حقل
Memory Studies in social and human sciences: An international interest and an arabic deficiencies
الملخّص
تُعرّف هذه الدراسة حقل دراسات الذاكرة بوصفه مجموع مقاربات "بينتخصصية" في العلوم الإنسانية والاجتماعية، تتعامل مع التصورات المجتمعية للماضي الجمعي بأدوات منهجية متنوعة، جرّت إليها اهتمامًا من التخصصات العلمية المختلفة في الغرب، لم يصل صداه على النحو المطلوب إلى الممارسة البحثية العربية. يُبرز المحور الأول كيفية تبلور هذا الحقل، عبر تقديم نبذة بشأن أهم النظريات التأسيسية التي وضعها كل من موريس هالبفاكس وبيير نورا وأسمان وريكور. وعلى هذه الأساس يتطرق كل من المحور الثاني والثالث والرابع إلى دراسات الذاكرة في العلوم التاريخية والاجتماعية والأدبية، على التوالي، في حين يهتم المحور الخامس بوضع الدراسات الذاكراتية في العلوم الاجتماعية والإنسانية العربية، لينتهي إلى وجود قصور عربي في هذا الميدان البحثي، ثم تختم الدراسة بمجموعة مقترحات لتعزيز التعامل العربي مع هذا الحقل العابر للتخصصات.
Abstract
This paper introduces the field of memory studies as the sum of interdisciplinary approaches in the human and social sciences considering the social perceptions of the collective past with modern methodological tools. This field has attracted academic interest from various disciplines in the West but has not enjoyed the same resonance in Arab research. The first section describes the formation of this field, presenting an overview of the most important theories that shaped it – including those of Halbwachs, Nora, and Assmann. The subsequent sections focus in turn on sociological, historical and literary studies of memory, while the final section reviews the status of memory studies in Arab social sciences and humanities, concluding that there is a major Arab neglect of this field. The conclusion presents a number of recommendations on how to overcome this.
تُعرّف هذه الدراسة حقل دراسات الذاكرة بوصفه مجموع مقاربات "بينتخصصية" في العلوم الإنسانية والاجتمعية، تتعامل مع التصورات المجتمعية للمضي الجمعي بأدوات منهجية متنوعة، جرّت إليها اهتممًا من التخصصات العلمية المختلفة في الغرب، لم يصل صداه عى النحو المطلوب إلى الممرسة البحثية العربية. يُرز المحور الأول كيفية تبلور هذا الحقل، عبر تقديم نبذة بشأن أهم النظريات التأسيسية التي وضعها كل من موريس هالبفاكس وبير نورا وأسمن وريكور. وعى هذا الأساس يتطرق كل من المحور الثاني والثالث والرابع إلى دراسات الذاكرة في العلوم التاريخية والاجتمعية والأدبية، عى التوالي، في حن يهتم المحور الخامس بوضع الدراسات الذاكراتية في العلوم الاجتمعية والإنسانية العربية، لينتهي إلى وجود قصور عربي في هذا الميدان البحثي، ثم تختم الدراسة بمجموعة مقترحات لتعزيز التعامل العربي مع هذا الحقل العابر للتخصصات. كلمت مفتاحية: الذاكرة الجمعية، دراسات الذاكرة، العلوم الإنسانية، البينتخصصية.
This paper introduces the field of memory studies as the sum of interdisciplinary approaches in the human and social sciences considering the social perceptions of the collective past with modern methodological tools. This field has attracted academic interest from various disciplines in the West but has not enjoyed the same resonance in Arab research. The first section describes the formation of this field, presenting an overview of the most important theories that shaped it – including those of Halbwachs, Nora, and Assmann. The subsequent sections focus in turn on sociological, historical and literary studies of memory, while the final section reviews the status of memory studies in Arab social sciences and humanities, concluding that there is a major Arab neglect of this field. The conclusion presents a number of recommendations on how to overcome this.
Teacher of Arabic Language in the German state school system. He holds a PhD in German Literature from Düsseldorf University.
مقدمة
يشهد المشهد البحثي في الغرب، منذ العقود الأخيرة إلى يومنا هذا، طفرة غير مسبوقة في ما بات يُعرف حاليًا ب "دراسات الذاكرة"
Studies Memory، وهو تعبير جامع يحيلنا على مقاربات علمية متنوعة، ذات طبيعة "بينتخصصية"، تسعى إلى التعامل مع "الذاكرة" الإنسانية في بُعديها، المجتمعي والجمعي، والبحث في علاقتها بالظواهر البشرية المختلفة التي تهتم بها العلوم الإنسانية والاجتماعية،
بل حتى الطبيعية، إلى درجة أنْ لا ثيمة بحثية استطاعت إعادة إرجاع الترابط الكلاسيكي القديم بين العلوم الإنسانية – الاجتماعية
والعلوم الطبيعية، مثلما فعلته "الذاكرة" التي صارت موضوعًا مشتركًا لحقول معرفية متنوعة. وأكثر من هذا تتميز دراسات الذاكرة،
إضافة إلى طبيعتها البينتخصصية، بسمتَي الدينامية والإبداع، على المستويين التنظيري والمنهجي، وهو ما أتاح لها امتدادًا متواصلً في حقول معرفية متنوعة، يعكسه الإنتاج العلمي المتراكم، والازدهار اللافت الذي رافقه، ابتداءً من أواخر سبعينيات القرن العشرين،
معبرًا، في الوقت ذاته، عما وصفناه سابقًا ب "المنعطف الذاكراتي" ضمن هذه العلوم في الغرب. يقابل هذا الاهتمام الأكاديمي بالذاكرة في العلوم الإنسانية والاجتماعية الغربية، إشكالية التعامل العربي الضعيف مع هذا التوجه البحثي الجديد. وعلى الرغم من وجود بعض الاستثناءات، يظهر القصور العربي في مواكبة هذا التطور المعرفي ظهورًا لافتًا؛ بسبب غياب
وعي إبستيمولوجي عربي بأهمية هذا الحقل، بوصفه اختصاصًا بحثيًا وأكاديميًا مستقلً بذاته، على الرغم من العدد الذي لا يستهان به
من مراكز الأبحاث العربية المهتمة بالعلوم الإنسانية والاجتماعية. لهذا، تسعى الدراسة، إلى جانب توصيف هذا التأخر العربي في ميدان دراسات الذاكرة، واقتراح سُبل لردم هذه الهُوة الذاكراتية، إلى التعريف بهذا المجال الضروري للمشهد الأكاديمي العربي، بالنظر إلى
أهمية موضوع الذاكرة في ماضي الوطن العربي وحاضره، بل في مستقبله أيضًا، من خلال توصيف أهم النظريات والتوجهات البحثية الراهنة في هذا الحقل، وهو ما يتيح لفت انتباه الباحثين العرب في العلوم الإنسانية والاجتماعية نحو هذه الوجهة البحثية الرحبة، وذلك عبر التعامل مع التساؤلات الآتية: ӵ ما حقل "دراسات الذاكرة"؟ وما أسسه التنظيرية؟ ما أهم مجالات اشتغال هذا الحقل في العلوم الإنسانية والاجتماعية؟ ӵ ما أهم التوجهات البحثية السائدة حاليًا في هذا الحقل المتعدد التخصصات؟ ӵ ما سُبل ردم الهوة الذاكراتية العربية؟ للإجابة عن هذه التساؤلات، تعتمد الدراسة على منهجية الدراسة الوثائقية في ثلاث خطوات: أولاها دراسة مجموعة محددة من أهم الأدبيات التي اهتمت بدراسة نشأة ميدان دراسات الذاكرة، وتطوره، ووضعه الحالي، إلى جانب مناقشة أولية لأهم المقاربات التأسيسية المرتبطة به، ثم تقديم توصيف له، بما هو توجه بحثي حديث يتسم بالتنوع التنظيري والخصوبة المعرفية والتعدد المنهجي. وثانيتها خطوة مُقارنة، تحاول تقديم توصيف مبدئي للتأخر العربي عن هذا الركب البحثي، ولا سيما في علوم الاجتماع والتاريخ والعلوم
الأدبية، ثم نناقش سُبل اللحاق العربي بهذا المشهد البحثي في الخطوة الثالثة.
زهير سوكاح، "السياسة والذاكرة الجمعية: علاقة تنافر أم تجاذب؟"، مجلةالناقد للدراسات السياسية، العدد 1 (أكتوبر 2017)، ص 37.
أولً: من "الذاكرة" إىل "دراسات الذاكرة"
1. الذاكرة بوصفها قضية فكرية: نبذة تاريخية موجزة
العديد من المشاعر".
جمال شحيد، الذاكرة في الرواية العربية المعاصرة (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2011)، ص 52. المرجع نفسه، ص 54. المرجع نفسه، ص 61. المرجع نفسه، ص 75. المرجع نفسه، ص 78.
. Memory ; Memory Studies ; Journal of Memory and Language: لعل أشهرها
. Media and Cultural Memory: لعل أهمها حاليًا 10
11 وفي مقدمتها:
يُعد التفاعل مع مفهوم الذاكرة الذي يصفه جاك لوغوف Goff Le Jacques ب "المفصلي"، من أقدم الانشغالات الفكرية
للإنسان، ولا سيما من زاوية نظر فلسفية تمثلت في أفكار كل من أفلاطون وأرسطو وأوغسطين الذين تعاملوا مع الذاكرة البشرية في صيغتها الفردية أساسًا. وبخلاف أفلاطون الذي يرى أن المعرفة هي الذاكرة والتذكر، بمعنى أن تعلم الإنسان ما هو إلا تذكُّره لما
كان يعرفه سابقًا قبل ولادته (أي عالم المُثل)، ينطلق أرسطو من فكرة مفادها أن الذاكرة هي انفعال عبر الإحساس المباشر، مُعتبرًا
أن التذكر يحدث عبر تداعي الأحاسيس والأفكار. أما أوغسطين، فيُميّز بين الذاكرة الحسية والفكرية؛ ففي حين "ترتبط الأولى
بالمحسوسات"، عبر الحواس الخمس، ترتبط الثانية ب "المعارف والأدب والعلوم والأمور التجريدية". إلا أن الاهتمام بالذاكرة في التفكير الغربي لم يُقصر على التراث الإغريقي، وإنما تعداه إلى الحقبة القروسطية، إلى القرنين السابع عشر والثامن عشر، وصولً إلى
القرنين التاسع عشر والعشرين. وفي سياق القرن التاسع عشر، نلاحظ اهتمامًا فكريًا واضحًا بموضوع الذاكرة؛ فبينما يربط فرويد الذاكرة
باللاوعي، فيعتبرها "مجمل الأحداث المنسية والمشاعر والانطباعات والمُتع والشروخ والهواجس والمخاوف والأهوال التي اعتورت حياة الإنسان"، يرى هنري برغسون، عكس ذلك، أن الذاكرة "ليست مستودعًا للذكريات الجامدة، بل هي نخبة من الأحاسيس تستثير
غير أن البداية الفعلية لحقل دراسات الذاكرة، ولا سيما في العلوم الاجتماعية والإنسانية، لم تنطلق إلا في أواخر سبعينيات القرن الماضي، وذلك من جرّاء إعادة اكتشاف نظرية "الذاكرة الجمعية" collective mémoire La لعالم الاجتماع الفرنسي موريس
هالبفاكس Halbwachs Maurice (1877 - 1945)، وهي تُعتبر أول انطلاقة بحثية للتعامل العلمي الدقيق مع مفهوم الذاكرة، بوصفها ظاهرة مجتمعية ذات بعد جمعي، استرعت اهتمامًا مكثفًا من مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية المختلفة، تمثلت في بروز نظريات
ومقاربات ذاكراتية حديثة، وفي مقدمتها "أماكن الذاكرة" للمؤرخ الفرنسي بيير نورا Nora Pierre، ونظرية "الذاكرة الحضارية" ليان أسمان Assmann Jan، إضافة إلى الكتابات الفلسفية - السياسية لبول ريكور Ricœur Paul حول الذاكرة، وقد جاءت كلها في سياق أحداث كبرى شهدها التاريخ المعاصر، وأضحت حاليًا الأساس النظري والمنهجي للدراسات الذاكراتية ومخرجاتها. وهكذا نجد تزايدًا
مطّردًا في عدد الدوريات العلمية المتخصصة في دراسات الذاكرة، وفي السلاسل العلمية، والمراكز الدولية البحثية والمؤتمرات
جاك لوغوف، التاريخ والذاكرة، ترجمة جمال شحيد، سلسلة ترجمان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، ص 101.
تفرق هذه الدراسة بين مفهومَي "ذاكراتي" و"ذاكري"، فبينما يُقصد بالأول كل تعامل يتخذ من الذاكرة موضوعًا له، يُقصد بالثاني كل ما يمكن أن ننسبه إلى الذاكرة.
Centre for the Study of Cultural Memory, Warwick Centre for Memory Studies (CRM), Center for Interdisciplinary Memory Research (CMR).
السنوية، والمشاريع البحثية البينتخصصية، إضافة إلى المعاجم التخصصية، وغيرها من المنشورات العلمية التي تغطي معظم الاتجاهات البحثية لهذا الحقل، بل لقد أسهم هذا الزخم البحثي في تداخل كثير من الحقول المعرفية والتخصصات العلمية في ما بينها طوال العقود الأخيرة، ولا سيما التواشج الحاصل حاليًا بين العلوم الاجتماعية والتاريخية والأدبية في بوتقة البحث الذاكراتي. ويعكس
هذا الأخير "أهمية الرهان الذي تمثله الذاكرة الجمعية"، بحسب تعبير لوغوف، ولا سيما بعد "تطور المجتمعات في النصف الثاني من القرن العشرين".
