العودة إلى تفاصيل المؤلَّف التجاهل المتبادل بن المصادر العثمانية والنصوص المغربية

التجاهل المتبادل بن المصادر العثمانية والنصوص المغربية

Mutual Ignorance of Ottoman and Moroccan Sources

عبد الرحيم بنحادة

Abderrahim Benhadda

الملخّص

نهتم في هذه الدراسة بمقاربة إشكالية الأصول المصدرية بالنسبة إلى مؤرخي الزمن الراهن L'histoire immédiate في البلدان العربية، متّخذين من حالتَي تونس وليبيا نموذجين لتوضيح بعض عناصر هذه الإشكالية. وسنُعنى على وجه التحديد بأهم الصعوبات التي تحول دون المتخصص في تاريخ الزمن الراهن والإفادة من هذه المصادر التي طرحت عليه تحديات لا قبل له وللمؤرخين العرب بها في ما مضى. تفيد الإشارة منذ البداية إلى أن المقاربة المنهجية لمصادر تاريخ الزمن الراهن لا تختلف كثيرًا عن مقاربات متخصصي الفترات التاريخية الأخرى، من حيث إخضاع المادة المصدرية، من موارد وأصول وما إليها، إلى قواعد التحقيق والتدقيق المتعارف عليها في البحث التاريخي نفسها. بيد أن خصيصة هذه المصادر تكمن في طبيعتها من ناحية، وحجمها الكبير مقارنةً بمصادر الحقب التاريخية السابقة للزمن الراهن من ناحية أخرى؛ ذلك أن المادة التوثيقية لهذا العنوان الإستوريوغرافي ليست قائمة كلها على المكتوب، بل إن هناك حضورًا متعاظمًا للسمعي والمرئي، أو للصوت والصورة فيها. وبهذا تكون الوثيقة التاريخية قد اتّخذت بُعدًا آخر مهمًا، وهو ما يُحتّم على المؤرخ التدرب والتمرس بطرائق معالجة واستغلال، ومهارات مخصوصة بهذا المصدر الجديد نسبيًا، ويطرح هذا كله على الباحث، في الآن نفسه، تحدياتٍ أخرى جديدة ومغايرة في كتابة التاريخ، كتابة تكون جديرة بالصفة العلمية المنشودة. لا مندوحة عن القول إن مثل هذه الرهانات تواجه الباحثين في تاريخ الزمن الراهن في العالم قاطبة، وإن بدرجات ومستويات مختلفة (بل مختلفة جدًا أحيانًا)، لكن المؤرخ العربي عرضة – ربما أكثر من غيره – لطائفة من العراقيل والإكراهات وحتى المثبطات (اختزلناها هنا في كلمة معضلة) سنسعى للتوقف عند بعض جوانبها. قام عملنا في هذه الدراسة على ثلاثة عناصر كبرى: اهتممنا في العنصر الأول بمشكلة نفاذ المؤرخ إلى المصادر الأرشيفية "الطازجة"، وعرضنا في العنصر الثاني لإشكالية التعامل مع المصادر الأرشيفية الشفوية وشهادات الفاعلين والشهود. وكان مدار الحديث في العنصر الثالث حول المصدر السمعي البصري. وقبل هذا كله، ارتأينا أن نقدم للدراسة بما يشبه المهاد النظري، كثّفنا فيه القول في شأن المصادر وأسئلة المؤرخ لما لاستفهاماته من دور في خلق المصدر.

Abstract

Summary of Ostour Seminar: Arab Historians and their Sources, Part 2 Mutual Ignorance of Ottoman and Moroccan Sources

التجاهل المتبادل ب

المصادر العثمنية والنصوص المغربية

في دراسة سابقة عن الدخول العثماني إلى فاس سنتَي 1554 و 1576، سعينا إلى إبراز التكامل والاختلاف بين الوثائق الإسبانية

والعثمانية، وبيّنا أن هذه الوثائق لم تكن دائمًا على طرفَ نقيض، وأنها تسمح لقارئها بإعادة بناء الحملتين اللتين قادهما الأتراك إلى

فاس. وانتهينا في هذا البحث إلى أن إنتاج الوثيقة يعكس مواقف الطرفين المتباينة من الأحداث التي عرفها المغرب في القرن السادس عشر، وهي مواقف كرست المصالح المختلفة لإسبانيا والدولة العثمانية. وبالرغم من أن البحث السابق كان مخصصًا للنظر في الوثائق

الإسبانية المحفوظة في الأرشيف الإسباني والوثائق العثمانية المحفوظة في الأرشيف العثماني، فإنّ ذلك لم يكن يعفينا من العودة إلى الكتابة التاريخية العثمانية والمغربية التي أرخت لهذا الحدث. وهنا وقفنا على صمت مطبق للنصوص العثمانية عن الحدثين، وهو الأمر الذي دعانا إلى التوسع في الموضوع والبحث في استوغرافيات المغرب والدولة العثمانية. تهدف هذه الدراسة إلى إبراز مكانة العثمانيين في المصادر المغربية من جهة، ومكانة المغرب في المصادر العثمانية من جهة ثانية، وذلك خلال الفترة الممتدة ما بين القرن الرابع عشر وبداية القرن العشرين؛ أي خلال المدة الزمنية التي حكمتها الدولة العثمانية. فكيف عالج المؤرخون المغاربة تاريخ الدولة العثمانية باعتبارها دولة عالمية؟ وما هو الصدى الذي كان لأحداث كبرى في المصادر المغربية؟ وهل استرعى المجال المغربي المستقل انتباه المؤرخين العثمانيين؟ وما هي سياقات الاهتمام المتبادل؟ سنعالج ذلك من خلال لحظتين؛ الأولى تتعلق بالمكانة التي حظي بها الأتراك والعثمانيون في النصوص المغربية، والثانية تخص حضور المغرب في المصادر العثمانية.

اللحظة الأولى: العثمنيون يف المصادر المغربية

سنتعرض لهذه اللحظة من خلال نموذجين ينتمي أحدهما إلى القرن الرابع عشر، وينتمي الثاني إلى القرن الثامن عشر، مرورًا

بطريقة تعامل المؤرخين المغاربة في القرنين السادس عشر والسابع عشر مع أحداث تعتبر ذات أهمية بالغة في تاريخ الدولة العثمانية والعالم المتوسطي. في العصور الوسطى انغمس المؤرخون المغاربة في التاريخ المحلي، وانشغلوا بالتاريخ لسلاطينهم ومدنهم، وغاب تاريخ الآخر في كتاباتهم. ويشكل العلامة عبد الرحمن بن خلدون خروجًا عن القاعدة، حيث سعى إلى كتابة تاريخ شامل يهدف إلى الإلمام بتاريخ

للبشرية. ونعتقد أن هذه التجربة تعتبر أول محاولة في تلك الفترة للاهتمام بالتاريخ العالمي. لقد خصص ابن خلدون كتابه العبر لتاريخ

أستاذ بمعهد الدوحة للدراسات العليا.

