العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مسار التجديد في الكتابة التاريخية عند إبراهيم القادري بوتشيش: قراءة في كتاب

مسار التجديد في الكتابة التاريخية عند إبراهيم القادري بوتشيش: قراءة في كتاب

Renewal in Ibrahim al-Qadiri Boutchiche’s Historiography: A Reading of Marginalized People in the History of the Islamic West: Theoretical and Practical Problems in Subaltern History

خالد بلعربي*Khaled

Belarbi

الملخّص

المؤلف: إبراهيم القادري بوتشيش. عنوان الكتاب: المهمشون في تاريخ الغرب الإسلامي: إشكاليات نظرية وتطبيقية في التاريخ المنظور إليه من أسفل. العنوان الأصلي: الأصلي. الناشر: رؤية للنشر والتوزيع. سنة النشر: 2014 عدد الصفحات: 310 صفحات

Abstract

Renewal in Ibrahim al-Qadiri Boutchiche’s Historiography: A Reading of Marginalized People in the History of the Islamic West: Theoretical and Practical Problems in Subaltern History

الكلمات المفتاحية:
  • الكتابة التاريخية
  • عبد القادر بوتشيش
  • تاريخ العصر الوسيط

قراءة في كتاب "المهمشون يف تاريخ الغرب الإسلامي: إشكاليات نظرية وتطبيقية يف التاريخ المنظور إليه من أسفل"

A Reading of Marginalized People in the History of the Islamic West: Theoretical and Practical Problems in Subaltern History

مقدمة

لمع اسم الباحث إبراهيم القادري بوتشيش في سماء البحث العلمي الأكاديمي المتعلّق بتاريخ العصر الوسيط؛ إذ تمكّن من شق طريق في مجال بحثي كان بكرًا في ساحة البحث التاريخي العربي، واستطاع بجدّه واجتهاده وتكوينه المتميّز على يد أستاذه محمود إسماعيل تسليط الضوء على مناطق معتمة من تاريخ الغرب الإسلامي خلال العصر الوسيط، مُستعينًا بخلفية منهجية ونظريات أوروبية فيما اصطُلح عليه ب "التاريخ الجديد"، وهو تاريخ من الأسفل يركز على دراسة تاريخ الناس ومعتقداتهم وسلوكهم وحياتهم اليومية. وإذ يخطّ بوتشيش طريقه في هذا المجال، فإنه قد استطاع المساهمة في بناء حقل بحثي جديد يتعلق بتاريخ الذهنيات، وهو الحقل الذي بقي مغيّبًا في الإنتاج التاريخي العربي؛ فمؤلفاته وأبحاثه ومشاركاته العلمية ومحاضراته في الجامعات المغربية والعربية دليل على هذه المساهمة الواضحة. كان تاريخ الذهنيات شغله الشاغل، فقد بذل جهده وعلمه ووقته كله في دراسته والتنقيب عنه، وكانت عُدَّتُه في ذلك التفتح على مصادر بحثية جديدة، تُصنّف في عداد المهمل من كتب الجغرافيا والرحلات والنوازل، وكتب الأحكام والعقود والتراجم والمناقب والسي والسحر والشعوذة والعلوم الخفية، وكتب الحسبة، ليلم شتات معلوماتها ويُضفي عليها لمساته المنهجية المتميزة وتحليلاته العلمية المنفتحة على شتى المناهج، ويخرج علينا بصفحات جديدة في تاريخ ذهنيات الغرب الإسلامي. من بين المصنّفات المهمة التي أنتجها بوتشيش في سياق توجّهه البحثي، كتابه المهمشون في تاريخ الغرب الإسلامي: إشكاليات نظرية وتطبيقية في التاريخ المنظور إليه من الأسفل. وهذا الكتاب، كما هو مُبيّ في عنوانه، يُسلّط الضوء على الحركات السياسية والمذهبية المناوئة للسلطة في تاريخ الغرب الإسلامي بمراحله المختلفة، وهو كتاب على قدر كبير من الأهمية؛ إذ يُطلعنا، من خلال قراءة جديدة، بآليات منهجية جديدة أيضًا، على فحوى هذه الحركات، بعيدًا عن ظلم وتحيّز كتابات البلاط التي شوّهتها، ووصفت قادتها بأشنع الأوصاف بفعل انتمائها إلى صف السلطان، وهو ما يُحتّم على هذه الكتابات أن ترى في هذه الحركات خروجًا على السلطان. ويتبيّ، بجلاء، للمطّلع على هذا الكتاب، صدق القراءات التي جاء بها المؤلف، فقد أنصف هذه الحركات ووضعها في إطارها وسياقها التاريخي العام، ونوّع في مصادر قراءاته حتى يخرج باستنتاجات من شأنها أن تُبقي الباب مفتوحًا أمام دراسات مستقبلية تواصل تسليط الضوء على هذه الحركات، وتفتح باب النقاش حول ما يعتقده بعض الدارسين بشأن "قُدسية كتب التاريخ السياسي."

