العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مراجعة كتاب جدل الهوية والتاريخ: قراءات تونسية في مباحث هشام جعيط

مراجعة كتاب جدل الهوية والتاريخ: قراءات تونسية في مباحث هشام جعيط

Review of The Dialectic of Identity and History: Tunisian Readings of Hicham Djait

فهمي رمضاني*Fahmi

Romdhani

الملخّص

المؤلف: مجموعة من المؤلفين. عنوان الكتاب: جدل الهوية والتاريخ: قراءات تونسية في مباحث الدكتور هشام جعيط. الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات؛ منشورات سوتيميديا. سنة النشر: 2018 عدد الصفحات: 203

Abstract

Review of The Dialectic of Identity and History: Tunisian Readings of Hicham Djait

الكلمات المفتاحية:
  • الهوية
  • التاريخ
  • الكتابة التاريخية
  • تونس
  • هشام جعيط

حققت المدرسة التاريخية التونسية في العقود التي تلت بزوغ فجر الاستقلال، وترسّخ قدم الدولة الوطنية، تقدمًا ملحوظًا، أسهمت فيه أجيال من المؤرخين الذين نجحوا في تطوير الكتابة التاريخية والارتقاء بها، وخلق اتجاهات مبتكرة في الفكر التاريخي العربي، من خلال مواكبة ما شهده علم التاريخ خاصة، والعلوم الإنسانية عامة، من تطورات عميقة وجذرية، فجّرتها المدارس الغربية الحديثة، والاستئناس بالمناهج العلمية كذلك، وبأدوات التحليل الحديثة التي كان لها الفضل في تثوير الفكر التاريخي. ولا ريب في أن الكتابة التاريخية لا يمكنها أن تنفصل، أو أن تكون مبتورة، عن الواقع، وعن السياق المجتمعي السائد؛ إذ أفرزت المشكلات التي ما انفكّت تعصف بمجتمعاتنا، ولا سيما المتمحورة منها حول الصراعات الإثنية ونزاعات الهوية، اهتمامًا مجتمعيًا متزايدًا بعلم التاريخ، فأضحى المؤرخ بذلك عنصرًا فاعلً جدًا؛ نظرًا إلى ما أنيط بعهدته من مهمات وقضايا تكتسي أبعادًا راهنة واستراتيجية. في هذا الإطار برز صوت المؤرخ هشام جعيط، الذي أسهم بحظ وافر في تطوير الكتابة التاريخية التونسية خاصة، والعربية عامة، وتجديد الفكر التاريخي كذلك، واستنباط مناهج تمكّن من إيجاد قراءات مستحدثة للتاريخ. إنه مؤرخ ومفكر. فهو مؤرخ لأنه كتب في التاريخ الوسيط الإسلامي، مهتمًا في ذلك بالمرحلة الأولى من تاريخ الإسلام، وهي في نظره مرحلة تأسيسية وجّهت تاريخ العرب، ونحتت العناصر الأساسية للشخصية العربية الإسلامية. وهو مفكر لأنه كتب في الثقافة والفكر، متناولً في ذلك القضايا المهمة التي أرّقت الفكر العربي المعاصر، والمسائل المتعلقة بالأصالة والحداثة والتراث والتجديد، فهو بهذه الروح الخلاقة، إذًا، ينهل من التاريخ ومن الثقافة في الوقت نفسه؛ لعله ينجح في إيجاد معنى للتاريخ، والظفر بذلك الخيط الناظم الذي يمكّنه من الحفر عميقًا في أركيولوجيا النصوص التأسيسية؛ لاكتشاف البنى الثاوية والخفية التي تعتمل وفقها المجتمعات. درّس جعيط في جامعة تونس عدة أعوام، وأشرف على تأطير العديد من الطلبة الذين أصبحوا بعدئذ من كبار الأساتذة في التاريخ الإسلامي في تونس. لكنه، على الرغم من ذلك، خرج من الباب الصغير للجامعة التونسية (لأسباب سياسية لا يتسع المقام لذكرها)، فضلً عن أنه لم يحظَ بأي اهتمام أو تقدير من لدن السلطات السياسية؛ لذلك كانت فكرة تكريمه، من خلال القيام بدراسات وقراءات تخصّ مؤلفاته، تراود العديد من طلبته وزملائه وأصدقائه، إلى أن جاءت هذه المبادرة، وصدر في إثرها الكتاب الذي وُسم بعنوان جدل الهوية والتاريخ: قراءات تونسية في مباحث الدكتور هشام جعيط، وقد أصدره المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في تونس، ومنشورات سوتيميديا، في كانون الثاني/ يناير 2018، وأسهم فيه عدد من الباحثين والأساتذة والمفكرين المهتمين بفكر جعيط وفلسفته. يضم الكتاب أربعة أبواب، تحتوي فصولً مختلفة، تطرّق كل واحد منها إلى إشكالية معينة متصلة بفكر هذا المؤرخ. وقبل أن نتطرق إلى مضامين هذه الأبواب وفصولها، من الأهمية الإشارة إلى التصدير الذي افتُتح به الكتاب، ثم محاولة لطفي بن ميلاد كتابة سيرة ذاتية مختصرة لجعيط. كان التصدير من إنجاز مهدي مبروك، أستاذ علم الاجتماع في جامعة تونس ومدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في تونس (المؤسسة التي يعود إليها الفضل في نشر هذا الكتاب)، وقد أشار فيه إلى تفرّد جعيط بانتمائه إلى جيل استثنائي بكل المقاييس؛ إذ إنه عايش عدة فترات مختلفة، أسهمت كل واحدة منها في نحت جزء مهم من شخصيته. إن هذا التفرد في الانتماء يعضده تفردٌ في تكوين ثقافي مزدوج، نهل فيه من معين الحضارتين العربية الإسلامية والغربية المسيحية. ويرى مبروك، أيضًا، أن هذا المؤرخ لا يعتبر التاريخ دراسة للماضي فحسب، وإنما هو بحث أيضًا في ثنايا المخيال، وشرايين الثقافة، وبناها الدقيقة والنفسية والذهنية أيضًا. ولعل هذا كله، إضافة إلى الخصال العديدة التي تميّز شخصية جعيط، ما حفزه ودفعه إلى إنجاح المبادرة؛ كي ترى النور، أخيرًا، في هذا الكتاب. بعد هذا التصدير، تأتي مقالة لطفي بن ميلاد، أستاذ التاريخ الوسيط في الجامعة التونسية، وقد أراد أن تكون مقالته محاولة في سيرة ذاتية مختصرة لجعيط. وتضمّنت هذه المقالة عناصر ثلاثة: أولها مسار المؤرخ الذي تحدّث فيه عن المسيرة العلمية للمؤرخ،

