنها تتعلّق

بالجمهور أيضًا، نظرًا إلى أنَّ توقعاته، مثل توقعات الشخصيات، يمكن أن تخيب بشدّة. يمكن النظر إلى موقف المفارقة لدى القاصّ على أنّه تابع (وهذه هي النقطة الثالثة) لموقعه الزمني بالعلاقة بأحداث القصة. وهذا

الموقع، تقليديًا، هو موقع تالٍ للأحداث، مزية من مزايا الإدراك اللاحق الذي يقتسمه المؤرّخ وقاصّ القصص التخييلية (في العادة.)

ويسمح هذا الموقع، كما يشير آرثر دانتو، بتوصيفات للأحداث مستمدة من علاقتها بأحداث لاحقة، وبذلك غالبًا ما يكون مقتصرًا على

مشاركين في الأحداث ذاتها24. ويمكن اعتبار هذه النظرة اللاحقة لأحداث القصة، بطريقة مينك المفضلة، نظرة خارجالأحداث أو

فوقها تطاولها جميعًا في لمحة وترى ترابطها25. هذا التحرر الواضح من قيود الزمن، أو من تتبّع الأحداث على الأقلّ، يعبّ عن نفسه في

بعض الأحيان في التباين بين ترتيب الأحداث وترتيب قصّها. وتُظهر حالات الخطف خلفًا والخطف قدُمًا، على نحو مؤكَّد، سلطة الصوت

السردي على كلٍّ من الشخصيات والجمهور. باختصار، لا ينطوي مفهوم القصة، كما قال روبرت سكولز وروبرت كيلوغ، على تسلسل الأحداث الجارية فحسب، بل على وجود

ثلاث وجهات نظر مميزة بصدد تلك الأحداث: وجهة نظر القاصّ، ووجهة نظر الجمهور، ووجهة نظر الشخصيات26. ومن المؤكّد

أنَّ وجهات النظر هذه قد تتوافق في بعض الحالات: قد تُقَصّ قصة من وجهة نظر شخصية من الشخصيات، أو بصوتها. وهنا حتى

الجمهور يعلم بقدر ما تعلم الشخصية وتبدو وجهات النظر جميعها متطابقة؛ ولكن حتى رواية ضمير المتكلّم عادةً ما تسُرد بعد الواقعة، كما تتوقف عملية الاصطفاء على اختلاف وجهة النظر بين المشارك والقاصّ. وعلى أيّ حال، فإن مجرد احتمال التباين بين وجهات

النظر الثلاث يكفي لإثبات هذه النقطة؛ نقطة أنَّ أحداث القصة وتجاربها وأفعالها قد يكون لها معنى، وتاليًا مبدأ للتنظيم، مُقصى عن

نطاق الشخصيات في القصة. باعتبارنا مشاركين وفاعلين في حياتنا الخاصة، وفقًا لهذا الرأي، نحن مضطرون إلى أن نعوم مع الأحداث ونأخذ الأشياء كما تأتي. فنحن مقيدون بالحاضر ومحرومون من وجهة نظر القاصّ السلطوية والارتجاعية. وبذلك فإنَّ الفارق الفعلي بين "الفنّ" و"الحياة" لا

يكون التنظيم مقابل الفوضى، بل خلوّ الحياة من وجهة النظر التي تحوّل الأحداث إلى قصة عن طريق قصّها. ليس القصّ مجرد نشاط

لفظي وليس مجرد إعادة تلاوة للأحداث، بل هو نشاط يمليه نوع معيّ من المعرفة المتفوقة. لا شكّ في أنَّ هناك الكثير من الحقيقة في

هذا التحليل، وهو كدفاع عن الرأي الانفصالي متفوّق حتمًا على الزعم أنَّ الأحداث البشرية تشكّل تسلسلً بلا معنى. لكن هذا الدفاع،

شأنه شأن سابقه، يتجاهل بعض السمات المهمة ل "الحياة الواقعية."

23  Hayden White, "The Structure of Historical Narrative," Clio , vol. 1 , no. 3 (1972), p. 12 ff. 24  Arthur Danto, Analytical Philosophy of History (London: Cambridge University Press, 1965), p. 143 ff. 25  Mink, "History and Fiction," p. 557 ff. 26  Robert Scholes & Robert Kellogg, The Nature of Narrative (New York: Oxford University Press, 1966), p. 240 ff.

  1. Hayden White, "The Structure of Historical Narrative," Clio , vol. 1 , no. 3 (1972), p. 12 ff.
  2. Arthur Danto, Analytical Philosophy of History (London: Cambridge University Press, 1965), p. 143 ff.
  3. Mink, "History and Fiction," p. 557 ff.
  4. Robert Scholes & Robert Kellogg, The Nature of Narrative (New York: Oxford University Press, 1966), p. 240 ff.