سيرورة البحث التاريخي الأكاديمي من التأريخ من أعىل إلى التأريخ من أسفل

تتّجه الدراسات التاريخية الأكاديمية المتعلقة بتاريخ العصر الوسيط إلى تسليط الضوء على مسالك وتوجهات بحثية مسكوت عنها، سواء من المؤرخين الذين نقلوا إلينا الحدث التاريخي في مصنّفاتهم، أو من الباحثين؛ ذلك أنها لم تنل حظها من البحث والتقص لمعرفة مشهدها العام؛ إذ إن المتتبع لمستجدات الساحة البحثية المتعلقة بتاريخ العصر الوسيط لن تغيب عنه الملاحظة المتمثلة في طغيان التاريخ السياسي، أو تاريخ السلطان، على سجل الدراسات التاريخية. فقد عكف الباحثون على حصر عملية البحث والتقميش في التاريخ السلطاني وما يستتبعه من أحداث سياسية وعسكرية؛ من معارك وسفارات ودسائس في البلاط وسياسة السلاطين، متناسين تمامًا تاريخ المحكوم أو المهمّش، وكأن الحادثة التاريخية تتكوّن من الشق السياسي فقط. وسط هذه المعطيات، أدّت ثُلّةٌ من المؤرخين الأوروبيين، أمثال مارك بلوخ ولوسيان فافر، في عام 1929، إلى إحداث ثورة في دائرة البحث التاريخي؛ وذلك من خلال نهج توجه بحثي جديد سُمّي "مدرسة الحوليات". فقد أسّس بلوخ وفافر مجلة الحوليات، ساعييَن

من خلال البحوث التي نشرت فيها لفك عقدة انغلاق التاريخ على نفسه وإخراجه من خانة العادات الكلاسيكية القديمة التي لا تعرف أي تجديد وإبداع؛ بمعنى "إسقاط الجدران العازلة التي تجاوزها الزمن وأكداس المسبقات التي تعود إلى عصر بابل من الملل والأخطاء في التصور والفهم"1، وتسليط الضوء على كلٍّ من التاريخ الاقتصادي والاجتماعي وإقحامهما في ساحة البحث التاريخي منافسيَن للتاريخ التقليدي. يرى هاري إلمر بارنر أن التاريخ الجديد هو توسيع لمجال البحث من دون إقصاء أو تهميش أي حدث في الماضي بحجة اعتباره غير تاريخي؛ وفقًا للمفهوم الكلاسيكي الذي يحصر التاريخ في الأحداث السياسية والعسكرية، ويؤكد في الوقت نفسه ضرورة الموازنة وعدم المفاضلة بين مجال وآخر، فلكل حدث أهميته؛ ذلك أن المؤرخ يقرأ الحادثة التاريخية كلها في شقها السياسي والاجتماعي والثقافي والذهني، غير أنه ليس مطالبًا بأن يُعطي اهتمامًا متساويًا بهذه التجليات كلها، بل يُسلّط الضوء على الشق الذي يميل إليه ويُفضّله2. من ناحية أخرى، حدد بارنر مهمتين رئيستين للتاريخ الجديد تتمثّل أولاهما في تصوير وإعادة بناء تاريخي للحضارات بناءً شموليًا يتناول كل مجالات النشاط الإنساني، من سياسة واقتصاد ومجتمع وثقافة، أما ثانيتهما فهي تتجسّد في تتبع مظاهر الثقافة والنُظم في الزمن الراهن استنادًا إلى الماضي3. عرفت مدرسة الحوليات انتعاشًا كبيرًا بانضمام عدة أقلام مرموقة إليها؛ مثل جورج فريدمان، وشارل مورازيه، وفرنان بروديل، صاحب الدراسة المعروفة ب "المتوسط والعالم المتوسطي في عصر فيليب الثاني"4، الذي سيصبح رائد مدرسة الحوليات بعد وفاة فافر في عام 1956، وقد وضع بصمته في التاريخ الجديد عن طريق اكتشاف ميزة تُعدّ ركنًا أساسيًا في التأريخ للذهنيات؛ وذلك من خلال دراسته "التاريخ والعلوم الاجتماعية: الأمد الطويل"5. جدير بالذكر أن دراسة بروديل هذه كانت أولى المحاولات في هذا المجال؛ إذ لم تكن تتوافر أدبيات حول الموضوع، وقد استند صاحبها إلى دراسته حول العالم المتوسطي فقط، لنحت بداية تكون منطلقًا لدراسات أخرى أشمل وأعمق، واستتبعته في المضمار نفسه دراسةٌ لمارك بلوخ عنوانها "الخصائص المميزة للتاريخ الريفي الفرنسي"، ودراسة أخرى لأرنست بروس "لمحة عن تطوّر الأجور والأسعار في باريس في القرن الثامن عشر". وتبقى هذه الدراسات محاولات جادّة للتعمّق أكثر في الموضوع6، على الرغم مما اعتراها من نقائص. يدعو بروديل، على نحو صريح وواضح، إلى ضرورة إلغاء المسافات الفاصلة بين العلوم، خاصةً الاجتماعية منها، وتحطيم حواجز التباعد بينها، وذلك من أجل التمكن من تشييد صرح تاريخ شمولي يستعين بالعلوم والتخصصات الأخرى. وأصر بروديل على ضرورة مواجهة التاريخ للعلوم الاجتماعية التي كان يصفها بالإمبريالية. فوفقًا لمنظوره ومنطلقاته الشخصية، على العلوم الإنسانية والاجتماعية أن تُروَّض وتَخضَع معرفيًا ومنهجيًا لعلم التاريخ؛ إذ إن "علم الاجتماع والتاريخ كلاهما مغامرة واحدة للعقل، فهما ليسا الوجه والقفا للنسيج ذاته، بل هما هذا النسيج ذاته في كل كثافة خيوطه"7.