وكانت قد بدأت في الستينيات حينما عاد مبرزًا في التاريخ من المدرسة العليا للعلوم الاجتماعية في عام 1962، وبداية نشره أولى مقالاته في المجلات العلمية المحكّمة الأجنبية. وتحدّث كذلك عن مغادرته الثانية لتونس نحو فرنسا؛ لإعداد شهادة دكتوراه الدولة حول الكوفة، ثم عودته، بعد ذلك، إلى الجامعة التونسية، وشروعه في الإشراف على الطلبة، في إطار أطروحات الدكتوراه، ثم تفرغه للتأليف. وكان كتابهالفتنة قد صدر في عام 1989، باللغة الفرنسية، من دار غاليمار للنشر، ويُعدّ من أكثر كتبه مساهمةً في شهرته. وتختتم هذه المسيرة العلمية بصدور ثلاثيته في السيرة النبوية التي قدّم فيها قراءة جديدة ورائدة، لمرحلة حساسة من التاريخ الإسلامي، وهي العهد النبوي. ثم ينتقل بن ميلاد، بعد ذلك، إلى الحديث عن مسار المفكر، وهو لا يقل أهمية عن مسار المؤرخ، بل إن جعيط يكاد يكون مفكرًا قبل أن يكون مؤرخًا، ومؤلفاته في مجالات الفكر والثقافة متعددة، كان أولها الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي (ظهر بالفرنسية في شتاء 1973)، وقد حاول فيه، بالاعتماد على تحليل سوسيو-تاريخي، استقراء الوعي العربي الإسلامي؛ من أجل فهم أعمق لماضي العرب ومستقبلهم. وبعده بأعوام قليلة صدر كتابه الآخر أوروبا والإسلام، حاول فيه أن ينتقد الاستشراق، وأن يتتبّع مسار الأيديولوجيات الغربية، من دون أن يكون في ذلك انحياز أو تحامل. وينهي بن ميلاد هذه السيرة المختصرة بالحديث عن مسار المثقف؛ ليبيّ أن جعيط قد انخرط مبكرًا في الجدل الثقافي والاختمار الفكري اللذين كانا سائدين في البلاد في العهد البورقيبي، ثم في العهود الأخرى؛ إذ لم يكن جعيط بمنأى عما كان يعيشه الوطن العربي من انتكاسات، فقد كان دائم الانشغال بهموم الفكر العربي، محاولً إيجاد الوعي الضروري الذي يكفل للوطن العربي الإقلاع الحضاري، ومواكبة عصر العولمة والتحولات التكنولوجية السريعة. ويختتم بن ميلاد هذه السيرة ببيان أن جعيط كان يتألم كثيرًا لغياب قراءات تونسية لكتبه، وبإيضاح أن هذا الكتاب "جاء بعد جهد صعب، هدفه إراحة الضمير، وأداء واجب، بعد تقصير باغٍ في حق المثقف الكبير" (ص. 28) بعد أن تطرّقنا إلى محتوى التصدير، وإلى ما تضمّنته السيرة المختصرة، من الأهمية أن ننتقل إلى الأبواب التي "تؤثث" هذا الكتاب والفصول التي تحويها: فالباب الأول الذي عُنون ب "في تاريخ الإسلام" يحتوي ثلاثة فصول اهتمت جميعها بالمؤلفات التاريخية التي كتبها المؤرخ. وسنبدأ بالفصل الأول الذي ورد بعنوان "على هامش السيرة: قراءة في ثلاثية السيرة النبوية"، لنبيل خلدون قريسة، أستاذ التاريخ الوسيط في جامعة منوبة، وهو مهتم أساسًا بالأنثروبولوجيا التاريخية للمجتمع العربي قبل الإسلام. يتعرض قريسة هنا لمسألتين أساسيتين: تتعلق الأولى بأسلوب جعيط في كتابته للسيرة النبوية، وتتعلق الثانية ببعض الموضوعات المعرفية والمنهجية، وما أفضت إليه من نتائج. وفي المسألة الأولى أكّد قريسة أن جعيط "قد نحت أسلوبًا مميزًا في الكتابة، يتسم بالنجاعة، مكّنه من أن يفتح أفقًا فكريًا مغايرًا" (ص. 33) وهو، فضلً عن ذلك، يتميز باطلاعه الجيد الواسع على الإنتاج العلمي الغربي، ولا سيما ما كتبه المستشرقون، وهذا دليل على ثراء فكره، وتفتّح ثقافته على العالم الرحب الواسع. ينطلق قريسة بعدئذ للحديث عن الموضوعات المعرفية والمنهجية، فيشير في البداية إلى أن الثلاثية التي كتبها جعيط في السيرة النبوية هي ثمرة عملٍ متدرج ومتناسق، على امتداد أربعين عامًا، متسمٍ بمنهج فريد تبعه جعيط لقراءة الحدث وتأويل التاريخ. ويشير كذلك إلى أن جعيط قارئ جيد لمجمل الإنتاج الغربي في مجالات العلوم الإنسانية المختلفة، وهذا ما مكّنه من مناقشة المستشرقين ومجادلتهم، إما مصححًا لهم، أو موافقهم، أو معارضهم تمام المعارضة. ويختم قريسة فصله بتأكيد أن لهذا المؤرخ توجهًا عقلانيًا فريدًا، يتسم بالاتزان والجرأة، في الوقت نفسه، ولعل ذلك مكّنه من تجاوز التقليد السائد، وأن يرتقي بالكتابة التاريخية إلى ذرى الإبداع؛ من حيث الجرأة النقدية أو الموضوعية العلمية.