2 ي. نظريات الذاكرة ف العلوم الإنسانية والاجتمعية
على الرغم من التنوع الشديد في حقل دراسات الذاكرة الذي تعكسه وفرة الكتابات التنظيرية والأبحاث الميدانية، فإن معظمها - وعلى اختلاف انتماءاتها التخصصية - غالبًا ما يستند إلى كتابات هالبفاكس، بوصفها منطلقًا.
أ. "الذاكرة الجمعية" لموريس هالبفاكس
على النقيض من التمثلات السائدة - في عصره - التي كانت تحصر "التذكر" في الأفراد، من جهة كونه عملية نفسية خالصة فحسب، نبّه هالبفاكس إلى الإطار المجتمعي للتذكر الفردي الذي يحتل مكانًا ضمن المحيط الاجتماعي، بوصفه نتيجة بديهية لتفاعل
الفرد مع محيطه. وفي هذا السياق يقول هالبفاكس في كتابه الأطر الاجتماعية للذاكرة (1925): "عندما نقرأ أمهات الكتب في علم
النفس التي تعالج مسألة الذاكرة، ما يدهشنا أن الإنسان فيها يظهر كائنًا معزولً"، مضيفًا في موضع آخر من كتابه الذاكرة الجمعية:
"إلا أن ذكرياتنا تبقى جمعية، ويذكرنا بها الآخرون، مع أنها أحداث عُنينا بها وحدنا، وأشياء رأيناها وحدنا، ذلك أننا لسنا في الحقيقة
وحيدين البتة". ولهذا، يرى هالبفاكس أن المرء يتمكن من خلال الحوار مع الآخر (مثلً، مع أفراد الأسرة والأصدقاء وغيرهم) من استذكار خبرات ومحطات مهمة في مساره الحياتي، مستخلصًا أن عملية التذكر الفردية، على الرغم من طابعها البيولوجي، لا
يمكن أن تتحقق من دون إطار اجتماعي معين يلفّها. ومن هنا، فإن هذا الإطار الاجتماعي يؤسس لنسق جمعي، يجعل التجارب الذاتية للفرد قابلة للتذكر وللتفسير جمعيًا. يُسمّي هالبفاكس هذا النسق التذكري الجمعي "الذاكرة الجمعية"، وهي، بحسبه، شرط
ضروري لوجود هذه الجماعة نفسها؛ ذلك أنها تؤسس لهويتها عن طريق فعل التذكر الجمعي. وهنا يلُاحَظ ربط هالبفاكس بين الذاكرة
والهوية، معتبرًا أن الهوية الجمعية ما هي إلا نتيجة لتفسير مشترك للماضي الخاص بهذه الجماعة؛ ذلك أن ما يُستعاد على مستوى
ما فوق الفردي ما هو إلا استجابة لرغباتها ومصالحها الآنية. والمشاركة التذكرية - الجمعية تعني أن المشارك ينتمي هوياتيًا إلى هذه
الجماعة. وعلى هذا الأساس، فإنّ الذاكرة الجمعية لمجتمع، أو جماعة ما، هي أكثر من تذكر للماضي، إنها في الأساس تعبير هوياتي
. Annual Conference of the Memory Studies Association: من أشهرها
مثل مشروع "الذاكرة في المدن الكبرى: التذكر، والتمدن والجندر في أميركا اللاتينية" 14 لوغوف، ص 166. 15 شحيد، ص 145. موريس هالبواش [هالبفاكس]، الذاكرة الجمعيّة، ترجمة نسرين الزهر (دمشق: بيت المواطن، 2016)، ص - 4546.
زهير سوكاح، "نظريات الذاكرة الجمعية وتطورها في ميادين العلوم الإنسانية"، مجلةدراجومان، مج 3، العدد 5 (2015)، ص 129. 18 المرجع نفسه، ص 128. 19 المرجع نفسه، ص 129. 20 المرجع نفسه. 12 المرجع نفسه، ص 130.
Memoria in der Megacity: Erinnerung, Urbanität und Geschlecht in Lateinamerika.
عن سياق مجتمعي معين؛ إذ إنها لا تسترجع صورًا طبق الأصل للماضي عشوائيًا، وهذا ما يشير إليه هالبفاكس بقوله: "الذاكرة لا تقوم
بإعادة إحياء وبعث الماضي، بل تقوم بإعادة تشكيله في زمن الحاضر […] التذكر هو عملية إعادة بناء الماضي بمساعدة الحاضر". وفي هذا الصدد، اعتمدت غالبية موسوعات علم الاجتماع الغربية، في تعريفها لهذا المفهوم الجديد، على تصور هالبفاكس للتذكر الجمعي؛ إذ يعرّف قاموس علم الاجتماعالذاكرة الجمعية بأنها "مجموع التوافقات الرمزية والفعلية بين أفراد مجتمع ما، تُنتج
أرضية للعلاقات الاجتماعية بين الأفراد، ومن ثم تتيح تشكل الجماعة الذهنية الواحدة ذات المصلحة المشتركة. وبهذا تكون الذاكرة
الجمعية هي ذاك الإطار المُلزم للذاكرات الفردية". في حين يضيف معجم علم الاجتماع: "في المجتمع المتعدد ينتمي الفرد إلى مجموعات عديدة، ومن ثم فإنه يشترك في ذاكرات جمعية متنوعة". ومن الملاحظ هنا أننا لا نجد تعريفات للمفهوم نفسه في المعاجم السوسيولوجية العربية.
ب. "أماكن الذاكرة" لبيير نورا
التصوّر نفسه لوظيفة الذاكرة في مستواها الجمعي نجده حاضرًا أيضًا عند المؤرخ الفرنسي بيير نورا، فقد احتفى بالمفهوم الهالبفاكسي
للذاكرة الجمعية حينما اعتبر أنها: "ما يتبقى من الماضي في الحياة التي تعيشها المجموعات، أو ما تفعله هذه المجموعات بالماضي"، إلا أنه يشدّد، في الوقت ذاته، على أنه لم تعد هنالك إمكانية، في عصرنا الحالي، لحضور الذاكرة الجمعية، بقوله في جملته الشهيرة: "كثُ
الحديث في عصرنا هذا عن الذاكرة الجمعية، وهذا مرده أصلً إلى غيابها المطلق، أي لم يعد هنالك وجود لشيء يحمل هذا الاسم". وعلى هذا الأساس ركّز نورا في تحليله للوظيفة الهوياتية للتذكر الجمعي على ما اعتبره البديل الحسي من الذاكرة الجمعية، أي ما
سماه "أماكن الذاكرة" Mémoire de Lieux Les التي تشمل، في نظره، فضاءات جغرافية ومبانيَ عمرانية ونصبًا تذكارية وأعمالً
فنية، وكذلك شخصيات تاريخية، وأيامًا تذكرية، ومؤلفات ونشاطات رمزية؛ وهكذا تُعتبر، على سبيل المثال لا الحصر، باريس، والعلم
الفرنسي، والرابع عشر من يوليو/ تموز، وأيضًا كتاب مقال عن المنهج méthode la de Discours من أماكن الذاكرة في فرنسا. ولتوضيح فكرته، يتحدث نورا عن ثلاثة أبعاد محورية تجعل من الشيء الملموس، أو المفهوم المجرد، مكانًا ذاكريًا، هي: البعد المادي،
والبعد الوظيفي، والبعد الرمزي. والبعد المادي لأماكن الذاكرة يجب ألا يُحيل، بحسب تعبير نورا، على اقتصار هذه الأماكن على
كل ما هو مادي وملموس وذو طبيعة مادية فحسب، مثل البنايات أو اللوحات الفنية أو المؤلفات وغيرها. فأحداث تاريخية، أو دقائق صمت لإحياء ذكرى شخص ميت، تتوفر أيضًا على بعد مادي جليّ؛ لأنها، بحسبه، عبارة عن مقطع مادي من فترات ووحدات الزمن.
كل هذه الموضوعات تمتلك بعدًا وظيفيًا، بمعنى أنها تُحقّق وظيفة محددة ضمن المنظومة الاجتماعية، فكُتب شهيرة في فرنسا، مثل
كتاب تاريخ فرنسا France de Histoire للمؤرخ إرنست لافيس Lavisse Ernest (1842 - 1922)، وُضعت في بادئ الأمر قبل أن
Maurice Halbwachs, Das kollektive Gedächtnis (Frankfurt: Fischer, 1991), p. 55. Original: Maurice Halbwachs, La Mémoire collective , Préface de Jean Duvignaud, Introduction de J. Michel Alexandre, Bibliothèque de sociologie contemporaine (Paris: PUF, 1950). Karl-Heinz Hillmann, Wörterbuch der Soziologie , 5 th ed. (Stuttgart: Alfred Kröner Verlag, 2017), p. 263. Werner Fuchs-Heinritz et al. (eds.), Lexikon zur Soziologie , 5 th ed. (Heidelberg: Springer, 2011), p. 225.
ينطبق هذا، على سبيل المثال لا الحصر، على معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية لمحمد الجوهري. والخصاص نفسه نجده حتى في المعاجم المعربة، مثل معجم
مصطلحات علم الاجتماعلجيل فيريول، والمعجم النقدي لعلم الاجتماعلريمون بودون، وفرانسوا بوريكو، وموسوعة علم الاجتماع لجوردن مارشال. 26 لوغوف، ص 162.
Pierre Nora, Zwischen Geschichte und Gedächtnis , Wolfgang Kaier (trad.) (Frankfurt: Fischer, 1998), p. 11. Astrid Erll, Kollektives Gedächtnis und Erinnerungskulturen: Eine Einführung (Stuttgart: J.B. Matzler; Springer, 2005), p. 23. 29 Nora, p. 32.
ترتقي إلى درجة مكان للذاكرة، لتحقيق هدف محدد. وهكذا، فإن هذا الكتاب التعليمي يُعتمد مرجعًا مدرسيًا ضمن دروس التاريخ
في المدارس الفرنسية. ويجب على هذه الموضوعات أيضًا، لكي ترتقي إلى مصاف أماكن الذاكرة، أن تكون حاملة لمعنى رمزي، وهذا يظهر جليًا حينما تنتقل، مثلً، ممارسات أو أفعال معينة إلى طقوس محاطة بهالة رمزية، فعبر هذا الارتقاء الرمزي وحده تصير هذه
الموضوعات حاملة للطبيعة الجمعية - الحضارية نفسها التي تمتلكها أماكن الذاكرة في مجتمع ما. وعلى الرغم من أن هذا التعريف لمفهوم أماكن الذاكرة يبدو فضفاضًا، إلى حد ما، فقد فتحت هذه النظرية آفاقًا تنظيرية جديدة، ولا سيما في مجال البحث الذاكراتي في العلوم التاريخية والثقافية.
ج. "الذاكرة الحضارية" ليان أسمن
يرى عالم الآثار الألماني يان أسمان، ومعه زوجته الباحثة أليدا أسمان Assmann Aleida، أن فعل التذكر الجمعي لا يضمن استمرارية التجارب الإنسانية فحسب، بل يُمكّن من تأسيس الهوية، والمحافظة عليها، وذلك في بعدها الفردي أو الجمعي، غير أن
هذا الفعل التذكري، في فهم الزوجين أسمان، لا يقتصر على المجتمعات البشرية، كما رأينا مع هالبفاكس، ولا على القوميات، بحسب نورا، بل يتجاوزها ليشمل الحضارات البشرية؛ فهي تقوم بدورها بالرجوع إلى ماضيها السحيق، واستحضاره بطرق شتى من الممارسة الذاكرية؛ من احتفالات وطقوس جمعية، إلى جانب تأسيس الأرشيفات، وتشييد النصب والمتاحف، وغيرها من وسائط الذاكرة في بعدها الجمعي. لقد سعى يان أسمان في كتاباته عن الذاكرة والحضارة على نحو أعمق إلى إبراز البعد الحضاري للتذكر الجمعي، بفحص العلاقة التأثرية المتبادلة بين التذكر الجمعي، وبين الحضارة بوصفها نظامًا بشريًا رمزيًا. وفي هذا الإطار قدّم رفقة زوجته نظرية
للتذكر الجمعي في بعده الحضاري، وهي "الذاكرة الحضارية" Gedächtnis kulturelle Das. ولتفسيرها يقترح ضرورة التمييز بين نمطين مختلفين من أنماط التذكر الجمعي، هما: "الذاكرة التواصلية" Gedächtnis kommunikative Das، و"الذاكرة الحضارية" Gedächtnis kulturelle Das. تنشأ الذاكرة التواصلية، بحسب أسمان، عن طريق التواصل اليومي والتفاعل الاجتماعي العفويين، ويظهر هنا أن الذاكرة التواصلية، بمفهومها الأسماني، تُحيلنا بوضوح على مفهوم الذاكرة الجمعية عند هالبفاكس. وعلى العكس من هذا النمط الذاكري - التواصلي، يعتبر أسمان أن "الذاكرة الحضارية" هي مخزون لحضارة برمتها على مرّ العصور. وفي ضوء هذا
نستشف أن الذاكرة الحضارية – على عكس الذاكرة التواصلية - تضرب جذورها عميقًا في تاريخ حضارة معينة. وفي هذا السياق يحدد أسمان وظائف الذاكرة الحضارية بقوله: "ينضوي تحت مفهوم الذاكرة الحضارية مخزون (حضاري وهوياتي) خاص بكل مجتمع، يمتد إلى حقب زمنية طويلة، ويتكون من نصوص وصور وطقوس قابلة للممارسة باستمرار، تخلق - عند المحافظة عليها - الصورة الذاتية لحضارة معينة [...] إنها معرفة جمعية حول الماضي، يُشترك فيها ويُستند إليها في أثناء لحظة وعي حضارة ما لذاتها". يَكْمُن ربح النظرية الأسمانية في التدقيق التنظيري للعلاقة الرابطة بين التذكر والتأسيس للهوية الحضارية، وهو ما يجعل ظاهرة
الذاكرة الحضارية ممكنة الملاحظة والدراسة، وتحقق شهرة انطلقت من ألمانيا مع نهاية السبعينيات في القرن الماضي؛ إذ أثرت بوضوح في الأبحاث الذاكراتية التي توالت بعد ذاك في ميدان البحث التاريخي والدراسات الثقافية.