  1. التاريخ الجديد، إشراف جاك لوغوف، ترجمة وتقديم محمد الطاهر المنصوري، مراجعة عبد الحميد هنية (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007)، ص 84.
  2. هاري إلمر بارنر، تاريخ الكتابة التاريخية، ترجمة محمد عبد الرحمن برج، ج 2 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1987)، ص 229  -  230.
  3. المرجع نفسه.
  4. المرجع نفسه، ص 96  -  97.
  5. لوغوف، ص 98.
  6. المرجع نفسه، ص 141  -  142.
  7. فرانسوا دوس، التاريخ المفتت: من الحوليات إلى التاريخ الجديد، ترجمة محمد الطاهر المنصوري، مراجعة جوزيف شريم (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009)، ص 167  -  168.

إبراهيم القادري بوتشيش عىل خطى أستاذه محمود إسمعيل

تمكّن بوتشيش من التحرر من الإكراهات المنهجية التقليدية والتفتح على نظريات جديدة بفضل جلوسه مجلس الدرس عند أستاذه محمود إسماعيل، فقد تأثر به منهجيًا من خلال ابتعاده في دراساته تحقيب التاريخ الإسلامي عن التحقيب السياسي؛ إذ يرى إسماعيل أن التاريخ الإسلامي يُحقّب وفقًا لاعتبارات تاريخية تضع في سلّم أولوياتها التحقيب وفقًا لأنماط الإنتاج السائدة، ويُعد هذا المعلم من بين أهم الظواهر التي طبعت مسيرة التاريخ الإسلامي، لكنّ المؤرخين أهملوا النظر فيها واعتمادها باعتبارها ظاهرة تاريخية، لها أهميتها وقيمتها في التاريخ الإسلامي، مكتفين بالتحقيب الشكلي التقليدي القائم على قيام الدول وسقوطها. والحاصل أن التحقيب وفقًا لأنماط الإنتاج ينم عن تحولّات حقيقية طرأت على مسرح التاريخ العربي الإسلامي، ويقول إسماعيل في هذا السياق: "وهنا تسقط التحقيبات الشكلانية المؤسسة على قيام أسر حاكمة وسقوط أخرى ويصبح التحقيب الجديد دالً على تحولات حقيقية وليس تغيرات ظاهرية"8. فأنماط الإنتاج هي التي توجد صراعًا بين الطبقات؛ ومن ثم ينشأ، بناءً على هذا الصراع، مجمل الأحداث السياسية والعسكرية9. وقد سار بوتشيش على خطى أستاذه محمود إسماعيل في الدعوة إلى البحث والتنقيب في التراث المخطوط، والتراث الشفوي الذي يختزن الكثير من الموروث التاريخي، بحكم نظرية تاريخ الزمن الطويل للظواهر الاجتماعية؛ إذ يقول إسماعيل: "ومن أسف أن الدارسين العرب والمسلمين لم يولوا هذا التراث الاهتمام الواجب، فتاريخ العلم عند العرب لم يكتب بعد، ولا تزال آلاف من المخطوطات تنتظر من يحققها، كما أن التراث الشفاهي مهدد بالضياع برغم الجهود المحدودة والمحمودة وهي معظمها جهود أفراد في تدوينه وتصنيفه"10. ينهج الباحث أيضًا النهج نفسه الذي خطّه أستاذه وسار عليه فيما يخص تأكيد ضرورة استعانة المؤرخ بالعلوم الأخرى لدراسة الحادثة التاريخية؛ "لذلك اعتبر المؤرخون والمشتغلون بالعلوم الاجتماعية والإنسانيات المناهج علمًا قائمًا بذاته، كما عوّلوا على المناهج جميعًا ودون مفاضلة في حقول المعرفة المختلفة، ووظفوا في دراسة الموضوع الواحد عددًا مناسبًا من المناهج، بعضها تاريخي، والآخر نفسي، والثالث اجتماعي وهلم جرًّا"11. بناءً عليه، يعتبر بوتشيش تلميذًا وفيًّا لأستاذه؛ إذ اتبع رؤيته ومنهجيته في دراسة التاريخ الإسلامي، فها هو الأستاذ يُشيد بتلميذه في أحد مصنفاته قائلً: "ومن جانبنا نشيد بظهور مدرسة من المؤرخين الشبان، ينتشر تلامذتها في أرجاء العالم العربي، أجادوا التأريخ موضوعًا ومنهجًا، تحليلً وتعليلً وتفسيرًا ورؤية ومقصدًا، كما نُنوّه بجهود بعضهم في اعتماد منهجيات مستحدثة مستمدة من مناهج العلوم الأخرى، كالإحصاء والاقتصاد والاجتماع والأنثروبولوجيا والأركيولوجيا وعلم النفس وغيرها، ويشرّفنا أن نذكر من أسماء هؤلاء إبراهيم القادري"12. ونجد أنه تأثر برؤية إسماعيل نفسها، الذي دعا إلى التفتح على المصادر الأخرى من قبيل كتب الح رَف والصناعات والفقه والنوازل والطبخ والريافة، التي تكمن أهميتها في تسليط الضوء على جوانب مُبهمة من التاريخ الإسلامي، ونَحْت مصطلحات جديدة في المجال الاقتصاديوالاجتماعي13.