Professor of history at the Doha Institute for Graduate Studies.

عبد الرحيم بنحادة، "الدخول التركي إلى مدينة فاس بين الوثائق الإسبانية والوثائق العثمانية: قراءة في الاختلاف والتكامل"، في: عبد الرحيم بنحادة، بحوث

ودراسات في التاريخ العثماني (الرباط: منشورات أبي رقراق، 2018)، ص 133 - 158.

العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر. ويدخل تاريخ الترك والفرس في إطار سعيه إلى الإحاطة بتاريخ المعاصرين للعرب والفاعلين في تاريخهم. لقد أولى ابن خلدون اهتمامًا خاصًا بالأتراك؛ ليس فقط من خلال الفصل المخصص لهم في كتابه العبر، ولكن أيضًا من خلال

كتابه التعريف الذي يتضمن إشارات توضيحية عن تاريخهم. وتعتبر المعلومات التي يقدمها ابن خلدون عن الأتراك أكثر أهمية

من تلك التي يخصصها للأمم الأخرى؛ كالفرس مثلًالذين لم يتمكن من الإحاطة بكل الدول التي حكمتهم. وإذا كانت المعلومات التي قدمها عن الفرس موغلة في القدم (تتعلق بالدولة الساسانية في الغالب الأعم)، وتخص الجوانب الثقافية (يقتصر ابن خلدون على الديانات التي كانت سائدة في بلاد فارس)، فإن ما يقدمه عن الأتراك يتميز بالراهنية، ولعل السبب في ذلك يعود إلى الأدوار التي أضحى يؤديها الأتراك في تاريخ المشرق العربي زمن ابن خلدون. كما أنه يرتبط بكون ابن خلدون وجد ضالته المنشودة في التركيبة الاجتماعية للأتراك للبرهنة على نظرية العصبية التي شرحها في المقدمة. لقد وجد ابن خلدون، بحسب علي أومليل، تماثلً كبيرًا بين البدو العرب

في المغرب والبدو الأتراك. عندما نقرأ الجزء الخامس من كتاب العبر وكتاب التعريفيمكن أن نسجل الملاحظات التالية: أرّخ ابن خلدون للترك كأمة ولم يتمكن من التمييز بين المكونات التركية، فقد اعتبر المماليك أتراكًا والمغول أتراكًا. وعدم التمييز بين

هذه المكونات نابع من رؤيته للأتراك في التاريخ. كان ابن خلدون معجبًا بإنجازات الدولة المملوكية، وخاصة السلطان برقوق الذي عاش في كنفه عندما حل بمصر. فقد أشاد المؤرخ

بالنشاط العمراني الذي عرفته القاهرة مثلً زمن السلطان برقوق. يركز ابن خلدون على علاقته بتيمورلنك الذي قابله أثناء حصاره لدمشق بعد تدميره لحلب. وقدم له نبذة من تاريخ ومدن المغرب، وتوسل إليه بعدم تدمير مدينة دمشق، التي كلفه أهلها بالتواصل مع تيمورلنك، وثنيه عن خرابها والتنكيل بأهلها. لكن أهم ما يستوقف القارئ هو عدم الحديث عن الدولة العثمانية في العبر إلا لمامًا، ذلك أنّ المؤرّخ لم يخصص لها سوى أقل

من ثلاث صفحات تحت عنوان "الخبر عن الدولة المستجدة للتركمان في شمال بلاد الروم إلى خليج القسطنطينية وما وراءه لبني عثمان وإخوته"، على الرغم من أنه كان قد مر على ظهورها ونشأتها، أثناء وجود ابن خلدون في مصر، ما ينيف على قرن من الزمان، وكانت الدولة العثمانية قد حققت العديد من المكتسبات الترابية التي أثرت في الخريطة العالمية آنذاك. كان العثمانيون قد وصلوا إلى بورصة (1326 م)، وبلغوا مضيق الدردنيل عام 1340 م، وأدرنة عام 1365 م وصوفيا عام 1385 م، وكوسوفو عام 1389 م، وكان بايزيد الأول قد شرع في التحضير للحصار الأول للقسطنطينية عام 1395 م، كما أصبح العثمانيون خلال هذه المرحلة معطى أساسيًا في المعادلة الدولية،

وفي التوازن بين مختلف القوات السياسية في أوروبا. في هذه الصفحات يهتم ابن خلدون بأربع قضايا تهم تاريخ الدولة العثمانية:

التعريف بابن خلدون ورحلته غربًا وشرقًا (بيروت: دار الكتاب اللبناني للطباعة والنشر، 1979)، ص 406.

علي أومليل، الخطاب التاريخي: دراسة لمنهجية ابن خلدون، ط 3 (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، 1985)، ص 211. لا نريد أن ندخل في هذا الباب في المساجلات العقيمة مع بعض من يذهبون إلى أن ابن خلدون تآمر على المماليك عند لقائه بتيمورلنك. ونكتفي بما تركه من شهادات

حول مصر المملوكية التي تبين موقفه الإيجابي من النهضة التي عرفتها زمن السلطان برقوق. عبد الرحمن بن خلدون، تاريخ ابن خلدون: المسمّى كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر،

ج 5 (بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 2000)، ص 634. عبد الرحيم بنحادة، العثمانيون: المؤسسات والاقتصاد والثقافة (الدار البيضاء: دار سبو، 2008)، ص 29 - 36.