أما الفصل الثاني في هذا الباب، فكان من إنجاز أحد طلبة جعيط القدامى، المؤرخ عبد الحميد الفهري، أستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة صفاقس، وهو مهتم بالاتجاهات السياسية والفرق والملل والنحل في صدر الإسلام. وجاء فصله بعنوان "دراما الفتنة ومفهوم صفين: صفيّن مفترق الإسلام الأكبر". واعتمادًا على كتاب الفتنة، يقدّم الفهري قراءته لموقعة صفين التي جمعت بين عملاقَي الصراع، علي ومعاوية، على أن هذه القراءة قراءة تاريخية عميقة، يروم من خلالها كشف الخلفيات السياسية والأيديولوجية العميقة الثاوية خلف هذا الافتراق المبكر الذي مزّق جسم الإسلام تمزيقًا. فصفيّن، على حد تعبيره، "ليست فتنة فقط، بل هي مرحلة جديدة في تاريخ العرب" (ص. 45) يستوقفنا الفهري، في مرحلة أولى، على الأسباب المباشرة للافتراق، فبالاعتماد على مادة مصدرية متنوعة حاول تبيّ جذور صراع أرجعه إلى العهد النبوي، بتحليله النخب الاجتماعية والقوى الفاعلة والمتنفذة، الأمر الذي جعله يستخلص أن صفين مرحلة فارقة في تاريخ علاقة العرب بالدولة، اقترن فيها معنى السلطة في الإسلام بالاستبداد. وهو ما توصّل إليه جعيط، حينما تناول معركة صفيّن في كتابة المذكور آنفًا. وفي لحظة ثانية، يعنونها الفهري ب "صفيّن مفترق الرؤى وبذور قيام التعددية"، لم يقتصر فيها على ذكر أن صفيّن لم تكن معركة بين جيوش ذات صبغة عسكرية، وإنما كانت أيضًا، بحسب رأيه، مرحلة مهّدت الأرض وزرعت البذور الأولى للاختلاف في الرؤى، أو للتعددية. وتظهر هذه التعددية أساسًا في بروز الخوارج والشيعة من رحم هذه الملحمة، وهما قوتان تجسّدان حق الاختلاف عن السلطة. ويذهب الفهري إلى أبعد من ذلك، فيرى في صفيّن بداية نشأة المنهج العقلي في الإسلام، وبداية بروز التوجه العلماني. ويواصل الفهري تحليله المعمق لموقعة صفيّن، فينتقل إلى لحظة ثالثة، يسميها "صفيّن وتوسيع دائرة الافتراق"، ويرى فيها أن الاختلافات التي فجّرتها صفيّن كانت ثاوية في رحم الإسلام الأول، الإسلام التأسيسي، وأن الأمصار، ولا سيما الكوفة والبصرة، منبعًا دائمًا لإفراز صور احتجاج القوى القبلية، فهذه الأمصار "أوطان جديدة"، على حد تعبيره، قامت فيها حركة فكرية وسياسية متحررة من كل نفوذ وقيد. وعند هذه النقطة، تحديدًا، يثير الفهري تساؤلات كثيرة، متمحورة حول أسباب حصول تقارب بين هؤلاء الذين يقطنون الأمصار وبين علي، بالأخص، الذي كان من صميم قريش، وأحد الرموز الذين صنعهم الإسلام. ويرى الفهري أن عليًا أصبح "رمزًا اجتماعيًا"؛ إذ حصل نوع من التقارب، أو التوافق المصلحي، بينه وبين سكان الأمصار؛ إذ رأوا فيه خلاصهم بالقضاء على التكتل الصاعد في الخط العثماني، لكن دراما الفتنة، على الرغم من ذلك، تنتهي بسقوط أحد عملاقَي الصراع، وهو علي، وهذا ما تناوله الفهري في المرحلة الأخيرة من فصله، حيث تعرّض للخلل في سياسة علي؛ لبيان أن خلافة علي تختلف عن البقية من عدة أوجه، ولا سيما في كيفية التعامل مع الأشراف والنخب؛ فالسياسة التي اتبعها مع هؤلاء لا يمكن نعتها، بحسب الفهري، إلا بالارتباك؛ "إذ اجتمع في سلوك علي الشيء وضده" (ص. 59). فضلً عن سعيه المتواصل لفرض الانضباط المطلق للتشريعات الإسلامية، واحترام الأعراف العربية. إذًا، فالنهاية التراجيدية التي أنهت آخر فصول المعركة تعود أساسًا إلى أن عليًا لم يكن واعيًا، مثلما كان معاوية، بحصول تغيرات جذرية سريعة في طبيعة العرب، ونمط عيشهم؛ لذلك "كان معاوية أبعد نظرًا، وأكثر فهمًا للعبة السياسية" (ص. 66)، بحسب تعبير الفهري. ويستخلص الفهري، في نهاية فصله، أن أحداث الفتنة، ولا سيما صفيّن، نتيجة مباشرة لجملة تراكمات حصلت في الإسلام التأسيسي، وظلت تتحرك على نار هادئة وتنضج إلى أن انفجرت في العقد الرابع للهجرة، مدشنة بذلك "ثورة في الثورة"1 على حد تعبير جعيط. أما الفصل الأخير في هذا الباب الذي اهتم "بتاريخ الإسلام"، فكان للمؤرخ محمد حسن، أستاذ التاريخ الوسيط والآثار الإسلامية في جامعة تونس، وهو مختص في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والسياسي لبلاد المغرب خلال الفترة الوسيطة، وكان قد أنجز، في عام