Astrid Erll, Kollektives Gedächtnis und Erinnerungskulturen: Eine Einführung , 3 rd ed. (Stuttgart: J.B. Matzler; Springer, 2017), p. 3. 31 Ibid., p. 25. Jan Assmann, "Kollektives Gedächtnis und kulturelle Identität," in: Jan Assmann & Tonio Hölsche, Kultur und Gedächtnis (Frankfurt: Suhrkamp 1988), p. 15.
د. "الذاكرة العادلة" لبول ريكور
ساهم بول ريكور في التعامل الغربي مع الذاكرة، حينما أصدر في عام 2000 كتابه الذاكرة، التاريخ، النسيان , Mémoire La oubli ' l , histoire ' l، ففي هذا الكتاب يقتفي أثر الذاكرة في المقاربات الغربية، انطلاقًا من فلسفة الذاكرة اليونانية، ووصولً إلى سوسيولوجيا الذاكرة الحديثة، مُنتصرًا أيضًا، في نهاية المطاف، لنظرية هالبفاكس حول البعد الجمعي للذاكرة، وإطاراتها المجتمعية،
بقوله: "إننا ندين بالقرار الفكري الجريء الذي تمثل في أنه نسب الذاكرة إلى كيان جماعي، يسميه المجموعة أو المجتمع"، مضيفًا: "إن كانت الذاكرة الجماعية تستمد قوتها وديمومتها من أن ركيزتها هي مجموعة من الناس، إلا أن الأفراد هم الذين يتذكرون بما هم أعضاء في المجموعة". ومثل هالبفاكس ونورا، يشدد ريكور على التداخل الوظيفي بين البعدين الجمعي والفردي للظاهرة الذاكرية، وهو تداخل يفضي إلى التأسيس المستمر للهوية عبر فعل التذكر. أما النتيجة العكسية لغياب الفعل التذكري فيلخصها بقوله: "حين لا نعود نحن نشكل جزءًا من المجموعة التي تحفظ في ذاكرتها ذكرى ما، فإن ذاكرتنا الخاصة بنا تذبل بسبب عدم وجود دعائم
خارجية"، وهنا نلاحظ أن ريكور يتوسع توسعًا مفصلً في ما يمكن أن تتعرض له الذاكرة الجمعية من أعطاب على غرار الذاكرة
الفردية، حينما يتحدث عن "سوء الاستعمال" للذاكرة، فيصفه بأنه: "تلاعب مقصود بالذاكرة والنسيان يقوم به من يملكون السلطة"، والنتيجة هي ذاكرة يسميها "الذاكرة المتلاعب بها"، بمعنى أنها صارت "ذاكرة أداتية، أي عوملت كأداة"؛ إذ يعتبر أن وظيفتها المركزية تتمثل في "تبرير نسق نظام أو سلطة"، فهي "تهدف […] إلى إضفاء الشرعية […] على […] سلطة النظام أو الحكم"، وهذا ما يؤدي في آخر المطاف إلى إنتاج ذاكرة متلاعب بها أيديولوجيًا، من خلال قوله: "وهكذا يصبح من الممكن أن نربط إساءات
استعمال الذاكرة المقصودة بتأثيرات التحريف والتشويه الآتية من المستوى الظاهري للأيديولوجيا. على هذا المستوى الظاهر تكون الذاكرة المفروضة فرضًا مسلحةً بتاريخ 'مسموح به' هو التاريخ الرسمي، التاريخ الذي يُعلم ويحتفل به علنًا أمام الجميع". لكن
ما الحل الذي يقدمه ريكور إزاء معضلة "هشاشة الذاكرة". يتحدث هنا عما يسميه "الذاكرة العادلة" التي تتيح أيضًا إمكانية التسامح والصفح عن الأذى المرتكب في الماضي، من دون نسيانه بالضرورة، ويصفها في الصفحات الأخيرة من كتابه أيضًا، وإن مجازًا، ب "الذاكرة السعيدة". لم تسهم، إذًا، هذه الأسس التنظيرية في لفت الانتباه الأكاديمي إلى أهمية التعامل البحثي مع التذكر الجمعي، بوصفها ظاهرة مجتمعية فحسب، بل أسهمت أيضًا في فتح آفاق تنظيرية وتطبيقية جديدة في معظم مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية؛ مثل الفلسفة، والعلوم السياسية، والعلوم الأدبية، والدراسات الثقافية، وأبحاث الجندر، وعلم النفس، وعلوم التربية وأبحاث الجيل، وأبحاث الهجرة. وهذا ما سنتطرق إليه في المحاور الثلاثة التالية، المخصصة أساسًا لدراسات الذاكرة في كل من العلوم التاريخية والاجتماعية
والأدبية، على التوالي.
بول ريكور، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة وتقديم وتعليق جورج زيناتي (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2009)، ص 189. 34 المرجع نفسه، ص 191. 35 المرجع نفسه، ص 136. 36 المرجع نفسه، ص 140. 37 المرجع نفسه، ص 142 - 143. 38 المرجع نفسه، ص 137. 39 المرجع نفسه، ص 714.
ثانيًا: مبحث الذاكرة ي ف العلوم التاريخية
يتميز التاريخ، بوصفه علمًا وميدانًا بحثيًا، بكونه يؤدي هو ذاته دورًا محوريًا في استحضار الماضي عبر عملية التأريخ. لكن
مبدئيًا يلُاحَظ أن اهتمام البحث التاريخي الغربي بالبعد الجمعي للذاكرة لم يبرز إلا في نهاية سبعينيات القرن الماضي وبداية ثمانينياته،
ثم جاء عقد التسعينيات الذي كان - ولا سيما بداياته - بمنزلة مرحلة ازدهار موضوع "الذاكرة" في ميدان الكتابة التاريخية، وخصوصًا في فرنسا وألمانيا. وهنا يرى المؤرخ الفرنسي فرنسوا هارتوغ Hartog François أن عام 1989، تحديدًا، كان بمنزلة بداية موجة التذكر، على الصعيد الأوروبي؛ إذ برز في العلوم التاريخية، ولدى الرأي العام أيضًا، اهتمام كبير بالأحداث التاريخية للماضي القريب، نجم عنه ما يُعرف ب "التاريخ الجديد" الذي تُعدّ فيه الذاكرة، بمفهومها الحديث، "بيت القصيد"، بحسب تعبير وجيه كوثراني. وفي هذا الصدد، يعكس الكم الهائل من الدراسات والكتب المنشورة، إضافة إلى العدد غير الهين من المؤتمرات البينتخصصية، تلك الشعبية التي صارت تتمتع بها الإشكالات الذاكراتية في ميدان العلوم التاريخية، إلى درجة أن ثيمة الذاكرة قد صارت هي ذاتها براديغمًا
جديدًا ضمن هذا الميدان. وعمومًا، يمكن إيجاز هذا الاهتمام في النقاط الثماني الآتية: التمثلات عن الماضي، والرجوع إلى الماضي بكل أشكاله، والسياسة التاريخية، والوعي التاريخي، والمعرفة التاريخية، والتقاليد، والأفكار والخطاب العام حول الماضي، إضافة إلى تاريخ التأريخ. ولا يقتصر هذا الاهتمام على التعامل مع المحتويات الذاكرية فحسب، بل يسعى إلى معالجة ميكانزمات الذاكرة وتأثيرها في الحاضر الذي يرتبط بالماضي الحي.
1. موضوعات البحث التاريخي للذاكرة
يُطلق على هذا التوجه البحثي في فرنسا مصطلح "تاريخ الدرجة الثانية" degré second au Histoire الذي اقترحه نورا. أما في ألمانيا، فيطلق عليه اسم "أبحاث الذاكرة والتذكر" Erinnerungsforschung - Gedächtnis، وينضوي تحت هذا الحقل الشائع كل الإنتاجات العلمية المرتبطة بالذاكرة الجمعية، والهوية الجمعية، وأماكن الذاكرة، والسياسة التاريخية، وسياسات الذاكرة، والموروث الثقافي، إضافة إلى تلك المقاربات التي اهتمت بأنواع النسيان والتهميش. وعلى الرغم من هذا التنوع في المصطلحات المفتاحية، فإننا نجد مع ذلك قاسمًا مشتركًا بين هذه الاتجاهات البحثية، متمثّلً في التعامل مع البعد الرمزي للماضي وللمخيال الثقافي، إضافة إلى
تحليل أشكال استعمال التاريخ ووظائفه وفق الاحتياجات الراهنة. إجمالً، يمكن القول إن ما يمكن وسمه ب "البحث التاريخي للذاكرة" يهتم بثلاثة محاور: أولها عمليات بناء الذاكرة، أي مبتدأ الذاكرة وبنيتها واستمراريتها وانقطاعها. وثانيها وسائط الذاكرة، أي طرق انتشار الذاكرة. أما ثالثها فهو يهتم بوظائفها.
Christian Gudehus, Ariane Eichenberg & Harald Welzer (eds.), Gedächtnis und Erinnerung: Ein Interdisziplinäres Handbuch (Stuttgart: Springer; J.B. Metztler, 2010), p. 247. Kornelia Kończal, "Geschichtswissenschaft," in: Ibid., p. 249.
وجيه كوثراني، "التاريخ الشفوي: المسوّغ الإبيستيمولوجي"، في: التاريخ الشفوي، مج 1: مقاربات في المفاهيم والمنهج والخبرات (الدوحة/ بيروت: المركز العربي
للأبحاث ودراسات السياسات، 2015)، ص 21.
43 Kończal, p. 249. 44 Ibid.
2 ي. البحث التاريخي الذاكراتي ف أوروبا الغربية: نموذجا فرنسا وألمانيا
يعتبر ولوج مبحث الذاكرة إلى ميدان البحث التاريخي علامةً على التجديد الذي شهده ميدان العلوم التاريخية في ضوء التطورات الاجتماعية. ومن مظاهر هذا التجديد نذكر، على سبيل المثال، ظهور التاريخ الشفوي وتأسيسه، وأبحاث الهولوكوست، وتاريخ الذهنيات، والتاريخ اليومي، والأنثروبولوجيا التاريخية، والبحث المعاصر في القوميات، والتحليل التاريخي للخطاب في تسعينيات القرن
الماضي، ولا سيما مع ميشيل فوكو، فضلً عن بروز إشكالات العلوم الثقافية في ثمانينيات القرن الماضي. إضافة إلى كل هذه العوامل الداخلية المرتبطة بعلم التاريخ، ساهمت أحداث وتحولات مجتمعية في أوروبا الغربية في ازدهار مفهوم الذاكرة في التعامل التاريخي المعاصر، وفي ما يلي عرض لأهم إشكاليات البحث التاريخي ومناهجه في فرنسا وألمانيا؛ إذ يتيح لنا التركيز على هذين البلدين تحديد أجندات هذا الحقل الذاكراتي.
أ. الاهتممات الذاكراتية بالتاريخ الفرنيس المعاصر
تطرّق نورا في عام 1978، في معجم التاريخ الجديد histoire Nouvelle La الذي أصدره جاك لوغوف وجاك ريفيل Jacques
Revel وروغر تشارتير Chartier Roger، إلى الذاكرة الجمعية من جهة كونها إمكانية جديدة للبحث التاريخي، ثم ما لبث أن أصدر
بنفسه في الفترة 1984 - 1994 عملً ضخمًا مكونًا من سبعة أجزاء، عنوانه أماكن الذاكرة mémoire de Lieux Les. غير أن الاهتمام
التاريخي بالذاكرة كان قد بدأ قبل هذا الإصدار، وإن كانت بداية غير واضحة، مثل دراسات فيليب جوتارد Joutard Phillippe الرابطة
بين الهيستوريوغرافيا ونتائج الدراسات الإثنوغرافية، والتاريخ الشفوي. وأ سس في عام 1978 معهد التاريخ المعاصر IHTP في باريس الذي أعلن أن اهتماماته المحورية تتركز على دراسة ثقافات التذكر في فرنسا. وعمومًا، هيمنت في تلك الفترة الأولى ثلاث قضايا على
البحث التاريخي للذاكرة، هي: نظام فيشي، وحرب الجزائر، والثورة الفرنسية. وفي إطار الاهتمام بتاريخ الفترة الفيشية بُحث بكثافة في التاريخ التذكري للمقاومة الفرنسية Résistance ضد الاحتلال الألماني
للبلد. وقد استعان كثير من المؤرخين الفرنسيين، في سبعينيات القرن الماضي، بالشهادات المكتوبة والمنطوقة للمقاومين الفرنسيين، فظهر جليًا كيف يمكن أن يتشكل، انطلاقًا من تجميع ذكريات فردية ومعالجتها، تأريخ مُعترف به وعام حول تاريخ المقاومة de Récit Le
Résistance la. وقد اعتُمد في معالجة الشهادات الشفوية على ما يُعرف ب "التحليل النفسي للصدمة"، سواء على المستوى الفردي
أو الجمعي. ولا تزال أبحاث التحليل النفسي القائمة على إجراء مقابلات ذات صبغة تاريخية - نفسية حاضرة في الأبحاث الذاكراتية حول التاريخ المعاصر. غير أن هذه المنهجية ذاتها هي موضوع خلاف بين المؤرخين؛ لكونها تقع على حدود ضبابية بين العلوم الإنسانية والطبيعية. وفي معالجتهم لموضوع حرب الجزائر، اهتم باحثون بالميكانزمات الاجتماعية للنسيان الجمعي، أو ما يمكن أن نسميه "اللاتذكر" لحرب الجزائر الذي أسسته قوانين الذاكرة Mémorielles Lois لتجاهل هذه القضية؛ إذ حُظر هذا الموضوع في وسائل
الإعلام والإنتاج السينمائي، وفي المنظومة التعليمية. لهذا، انصب اهتمام الباحثين على أشكال النسيان وعدم التذكر ووظائفهما، فقد جرى التساؤل عمّا يلي: من يهمّش هذه القضية؟ ولماذا؟ وما الأجندات الذاكرية المضادة لهذا التهميش؟ إضافة إلى أن التوجهات التي
ظهرت بعدئذ في هذا الإطار، واهتمت بالاستعمار الفرنسي وتصفيته، قد باتت امتدادًا لهذا التوجه البحثي.
