العودة إلى تفاصيل المؤلَّف قيمة السردية في تمثيل الواقع

قيمة السردية في تمثيل الواقع

The Value of Narrativity in the Representation of Reality

هايدن وايت

الملخّص

ترجمة: ثائر ديب يرى هايدن وايت أنَّ السرد قرين الثقافة وقرين الإنسانية، فهو كما يقول رولان بارت، "موجود ببساطة شأنه شأن الحياة ذاتها ... عالمي، عابر للتاريخ، عابر للثقافات". وهذا ما يجعله ليس مجرد سنّة واحدة بين سنن كثيرة قد تستخدمها ثقافة من الثقافات لإضفاء معنًى على التجربة، بل سنّة كبرى Metacode، أو كلّية إنسانية يمكن على أساسها نقل رسائل عابرة للثقافات. وإذا ما كان بعض أبرز أساطين التأريخ الحديث، مثل توكفيل وبوركهارت وهويزنجا وبروديل، قد رفضوا السرد في بعض أعمالهم التأريخية، على أساس افتراض مفاده أنّ معنى الحوادث التي رغبوا في أن يُعنوا بها لا تعنو للتمثيل بالأسلوب السردي، فإنَّ مثالهم يتيح لنا أن نميّز بين خطابٍ تاريخيٍ يَسْرُد من ناحية، وخطاب يفرض الطابع السردي من ناحية أخرى؛ بين خطاب يتبنى علانيةً منظورًا يطلّ على العالم ويبلغ عنه وخطاب يتكلّف كي يجعل العالم يتكلّم على نفسه مثل حكاية أو قصة. يقوم هذا التمييز بين الخطاب والسرد على تحليل الخصائص النحوية لأسلوبين من الخطاب تُعَرَّف فيهما "موضوعية" الأول و"ذاتية" الثاني من خلال "نظام معايير لغويّ" في المقام الأول. وتتأتّى ذاتية الخطاب من الحضور، الصريح أو الضمني، لـ "أنًا" لا يمكن تعريفه "إلا بوصفه الشخص الذي يحافظ على الخطاب". وبخلاف ذلك، "تُعرَّف موضوعية السرد بغياب كلّ إشارة إلى السارد"، بحيث يمكن القول إنّه "لم يعد ثمّة ’سارد‘ في الحقيقة في الخطاب الذي يضفي الطابع السردي ، وتُسَجَّل الحوادث متسلسلة زمنيًا كما تظهر في أفق القصة. ما من أحد يتكلّم هنا. وتبدو الحوادث كأنها تحكي ذاتها". انطلاقًا مما سبق، يتناول وايت بصورة مفصّلة ثلاثة أنواع أساسية من التمثيل التاريخي، تتضح "التاريخية" الناقصة لاثنين منها في تقصيرهما عن بلوغ السردية الكاملة للحوادث التي يُعنيان بها. هذه الأنواع الثلاثة هي: الحوليات Annals، والأخبار Chronicle والتاريخ History بمعنى الكلمة.

Abstract

Translation: Thaer Deeb Thaer Deeb provides an Arabic translation of this famous article, first published by White in Critical Enquiry (Autumn 1980).

هايدن وايت| White Hayden
هايدن وايت | White Hayden
* Translation: Thaer Deeb | ترجمة: ثائر ديب
* كاتب ومترجم سوري.
Syrian writer and translator.
يرى هايدن وايت أنَّ السرد قرين الثقافة وقرين الإنسانية، فهو كم يقول رولان بارت "موجود ببساطة شأنه شأن الحياة
ذاتها... عالمي، عابر للتاريخ، عابر للثقافات". وهذا ما يجعله ليس مجرد سنّة واحدة بن سنن كثرة قد تستخدمها ثقافة
من الثقافات لإضفاء معنى عى التجربة، بل سنّة كبرى Metacode، أو كلّية إنسانية يمكن عى أساسها نقل رسائل عابرة
للثقافات. وإذا ما كان بعض أبرز أساطن التأريخ الحديث، مثل توكفيل وبوركهارت وهويزنجا وبروديل، قد رفضوا السرد
في بعض أعملهم التأريخية، عى أساس افتراض مفاده أنّ معنى الحوادث التي رغبوا في أن يُعنوا بها لا تعنو للتمثيل
بالأسلوب السردي، فإنَّ مثالهم يتيح لنا أن نميّز بن خطابٍ تاريخيٍ يَسْ دُ من ناحية، وخطاب يفرض الطابع السردي من ناحية
أخرى؛ بن خطاب يتبنى علانيةً منظورًا يطلّ عى العالم ويبلغ عنه وخطاب يتكلّف كي يجعل العالم يتكلّم عى نفسه مثل
حكاية أو قصة. يقوم هذا التمييز بن الخطاب والسرد عى تحليل الخصائص النحوية لأسلوبن من الخطاب تُعرَّف فيهم
"موضوعية" الأول و"ذاتية" الثاني من خ لاا "نظام معاير لغويّ" في المقام الأول. وتتأتّ ذاتية الخطاب من الحضور،
الصريح أو الضمني، ل "أنًا" لا يمكن تعريفه "إلا بوصفه الشخص الذي يحافظ عى الخطاب". وبخلاف ذلك، "تُعرَّف موضوعية
السرد بغياب كلّ إشارة إلى السارد"، بحيث يمكن القول إنّه "لم يعد ثمّة 'سارد' في الحقيقة في الخطاب الذي يضفي
الطابع السردي، وتُسجَّل الحوادث متسلسلة زمنيًا كم تظهر في أفق القصة. ما من أحد يتكلّم هنا. وتبدو الحوادث كأنها
تحكي ذاتها". انطلاقًا مم سبق، يتناول وايت بصورة مفصّلة ثلاثة أنواع أساسية من التمثيل التاريخي، تتضح "التاريخية"
الناقصة لاثنن منها في تقصرهم عن بلوغ السردية الكاملة للحوادث التي يُعنيان بها. هذه الأنواع الثلاثة هي: الحوليات
Annals، والأخبار Chronicle والتاريخ History بمعنى الكلمة.
كلمت مفتاحية: السرد، السردية، إضفاء الطابع السردي، الحوليات، الأخبار، التاريخ.
Thaer Deeb provides an Arabic translation of this famous article, first published by White in Critical Enquiry
(Autumn 1980).
Keywords: Narrative, Narrativity, Narrative Quality, Annales, Chronicles, History.
هايدن وايت | White Hayden
* Translation: Thaer Deeb | ترجمة: ثائر ديب
قيمة السردية في تمثيل الواقع
The Value of Narrativity in the Representation of Reality

أن تطرح السؤال عن طبيعة السرد يعني أن تدعو إلى التفكير في طبيعة الثقافة ذاتها، وربما في طبيعة الإنسانية أيضًا. فالنزوع إلى السرد هو نزوع جدّ طبيعي، وشكل السرد هو شكل حتميّ بالنسبة إلى أيّ إبلاغ بالطريقة التي وقعت بها الأمور حقًّا، ولا يمكن لهذه

السرديّة Narrativity أن تبدو إشكاليةً إلا في ثقافة كانت غائبة عنها: غائبة، أو مرفوضة عمدًا، كما هو الحال في بعض مجالات الثقافة

الغربية المعاصرة الفكرية والفنية. ومن حقائق الثقافة العالمية الجامعة أنّ السرد وممارسته ليسا مشكلتين بل مجرد معطيين. وكما

لاحظ الراحل (والمُفْتقَد بشدّة بالفعل) رولان بارت، فإنّ السرد "موجود ببساطة شأنه شأن الحياة ذاتها [...] عالمي، عابر للتاريخ، عابر

للثقافات". وبدلً من أن يكون السرد مشكلةً، يمكن أن نعدّه، إذًا، حلًّ لمشكلة ذات اهتمام إنساني عام، مشكلة كيف نترجم المعرفة

إلى حكاية، مشكلة صوغ التجربة الإنسانية في شكل يمكن تمثّله في بنى المعنى التي هي إنسانية عمومًا وليست خاصة بثقافة بعينها.

قد لا نكون قادرين تمامًا على فهم أنساق فكرية معينة في ثقافة أخرى، لكننا نواجه صعوبة أقلّ نسبيًا في فهمقصة من قصص هذه

الثقافة الأخرى، مهما بدت تلك الثقافة غريبة وبعيدة عنّا. وكما يقول بارت، فإنّ "السرد [...] قابل للترجمة من دون ضرر أساسي"،

الأمر الذي لا يصحّ على قصيدة غنائية أو خطاب فلسفي. ما يشير إليه هذا هو أنّ السرد، بعيدًا عن كونه سنّة واحدة بين سنن كثيرة قد تستخدمها ثقافة من الثقافات لإضفاء معنى على

التجربة، هو سنّة كبرى Metacode، كلّية إنسانية يمكن على أساسها نقل رسائل عابرة للثقافات عن طبيعةِ واقعٍ مشترك. وكما يقول

بارت، فإنّ السرد الناشئ بين تجربتنا العالم ومحاولاتنا وصف تلك التجربة من خلال اللغة "لا يني يحلّ المعنى محلّ النسخة الفورية

للحوادث المرويّة". يترتّب على هذا أنّ غياب القدرة السردية أو رفض السرد إنّما يشيران إلى غياب المعنى ذاته أو رفضه. لكن ما نوعالمعنى الغائب أو المرفوض؟ توفّر لنا حظوظ السرد في تاريخ الكتابة التاريخية بعض التبصّ في هذا السؤال؛ إذ ليس

علىالمؤرخين أن يُبلِغوا حقائقهم عن العالم الواقعي في شكل سرديّ؛ فيمكن أن يختاروا أساليب تمثيل أخرى، غير سردية أو حتى

مناهضة للسرد، مثل التأمل Meditation أو التشريح Anatomy أو النبذة Epitome. كان توكفيل وبوركهارت وهويزنجا وبروديل، إذا ما اقتصرنا على ذكر أبرز أساطين التأريخ الحديث، قد رفضوا السرد في بعض أعمالهم التأريخية، وذلك على أساس افتراض مفاده أنّ

معنى الحوادث التي رغبوا في أن يُعنوا بها لا تعنو للتمثيل بالأسلوب السردي. لقد رفضوا أن يحكوا قصة عن الماضي، والأحرى أنّهم

لم يحكوا قصة محددة البداية والوسط والنهاية، ولم يفرضوا على السيرورات التي أثارت اهتمامهم ذلك الشكلالذي عادةً ما نقرنه

بحكاية القصص. وفي حين سردوا narrated من غير شكّ رواياتهم عن الواقع الذي تصوروا، أو حسبوا أنّهم تصوروا، وجوده ضمن

Roland Barthes, "Introduction to the Structural Analysis of Narratives," in: Image, Music, Text , Stephen Heath (trans.) (New York: Hill and Wang, 1977), p. 79.

تُشتقّ الكلمات " Narrative و"" Narration و"" narrate To " وما شابهها من الكلمة اللاتينية Gnārus ("عارف"، "خبير"، "ماهر"، وما شابه) وتُشتقّ كلمة narrō

("يقصّ "، "يخبر") من الجذر السنسكريتي gnâ ("يعرف"). والجذر ذاته يعطي γνώριμοϛ ("قابل للمعرفة"، "معروف")، يُنظَر المدخل الخاص بهذه الكلمة في:

Emile Boisacq, Dictionnaire itymologique de la langue grecque (Heidelberg: Carl Winter, 1950).

أشكر تيد موريس من كورنيل، وهو واحد من أعظم مختصينا في تأثيل الكلمات واشتقاقها.

يُنظَر:

Alexis de Tocqueville, Democracy in America , Henry Reeve (trans.) (London: Saunders & Otley, 1838); Jakob Christoph Burckhardt, The Civilization of the Renaissance in Italy , S.G.C. Middlemore (trans.) (London: Phaidon, 1878); Johan Huizinga, The Waning of the Middle Ages: A Study of the Forms of Life, Thought, and Art in France and the Netherlands in the Dawn of the Renaissance , F. Hopman (trans.) (London: Edward Arnold and Company, 1924); Fernand Braudel, The Mediterranean and the Mediterranean World in the Age of Philip II , Siain Reynolds (trans.) (New York: Collins, 1972).

يُنظَر أيضًا:

Hayden White, Metahistory: The Historical Imagination in Nineteenth Century Europe (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1973); Hans Kellner, "Disorderly Conduct: Braudel's Mediterranean Satire," History and Theory , vol. 18 , no. 2 (May 1979), pp. 197 - 222.