مفتاح هذا التجاهل هو إحساس خاطئ بكوننا "مقيدين إلى الحاضر". فالحاضر هو على وجه الدقّة زاوية نظر أو نقطة أفضلية تفتح على المستقبل والماضي أو تتيح النفاذ إليهما. وهذا ما أعتبره معنى التحليل الهوسرلي. حتى في التجربة السلبية نسبيًا المتمثلة بسماع

لحن، كي نستخدم مثال هوسرل، نحن لا نكتفي بأن نجلس وننتظر وصول التنبيهات إلينا، بل نلتقط تشكيلً يمتد إلى المستقبل الذي يعطي لكل علامة من العلامات المسموعة معناها. هكذا يتمثّل الحاضر والماضي في تجربتنا كتابع لما سيكون. إنَّ طبيعة الفعل الغائية تسبغ عليه، بطبيعة الحال، الطابع ذاته المتجه نحو المستقبل. ولا يقتصر الأمر على أنَّ أفعالنا وحركاتنا،

الحاضرة والماضية، تستمد معناها من النهاية المتوقعة التي تخدمها؛ بل يتعدّاه إلى أنَّ محيطنا يعمل مجالً للعمليات، وإلى أنَّ الأشياء

التى نواجهها في أثناء تجربتنا تعزز مقاصدنا (أو تعيقها). والحال أنه يمكن القول، في حياتنا النشطة، إنَّ بؤرة اهتمامنا ليست الحاضر

بل المستقبل؛ ليست الأدوات بل العمل الذي يتعيّ القيام به، كما يقول هايدغر27. وقد لاحظ ألفريد شوتز أنَّ للفعل، من الناحية

الزمنية، الطابع شبه الارتجاعي الذي يتوافق مع صيغة المستقبل التام: إذ يُنظَر إلى عناصر الفعل وأطواره من منظور اكتمالها، على الرغم

من أنّها تتكشّف في الزمن28. إذا كان هذا صحيحًا عندما نكون مستغرقين في الفعل، فإنّه أكثر صحّة في لحظات الانسحاب التأملّي أو التداولي غير المعنية

بصوغ المشاريع والخطط فحسب، بل أيضًا بالمراجعة وإعادة التقويم المتواصلتين المطلوبتين أثناء تقدمنا واضطرارنا إلى التعامل مع ظروف متغيرة. وجوهر النشاط التداولي هو توقع المستقبل وبسط الفعل بأكمله كسلسلة موحدة من الخطوات والمراحل، من الوسائل المتشابكة والغايات. وفي هذا كلّه يصعب القول إنّ اهتمامنا مقتصر على الحاضر، كما يصعب القول إنّه ما من اصطفاء يقع. ومن المؤكّد أن

الضوضاء أو السكون لا يُستبعدان تمامًا، لكنهما يتم التعرّف إليهما بوصفهما ضوضاء أو سكونًا وتُدفعان إلى الخلفية. الردّ الواضح هنا هو، بالطبع، أنّ المستقبل المعنيّ في جميع هذه الحالات ليس سوى المستقبل المتوخّى أو المتوقَّع، وأنَّ الفاعل ليس

بحوزته سوى شبه إدراك لاحق، أو شبه استرجاع. والأساسي بالنسبة إلى موقع القاصّ هو ميزة الإدراك اللاحق الفعلي، وهو تحرر فعلي

من قيد الحاضر يضمنه احتلال موقع أبعد من الأحداث المسرودة أو فوقها أو خارجها. فالقاصّ متوضّع في ذلك الموقع المحظوظ أبعد من

جميع الظروف غير المتوقعة التي تطرأ، وأبعد من جميع عواقب فعلنا غير المقصودة التي تبلو أيامنا وخططنا. هذا صحيح، بالطبع؛ فالفاعل لا يشغل مستقبلً فعليًا في ما يتعلق بالفعل الحالي. وما أراه يقتصر على أنَّ الفعل يبدو منطويًا، بصورة

أساسية في الحقيقة، على اعتماد وجهة نظر ارتجاعيةٍ-   متوقِّعةٍ للمستقبل بصدد الحاضر. نحن نعلم أننا في الحاضر وأنَّ ما هو غير متوقَّع

قد يحدث، لكن جوهر الفعل هو السعي للتغلب على هذا القيد من خلال أقصى تكهّن ممكن. ليس الروائيون والمؤرخون وحدهم من

ينظرون إلى الأحداث من حيث علاقتها بأحداث لاحقة، إذا ما استخدمنا صيغة دانتو الخاصة بوجهة النظر السردية؛ فنحن جميعًا نفعل

ذلك طوال الوقت، في الحياة اليومية. والفعل هو نوع من التأرجح بين وجهتي نظر حول الأحداث التي نعيشها والأشياء التي نفعلها. فالأمر لا يقتصر على أننا لا نكتفي بالجلوس ونترك الأمور تحصل لنا؛ بل نحن نفلح في الجزء الأكبر من مفاوضاتنا مع المستقبل، أو في جزء كبير منها على الأقلّ. نحن، في النهاية، قادرون على الفعل. ما أقوله، إذًا، هو أننا نسعى باستمرار، بهذا القدر أو ذاك من النجاح، لأن نشغل موقع القاصّ في ما يتعلق بحياتنا. وكي لا نحسب

أنَّ هذا مجرد استعارة متكلّفة، يكفي أن نفكر في الأهمية التي يحظى بها، في عملية التأمل والتداول، نشاط الإخبار الحرفيّ عمّا نفعله،

27  Martin Heidegger, Being and Time , J. Marcquarrie & E. Robinson (trans.) (New York: Harper and Row, 1962), p. 99. 28  Alfred Schutz, The Phenomenology of the Social World , G. Walsh & F. Lehnert (trans.) (Evanston, IL: Northwestern University Press, 1967), p. 61.