45 Ibid. 46 Ibid., p. 251. 47 Ibid., p. 252. 48 Ibid., p. 257.
أما الاتجاه الثالث، فقد اهتم بالتاريخ البعدي للثورة الفرنسية، وقد تكثف هذا الاهتمام في النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي الذي صادف إحياء الذكرى 200 للثورة الفرنسية. ويعكس العدد الهائل من الكتابات التاريخية بوضوح اشتباك العلوم التاريخية مع المناقشات السياسية والأيديولوجية العامة، ويبين هذا الاشتباك أن المؤرخين هم أيضًا فاعلون في ثقافة التذكر في بلدانهم.
ب. الاهتممات الذاكراتية - التاريخية في السياق الألماني المعاصر
لقد ظهرت الدراسات الذاكراتية في ألمانيا ضمن العلوم التاريخية أيضًا في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، وعلى الرغم من أنها لم تقارب موضوع الذاكرة مقاربة واعية وواضحة، فإنها اعتبُرت مقدمة لأبحاث وتوجهات بحثية لاحقة أشد وضوحًا واقترابًا من
حقل الذاكرة. وهنا يبرز بوضوح الاهتمام الألماني بالتاريخ المعاصر، بوصفه موضوعًا مركزيًا ضمن البحث التاريخي للذاكرة، ولا سيما
الاهتمام بالحرب العالمية الثانية وبالمرحلة النازية، وبمرحلة ما بعد الحرب التي اهتم بها، على سبيل المثال، معهد التاريخ المعاصر Institut Zeitgeschichte für. وبعد عام 1989، ظهرت العديد من الدراسات المعتمدة على مناهج التاريخ الشفوي، بُحثت فيها ذاكرة أجيال
وجماعات سوسيوثقافية معينة، وظهرت أيضًا في أثناء تلك الفترة دراسات عدة لتحليل الخطاب حول تعامل الألمان، وباقي الشعوب الأوروبية، مع المحرقة في المرحلة النازية، وهي دراسات جرى فيها تحليل الكثير من المجموعات الاجتماعية والشروط السياسية والتوجهات الأيديولوجية التي سادت التاريخ الألماني المعاصر. يُضاف إلى هذا، تزايد الاهتمام بعدة وسائط ذاكرية، مثل الأدب والإعلام
وكتب التاريخ المدرسية. وبرز أيضًا فرع آخر من الدراسات الذاكراتية في الميدان التاريخي حول المرحلة النازية وما بعدها، وقد اهتم أساسًا
بالتعامل الرسمي الحالي مع تلك المرحلة، وهو ما يُعرف ب "السياسة التاريخية"، ويقصد بهذا المصطلح إجمالي القرارات المتخذة على
الصعد القضائية والتشريعية والتنفيذية في التعامل مع الماضي النازي لألمانيا. إذًا، تُحيلنا كل هذه المقاربات المشار إليها آنفًا، سواء في فرنسا أم ألمانيا، إلى تنوع إشكالات البحث التاريخي للذاكرة واهتماماته، وهي تعني ضمنًا وجود عُدة منهجية وتحليلية واسعة؛ إذ تظهر هنا، إلى جانب منهجية التاريخ الشفوي، الأهمية المحورية للتحليل
التاريخي للخطاب، وهو يمثل الطريقة التقليدية في التعامل النقدي مع المصادر، سواء أكانت لغوية الطابع أم نصية أم مصورة. إلى جانب هذا، أسهم تطور العديد من المقاربات الذاكراتية، في العلوم الاجتماعية والإنسانية، في بلورة نقاش داخلي في ميدان الدراسات التاريخية، حول ما سُمي "المنافسة الخارجية" التي أضحت الكتابة التاريخية تواجهها من طرف فروع علمية أخرى، مثل السوسيولوجيا والعلوم
السياسية التي تهتم أيضًا بحضور الماضي ضمن الحاضر، ومن ثم فإنها غالبًا ما تصل إلى نتائج مهمة، حتى من الناحية التأريخية ذاتها.
غير أن الجانب الإيجابي لهذا الحضور البارز لتخصصات متنوعة ضمن هذا البحث الذاكراتي الجديد هو العبور الحالي الحاصل بين هذه التخصصات، وهو ما يؤهل المشتغلين بالدراسات التاريخية لتقوية قدراتهم، ولا سيما البينتخصصية منها.
49 Ibid., p. 253. 50 Ibid., p. 254. 51 Ibid., p. 258.
ثالثًا: مبحث الذاكرة ي ف العلوم الاجتمعية
من أهم علماء الاجتماع الذين أسهموا في تعزيز التنظير الاجتماعي حول الذاكرة، نجد - إضافة إلى هالبفاكس - كلًّ من ألفريد شوتس Schütz Alfred، ونيكلاس لومان Luhmann Niklas، مع الأخذ في الاعتبار أن هالبفاكس هو وحده الذي تمكّن من التأسيس لنظرية مخصوصة بالذاكرة، بوصفها موضوعًا مركزيًا لأبحاثه؛ لهذا يعتبر أول مؤسس لعلم اجتماع الذاكرة.
1. الأطر الاجتمعية للذاكرة عند موريس هالبفاكس
كما رأينا في المحور الأول، اعتبر هالبفاكس، الذي كان تلميذ ا لكل من برغسون وإميل دوركهايم، أن العلاقة بين الماضي والحاضر هي مسألة الراهنية، فعنده لا يظهر الماضي في الحاضر بصفته المتكاملة وبشكله الحرفي كما كان، بل يتجلى أثرًا غير واضح المعالم، يُفهم في
ضوء الحاضر، بل يُهيَّأ ليكون ملائمًا للحاضر، ومن ثم، فإنّ الذكريات، بحسبه، لا تختزن الماضي بحذافيره، بل هي منظورية الطابع،
أي إنها تعيد بناء الماضي، أو أجزاء منه، وفق منظور معين ومحدد. وبناء على هذا، فالتذكر هو بناء اجتماعي للماضي أيضًا. وبما أن الذكريات
هي إعادة بناء للماضي، فإنها تظهر كأنها "خلق جديد" له، إلا أن عملية الخلق تظل مرتبطةً دائمًا بهدف معين، وليست أمرًا اعتباطيًا؛
لهذا يُرجع هالبفاكس المحتوى الاجتماعي للذكريات الفردية إلى سياق أكبر، هو تحديدًا الذاكرة المجتمعية التي يقتسمها الأفراد عبر
ذكرياتهم المرتبطة في ما بينها، بوصفها نوعًا من المعرفة الذاكرية المشتركة. فالذكريات الفردية تكون دائمًا مُتَضمنة في العلاقات الاجتماعية
التي بيّنها هالبفاكس في الذاكرات الجمعية للأسرة، أو الأصدقاء والمدن والجماعات الدينية والقوميات، وهي كلها أطر تسمح لنا بفهم
التأثير الاجتماعي في الذكريات الفردية. وعمومًا فإن الحديث عن الذاكرة الجمعية، بمعناها الهالبفاكسي، ليس المقصود منه أن كل
الأفراد الذين هم في نظر هالبفاكس من حاملي الذكريات الجمعية يشتركون الذكريات ذاتها، بل المقصود هنا أن فعل التذكر الفردي لا
يحدث بمعزل عن الأطر المجتمعية المحيطة به. وبهذا المعنى يصبح الاجتماعي شرطًا لا محيد منه لأي إمكانية للتذكر. ويلاحظ هنا أن هالبفاكس لا يقيم تفريقًا بين الأطر الاجتماعية للذاكرة الجمعية، والذكريات الفردية، فكلاهما، في نظره، في علاقة تأثرية متبادلة.
2. مقاربات سوسيولوجية إضافية حول الذاكرة: نموذجا شوتس ولومان
على العكس من هالبفاكس، رائد الدراسات الحديثة حول الذاكرة، قارب كل من شوتس ولومان قضايا التذكر والنسيان في إطار المشروع الفكري لكل واحد منهما على حدة. وفي هذا السياق هدفت أعمال شوتس إلى إعطاء العلوم الاجتماعية أساسًا فلسفيًا؛ فقد ركّز
على مقاربة الحياة اليومية من منظور فلسفي حينما اعتبرها تتغير بفعل الأفراد، أو حتى بانعدام فعلهم. ففي أثناء التصرف الفردي يستند الفرد إلى مخزونه المعرفي، وهو مجموع الخبرات المجتمعية التي يراكمها، ولكن لا يمكن فتح هذا المخزون إلا عبر مفتاح التذكر؛ إذ عندما يقدم الفرد على الفعل، فإنه يستند إلى الذكريات القبلية، بمفهوم إدموند هوسرل Husserl Edmund. لكن هذا المخزون يتوفر على
كم هائل من المحتويات المعرفية الذاتية التي قد لا يستعملها الفرد المتذكِر، فهو يستعمل ما يوافق وضعياته الاجتماعية. وهنا تكمن أهمية نظرية شوتس في فهمه للذاكرة الفردية، بوصفها ذاكرة متأثرة بالسياق المجتمعي الذي يراكم فيه كل فرد من المجتمع خبراته، وهذا ما يحيلنا على مفهوم المخزون المعرفي المجتمعي المشترك؛ إذ ينتج من التفاعل الذي يقع بين المخزونات الفردية. وعلى الرغم من
52 Ibid., p. 281. 53 Ibid. 54 Ibid., p. 283. 55 Ibid., p. 284.
أنه لا يجوز لنا الحديث عن نظرية ذاكراتية أصيلة عند شوتس، فإنه يمكننا ملاحظة التشابه الكبير بين مفهومه عن المخزون المجتمعي من المعرفة المشتركة، ومفهوم الذاكرة ما فوق الفردية، كما يراها هالبفاكس. من جهته، اشتغل لومان بالذاكرة في إطار نظريته حول الأنساق الاجتماعية، وعلى عكس باقي النظريات الاجتماعية، لم تهتم نظرية لومان بالأفراد أو الجماعات، بل ببنية العلاقات الاجتماعية. ويرى لومان أن الأنساق الاجتماعية تتكون بواسطة عمليات التواصل التي تحدث وتزول؛ فالأنساق المستمرة، مثل المجتمعات، تحدث فيها هذه العمليات الواحدة بعد الأخرى، وبهذه الكيفية تتحول المجتمعات تحولً متجددًا إلى مجتمعات الحاضر؛ ذلك أن استمراريتها تتكون من تعاقب الأحداث التواصلية المتوالية، ولا يمكن للواحدة منها أن تقع إلا في الحاضر. ولإنتاج محتويات جديدة يتعين على الأنساق الاجتماعية أن تكون لها القدرة على التذكر والنسيان. بهاتين الوسيلتين وحدهما تتمكن هذه الأنساق، في عالم من الإمكانيات اللانهائية، من تحديد الأبعاد المهمة لها والتركيز عليها. والمعلومات المحددة وحدها هي التي لا تزول عبر عملية النسيان. على هذا الأساس يُعرّف لومان الذاكرة بأنها "ليست إلا
اختبارًا متواصلً لتماسك معلومات مختلفة، انطلاقًا من توقعات معينة". نستخلص من ذلك أن التذكر لا يأتي إلا لمنع النسيان، بل
يمكننا القول إن التذكر ما هو إلا استثناء أمام النسيان بوصفه القاعدة.