  1. هشام جعيط، الفتنة: جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر، ترجمة خليل أحمد خليل، ط 4 (بيروت: دار الطليعة، 2000)، ص 325.

1995، أطروحة دكتوراه الدولة بإشراف جعيط، موسومة ب "المدينة والبادية بإفريقية في العهد الحفصي". وقد وُسم فصل حسن بعنوان "هشام جعيط مؤرخًا للغرب الإسلامي"، وتطرق في هذا الفصل، منذ البداية، إلى أن جعيط قد اعتمد على الاستقراء والاستنباط، وعلى نظرة شمولية في قراءته لتاريخ المغرب الإسلامي خلال الفترة التأسيسية، فقد نشر مقالتين في مجلة "دراسات إسلامية" الفرنسية، في عامي 1967 و 1968، كانتا باكورةً لبحوثه حول الغرب الإسلامي في مرحلته المبكرة، وقد مثّلتا أساس الكتاب الذي نشُر بعدئذ بعنوان تأسيس الغرب الإسلامي. ويرى حسن أن جعيط قد وُفّق في استعمال المفاهيم الملائمة حينما درس حقبة مفصلية من تاريخ المغرب والأندلس، وهي عصر الولاة، من ذلك، مثلً، إصراره على استعمال كلمة "فتح" بدلً من "غزو" أو "توسّع"، للمحافظة على أفضل المصطلحات تعبيرًا عن الواقع التاريخي. ويشير كذلك إلى أن جعيط لا يتوانى في الربط، في مقارباته، بين المشرق والمغرب؛ إذ لم يتناول قطُّ تاريخ المغرب بمنأى عن تاريخ المشرق. ولم يفُت جعيط أن يدرس التطور السياسي والصراعات الدينية، خلال الفترة 84 - 184 ه؛ إذ تميزت هذه الحقبة ببروز صراعات بين القيسية والكلبية، وتفجّر ثورات البربر عام 122 ه. ويشير حسن، في النهاية، إلى أن دراسات جعيط حول المغرب الإسلامي، التي جُمعت في كتاب تأسيس الغرب الإسلامي، تظل مرجعًا مهمًا، على الرغم من مرور الزمن. ويرى أن كتابات هذا المؤرخ تتسم بفرادة وتميز أكسباها طرافة وجدّة، فقد اعتمد على المقاربات الحديثة في العلوم الإنسانية والاجتماعية، فضلً عن اعتماده مقاربة شاملة تهدف إلى تطويق المشكل التاريخي. وبهذا الفصل ينتهي الباب الأول الذي خُصص لتاريخ الإسلام، ومن ثمّ ننتقل إلى الباب الثاني الذي تناول "المؤرخ والمنهج"، وضمّ ثلاثة فصول، نستعرضها تباعًا. ورد الفصل الأول بعنوان "في المنهج: قضية تأويل التاريخ: قراءة في فكر هشام جعيط"، لمحمد بن محمد الخراط، وهو أستاذ جامعي يدرس بجامعة صفاقس في اختصاص تاريخ الفكر العربي المعاصر. ينطلق الخراط من فكرة مركزية ورئيسة، في الوقت نفسه، مفادها أن جعيط في معظم كتاباته التاريخية انصرف تمام الانصراف إلى فعل التأويل والقراءة، ولم يهتم كثيرًا بالتنظير، وهي الخصيصة الأولى لأعماله. أما الثانية، وهي ميزة لطالما ردّدها معظم المتدخلين في هذا الكتاب، فتشبُّعُ المؤرخ بمناهج العلوم الإنسانية والاجتماعية الحديثة. واجتهد الخراط في فهم إشكالية التفكير التاريخي وروافده عند جعيط؛ إذ يرى أن الاهتمام المبكر الذي أولاه جعيط للمرحلة التأسيسية في تاريخ الإسلام إنما يعود إلى إيمانه بهذه الحقبة التي طبعت، بعمق، مجرى تاريخ الحضارة العربية الإسلامية؛ فهي التي تتيح الكشف عن المنطق الداخلي للأحداث، وتسمح بتحليل ميكانيزمات العقل العربي. إضافة إلى ذلك، يؤكد الخراط أن أعمال جعيط أبعد ما تكون عن القراءات التقليدية، بل إنها تنحو، في كثير من الأحيان، نحو فلسفة التاريخ، وهذا طبيعي؛ نظرًا إلى تشبّع جعيط العميق بفلسفة هيغل، ولا سيما فلسفته في التاريخ. ولئن أشار الخراط، أيضًا، إلى إعجابه بأسلوب جعيط الراقي في الكتابة، وبمهارته في بناء الحدث، وتفصيل أبعاده، فإنه لا يخفي بعض التساؤلات التي تراوده كلما أعاد قراءة الكتاب قراءة معمقة، فمثلًاستغرب الخراط ما ذهب إليه جعيط في تحليله علاقة الصدام بين النبي والمشركين، من حيث إنه كان صدامًا عقائديًا وثقافيًا بالأساس. لكن هل يمكن حقًا للثقافي أن ينفصل عن السياسي؟ وكيف يكون امتثالهم في مرحلة لاحقة سياسيًا، وقد كانت ثورتهم من قبل عقائدية؟ هذه بعض التساؤلات العميقة التي طرحها الخراط بعد قراءة دقيقة وشاملة لأعمال جعيط. وتطرّق الخراط، في العنصر الأخير من فصله، إلى إشكالية التأويل عند جعيط، ورأى أن التأويل في الكتابة التاريخية الحديثة التي ينتمي إليها المؤرخ تتأسس على استخدام جملة من المناهج والعلوم الحديثة؛ لقراءة النصوص وتفكيكها، تفهمًا وبناءً. وفي نهاية الفصل، خلص إلى أن جعيط يمثل لحظة وعي جذرية في تشخيص الفكر العربي؛ فتحليله للأحداث في التاريخ هو تحليل لميكانيزمات الحركة في التاريخ، سواء تعلقت بالإنسان في علاقته بذاته، أم بالإنسان في علاقته بالآخر وبالطبيعة وبما وراء الطبيعة. أما الفصل الثاني في هذا الباب، فهو "مصادر الإسلام المبكر: المصادر المسيحية في القرآن من خلال كتاب تاريخية الدعوة المحمدية في مكة لهشام جعيط"، لحمادي المسعودي، وهو أستاذ تعليم عال في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في القيروان. ومنذ البداية، يحدد