  1. Martin Heidegger, Being and Time , J. Marcquarrie & E. Robinson (trans.) (New York: Harper and Row, 1962), p. 99.
  2. Alfred Schutz, The Phenomenology of the Social World , G. Walsh & F. Lehnert (trans.) (Evanston, IL: Northwestern University Press, 1967), p. 61.

بالنسبة إلى الآخرين وكما بالنسبة إلينا. ولدى السؤال، "ما الذي تفعلونه؟" نتوقّع أن نخرج بقصة مكتملة ذات بداية ووسط ونهاية، إخبار أو نقل هو وصف وتبرير في آن معًا. وحقيقة أننا غالبًا ما نحتاج إلى حكاية مثل هذه القصة حتى لأنفسنا بغية استيضاح ما نحن

بصدده تلقي الضوء على أمرين مهمين. الأول هو أنَّ هذا النشاط السردي، حتى لو صرفنا النظر عن دوره الاجتماعي، هو جزء مكوِّن

من أجزاء الفعل، وليس مجرد تنميق أو تعليق أو غير ذلك من الأشكال المرافقة العارضة. والثاني هو أننا في بعض الأحيان ننتحل، على

نحوٍ ما، وجهة نظر الجمهور الذي تُحكى له القصة، حتى في ما يتعلّق بفعلنا، فضلً عن وجهتي النظر اللتين سبق ذكرهما: وجهة نظر الفاعل أو الشخصية ووجهة نظر القاص. هكذا كان لويس مينك يعمل بتمييز خاطئ تمامًا حين قال إنّ القصص لا تُعاش بل تُحكى. فهي تُحكى إذ تُعاش، وتُعاش إذ

تُحكى. ويمكن النظر إلى أفعال الحياة وآلامها على أنّها عملية إخبار أنفسنا بقصصٍ، أو إصغاء إلى تلك القصص، أو تأديتها، أو عيشها.

وأنا لا أفكر هنا سوى بعيش المرء حياته الخاصة، بصرف النظر عن البعد الاجتماعي التعاوني والعدائي لفعلنا الذي يرتبط بالسرد على نحو أشدّ وضوحًا. وفي بعض الأحيان يكون علينا أن نغيّ القصة كي تستوعب الأحداث؛ وفي أحيان أخرى نغيّ الأحداث، من خلال الفعل،

كي تستوعب القصة. ليس الأمر، كما يوحي مينك، أننا نعيش ونفعل أولً ثم نتحلّق، بعد ذلك، حول النار ونحكي عما فعلناه، لنخلق شيئًا

جديدًا تمامًا بفضل منظورٍ جديد. وليست وجهة نظر السارد الارتجاعية، بقدرتها على رؤية الكلّ بكلّ ما فيه من مفارقة، في تعارض لا حلّ

له مع وجهة نظر الفاعل، بل هي امتداد وتنقيح لوجهة نظر متأصّلة في الفعل ذاته. ومينك والآخرون على حقّ، بالطبع، في اعتقادهم أن

السرد يكوّن أو يشكّل شيئًا ما، ويخلق معنى ولا يكتفي بعكس شيء موجود على نحو مستقل عنه أو بمحاكاته. ويفعل السرد هذا، على

الرغم من تشابكه مع الفعل، في سياق الحياة ذاتها، وليس بعد الواقعة فحسب، على أيدي المؤلّفين، في صفحات الكتب. بهذا المعنى، يكون النشاط السردي الذي أشير إليه عمليًا قبل أن يغدو معرفيًا أو جماليًا في التاريخ والتخييل. كما يمكن أن نصفه

بأنّه أخلاقي أو اعتباري بالمعنى الواسع الذي يستخدمه أليسدِر ماكنتاير والمستمدّ في النهاية من أرسطو. وهذا يعني أنّ السرد بمعناه لديّ

لا يقتصر على الفعل والتجربة بل يتعدّاهما أيضًا إلى الذات التي تفعل وتجرّب. وبدلً من كوني مجرد مادة ثابتة زمنيًا تشكّل أساس

مفاعيل الزمن المتغيرة وتدعمها، مثل شيء في علاقته بخصائصه، فأنا ذاتُ قصة حياة لا تني تُحكى وتُعاد حكايتها في سياق العيش، وأنا

أيضًا القاصّ الرئيس لهذه القصة، كما أنتمي أيضًا إلى الجمهور الذي تُحكى له. ويمكن النظر إلى المشكلة الأخلاقية - العملية الخاصة

بالهوية الذاتية والتماسك الذاتي على أنّها مشكلة توحيد هذه الأدوار الثلاثة. وربما يكون ماكنتاير محقًا في مهاجمته مثال التأليف

الذاتي أو الأصالة بوصفها صنم الفردانية الحديثة والتمركز على الذات29. لكنَّ مشكلة التماسك لا يمكن حلّها على الدوام، كما يبدو

أنَّ ماكنتاير يعتقد، من خلال الحصانة التي تتمتّع بها قصةٌ وضعها المجتمع وأدواره مقدّمًا. وقد تعتمد هويتي كذات على القصة التي

أختارها وما إذا كان في مقدوري أن أجعلها متآزرة على طريقة ساردها، إن لم يكن على طريقة مؤلّفها. وقد تكون ثمة أهمية لفكرة الحياة

بوصفها تسلسلً لا معنى له، تلك الفكرة التي سبق أن نبذناها باعتبارها وصفًا بعيدًا عن الصواب، إذا ما اعتبرناها ذلك الاحتمال الدائم

لحصول ما يطارد الذات ويتهددها من تفتت وتفكك وانحلال.