الأدلة التي تفحّصوها أو خلفها، فإنهم لم يفرضوا طابع السرد narrativize على ذلك الواقع، لم يفرضوا عليه شكل قصة. ويتيح

لنا مثالهم أن نميّز بين خطابٍ تاريخيٍ يَسُْد، من ناحية، وخطاب يفرض الطابع السردي، من ناحية أخرى؛ بين خطاب يتبنى علانيةً

منظورًا يطلّ على العالم ويبلغ عنه وخطاب يتكلّف كي يجعل العالم يتكلّم على نفسه، وكي يتكلّم على نفسه مثل قصة. كانت الفكرة التي مفادها أنّ السرد لا ينبغي اعتباره شكلً للتمثيل بل طريقة للكلامعلى الحوادث، سواء كانت واقعية أم

متخيَّلة، قد أُحْكِمَت مؤخرًا في إطار مناقشة العلاقة بين "الخطاب" و"السرد"، تلك المناقشة التي قامت في أعقاب البنيوية وارتبطت

بأعمال رومان جاكوبسون وإيميل بنفينيست وجيرار جينيت وتزفيتان تودوروف وبارت. ويُعتبر السرد هنا طريقة في الكلام تتميز، كما يقول جينيت، "بعدد معين من الإقصاءات والشروط المقيّدة" التي لا يفرضها الشكل الأشد "انفتاحًا" من أشكال الخطاب على المتكلّم.

وبحسب جينيت، فإنّ بنفينيست يبيّ أنّ بعض الأشكال النحوية مثل الضمير " I " ومرجعه الضمني " Thou "، و"المؤشرات" الضميرية (بعض أسماء الإشارة)، والمؤشرات الظرفية (مثل "هنا" و"الآن" و"الأمس" و"اليوم" و"غدًا"،... إلخ)، وبعض أزمنة الفعل، بالفرنسية على الأقلّ، مثل الحاضر والحاضر التام والمستقبل، تجد نفسها مقتصرة على الخطاب، في حين يتميّز السرد بمعناه الدقيق بالاستخدام

الحصري لضمير الغائب ولتلك الصيغ مثل صيغة الماضي والماضي التّام. لا يقوم هذا التمييز بين الخطاب والسرد، بالطبع، إلا على تحليل الخصائص النحوية لأسلوبين من الخطاب تُعرَّف فيهما "موضوعية" الأول و"ذاتية" الثاني من خلال "نظام معايير لغويّ" في المقام الأول. وتتأتّ ذاتية الخطاب من الحضور، الصريح أو الضمني، ل "أنًا" لا يمكن تعريفه "إلا بوصفه الشخص الذي يحافظ على الخطاب". وبخلاف ذلك، "تُعرَّف موضوعية السرد بغياب

كلّ إشارة إلى السارد". هكذا يمكن القول، مع بنفينيست، إنّه "لم يعد ثمّة 'سارد' في الحقيقة في الخطاب الذي يضفي الطابع السردي،

وتُسجَّل الحوادث متسلسلة زمنيًا كما تظهر في أفق القصة. ما من أحد يتكلّم هنا. وتبدو الحوادث كأنها تحكي ذاتها". ما الذي ينطوي عليه إنتاج خطاب "تبدو فيه الحوادث كأنها تحكي ذاتها"، ولا سيما حين يتعلق الأمر بحوادث تُعرَّف صراحةً

بأنّها "واقعية" وليست "خيالية"، كما هو حال التمثيلات التاريخية؟ لا يطرح هذا السؤال كثيرًا من المشكلات في الخطاب المتعلّق بحوادث من الواضح أنها متخيَّلة، وتشكّل "محتويات" الخطابات التخييلية أو القصصية. ذلك أنّه ما الذي يمنع الحوادث المتخيلة

Gerard Genette, "Boundaries of Narrative," New Literary History , vol. 8 , no. 1 (Autumn 1976), p. 11.

يُنظر أيضًا:

Jonathan Culler, Structuralist Poetics: Structuralism, Linguistics, and the Study of Literature (Ithaca, New York: Cornell University Press, 1975), chap. 9 ; Philip Pettit, The Concept of Structuralism: A Critical Analysis (Berkeley/ Los Angeles: University of California Press, 1975); Michel Foucault et al. , Théorie d'ensemble, esp. articles by Jean-Louis Baudry, Philippe Sollers & Julia Kristeva, Tel Quel (Paris: Seuil, 1968); Robert Scholes, Structuralism in Literature: An Introduction (New Haven/ London: Yale University Press, 1974), chaps. 4 - 5 ; Tzvetan Todorov, Poétique de la Prose (Paris: Seuil, 1971), chap. 9 ; Paul Zumthor, Langue, Texte, Enigme (Paris: Seuil, 1975), p. 4. Emile Benveniste as quoted by Genette, p. 9 ; Cf. Emile Benveniste, Problems in General Linguistics , Mary Elizabeth Meek (trans.) (Coral Gables, Fl: University of Miami Press, 1971), p. 208.

ينظر:

Louis O. Mink, "Narrative Form as a Cognitive Instrument," in: Robert H. Canary & Henry Kozicki (eds.), The Writing of History: Literary Form and Historical Understanding (Madison: University of Wisconsin Press, 1978); Lionel Gossman, "History and Literature," in: Canary & Kozicki.

من أن تُمثَّل على أنها " تحكي ذاتها"؟ وما الذي يمنع، في ميدان التخيّل، حتى الحجارة ذاتها من أن تحكي، مثل تمثال ميمنون

حين تمسّه أشعة الشمس؟ أمّا الحوادث الواقعية فلا ينبغي أن تتكلم، ولا ينبغي أن تحكي ذاتها. الحوادث الواقعية يجب أن تحدث

فحسب؛ صحيحٌ أنّه يسعها أن تبلو بلاءً حسنًا تمامًا كمراجعلخطاب، ويمكن أن يُحكى عنها، لكنها لا ينبغي أن تُطْرَح على أنّها

حكواتية سرد. ويشير تأخّر ابتداع الخطاب التاريخي في التاريخ البشري وصعوبة الحفاظ عليه في أزمنة الانهيار الثقافي (كما هو الحال في أوائل العصور الوسطى) إلى اصطناعية الفكرة التي مفادها أنّ الحوادث الواقعية يمكن أن "تحكي ذاتها" أو أن تُمثَّل على أنّها "تحكي

قصتها". مثل هذا التخييل لا يطرح أيّ مشكلات قبل أن يُفْرَض على الحكواتي التمييز بين الحوادث الواقعية والخيالية، ولا تغدو

حكاية القصص مشكلة إلا بعد أن يهيّئ نظامان من الحوادث نفسيهما أمام الحكواتي كمكونين محتملين لقصصه وتُجبَ حكاية هذه

القصص على أن تتكشّف بأمر مفاده الإبقاء على النظامين غير مختلطين في خطابه. ما ندعوه السرد "الأسطوري" ليس مجبرًا على أن

يبقي نظامَي الحوادث مميزين واحدهما من الآخر. ولا يغدو السرد مشكلة إلا حين نرغب في أن نسبغ على الحوادث الواقعية شكل

قصة. وما يجعل إضفاء الطابع السردي على الحوادث الواقعية أمرًا بالغ الصعوبة هو أنّها لا تقدم نفسها كقصص. ما الذي ينطوي عليه، إذًا، إيجاد "القصة الحقيقية"، أو اكتشاف "القصة الواقعية" داخل الحوادث التي تأتينا في شكل "السجلات التاريخية" المشوَّش أو خلفها؟ ما الأمنية التي يحققها، وما الرغبة التي يلبّيها التهويم الذي مفاده أنّ الحوادث الواقعية

تُمثَّل على النحو الصحيح حين يمكن تبيان أنّها تبدي التماسك الشكلي الذي تبديه قصة؟ ما نرمقه في أحجية هذه الأمنية، هذه الرغبة،

هو الوظيفة الثقافية للخطاب المُضفي للطابع السردي بوجه عام، ما نرمقه هو إشارة إلى الدافع النفسي وراء الحاجة الكونية الظاهرة ليس

إلى السرد فحسب بل إلى إضفاء سيماء السرديّة على الحوادث. والتأريخ أساس جيد على نحوٍ خاص للنظر في طبيعة السرد والسرديّة،

ذلك أنّ هذا هو المكان الذي يجب أن تتنازع فيه رغبتنا في الخيالي، والممكن، مع مقتضيات الواقعي، الفعلي. وإذا ما نظرنا إلى السرد

والسردية على أنهما الأداتان اللتان تتوسطان المزاعم المتصارعة للخيالي والواقعي، أو تحكمان بينها، أو تحلّنها في خطاب، فإننا نبدأ بإدراك كلّ من جاذبية السرد وأسباب رفضه. حين تكون الحوادث التي يُفتَض أنّها واقعية ممثلة في شكل غير سردي، ما نوع الواقع

الذي يقدّم نفسه، أو يُتصوَّر أنّه يقدّم نفسه، للإدراك؟ ما الذي يبدو عليه تمثيلٌ غير سردي للواقع التاريخي؟ لدينا، لحسن الحظ، أمثلة كثيرة على تمثيلاتٍ للواقع التاريخي ليست سردية في شكلها. وما تراه الحكمة الرسمية للمؤسسة التأريخية الحديثة هو أنّ هنالك ثلاثة أنواع أساسية من التمثيل التاريخي، تتضح "التاريخية" الناقصة لاثنين منها في تقصيرهما عن

بلوغ السردية الكاملة للحوادث التي يُعنيان بها. هذه الأنواع الثلاثة هي: الحوليات Annals، والأخبار Chronicle، والتاريخ History

بمعنى الكلمة. ولا حاجة إلى القول إنّه ليست السردية وحدها ما يتيح التمييز بين الأنواع الثلاثة؛ إذ لا يكفي رواية للحوادث، ولو كانت حوادث ماضية، بل ولو كانت حوادث واقعية ماضية، أن تبدي جميع خصائص السردية حتى تُحسَب تاريخًا بمعنى الكلمة. فعلى

الرواية، علاوة على هذا، وكما يرى الرأي الاختصاصي، أن تبدي اهتمامًا حقًّا بالتعامل الحصيف مع الأدلة، وأن تحترم الترتيب الزمني

تمثال ميمنون هو واحد من تمثالين اثنين لأمنحتب الثالث في طيبة الغربية، كانا يزينان واجهة معبده الجنائزي، الذي دُمر بأكمله. حدث زلزال في عام 27 ق.م هز

منطقة طيبة، وأدى إلى انشطار التمثال الشمالي إلى نصفين عند وسطه فراح الحجر يرسل ذبذبات صوتية تنجم عن التغيرات الفجائية في الرطوبة والحرارة فجرًا، فظهرت

أسطورة مفادها أن التمثال يصدر في كل صباح أصوات رثاء أورورا ربّة الفجر، أم البطل الإغريقي ميمنون، على ابنها الذي سقط في ميدان طروادة، ومنه أتى اسم التمثال.

(المترجم) بغرض الاقتصاد، سوف أستخدم كممثّل للنظرة التقليدية إلى تاريخ الكتابة التاريخية الفصل الثالث من:

Harry Elmer Barnes, A History of Historical Writing (New York: Dover Publications, 1962).

وهو فصل يُعنى بالتأريخ القروسطي في الغرب، ينظر أيضًا:

Robert Scholes et al., The Nature of Narrative (Oxford: Oxford University Press, 1976), pp. 64 , 211.

لوقوع الحوادث الأصلي فتتعامل معه كخط أساس لا مجال لانتهاكه في تصنيف أيّ حادث معين سواء باعتباره سببًا أو نتيجة. لكنّ ثمة

إجماعًا شائعًا على أنّه لا يكفي روايةً تاريخيةً أن تُعنى بحوادث واقعية، وليست خيالية فحسب؛ ولا يكفي أن تعمد الرواية في ترتيبها

الخطاب إلى تمثيل الحوادث تبعًا للتسلسل الزمني الذي وقعت فيه في الأصل. فلا ينبغي للحوادث أن تُسجَّل ضمن الإطار الزمني

لوقوعها الأصلي فحسب بل يجب أن تسُرد أيضًا، وهذا يعني أن تتبدّى على أنّ لها بنية، ونظامًا للمعنى، وليستسلسلً فحسب. غنيٌّ عن القول إنّ شكل الحوليات يفتقر تمامًا إلى هذا المكوِّن السردي ولا يتألّف إلا من قائمة من الحوادث المرتبة وفقًا لتسلسلها

الزمني. وبخلاف ذلك، غالبًا ما تبدو الأخبار على أنّها ترغب في أن تحكي ​قصة، وتطمح إلى السردية، لكنها عادةً ما تخفق في تحقيق

ذلك. وبكلام أدقّ، عادةً ما تتّسم الأخبار بإخفاقٍ في تحقيق ختامٍ سردي. فهي لا تُختتَم بقدر ما تنقطع؛ إذ تنطلق لتحكي ​قصة لكنها

تنقطع في المنتصف re medias in، في حاضر الإخباريّ، فتترك الأشياء من دون حلّ، والأحرى أنّها تتركها من دون حلّ على نحو

ما يجري في القصة. وفي حين تمثّل الحوليات الواقع التاريخي كما لو أنّ الحوادث الواقعية لا تبدي شكل قصة، فإنّ الأخبار تمثّله كما

لو أنّه حوادث واقعية ظهرت للوعي الإنساني في شكل قصص غير مكتملة. ترى الحكمة الشائعة أنّه مهما كان المؤرّخ موضوعيًا في نقله الحوادث، وحصيفًا في تقويمه الأدلة، ومدققًا في تحديده تواريخ