3. حقل "دارسات الذاكرة الاجتمعية"
بناءً على ما سبق، يتضح أن جميع التنظيرات الذاكراتية تعتبر الذاكرة الجمعية واقعًا سوسيولوجيًا مفروضًا على الأفراد، بل إنها تسهم
في التأثير في سلوكياتهم وتصرفاتهم؛ إذ يظهر جليًا أن تذكّر الماضي يخضع لوضعيات اجتماعية حاضرة. فبالنسبة إلى هالبفاكس، هناك عدد
كبير من الذاكرات الجمعية بعدد الجموع الاجتماعية، وهو ما نجده في نظرية لومان حول الأنساق الاجتماعية، فكل نسق يمتلك ذاكرة مخصوصة به. وعلى العكس من هذا، يرى شوتس أنه في مقابل وجود عدد كبير من الذاكرات الفردية الذاتية التي يسميها "المخزونات المعرفية الذاتية" هناك مخزون مشترك واحد فقط، بوصفه بنية موضوعية. وامتدادًا لهذه النظريات الكلاسيكية ظهرت، ابتداء من ثمانينيات
القرن الماضي، اتجاهات بحثية جديدة في مجال العلوم الاجتماعية، فُتحت في معظمها على قضايا الذاكرة الجمعية والذاكرة الاجتماعية، ولم تعد موضوعات الذاكرة والتذكر والنسيان في العلوم الاجتماعية مهجورة، بل ساهمت فروعها المتشعبة، ولا سيما علم الاجتماع والعلوم السياسية والفلسفة السياسية والإثنولوجيا، في تبلور حقل ما يسمى "دراسات الذاكرة الاجتماعية" Studies Memory Social. ويهتم هذا الحقل، في عمومه، بالإجابة عن السؤال: كيف تتذكر المجتمعات؟ أي وصف إجمالي تمثلات الماضي بأخذ السياقات الاجتماعية التي تتضمنها في الاعتبار، وذلك بالتعامل مع الذكريات المكروية، أي ذكريات المجموعات الاجتماعية الصغيرة، مثل العائلة والأسرة، إلى جانب التذكر الفردي، ومعالجة الذكريات الماكروية أيضًا، أي تلك المرتبطة بالطبقات والفئات الاجتماعية، فضلً عن الاهتمام بالتذكر الحضاري، أي المحتويات الذاكرية ضمن الثقافات، والحضارات، والعقليات، والحقب التاريخية.
56 Ibid., p. 285. 57 Ibid., pp. 285 - 286. 58 Ibid., p. 286.
نيكلاس لومان، مدخل إلى نظرية الأنساق، ترجمة يوسف فهمي حجازي، مراجعة وتدقيق رامز ملا (كولونيا/ بغداد: منشورات الجمل، 2010)، ص 127.
Erll, Kollektives Gedächtnis und Erinnerungskulturen , 3 rd ed., p. 47. Andreas Langenohl, Erinnerung und Modernisierung: Die Öffentliche Rekonstruktion Politischer Kollektivität am Beispiel des Neuen Rußland (Göttingen: Vandenhoek & Ruprecht, 2000), p. 24.
إضافة إلى هذا، تلاحظ الباحثة الألمانية أستريد إرل وجود تقاطعات، أو نقاط تشارك، بين أبحاث الذاكرة، ودراسات ما بعد الكولونيالية التي تنتمي إلى علم التاريخ المعاصر، نتج منها اهتمام بينتخصصي بتواتر تجارب العنف والصدمات Trauma ونقلها بين الأجيال. وهنا أصبحت العلوم الاجتماعية، ومعها السياسية، تهتم بإشكالات علم التاريخ المعاصر، بل تبدو كأنها صارت تُزاحم الدراسات التاريخية في موضوعاتها. وغير بعيد عن هذا التوجه، نجد تصاعدًا في اهتمام العلوم الاجتماعية والسياسية بموضوع سياسات التذكر، وأوضح
مثال في هذا الصدد ما بات يعرف في العقود الأخيرة ب "سياسة الندم"، كما سكّ تسميتها السوسيولوجي الأميركي جيفري أوليك، وهي سياسة تبدو مستعملة في معظم حالات التعامل مع تاريخ العنف. غير أن دراسات ما بعد الكولونيالية تُبدي أيضًا، نقدًا لطقوس
المغفرة والاعتذار، ولا سيما تلك السياسات التي لم يجرِ فيها تحمّل المسؤولية التاريخية الكاملة، وما يترتب عليها من تعويضات وجبر
للضرر. وفي سياسات الندم، تُعالج أحداث من عصر الاستعمار والحرب العالمية الثانية. وفي المجتمعات الانتقالية، يُستخدم مفهوم
العدالة الانتقالية Justice Transitional، وخصوصًا بعض دول أميركا اللاتينية وجنوب أفريقيا. أما العلاقة القائمة بين السياسة
والذاكرة، فقد اهتم بها، بحسب إرل، كل من بيتر ريشل Reichel Peter (1999)، ويوليا كولش Kölsch Julia (2000)، إضافة إلى إريك ماير Meyer Erik وكلاوس ليغوي Leggewie Claus (2005) وهيلموت كونيش König Helmut (2008). وتجدر الإشارة
إلى أن أهم دراسات الحالة في ميدان العلوم الاجتماعية حول الذاكرة الجمعية قد أُنجز في الولايات المتحدة، إلا أن الدراسات الذاكراتية في علوم الاجتماع لم تعد مقتصرة على الثيمات الداخلية ضمن المجتمعات والقوميات، بل تخطّتها صوب الاهتمام بالعلاقات الدولية وسياسات التذكر العابرة للقوميات في أوروبا، على سبيل المثال.
رابعًا: مبحث الذاكرة يف العلوم الأدبية
1. الذاكرة كحقل للبحث الأدبي
يعد الأدب وسيطًا إبداعيًا للتعبير الواقعي أو الخيالي عن الواقع الماضي والحاضر، وعن كل ما هو مستقبلي أيضًا. وبهذا المعنى،
هو تأسيس سردي للهوية؛ وذلك لقدرته السردية على استعادة الماضي تلبيةً لحاجات الفرد والجمع الراهنة. وفي ضوء هذا، يظهر أن الأدب والذاكرة يشتركان في الوظيفة الهوياتية، أي الانطلاق من الماضي لتأسيس هوية جمعية، والمحافظة عليها؛ للعبور بها نحو
المستقبل. غير أن هدف هذا المحور ليس إبراز أوجه هذا التمازج بين الذاكرة الجمعية والأدب، بل التعريف، أولً، بالوظائف الذاكراتية للأدب، وثانيًا، بالمنهجيات المتبعة في الدراسات الأدبية الراهنة حول الذاكرة، في بعديها الفردي والجمعي. ترى الباحثة أستريد إرل أن مصطلح "الذاكرة" قد صار، إلى جانب مصطلحات مثل "الجندر"، و"الوسائطية"، من المصطلحات الرائجة في ميدان العلوم الأدبية الغربية، معتبرةً أننا إزاء فترة ازدهار لهذا المصطلح المفتاحي، وللدراسات المرتبطة به، مضيفةً أن الذاكرة
صارت موضوعًا غير متناهٍللعلوم الأدبية، فالموضوعات والمنهجيات، وأساليب التعامل مع القضايا المرتبطة بثيمة الذاكرة متشعبة، إلى
Erll, Kollektives Gedächtnis und Erinnerungskulturen , 3 rd ed., pp. 49 - 50. Jeffrey K. Olick, Vered Vinitzky-Seroussi & Daniel Levy (eds.), The Collective Memory Reader (Oxford/ New York: Oxford University Press, 2011), p. 14. Erll, Kollektives Gedächtnis und Erinnerungskulturen , 3 rd ed., p. 50. 65 Ibid. 66 Ibid.
زهير سوكاح، "الأدب والذاكرة"، مجلةدراجومان، مج 4، العدد 6 (2016)، ص 143.
درجة أنه لم يعد من الممكن الإحاطة بكل الدراسات المُنتجة منها. لكن على الرغم من هذا التشعب، تقدم إرل تصنيفًا يقسم الأبحاث الأدبية حول الذاكرة إلى خمسة توجهات بحثية رئيسة، يمكن تلخيصها في الجدول (1). الجدول (1) التوجهات الحالية للدراسات الأدبية حول الذاكرة
أبحاث فنون الذاكرة في أبحاث التناص بوصفه النص الأدبي بوصفه نصًا
دراسات تاريخ الأدب
ذاكرة الأدب
جمعيًا - معياريًا
المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى: Astrid Erll , " Literaturwissenschaft ," in: Christian Gudehus , Ariane Eichenberg & Harald Welzer (eds.) , Gedächtnis
und Erinnerung: Ein Interdisziplinäres Handbuch (Stuttgart: Springer ; J. B. Metztler , 2010), p. 288.
2 ي. التوجهات الذاكراتية ف الدارسات الأدبية
أ. فنون الذاكرة موضوعًا لتاريخ الأدب
يهتم هذا الاتجاه بدراسة تقنيات الحفظ القديمة في الغرب التي وُظفت في آداب العصر القروسطي، وفي الفترة الأولى المبكرة من
العصر الحديث. ومنطلق هذا التوجه البحثي في شكله المعاصر يعود إلى مؤرخة تاريخ الأدب فرانسيس ييتيس Yates. A Frances، فكتابها فن الذاكرة Memory of Art The الصادر في عام 1966 اهتم بالتفصيل بدراسة تاريخ فن الذاكرة، من العصر الكلاسيكي القديم إلى صدر العصر الحديث.
ب. التناص بوصفه ذاكرة الأدب
مفهوم ذاكرة الأدب هنا مجازي إلى حد بعيد، ويقصد به أنه عبر التناص Intertextuality "يتذكر" نص أدبي معين نصًا أو نصوصًا
أخرى سبقته. وتهتم دراسات التناص بتداخل النصوص في النص الجديد، أو التعالق النصي. وهنا نجد أن الناقدة الأدبية الألمانية ريناته لخمان Lachmann Renate، في كتابها الذاكرة والأدب: التناص في الحداثة الروسية Intertextualität. Literatur und Gedächtnis
1990 (Moderne russischen der in)، قد ربطت ربطًا مباشرًا بين الذاكرة والتناص، إلى درجة أنها اعتبرت ذاكرة النص الأدبي هي قدرته التناصية ذاتها، مضيفةً أن "الأدب فن تذكري بامتياز، فهو متشابك مع الذاكرة والثقافة، ويؤسس لذاكرة ثقافة، ويحفظها".
ج. دراسة النص الأدبي بوصفه نصًا جمعيًا - حضاريًا
يتيح هذا التوجه معرفة وظائف الأدب من جهة كونه نظامًا رمزيًا اجتماعيًا، ومن ثم كيفية تشكّل هوية جمعية وبروزها في نصوصه
التي تسميها أليدا أسمان "النصوص المُعاد استعمالها"؛ بسبب احتوائها منظومة القيم والهوية التي تعتبرها ثقافةٌ ما معيارًا لها. وبحسب
أسمان، لا يتميز "النص الحضاري" بسمات أسلوبية أو شكلية معينة فحسب، بل بالكيفية التي يدرك بها المتلقي هذا النص ويفهمه
تمثلات الذاكرة في الأدب الأدب بوصفه وسيطًا للذاكرة الفردية والجمعية
Astrid Erll, "Literaturwissenschaft," in: Gudehus, Eichenberg & Welzer (eds.), p. 288. 69 Ibid., p. 289. 70 Ibid., p. 291.
أيضًا؛ إذ يتعلق الأمر بطبيعة تلقّي نص معين، بوصفه نصًا أدبيًا أو نصًا حضاريًا، فمن بين كم كبير من النصوص الأدبية داخل ثقافة
ما تُنتقى نصوص معينة لإضفاء صفة المعيارية عليها، وهكذا فإن النصوص الحضارية تختلف عن النصوص الأدبية؛ لطبيعتها وكيفية
تلقّيها وتأويلها من لدن المُتلقي، فهذا التلقي للنصوص الحضارية يتميز بالرفع من شأنها إلى درجة الإجلال، عن طريق تكرار التعامل معها بكيفية منتظمة. وبولوج النص، بصفته الحضارية الجديدة، إلى الذاكرة الجمعية يكتسب من جراء طابعه المعياري والملزم بُعدًا
معنويًا جديدًا؛ إذ يُسهم في التأسيس لهوية جمعية - حضارية، وما يرتبط بها من قيم جمعية مشتركة. ولإعطاء مثال ملموس عن نماذج
من النصوص الحضارية، تعتبر أسمان الكتاب المقدس، بالنسبة إلى الغرب، نموذجًا للنصوص الحضارية الغربية. ومن جهتها، تقدم
إرل أمثلة إضافية عن نصوص حضارية غربية، في تصورها؛ مثل "الأوديسة" لهوميروس و"فاوست" ليوهان غوته، فهي، بحسبها، نصوص حضارية، وتُعد وسيطًا ذاكريًا مخزنًا للهوية الحضارية، إضافة إلى أنها تُعتبر، في الوقت ذاته، موضوعًا حضاريًا للتذكر الجمعي،
أي يجري تذكرها بنفسها في إطار ثقافة التذكر.
د. الذاكرة في الأدب
يعالج هذا التوجه البحثي المهم تمثلات الذاكرة والتذكر في النصوص الأدبية، ولا يخفى مدى اتساع هذا التوجه؛ بسبب فيض الدراسات الأدبية التي تهتم بتحليل الذاكرة في النصوص الأدبية، عبر منهج تحليل المحتوى السردي، مرورًا بتحليل الخطاب المُضمّن
في النصوص الأدبية، ووصولً إلى دراسات التحليل النفسي الأدبي لتمثلات الصدمة النفسية. وعلى العموم، فإن الموضوعات الذاكرية في الأعمال الأدبية لا حدود لها؛ لهذا نجد فيضًا في الدراسات والمقالات حول الأحداث والحقب والأجناس الأدبية المختلفة والكُتّاب.