لكن ما علاقة كلّ هذا بالتاريخ؟ لقد أنحينا باللائمة على نظرية الانفصال لإساءتها فهم "الواقع الإنساني"، لكن المعنى الذي نحمله لهذا المصطلح الأخير يبدو مصممًا، كما تشير خاتمة القسم السابق، للتجربة الفردية والعمل والوجود الفرديين. والحال أن

لجوءنا إلى بعض المواضيع الظاهراتية قد يشير إلى أنَّ ما قلناه مرتبط منهجيًا بوجهة نظر ضمير المتكلّم المفرد. أمّا التاريخ، في المقابل،

29  MacIntyre, p. 191.

  1. MacIntyre, p. 191.

فيتعامل في المقام الأول مع الوحدات الاجتماعية، ومع الأفراد إلى الحدّ الذي تكون فيه حياتهم وأفعالهم مهمة للمجتمع الذي ينتمون

إليه. والسؤال، هل للتصور السردي للتجربة والفعل والوجود الذي طوّرناه في القسم السابق أيّ صلة على الإطلاق ب "الواقع الإنساني"

في أشكاله الاجتماعية على وجه التحديد؟ أعتقد أنّ له مثل هذه الصلة، وسوف أقدّم في هذا القسم عرضًا موجزًا لذلك. ثمة معنى واضح، بالطبع، يكون فيه تصورنا للسرد

اجتماعيًا من البداية. فوظيفة القصّ، سواء كان مجازيًا أو حرفيًا، هي نشاط اجتماعي، وعلى الرغم من أننا تحدثنا عن الذات بوصفها

جمهورًا لسردها الخاص، فإن قصة حياة المرء ونشاطه تُقَصّ للآخرين بقدر ما تُقَصّ للذات. وما أراه هو أنَّ الذات هي ذاتها تفاعل أدوار،

لكن من الواضح أنَّ الفرد تكوّنه المعاملات بين الأشخاص كما يكوّنه التأمل الشخصي الداخلي. بيد أنَّ الكلام عن البناء الاجتماعي

للذات شيء، واستقصاء تكوين الكيانات الاجتماعية شيء آخر. للنظر في السؤال السابق، ليس من الضروري أن نتبنى موقف عالم الاجتماع أو المؤرّخ اللذين يراقبان شيئًا من الخارج. نحن أيضًا

مشاركون في مجموعات، وقد يتأتّ فهمنا الأفضل لطبيعة هذه المجموعات من التأمّل في معنى المشاركة. وما يستوقفني في شأن الحياة

الاجتماعية هو مدى مشاركة الفرد في تجارب وانخراطه في أفعال موضوعها الفعلي ليس الفرد نفسه بل المجموعة. فالعيش في منطقة، وإقامة التنظيمات السياسية والاقتصادية بغية تعهدها بالرعاية وتحضيرها، واختبار تهديد طبيعي أو بشري والارتقاء لمواجهته: هذه

تجارب وأفعال لا تقبل النسبة في العادة إليّ وحدي، أو إليّ، أو إليك، أو إلى الآخرين بوصفنا أفرادًا. فهي تعود إلينا: ليست تجربتي بل

تجربتنا، ولست أنا من يفعل، بل نحن الذين نفعل على نحو جماعي متناغم. والقول إننا نبني منزلً لا يكافئ القول إنني أبني منزلً،

وإنك تبني منزلً، وإنه يبني منزلً وهلمّ جرا. ومن المؤكّد أنَّ استخداماتنا اللغوية للنحنلا تحمل جميعها معنى العمل المتناغم، وتقسيم

العمل، وتوزيع المهمات، والغاية المشتركة. وفي بعض الحالات، تكون ال نحنمجرد اختصار لمجموعة من الأفعال الفردية. لكن الحياة الاجتماعية تشتمل على بعض الحالات المهمة جدًا التي ينسب فيها الأفراد تجاربهم وأفعالهم، من خلال المشاركة، إلى ذات أو فاعل

أكبر ليسوا سوى جزء.ٍمنه إذا كان الأمر كذلك، فقد لا تكون ثمة ضرورة لأن نتخلى عن مقاربة ضمير المتكلّم في الانتقال من الفردي إلى الاجتماعي،

بل لأن نستكشف فحسب صيغته الجمعية بدلً من صيغته المفردة. حين نجري مثل هذه النقلة، نجد توازيات عديدة مع تحليلنا تجربة الفرد وفعله. وتكون لدينا تجربة مشتركة حين نفهم سلسلة من الأحداث على أنّها تشكيل زمني يستمد طوره الحالي أهميته من

علاقته بماضٍ ومستقبلٍ مشتركين. وبالمثل، فإنَّ الانخراط في عمل مشترك يعني تكوين سلسلة من الأطوار التي يُفصَح عنها كخطوات

ومراحل، ومشاريع فرعية، ووسائل وغايات. فالزمن الإنساني الاجتماعي إنّما يُبنى، شأنه شأن الزمن الإنساني الفردي، في تشكيل من