ما حدث gestae res، فإنّ روايته لا ترقى إلى أن تكون تاريخًا بمعنى الكلمة إذا ما أخفق في أن يُسبغ على الواقع شكل قصة. يقول

كروتشه إنّه حين لا يكون ثمة سرد لا يكون ثمة تاريخ، ويقول بيتر غاي بحدّة، ومن منظور معاكس تمامًا لنسبية كروتشه: "السرد

التاريخي من دون تحليل أمرٌ تافه، والتحليل التاريخي من دون سرد أمرٌ غير مكتمل". وتستحضر صيغة غاي التحيز الكانطي

الذي يطالب بالسرد في التمثيل التاريخي؛ إذ يوحي، على حد تعبير كانط، بأنّ السرديات التاريخية من دون تحليل تكون فارغة،

أمّا التحليلات التاريخية من دون سرد فتكون عمياء. ولذلك، يمكن أن نسأل، ما نوع التبصّ الذي يقدّمه السرد لطبيعة الحوادث

الواقعية؟ ما نوع العمى الذي يبدده السرد حيال الواقع؟ سأتعامل فيما يلي، مع الحوليات وأشكال التمثيل التاريخي الأخبارية لا بوصفها التواريخ "الناقصة" كما جرى تصوّرها تقليديًا،

بل بوصفها منتجات محددة لتصوّراتٍ للواقع التاريخي ممكنة، تصوّرات هي بدائل للخطاب التاريخي تام التحقق الذي يُفترض

بالتاريخ الحديث أن يجسّده، وليست استباقات مخفقة له. وسوف يلقي هذا الإجراء الضوء على مشكلات كلٍّ من التأريخ والسرد على

السواء ويوضح، على ما أتصور، أنّه الطبيعة التقليدية البحتة للعلاقة بينهما. وما سوف يُكشَف، في اعتقادي، هو أنّ التمييز ذاته بين

الحوادث الواقعية والمتخيلة، ذلك التمييز الأساس في النقاش الحديث لكلّ من التاريخ والتخييل، يفترض مسبقًا فكرةً عن الواقع لا يتطابق فيها "الحقيقي" true The مع "الواقعي" real The إلا بقدر ما يمكن تبيان أنّ له طابع السرد.

حين ننظر نحن المحدثين إلى مثال من أمثلة الحوليات القروسطية، لا بدَّ أن تسترعي اهتمامنا سذاجة الحوليّ الظاهرة؛ تلك

السذاجة التي نميل إلى أن نعزوها إلى رفضه الظاهر تحويل مجموعة الحوادث المرتبة عموديًا على هيئة ملفّ من نقاط العلّم الحولية

إلى عناصر سيرورة خطية/ أفقية، أو إلى عجزه عن ذلك، أو عدم رغبته فيه. ما يستوقفنا هو، بعبارة أخرى، إخفاق الحوليّ الظاهر في رؤية

أنّ الحوادث التاريخية تتبدّى لعين المُدْرك على أنّها "قصص" تنتظر حكايتها، تنتظر سردها. لكنّه من المؤكد أنّ اهتمامًا تاريخيًا حقًّا

لا يتطلب أن نسأل: كيف، أو لماذا، فشل الحوليّ في كتابة "سرد"؟ بل يتطلب أن نسأل: أيّ تصور للواقع هو الذي ساقه لأن يمثّل في

ينظر: 385 - 381. pp , White.

Peter Gay, Style in History (New York: Basic Books, 1974), p. 189.

شكلٍ حوليّما يعتبره، في النهاية، حوادث واقعية؟ وإذا ما استطعنا الإجابة عن هذا السؤال، لعلّنا نستطيع أن نفهم ما يمكّننا، في زمننا وفي شرطنا الثقافي، من أن نتصور السرديّة ذاتها على أنّها مشكلة. يحتوي المجلد الأول من صروح التاريخ الجرماني Historica Germaniae Monumenta، سلسلة Scriptores، على نصّ

حوليات سان غال Gall Saint of Annals، وهو قائمة بالحوادث التي وقعت في بلاد الغال خلال القرون الثامن والتاسع والعاشر من حقبتنا. وعلى الرغم من أنّ هذا النص "مرجعيّ" ويحتوي على تمثيل للزمنية Temporality، فإنّه لا يمتلك أيًا من الصفات التي

عادة ما نعتبرها قصة: ما من موضوع مركزي، ما من بداية واضحة، أو وسط، أو خاتمة، ما من تحوّل، وما من صوت سردي محدد.

وما من إشارة، في أجزاء النصّ التي نعدّها الأشدّ إثارة للاهتمام من الناحية النظرية، إلى أيّ صلة ضرورية بين حدث وآخر. هكذا نجد

أنّ لدينا، في ما يخصّ الفترة 709 - 734، المداخل التالية: 709: شتاء قاس. وفاة الدوق غوتفرد. 710: سنة عسر ونقص في المحاصيل.

712: سيول في كلّ مكان.

714: وفاة بيبين، عمدة القصر.

718: شارل ينكب الساكسون وينزل بهم خرابًا واسعًا.

720: شارل يقاتل الساكسون. 721: ثيودو يخرج الساراسين من أقطانيا. 722: محاصيل وافرة.

Idlefonsus ab Arx (ed.), Annales Sangallenses Maiores, dicti Hepidanni , in: George Heinrich Pertz, Monumenta Germaniae Historica ,

هذا هو تعريف أوزفالد ديكرو وتودوروف لما يمكن أن نعده سردًا، يُنظر:

Oswald Ducrot & Tzvetan Todorov, Encyclopedic Dictionary of the Sciences of Language , Catherine Porter (trans.) (Baltimore: Johns Hopkins

الساراسين Saracens، تعبير شاع استخدامه في العصور الوسطى للإشارة إلى العرب المسلمين. (المترجم)

series Scriptores (Hanover: MGH, 1826).

University Press, 1979), pp. 297 - 299.

725: قدوم الساراسين أول مرة.

731: وفاة المبارك بِيْدِه، الكاهن.

732: شارل يحارب الساراسين في بواتييه يوم السبت.

تضعنا هذه القائمة على الفور في ثقافة تشارف على الانهيار، مجتمع شحّ شديد، عالم جماعات بشرية يتهددها الموت والدمار

والسيول والمجاعة. جميع الحوادث متطرفة قصوى، والمعيار الضمني لاختيارها هو طبيعتها الحدّية. والشواغل هي الاحتياجات

الأساسية - القوت والأمن من الأعداء الخارجيين والقيادة السياسية والعسكرية - وتهديد الفشل في توفيرها؛ لكنه ما من تعليق صريح على الصلة بين الاحتياجات الأساسية وشروط تلبيتها المحتملة. والسؤال لماذا "قاتل شارل الساكسون" يبقى بلا تفسير شأنه شأن

السؤال لماذا غلّت سنة "محاصيل وافرة" وشهدت أخرى "سيولً في كلّ مكان". تبدو الحوادث الاجتماعية أمرًا لا تمكن الإحاطة به

شأنها شأن الحوادث الطبيعية. ويبدو أنّ لها درجة الأهمية أو عدم الأهمية ذاتها. وتبدو أنّها حدثت فحسب، وتبدو أهميتها غير قابلة

للتمييز من حقيقة أنها قد سُجِّلَت. ويبدو، في الحقيقة، أن أهميتها لا تتأتّ إلا من حقيقة أنّها قد سُجِّلَت. منسجّلها؟ ليست لدينا أيّ فكرة؛ كما أنّه ليست لدينا أي فكرة متىسُجِّلَت. يشير مدخل عام 725 ("قدوم الساراسين أول مرة")

إلى أن هذا الحادث قد سُجِّلَ بعد أن جاء الساراسين للمرة الثانية على الأقلّ، وهو يؤسس ما يمكن أن نعتبره توقّعًا Expectation سرديًا

حقيقيًا؛ لكن مجيء الساراسين وصدّهم ليس موضوع هذه الرواية. وتُسجَّل محاربة شارل للساراسين "في بواتييه يوم السبت"، إنما

من دون خبر عن نتائج المعركة. وذلك "السبت" هو سبت مزعج نظرًا إلى غياب شهر المعركة ويومها. وهناك كثير من النهايات السائبة:

فما من حبكة في الأفق؛ وهذا أمر محبط، إن لم يكن مزعجًا، لتوقعات القارئ الحديث القصصية وكذلك لرغبته في معلومات محددة. نلاحظ كذلك أنّ هذه الرواية لا مُفتتح لها في الحقيقة. فهي تكتفي بأن تبدأ ب "العنوان" domini Anni (1( (إن كان ذلك عنوانًا)

الذي يقف على رأس عمودين، واحد للتواريخ والآخر للحوادث. يربط هذا العنوان، بصريًا على الأقلّ، ملفّ التواريخ في العمود الأيسر

مع ملف الحوادث في العمود الأيمن ووعدٍ بدلالة قد نميل إلى اعتبارها "أسطورية" لولا حقيقة أنَّdomini Anni تحيلنا إلى قصة عن

نشوء الكون مذكورة في الكتاب المقدسوإلى عرف رزنامي، أو تقويمي، لا يزال المؤرخون في الغرب يستخدمونه اليوم لتمييز وحدات تواريخهم. ولا ينبغي أن نتعجّل إحالة معنى النص إلى الإطار الأسطوري الذي يستحضره بوسمه "السنوات" أنّها "سنوات الربّ"؛ ذلك

أنّ لهذه السنوات انتظامًا لا تملكه الأسطورة المسيحية، بترتيبها الحوادث التي تتألف منها ترتيبًا تبعيًا Hypotactic واضحًا (الخلق،

السقوط، التجسّد، القيامة، المجيء الثاني). ويشير انتظام التقويم إلى "واقعية" الرواية، ونيّتها التعامل مع حوادث واقعية وليست

domini Anni سنوات الربّ، السنوات بعد ميلاد المسيح. (المترجم)

خيالية. والتقويم لا يضع الحوادث في زمن الأبديّة، ولا في زمن مؤاتٍKairotic، بل في زمن متسلسل، في الزمن كما يختبره البشر.

وهذا الزمن ليس فيه نقاط رفيعة أو وضيعة؛ فهو، كما يمكن القول، تجانبي Paratactical وبلا نهاية. لا فجوات فيه. وقائمة الأزمنة ممتلئة، ولو لم تكن قائمة الحوادث كذلك. أخيرًا، فإنّ الحوليات لا تُختتَم؛ بل تنقطع فحسب. والمداخل الأخيرة هي التالية:

1056: وفاة الإمبراطور هنري؛ وابنه هنري يخلفه في الحكم.

من المؤكد أنّ استمرار قائمة السنوات في نهاية الرواية يشير إلى استمرار السلسلة إلى ما لا نهاية، أو الأحرى إلى المجيء الثاني. لكنّه

ما من خاتمة للقصة. وكيف يمكن أن تكون ثمة خاتمة، ما دام ما من موضوع أساس يمكن أن تُحكى حولهقصة؟ غير أنّه لا بدّ أن تكون هنالك قصة لأنّ هنالك حبكة بلا شكّ، إذا ما عنينا ب "حبكة" بنية علاقات يُسبغ من خلالها معنى على

الحوادث التي تشتمل عليها الرواية باعتبارها أجزاء من كلّ متكامل. لكني لا أعني بحبكة هذه القصة أسطورة السقوط والفداء (للمستقيمين من البشر) الموجودة في الكتاب المقدس؛ الأحرى، أنني أشير إلى قائمة التواريخ الواردة في الملف الأيسر للنصّ والتي

تضفي التماسك والامتلاء على الحوادث بتسجيلها تحت السنوات التي حدثت فيها. بعبارة أخرى، يمكن النظر إلى قائمة التواريخ على أنّها المدلولات Signifieds التي دوالها Signifiers هي الحوادث الواردة في العمود الأيمن. و"معنى" الحوادث هو تسجيلها في هذا

النوع من القائمة. وهذا هو السبب، كما أفترض، في أنّ الحوليّ ما كان ليشعر إلا بقليل من القلق الذي يشعر به الباحث الحديث عند

مواجهته ما يبدو أنّه "فجوات"، و"انقطاعات"، وافتقار إلى الصلات السببية بين الحوادث المسجلة في النصّ. يسعى الباحث الحديث

وراء الامتلاء والاستمرارية في ترتيب الحوادث، أمّا الحوليّ فلديه كلاهما في تسلسل السنوات. فأيّهما هو التوقّع "الواقعي" أكثر؟ لنتذكر أننا لا نتعامل مع خطاب حلميّ أو طفولي. بل إننا قد نكون على خطأ حتى حين ندعوه "خطابًا" بأيّ حال من الأحوال، لكنَّ

فيه شيئًا خطابيًا. فالنصّ يستحضر "مادةً"، ويعمل في مجال الذاكرة لا في مجال الحلم أو التهويم، ويتكشّف تحت علامة "الواقعي"