  1. محمود إسماعيل، سوسيولوجيا الفكر الإسلامي: محاولة تنظير، ج 10 (القاهرة: دار مصر المحروسة، 2005)، ص 14.
  2. المرجع نفسه.
  3. المرجع نفسه، ص 16.
  4. المرجع نفسه، ص 24.
  5. المرجع نفسه، ص 26.
  6. المرجع نفسه، ص 28.

المهمشون في تاريخ الغرب الإسلامي: محاولة جادة يف التأريخ للذهنيات

محتوى الكتاب
الفصلي العناوين الفرعيةالصفحات
الهامشي والمهمش في الكتابة
امألتاريخية: طرح وتفسير
في مفهوم التهميش.
تفكيك الكتابة التاريخية العربية الوسطية ورصد موقفها من تاريخ المهمشين.
تميمافسير عوامل التهميش في الكتابة التاريخية العربية الوسطية.
34 - 17
الأدوات المنهجية لكتابة
تينماريخ المهمشين
ارتحالات المؤرخ في مساحات الهامش والمهمش.
تكثيف المناهج.
58 - 35
حركة المتنبئين والسحرة في الغرب
الإسلامي: إعادة تقويم لحركة
حنرماميم خلال القرن الرابع الهجري
94 - 60
الحركة المسرية: بين الواقع
ومحاولات التزيف
117 - 95
حركة علي بن يدر:
مىراجعة جديدة
المرحلة الأولى: مرحلة النشأة وبسط السلطة.
المرحلة الثانية: مرحلة الانحسار.
المرحلة الثالثة: مرحلة الصحوة والانتعاش.
مرحلة الضعف والانهيار.
142 - 118
الحركة الحفصونية: مقاربة على
ضيوء النمط الإقطاعي
179 - 143
الجوانب الخفية في حركة التصوف
وكرامات الأولياء بالمغرب: العصر
اأيألمرابطي والموحدي نموذجًا
200 - 180
الأيتام في الأندلس من وثيقة تعود
لأميملعصر المرابطي
تقديم الوثيقة.
نص الوثيقة.
209 - 201
المتسولون في المغرب والأندلس
خايلال عصر المرابطين والموحدين
225 - 211
العوام في مراكش خلال القرن
السادس الهجري: نموذج من
تاريخ المستضعفين في حواضر
املمغرب الإسلامي
255 - 226
لماذا غيبت الفئات الشعبية من
تأماريخ المغرب الشرقي الوسيط؟
282 - 257
مسألة العبيد بالمغرب والأندلس
مسألة العبيد بالمغرب والأندلس
خلال عصر المرابطين
301 - 283
بيبليوغرافيا الكتاب
ب
بيب يو ر ي
نوع البيبليوغرافياعددها
ممخطوطات30
املمصادر80
اأملمراجع العربية52
المراجع الأجنبية34
الدوريات12

المهمشون يف تاريخ الغرب الإسلامي: محاولة جادة للتأريخ للذهنيات

حدد بوتشيش أهداف دراسته في مقدمة الكتاب موزعةً على أحد عشر فصلً، حيث أكد أن التاريخ العربي يحفل بثورات وانتفاضات وحركات احتجاج خلّفت دويًّا كبيرًا في حينه، بيد أنها لا تظهر اليوم في ثنايا الهيستوريوغرافيا إلا على نحو باهت، بل نكاد نجهل كل شيء عن أهدافها ومراميها التي طُمست أو شُوّهت، حين صُوِّر زعماؤها على أنهم شرذمة من السفلة والأوباش والعُصاة والمارقين والخارجين على الجماعة. استهل المؤلف كتابه بتسليط الضوء على مفهوم "المهمّش"، والاستشهاد بالآراء المختلفة التي تخص هذا المفهوم، ثم تقديم مفهومه الخاص وقراءته الشخصية للمصطلح؛ إذ يقول: "صحيح أننا نُشاطر جان كلود سميث الرأي في أن قراءة التاريخ انطلاقًا من المركز تفرز تاريخًا مبتورًا يتمحور حول السلطة ويُقصي تاريخ الفئات الصامتة، إلّ أننا لا نقتصر على هذا المفهوم في شكله العائم لسبب بسيط وهو أن بعض الحالات في التاريخ سجّلت تهميش بعض النماذج المنتمية إلى خانة النفوذ والجاه والسلطة، بناءً على قاعدة أن التاريخ يكتبه المنتصرون"14. وليدعم وجهة نظره، قدّم أمثلة حول المصطلح؛ إذ يقول: "وقد عرف التاريخ البشري - في مراحله المختلفة - ألوانًا متنوعة من تهميش الشعوب المقموعة والشرائح الدنيا من المجتمع وعدم الإقرار بحقوقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويكفي التذكير في هذا الصدد بالنسبة للعالم القديم بتهميش كل من أثينا وروما للشعوب التي كانت تندرج تحت سلطتيهما، ومع ذلك اعتبرتها في درجة أدنى من درجة المواطنة الرومانية والإغريقية" (ص. 22) لقراءة النص التاريخي من منظور يركز على استكناه مكامن التحيّز الواضح في التواريخ السلطانية، علّق المؤلف على تخصيص ابن أبي زرع بصفحتين كاملتين لوصف الملامح الفيزيولوجية ليوسف بن تاشفين، ففي الوقت الذي وصف المؤرخ ابن أبي زرع الخليفة من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه، مع ذكر الجزئيات الدقيقة من ملامح وجهه، لم يتعامل بالسخاء نفسه مع شرائح المجتمع المهمّشة من فلاحين ورُعاة وحرفيين، بل إنه لم ينبش بكلمة واحدة حول المشردين والمنبوذين والمتسولين الذين لم يخلُ منهم مجتمعه، أما بوتشيش فنبش في توجهات المؤرخين المهتمين بتاريخ المهمشين، وهو "يعتبر المؤرخ المسعودي كرمز ونموذج للمؤرخ المحترف الذي امتلك ناصية المنهجية التاريخية السليمة خاصة في كتابه مروج الذهب" (ص. 25)