السلاسل تؤلّف أحداث فعلنا المشترك وتجربتنا المشتركة ومشاريعهما. أعتقد، كما من قبل، أنَّ بنية الزمن الاجتماعي يمكن أن تدعى بنية سردية، لا لأنَّ لها النوع ذاته من الانغلاق والتشكيل

اللذين وجدناهما على المستوى الفردي فحسب، بل أيضًا لأنَّ هذه البنية ذاتها باتت ممكنةً مرة أخرى من خلال نوع من التأمّل

الذي تمكن مقارنته بتأمّل الصوت السردي. فالتسلسل الزمني لا بدّ من أن يوضع موضع فهم مستقبلي - ارتجاعي يمنحه تشكيله أو

تكوينه، ويضفي على أطواره معناها المتمثّل بتقديم حدث جرت تجربته على نحو مشترك أو بتحقيق هدف مشترك. لكن تقسيم العمل،

الضروري لتنفيذ مشاريع مشتركة، قد يكون في حالة المجموعات سمة من سمات البنية السردية نفسها؛ أي إنَّ التفاعل بين الأدوار،

السارد والجمهور والشخصية، يمكن أن يكون هنا مقسّمًا بالمعنى الحرفي بين المشاركين في المجموعة. ويمكن لبعض الأفراد أن يتحدثوا

بالنيابة عن المجموعة أو باسمها، ويوضحوا للآخرين ما نختبره "نحن" أو نفعله. ويجب بالطبع أن تُصدَّق "القصة" الناتجة أو تُقبل لدى

الجمهور الذي تخاطبه كي يكون لأعضائها أن يفعلوا أو يعيشوا بوصفهم "شخصيات" القصة التي تُحكى.

لم أتحدث في القسم الأخير عن التنظيم الزمني - السردي للتجارب والأفعال فحسب، بل أيضًا للذات التي تجرّب وتفعل؛ فالذات،

شأنها شأن الوحدة بين عديد التجارب والأفعال، تتكون بوصفها الموضوع الذي تدور حوله قصة حياة. وكذلك الأمر بالنسبة إلى تكوين ضروب معينة من المجموعات التي تبقى بعد تجارب وأفعال مشتركة معينة لتكتسب وجودًا مستقرًا بمرور الوقت. ليست المجموعات

جميعها من هذا النوع؛ ثمة تجمعات من الأفراد لا تشكّل مجموعات إلا من خلال اقتسامها خصائص موضوعية مثل الموقع أو العرق أو الجنس أو الطبقة الاقتصادية. أمّا المجموعات من نوع خاص وذات الأهمية اجتماعيًا وتاريخيًا فتتكوّن عندما ينظر الأفراد إلى

بعضهم بعضًا بطريقة يستخدمون فيها النحنفي وصف ما يحدث لهم، وما يفعلونه، ومن هم. وهذا هو، بالطبع، نوع المجموعة التي يُحتفَظ لها بكلمة "جماعة". وفي بعض الحالات الأكثر إثارة للاهتمام، تغدو الخصائص الموضوعية ذاتها، مثل الجنس أو العرق أو

الطبقة، أساسًا لتحوّل نوع من المجموعات إلى نوع آخر؛ إذ يُدرك الأفراد أنَّ هذه المجموعة بوصفها عرقًا أو جنسًا أو طبقة هي مجموعة

مضطهدة أو محرومة، وما يُفهَم على أنّه تجربة مشتركة يمكن أن يُلبَّى من خلال الفعل المشترك. توجد الجماعة بهذا المعنى بفضل قصة يُفصَح عنها وتُقبل، وعادةً ما تُعنى بأصول المجموعة ومصيرها، وتفسّ ما يحدث الآن في

ضوء هذين القطبين الزمنيين. وليس احتمال الموت بغير أهمية في مثل هذه الحالات، إذ يجب على المجموعة ألّ تتعامل مع تهديدات الدمار الخارجية المحتملة فحسب، بل أيضًا مع ميلها النابذ إلى التفتت. ويمكن القول من جديد إنَّ الوظيفة السردية هي وظيفة عملية

قبل أن تكون معرفية أو جمالية؛ تجعل العمل المتناغم ممكنًا، كما تعمل على الحفاظ على الذات التي تفعل. بل إنَّ علينا أن نمضي

أبعد من ذلك ونقول إنها تكوّنالمجموعة بالمعنى الحرفي. وكما من قبل، فإنَّ السرد ليس وصفًا أو رواية عن شيء موجود مسبقًا بمعزل

عن السرد الذي يكتفي بالمساعدة على تحقيقه. الأحرى أنّ السرد، شأنه شأن وحدة القصة والقاصّ والجمهور والبطل، هو ما يكوّن

الجماعة ونشاطاتها وتماسكها في المقام الأول. لقد بدأت هذه الدراسة بمناقشة فعل الفرد وتجربته وهويته، وانتقلت من هناك إلى الجماعة، فتعاملت مع هذه الأخيرة على أنّها

تشبه الأول. ونظرًا إلى أنَّ استعارة القصّ والإصغاء، كما ذكرنا من قبل، أكثر ملاءمةً للمجموعة منها للفرد، فإنّ من الممكن القول إن