وليس "الخيالي". وهو يبدو، في الحقيقة، عقلانيًا على نحو واضح، بل وشديد الحصافة، في الظاهر، في كلّ من رغبته الجليّة في ألّ

يسجّل إلّ تلك الحوادث التي لا يمكن أن يكون ثمة شكّ في حدوثها وعزمه على عدم مساءلة الوقائع على أسس تأملية، أو على تقديم

حجاجات حول الكيفية التي ترتبط بها الحوادث حقًا واحدها بالآخر. علّق الشرّاح المحدثون على حقيقة أنّ الحوليّ سجّل معركة بواتييه في عام 732 لكنه لم يلحظ معركة تور التي وقعت في العام ذاته

وكانت، كما يعلم كلّ تلميذ، واحدة من "المعارك العشر الكبرى في تاريخ العالم". ولكن حتى لو كان الحوليّ عارفًا بمعركة تور، أيّ مبدأ

أو قاعدة للمعنى هي التي كانت لتقتضي منه تسجيلها؟ فنحن لا نستطيع أن نفترض ترتيبًا للحوادث بحسب أهميتها التاريخية العالمية

إلا من خلال معرفتنا بتاريخ أوروبا الغربية اللاحق، وحتى حينئذٍ لا تكون تلك الأهمية "تاريخية عالمية" بقدر ما هي أوروبية غربية

فحسب، تعكس ميلً لدى المؤرخين المحدثين إلى ترتيب الحوادث في السجل على نحو تراتبي من داخل منظور ثقافي خاص، وليس كونيًا على الإطلاق. هذه الحاجة أو الدافع لترتيب الحوادث، بحسب أهميتها بالنسبة إلى الثقافة أو المجموعة التي تكتب تاريخها، هما ما يجعل

تمثيلً سرديًا لحوادث واقعية أمرًا ممكنًا. ومن المؤكد أنّ الاقتصار على تسجيل الحوادث كما جرت ملاحظتها هو أكثر "كونية" بكثير.

وما يجري إدراجه في الرواية، على المستوى الحدّي الذي تتكشف فيه الحوليات، تكون له أهمية نظرية في فهم طبيعة السرد تفوق كثيرًا

أهمية ما يتمّ استبعاده. لكن هذا يطرح سؤال الوظيفة التي يقوم بها في هذا النص تسجيلُ تلك السنوات التي "لم يحدث فيها شيء".

ذلك أنّ ما من سرد، مهما بدا "ممتلئًا"، يتم إلّ ويُبنى على أساس مجموعة من الحوادث التي كان يمكن إدراجها لكنها أُبقيت

خارجًا؛ الأمر الذي يصحّ على السرديات الخيالية كما يصحّ على السرديات الواقعية. وهذا الاعتبار يتيح لنا أن نسأل عن نوع ذلك التصوّر

للواقع الذي يجيز بناء رواية سردية عن الواقع تحكم فيها الاستمرارية، وليس الانقطاع، عملية الإفصاح عن الخطاب. إذا سلّمنا بأنّ هذا الخطاب يتكشّف تحت علامة الرغبة في ما هو واقعي، وهو ما يجب أن نفعله كي نبرر إدراج صيغة الحوليات بين

أنواع التمثيل التاريخي، فلا بدّ أن نستنتج أنّه نتاج صورة للواقع لا يكون فيها النظام الاجتماعيالذي يمكنه وحده أن يوفّر المؤشرات

الفارقة في ترتيب الحوادث بحسب أهميتها، حاضرًا في وعي الكاتب إلّ بالحدّ الأدنى، أو الأحرى، إنّه لا يكون حاضرًا بصفته عاملً في

تكوين الخطاب إلا بفضل غيابه. ففي كلّ مكان نجد أنّ قوى الاضطراب، الطبيعية والبشرية، قوى العنف والدمار، هي التي تحتل

صدارة الاهتمام. والرواية تُعنى ب  الصفاتلا ب  الفاعلين، وهي تبُرز عالمًا تحدثفيه الأشياء للبشر لا عالمًا يفعلفيه البشر الأشياء. إنّ

قسوة شتاء عام 709، وعسر عام 710 ونقص محاصيله، وسيول عام 712، وحضور الموت الوشيك هو ما يتكرر بتواتر وانتظام يفتقر إليهما تمثيل أعمال الفاعلية البشرية. ويرتدي الواقع بالنسبة إلى هذا الحوليّ وجه النعوت التي تتخطى قدرة الأسماء التي تعدلها كي تقاوم حتميتها. لقد أفلح شارل في أن ينكب الساكسون ويقاتلهم، وتمكّن ثيودو من طرد الساراسين من أقطانيا. لكنّ هذه الأفعال

تبدو كأنها تنتمي إلى نظام الوجود ذاته الذي تنتمي إليه الحوادث الطبيعية التي قد تأتي ب "محاصيل وافرة" أو ب "نقص في المحاصيل" وتبدو غير مفهومة. أوّل ما يشير إلى غياب مبدأ تُسْبَغ على أساسه الأهمية أو الدلالة على الحوادث هو الفجوات في قائمة الحوادث في الملف الأيمن،

مثل عام 711 الذي لم يحدث فيه شيء، كما يبدو. ووفرة المياه الملحوظة في عام 712 تسبقها وتليها سنوات "لم يحدث فيها شيء" أيضًا. وهذا يذكّرنا بملاحظة فريدريش هيغل أنّ فترات السعادة والأمن البشريين صفحات فارغة في التاريخ. لكن وجود هذه السنوات

الفارغة في رواية الحوليّ يتيح لنا أن ندرك، من طريق التضاد، مقدار الجهد الذي يبذله السرد لإحداث أثر يفيد سدّ جميع الفجوات،

ووضع صورة الاستمرارية والاتساق والمعنى مكان تهويمات الفراغ، والحاجة، والرغبة المحبطة التي تستوطن كوابيسنا حول قوة الزمن

الهدّامة. الحال، إنّ رواية الحوليّ تستدعي عالمًا تكون فيه الحاجة حاضرةً في كلّ مكان، وتكون الندرة قاعدة الوجود، وتكون فيه جميع

فاعليات الإشباع المحتملة في حالٍ من الافتقار أو الغياب أو الوجود في ظلّ تهديد الموت الوشيك. لكنَّ فكرة الإشباع المحتمل موجودة ضمنًا في قائمة التواريخ التي تشكّل العمود الأيسر. ويشهد امتلاء هذه القائمة على امتلاء

الزمن أو على امتلاء "سنوات الربّ" على الأقلّ. لا شحّ في السنوات: إذ تتحدّر بانتظام من أصلها، سنة التجسّد، وتتدحرج بلا هوادة

إلى نهايتها الكامنة، يوم الحساب. وما ينقص قائمة الحوادث كي يكون لها مثل هذا الانتظام والكمال هو فكرة مركز اجتماعي يحدد من خلالهما كليهما مواقع الحوادث في علاقة بعضها ببعض ويشحنها بدلالة أخلاقية أو معنوية. وغياب أيّ وعي بمركز اجتماعي هو

ما يمنع الحوليّ من ترتيب الحوادث التي يتعامل معها بصفتها عناصر في حقلِ حدوثٍ تاريخي. وغياب مثل هذا المركز هو الذي يمنع أو

يوهن أيّ دافع قد يكون لديه لأن يرتقي بخطابه معطيًا إيّاه شكل السرد. ومن دون مثل هذا المركز، فإنّ حملات شارل على الساكسون

تبقى مجرد "قتال"، وغزو الساراسين مجرد "قدوم"، وتبقى لحقيقة أنّ معركة بواتييه خيضت يوم السبت الأهمية ذاتها التي لحقيقة

أنّ المعركة قد خيضت أصلً. يوحي إليّ كل هذا بأنّ هيغل كان محقًّا حين رأى أنّ على رواية تاريخية حقّة لا أن تبدي شكلً معينًا، هو السرد، فحسب، بل أن

تبدي محتوى معينًا أيضًا، هو نظام سياسي -  اجتماعي. يقول هيغل في مدخل كتابه محاضرات في فلسفة التاريخ: تجمع كلمة تاريخ

Geschichte في لغتنا الجانب الموضوعي إلى الجانب الذاتي، وتشير إلى تاريخ الحوادث الفعلية gestarum rerum historia بالقدر ذاته الذي تشير به إلى الحوادث الفعلية gestae res ذاتها؛ وهي تنطوي من الجهة الأخرى لا على ما حدث فحسب، بل على سرد ما حدث أيضًا. وعلينا أن نعدّ هذا الجمع بين المعنيين من نظام أرفع من مجرد مصادفة خارجية؛ علينا أن نفترض أنّ السرديات التاريخية

ظهرت متعاصرةً مع الأفعال والحوادث التاريخية. وما ينتجهما على نحو متزامن هو مبدأ حيوي باطن مشترك بينهما. فالذكريات العائلية، والتقاليد البطريركية، لها أهمية تقتصر على العائلة والقبيلة. ومجرى الحوادث الموحَّد الذي ينطوي عليه مثل هذا الشرط

ليس موضوعًا لتذكّر جدّي؛ على الرغم من أنّ تعاملات مميّزة أو ضربات حظّ قد توقظ نيموزيني لتشكّل تصوّرًا عنها، بالطريقة ذاتها

التي يثير بها الحبُّ والمشاعرُ الدينية الخيالَ كي يضفي شكلً على دافع كان من قبل بلا شكل. لكنَّ الدولة هي أوّل من يقدّم موضوعًا

لا يقتصر على أنّه يلائم نثر التاريخ، بل يتعدّى ذلك إلى أنّه ينطوي على صنع مثل هذا التاريخ في تقدّم كينونته ذاته. يمضي هيغل ليميّز بين نوعٍ من "العواطف العميقة"، مثل "الحب" و"الحَدْس الديني وتصوراته"، وبين "ذلك الوجود الخارجي

لدستور سياسي تكرّسه... قوانين ورسوم عقلانية [والتي] هي حاضر ناقص، ولا يمكن فهمه تمامًا من دون معرفة بالماضي". وهذا هو

السبب، كما يخلص هيغل، في أنّ هنالك مراحل تفتقر إلى أيّ "تاريخ موضوعي "، على الرغم من أنها تعجّ ب "الثورات، والهجرات،

وأغرب الطفرات". وافتقارها إلى تاريخ موضوعي يعود إلى حقيقة أنّها لا تقوى على إنتاج "أيّ تاريخ ذاتي، أيّ حوليات". ولسنا في حاجة

إلى أن نفترض، كما يلاحظ هيغل، "أنّ سجلات مثل هذه المراحل قد اندثرت بالصدفة؛ الأحرى أننا نفتقر إليها لأنّها لم تكن ممكنة".

وهو يلحّ على أنّه "في دولة تدرك القوانين فحسب، يمكن لتعاملات مميزة أن تحدث، مصحوبةً بوعيٍ واضح بها على أنّها توفّر القدرة

على إيجاد سجلّ دائم وتشير إلى ضرورة هذا السجلّ" (ص. 61). باختصار، حين يتعلق الأمر بتقديم سرد للحوادث الواقعية، يجب أن نفترض أنه لا بدّ من وجود ذات من النوع الذي يوفّر الدافع لتسجيل أنشطته. يؤكّد هيغل أنّ الذات الحقّة لمثل هذا السجل هي الدولة، لكن الدولة بالنسبة إليه هي تجريد. والواقع الذي يعنو للتمثيل السردي

هو الصراعبين الرغبة، من جهة، والقانون، من جهة أخرى. وبغياب حكم القانون، لا يمكن أن تكون هنالك ذات ولا ذلك النوع من الحدث الذي يعنو للتمثيل السردي. ومن المؤكّد أنّ هذه الأطروحة لا يمكن إثباتها تجريبيًا أو إثبات زيفها؛ الأحرى أنّها تمكّن

لافتراضٍ أو لفرضيةٍ تتيح لنا أن نتخيل كيف تكون "التاريخية" و"السردية" ممكنتين. وهي تخوّلنا أيضًا أن ننظر في الأطروحة التي

مفادها أنّ أيًّا منهما ليست ممكنةً من دون فكرة ما عن الذات القانونية التي يمكن أن تعمل بوصفها الفاعل، الفاعلية، وذات السرد

التاريخي بجميع أشكاله؛ من الحوليات، مرورًا بالأخبار، وصولً إلى الخطاب التاريخي كما نعرفه في إنجازاته وإخفاقاته الحديثة.

15 التشديد للمترجم. نيموزيني، Mnemosyne، ربّة الذاكرة في الأسطورة الإغريقية، ابنة أورانوس وغايا من التيتان. (المترجم)

G.W.F. Hegel, The Philosophy of History , J. Sibree (trans.) (New York: Dover Publications, 1956), pp. 60 - 61.

جميع الإشارات اللاحقة إلى مدخل هيغل سترد في النصّ بين أقواس.