  1. إبراهيم القادري بوتشيش، المهمشون في تاريخ الغرب الإسلامي: إشكاليات نظرية وتطبيقية في التاريخ المنظور إليه من أسفل (القاهرة: دار رؤية للنشر والتوزيع، 2014)، ص 19  -  20.

ينطلق المؤلف من رؤية تحليلية مفادها أن الكتابة التاريخية المتعلقة بالعصر الوسيط عرفت خللً كبيرًا في حيّز المؤرخ، حيث طغى على صفحاتها التأريخ للسلطان، وفسّ ذلك وفق عوامل الطمس والتعتيم، فتميّز مؤرخ السلطة بنظرة سطحية لاقتصاره على جمع أحداث تاريخية وعسكرية وتدوينها من دون استنطاق مكنوّناتها وتجلّياتها (ص. 27) لذلك؛ يوضح بوتشيش أنه على الرغم من الأدوار الشامخة التي قامت بها شرائح المجتمع المهمّشة داخل مجتمعاتها، فإنها لم تذكر في المصادر التقليدية إلا بنصف الكلمات، وهذا أمر بديهي إذا وضعنا في الحسبان موقع المؤرخ الاجتماعي، وموقفه من صراع الحاكم والمحكوم، والتوتر الذي ميّز علاقة الطرفين، إضافة إلى مكوّناته الثقافية ونظرته القاصرة إلى التاريخ. يرى بوتشيش، أيضًا، أن العامل السياسي يتحكم بدرجة كبيرة في هذا الطمس، فالمؤرخ بقي حبيس رؤية البلاط للآخر؛ ذلك أنه ليس له حرية ومنطلق معينان ومبادئ شخصية يلتزم بها، بل يُردّد ما يقوله السلطان، وحسبنا أن هؤلاء كانت لهم نظرة متعالية تجاه الرعية؛ فذلك المؤرخ وصفهم بالرعاع والسفلة والهمج (ص. 28)، ما أثّر في الفئة المستهدفة من الكتابة التاريخية. ومن بين عوامل الطمس أيضًا، نذكر عامل الرقابة؛ إذ شكّل عامل الوحدة تحديًا بالنسبة إلى المؤرخ، وهكذا ثم راح يسعى في كتاباته للتركيز على هذا العامل، وإقصاء كل ما يخالفه، وهو أمرٌ جعله يُصنّف محاولات الخروج على السلطة بوصفها مساسًا بوحدة الدولة وتماسكها. وانطلاقًا من هذه الرؤية، صنّف مؤرخو السلطان المهمشين ضمن الفاسقين والرعاع (ص 30 - 31)، وهو أسلوب "ذكي" في الظلم وعدم الإنصاف، ما يفرض على الباحث النزيه إعادة تقييم هذه الحركات المظلومة بنقد ما هو متواتر وخلخلته، وإعادة الدراسة والتحليل انطلاقًا من نظرة شمولية تربط هذه الحركات بواقعها، وبالمعتقدات والنظم السائدة. ويذكر المؤلف، أيضًا، عامل التفسير الديني؛ ذلك أن مؤرخ السلطان غالبًا ما يُفسّ الأحداث انطلاقًا من خلفية دينية، فيحصر الحدث التاريخي ويقرؤه من زاوية العناية الإلهية (ص. 31). يضاف إلى ذلك عامل التفسير الفردي للأحداث التاريخية وفق منطلق تقديس الحاكم وجعله مدار الأحداث التاريخية والبطل الوحيد والقائد المحنّك صاحب الانتصارات المدوّية. ثم ينطلق بوتشيش من قواعد منهجية ضرورية متسلّحًا بها للتنقيب والبحث والكتابة في تاريخ المهمشين؛ من بينها نقل ساحة البحث في الفئة المؤرخ لها، فهو ينتقل من دراسة البلاط وأمور السلطة وزخم الأحداث السياسية والعسكرية والطبقة المخملية، إلى تسليط الضوء على الطبقة الدنيا؛ العبيد والباعة والمتسوّلين والمجانين وعموم الناس (ص. 37)، وينقل ساحة البحث من القصور الفخمة والحدائق الغنّاء ومجالس السلطان وسهرات الطرب واللهو ومنادمة الجواري ومعاقرة الخمور إلى الشارع وحقول الفلاحين ودكاكين التجار والزوايا والأكواخ والبيوت والقرى والمداشر (ص 37 - 38)، إضافة إلى تسليطه الضوء على المرأة ودورها في الحياة الاجتماعية (ص. 38). وقد وسّع المؤلف الفترة الزمنية للبحث المتعلق بالامتداد الزمني للدولة، أو ما اصطلح عليه ب "الزمن الأميري"، إلى زمن أوسع منه؛ هو الزمن الاجتماعي الذي تتحكم فيه الذهنيات والمؤثرات الطبيعية والاجتماعية. وبدلً من القول زمن الحاكم الفلاني أو زمن الدولة الفلانية، قال زمن الخوف من الطاعون وزمن الكرامات أو زمن البركة وزمن القبيلة. ومن خصائص هذا الزمن أنه زمن طويل يتجاوز القرنين من الزمن، بعكس الزمن السياسي الذي لا يتجاوز على الأكثر قرنين (ص. 38)؛ ومن ثم على المؤرخ أن يتجاوز المألوف، إلى البحث والتنقيب عن المسكوت عنه، أو ما يمثل سلوكًا محرّمًا أو محظورًا في المجتمع، على غرار المثلية الجنسية والدعارة والخمر والشعوذة والسحر والانحرافات العقدية (ص. 39)، وعليه أيضًا أن يرتحل من المستوى الثقافي الذي يؤرخ للعلماء والحركة العلمية إلى تسليط الضوء وإزالة الغموض المتعلق بالأميين الذين لم ينالوا تعليمًا. على أن عدّة المؤرخ في ذلك ليست المصادر المكتوبة فقط، فنادرًا ما تطرّقت هذه المصادر إلى هذه الفئة المنبوذة؛ لذا ينبغي أن يُوسّع عدّته المصدرية بالاعتماد على الموروث الشفوي، نظرًا إلى أن هذا الموروث يحوي الكثير من الرموز والدلالات والتمثلات الاجتماعية