ترتيبنا قد يكون أفضل إذا ما قُلب. ولعلّنا نقدّم​ الذات الفردية كنوع من جماعة القصّاصين والمستمعين والشخصيات، متلاحمة في فهمها

قصة مشتركة وفي تأديتها. ومع أنني أجد هذا مثيرًا للاهتمام، إلا أنه قد يكون مضللً؛ فالقصة المهمة هنا هي قصة من نوع خاص؛

القصة السيرية الذاتية التي تكون القضية فيها هي وحدة وتماسك ذات، متطابقة مع كلّ من قاصّ القصة ومستمعها. إنّ وحدة الذات

وتماسكها، بكلّ مشكلاتها المصاحبة، هي مسألة صميمية بالنسبة إلينا جميعًا، وهي لهذا السبب أفضل نقطة انطلاق لإجراء مقارنة

تلقي الضوء على الوجود الاجتماعي. قد يشعر بعضهم بعدم الارتياح حيال هذا الإحياء لفكرة الذات الجمعية. فعلى الرغم من أنَّنا نجد سوابق تاريخية للفكرة التي

مفادها أنَّ الجماعة شخص "كبير"، لا سيما لدى أفلاطون وهيغل، فإنّها موضع شكّ كبير في هذه الأيام. ويدرك الجميع أننا في الكلام

العادي غالبًا ما ننسب إلى مجموعاتٍ خصائصَ ونشاطات شخصية، لكن قلّةً هم المستعدّون لاعتبار ذلك أكثر من مجردطريقة تعبير.

حتى أولئك الذين يفضلون الكلّية على الفردانية في النقاشات حول منهجية العلوم الاجتماعية، عادةً ما ينأون بأنفسهم عن أيّ تصور

من تصورات الذاتية الاجتماعية30. إنّ الفردانيين هم الذين يصرّون على الذات الهادفة والعقلانية والواعية بوصفها المفتاح لما يجري

في المجتمع، لكنهم يقصرون هذا التصور على الشخص الفرد؛ في حين يشدد الكلّيون على درجة انغماس سلوك الفرد في سياقات غير مقصودة من نوع بنيوي وسببي.

30  Ernst Gellner, "Explanation in History," in: J. O'Neill (ed.), Modes of Individualism and Collectivism (London: Heinemann Educational, 1973), p. 251 ; Anthony Quinton, "Social Objects," Proceedings of the Aristotelian Society , vol. 76 , no. 1 (1975 - 1976), p. 17.

  1. Ernst Gellner, "Explanation in History," in: J. O'Neill (ed.), Modes of Individualism and Collectivism (London: Heinemann Educational, 1973), p. 251 ; Anthony Quinton, "Social Objects," Proceedings of the Aristotelian Society , vol. 76 , no. 1 (1975 - 1976), p. 17.

لا شكَّ في أنَّ هنالك أسبابًا كثيرة ومثيرة للاهتمام تقف وراء الامتناع عن أخذ فكرة الذاتية الاجتماعية على محمل الجدّ، لا سيما

لدى العقل الأنكلوسكسوني، لكنّ أحد هذه الأسباب هو، بلا شكّ، الطريقة التي جرى بها تقديم هذه الفكرة، أو اعتُق دَ أنّها قُدِّمَت

بها، لدى بعض دعاتها. وفي الكاريكاتور المشهور لفلسفة التاريخ الهيغلية نجد الروح العالمي يغذّ السير بعزم وطيد في مسيرته مستغل الأفراد بدهاء لأغراض يجهلونها وعادةً ما تتعارض مع الأغراض التي يسعون وراءها هم أنفسهم. وفي الآونة الأخيرة، رأى سارتر تعالي "سلسلة" الوجود الفردي في "المجموعة الملتحمة" التي يُعتبر اقتحام الباستيل نموذجًا لها31. في مواجهة هذه الحالات، يقرع

الفردانيون الأنكلوسكسون ناقوس الخطر، نظرًا إلى أنَّ الأفراد هم إمّا مغفّلون مخدوعون وإما منساقون مع حشد من الرعاع الجامحين

يمحو فرديتهم تمامًا. وهذان التصوران اللذان ننظر إليهما بمزيج من الرفض وعدم التصديق، إنّما يُنكران أيّ أهمية أو فائدة لفهم

المجتمع والتاريخ. لكنّ ما أتحدّث عنه يختلف أشدّ الاختلاف في الحقيقة عن أيٍّ من هذين التصورين اللذين أوافق على وجوب رفضهما كنموذجين.

فهذان التصوران، بتخليهما عن الذاتية الفردية وتقويضها، لا يأخذاننا من الأنا إلى نحن، بل إلى أنا أكبر فحسب. وما أفكّر به هنا لا يناسب كاريكاتور التصور الهيغلي عن الروح، بل التبصّ الأصيل الذي يقف وراءه، إذ يصف هيغل هذا الروح، حين يقدّمه أول مرة

في الفينومنولوجيا، بأنّه "أنا هو نحن، ونحن هو أنا "32. ويلحّ هيغل، في وصفه جماعة الاعتراف المتبادل، على التعددية بقدر ما يلح

على ذاتية الوحدة الاجتماعية وفاعليتها، ولا يضع الجماعة قبالة الأفراد الذين يشكّلونها، بل يرى أنها توجد على وجه التحديد بفضل اعترافهم الواعي واحدهم بالآخر وبها تاليًا. ولدى هيغل أيضًا إحساس سليم بهشاشة هذا النوع من الجماعة ومخاطره؛ إذ يولد كحل