لا يُطرَح سؤال القانون (Law) أو الشرعية (Legality) أو المشروعية (Legitimacy) في تلك الأجزاء التي نُعنى بها من حوليات

سان غال؛ على الأقلّ، لا يُطرح سؤال القانون الإنساني. وما من إشارة إلى أنّ "قدوم" الساراسين يمثل انتهاكًا لأيّ حدّ، أو إلى أنّه

ما كان ينبغي أن يحدث أو كان يمكن أن يحدث على غير النحو الذي حصل عليه. ولمّا كان كلُّ ما حدث قد حدث تبعًا لمشيئة الله،

فإنّه يكفي أن نلحظ حدوثه، وأن نسجّله تحت "سنة الربّ" المناسبة التي حدث فيها. ولقدوم الساراسين الأهمية المعنوية ذاتها التي

لقتال شارل الساكسون. وما من سبيل أمامنا لمعرفة ما إذا كان الحوليّ سيضطر إلى أن يكسو باللحم قائمة حوادثه ويرتقي إلى تحدي التمثيل السردي لتلك الحوادث، لو كان قد كتب وهو يعي التهديد المحيق بنظام اجتماعي محدَّد واحتمال الفوضى التي لعلّ النظام

القانوني كان قد أقيم في مواجهتها. لكننا ما إن نُنبَّه إلى العلاقة الحميمة التي يشير هيغل إلى وجودها بين القانون والتاريخية والسردية،

حتى لا يعود في وسعنا أن نغض الطرف عن التواتر الذي يفترض به السرد مسبقًا، سواء كان من النوع التخييلي أو الواقعي، وجود نظام قانوني يعمل الفاعلون النمطيون في رواية سردية ضده أو معه. وهذا يثير الشكّ في أنّ للسرد عمومًا، من الحكاية الشعبية إلى الرواية،

من الحوليات إلى "التاريخ" المتحقق تمامًا، علاقة بمواضيع القانون أو الشرعية أو المشروعية أو السلطة، بوجه أعم. وبالفعل، عندما

ننظر إلى ما يُفترض أنّه المرحلة التالية في تطور التمثيل التاريخي بعد الشكل الحوليّ، أي الأخبار، فإننا نتثبّت من هذا الشكّ. فكلما كان

الكاتب أكثر وعيًا من الناحية التاريخية بأيّ شكل من أشكال التأريخ، زاد اهتمامه بالنظام الاجتماعي والقانون الذي يسنده، وسلطة

هذا القانون وتبريره، والتهديدات التي تلاحقه. وإذا كان من غير الممكن التفكير في التاريخية بوصفها نمطًا مميزًا من أنماط الوجود

الإنساني، إلا بافتراض مسبق لوجود نظام قانوني تتكوّن بالعلاقة معه ذاتٌ قانونية محددة، ثم وعي ذاتي تاريخي، كما يشير هيغل، فإنه

لا يمكن تصوّر نوع الوعي القادر على تخيّل الحاجة إلى تمثيل الواقع كتاريخ إلا بالعلاقة مع اهتمامه بالقانون والشرعية والمشروعية،

وهلمّ جرًّا. يخلق الاهتمام بالنظام الاجتماعي، وهو ليس سوى نظام للعلاقات الإنسانية يحكمه القانون، إمكانيةً لتصور ضروب التوتر والصراع والكفاح ومختلف صنوف القرارات التي اعتدنا أن نجدها في أيّ تمثيل للواقع يقدّم لنا نفسه على أنّه تاريخ. ولذلك ربما كان

لنمو الوعي التاريخي وتطوره وما يلحق به من نمو مصاحب وتطور للمقدرة السردية (من النوع الذي نجده في الأخبار بخلاف الشكل الحوليّ) علاقة ما بمدى عمل النظام القانوني بصفته موضوعًا للاهتمام. وحين تكون كلّ قصة متحققة تمامًا، مهما اعتبرناها كيانًا

مألوفًا لكنه مراوغ مفهوميًا، نوعًا من الأمثولة، تشير إلى عبرة أخلاقية، أو تسبغ على الحوادث، سواء أكانت حقيقية أم متخيلة، دلالة

لا تمتلكها بوصفها مجرد سلسلة متسلسلة، يبدو ممكنًا أن نستنتج أنّ لكلّ سرد تاريخي غرضه الباطن أو الظاهر المتمثّل بالرغبة في

إضفاء طابع أخلاقي (moralize) على الحوادث التي يُعنى بها. وحيث يكون ثمة غموض أو تجاذب وجداني في ما يتعلق بمكانة النظام

القانوني، وهو الشكل الذي تواجه فيه الذات مباشرة النظام الاجتماعي الذي تنتمي إليه كي تحقق إنسانيةً كاملةً، يكون ثمة افتقار إلى

الأساس الذي يرغب المرء في أن يروي عليه أيّ ختامٍ لقصةٍ عن ماضٍ، سواء كان ماضيًا عامًا أو خاصًا. وهذا يشير إلى أنّ السردية، في

رواية القصص الفعلية بالتأكيد، وربما في رواية القصص التخييلية، ترتبط ارتباطًا وثيقًا، إن لم يكن بوظيفة إضفاء الطابع الأخلاقي على الواقع، فبالدافع إلى ذلك، أي مماهاته مع النظام الاجتماعي الذي هو مصدر أي أخلاق يمكن أن نتخيّلها. لا يُظهر حوليّ سان غال أيّ اهتمام بأيّ نظام أخلاقي أو قانوني إنساني حصرًا. مدخل عام 1056، "وفاة الإمبراطور هنري، وابنه

هنري يخلفه في الحكم"، يشتمل على عناصر سرد في حالتها الجنينية. هو سرد، في الحقيقة، وسرديته، على الرغم من غموض الصلة بين

الأمثولة، هنا، هي المقابل الذي أضعه لمصطلح Allegory الذي يشير إلى التعبير المجازي أو الرمزي عن حقائق الوجود الإنساني وتعميماته من خلال شخصيات أو

أفعال قصصية. وهو مصطلح مستمد من المفردة اليونانية Allégoria، وتعني "التكلّم على نحوٍ آخر". وكقاعدة عامة، فإنَّ الأمثولة هي قصة شعرية أو نثرية لها معنى مزدوج:

معنى أولي سطحي؛ ومعنى ثانوي أو تحت السطح. ولذلك فهي قصة تمكن قراءتها، ويمكن فهمها وتأويلها، على مستويين وربما أكثر. (المترجم)

الحادث الأول (وفاة هنري) والثاني (خلافة هنري) التي يشير إليها حرف العطف "و"، تبلغ ختامًا باستدعائها الضمني للنظام القانوني:

قاعدة خلافة الابن لأبيه التي يسلّم الحوليّ بها كمبدأ يحكم بحقّ انتقال السلطة من جيل إلى جيل. لكنَّ هذا العنصر السردي الصغير،

هذه "الوحدة السردية الصغرى" (Narreme)، يطفو بيسر فوق بحر التواريخ الذي يعتبر الخلافة ذاتها مبدأً للتنظيم الكوني. ومن يعلمون منّا بما كان ينتظر هنري الشاب في صراعاته مع نبلائه ومع الباباوات في فترة صراع التنصيب، ذلك الصراع الذي نشب تحديدًا

حول موضع السلطة النهائية على وجه الأرض، قد يستفزّهم الاقتصاد الذي سجّل فيه الحوليّ حادثًا يعجّ بالآثار الأخلاقية والقانونية

المقبلة. فالسنوات 1057 - 1072 التي يكتفي الحوليّ بإيرادها في نهاية سجله، كانت قد وفّرت فائضًا من "الحوادث" التي أنذرت باندلاع

هذا الصراع، وفائضًا من الخصومة التي تبيح سردًا كاملً لنشوئه. لكن الحوليّ تجاهلها ببساطة. ويبدو أنّه شعر بأنّه قد أدّى واجبه

بمجرد إيراده التواريخ ذاتها. ولعلنا نتساءل، ما الذي ينطوي عليه رفض السرد هذا؟ من المؤكّد أنّ بمقدورنا أن نستنتج - كما اقترح فرانك كيرمود في ملاحظته حول هذا النص خلال مناقشتنا - أنّ حوليّ سان غال

لم يكن كاتب يوميات جيدًا؛ ومن الواضح أنّ لمثل هذا الحكم المباشر ما يبرره. لكن عدم القدرة على الاحتفاظ بيوميات جيدة لا يختلف

نظريًا عن عدم الرغبة في فعل ذلك. فمن زاوية الاهتمام بالسرد ذاته، يمكن لسرد "سيئ" أن يخبرنا عن السرديّة أكثر مما يخبرنا سرد

جيد. وإذا ما كان صحيحًا أنّ حوليّ سان غال كان ساردًا مهملً أو كسولً، فإنّ علينا أن نسأل عما افتقر إليه وكان يمكن أن يجعل منه

ساردًا كفوءًا؟ ما الذي يغيب عن روايته، وكان سيتيح له، لو وُجد، أن يحوّل أخباره إلى سرد تاريخي؟ يشير الترتيب العمودي للحوادث ذاته إلى أنّ حَوْلِيَّنا لم يكن مفتقرًا إلى الوعي الاستعاري أو الاستبدالي. وهو لا يعاني ما يسميه

رومان جاكوبسون "اضطراب التشابه". والحال، إنّ جميع الحوادث المدرجة في العمود الأيمن تبدو كأنها اعتبُرت حوادث من

النوع ذاته؛ فهي جميعًا كنايات لحالة الشحّ الزائد أو الوفرة الزائدة التي تسم عمومًا ذلك "الواقع" الذي يسجلّه الحوليّ. ولا يُبَْز

الاختلاف، أو التنوّع الكبير داخل التشابه، إلا في العمود الأيسر، قائمة التواريخ. وكلّ تاريخ من هذه التواريخ يعمل كاستعارة لامتلاء

زمن الربّ واكتماله. وصورة التعاقب المنتظم التي يستحضرها هذا العمود لا نظير لها في الحوادث، الطبيعية والبشرية، المدرجة على

الجانب الأيمن. وما افتقر إليه الحوليّ وكان يمكن أن يسوقه إلى صنع سرد من مجموعة الحوادث التي سجّلها هو القدرة على أن

يسبغ على الحوادثذلك النوع ذاته من "الأطروحيّة "(Propositionality) الحاضرة ضمنيًا في تمثيله سلسلة التواريخ. ويشبه هذا

الافتقار ما يدعوه جاكوبسون "اضطراب التجاور"، وهو ظاهرة تمثّلها في الكلام "الحبسة النحوية" ويمثّلها في الخطاب انحلال "روابط

التنسيق والتبعية النحويين" التي يمكن من خلالها جمع "أكوام الكلمات" في جمل ذات معنى. وبالطبع، فإنّ حوليّنا لم تكن لديه

صراع التنصيب Struggle Investiture، هو صراع مديد وبالغ الأهمية بين الكنيسة والدولة في أوروبا القروسطية على من يبوّئ موظفي الكنيسة مناصبهم. (المترجم)

من المعروف أن معنى العلامة اللغوية Sign عند فرديناند دو سوسور يتحدد من خلال بعدين: أولهما هو البعد الأفقي التركيبي (موقع العلامة في تركيب الجملة

وعلاقتها بغيرها من العلامات والوحدات النحوية والقواعدية التي تحكم بنية هذه الجملة)، وثانيهما هو البعد العمودي الاستبدالي (الذي لا توجد مكوناته فعليًا في التركيب

اللغوي مع أن هذا البعد القائم على الاستبدال الانتقائي يحكم دلالة العلامة ووضوحها). ولأنّ البعد الأفقي التركيبي يقوم على المجاورة والاندماج والتداخل فقد أسماه

جاكوبسون "بعدًا كنائيًا"؛ لأن الكناية تقوم على هذه الأسس نفسها كما هو الحال في علاقة السبب بالنتيجة ودلالة الجزء على الكلّ وما إلى ذلك. وبالمقابل، فإن البعد

العمودي الاستبدالي يعمل من خلال الغياب، حيث يعتمد اختيار أو "حضور" أي علامة على "تغييب" واستبعاد ما كان يمكن أن يحلّ محلّها مكانيًا ونحويًا (مبدأ المرادفة

والتضاد)؛ بمعنى أنّ البعد العمودي يقوم عمومًا على مبدأ التماثل والمشابهة مما يسمح بتسميته ب "البعد الاستعاري"؛ لأن الاستعارة تقوم على المشابهة والقياس والتماثل.

ويرى جاكوبسون أنّ هنالك نمطين اثنين من الاضطراب الألسنيّ، يتوافق أحدهما - وهو الذي يدعوه "اضطراب التشابه" - مع فقد السيطرة على محور اللغة

الاستبدالي، ويتوافق الآخر -الذي يدعوه "اضطراب التجاور " - مع فقد السيطرة على محور التركيب، محور التسلسل وبناء الجملة. ويزعم جاكوبسون أنّ هذين

النمطين من الاضطراب مرتبطان ارتباطًا وثيقًا بعدم القدرة على تدبّر نمطين من العمليات البلاغية، هما الاستعارة، المرتبطة بالتبديل على المحور الاستبدالي،

والكناية، المرتبطة بالحركة على طول السلسلة التركيبية. (المترجم) الأطروحيّة هنا من الأطروحة Proposition بمعناها اللغوي، وتعني وحدة كلامية متعالقة أو مترابطة ذات معنى. فالكلمات المنعزلة ليست أطروحات في العادة.  (المترجم)

Roman Jakobson & Morris Halle, Fundamentals of Language (The Hague: Mouton, 1971), pp. 85 - 86.