لهذه الفئة (ص 39 - 40)، إضافة إلى توسيع حقل البحث في المجال الهامشي، وذلك بدراسة الذهنية والغوص في موضوعات أخرى؛ مثل تفاعل الإنسان مع البيئة، وموقفه من الأزمات الطبيعية والظواهر الاجتماعية (ص. 41) يعكف المؤرخ على استنطاق النص التاريخي بعمق وفق منهجية معيّنة، و"ركام" من الأسئلة الموجّهة إلى النص سمّاها المؤلف "استمارة أسئلة"، لاستجلاء الخبر الكامن والتفسير الدفين بين خبايا النص، مركّزًا على دراسة تاريخ المهمشين على الانتقال من الخاص إلى العام، بمعنى توسيع آفاق البحث وتبني التحليل وفق رؤية أفقية حتى يسلّط الضوء على تاريخ "كل الناس"، بدلً من الطبقة السياسية فقط (ص. 45)، وعكس المنهجية. فبدلً من دراسة ما يحيط بالإنسان، يتم تحويل هذه اللمسة المنهجية إلى محور الإنسان؛ ومن ثم ندرس سلوكه ونفسيته وتصرفاته في هذه الظروف (ص. 45)، ويتمّ تبني المنهج الشمولي اقتداء بما طبّقه بروديل في أطروحته "المتوسط والعالم المتوسطي في عصر فيليب الثاني"؛ فقد درس عصرًا بأكمله من شتى نواحيه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية (ص. 46) ضمن ما سمّاه "أسلوب الشبكة" (ص. 46) ركّز المؤلف على المنهج الكمي الإحصائي، فهو يرى أن اعتماد المؤرخ على الرسومات البيانية والجداول الإحصائية مهم جدًّا لتدعيم الدراسة المتعلقة بفئة المهمشين، فلغة الأرقام تبُرهن أكثر على المعطيات المتعلقة بالحياة اليومية للمهمشين؛ من قبيل المعطيات الاقتصادية، وقوائم الأسعار، والمنتوجات الزراعية المستهلكة بكثرة، وأسعار المواد الغذائية في أوقات الاستقرار والحروب، والمعطيات الديموغرافية قبل الحروب وبعدها (ص 46 - 47.) بحسب المؤلف، يساعد توظيفُ المنهج السيميائي - وهو منهج يقوم على تفسير الرموز والدلالات المبطنة بين ثنايا النص التاريخي واستكناهها - المؤرخَ على كشف ما لم يكن راغبًا في الإفصاح عنه صاحب النص، ولهذا المنهج أثرٌ محمود في النصوص المناقبية وكتب التصوّف، فهو يُعدّ ملائمًا لمثل هذه النصوص التي تعجّ بالرموز والمعاني المسكوت عنها، بل يمكن اعتبار أن المسكوت عنه في هذه النصوص أكثر من المصُرّح به، وهو ما يمثل "فجوة مصدرية" بشأن تمكّن المؤرخ من الحصول على تفصيلات أكثر فيما يخص الطبقة المهمّشة (ص 48 - 49.) يسعى المؤلف، أيضًا، إلى اعتماد المقاربة الأنثروبولوجية، وهي مقاربة تقوم على دراسة عادات الأمم والجماعات وتقاليدهم؛ وذلك بالتعمق في ذهنياتهم وسلوكهم وتكوينهم الجسماني. ووفق نظرة التاريخ الجديد، يُساهم هذا المنهج في إماطة اللثام عن بعض الألغاز التي تقف في طريق مؤرخ المهمشين؛ بفضل قدرته على تفكيك عناصر البنية الفردية للإنسان والمجتمع بكل ما تمثله من ارتسامات ذهنية وفيزيولوجية وتعايشها مع معادلة البيئة والظروف (ص. 49) كما يروم الباحث الاستعانة بالمنهج البنيوي الذي يقوم على لَمِّ شمل الحادثة أو الظاهرة التاريخية بكل سياقاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ومن كل أبعادها أيضًا، سواء العمودية أم الأفقية (ص. 50). ويستعرض، بعد ذلك، آراء المستشرقين حول الحادثة التاريخية؛ إذ يقول حول ظاهرة المتنبئين إن لويكي Lewicki يردّها إلى استمرار المعتقدات القديمة الموجودة في منطقة "غمارة" قبل الإسلام، زاعمًا أن هذه المنطقة قاومت الإسلام من أجل المحافظة على عاداتها القديمة، في حين رأى فيها تيراس تعبيرًا عن عقلية الاستقلال وارتباطًا بعادات المجموعة البربرية التي لم ينفذ إليها الإسلام إلا بصعوبة، أما ألفرد بل فيزعم "أنها كانت تهدف إلى إصلاح الإسلام وجعله ملائمًا لطبيعة البربر" (ص. 65) يركز بوتشيش، أيضًا، على تقصّ الحادثة التاريخية وسط بيئتها ومعطياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وليس بمعزل عن هذه الظروف، مثلما هي الحال في تقصّيه عن "حركة حاميم"؛ إذ أدرك أنها ظاهرة لم تنشأ من العبث، وإنما لها مخرجاتها وجذورها الاجتماعية: "إن ظاهرة التنبؤ في أي مجتمع من المجتمعات لم تنشأ من فراغ، فهي عطاء بنية اجتماعية ارتبطت بتطوّرها، ومن ثم لا يمكن أن نأخذ هذه الظاهرة بمعزل عن الظاهرات الاقتصادية والنسيج الثقافي الذي عرفه المجتمع المغربي آنذاك، فهي تعبير عن مواقف ووسيلة لتجاوز مشكلات المجتمع" (ص. 66)