للصراع بين أعضائه ذوي العقلية المستقلة، ولا يتغلّب البتة على ما يفرضه شعورهم بالاستقلال من تهديد داخلي لتماسكه. وكتاب الفينومينولوجيا هو رواية ما ينتج من ذلك من دراما في كثير من تنوعاتها الاجتماعية والتاريخية المحتملة. ولهذه الرواية بنيةسردية: لا توجد جماعةٌ من الجماعات بوصفها تطورًا فحسب، بل أيضًا من خلال الفهم التأملي لذلك التطور، حين يتبنّى أعضاؤها ال نحن

المشتركة التي للاعتراف المتبادل. على الرغم من جميع الاعتراضات التي قد تُثار ضد فكرة الذات الجمعية، تبقى الحقيقة أنّنا في ضروب الحالات التي وصفتها،

نقول نحنبعضنا لبعض، ونعني بذلك شيئًا واقعيًا. وعلاوة على ذلك، فإنَّ كثيرًا من حياتنا وكثيرًا مما نفعله يكون مُسْنَدًا إلى واقعهِ

بالنسبة إلينا. وآمل أن أوضح، من خلال التشديد على استخدامنا اللغة وإحساسنا بالمشاركة، أنني لا أقدم ادّعاءً كيانيًا (أنطولوجيًا) مباشرًا

عن الوجود الواقعي لمثل هذه الكيانات الاجتماعية، بل رواية تأملية قائمة على الأفراد الذين يؤلّفونها ويكوّنونها. يُضاف إلى ذلك أن

لمصطلح "جماعة" كما أستخدمه تطبيقاته المتنوعة، من الدول القومية في التاريخ الحديث إلى كثير من المجموعات الاقتصادية واللغوية والإثنية التي غالبًا ما تدخل في صراع معها. وأنا لا أشير هنا، كما كان يمكن لهيغل أن يعتقد أو يأمل، إلى أنَّ مثل هذه الجماعات تقع

داخل بعضها البعض في تراتب هرميّ. فقد يكون الصراع حتميًا، وقد لا تكون هنالك نحنمن دون هم. وبالنسبة إلى الأفراد، من

الواضح أنَّ كثيرًا من صراعاتهم الشخصية قد تنشأ من الولاءات المتضاربة حيال الجماعات المختلفة التي قد ينتمون إليها. الخلاصة توجد جماعة من الجماعات حيث توجد رواية سردية عننحنتواصل تجاربها وأفعالها. وتوجد مثل هذه الرواية عندما يُفصَح عنها أو تُصَاغ، ربما من خلال عضو واحد فقط أو عدد قليل فحسب من أعضاء المجموعة، بالإشارة إلى ال نحنويقبلها الباقون

أو يشاركون فيها.

31  Jean-Paul Sartre, Critique de la raison dialectique (Paris: Gallimard, 1960), pp. I, 391 ff. 32  G. W. F. Hegel, Phenomenology of Spirit , A. V. Miller (trans.) (Oxford: Oxford University Press, 1977), p. 110.

  1. Jean-Paul Sartre, Critique de la raison dialectique (Paris: Gallimard, 1960), pp. I, 391 ff.
  2. G. W. F. Hegel, Phenomenology of Spirit , A. V. Miller (trans.) (Oxford: Oxford University Press, 1977), p. 110.

قد يُعتقد أنني بقولي هذا كسرتُ حدّة فكرة الذات الجمعية إلى درجة تفقد معها أهميتها وتبدو كأنّها لم تعد إلّ إسقاطًا في أذهان

الأفراد الذين هم في النهاية الكيانات الواقعية في روايتي. وإذا ما كنت قد قلت إنَّ ال  نحنتتكوّن بوصفها الذات لقصةٍ في قصّ تلك

القصة ومن خلاله، فلتتذكروا أنني قلت الشيء ذاته بالضبط عن الأنا. وإذا ما كان السرد الذي يكوّن الذات الفردية اجتماعيًا في الأصل

جزئيًا على الأقلّ، فإنَّ الأنا يدين بوجوده السردي إلى النحن بقدر ما تدين النحن إلى الأنا. فليست النحن واقعًا ماديًا ولا الأنا؛ لكنهما

ليساتخييليينأيضًا. وهما بمعنييهما المحددين الخاصين، واقعيان مثل أيّ شيء نعرفه.

عودةً إلى النصوص السردية باعتبارها نتاجات أدبية، سواء كانت تخييلية أو تاريخية، فقد حاولت أن أثبت زعمي أنَّ مثل

هذه السرديات يجب ألا تعتبر خروجًا عن بنية الأحداث التي تصورها، ومن المؤكّد أنّها ليست تشويهًا أو تغييرًا جذريًا لها، بل امتداد

لخصائصها الأساسية. يمكن لسيرورة السرد العملية من المرتبة الأولى التي تكوّن شخصًا أو جماعةً أن تغدو سردًا من المرتبة الثانية، لا

تتغيّ ذاته لكن اهتمامه يكون معرفيًا أو جماليًا في المقام الأول. وهذا التغيير في الاهتمام قد يؤدي أيضًا إلى إحداث تغيير في المحتوى؛