المسعودي وجهته، فيقصرها على دراسة المصادر المسيحية في كتاب تاريخية الدعوة المحمدية في مكة، مبوبًا عمله في ثلاثة عناصر، هي على التوالي: المصادر المسيحية القانونية، المصادر المسيحية غير القانونية، وأثر البيئة العربية في القرآن. يذهب حمادي المسعودي إلى أن جعيط يؤكد تأثير التراث الديني التوحيدي العتيق في القرآن، وفي النبوة المحمدية. وعلى الرغم من أن العديد من دراسات المستشرقين قد تناولت ذلك، فإن جعيط يرى أن كتاب الباحث السويدي تور أندريه أصول الإسلام والمسيحية (بالفرنسية) تظل الدراسة الأهم، رغم اقتصارها على المرحلة المكية دون المرحلة المدنية. ولا يتوانى المسعودي في تقديم أمثلة، ذكرها جعيط، تبيّ هذا التأثير الواضح من خلال بعض الألفاظ السريانية وبعض الأفكار مثل: "سبحانك، تباركت، الله، الصلاة" (ص. 96). وينتهي المسعودي إلى ذكر ما توصّل إليه جعيط في النهاية من أفكار وآراء حول المشترك بين  المسيحية السورية والإسكاتولوجيا الإسلامية وفي قسط وافر من الأفكار والتعبيرات. ويشمل، إضافة إلى ذلك، المصادر غير القانونية، والنصوص الأخرى، كالعهد القديم، وكذلك الأناجيل التي أقر القرآن ما ورد في بعضها من وجود بعث للأجسام، وحياة أخرى، ونعيم، وجحيم، إضافة إلى الأناجيل الأربعة. ويمكن رصد التشابه بين القرآن والنصوص المسيحية القانونية في نصوص الرسول بولس الواردة في سفر أعمال الرسل حول بعض المفاهيم. ينتقل حمادي المسعودي بعد ذلك، كما بيّ في تخطيطه، إلى المصادر المسيحية غير القانونية في القرآن، فقد تطرّق في هذا العنصر إلى بيان التوافقات بين القرآن والنصوص المسيحية، من ذلك، مثلً، قصة الشجرة التي انحنت لمريم؛ إذ وردت هذه القصة في إنجيل الطفولة (يسمى أيضًا "إنجيل متى المنتحل"). بينما وردت في النص القرآني بأمر الله لمريم بهزّ الشجرة: "وهُزِّي إِلَيْكِ بجِذْعِ النَّخْلَةِ ":(مريم 25). وعند هذا الحد، يطرح المسعودي تساؤلات تكتسي أهمية، من ذلك، مثلً: هل اكتفى القرآن بما جاء في النصوص القديمة المسيحية القانونية وغير القانونية؟ وإلى أي حد استوعبت فيه التوحيدية والتراث التوحيدي العتيق؟ تُفضي مثل هذه الأسئلة بالكاتب إلى بيان أثر البيئة العربية في القرآن، وفي الإسلام، فيذكر أن المحيط الذي عاش فيه محمد بكل أبعاده ومميزاته، ساعد في تقبّله الأديان بصفة عامة، والمسيحية بصفة خاصة، فقد أكد جعيط، بحسب ما يذكر المسعودي، أن المسيحية كانت حاضرة بقوة في شبه الجزيرة العربية في القرنين الخامس والسادس الميلاديين، وتُعد التجارة من أبرز العوامل التي أسهمت في انفتاح محمد على العالم التوحيدي، والفضاء الثقافي المسيحي. وفي الخاتمة ينتهي حمادي المسعودي إلى أنه لا يمكننا نفي التواصل بين القرآن والنصوص الدينية السابقة؛ إذ لا يمكن الحديث أبدًا عن قطيعة. وأما الفصل الثالث من هذا الباب، فهو لمحمد الصحبي العلاني، وهو أستاذ محاضر في الحضارة الإسلامية الكلاسيكية في كلية الآداب بمنوبة، بعنوان "هشام جعيط والاستشراق: قراءة في كتاب التأسيس ومقالات البدايات". ولا ريب في أن عنوان الفصل يوحي بمضمونه؛ إذ سيهتم الكاتب برؤية جعيط في الاستشراق وموقفه منه. يعتبر العلاني، منذ البداية، أن الكتاب الذي لم يحظَ بعدُ باهتمام الدارسين لعلاقة جعيط بالاستشراق هو كتاب تأسيس الغرب الإسلاميالذي نشُرت فيه مقالات المؤرخ في مستهل مسيرته العلمية، والتي عالجت مرحلة تأسيسية في تاريخ المغرب الإسلامي؛ هي حقبة بدايات التوسع العربي الإسلامي في بلاد المغرب، وتأسيس القيروان، وتشكّل ملامح إفريقية (27 - 184 ه). وفي رأي العلاني تظل مسألة الاستشراق من المسائل الحاضرة بقوة في هذا الكتاب. يتطرق العلاني إلى وعي الاستشراق عند جعيط، فيرى أن المقالات المشار إليها سلفًا، والتي نشرها جعيط في بداياته، وهي المهتمة بالمغرب الإسلامي في المرحلة التأسيسية، لم تحتوِ مصطلح "الاستشراق"، بل يغيب ويتأخر ظهوره. ويفسر العلاني هذا