ه. الأدب وسيطًا للذاكرة
صار الأدب يعتبر اليوم وسيطًا محوريًا من وسائط الذاكرة، سواء الذاكرة الفردية أو الجمعية؛ ذلك أنّ له دورًا حاسمًا في تكوين
الذاكرة الحضارية. لهذا، صار مبحث الذاكرة لا يربط بين العلوم الأدبية والعلوم الثقافية فحسب، بل أصبح يؤسس لحوار متعدد التخصصات بين العلوم الأدبية والعلوم التاريخية والعلوم الاجتماعية وعلم النفس أيضًا؛ ففي ميدان الدراسات الثقافية تعالج أليدا
أسمان الأدب بوصفه وسيطًا، حينما تتحدث عن النصوص الجمعية، أي النصوص المعيارية والمُلزمة، مثل الكتاب المقدسوهوميروس ومسرحيات شكسبير لدى الغرب، فهي، كما تقدم، نصوص جمعية تساهم في التأسيس لهوية قومية وثقافية/ حضارية، أو دينية، وإيصال قيم جمعية مشتركة. غير أن هدف هذا التوجه ليس معرفة الكيفية التي يتحول بها النص الأدبي إلى نص معياري، بل يكمن أساسًا في
فهم وظيفة المتلقي في تحويله نصًا أدبيًا ما إلى نص جمعي - معياري. إضافة إلى هذا المسعى البحثي، لا ترى إرل أن هذا الدور الوسائطي
يقتصر على أدب الذاكرة، مثل الرواية التاريخية أو السيرة الذاتية أو أدب الرحلة فحسب، وهي التي تتيح لنا ملاحظة حضور الذاكرة فيها بكل يسر، بل يشمل هذا الدور أيضًا جميع الأجناس الأدبية من شعر ورواية وقصة وغيرها، بوصفها وسيطًا نصيًا للذاكرة.
Aleida Assmann, "Was Sind kulturelle Texte?" in: Andreas Poltermann (ed.), Literaturkanon, Medienereignis, kultureller Text: Formen Interkultureller Kommunikation und Übersetzung , Göttinger Beiträge zur Internationalen Übersetzungsforschung (Berlin: Erich Schmidt, 1995), p. 234. 72 Ibid., p. 242. 73 Ibid., p. 237. Erll, Kollektives Gedächtnis und Erinnerungskulturen , 3 rd ed., p. 180. 75 Erll, "Literaturwissenschaft," p. 289. 76 Ibid., p. 295. Erll, Kollektives Gedächtnis und Erinnerungskulturen , p. 143.
خامسًا: دراسات الذاكرة ي ف الوطن العربي
1 ي. دراسات الذاكرة ف العلوم الإنسانية والاجتمعية العربية: إضاءة عامة
تكفي إطلالة سريعة على نتائج البحث عن مصطلحي "ذاكرة" و"ذاكرة جمعية" في "الفهرس العربي الموحد"، على سبيل المثال، ليتضح مدى التأخر العربي في حقل دراسات الذاكرة في العلوم الإنسانية والاجتماعية. فعلى الرغم من ثقل الذاكرة المميز للمنطقة العربية وراهنها، لا نكاد نجد في الميدان البحثي العربي أي نتاج تأسيسي مرجعي في إطار حقل دراسات الذاكرة، بمفهومه الحديث، يمكننا الركون إليه، ولا توجد إلى حد الآن أي دورية عربية متخصصة في هذا الحقل الجديد، يمكنها المساهمة في رأب الفجوة الذاكراتية الراهنة عن طريق التخصص في نشر دراسات ذاكراتية من التخصصات الإنسانية والاجتماعية المختلفة، بل لا تضم الجامعات العربية أقسامًا خاصة
بتدريس هذا الحقل الجديد. ولا يعمل، إلى حد الآن، في دول الوطن العربي كافةً أي مركز بحثي متخصص في دراسات الذاكرة. يضاف إلى كل هذا ندرة واضحة في مشاريع بحثية في الجامعات العربية، أو مشتركة مع جامعات غربية، في إطار دراسات الذاكرة. ولكن يمكننا، في ظل هذا النقص البارز، رصد بعض الاستثناءات الإيجابية، ولا سيما على مستوى الترجمة والبحث التاريخي، والعمل الجمعوي.
أ. ترجميًا
نُقلت إلى العربية بعض الكتابات المرجعية لهذا الحقل الجديد، لكنها تظل ترجمات متفرقة قائمة في معظمها على جهد فردي، من
دون وعي بتشكّل هذا الحقل الجديد. ويحتوي الجدول (2) أهم هذه الكتابات المترجمة. الجدول (2) الترجمات العربية لأهم المراجع التنظيرية المعتمدة في دراسات الذاكرة
| تاريخ الصدور [تاريخ الترجمة] | عنوان الكتاب [عنوان الترجمة] | المؤلف | الحقل المعرفي |
|---|---|---|---|
| 1950] 2016 [ | La mémoire collective [الذاكرة الجمعية] | Maurice Halbwachs موريس هالبفاكس | علم الاجتماع |
| 1977] 2017 [ | Storia e memoria [التاريخ والذاكرة] | Jacques Le Goff جاك لوغوف | التاريخ/ الفلسفة |
| 1992] 2003 [ | Das kulturelle Gedächtnis [الذاكرة الحضارية] | Jan Assmann يان أسمان | التاريخ/ العلوم الثقافية |
| 2000] 2009 [ | La Mémoire , l ' Histoire , l ' Oubli [الذاكرة، التاريخ، النسيان] | Paul Ricœur بول ريكور | التاريخ /الفلسفة |
[الذاكرة، التاريخ، النسيان]
بول ريكور
المصدر: من إعداد الباحث.
تحيل نتيجة البحث، من خلال "ذاكرة جمعية"، على عدد من المنشورات المتنوعة؛ مثل "الأمير عبد القادر والذاكرة الجمعية الجزائرية" لأحميدة عميراوي، و"الهوية
والذاكرة الجمعية: إعادة إنتاج الأدب العربي قبل الإسلام" لعبد الستار جبر، و"دور الذاكرة الجمعية في التأثير على أنماط العلاقات في مناطق النزاع: لبنان نموذجًا" لسارة
جميل. أما نتيجة البحث بإدخال الكلمة الفضفاضة "ذاكرة"، فكانت كبيرة، وتحيل في معظمها على عناوين أدبية من روايات وقصص ودواوين شعرية، إضافة إلى عناوين
حول تقوية الذاكرة وأسباب النسيان، إلى جانب عناوين أخرى حول الذاكرة الإلكترونية من ميدان المعلومات.
ب. بحثيًا
نادرًا ما نجد نشاطات بحثية منتظمة، يمكننا إدراجها ضمن خانة دراسات الذاكرة في العلوم الاجتماعية والإنسانية، وذلك بسبب
غياب الوعي بهذا الحقل المستجد، وهو ما نجم عنه ندرة في التعامل العربي مع هذا الحقل البحثي. ومن أهم النشاطات التي لم تظهر إلا في السنوات القليلة الماضية، نجد مشروع توثيق الذاكرة الفلسطينية الذي أطلقه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عام 2016؛ بهدف إكمال توثيق الحركة الوطنية الفلسطينية. أما في ميدان الأبحاث الجندرية، فنجد مركز "المرأة والذاكرة " and Women
Memory الذي أُطلق في عام 1995 في مصر، وهو يربط بين دراسات النوع الاجتماعي والتاريخ الشفوي؛ لمعالجة وضع المرأة المصرية من الناحية الجندرية - التاريخية.
ج. جمعويًا
تصاعد عدد الجمعيات المهتمة بالذاكرة من منظورات قومية وثقافية ومحلية وعرقية، وهي غالبًا ما تمثل أقليات ثقافية - وينتشر
معظمها في فلسطين ولبنان ومصر والعراق وبعض بلدان المغرب العربي - وفي مقدمتها المملكة المغربية؛ بسبب فاعلية ثقافة التذكر المحلية هناك. وعلى الرغم من تباين منطلقاتها، فإنها تسعى إلى تثمين الذاكرة الثقافية المحلية؛ لأسباب هوياتية، عبر مجموعة من النشاطات الجمعوية. غير أن هذه الاستثناءات لا تكفي لتجاوز التأخر العربي في هذا المجال البحثي الحيوي الذي يظهر، على ما يبدو، غير مألوف على الصعيد العربي؛ فعكس الذاكرة الفردية ذات الطابع "العضوي"، ومن ثم الملموس، لا تزال "الذاكرة الجمعية" تُفهم على أنها مفردة مجازية فحسب، على الرغم من وجود إشارات عربية تنبهت إلى "اجتماعية" الذاكرة من جهة كونها "عالم العرف والعادة والتقليد وخطة حياة معدّة سلفًا" بحسب تعبير عزمي بشارة، في حين جرى التعامل معها، في معظم الحقول الاجتماعية والإنسانية الغربية، بوصفها واقعًا سوسيولوجيًا، كما تقدم.
2 ي. البحث الذاكراتي العربي ف علوم الاجتمع والتاريخ والأدب
أ. البحث الذاكراتي في العلوم التاريخية العربية
ازداد اهتمام البحث التاريخي العربي في السنوات الأخيرة، في تأثر واضح بمدرسة الحوليات الفرنسية، بموضوع الذاكرة الجمعية، من خلال تناوله ما يعرف ب "التاريخ الجديد"؛ إذ نجد ترجمات متفرقة لرواد هذا البحث التاريخي الجديد، من أمثال نورا ولوغوف. وفي هذا الصدد نجد ترجمة لمقالة نورا "الذاكرة الجمعية" في كتاب الكتابة التاريخية لمحمد حبيدة الصادر في عام 2015. وقد صدرت أواخر عام 2017 الترجمة العربية لكتاب لوغوف التاريخ والذاكرة الذي تطرق في فصله الثالث إلى موضوع الذاكرة، في بعديها الفردي والجمعي، حيث يبرز وسائط الذاكرة البشرية وتطورها الزمني؛ ابتداءً من الشفاهة في حقب ما قبل التاريخ، إلى الوسائط الراهنة للذاكرة
يُنظر: "توثيق الذاكرة الفلسطينية"، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، شوهد في 16 / 5 / 2018، في: zZyHnn / gl. goo:// https
يُنظر: "أرشيف التاريخ الشفوي للنساء"، مركز المرأة والذاكرة، شوهد في 16 / 5 / 2018، في: 3 KUjU 7 / gl. goo:// https
عزمي بشارة، "في الذاكرة والتاريخ "، الكرمل، العدد 50 (كانون الثاني/ يناير 1997)، ص 45. أندري برغيار [وآخرون]، الكتابة التاريخية: التاريخ والعلوم الاجتماعية، التاريخ والذاكرة، تاريخ العقليات، ترجمة محمد حبيدة (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،
2015)، ص 85 - 91.
ووظائفها. وإلى جانب هذه الترجمات المتفرقة، نشُرت أيضًا إصدارات عربية اهتمت بموضوع الذاكرة من زاوية نظر تاريخية، من بينها، على سبيل المثال لا الحصر، الذاكرة والتاريخ في القرن العشرين الطويللوجيه كوثراني الذي يشير في قسمه الأول إلى التعارض الذي أقامه لوغوف سابقًا بين التاريخ، بوصفه علمًا موضوعيًا، والذاكرة الأسطورية. يضاف إلى ذلك الكتابات التاريخية في المغارب:
الهوية والذاكرة والإسطوغرافيا (2007)، إلى جانب كتاب الذاكرة والتاريخ: المغرب خلال الفترة الاستعمارية، 1912 - 1956 لعبد العزيز الطاهري (2016). إلى جانب مقالات عربية متفرقة، تناولت موضوع الذاكرة الجمعية من زوايا مختلفة، من بينها، على سبيل المثال لا الحصر، "الهوية بين الكتابة التاريخية والذاكرة الجمعية" التي ركّزت على التمييز الذي أقامه هالبفاكس بين الكتابة التاريخية والذاكرة الجمعية، بوصفهما منظورين مختلفين للماضي في التمثل والوظيفية، وهي الفكرة التي طوّرها بعدئذ نورا في نظريته عن أماكن الذاكرة، واستعانت بها المقالة للدعوة إلى حماية أماكن الذاكرة الفلسطينية من التدمير الحسي والمعنوي، وإلى التأسيس المستمر لأماكن جديدة للذاكرة الجمعية الفلسطينية، حتى خارج جغرافيتها التقليدية، بحسب مفهوم نورا، يليها كتاب التاريخ والذاكرة والكتابة التاريخية الذي اهتم بدراسة كل من مسألتَي سايكس - بيكو وإلغاء الخلافة العثمانية في الذاكرة العربية، إلى جانب الذاكرات الجمعية للطوائف اللبنانية، ثم "الذاكرة الجمعية موضوعًا للبحث التاريخي" التي قدمت نبذة بشأن تصورات بعض رواد التاريخ الجديد في فرنسا، وهم بيير نورا وجاك لوغوف وفيليب جوتارد، عن مفهوم الذاكرة الجمعية من جهة كونها موضوعًا للبحث التاريخي. أما على مستوى الدوريات العربية المتخصصة في التاريخ، فنجد أيضًا اهتمامًا ملحوظًا بعلاقة التاريخ بالذاكرة، فقد خصصت الدورية المغربية مجلة البحث التاريخيعددها الأول لدراسة هذه العلاقة. إلى جانب هذا، اهتمت بعض المؤتمرات العربية المتخصصة بالتاريخ اهتمامًا متزايدًا بثيمة الذاكرة، ومن بينها المؤتمر السنوي الأول للدراسات التاريخية، الذي نظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات حول موضوع "دور التاريخ الشفوي: المفهوم والمنهج وحقول البحث في المجال العربي" (2014)، وقد صدرت أعماله في ثلاثة مجلدات، وهي تضم ما مجموعه خمسين بحثًا، عكست اهتمامًا عربيًا متزايدًا بالتاريخ الشفوي العربي؛ إذ يتناول المجلد الأول التاريخ الشفوي وما يرتبط به من مفاهيم ومقاربات، ويخصص
حيزًا واسعًا للتطرق إلى إشكالية الشفوي/ الكتابي في المنطقة العربية. في حين يضم المجلد الثاني مجموعة من الدراسات التي اهتمت بالشهادة الشفوية، فقد خُصص القسم الأول منه للشهادة الشفوية في الحقل الاجتماعي، بينما اشتمل القسم الثاني على دراسات تتمحور حول الشهادة الشفوية من منظور أنثروبولوجي. أما المجلد الثالث، فقد احتوى مقاربات متنوعة في الحقل السياسي العربي؛ إذ ضم قسمه الأول دراسات متنوعة عن حركات اجتماعية عربية، بينما خُصص القسم الثاني منه للقضية الفلسطينية، ذاكرةً وتاريخًا.