ويستعين المؤلِّف بالتفسير النفسي لتفكيك الظاهرة التاريخية، وقد توصّل إلى أن ظاهرة تنبؤ "حاميم" التي ما هي إلا أحد التمثلات المكبوتة في ذهنيات الناس آنذاك، فتتفجر من خلال هذا السلوك بعد استيفاء حدّها الأدنى من الضغط والتحمّل، ويصبح من المستعجل البحث عن بديل للتنفيس من هذا الكبت (ص. 66)، ويقول عن المصطنعين في الأندلس في إطار حديثه عن حركة أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن مسرة باعتباره منهم: "فإنهم ظلوا تابعين بحكم علاقات الولاء والاصطناع إلى الأرستقراطية الأندلسية، لذلك لم يكن غريبًا أن يشعروا بأنهم في وضعية اجتماعية من الدرجة الثانية، ممّا ولّد فيهم حافزًا نفسيًا للتمرد على الوضع والسلطة القائمة" (ص 98 - 99.) كما يسعى المؤلف للمقارنة بين ما جاء في المصادر حول الرواية التاريخية الواحدة؛ إذ أورد عن نهاية "حاميم" رواية كل من صاحب لاستبصار في عجائب الأمصار، وابن أبي زرع صاحب الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، والناصري السلاوي، وأبي عبيد عبد الله بن عبد العزيز البكري، وعبد الرحمن بن خلدون، وابن عذاري المراكشي (ص. 84) يتابع المؤلف أيضًا الخلفيات الاقتصادية الكامنة خلف الأحداث التاريخية، ونستشف ذلك من خلال قوله: "وكانت أخته دبو ساحرة كاهنة، وكانوا يستغيثون بها في الحروب والقحوط، والنص هذا يحمل مغزى عميقًا يجعل الباحث لا يعزل ظاهرة السحر عن خلفيتها الاقتصادية" (ص. 88). ويقول في موضع آخر: "وفي هذه الرواية نلاحظ مرة أخرى ارتباط السحر بعدة ظواهر اقتصادية، كالخصب والجفاف والحرب، وهي القضايا التي كانت تشكل هموم سكان غمارة" (ص. 89)، "ومن السذاجة اعتبارها حركة موجّهة ضد شخص الأمير فحسب، كما ذهب إلى ذلك أحد الدارسين. إنها ثورة مزارعين وأقنان وعبيد ناضلوا ضد اضطهاد السلطة الإقطاعية وأساليبه القمعية" (ص. 151) ويتتبع آثار الظواهر الاجتماعية في الزمن الراهن؛ بناءً على نظرية الأمد الطويل للظواهر الاجتماعية. ونستشف ذلك من قوله: "ومن نافلة القول أن هذه الظواهر السحرية خلّفت آثارًا ما زال بعضها ماثلً إلى اليوم في منطقة غمارة وحدها، بل في المغرب برمّته، فقد صار لممارسي السحر مكانة مهمة في المجتمع الغماري، وأصبحت شرائح كبيرة تتعاطى له وتشدّد إيمانها به إلى درجة تجعلنا نفترض أن استفحال هذه الظاهرة كان وراء ظهور التصوف والصلحاء في المنطقة" (ص. 92) يدرس بوتشيش الحادثة التاريخية في الغرب الإسلامي ضمن إطار وحدة الظاهرة في العالم الإسلامي: "كذلك يمكن فهم المغزى الاجتماعي للحركة الحفصونية ومناهضتها السافرة للطبقة الإقطاعية في ضوء ما شهده الشرق الإسلامي في ذات الفترة، فالإقطاع عرف انتشارًا واسعًا في هذا الجناح من العالم الإسلامي، فقامت ثورات المزارعين، وأهمها ثورة الزنج التي يشهد كل المؤرخين - قدامى ومحدثين - أنها جاءت كرد فعل ضد تفاقم الإقطاع. وانطلاقًا من وحدة الظاهرة في العالم الإسلامي لا نتردد في الجزم بأن الحركة الحفصونية جاءت ضمن ثورات الفلاحين المعارضة للإقطاع" (ص. 153) ويعتمد المؤلف على المنهج السيميائي في تفسير كرامات الأولياء، فقد فسّ كرامةً لأبي الفضل النحوي على النحو التالي: "إن الحكاية الكرامية هذه تحمل بين ثناياها كثيرًا من الرموز، فالوضوء هنا رمز يدل على التطهر وإزالة النجاسة وغسل الذنوب وتهيُّؤ النفس للحياة النقية. والماء في حد ذاته رمز لتجدد الحياة وانبعاثها، وعدم فراغ الإناء يعني أن فرص التوبة والانبعاث والدخول في الحياة الطاهرة النقية لا تنقطع، بل هي متواصلة مستمرة لمن يريد الاغتسال من ذنوبه" (ص. 192) ويدعو المؤلف إلى إماطة اللّثام عن التراث المخطوط، نظرًا إلى ما يحويه من مادة علمية جديدة من شأنها أن تجيب عن الكثير من الإشكاليات المطروحة في تاريخ الذهنيات، لأنها مصادر بعيدة عن البلاط وزخمه؛ إذ يقول: "لكني أؤكد أن أجوبة شافية على هذه التساؤلات الضخمة لا يمكن أن تكتمل إلا إذا قمنا بعملية حفر في تراثنا المخطوط الذي ما زال بين جدران الخزانات العامة أو المكتبات الخاصة، أو يعيش منفيًا سجينًا في رفوف الخزانات الأوروبية، آنذاك سنكتشف دون شك أجوبة وتساؤلات جديدة ومتعددة تتناسب مع ما يختزنه هذا التراث من قضايا اجتماعية قلّ نظيرها" (ص. 200)، ويضيف قوله: "غير أن التنقيب بدقة عن المادة المدفونة في ثنايا المصنفات القديمة والحفر في التراث المخطوط قمين بتذليل بعض العوائق والمثبطات" (ص. 214)