حبسة، كما تُظهر بشدة قدرته على ابتداع جمل ذات معنى. لكنه افتقر إلى القدرة على استبدال المعاني بعضها ببعض في سلاسل من

الكنايات الدالّة التي من شأنها أن تحوّل قائمة حوادثه إلى خطاب حول الحوادث التي تُعتبر كلًّ يتطور في الزمن. الآن، تتطلب القدرة على تصور مجموعة من الحوادث على أنّها تنتمي إلى نظام المعنى ذاته مبدأً ميتافيزيقيًا يمكن من خلاله

ترجمة الاختلاف إلى تشابه. بمعنى آخر، تتطلب "ذاتًا" أو "فاعلً" مشتركًا لجميع مراجعالجمل المختلفة التي تسجّل الحوادث على

أنّها حدثت. وإذا ما كان هذا الفاعل موجودًا، فهو "الربّ" الذي تُعامل "سنواته" كتجليات لقدرته على تسبيب الحوادث التي تحدث

فيها. فاعل الرواية، إذًا، لا يوجد في الزمن ولا يمكن تاليًا أن يعمل كفاعل لسرد. فهل يعني ذلك أنّه كي يكون هنالك سرد، يجب أن

يكون هنالك مكافئ للربّ، كائن مقدس وُهب سلطة الرب وقوته، موجود في الزمن؟ إذا كان الأمر كذلك، فما الذي يمكن أن يكون

عليه هذا المكافئ؟ تُستدعَى طبيعة مثل هذا الكائن، القادر على أن يعمل كمبدأ مركزيّ ناظم لمعنى خطابٍ واقعي وسردي من حيث البنية، في نمط

التمثيل التاريخي المعروف باسم الأخبار. وشكل الأخبار هو، بإجماع مؤرخي الكتابة التاريخية، شكل "رفيع" من المَفْهمَة التاريخية

ويمثّل نمطًا من التمثيل التأريخي يعلو على شكل الحوليات. ومن المتفق عليه أنّ تفوقه يكمن في إحاطته الأوسع، وتنظيمه المواد

"بحسب الموضوعات والعهود"، وتماسكه السردي الأكبر. وللأخبار أيضًا موضوع مركزي، حياة فرد أو بلدة أو منطقة، مسعى ما من المساعي العظيمة، مثل حرب أو حملة صليبية، أو مؤسسة ما، مثل ملكية أو أسقفية أو دير. ويُنظر إلى صلة الأخبار بالحوليات في المحافظة

على التسلسل الزمني بوصفه المبدأ الناظم للخطاب، وهذا، كما قيل لنا، ما يجعل الأخبار شيئًا أقلّ من "تاريخٍ" محقَّق بالكامل. وعلاوة على ذلك، فإنّ الأخبار، مثل الحوليات ولكن بخلاف التاريخ، لا "تُختتم" بل تنقطع فحسب؛ فعادةً ما تفتقر إلى ختام، إلى ملخّص

ل "معنى" سلسلة الحوادث التي تُعنى بها مما نتوقعه في العادة من قصة حسنة الصنع. والأخبار عادةً ما تعد بختام، لكنها لا توفّره، وهذا واحد من الأسباب التي دفعت محققي أخبار العصور الوسطى في القرن التاسع عشر لأن ينكروا عليها منزلة التواريخ الحقّة. لنفترض أننا ننظر إلى الأمر على نحو مختلف. لنفترض أننا لا نسلّم بأنّ الأخبار تمثيل للواقع "أرفع" أو أشدّ إتقانًا من الحوليات،

بل مجرد نوع مختلفمن التمثيل، موسوم برغبة تبقى غير مبرَّرة نظريًا في نوع من النظام والامتلاء في رواية عن الواقع، رغبة تبقى

مجانية صرفًا، إلى أن تُظهر خلاف ذلك. ما الذي ينطوي عليه فرض هذا النظام وتوفير هذا الامتلاء (بالتفاصيل) الذي يشكل الفارق بين الحوليات والأخبار؟ آخذ مثالً على النوع الأخباري بين أنواع التمثيل التاريخي تاريخ فرنسا لريشيه دو رانس، المكتوب عشية عام 1000 للميلاد (حوالى عام 998). لا نجد صعوبة في تمييز هذا النصّ على أنّه سرد: ثمة موضوع رئيس ("صراعات الفرنسيين [" 1: 3])؛ ومركز

جغرافي فعليّ (الغال) ومركز اجتماعي فعليّ (أبرشية رانس التي نشب فيها نزاع حول الشاغل الشرعي لمنصب رئيس الأساقفة بين الكاهنين المطالبين بهذا المنصب)؛ وبداية زمنية فعليّة (إذ يُقدَّم في حكاية شاملة لتاريخ العالم من التجسّد وصولً إلى زمن كتابة ريشيه روايته

ومكانها). لكن العمل يخفق في أن يكون تاريخًا "حقًّا"، في رأي الشرّاح اللاحقين على الأقلّ، نظرًا إلى اثنين من الاعتبارات. أولهما هو

أنّ ترتيب الخطاب يتبع التسلسل الزمني؛ فيعرض الحوادث بحسب ترتيب حدوثها ولا يستطيع، تاليًا، أن يقدّم ذلك النوع من المعنى

من المعلوم أنّ كلمة Subject تشير، من بين أشياء كثيرة، إلى الذات والفاعِل والمسنَد إليه، وحتى إلى موضوع أو مبحَث... إلخ. (المترجم)

24 Barnes, pp. 65 - 68. Richer de Reims, Histoire de France: 888-995 ,Robert Latouche (ed.) (Paris: Les Belles Lettres, 1930-1937).

جميع الإشارات اللاحقة إلى هذا العمل سترد في النصّ بين أقواس، وهي للمترجم.

الذي يمكن القول إنّ روايةً يحكمها السرد تقدّمه. وثانيهما، وربما كان هذا نتيجة الترتيب "الحوليّ" للخطاب، هو أنّ الرواية لا تُختتم

بل تنقطعفحسب؛ إذ "تتوقّف" مع هروب أحد المتنازعين على منصب رئيس الأساقفة ويلقى على عاتق القارئ عبء التأمّل رجوعًا في

الصلات بين بداية الرواية ونهايتها. فالرواية تبلغ "أمس" الكاتب، وتضيف واقعة واحدة أخرى إلى السلسلة التي بدأت بالتجسّد، ثم

تتوقف فحسب. ونتيجة لذلك، تبقى جميع توقعات القارئ (هذا القارئ) السردية العادية بعيدة عن التحقق. ويظهر العمل كما لو أنّه

يتكشّف عن حبكة، لكنه لا يلبث أن يكذّب هذا الظهور بتوقفه في المنتصف، مع تعليق ملغز: "يأذن البابا غريغوري لأرنولفوس بتولّ الوظائف الأسقفية مؤقتًا، في انتظار القرار القانوني الذي من شأنه أن ينعم بها عليه أو يسحب منه الحقّ فيها" (2: 133). من ثم، فإنّ ريشيه سارد يعي ذاته. وهو يقول صراحة في مطلع روايته إنّه يقترح "على نحوٍ خاص أن يحفظ بالكتابة

[est propositum specialiter scripto reducere memoriam ad] "حروب" الفرنسيين و"اضطراباتهم" و"شؤونهم"، وأن يكتبها، علاوة على ذلك، بطريقة تتفوق على ما في الروايات الأخرى، ولا سيما رواية فلودوَرد، وهو كاتب سابق من رانس كان قد كتب حوليات

استند إليها ريشيه في معلوماته. ويشير ريشيه إلى أنه استند بحريّة إلى عمل فلودوَرد، لكنه غالبًا ما كان "يضع عبارات أخرى" بدلً من

). كما أنّه 4: 1 ("] pro aliis longe diversissimo orationis scemate disposuisse [العبارات الأصلية و"يعدّل تمامًا أسلوب العرض

يضع نفسه ضمن تقليدٍ في الكتابة التاريخية من خلال الاستشهاد بالكلاسيكيات مثل قيصر وهوروسيوس وجيروم وإيزيدور كمراجع لتاريخ الغال الباكر ويشير إلى أنّ ملاحظاته الشخصية أعطته تبصًّا بالوقائع التي يرويها لا يمكن لأحد آخر أن يدّعيه. ويوحي كلّ

هذا بمسافة معينة تفصله عن خطابه ويفتقر إليها كاتب حوليات سان غالذلك الافتقار الواضح. خطاب ريشيه هو خطاب مصنوع، وسرديته، مقارنةً بسردية الحوليّ، هي وظيفة للوعي الذاتي الذي بودر به إلى هذا النشاط الصّانع. لكنّ المفارقة أنّ هذا النشاط الصّانع الذي يعي ذاته، النشاط الذي يعطي عمل ريشيه سيماء سرد تاريخي، هو الذي يقلّل من

"موضوعيته" بصفته رواية تاريخية، كما يُجمِع محللو النصّ المعاصرون. وعلى سبيل المثال، يشير روبير لاتوش، وهو محقق مُحدَث

للنص، إلى اعتزاز ريشيه بأصالة أسلوبه بوصفه سبب فشله في كتابة تاريخ حقّ. ويلاحظ لاتوش، في النهاية، أنّ " تاريخريشيه ليس

تاريخًا بمعنى الكلمة، بل عمل بلاغي من تأليف راهب [...] سعى إلى تقليد تقنيات المؤرخ الروماني سالوست". ويضيف: "ما كان يهمّه

ليس المادة [matière] التي قَوْلبَها على هواه، بل الشكل" (1: xi). من المؤكّد أنّ لاتوش محقّ في وصفه إخفاقات ريشيه كمؤرخيُفترَض أنّه مهتم ب "وقائع" مرحلة بعينها من التاريخ، لكنّ من

المؤكّد أيضًا أنّه مخطئ تمامًا في إشارته إلى أنّ إخفاق العمل كتاريخ متأتٍّ من اهتمام الكاتب ب "الشكل" لا ب "المادة". وما يعنيه

لاتوش بكلمة " matière " هو، بالطبع، مراجع الخطاب، الحوادث المتّخذة فرديًا كأشياء للتمثيل. لكن ريشيه مهتم ب "نزاعات

الفرنسيين [regerendis volumine in congressibus Gallorum ("] 1: 2)، ولا سيما النزاع الذي كان راعيه، جيربير أسقف رانس، منخرطًا فيه من أجل السيطرة على الأبرشية. وبعيدًا عن كونه مهتمًا بالشكل في المقام الأول وليس بالمادة أو المحتوى، كان ريشيه مهتمًا

بالأخير وحده؛ ذلك أنّ مستقبله كان متوقّفًا على هذا الصراع. وكان موقع السلطة التي تحدد اتجاه الأمور في أبرشية رانس هو المسألة

التي أمل ريشيه أن يساهم في حلّها بتأليف سرده. ومن المشروع أن نفترض أنّ دافعه لكتابة سرد هذا الصراع كان مرتبطًا على نحوٍ ما

برغبةٍ منه في تمثيل سلطة (سواء بمعنى الكتابة عنها أو بمعنى التصرف فاعلً من فاعليها) توقفت مشروعيتها على إقامة "وقائع" لها ترتيبها التاريخي المحدد. الحال، إننا ما إن نلحظ حضور موضوع السلطة في هذا النص، حتى ندرك أيضًا إلى أيّ حدّ تتوقف مزاعم الحقيقة في السرد بل

وحقّالسرد ذاته على علاقة معينة بالسلطة في حدّ ذاتها. وأول سلطة استحضرها المؤلّف هي سلطة راعيه، جيربير؛ فبسلطته كُتبت

التي"...") ثم هناك تلك "السلطات imperii tui , pater santissime G [erbert], auctoritas seminarium dedit] 1: 2 الرواية["(

تمثّلها النصوص الكلاسيكية التي يستند إليها في بناء تاريخ الفرنسيين الباكر (قيصر، وهوروسيوس، وجيروم،... إلخ). وهناك "سلطة" سلفه كمؤرخ لأبرشية رانس، فلودوَرد، وهي سلطة يتنافس معها بصفته ساردًا ويزعم أنّه يُدخل تحسينات على أسلوبها. وهي تحسينات

يُدخلها ريشيه بأن "يضع عبارات أخرى" بدلً من عبارات فلودوَرد و"يعدّل تمامًا أسلوب العرض". وثمة أخيرًا، لا سلطة الأب السماوي

فحسب، ذلك الأب الذي يُستحضَ باعتباره السبب الجوهري لكلّ ما يحدث، بل أيضًا سلطة والد ريشيه نفسه (المشار إليه على طول