تتعلق القضية الأولى بالمجال الذي استوطنه الأتراك العثمانيون، والذي يربط استيطان الأتراك لبلاد الروم بفترة موغلة في القدم. وفي إطاره، يدرج العلاقات التي نسجها الأتراك المستقرون ببلاد الروم مع هولاكو واستفادتهم من دعم التتار المغول في إحكام القبضة على هذا المجال. أما القضية الثانية، فهي تتعلق بالتركيز على الطابع الجهادي للدولة العثمانية؛ ففي فقرة واحدة، يختزل ابن خلدون تاريخ أربعة من أمراء الدولة العثمانية؛ وهم عثمان (1299 - 1324 م) وأورخان (1324 - 1362 م) ومراد الأول (1362 - 1389 م) وبايزيد (1389 - 1402 م) الذي يذكره باسم "أبو يزيد"، ويشير إلى "توغلهم في بلاد النصرانية وراء الخليج وافتتاح بلادهم إلى قريب من خليج البنادقة وجبال جنوة [...] ولم يزل على جهاد أمم النصرانية". أما القضية الثالثة، فهي تتمثل في تركيز ابن خلدون على العلاقات التي جمعت بين آل عثمان وإمارة قرمان. وقد رأى في الصراع الذي دار بين الإمارتين ما يؤكد نظرياته في المقدمة: "وما أدري الله صانع بعد ظهور هذا الملك". أما القضية الرابعة، فهي ترتبط بتعامل ابن خلدون مع أحداث البدايات الأولى للدولة العثمانية، وهو تعامل يتميز بكثير من الاختزال، حيث ينهي كلامه عنها بما يلي: "وملك ابن عثمان لهذا العهد مستفحل بتلك الناحية الشمالية ومتسع في أقطارها ومرهوب عند أمم النصرانية هنالك ودولته مستجدة عزيزة على تلك الأمم والأحياء والله غالب على أمره". قد يكون تعامل ابن خلدون مع هذه الأحداث، بالرغم من أهميتها، نابعًا من الصدى الذي كان لها في العالم العربي الإسلامي،

ومن غياب التأريخ لها في الفترة التي عاش فيها ابن خلدون أيضًا. لقد سبق أن أكدنا على أن تاريخ البدايات الأولى للدولة العثمانية يكتنفه الكثير من الغموض على غرار باقي الدول؛ فقد كان التأريخ للبدايات الأولى زمن أوج الدولة العثمانية، فتلونت الكتابة التاريخية بلون الازدهار وجرى ابتداع العديد من الأحداث التي تسير في اتجاه الأسطرة، والتي لا تصمد كثيرًا عند مقارعتها بما أوردته

النصوص الأوربية، وخاصة البيزنطية منها؛ ومن ثم، لم يسعفنا ابن خلدون في الوقوف عند التطورات التي عرفتها الدولة العثمانية في بداياتها. بعد ابن خلدون، عاد المؤرخون المغاربة إلى الاقتصار على التاريخ المحلي واستعراض الأحداث التي تهتم بالمجال المغربي، ومن ثمة لم يسترعِ انتباه المؤرخين المغاربة الفتح العثماني للقسطنطينية، بالرغم من الصدى الذي خلفه الحدث عند نظرائهم الأوربيين. كما لم تسترعِ انتباه هؤلاء المؤرخين الفتوحات العثمانية في مصر عام 1517، بالرغم من التداعيات الكبيرة التي كانت لهذا الحدث على مستوى العالم الإسلامي، وتحوّل الدولة العثمانية إلى راعية للمسلمين. يدخل الحديث عن مصر في إطار ما يسميه المؤرخون "اللطيفة" أو

"النكتة". ويميز عبد الله العروي في كتابه مفهوم التاريخ بين "الحدث العظيم والحدث الطريف "، واللطيفة تدخل ضمن الحدث الطريف، وهي تعني في كثير من الأحيان الخبر الثقافي. يأتي ذكر هذه اللطيفة في سياق الخبر عن بداية الدولة السعدية وسياق "اتصال

السعديين بالملك". انطلاقًا من الآية القرآنية ﴿ولقَدْ كتَبْنَا فِ الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذّكْرِ أنَّ الرْضَ يرَثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: 105).

ابن خلدون، ج 5، ص 634. المرجع نفسه، ص 635. 10 المرجع نفسه. 11 بنحادة، العثمانيون.

جرى إيراد حدث القسطنطينية في سياقات مختلفة، ولم يفرد له المؤرخون المغاربة بابًا أو فقرة خاصة، ولعل أبرز مثال دالّ على ذلك ما يورده محمد بن الطيب

القادري بشأنه. عبد الله العروي، مفهوم التاريخ: 1 - الألفاظ والمذاهب، 2 - المفاهيم والأصول، ط 4 (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2005)، ص 69.

هذه الآية التي ترددت كثيرًا في هذه المرحلة هي التي دفعته إلى البحث فيها، فوجدها ترد عند أبي سالم العياشي في رحلته ماء الموائد

بمناسبة حديثه عن الفتح العثماني لمصر. إن حدث الدخول إلى مصر لم يكن بالحدث العظيم، بل كان مجرد حدث طريف، غير أنه مكّن الأفراني صاحب النزهة من تمرير العديد من المواقف الرسمية من الدولة العثمانية، فالدخول العثماني إلى مصر لم يكن أمرًا متوافقًا عليه من قبل كل علماء الدولة

العثمانية، وهو ما اضطر السلطان العثماني إلى استعمال الحيلة لتسويغ الحملة العثمانية على مصر. كل هذه الأمور التي يوردها تدخل في باب "اللطيفة"، وعبارة عن هامش ما كان يمكن إثارته لولا الآية التي جرى تداولها في النصوص المغربية، والتي همّت تاريخ

بداية السعديين. وبالقدر الذي غاب فيه الدخول العثماني إلى مصر، لم يكن لإعلان الأخوين خير الدين وعرّوج بربروس تبعية الجزائر للدولة

العثمانية في عام 1517 الصدى المتوقع في النصوص التاريخية المغربية؛ على اعتبار التأثيرات المباشرة التي كانت له بحكم القرب الجغرافي. لقد جاء الحديث عن الدخول العثماني للجزائر بموازاة السردية المتعلقة بمبايعة محمد المهدي القائم بأمر الله بالسوس، يقول الإفراني: "وفي هذه العام استولى الترك على الجزائر وتلمسان، وتملكوا مدائن المغرب الأوسط، ولم يكن لهم قبل ذلك في الغرب تملك ولا صولة". ولا يربط الإفراني الدخول التركي إلى الجزائر بخير الدين كما جرت عادة المصادر العثمانية والأوربية، بل ربطه بشخصية صوفية هي شخصية أحمد بن القاضي الزواوي الذي "كانت له همة شديدة في غزو الكفار [...] فكاتب الترك وعرفهم غرة هذه البلاد، لما يسمع من شدة الأتراك في المعارك ونجدتهم في الحروب وإرهابهم للكفرة". وكان "يحض الناس على اتباعهم والانخراط في سلكهم والسمع والطاعة لأميرهم عروج التركماني الذي هو الباي فيهم، فدخل الترك الجزائر وتلمسان". وبالرغم من إشادة الإفراني بالدور الجهادي للأتراك، فإنه يعود إلى المنطق نفسه الذي أورد به الدخول التركي إلى مصر، وهو منطق الإدانة لأدوارهم، فقد "مكروا بالشيخ وغدروا به خوفًا على رياستهم، فقتل رحمه الله شهيدًا، ولما أخذ الترك الجزائر وتلمسان أكثروا فيها الفساد، ونهب عروج أموال أهلها وأدار عليهم دائرة البوار والسوء ومزقهم كل ممزق". وفي النصف الثاني من القرن السادس عشر كان الحضور العثماني في النصوص المغربية باهتًا، وارتبط بشكل كبير بالعلاقات التي