العزوف عن استعمال المصطلح، وتفضيله تعبير "الدراسة التاريخية"، برغبته في تنزيل عمله منزلة علمية أكاديمية خالصة، بعيدًا عن السياقات السجالية. زيادة على ذلك، تظهر المقالات نوعًا من التناول النقدي للمعطيات الاستشراقية؛ إذ لم يتوانَ جعيط في تصحيح بعض الزلات اللغوية التي يقع فيها بعض المستشرقين، نتيجةَ قراءة غير سليمة للمصادر العربية، أو في تفنيده افتراضات جاء بها بعض المستشرقين، وكادت تكون من المسلّمات؛ من ذلك، مثلً، فكرة المستشرق الفرنسي، إيميل فيليكس غوتييه، الذي رأى أن التوسع العربي الإسلامي في شمال إفريقية قد صاحبه انهيار في الحضارة الفلاحية والحضرية التي كانت مزدهرة في عهد روما. ثم ينتقل العلاني إلى بيان صلة جعيط بالاستشراق، وموقفه منه، في مقالاته التي نشُرت منذ عام 1973، ثم في كتاب تأسيس الغرب الإسلاميفي عام 2004. ولفهم ذلك، يشير العلاني إلى المقالة المعربة بعنوان "الحياة الاقتصادية والاجتماعية في إفريقية العربية خلال القرن الثاني"، والتي نشُرت في مجلة الحولياتعام 1973، وهي المجلة التي حملت مشروعًا مغايرًا لمجلة دراسات إسلامية، فقد كان "هدفها زحزحة حقل المعرفة التاريخية من الإطار الوضعي التوثيقي الفيلولوجي" (ص 126 - 127). ويرى العلاني أن التمعن والتدقيق في قراءة هذه المقالة يكشفان لنا نتائج مهمة؛ من بينها أن جعيط بات يعي حدود الاستشراق ومآلاته القريبة المنتظرة، فضل عن تخطّيه الأطر المفهومية والتطبيقية التي حكمت المدرسة الاستشراقية الفرنسية؛ ليدشن بذلك "لحظة انعتاق مرّ فيها من حالة التماهي إلى وضعية إعادة تعيين الحدود" (ص. 129)، بحسب العلاني. وينتهي العلاني في فصله إلى أن جعيط بلور موقفًا واضحًا من الاستشراق، من طريق نصوصه الأولى، بأسلوبه العلمي، وتأكيده ضرورة وعي الاستشراق، والتمكن من وسائله، وإدراك حدوده ومآزقه. لئن اهتم البابان الأول والثاني بمسار جعيط بوصفه مؤرخًا، فإن الباب الثالث اهتم به مفكرًا ومثقفًا، يحمل هموم الفكر العربي المعاصر وقضاياه وإشكالياته التي ما انفكت تؤرقه؛ لذلك جاء الباب الثالث بعنوان "في هموم الفكر والثقافة". ويتكون هذا الباب، كذلك، من ثلاثة فصول، أولها بعنوان "جدل الهوية والتحديث: الثقافة والهوية في فكر هشام جعيط"، لفتحي التريكي، وهو أستاذ فلسفة متميز في الجامعة التونسية، يشغل كرسي اليونسكو للفلسفة. يرى التريكي، في بداية الفصل، أن ليس في إمكاننا أن ننكر العمق الفلسفي لمؤلفات جعيط؛ نظرًا إلى كونها تناولت قضايا مصيرية، كالحداثة والحرية والتقدم. ثم يتناول التريكي الثقافة والحداثة في فكر جعيط، ويَعدّ هذين المفهومين مركزيين في فلسفته. وفي هذا الاتجاه يعتقد التريكي أن الأسلوب الفلسفي في كل مقاربات جعيط الخاصة بالثقافة، كان هيغليَّ الاتجاه؛ إذ خاض في هذه المسائل، متعمقًا في أطروحاتها وإشكالاتها، معتمدًا في ذلك على عمق ثقافته التاريخية، وأدوات منهجية منفتحة على الأبحاث الأنثروبولوجية والفلسفية. أما بخصوص إشكالية الهوية والتاريخ، فإن التريكي يرى أن جعيط استند في تحليله إشكالية الهوية وتفكيكها إلى فلسفة الكندي، تشارلز تايلور، الذي أكد أن مفهوم الهوية ابن الحداثة ووليدها. وعند هذه النقطة يتساءل التريكي عن موقف جعيط من الحداثة، فيجيب بأنه يوافقه في اعتبارها ابنة الغرب، عندما سمَت ثقافته نحو الإبداع العلمي، والابتكار التكنولوجي، في قرون النهضة والأنوار. لكنه لا يطمئنّ كثيرًا إلى هذا الرأي؛ إذ يرى أن الحداثة أُنجزت إثر التقاء حضارات عدة، يونانية وعربية ويهودية وهندية، فهي، إذًا، ثمرة للتثاقف بين هذه الحضارات مجتمعة؛ لذلك يتناول التريكي في المرحلة الأخيرة من هذا الفصل التثاقف والعقل النقدي. ويمكننا أن نستنتج من هذا أن التريكي يثمّن ما ذهب إليه جعيط في أن الحركة التثاقفية التي تظل متمسكة بالبعد النقدي هي أفضل وسيلة للثقافة الحية، وهي الكفيلة بخلق علاقة دينامية وخلاقة. ولا يخفي إعجابه بإيمان جعيط بضرورة تحديث الإنسان العربي، بتثقيفه بثقافة متميزة، ديدنها الوحيد هو الإبداع الذي يُعد الغاية الطبيعية للإنسان ومصيره الأسمى. في خضمّ هذا كله، ينتهي التريكي