المخطوطة ب " m. p] " meus pater]) الذي يبرز موضوعًا رئيسًا لجزء من العمل والشاهد الذي تستند الرواية إلى سلطته في هذا الجزء. تتخلل مشكلة السلطة النصَّ الذي كتبه ريشيه بطريقة لا يمكن أن ننسبها إلى النصّ الذي كتبه حوليّ سان غال. بالنسبة إلى

الحوليّ، ليست هنالك حاجة إلى ادّعاء سلطةِ سرد الحوادث لأنّه ما من شيء إشكالي في شأن وضعها كتجليات لواقع هو محلّ نزاع. ولأنّه ما من "نزاع"، فما من شيء ليُضفى عليه طابع السرد، ولا حاجة بالحوادث إلى أن "تحكي ذاتها" أو تُمثَّل كما لو كانبوسعها أن

"تروي قصتها". ولا ضرورة إلا لتسجيلها بالترتيب الذي لُحِظَت به، لأنه ما دام ليس هنالك نزاع، فما من قصة لتروى. ولأنّه كان ثمة نزاع، كان ثمة شيء ليُضفى عليه طابع السرد بالنسبة إلى ريشيه. لكن عدم حلّ النزاع ليس السبب في أنّ شبه السرد الذي أنتجه ريشيه

لا يصل إلى ختام؛ ذلك أنّ النزاع حُلَّ في الواقع: بفرار جيربير إلى بلاط الملك أوتو وتنصيب البابا غريغوري لأرنولفوس رئيسًا لأساقفة

رانس. ما كان ينقص قرارًا خطابيًا حقًّا، قرارًا بإضفاء طابع السرد، هو المبدأ الأخلاقي الذي كان يمكن لريشيه أن يحكم في ضوئه على

القرار بأنّه عادل أو غير عادل. كان الواقع ذاته قد حكم على القرار بحلّه كما فعل. ومن المؤكّد أنّ هنالك إشارة إلى أنّ نوعًا من العدالة

قد قدّمه لجيربير الملكُ أوتو الذي "بعد أن عرف تفقّه جيربير وعبقريته، نصّبه أسقفًا لرافينا". لكن تلك العدالة تقع في مكان آخر وتنظّمها

سلطة أخرى، ملك آخر. ونهاية الخطاب لا تعود لتلقي بضوئها على الحوادث المسجَّلة أصلً كي تعيد توزيع قوة معنى كان محايثًا لجميع

الحوادث منذ البداية. ما من عدالة، قوةٌ فحسب؛ الأحرى مجرد سلطة تقدّم نفسها على أنّها ضروبٌ أخرى من القوة. أود أن أؤكد أنني لا أقدم هذه الأفكار حول العلاقة بين التأريخ والسرد إلا محاولةً لإلقاء الضوء على التمييز بين عناصر القصة

وعناصر الحبكة في الخطاب التاريخي. وثمة رأي شائع مفاده أنّ حبكةَ سردٍ تفرض معنى على الحوادث التي تشكّل مستوى قصتها، من خلال الكشف في النهاية عن بنية كانت محايثة للحوادث طوال الوقت. وما أحاول إثباته هو طبيعة هذه المحايثة في أيّ رواية​ سردية لحوادث واقعية، ونوع الحوادث التي تُقدَّم بصفتها محتوى فعليًّا للخطاب التاريخي. ولا تتوقف واقعية هذه الحوادث على واقعة أنّها

حدثت، بل تتوقف، قبل كلّ شيء، على أنّه تمَّ تذكرها، وتتوقف، ثانيًا، على أنّها قادرة على إيجاد مكان في سلسلة مرتّبة ترتيبًا زمنيًا. غير أنّه كي تُعتبَ روايةٌ للحوادث روايةً تاريخية، لا يكفي أن تُسجَّل تلك الحوادث بحسب ترتيب حدوثها الأصلي. وواقعة أنّه

يمكنتسجيلها بغير طريقة، بترتيبِ سردٍ، هي ما يجعلها في آنٍ معًا موضع تساؤل في ما يتعلق بموثوقيتها وعرضةً لاعتبارها إشارات إلى

الواقع أو أدلّة عليه. كي يوصف حادث بأنّه "تاريخيّ"، يجب أن يكون حدوثه عرضة لسردين على الأقلّ. وما لم يكن في الإمكان تخيّل

نسختين على الأقلّ من مجموعة الحوادث ذاتها، فما من سبب يدعو المؤرّخ لأن يأخذ على عاتقه سلطة تقديم الرواية الحقيقية لما حدث

بالفعل. سلطة السرد التاريخي هي سلطة الواقع ذاته؛ فالرواية التاريخية تسبغ على هذا الواقع شكلً، وتجعله بذلك مرغوبًا، وتفرض

على سيروراته التماسك الشكلي الذي لا تملكه سوى القصص.

تشير كلمة Authority، من بين ما تشير، إلى "السلطة" و"المرجع". (المترجم)

ينتمي التاريخ، إذًا، إلى الصنف الذي يمكن أن ندعوه "خطاب الواقعيّ"، إزاء "خطاب الخياليّ" أو "خطاب الرغبة". ومن

الواضح أنّ هذه الصيغة هي صيغة لاكانية، لكنني لا أرغب في أن أدفع جوانبها اللاكانية بعيدًا. أود أن أقترح فحسب أنّه تمكننا

الإحاطة بجاذبية الخطاب التاريخي بإدراك المدى الذي يبلغه في جعل الواقعي مرغوبًا، وتحويله إلى موضوع للرغبة، وذلك بفرضه على

حوادث تُمثَّل على أنّها واقعية، التماسك الشكلي الذي تملكه القصص. وبخلاف الحوليات، فإن الواقع الذي يُمثَّل في السرد التاريخي؛

إذ "يحكي ذاته"، إنّما يحكي لنا، ينادينا من بعيد (وهذا "البعيد" هو أرض الأشكال)، ويبدي لنا تماسكًا شكليًا نفتقر إليه نحن أنفسنا.

والسرد التاريخي، بخلاف الأخبار، يكشف لنا عن عالمٍ من المعروف أنّه "منتهٍ"، مفروغ منه، مُنْقَضٍ، لكنه ليس منحلً، ولا متداعيًا.

وفي هذا العالم، يرتدي الواقع قناعَ معنى لا نقوى إلا على تخيّلهفحسب، من دون أن نختبره قط. وبقدر ما يمكن القصص التاريخية

أن تُكمَل، وأن يوضع لها ختام سردي، وأن يُظهَر أنّ لها حبكة على طول الخط، فإنّها تعطي الواقع رائحة المثاليّ. وهذا هو السبب في

أنّ حبكة السرد التاريخي تمثّل نوعًا من الإرباك، ويجب تقديمها على أنّها "موجودة" في الحوادث ولم تضعها هناك تقنيات سردية. لا ينعكس إرباك الحبكة للسرد التاريخي في شيء بقدر انعكاسه في الازدراء العام الذي يبديه المؤرخون المحدثون حيال "فلسفة التاريخ" التي يمثّل هيغل نموذجها الحديث. يُدان هذا الشكل (الرابع) من أشكال التمثيل التاريخي لأنّه لا يعدو كونه حبكة

فحسب؛ لا وجود لعناصر قصته إلا بصفتها تجليات، أو مظاهر ثانوية، لبنية الحبكة التي يُعَدُّ خطابها لخدمتها. وهنا يرتدي الواقع وجه

نوع من الانتظام والترتيب والتماسك فلا يترك مجالً للفاعلية البشرية، مقدّمًا جانبًا لمثل هذا الكلّ وهذا الاكتمال يخيف من التماهي

الخيالي بدلً من أن يدعو إليه. لكن ما تنطوي عليه حبكة فلسفة التاريخ من حبكات مختلفة للتواريخ المختلفة، التي لا تخبرنا إلا عن حوادث إقليمية في الماضي تتكشّف عمّا هي عليه بالفعل: صور لتلك السلطة التي تنادينا للمشاركة في عالم أخلاقي لا جاذبية له على

الإطلاق، لولا شكله القصصي. يقرّبنا هذا من توصيف محتمل للمطالبة بختام في التاريخ، وهو ختام يدفع غيابه عن الشكل الأخباري إلى الحكم على هذا الأخير

بأنّه مختلّ بصفته سردًا. والمطالبة بختام في القصة التاريخية هي، كما أقترح، مطالبة بمعنى أخلاقي، مطالبة بتقويم سلاسل الحوادث

الواقعية بحسب دلالتها بصفتها عناصر في دراما أخلاقية. هل سبق أن كُتِب أيّ سرد ​تاريخي من دون أن يكون مستنيرًا لا بالوعي

الأخلاقي فحسب، بل بسلطة السارد الأخلاقية على وجه التحديد؟ من الصعب التفكير في أيّ عمل تاريخي أُنتج في القرن التاسع عشر،

العصر الكلاسيكي للسرد التاريخي، ولم يُمنح قوة الحكم الأخلاقي على الحوادث التي رواها. لكنّه ليس لنا أن نقطع في هذا الأمر بحكم مسبق قائم على النظر في نصوص تاريخية مؤلّفة في القرن التاسع عشر؛ يمكننا أن

نتصور عمليات الوعي الأخلاقي في تحقيق الامتلاء السردي في مثال من أمثلة التأريخ القروسطي المتأخر، هو أخبار (Cronica) دينو كومباني المكتوب بين عامي 1310 و 1312 ويُعَدّ عمومًا سردًا تاريخيًا بمعنى الكلمة. لا يكتفي عمل دينو بأنّه "يملأ الفجوات" التي

كان يمكن أن تتركها معالجة حوليّة لموضوعه (الصراعات بين الفصيلين الأسود والأبيض في حزب الجويلف المهيمن في فلورنسة بين

عامي 1280 و 1312) وينظّم قصته وفقًا لبنيةِ حبكةٍ ثلاثية واضحة؛ بل يحقق اكتمالً سرديًا بإثارته الصريحة فكرة النظام الاجتماعي

من المفيد هنا، بالطبع، العودة إلى تمييز لاكان بين "نظام الخيالي" و"نظام الرمزي" و"نظام الواقعي" بصفتها مراحل في تطور الذات منذ الطفولة فصاعدًا. (المترجم)

لعلّ الإشارة هنا إلى تمييز هيغل بين ثلاثة أنواع من التاريخ إن صحّ التعبير، هي التاريخ الأصلي، أي الذي تم تدوينه في مرحلة الحدث الزمنية؛ والتاريخ النظري،

وهو التاريخ الذي يدون بعد فترة طويلة من الحدث التاريخي، وغالبًا ما يحمل بين طياته نظرة تأملية أو تفسيرية لما حدث. وقد قسم هيغل هذا النوع من التاريخ إلى أقسام

فرعية أخرى، منها التاريخ النقدي والتاريخ البراغماتي. أما آخر أنواع التاريخ فهو التاريخ الفلسفي، الذي يرى هيغل أن النوعين الأولين يشكلان مادة له. ويقصد به استخدام

بعض القواعد الفلسفية لتفسير حركة التاريخ بصفتها حركة عقلانية تتجه إلى غاية أو نهاية واحدة. (المترجم)

Isidoro Del Lungo (ed.), La cronica di Dino Compagni delle cose occorrenti ne'tempi suoi e La canzone morale Del Pregqo dello stesso autore , 4 th ed. rev. (Florence, 1902); Cf. Barnes, pp. 80 - 81.