ربطت الدولة السعدية بالأتراك العثمانيين ولا تخوض في تاريخ العثمانيين بعيدًا عن تلمسان. ولم يكن ذكر هذه المصادر للمعارك الكبرى التي خاضها العثمانيون في البحر الأبيض المتوسط إلا عندما كان مرتبطًا بالمغرب، فحملة حلق الوادي، أو معركة تونس (1574)، لم يكن لها هذا الصدى في المصادر المغربية إلا لأنها ارتبطت بحادثة قرار الدولة العثمانية المتعلقة بدعم الأمير عبد الملك اللاجئ في الأراضي العثمانية. لم يكن همّ المؤرخين المغاربة تتبع الأحداث التي أدت إلى المعركة ورسم

أبو سالم العياشي، الرحلة العياشية (ماء الموائد)، ج 1 (أبو ظبي: دار السويدي للنشر والتوزيع، 2006)، ص 250. محمد الصغير الإفراني، نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي، تحقيق عبد اللطيف الشاذلي، منشورات جامعة المولى إسماعيل بمكناس (الدار البيضاء: مطبعة

النجاح الجديدة، 1998.) بحسب الإفراني، نصح علماء الدولة العثمانية السلطانَ بتوجيه رسالة إلى السلطان الغوري من أجل السماح له بالمرور عبر الأراضي المصرية لأداء فريضة الحج، وبيّ

هؤلاء العلماء أن رفض الغوري يجيز للدولة العثمانية توجيه الحملة على مصر، على اعتبار أن السلطان الغوري أصبح من "المحاربين"، ومن ثم "جاز قتاله شرعًا"، ينظر:

المرجع نفسه، ص 46. 17 المرجع نفسه، ص 51. 18 المرجع نفسه، ص 52. 19 المرجع نفسه. 20 المرجع نفسه.

سياقاتها ورواية ما دار فيها بين الإسبان والعثمانيين، بل إنهم لم يذكروا حتى من قادها، وكان همّهم بالأساس تفصيل يغيب عن

كل المصادر التي أرخت للمواجهة الإسبانية العثمانية في حلق الوادي، عثمانيةً كانت أم إسبانيةً، ويتعلق هذا التفصيل بالدور الذي أداه عبد الملك وأمه سحابة الرحمانية، فهذا المؤرخ المجهول صاحب الدولة السعدية التكمدارتية، الذي يستند إلى رواية من شارك في الأحداث من أهل فاس، يورد أن عبد الملك الذي شارك في معركة حلق الوادي بفرقاطة وعليها اثنان وثلاثون جدافًا، أسرع بإخبار السلطان مراد بواسطة والدته التي كانت في إستانبول ببشارة حلق الوادي، وأنها تمكنت من إقناع السلطان بتجهيز حملة لمساعدة ابنها لتولي السلطة بالمغرب. كان ينبغي انتظار النصف الثاني من القرن الثامن عشر لنقف عند نص مفصل عن تاريخ الدولة العثمانية، وهو نص كتبه السفير المغربي إلى الأستانة أبو القاسم الزياني. يلتقي هذا النص مع نص العبر فيما يلي: أولً: أنه يندرج ضمن كتابة تاريخ عام للعالم الإسلامي. ثانيًا: أنه كتب من قبل عارف بالدولة العثمانية وبالمشرق العربي عمومًا، وتتبع سيرة الزياني يمكّننا من فهم ما قدمه من نصوص

تاريخية مهمة (زيارة مصر ومحاولة الاستقرار بها، وعودته إلى المغرب ودخوله في خدمة السلطان قبل أن يُعيّ سفيرًا إلى إستانبول عام

1786، وعودته إلى مصر والاستقرار بها، وعودته إلى القسطنطينية عام 1793 والتوجه منها إلى الحج عبر أنطاكية). وقد كتب الزياني التاريخ العثماني من خلال ثلاث محطات: المحطة الأولى: عندما عرض لتاريخ الشرفاء السعديين في الباب الثالث والعشرين من الترجمان. ولأنه لم يكن سوى ناقل عن المؤرخين الذين سبقوه من أمثال الإفراني والمؤرخ المجهول، فإنه أعاد التأكيد على تاريخ العلاقات السعدية العثمانية من خلال تلك المحطات المعروفة؛ كاغتيال محمد الشيخ السعدي من قبل الأتراك، ونقل رأسه إلى إستانبول، وحملة رمضان باشا على فاس زمن السلطان مراد الثالث. المحطة الثانية: عندما كان بصدد وصف مدينة القسطنطينية التي سجل فيها انطباعاته عن المدينة. المحطة الثالثة: عندما خصص قسمًا كاملً من كتابه للدولة العثمانية. ويمكن أن نسجل ما يلي من الملاحظات بشأن هذا القسم: الملاحظة الأولى: تتعلق بالتموقف منذ البداية من الدولة العثمانية، فقد كان لمؤرخنا موقف إيجابي من الدولة العثمانية، وبدا ذلك في افتتاحه الباب المتعلق بها بالدعاء لها، ولعل هذا الموقف أملته العلاقات التي ربطته بالإدارة العثمانية التي كانت عبّت عن رضاها عنه بوصفه سفيرًا في رسالة موجهة إلى السلطان سيدي محمد بن عبد الله. الملاحظة الثانية: الأهمية التي يعطيها لمصر. وهذه الأهمية التي يعطيها المؤرخ لمصر، يمكن النظر إليها من وجهين؛ أما الوجه الأول فيتعلق بالمكانة التي كانت تحتلها مصر لدى العثمانيين في مختلف الفترات التاريخية، وهي أهمية تجارية واستراتيجية بالأساس. وأما الوجه الثاني فهو شخصي يرتبط بتجربة الزياني؛ فقد أقام في مصر، ولعل مكوثه بها مرات متعددة وفترات طويلة هو ما دفع به إلى الاهتمام بها وتدوين جزء من تاريخها في علاقتها بالدولة العثمانية.