إلى موافقة جعيط حينما اعتبر أن انتكاسة النهضة العربية المعاصرة تكمن في عدم انتصارها للعقل أمام الدين، وهو ما جعلنا غرباء عن هذا العصر، ولم ننجح، بعدُ، في اعتناق الحداثة، بكل قيمها ونواميسها، فلا بد، إذًا، من اكتساب ثقافة متميزة مبدعة، تكفل حرية الفرد وكرامته. ولا يختلف الفصل الثاني من هذا الباب كثيرًا عن مقالة التريكي؛ إذ عالج كذلك القضايا التي أثارها جعيط، وهي تتعلق بالمعضلات الرئيسة التي عصفت بالفكر العربي المعاصر؛ لذلك جاء الفصل الثاني بعنوان "شجون من مثقف مغترب الوحدة والمصير بين جعيط والعروي: هشام جعيط مدرسة الفكر المغاربي والعالم العربي"، لإدريس جباري، الباحث في الفكر المغاربي المقارن المعاصر، وأستاذ تاريخ الشرق الأوسط في جامعة "بودوين" في الولايات المتحدة الأميركية. ينطلق جباري في المقدمة من الحديث عن أجيال المثقفين الذين تكوّنوا منذ التسعينيات، والذين كان لأفكارهم صدى واسع على المستوى الوطني والعالمي، مثل عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري في المغرب، ومحمد أركون في الجزائر، وهشام جعيط في تونس. ولا ريب في أن اهتمامه سيكون متعلقًا بالتونسي جعيط؛ إذ حاول في هذا الفصل تبيين كيفية مساهمة الفكر النقدي الحاد الذي يَسِم هذا المفكر، والحقائق المزعجة، على حد تعبيره، التي يوردها في الحد من انتشار مشروعه الفكري، على الرغم من مساهمته الفاعلة في تجديد الفكر والبحث العربيين. يذكر جباري أن جعيط شارك في المؤتمر الذي عُقد في بلجيكا في عام 1970 بورقة حول "النهضة في العالم العربي"، نقد فيها الفكر القومي الوحدوي الذي لا يقوم على عمق تنظيري مهم، كما كان الشأن في أوروبا، وإنما يكتفي بالطابع الرومانسي والبلاغة الرنانة فحسب. وعلى الرغم من ذلك، يرى جباري أن تأثير جعيط في الثقافات العربية كان محدودًا في البداية؛ لعدة اعتبارات، إلى أن صدر كتابه أوروبا والإسلام، في عام 1978، الذي مكّنه من العودة إلى الساحة من جديد، ويعدّ جباري ذلك الكتاب تتويجًا لمجهود تاريخي دام طويلً، يروم من خلاله وضع الحضارتين العربية الإسلامية والغربية المسيحية في إطار مساريهما التاريخيين، مع الاعتماد، كالعادة، على المناهج الحديثة. ويعتقد جباري أن كتاب أوروبا والإسلامأبان عن مفكر تجاوز الطابع الوصفي، فحفر عميقًا في بنية الحضارات؛ لفهم مسار الحضارة العربية الإسلامية، وسر انتكاستها في الوقت الراهن. أما الفصل الأخير في هذا الباب، فليس قراءة مباشرة في مؤلفات جعيط، بقدر ما هو محاولة في تناول مسألة لها صلة وثيقة بالقضايا التي أثارها هذا الأخير في مؤلفاته، وتحليلها، ألا وهي مسألة الانتماء؛ لذلك كان عنوان الفصل هو "الشخصية التونسية: هل هي شخصية عربية إسلامية فقط؟ سؤال الانتماء والرهان والتنوع الثقافي"، للطفي عيسى، المختص في التاريخ الثقافي للمغارب الحديثة في جامعة تونس. يفتتح عيسى فصله ببيان أن سؤال الانتماء أصبح من المسائل الراهنة التي باتت حاضرة في جميع المجتمعات البشرية، ولا سيما مسألة الهوية التي ما انفكت تتصاعد وتيرتها من مجتمع إلى آخر. في هذا الإطار يشير عيسى إلى أن الدول العربية، بخلاف العديد من الدول الأوروبية والأميركية التي تقدّس قيم التنوع الثقافي وتحترمها، لا تزال تواجه صعوبات كثيرة في هذه المسألة، أي مسألة التنوع الثقافي والهوية. ثم يتناول عيسى، في مرحلة ثانية، سؤال "التَوْنَسة"، فيشرع في تحليل علاقتها بالانتماء العربي الإسلامي، مؤكدًا أن الدولة الوطنية لم تنجح بالقدر الكافي في ترسيخ مشروع التونسة الذي ظلّ مشروعًا رسميًا ملتبسًا، على حد تعبيره؛ إذ لم يُعمّق التنوع الثقافي، ولم يؤكَّد تنوع مكوناته؛ لذلك كان هناك دائمًا انشقاق وتصدع، فهناك من يعتبر الهوية التونسية عربية إسلامية فحسب، في حين يؤمن بعضهم بانفتاح الهوية التونسية على روافد حضارية أخرى، بالتزامن مع تأكيد أهمية الانتماء العربي الإسلامي. كل هذا يقود عيسى إلى الحديث عن أبعاد أخرى مكملة للانتماء التونسي، كالبعد المتوسطي والبربري واليهودي والزنجي الأفريقي.