لتكون بمنزلة نقطة مرجعية ثابتة يمكن من خلالها إسباغ معنى أخلاقي محدد على دفق الحوادث العابرة. ويُظهر أخبار دينو كومباني،

في هذا الصدد، وعلى نحو واضح، إلى أيّ حدّ يجب أن تقترب الأخبار من شكل الأمثولة، سواء كانت أخلاقية أو تأويلية روحية، لتحقيق

كلّ من السردية والتاريخية على السواء. من الشائق أن نلاحظ أنّه حين يزيح التاريخ الحقّ الشكلَ الأخباري، تختفي بعض خصائص هذا الأخير. بادئ ذي بدء،

لا يُستحضَ أيّ راعٍ صريح: لا يتكشّف سرد دينو تحت سلطة راعٍ بعينه، كما يفعل سرد ريشيه؛ وبدلً من ذلك، يكتفي دينو بالتأكيد

على حقّه في أن يروي الحوادث البارزة (notevoli cose) التي "رآها وسمع بها" على أساس قدرة في الاستبصار متميزة. يقول: "ما من أحد رأى هذه الحوادث في بداياتها [principi] بتيقّن يفوق تيقّني". ولذلك، فإنّ جمهوره المحتمل ليس قارئًا مثاليًا محددًا، كما كان

جيربير بالنسبة إلى ريشيه، بل مجموعة يتصور أن تشاطره وجهة نظره حول الطبيعة الحقيقية لجميع الحوادث: أولئك المواطنون

الفلورنسيون القادرون، كما يقول، على تبيّ "نِعَم الله الذي يتدبّر ويحكم أبد الدهر". وهو يخاطب، في الوقت ذاته، مجموعة أخرى،

هي الأرذال بين مواطني فلورنسة الذين يتحملون مسؤولية "النزاعات" (discordie) التي دمرت المدينة على مدى ثلاثة عقود. فسرد الأول يرمي إلى التمسّك بأمل الخلاص من هذه النزاعات؛ أمّا سرد الآخر فيرمي إلى التحذير والتهديد بالانتقام. وفوضى السنوات العشر

الأخيرة تتناقض مع السنوات "المزدهرة" التي تلتها، بعد أن انقض الإمبراطور هنري السابع على فلورنسة كي يعاقب شعبًا "أفسدت عاداته

الشريرة وأرباحه الزائفة العالم بأسره". وما يدعوه كيرمود "ثقل المعنى" الذي للحوادث المروية "يُقذَف قدُمًا" إلى مستقبل أبعد من

الحاضر القريب، مستقبل محفوف بالأحكام الأخلاقية وعقاب الأشرار. المرثاة التي يُختتم بها عمل دينو تَسِمُه بأنّه ينتمي إلى مرحلة سبقها، كما يخبرنا الشرّاح، قيامُ "موضوعيةٍ" تاريخية حقيقية، يمكن

القول إنّها أيديولوجية علمانية. لكنّه من الصعب أن نرى كيف يمكن تحقيق هذا النوع من الامتلاء السردي الذي يشيد به دينو من

دون الاستحضار الضمني للمعيار الأخلاقي الذي يستخدمه للتمييز بين تلك الحوادث الواقعية التي تستحق التسجيل وتلك التي لا تستحقها. والحوادث التي تُسجَّل في السرد بالفعل تظهر "واقعيةً" بقدر ما تنتمي إلى نظام للوجود الأخلاقي، تمامًا كما تستمد معناها

من وضعها في هذا النظام. ولأنّ الحوادث الموصوفة تفضي إلى قيام نظام اجتماعي أو تخفق في فعل ذلك، فإنّها تجد مكانًا في السرد

يشهد على واقعيتها. ووحده التناقض بين حكم الله وفوضى الوضع الاجتماعي الحالي في فلورنسة يمكن أن يبرر النبرة القيامية والوظيفة السردية للفقرة الأخيرة، بما فيها من صورة للإمبراطور الذي سيأتي ليعاقب أولئك "الذين جلبوا الشرّ إلى العالم بعوائدهم السيّئة".

ووحدها سلطة أخلاقية يمكن أن تبرر انعطافة السرد التي تتيح له الوصول إلى نهاية. ويطابق دينو صراحةً نهاية سرده ب "انعطافة" في النظام الأخلاقي للعالم: "يبدأ العالم الآن بالانقلاب مرة أخرى [addosso rivolgere a mondo il ricomincia si vi Ora]...: الإمبراطور قادم ليسلبك وينهبك، برًّا وبحرًا". هذه النهاية الأخلاقوية هي التي تحول دون تلبية أخبار دينو معايير رواية تاريخية "موضوعية" حديثة. لكنَّ هذه الأخلاقوية هي

وحدها التي تسمح للعمل أن ينتهي، أو الأحرى، أن يُختتَمعلى نحو يختلف عن النحو الذي تُختتَم به الأشكال الحوليّة والأخبارية.

ولكن ما الأسس الأخرى التي يمكنأن يُختتَم عليها سرد حوادث واقعية؟ وحين يتعلق الأمر برواية حشد من الحوادث الواقعية، أيّ

"نهاية" يمكن أن تكون لسلسلة معينة من مثل هذه الحوادث إن لم تكن نهاية "أخلاقية"؟ ما الذي يمكن أن يتكوّن منه ختام سردي

30 Ibid., p. 5.

31 ينظر:

Frank Kermode, The Sense of an Ending: Studies in the Theory of Fiction (Oxford: Oxford University Press, 1967), chap. 1. 32 Del Lungo, pp. 209 - 210.

سوى الانتقالمن نظام أخلاقي إلى آخر؟ أعترف أنني لا أستطيع التفكير في أي طريقة أخرى ل "اختتام" رواية حوادث واقعية؛ لأننا لا نستطيع أن نقول، بالتأكيد، إنّ أيّ سلسلة من الحوادث الواقعية تصل إلى نهاية بالفعل، وإنّ الواقع ذاته يختفي، وإنّ حوادث نظام

الواقعيّكفّت عن الحدوث. مثل هذه الحوادث لا يمكن أن يبدو أنها كفّت عن الحدوث إلا حين ينزاح المعنى، وينزاح بوسائل سردية،

من فضاء مادي أو اجتماعي إلى آخر. فإذا ما افتُقِرَ إلى الحساسية الأخلاقية، كما يبدو عليه الحال في روايةٍ حوليّةٍ للواقع، أو حضرت

إمكانًا فحسب، كما يبدو عليه الحال في أخبار، فإنّه يُفتقَر لا إلى المعنى فحسب، بل أيضًا إلى وسائل تتبع مثل هذه الانزياحات في المعنى،

أي إلى السرديّة. وحيث تكون السردية حاضرة، في أي رواية للواقع، يمكن أن نكون على ثقة بوجود أخلاق أو دافع أخلاقي أيضًا. وما

من طريقة أخرى يمكن أن نسبغ بها على الواقع نوع المعنى الذي يتبدى في استهلاكه ويتمالك نفسه على السواء بانتقاله إلى قصة أخرى "تنتظر أن تُحكى" أبعد من حدود "النهاية". ما كنت أعمل عليه هو مسألة القيمة المنسوبة إلى السردية ذاتها، ولا سيما في تمثيلات الواقع من النوع الذي يجسّده الخطاب

التاريخي. وقد يُحسَب أنني أدعم أطروحتي (التي مفادها أنّ إضفاء الطابع السردي على الخطاب يخدم غرض إضفاء الطابع الأخلاقي

على الأحكام) باستخدام مواد من القرون الوسطى على وجه الحصر. لعلّ أفعل ذلك؛ لكن الجماعة التأريخية الحديثة هي التي ميّزت

بين أشكال خطاب الحوليات والأخبار والتاريخ على أساس تحقيقها الامتلاء السردي أو الفشل في تحقيقه. ولا يزال على هذه المؤسسة العلمية ذاتها أن تفسّ حقيقة أنّ سردية الخطاب التاريخي هي ما احتُفي به بصفته إحدى علامات نضج التأريخ من حيث هو علم

- علم من نوع خاص لكنه علم - عندما تحول التأريخ، بروايته، إلى ما يُدعى فرعًا علميًا موضوعيًا. إنّ المؤرخين هم الذين حولوا السردية

من طريقة في الكلام إلى نموذج للشكل الذي يبديه الواقع ذاته لوعيٍ "واقعي". وهم الذين جعلوا من السردية قيمة، يشير وجودها في خطاب له علاقة بالحوادث الواقعية إلى موضوعية هذا الخطاب وجديته وواقعيته في آن معًا. حاولتُ أن أشير إلى أنّ هذه القيمة المنسوبة إلى السردية في تمثيل الحوادث الواقعية تنشأ عن رغبة في حوادث واقعية تبدي

التماسك والتمام والامتلاء والاكتمال الذي تبديه صورة للحياة خيالية ولا يمكن إلا أن تكون خيالية. والفكرة التي مفادها أنّ سلاسل

من الحوادث الواقعية تمتلك السمات الشكلية التي للقصص التي نرويها عن حوادث خيالية لا يمكن أن يكون أصلها إلا في الأمنيات وأحلام اليقظة والتهويمات. فهل يقدّم العالم نفسَه للإدراك حقًّا في شكل قصص حسنة الصنع، ذات مواضيع مركزية، وبدايات وأواسط

ونهايات حقّة، وتماسك يسمح لنا برؤية "النهاية" في كلّ بداية؟ أم أنّه يقدم نفسه، أكثر ما يقدّم، في الأشكال التي تقترحها الحوليات

والأخبار، إمّا بصفته مجرد سلسلة من دون بداية أو نهاية أو بصفته سلاسل من البدايات تنقطع فحسب ولا تُختتَم أبدًا؟ وهل يأتينا

العالم حقًّا، بما فيه العالم الاجتماعي، وقد أضفي عليه الطابع السردي بالفعل، وراح "يحكي ذاته" أبعد من أفق قدرتنا على فهمه علميًا؟

أم أنّ تخييل عالم كهذا، عالم قادر على التحدث عن نفسه وعلى إظهار نفسه شكلً لقصة، يبقى ضروريًا لإقامة تلك السلطة الأخلاقية

التي لا يمكن من دونها تصور فكرة واقع اجتماعي نوعي؟ لو كانت المسألة مقتصرة على الواقعية في التمثيل، لأمكن الدفاع بقوة عن

كلّ من شكلَ الحوليات والأخبار بصفتهما نموذجين للطرائق التي يقدّم بها الواقع نفسَه للإدراك. أيمكن لافتقارهما المفترض إلى

الموضوعية، كما يتجلى في إخفاقهما في إضفاء الطابع السردي على ​الواقع بما يكفي، ألّ يكون مرتبطًا بأساليب الإدراك التي يفترضانها

بل بإخفاقهما في تمثيل الأخلاقيتحت سطوة الجماليّ؟ وهل يمكن أن نجيب عن هذا السؤال من دون أن نقدم رواية سردية لتاريخ الموضوعية ذاته، رواية من شأنها أن تجحف بحقّ نتيجة القصة التي نرويها لمصلحة الأخلاقيعمومًا؟ هل يمكن أن نضفي الطابع

السردي من دون أن نضفي الطابع الأخلاقي؟

المراجع

References

• Barnes, Harry Elmer. A History of Historical Writing. New York: Dover Publications, 1962. • Barthes, Roland. "Introduction to the Structural Analysis of Narratives." Image, Music, Text. Stephen Heath (trans.). New York: Hill and Wang, 1977. • Benveniste, Emile. Problems in General Linguistics. Mary Elizabeth Meek (trans.). Coral Gables FL: University of Miami Press, 1971. • Braudel, Fernand. The Mediterranean and the Mediterranean World in the Age of Philip II. Siain Reynolds (trans.). New York: Collins, 1972. • Burckhardt, Jakob Christoph. The Civilization of the Renaissance in Italy. S.G.C. Middlemore (trans.). London: Phaidon, 1878 ‎. • Canary, Robert H. & ‎Henry Kozicki (eds.). The Writing of History: Literary Form and Historical ‎Understanding. Madison: University of Wisconsin Press, 1978. • Culler, Jonathan. Structuralist Poetics: Structuralism, Linguistics, and the Study of Literature. Ithaca, New York: Cornell University Press, 1975 ‎. • De Reims, Richer. Histoire de France: 888- 995. Robert Latouche (ed.). Paris: Les Belles Lettres, 1930-1937. • Del Lungo, Isidoro (ed.). La cronica di Dino Compagni delle cose occorrenti ne'tempi suoi e La canzone morale Del Pregqo dello stesso autore. 4 th. ed. rev. Florence, 1902. • De Tocqueville, Alexis. Democracy in America. Henry Reeve (trans.). London: Saunders & Otley,‎ 1838. • Foucault, Michel et al. Théorie d'ensemble. Tel Quel. Paris: Seuil, 1968. • Gay, Peter. Style in History. New York: Basic Books, 1974. • Genette, Gerard. "Boundaries of Narrative." New Literary History. vol. 8 , no. 1 (Autumn 1976). • Hegel, G.W.F. The Philosophy of History. J. Sibree (trans.). New York: Dover Publications, 1956. • Huizinga, Johan. The Waning of the Middle Ages: A Study of the Forms of Life, Thought, and Art in France and the Netherlands in the Dawn of the Renaissance. F. Hopman (trans.). London: Edward Arnold and Company,   1924. • Jakobson, Roman & Morris Halle. Fundamentals of Language. The Hague: Mouton, 1971. • Kellner, Hans. "Disorderly Conduct: Braudel's Mediterranean Satire." History and Theory. vol. 18 , no. 2 (May   1979). • Kermode, Frank. The Sense of an Ending: Studies in the Theory of Fiction. Oxford: Oxford University Press,   1967. • Pertz, George Heinrich. Monumenta Germaniae Historica , series Scriptores. Hanover: MGH, 1826. • Pettit, Philip. The Concept of Structuralism: A Critical Analysis. Berkeley/ Los Angeles: University of California Press, 1975. • Scholes, Robert et al. The Nature of Narrative. Oxford: Oxford University Press, 1976. • ________. Structuralism in Literature: An Introduction. New Haven & London: Yale University Press, 1974.

• White, Hayden. Metahistory: The Historical Imagination in Nineteenth Century Europe. Baltimore: Johns

• Todorov, Tzvetan. Poétique de la Prose. Paris: Seuil, 1971.

Hopkins University Press, 1973. • Zumthor, Paul. Langue, Texte, Enigme. Paris: Seuil, 1975.