يورد المؤرخ المجهول الرواية التالية: "قال المؤرخ: رأيت رجلين من القوم الذين ركبوا مع مولاي عبد الملك في حلق الوادي أحدهما جراوي من طريانة حومة بالطالعة

بفاس واسمه عبد الله، والآخر مكناسي واسمه عبد الرحمان حدثاني بحقيقة الخبر وكيف كان القتال في البر والبحر [...]"، ينظر: المؤرخ المجهول، تاريخالدولة السعدية

التكمدارتية، تحقيق وتقديم عبد الرحيم بنحادة (مراكش: دار تينمل للطباعة والنشر، 1994)، ص 44. في عنوان الفصل الرابع عشر يقول الزياني: "في الدولة العظيمة وهي دولة آل عثمان أبقاها الله حصنًا للإسلام"، ينظر: أبو القاسم الزياني، الترجمان المعرب، مخطوط

المكتبة الوطنية بالرباط، 223 K، ص 211. عبد الرحيم بنحادة، المغرب والباب العالي من منتصف القرن السادس عشر إلى نهاية القرن الثامن عشر (زغوان: مؤسسة التميمي، 1998)، ص 189.

الملاحظة الثالثة: تتعلق بتنوع طريقة الكتابة بين مختلف الفترات المؤرخ لها. فخلال التاريخ للدولة العثمانية في بداياتها، يلاحظ القارئ ميل الزياني إلى الاختصار من دون إصدار أحكام. ويتبين هذا الاختصار في سرد وقائع الحملات العثمانية في العبارات الجاهزة التي تتردد بشكل مطرد: "ولما أصبح طلب أهل المدينة الأمان فأمنهم السلطان وأسلموا المدينة ودخلوا تحت طاعته"، و"حارب إلى أن عجز وطلب الأمان فأمنه ودخل تحت الذمة وغنم المسلمون ما في المدينتين وشحنوهما بالعساكر الإسلامية" و"قدما بالأموال والسبي على السلطان ففرح بهما وأكرمهما". ومثيلات هذه العبارات تعاد مرات متعددة كلما واجه المؤرخ صعوبات في الحصول على معلومات تمكّنه من تقديم سردية خاصة. هذه الطريقة في السرد ستعرف بعض التحول عندما كان الزياني بصدد كتابة فترة حكم السلطان محمد الفاتح، ذلك أنه لا يكتفي بسرد الأحداث بشكل مسترسل، ولكنه يتجاوزها إلى محاولة البحث في الأصول التاريخية والعودة إلى ما قبل الفترة العثمانية، ولعل أحسن مثال دالّ على ذلك عندما كان يؤرخ لفتح القسطنطينية، حيث عاد إلى علاقة المسلمين بهذه المدينة. الملاحظة الرابعة: تتعلق بمصادر الخبر عند الزياني. وفي هذا السياق، لا يذكر الزياني المصادر التي اعتمدها في كتابة تاريخ الدولة العثمانية إلا لمامًا، وهو في ذلك لا يختلف عن بقية المؤرخين، ويبدو من خلال مقارعة ما يورده ببعض النصوص الأخرى أنه اعتمد بالأساس على تاريخ القرماني وخطط المقريزي. وفيما عدا ذلك، اعتمد الزياني على ما كان يقف عليه شخصيًا أثناء زياراته المتعددة للقسطنطينية من روايات شفوية.

لقد كان الزياني متفردًا من بين سابقيه ومعاصريه في إعطاء الدولة العثمانية حقها في السرديات التاريخية، وسواء تعلق الأمر بالسابقين له، أو المعاصرين، لم تحظَ الدولة العثمانية بكبير اهتمام وتجاهلها كل المؤرخين المغاربة.

ثانيًا: المغرب يف المصادر العثمنية

بالقدر الذي تجاهل فيه المغاربة تاريخ العثمانيين، لم يخصص المؤرخون العثمانيون للأشراف (سعديين وعلويين) الذين عاصروهم صفحات من كتاباتهم، ولم يكن للحملة التي وجهها المنصور السعدي على السودان الغربي أي صدى في المصادر العثمانية. وإذا كان المؤرخون المغاربة قد كتبوا عن بعض الأحداث المشتركة، فإن المصادر العثمانية لم تؤرخ لهذه الأحداث ولم تولها أي عناية. ويفاجأ دارس العلاقات المغربية العثمانية بغياب أحداث تركز عليها النصوص المغربية وتغيب في النصوص العثمانية المعاصرة، ومن ذلك مثلً اغتيال محمد الشيخ السعدي بأمر من السلطان العثماني سليمان القانوني انتقامًا منه، عندما بعث إليه برسالة يخبره فيها بأنه سينازعه على عمل مصر. لن نستعرض كل المؤرخين العثمانيين الذين عاصروا هذه الأحداث، ولكننا سنقف عند نموذجين، تميزت كتابتهما بالكثافة وخاضا في عدّة تفاصيل وجزئيات.

24 الزياني، ص 214، 216، 220. أبو القاسم الزياني، الترجمانة الكبرى في أخبار المعمور برًا وبحرًا، تحقيق عبد الكريم الفيلالي (الرباط: دار نشر المعرفة، 1991)، ص 43.

أحمد بن يوسف القرماني، أخبار الدول وآثار الأول في التاريخ، تحقيق فهمي سعد وأحمد حطيط (بيروت: عالم الكتب، 1996.) أحمد بن علي المقريزي، المواعظ والاعتبار (المعروف ب  الخطط المقريزية.)