وبخصوص البعد المتوسطي، يؤمن عيسى بانخراط تونس في التأثير في تاريخ المتوسط منذ فجر التاريخ، فالانتساب إلى هذه البحيرة المتوسطية، في حد ذاته، لم يكن جغرافيًا فقط، بل من خلال إسهام تونس التاريخي في كتابة العديد من صفحات هذه البحيرة المتوسطية أيضًا. أما في البعد البربري، فيرى عيسى أن الدولة الوطنية، ولا سيما خلال فترة الرئيس الحبيب بورقيبة، قد عملت على فسخ مختلف بصمات الثقافة البربرية التونسية، من ذلك، مثلً، إخلاء مواطن سكناهم القديمة، وتوطينهم بقرى جديدة، إضافة إلى أن الدولة الوطنية كذلك قد ضربت عددًا من الخصوصيات الحضارية للعنصر البربري، كمسألة الألقاب التي أ بدلت بألقاب عربية أوُ تونسية، وكذلك اللهجات المحلية التي اندثرت. ينتقل عيسى بعد ذلك إلى البعد اليهودي في عناصر الشخصية التونسية؛ إذ يرى أن الدولة الوطنية، على الرغم من عراقة الوجود التاريخي لليهود في تونس، لم تحرص على استيعابهم بعد نهاية الاستعمار، ويستغرب من غياب ذكرهم غيابًا تامًا عن محتويات كتب التاريخ المدرسية. زيادة على ذلك، يعتقد عيسى أن عدم تمكّن العديد من التونسيين من التفريق بين اليهودية والصهيونية، وخلطهم بين المسألتين، ساعدا في صعود خطاب يرفض الوجود اليهودي، سواء كان من السياسيين أو من النخب أو من العامة. أما البعد الأفريقي الزنجي، فيراه عيسى مهمًا أيضًا؛ ذلك أن السرديات التاريخية التونسية والعربية تريد أن تنفي عن نفسها أي اعتماد على الزنجية الأفريقية، على الرغم من وجود صلات عريقة ضاربة في القدم، ربطت الشمال الأفريقي بجنوبه الصحراوي. ويعتقد عيسى أن الدولة الوطنية التي أرساها بورقيبة بعد الاستقلال كانت لها علاقات متميزة جدًا بالدول الأفريقية، شملت، على وجه الخصوص، التعاون الاقتصادي والاجتماعي الميداني؛ للدفع بحركة التقدم إلى الأمام. ويؤكد ضرورة تثمين أواصر التعاون اليوم؛ نظرًا إلى ما تشهده الدول الأفريقية من تحولات سريعة، أسهمت في بروز تكتلات إقليمية فاعلة، سواء في غربيّ القارة أم في شرقيّها. ثم يختم عيسى فصله بالدعوة إلى ضرورة تفعيل تنوع الانتماء الثقافي الذي أسهم حتمًا في إضفاء دينامية على المجتمع، وإثراء الروافد الحضارية التي تشكل شخصية الفرد وهويته. عند هذا الحد ينتهي الباب الثالث، يليه الباب الرابع الذي مثل بيبليوغرافيا تحليلية مفصلة لجعيط، من إنجاز لطفي بن ميلاد. وقد أبانت هذه البيبليوغرافيا الدقيقة عن إنتاج غزير ميّز جعيط، خلال الفترة 1964  -  2017. وقد تكونت هذه البيبليوغرافيا من الدراسات التاريخية، والمباحث الفكرية وهموم المثقف والمجتمع، وقضايا الأمة الراهنة.