على سبيل المثال، قد يروي المؤرّخ قصة عن جماعة تختلف تمامًا عن القصة التي ترويها هذه الجماعة عن نفسها (من خلال قادتها

وصحافييها وغيرهم)، لكن الشكل يبقى هو ذاته. لا أزعم، إذًا، أنّ السرديات من المرتبة الثانية، لا سيما في التاريخ، تقتصر على عكس السرديات من المرتبة الأولى التي تشكّل

موضوعها أو على إعادة إنتاجها، إذ لا يمكنها أن تغيّ القصة وترتقي بها فحسب؛ بل أن تؤثر أيضًا في الواقع الذي تصوره هذه السرديات،

وأنا أتفق هنا مع ريكور، من خلال توسيع نظرتها إلى إمكاناتها. وفي حين يمكن للتواريخ أن تفعل ذلك بالنسبة إلى الجماعات، يمكن للقصص التخييلية أن تفعل ذلك بالنسبة إلى الأفراد، لكني لا أوافق على أن الشكلالسردي هو ما يُنتَج في هذه الأنواع الأدبية بغية

فرضه على واقع غير سردي؛ ذلك أنَّ تصور محتوى جديد، وطرائق جديدة لقصّ القصص وعيشها، وأنواع جديدة من القصص هو ما

يمكّن التاريخ والقصّ التخييلي من أن يكونا صادقين وإبداعيين في الوقت ذاته وبأفضل المعاني33.

33 الأفكار الواردة في هذه الدراسة كانت قد عُرضت بإسهاب في كتابي History and , Narrative Times الذي صدر في عام 1986 عن مطبوعات جامعة إنديانا.

  1. الأفكار الواردة في هذه الدراسة كانت قد عُرضت بإسهاب في كتابي History and , Narrative Times الذي صدر في عام 1986 عن مطبوعات جامعة إنديانا.

المراجع

• Barthes, Roland. "Introduction a l’analyse structurale des recits." Communications. vol. 8 , no.  1 (1966). • Canary, R. H. & H. Kozicki (eds.). The Writing of History. Madison, WI: University of Wisconsin Press, 1978. • Carr, David. "Review Essay." History and Theory. vol. 23 , no. 3 (1984). • Chatman, Seymour. Story and Discourse: Narrative Structure in Fiction and Film. Ithaca, NY: Cornell University Press, 1978. • Danto, Arthur. Analytical Philosophy of History. London: Cambridge University Press, 1965. • Hardy, Barbara. "Towards a Poetics of Fiction: An Approach Through Narrative." Novel: A forum on Fiction. vol. 2 , no. 1 (1968). • ________. Tellers and Listeners: The Narrative Imagination. London: A&C Black, 1975. • Hegel, G. W. F. Phenomenology of Spirit. A. V. Miller (trans.). Oxford: Oxford University Press, 1977. • Heidegger, Martin. Being and Time. J. Marcquarrie & E. Robinson (trans.). New York: Harper and Row, 1962. • Husserl, Edmund. The Phenomenology of Internal Time-Consciousness. J. S. Churchill (trans.). Bloomington, IN: Indiana University Press, 1964. • Kermode, Frank. The Sense of An Ending: Studies in the Theory of Fiction. London: Oxford University Press, 1966. • Kocka, J. & T. Nipperdey (eds.). Theorie und Erzahlung in der Geschichte. Munich: Taschenbuch-Verlag, 1979. • Lübbe, Hermann. Bewusstsein in Geschichten. Freiburg: Verlag Rombach, 1972. • MacIntyre, Alasdair. After Virtue. Notre Dame, IN: University of Notre Dame Press, 1981. • Merleau-Ponty, Maurice. The Phenomenology of Perception. C. Smith (trans.). New York: The Humanities Press, 1962. • Mink, Louis O. "History and Fiction as Modes of Comprehension." New Literary History. vol. 1 , no. 3 (1970). • Mitchell, W. J. T. (ed.). On Narrative. Chicago: The University of Chicago Press, 1981. • Munz, Peter. The Shapes of Time. Middletown, CT: Wesleyan University Press, 1977. • Olafson, Frederick. The Dialectic of Action. Chicago: University of Chicago Press, 1979. • O’Neill, J. (ed.). Modes of Individualism and Collectivism. London: Heinemann Educational, 1973. • Quinton, Anthony. "Social Objects." Proceedings of the Aristotelian Society. vol. 76 , no. 1 (1975-1976). • Ricoeur, Paul. La Métaphore vive. Paris: Seuil, 1975. • ________. Temps et recit. Paris: Seuil, 1983. • Sartre, Jean-Paul. Critique de la raison dialectique. Paris: Gallimard, 1960. • Schapp, Wilhelm. In Geschichten Verstrickt. 2 nd ed. Wiesbaden: Klostermann Rotereihe, 1979. • Scholes, Robert & Robert Kellogg. The Nature of Narrative. New York: Oxford University Press, 1966. • Schutz, Alfred. The Phenomenology of the Social World. G. Walsh & F. Lehnert (trans.). Evanston, IL: Northwestern University Press, 1967. • White, Hayden. "The Structure of Historical Narrative." Clio. vol. 1 , no. 3 (1972). • ________. "The Question of Narrative in Contemporary Historical Theory." History and theory. vol. 23 , no. 1 (1984).