أما النموذج الأول، فهو كاتب جلبي المعروف في النصوص العربية بحاجي خليفة (1609 - 1657) الذي يعتبره فرانز بابنكر أكبر عالم موسوعي عثماني. فقد خصص، علاوة على كتبه المخصصة لتعليل الأزمة العثمانية وتحليلها ك "دستور العمل في إصلاح الخلل"، سردية للتوسع البحري العثماني في البحر الأبيض المتوسط موسومة ب تحفة الكبار في أسفار البحار. وقد عرض جلبي للمعارك البحرية التي خاضها العثمانيون في البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط. ألّف حاجي خليفة هذا الكتاب بعد الحملة الفاشلة على كريت في عام 1646، وكان لهذا الإخفاق أسباب متعددة حاول أن يقف عندها، غير أنه أراد في الوقت ذاته أن يسترجع أمجاد العثمانيين في المجال المتوسطي في إطار توجهه الإصلاحي، فشرع يصف المعارك البحرية الكبرى التي خاضها العثمانيون في البحر الأبيض المتوسط. ولأن غرضه كان هو شحذ الهمم، فقد كان نبيهًا عندما توقف عند

المعارك البحرية التي انتصر فيها العثمانيون. وقد توقف المؤلف في سرد الحملات العثمانية في البحر الأبيض المتوسط عند الحملة العثمانية على حلق الوادي، وهو ما أضاع علينا فرصة الوقوف عند المساهمة العثمانية في معركة وادي المخازن عام 1578. ما الذي كان يعنيه هذا التوقف؟ لقد كان حاجي خليفة واضحًا في هذا الباب عندما قال في مطلع القسم السابع: "وبعد ذلك لم تبعث سفن إلى البحر الأبيض المتوسط إلى أن تقررت الحملة على

جزيرة كريت" لا تذكر فاس عند كاتب جلبي إلا مقرونة بالصراع بين الأتراك العثمانيين والإسبان، مع التركيز في أحيان كثيرة على الدور السلبي الذي أداه المغاربة في هذا الصراع. فعندما أورد أخبار دخول عروج إلى مدينة تلمسان، أكد على فرار حاكمها إلى المغرب واستقراره مع اثنين من إخوته في فاس: "بعد أن هربَا من السجن حيث وجدا عملً فيها واستقرا بها". كما يأتي ذكر فاس وحاكمها عندما يورد المؤلف خبر

إعلان بيعة خير الدين للسلطان العثماني و"توصله ما أرسله سلطان المسلمين من جواد وخلعة وشارة تدل على حاكميته"، فأدى ذلك الوضع إلى عصيان حاكمي تونس وتلمسان ولجوء حاكم هذه الأخيرة إلى "ملك فاس للاستنجاد به". ولعل ما يثير الانتباه أن كاتب جلبي يعطي انطباعًا مفاده أن العثمانيين بالرغم من كل المصاعب التي واجهوها كانوا مقتنعين

بمواصلة عملياتهم الجهادية لتشمل سواحل المغرب؛ إذ يقول عندما فتح العثمانيون جربة إنهم "توجهوا إلى السواحل الغربية من بلاد المغرب وذلك في الخامس من شعبان/ مايو 1560 "، ولم يشُر حتى مرة واحدة إلى السلطة التي كانت توجد في المغرب. وإذا افترضنا أن خوض كاتب جلبي في المعارك البحرية للدولة العثمانية هو الذي جعله يحجم عن الانتباه إلى التاريخ المشترك بين الأتراك العثمانيين والمغرب في القرن السادس عشر، فإن مؤرخًا آخر اهتم باستعراض دقائق الأمور، في الفترة الممتدة ما بين حكم السلطان سليمان القانوني وعهد مراد الرابع، لم يدون في كتابه المكون مما يزيد على ألف صفحة أيّ مواضيع تتعلق بالمغرب؛ حتى ولو

كانت تهم تاريخ العلاقات المغربية – العثمانية، أو الأحداث التي ميزت هذه العلاقات، سواء كان ذلك من قريب أو بعيد. لقد انخرط

Franz Babinger, Osmanli tarih yazarlari ve eserleri, Çev. Coşkun Üçok (Mersin: Kültür Bakanlığı Yayınları, 1992), p. 222.

عبد الرحيم بنحادة، "المثقفون والأزمة في العالم العثماني"، في: بنحادة، بحوث ودراسات، ص 58. حاجي خليفة، تحفة الكبار في أسفار البحار، ترجمة وتحقيق محمد حرب وتسنيم حرب (القاهرة: دار البشير للثقافة والعلوم، 2016.) 31 المرجع نفسه، ص 248. 32 خليفة، ص 90. 33 المرجع نفسه، ص 93. 34 المرجع نفسه، ص 139. 35 المرجع نفسه.

إبراهيم بجوي بالخصوص في تاريخ الحملات العثمانية على أوروبا. وقد نبادر إلى القول إنّ انتماءه إلى "بج" - المجرية - يكون سببًا في

هذا الاهتمام لو لم يستعرض أحداث الصراع الصفوي - العثماني زمن السلطان لسليمان القانوني وسليم الثاني، وكذا الانخراط في بعض الجزئيات التاريخية التي تتعلق بختان أبناء الأمراء، ووفاة أقرباء السلطان، والأدوار التي أدتها شخصيات مغمورة في تاريخ الدولة العثمانية، وبداية انتشار ظاهرة شرب القهوة في بلاد الروم، وما إلى ذلك من الأحداث. لقد انحصرت أخبار الشمال الإفريقي عند بجوي، على الخصوص، في الأحداث المعروفة في تاريخ البحر الأبيض المتوسط، ومنها على سبيل الخصوص إلحاق الجزائر بالدولة العثمانية عن طريق الرواية نفسها التي يوردها جلبي والثورة الموريسكية عام 1568. وتعود ضحالة المعلومات المتعلقة بالمغارب في كتاب بجوي إلى توجهه، كما سبقت الإشارة، إلى العناية أكثر بتاريخ حركة التوسع العثماني بأوروبا؛ لاعتبارات أهمها أصوله الهنغارية من جهة، وإتقانه لغة أصوله من جهة ثانية، وهو ما سهل عليه الاطلاع على النصوص، فضلً عن علاقته بالسفراء الأوربيين من جهة ثالثة. وهذا الأمر جعله يولي عنايته لما هو أوروبي. إذا كان هؤلاء المؤرخون قد تجاهلوا - بسبب التركيز على تاريخ الدولة العثمانية - تاريخ الجهات الأخرى، فكيف كان حضور المغرب ضمن التواريخ العالمية العثمانية؟ قبل أن نعرض لمكانة المغرب عند هؤلاء، ينبغي الإشارة إلى ما يلي: أولً: قلة التواريخ العالمية عند العثمانيين، ولعل السبب في ذلك يعود إلى اتساع رقعة المجال العثماني التي تحوّله إلى دولة/ عالم،

وتجعل المؤرخين العثمانيين يشعرون بأنهم بصدد كتابة تاريخ عالمي انطلاقًا من التأريخ للدولة العثمانية. ثانيًا: معظم التواريخ العالمية كتبت نصوصها أولً باللغة العربية قبل أن تترجم إلى اللغة التركية، وغالبًا ما وقع التصرف في ترجمتها. ثالثًا: ركزت الكتابة في هذا الشأن - ويبدو ذلك من خلال عدد الصفحات - على فترتين زمن الخلفاء الراشدين، وزمن الدولة العثمانية.