يُمهّد بوتشيش لإشكاليات أخرى في نهاية كل مبحث لتكون موضع بحث من الباحثين في المستقبل، نظرًا إلى اعتقاده أن تاريخ الذهنيات ما زال يحتاج إلى استقصاء وتنقيب؛ إذ يقول: "وإذا كانت الدراسة قد حاولت الإحاطة بوضعية العبيد وسلّطت الأضواء على علاقاتهم بأسيادهم، فإن النصوص لم تسمح بالإجابة عن بعض التساؤلات الملغزة وأهمها: لماذا لم يتم توظيف العبيد على نطاق واسع في العمل الزراعي واقتصر على استغلالهم في وظيفة الخدمات المنزلية؟ ولماذا لم يقوموا بانتفاضات للتعبير عن احتجاجهم على وضعهم المتدني؟ وكيف كانت وضعية الأسرى العبيد في دار الحرب؟ ذلك ما نأمل أن تتجه إليه عناية الدارسين مستقبلً" (ص. 301) شكّلت هذه الأهداف جوهر كتاب بوتشيش الذي لم يضع على عاتقه مهمة الدفاع عن هذه الحركات المظلومة، نظرًا إلى انعدام دعواها، بقدر ما سعى لإزالة ما لفَّها من غموض، وما شابها من دسائس المؤرخ الرسمي، وما علق بها من مسخ وتحريف، و"فك الحصار" عن فئات اجتماعية لم يُنصفها المؤرخون، ولم يسمحوا لها بالظهور على واجهة التاريخ حين همّشوها، وسعوا لإلقائها في "سلّة مهملات التاريخ."

خاتمة

تمكّن إبراهيم القادري بوتشيش من إماطة اللثام عن موضوعات لفّها الغموض في تاريخ الغرب الإسلامي خلال العصر الوسيط؛ إذ تبيّ لنا، بعد اطلاعنا على صفحات كتابه، أنه وظّف فيه مقاربات جديدة وقراءات خاصة من منطلقات مغايرة تمامًا لما كان معهودًا في ساحة البحث الأكاديمي، وأنه وظّف عدة مناهج من العلوم الاجتماعية، سخّرها لخدمة التاريخ نظرًا إلى اعتقاده أن علم التاريخ ما عاد يقتصر على أخبار الملوك، ما حدا به إلى الدعوة، في الكثير من موضوعات هذا الكتاب، إلى توسيع قراءات المؤرخ، ليتجاوز إكراهات مصادر التاريخ السياسي، وينفتح على المصادر الدفينة؛ ومن ثم ليتمكن من سبر أغوار ذهنيات المجتمع، والإجابة عن الإشكاليات المطروحة وفتح آفاق البحث. استنتج المؤلف من خلال دراسته أن تاريخ المهمشين والمنبوذين لا يزال ملفًّا مفتوحًا، ومشروعًا علميًا قابلً للتعديل والإضافة، وأنه لا يزال يحتل مركز الصدارة في ساحة النقاش بين المؤرخين الذين أصبح لديهم اقتناع بأن اختزال حركة التاريخ في تاريخ سلطاني أو نخبوي لا يعدو أن يكون تاريخًا مبتورًا يعبّ عن سطحية الحدث التاريخي بدلً من عمقه.