83 لوغوف، ص 101 - 168. وجيه كوثراني، الذاكرة والتاريخ في القرن العشرين الطويل: دراسات في البحث والبحث التاريخي (بيروت: دار الطليعة، 2000)، ص 26. زهير سوكاح، "الهوية بين الكتابة التاريخية والذاكرة الجمعية: نحو نموذج ذاكراتي فلسطيني"، رؤى تربوية، العدد 27 (2008)، ص 81 - 84. وجيه كوثراني، "التاريخ والذاكرة والكتابة التاريخية: دراسة نماذج سايكس - بيكو، الخلافة، ذاكرات طوائف لبنان"، أسطور، العدد 4 (تموز/ يوليو 2016)،
ص 13 - 24. ياسين اليحياوي، "الذاكرة الجمعية موضوعًا للبحث التاريخي: دراسة في نماذج مختارة من مؤرّخي الجيل الثالث لمدرسة الحوليّات"، أسطور، العدد 7 (كانون
الثاني/ يناير 2018)، ص 110 - 123. 88 ينظر: مجلة البحث التاريخي، العدد 1 (2003). ينظر: التاريخ الشفوي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015.)
يُضاف إلى هذا كل من مؤتمر "التأريخ العربي وتاريخ العرب: كيف كُتب تاريخ العرب؟ وكيف يُكتب؟ الإجابات الممكنة" (2016)،
ومؤتمر "سبعون عامًا على نكبة فلسطين: الذاكرة والتاريخ" (2018)، اللذين نظمهما المركز العربي.
ب. البحث الذاكراتي في العلوم الاجتمعية العربية
رغم أن الذاكرة الجمعية قد ترسخت، منذ عقود، موضوعًا أساسيًا للدراسات الاجتماعية على المستوى الدولي، فإننا نلاحظ أن
البحث السوسيولوجي العربي لم يتعامل معها بعد، وبما يرتبط بها من مقاربات وقضايا، بطريقة جدّية، وهو قصور غير مستساغ مقارنةً بالإمكانيات الكبيرة والواعدة، بل المثمرة، التي تُتيحها مقاربة هذا الموضوع البحثي في السياق العربي، بالنظر إلى إجمالي القضايا العربية المتنوعة، وترتبط ارتباطًا مباشرًا أو غير مباشر بظاهرة الذاكرة الجمعية، بوصفها واقعًا عربيًا ملموسًا. وأكثر من هذا نجد أن من اهتم،
على سبيل المثال، بموضوع الذاكرة الاجتماعية في المجال العربي، هم في الغالب الأعم باحثون من خارج المنطقة العربية، ولا سيما في العلوم الاجتماعية والسياسية، مثل كتابات سون هوغبول، صاحب كتاب الحرب والذاكرة في لبنان، وغيره من الباحثين الذين لامسوا بأبحاثهم جوانب مهمة من ظواهر مجتمعية وسياسية، تنتمي إلى مجموع الذاكرات المحلية والقُطرية، ولا سيما من المملكة المغربية والجزائر وتونس وفلسطين ولبنان والعراق وسورية. في هذا السياق، يأسف هوغبول بشأن الإهمال البحثي المتعلق بقضايا الذاكرة الجمعية العربية وتمظهراتها، على الرغم من الكم الكبير من الموارد النصية حول الذاكرة والتذكر في المنطقة. إلى جانب هذا، يتمظهر الانفصال السوسيولوجي العربي عن حقل الذاكرة، موضوعًا ومنهجًا، حتى على مستوى الدوريات العربية،
فمعاينة محتويات دورية إضافات، على سبيل المثال لا الحصر، التي شملت أربعين عددًا، أي: من العدد الأول الذي صدر في شتاء 2008، إلى العدد الأربعين الصادر في خريف 2017، لم أجد أي دراسة عربية تهتم بمفهوم "الذاكرة الجمعية". أما نتائج البحث في محتويات المجلة نفسها، في الفترة الزمنية نفسها، عن مقالات بعنوان الذاكرة فقط، فقد أفضت إلى الحصول على ثلاث مواد، لا أكثر، منها ترجمتان إلى العربية. وأما معاينة مواد مجلة عمران للعلوم الاجتماعية والإنسانية، ابتداء من العدد الأول في عام 2012، وانتهاء بعام 2017، فقد أكدت غياب مساهمات بحثية في هذا المجال، سواء أكانت ذات طبيعة تنظيرية أم تطبيقية. ومن المقالات القليلة التي حاولت إبراز أهمية الذاكرة في بعدها الجمعي، علمًا وحقلً بحثيًا في العلوم الإنسانية العربية، نجد "نظريات الذاكرة الجمعية
وتطوراتها في ميادين العلوم الإنسانية"(2015)، و"السياسة والذاكرة الجمعية: علاقة تنافر أم تجاذب" (2017)، و"وسائط
ينظر: وجيه كوثراني (معد ومنسق)، التأريخ العربي وتاريخ العرب: كيف كُتب وكيف يُكتب؟ الإجابات الممكنة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة
السياسات، 2017.)
Sune Haugbolle, War and Memory in Lebanon (Cambridge: Cambridge University Press, 2010).
سون هوغبول، "ثقافة الذاكرة وسياساتها في الشرق الأوسط"، ترجمة منير السعيداني، إضافات، العدد 15 (صيف 2011)، ص 87. 93 ينظر: الحاشية رقم 1 من: المرجع نفسه، ص 79. نشرت المجلة بعد ذلك: زهير سوكاح، "الحركة الاحتجاجية والذاكرة الجمعية: حراك الحسيمة المغربية نموذجًا"، إضافات، العددان 43 - 44 (صيف-خريف 2018)؛
علاء العزة، "الذاكرة بوصفها خطابًا ورؤية مستقبلية: ممارسات تخليد انتفاضة عام 1987 "، إضافات، العددان 43 - 44 (صيف-خريف 2018)؛ عقيل البكوش، "سياسات
الذاكرة في سياق العدالة الانتقالية: حالة هيئة الحقيقة والكرامة في تونس"، إضافات، العدد 46 (ربيع 2019). وهي: عزيزة البريكي ورشيد توهتو، "الذاكرة المروية وعدالة الانتقال: بين مقاربة الحركات الاجتماعية والتاريخ الجديد"، إضافات، العددان 26 - 27 (ربيع-صيف
2014)؛ هوغبول؛ غسان الحاج، "الهجرة ودور الذاكرة والطعام في عملية إنشاء موطن"، إضافات، العدد 2 (ربيع 2008.) في حين خصصت المجلة الفكرية يتفكرونعددها الثاني لملف الصفح والمصالحة وسياسات الذاكرة (خريف 2013.) 97 سوكاح، "نظريات الذاكرة الجمعية." 98 سوكاح، "السياسة والذاكرة الجمعية."
الذاكرة الجمعية ووظائفها" (2018). ومن الكتب العربية التي صدرت أخيرًا، وترتبط بموضوع الذاكرة الجمعية، نجد كتاب صناعة
الذاكرة في التراث الشيعي الاثني عشري، إضافة إلى صدور ترجمة عربية لكتاب هالبفاكس الذاكرة الجمعية.
ج. البحث الذاكراتي في العلوم الأدبية العربية
تحتل الذاكرة أهمية جد محورية في الأدب العربي منذ بدايته إلى يومنا هذا، ويعكس هذه الأهمية العدد الضخم من الأعمال الأدبية العربية التي نجد فيها حضورًا قويًا للذاكرة، سواء في بعدها الفردي أو الجمعي، ولا سيما ضمن أجناس أدبية ذاكرية، مثل
الرواية التاريخية والسيرة الذاتية وأدب الرحلات، وحتى الشعر العربي ذاته، بل إننا نجد أجناسًا أدبية عربية ذات طبيعة ذاكرية؛ مثل
أدب السجون، وأدب النكبة، من شعر ونثر، وهذا الأخير تحديدًا نمط أدبي - ذاكري، نشأ حصرًا في السياق الفلسطيني العربي. لكن في
مقابل هذا الاشتغال الإبداعي العربي بموضوع الذاكرة، نادرًا ما نجد دراسات أدبية ذاكراتية صريحة في تعاملها المنهجي مع الظواهر
الأدبية - الذاكرية العربية، وقليلً ما تدرج العلوم الأدبية العربية ثيمة الذاكرة ضمن أجندتها البحثية، بخلاف ما هو سائد حاليًا على
المستوى البحث الأدبي العالمي. ويبدو أن السبب الرئيس وراء هذا الضعف هو عدم الإلمام بالمنهجيات البينتخصصية الجديدة المستعملة في تحليل النصوص الأدبية – الذاكرية. فعلى الرغم من وجود عدد كبير من المقالات المتفرقة التي تطرقت إلى موضوع الذاكرة في بعض النصوص الأدبية، فإن المعاينة الأولية لتلك النصوص تشير بوضوح إلى افتقارها إلى سند تنظيري ذاكراتي واضح. وفي ظل غياب كتابات تنظيرية عربية، يصعب على الباحث في العلوم الأدبية التعامل مع النصوص الأدبية من زاوية تحليل ذاكراتية، وهنا يتضح مدى النقص الكبير في الدارسات التنظيرية المخصصة لدراسة الوظائف الذاكراتية التي يمتاز بها النص الأدبي - مقارنةً بسواه من أصناف النصوص الأخرى - التي تجعل منه، كما رأينا، وسيطًا محوريًا للذاكرة الجمعية. وعلى الرغم من هذه الثغرة اللافتة للنظر، فإننا نجد
بعض الاستثناءات القليلة، ولا سيما في التنظير الأدبي - الذاكراتي، لعل أبرزها كتاب الذاكرة في الرواية العربية المعاصرة (2011) لجمال شحيد؛ إذ قدّم المؤلف في بابه الأول نبذة تاريخية بشأن التعامل الغربي الفكري مع موضوع الذاكرة، ولا سيما ضمن الفلسفة
الغربية. غير أن المؤلف لم يفرد فصلً عن المنهجيات الذاكراتية المتبعة في تحليل النصوص الأدبية. وفي المقابل، خَصّص بابه الثاني
للإجابة عن السؤال: كيف وظّف الروائيون العرب الذاكرة؟ فأفرد ثلاثة عشر فصلً قصيرًا لقراءة نصوص مختارة لمجموعة من الأدباء
المشارقة، على وجه الخصوص؛ مثل نصوص كل من نجيب محفوظ، وعبد الرحمن منيف، وجبرا إبراهيم جبرا، وإلياس خوري، وصنع الله إبراهيم، والأدبية السورية سمر يزبك، إلا أن تلك القراءات بدت انطباعية وقصيرة إجمالً، ولم تعتمد على منهجية ذاكراتية محددة في التحليل. أما على صعيد الترجمة، فنجد أيضًا "خصاصًا" في ترجمات الأدبيات الذاكراتية التنظيرية في مجال الأدب والنقد الأدبي، وربما
الاستثناء الوحيد، إلى حد الساعة، هو الترجمة العربية الصادرة في عام 2007 لكتاب الذاكرة في الأدب، للفيلسوفة البريطانية ميري ورنوك Warnock Mary التي ناقشت فيه تصورات مجموعة من الفلاسفة الغربيين لمفهوم الذاكرة، من بينهم أرسطو وآرثر شوبنهاور
زهير سوكاح، "وسائط الذاكرة الجمعية ووظائفها"، مجلة دراجومان، مج 7، العدد 8 (نيسان/ أبريل 2018.) يُنظر: صلاح الدين العامري، صناعة الذاكرة في التراث الشيعي الاثني عشري: زيارة المراقد أنموذجًا (الرباط/ بيروت: مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات
والأبحاث، 2016.) 101 ينظر: هالبواش. ولا سيما بعض المقالات عن أدب السجون، وأدب اللجوء والسيرة الذاتية. يضاف بدرجة أقل: الذاكرة القومية في الذاكرة العربية: من زمن النهضة إلى زمن السقوطلفيصل دراج، والذاكرة المفقودة لإلياس خوري. 104 شحيد.
في ألمانيا، مع النصوص الأدبية، من حيث كونها وسيطًا من وسائط الذاكرة الجمعية ضمن ثقافة التذكر.
سادسًا: نحو انطلاقة عربية يف حقل دراسات الذاكرة في العلوم الاجتمعية والإنسانية
ومؤتمرات متخصصة، شغلت المقاربات الذاكراتية فيها حيزًا معتبرًا.
1 ي. مقترحات أولية نحو اهتمم عربي بدراسات الذاكرة ف العلوم الإنسانية والاجتمعية
ذاكراتية، تتسم بالجدة والأصالة، وهو ما قد يُسهم في تطوير العلوم الإنسانية والاجتماعية، وتعزيز قدراتها المنهجية:
العلوم التاريخية والأدبية لأهميتها في السياق العربي.
والأنثروبولوجيا، وغيرها من الحقول المعرفية المتنوعة.
التي لم يُستَفد منها الاستفادة المطلوبة. بل التركيز على تلك التي كان لها صدى في المجتمع العلمي الدولي.
ميري ورنوك، الذاكرة في الفلسفة والأدب، ترجمة فلاح رحيم (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة؛ بنغازي: دار الكتب الوطنية، 2007.) 106 سوكاح، "الأدب والذاكرة"، ص 142 - 162. 107 هوغبول، ص 80.