رابعًا: معظم هذه الكتابات أ نجز في نهاية القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر. كأنها تزامنت مع مرحلة الكتابة عن الأزمة

في الدولة العثمانية، هل هو السعي إلى التموقع في الخريطة التاريخية الإسلامية والحاجة إلى شرعنة الوجود العثماني في البلاد العربية عبر سردية تربط الفتوحات العثمانية بفتوحات عهد البعثة والخلفاء الراشدين؟ إن أول هؤلاء المؤرخين هو أحمد بن يوسف القرماني، وهو من بين المؤرخين القلائل الذين اهتموا بالتاريخ العالمي، حيث سعى في الأبواب الخمسة والخمسين التي يتألف منها كتابه إلى إنجاز تاريخ يبتدئ ببداية الخليقة وينتهي إلى عصره. وخلال ذلك، يستعرض تاريخ الدول التي حكمت العالم الإسلامي. ونعتقد أن السبب في إيلاء هذا الاهتمام يعود إلى مجموعة من الأسباب: أما السبب الأول، فهو يرتبط بطبيعة المرحلة التي عاشها المؤلف، فقد عاصر القرماني حكم أربعة سلاطين، وهم سليمان القانوني (1520 - 1566)، وسليم الثاني (1566 - 1574)، ومراد الثالث (1574 - 1595)، ومحمد الثالث (1595 - 1601) وهم السلاطين الذين عرفوا بنشاط في المناطق الغربية من الدولة العثمانية. أما السبب الثاني، فهو يرتبط بالانتماء العربي للمؤرخ، فقد ولد وترعرع في دمشق، وارتبط بعلاقات وطيدة مع العلماء والمؤرخين وأصحاب الجاه، وهو ما مكّنه من الحصول على معلومات مفيدة تهم تاريخ البلاد الإسلامية.

إبراهيم بجوي، التاريخ السياسي والعسكري للدولة العثمانية: من عهد السلطان سليمان القانوني حتى عهد السلطان سليم الأول، ترجمة وتقديم ناصر

عبد الرحيم حسين، مج 1 (المركز القومي للترجمة، 2015)، ص 402. 37 المرجع نفسه، ج 1، ص 343 - 348.

غير أن ما يهمنا من الكتاب هو تفاعله وطريقة استعراضه للأخبار التي همّت تاريخ المغرب، والتي تدفع إلى إبداء ما يلي من

الملاحظات: كان المدخل إلى الاهتمام بتاريخ المغرب هو تاريخ الأندلس، فقد عنون الباب الثالث والعشرين من كتابه ب "في ذكر ملوك الغرب من الطوائف ذوي المفاخر والمعارف"؛ فوضعية الأندلس هي التي قادته إلى الاهتمام بما يجري في غرب العالم الإسلامي، والحديث عن الدولة المرابطية جاء في معرض علاقاته بملوك الطوائف. وتميز حديثه عنها بالاختزال المفرط. وتجلى هذا الاختزال في التعامل مع تاريخ الدولة الموحدية باعتبارها كانت دولة ممتدة الأطراف، حيث ورد الحديث عنها في جملة واحدة عندما كان بصدد الحديث عن آخر ملوك الدولة المرابطية إسحق بن علي الذي سار عليه عبد المومن بن علي الكومي، وفي الإشارة في بداية الباب الخامس والعشرين إلى بداية الدولة الحفصية عندما تنازل أبو حفص لابنه عبد الواحد بأمر من السلطان عبد المومن، ليشرع في الحديث عن تاريخ الدولة الحفصية في تونس. وهو ما يدفع المرء إلى التساؤل عن هذا التجاهل لسلطة سياسية مهمة حكمت مجالً جغرافيًا واسعًا؟ لقد جرى اختزال الفترة الحفصية من تاريخ الغرب الإسلامي في تعاقب السلاطين والوقوف عند سوء تدبيرهم الذي أدى إلى سقوط عدد من الثغور في يد الإفرنج. ويورد القرماني هذه المعلومات مقرونة بالجهود التي بذلها العثمانيون من أجل تحرير هذه الثغور، فيقول مثلً: "وتولى السلطنة محمد بن الحسن وكان منشغلً عن أمور الملك باللهو وشرب الخمر، وفي أيامه في سنة ستة عشر وتسعمائة استولى الإفرنج على وهرانه ثم على بجاية ثم على طرابلس وبقيت في أيديهم مدة اثنتين وأربعين سنة حتى أخذها سنان باشا أخو الوزير رستم باشا وزير المرحوم السلطان سليمان من بني عثمان عام ثمانية وخمسين وتسعمائة". ويتوقف القرماني عند التاريخ الدموي في تونس عندما يشير إلى تولية السلطان حسن الذي وضع السيف، على حد قوله، وقتل الطامعين في السلطة، ولم يفلت منه إلا أخواه الرشيد وعبد المومن. ويسرد القرماني تاريخ البلاد التونسية بطريقة تعكس موقف الدولة العثمانية من الصراع في المنطقة والدور الذي أداه خير الدين باشا في حسم الصراع لصالح الدولة العثمانية. ويبرز المؤرخ الدور الذي أداه المحليون في استقدام الإسبان مرة أخرى للعودة إلى احتلال قلعة حلق الوادي عندما فر السلطان الحسن إلى إسبانيا طالبًا مددها،

والدور الذي أداه أحد المتحولين إلى الدين الإسلامي "الذي كان إفرنجيًا يبطن الكفر عن طريق إطلاق الأسرى وتمكينهم من

القلعة وأسوارها". لقد جرى تجاهل المغرب الأقصى بشكل مطلق ولم يجرِ الحديث عنه، سواء تعلق الأمر بتاريخ المعاصرين للدولة الحفصية من المرينيين أو المعاصرين للمؤلف من الشرفاء السعديين. فهل كان هذا التجاهل مفكرًا فيه؟ لا بد من الإشارة إلى أن النصوص التي