"مقاربات" في مدينة فاس المغربية، في آذار/ مارس 2019.
وبرغسون وجون بول سارتر وغيرهم، وعالجت فيه العلاقة المشتبكة بين الذاكرة والفرد والأدب، اعتمادًا على تحليل مجموعة من
النصوص الأدبية الغربية التي تنتمي إلى جنس السيرة الذاتية. ومن بين المؤلَّفات العربية القليلة التي اهتمت بالتنظير الذاكراتي الغربي في المجال الأدبي نجد الأدب والذاكرة (2016)؛ إذ قدّمت نبذة بشأن أوجه التعامل التنظيري في العلوم الأدبية والثقافية، ولا سيما
يظهر جليًا أن حقل دراسات الذاكرة ميدان شاسع؛ بسبب تداخل عدد كبير من العلوم الاجتماعية والإنسانية المتواشجة فيه؛ إذ
صار من الصعوبة الإحاطة بإنتاجاته البحثية حاليًا. ومقابل الاهتمام الغربي في هذا الشأن، يبرز بوضوح التأخر الحاصل للبحث العربي،
مقارنة بمحيطه الدولي الذي نعتبره مسوغًا كافيًا لضرورة تعزيز التعامل العربي البحثي مع هذا الحقل الواعد، ولا سيما أن الذاكرة ذاتها
قد صارت، بحسب تعبير هوغبول، "انشغالً مركزيًا في المجتمعات العربية في أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين".
وعلى الرغم من ذلك، أمكن طوال الاشتغال بهذه الدراسة ملاحظة بدايات تبلور اهتمام عربي جديد بهذا المفهوم، تمثّل في دراسات
في ما يلي طائفة من المقترحات الأولية نحو اهتمام عربي أكثر وعيًا بالميدان الذاكراتي؛ في سبيل الوصول إلى مخرجات عربية
ضرورة ترجمة الأدبيات المرجعية، ولا سيما في العلوم الاجتماعية التي وُل د من رحمها مفهوم الذاكرة الجمعية، مع التركيز أيضًا على ضرورة ترجمة الأدبيات الأساسية للذاكرة في باقي العلوم الاجتماعية والإنسانية؛ مثل العلوم السياسية، والدراسات الثقافية،
ضرورة اهتمام المؤسسات والمراكز البحثية العربية بحقل دراسات الذاكرة، وأهمية مخرجاته عربيًا، واستغلال الفرص البحثية الرحبة ضرورة ترجمة أهم الدراسات المرجعية التي صدرت في المجلات والدوريات الغربية المتخصصة، وعدم الاقتصار على الحديث منها،
من بين هذه المؤتمرات نجد المؤتمر السنوي الثامن لقضايا الديمقراطية والتحول الديمقراطي، وعنوانه "العدالة الانتقالية والانتقال الديمقراطي في البلدان العربية:
السياسة، والتاريخ، والذاكرة"، وقد عقده المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات في أيلول/ سبتمبر 2019، إضافة إلى مؤتمر "الذاكرة والبناء الثقافي" الذي نظمته مؤسسة
يتعين على الدوريات العربية المتخصصة في العلوم الإنسانية والاجتماعية الصادرة عن الجامعات العربية، والمراكز البحثية المختلفة، تخصيص أعداد، أو ملفات خاصة على الأقل، عن قضية من القضايا التي يعالجها هذا الحقل الواعد عربيًا. ضرورة جعل ما يمكن أن نسميه "الدراسات العربية للذاكرة" ضمن جدول أعمال البحث للجهات البحثية العربية المهتمة بهذا الحقل بسبب أهميته وراهنيته. تشجيع الباحثين على الاهتمام بدراسات الذاكرة عامةً، والبحث الذاكراتي خاصةً، أي بالمنهجيات المتنوعة لهذا الحقل البينتخصصي، بغية إنتاج دراسات جادة في هذا الميدان. ضرورة فتح الجامعات والمعاهد والمراكز العربية المهتمة لبرامج الماجستير والدكتوراه في الموضوعات المرتبطة بالذاكرة، في بعدها الجمعي، وتخصيص شُعب متعددة التخصصات، تشترك في الاهتمام البحثي بالذاكرة.
2. قضايا بحثية مقترحة للدراسات العربية للذاكرة الجمعية
في ما يلي أيضًا قائمة أولية بأهم الموضوعات والقضايا الذاكراتية ذات طبيعة بينتخصصية، نقدّمها هنا نظرًا إلى راهنيتها، بوصفها
مقترحات أولية نحو دراسات الذاكرة على الصعيد العربي، وتحديدًا في ميادين العلوم الاجتماعية والإنسانية: ӵ الذاكرة في الثقافة العربية. ӵ الذاكرة والأيديولوجيا في السياق العربي. الذاكرة والجماعات الهوياتية المتخلية في السياق العربي. ӵ الذاكرة والدين والتدين. ӵ الذاكرة والطوائف والطائفية. ӵ الذاكرة والحركات الاجتماعية. ӵ الذاكرة الرقمية. ӵ الذاكرة والإعلام. ӵ الذاكرة والسلطة. الذاكرة، أو الذاكرات، العربية قبل الربيع العربي وبعده. ӵ وسائط الذاكرة و/ أو الذاكرات العربية. ӵ الذاكرة العربية والهجرة واللجوء والشتات العربي. ӵ الذاكرة والفنون في الوطن العربي. النسيان الجمعي وتهميش الذاكرات في السياق العربي.
تظل المقترحات تقريبية، ولا يُقصد منها عدم وجود موضوعات أخرى، أو عدم ورودها في أعمال منشورة.
خاتمة
أكاديمي تقريبًا، على الأقل ضمن العلوم الإنسانية والاجتماعية".
سعت هذه الدراسة إلى لفت الانتباه نحو حقل دراسات الذاكرة الذي يعكس حالة إيجابية ومثمرة للتمازج الذي تعرفه العلوم، على اختلاف مناهجها. ولا تدّعي الدراسة الإحاطة الشاملة بهذا الحقل، بل حاولت أساسًا إبراز الأهمية البينتخصصية لثيمة الذاكرة،
ولا سيما في الحقول الاجتماعية والإنسانية، وهذا ما يجعلها نواة لمشروع كتاب يتيح إمكانية أكبر لتناول هذا المبحث في حقول معرفية أخرى؛ مثل الفلسفة، والعلوم السياسية، والعلوم النفسية، والدراسات الثقافية، والأنثروبولوجيا، وغيرها من الحقول المعرفية التي لم يُتح التطرق إليها، وكل هذا في محاولة لتعزيز التعامل العربي الأكاديمي مع موضوع "الذاكرة" الذي صار اليوم "يلامس كل حقل
110 Henry L. Roediger III & James V. Wertsch, "Creating a New Discipline of Memory Studies," Memory Studies , vol. 1 , no. 1 (January 2008), p. 12.
المراجع
العربية
برغيار، أندري [وآخرون]. الكتابة التاريخية: التاريخ والعلوم الاجتماعية، التاريخ والذاكرة، تاريخ العقليات. ترجمة محمد حبيدة. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2015. البريكي، عزيزة ورشيد توهتو. "الذاكرة المروية وعدالة الانتقال: بين مقاربة الحركات الاجتماعية والتاريخ الجديد". إضافات. العددان 26 - 27 (ربيع-صيف 2014). بشارة، عزمي. "في الذاكرة والتاريخ ". الكرمل. العدد 50 (كانون الثاني/ يناير 1997.) البكوش، عقيل. "سياسات الذاكرة في سياق العدالة الانتقالية: حالة هيئة الحقيقة والكرامة في تونس". إضافات. العدد 46 (ربيع 2019). التاريخ الشفوي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات، 2015. الحاج، غسان. "الهجرة ودور الذاكرة والطعام في عملية إنشاء موطن". إضافات. العدد 2 (ربيع 2008). ريكور، بول. الذاكرة، التاريخ، النسيان. ترجمة وتقديم وتعليق جورج زيناتي. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2009. سوكاح، زهير. "الهوية بين الكتابة التاريخية والذاكرة الجمعية: نحو نموذج ذاكراتي فلسطيني". رؤى تربوية. العدد 27 (2008). ________. "نظريات الذاكرة الجمعية وتطورها في ميادين العلوم الإنسانية". مجلةدراجومان. مج 3، العدد 5 (2015). ________. "الأدب والذاكرة". مجلةدراجومان. مج 4، العدد 6 (2016). ________. "السياسة والذاكرة الجمعية: علاقة تنافر أم تجاذب؟". مجلةالناقد للدراسات السياسية. العدد 1 (أكتوبر 2017). ________. "وسائط الذاكرة الجمعية ووظائفها". مجلة دراجومان. مج 7، العدد 8 (نيسان/ أبريل 2018). ________. "الحركة الاحتجاجية والذاكرة الجمعية: حراك الحسيمة المغربية نموذجًا". إضافات. العددان 43 - 44 (صيف-خريف 2018). شحيد، جمال. الذاكرة في الرواية العربية المعاصرة. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2011. العامري، صلاح الدين. صناعة الذاكرة في التراث الشيعي الاثني عشري: زيارة المراقد أنموذجًا. الرباط/ بيروت: مؤسسة مؤمنون
بلا حدود للدراسات والأبحاث، 2016. • العزة، علاء. "الذاكرة بوصفها خطابًا ورؤية مستقبلية: ممارسات تخليد انتفاضة عام 1987 ". إضافات. العددان 43 - 44 (صيف-
خريف 2018). كوثراني، وجيه. الذاكرة والتاريخ في القرن العشرين الطويل: دراسات في البحث والبحث التاريخي. بيروت: دار الطليعة، 2000. _______. "التاريخ والذاكرة والكتابة التاريخية: دراسة نماذج سايكس بيكو، الخلافة، ذاكرات طوائف لبنان". أسطور. العدد 4 (تموز/ يوليو 2016).
References
للأبحاث ودراسة السياسات، 2017.
السياسات، 2017.
الجمل، 2010. هالبواش [هالبفاكس]، موريس. الذاكرة الجمعيّة. ترجمة نسرين الزهر. دمشق: بيت المواطن، 2016.
الوطنية، 2007.
أسطور. العدد 7 (كانون الثاني/ يناير 2018).
الأجنبية
_______ (معد ومنسق). التأريخ العربي وتاريخ العرب: كيف كُتب وكيف يُكتب؟ الإجابات الممكنة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي
لوغوف، جاك. التاريخ والذاكرة. ترجمة جمال شحيّد، سلسلة ترجمان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة
لومان، نيكلاس. مدخل إلى نظرية الأنساق. ترجمة يوسف فهمي حجازي. مراجعة وتدقيق رامز ملا. كولونيا/ بغداد: منشورات
هوغبول، سون. "ثقافة الذاكرة وسياساتها في الشرق الأوسط". ترجمة منير السعيداني. إضافات. العدد 15 (صيف 2011). ورنوك، ميري. الذاكرة في الفلسفة والأدب. ترجمة فلاح رحيم. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة؛ بنغازي: دار الكتب
اليحياوي، ياسين. "الذاكرة الجمعية موضوعًا للبحث التاريخي: دراسة في نماذج مختارة من مؤرّخي الجيل الثالث لمدرسة الحوليّات".
• Assmann, Jan & Tonio Hölsche. Kultur und Gedächtnis. Frankfurt: Suhrkamp, 1988. • Erll, Astrid. Kollektives Gedächtnis und Erinnerungskulturen: Eine Einführung. Stuttgart: J.B. Matzler; Springer,
• ________. Kollektives Gedächtnis und Erinnerungskulturen: Eine Einführung. 3 rd ed. Stuttgart: J.B. Matzler; Springer, 2017. • Fuchs-Heinritz, Werner et al. (eds.). Lexikon zur Soziologie. 5 th ed. Heidelberg: Springer, 2011. • Gudehus, Christian, Ariane Eichenberg & Harald Welzer (eds.). Gedächtnis und Erinnerung: Ein Interdisziplinäres Handbuch. Stuttgart: Springer; J.B. Metztler, 2010. • Halbwachs, Maurice. Das kollektive Gedächtnis. Frankfurt: Fischer, 1991. • ________. La Mémoire collective. Préface de Jean Duvignaud. Introduction de J. Michel Alexandre. Bibliothèque de sociologie contemporaine. Paris: PUF, 1950. • Haugbolle, Sune. War and Memory in Lebanon. Cambridge: Cambridge University Press, 2010. • Hillmann, Karl-Heinz. Wörterbuch der Soziologie. 5 th ed. Stuttgart: Alfred Kröner Verlag, 2017. • Langenohl, Andreas. Erinnerung und Modernisierung: Die Öffentliche Rekonstruktion Politischer Kollektivität am Beispiel des Neuen Rußland. Göttingen: Vandenhoek & Ruprecht, 2000. • Nora, Pierre. Zwischen Geschichte und Gedächtnis. Wolfgang Kaier (trad.). Frankfurt: Fischer, 1998. • Olick, Jeffrey K., Vered Vinitzky-Seroussi & Daniel Levy (eds.). The Collective Memory Reader. Oxford/ New York: Oxford University Press, 2011.
• Poltermann, Andreas (ed.). Literaturkanon, Medienereignis, kultureller Text: Formen Interkultureller Kommunikation und Übersetzung. Göttinger Beiträge zur Internationalen Übersetzungsforschung. Berlin: Erich
• Roediger III, Henry L. & James V. Wertsch. "Creating a New Discipline of Memory Studies." Memory Studies.
Schmidt, 1995.
vol. 1 , no. 1 (January 2008).