تسعف في كتابة تاريخ السعديين في المجال العثماني العربي لم تكن متوفرة، ويبدو أن النصوص التي أنجزها أحمد بن القاضي وأبو فارس

عبد العزيز الفشتالي حول تاريخ الدولة السعدية كانت منحصرة في المغرب، ولم يجرِ تداولها بعيدًا عنه، ولم يكن الجنابي قد ألف بعد كتابه

الذي نهل منه كل المؤرخين العثمانيين الذين اعتنوا بالتاريخ العالمي. أما ثاني هؤلاء المؤرخين، فهو مصطفى الجنابي (ت. 1590) المعروف ب "البرسوي"، نسبةً إلى بورصة التي درس بمدارسها، وقد عاصر مصطفى الجنابي سلاطين القرن السادس عشر شأنه في ذلك شأن القرماني. وتتلمذ على يد شيخ الإسلام أبي سعود أفندي (ت. 1574)

وارتبط به ارتباطًا كبيرًا إلى درجة أنه لُقب ب "السعودي". ألف الجنابي كتابًا في التاريخ العام سماه البحر الزخار والعيلم التيار، وهو كتاب

38 القرماني، ص 355. 39 المرجع نفسه، ص 356. 40 المرجع نفسه، ص 357.

خصصه لتاريخ الدول التي حكمت البلاد الإسلامية إلى نهاية القرن السادس عشر، وقد وقع الفراغ من إنجازه في ربيع الآخر عام 993 (نيسان/ أبريل 1585). والظاهر أن الجنابي عندما كان بصدد التاريخ للمغرب لم يخض بشكل مفصل في تاريخ الدول السابقة عن تاريخ الوطاسيين؛ إذ لم يخصص سوى صفحات قليلة لتاريخ المغرب من الأدارسة إلى نهاية المرينيين. فقد خصَّ المغرب ببابين من كتابه، هما:

الباب الثامن والثلاثون الذي يتعلق بتاريخ الوطاسيين، والباب التاسع والثلاثون الذي يهمّ تاريخ الدولة السعدية. ويمكن إبداء ما يلي من الملاحظات بشأن الكتاب: أولً: هو أول نص عثماني يعرض للدولتين المعاصرتين للدولة العثمانية في القرن السادس عشر، وقد لاحظنا كيف أن القرماني لا يعرض لأحداث القرن السادس عشر المغربي. ثانيًا: اعتمد الجنابي بالأساس على الرواية الشفوية حيث يذكر اعتماده على أحد الفاسيين من سكان الطالعة، والذي يذكره باسم

أحمد عبد الرحمن الفاسي، كما يعتمد على ما يبلغه من أخبار عبر وسائط كثيرة يمكن أن نخمّنها، وهي ترتبط أساسًا بالوافدين على

المشرق الإسلامي من الحجاج والعلماء. ثالثًا: يعرض المؤرخ لتاريخ الدسائس بين السلاطين الوطاسيين، ويتصور المرء عند الانتهاء من قراءة الصفحات المخصصة أن تاريخ المغرب خلال هذه الفترة يتلخص في المؤامرات والحروب بين أفراد الأسرة المالكة التي أدى فيها الإسبان أدوارًا بارزة. رابعًا: التأكيد على الدور الذي أداه الأتراك في تاريخ هذه المرحلة من تاريخ المغرب، ولكن في رواية مختلفة عمّا ترويه المصادر المغربية

والإسبانية؛ سواء تعلق الأمر بمقتل محمد الشيخ السعدي، الذي تجمع المصادر المغربية على أنه كان بتدبير الأتراك، أو بمعركة حلق الوادي أو معركة وادي المخازن. خامسًا: تصريف مواقف، من الدولة الوطاسية أو الدولة السعدية، وهو ما يظهر في أحكام القيمة، وهي أحكام القيمة ذاتها التي يقف

عندها قارئ فتوى أحمد بن المواز في اغتصاب العثمانيين للخلافة. أما ثالث هؤلاء المؤرخين، فهو أحمد بن لطف الله المعروف ب "منجم باشي" (1631 - 1702) لتحمّله وظيفة منجم بالبلاط العثماني

مدةً تزيد على عشرين عامًا. وقد عكف لطف الله على كتابة تاريخ عالمي باللغة العربية اختار له عنوان جامع الدولالذي ترجمه إلى

اللغة التركية الشاعر أحمد نديم تحت عنوان صحائف الأخبار. ووجود الكتاب بصيغتيه العربية والتركية بعنوانين مختلفين هو ما سبّب

الخطأ الذي وقع فيه العديد من الباحثين بالقول إن منجم باشي ترك كتابين في التاريخ العالمي. ولا بد من التذكير أيضًا أن الصيغة التركية جنحت إلى الاختزال إلى درجة ذهاب العديد من الباحثين إلى القول إن المؤلف كان مقصرًا في ذكر بعض الأحداث. وقد ألف هذا الكتاب

بطلب من الصدر الأعظم مصطفى باشا (1676 - 1683) الذي عزل وشنق غداة الاحتجاجات العارمة التي عرفتها إستانبول عام 1683، والتي أدت إلى عزل منجم باشي من منصبه أيضًا. يستعرض كتاب صحائف الأخبار في جزأين تاريخ الدول منذ بدء الخليقة إلى عام 1672، وقد اعتمد التصنيف المتبع في التواريخ العامة عند المسلمين التي تناولت المواضيع نفسها، وهو ما جعل الكتاب موزعًا بين جزأين؛ إذ خصص الأول لفترة ما قبل الإسلام

والثاني لما بعدها. ويميز الكتاب في الجزء الإسلامي بين ثلاثة أقسام: الأول خصص لتاريخ البعثة، والثاني لتاريخ الأسر الحاكمة من

يقول الجنابي "ما عثرت على تفصيل أخبار بني وطاس، لكنني سمعت نبذًا من أخبارهم من صاحبنا الشيخ أحمد بن عبد الرحمان الفاسي الطالعي، فلا علينا أن نبيع

بمثل ما اشترينا". ينظر: عبد الحفيظ الطبايلي، "مصدر عثماني حول تاريخ المغرب السعدي 'البحر الزخار والعيلم التيار' لمؤلفه مصطفى الجنابي"، التاريخ العربي، العدد 12

(خريف 1999).

غير المسلمين، والثالث للأسر الحاكمة المسلمة، مع إعطاء الدول الكبيرة التي عمرت مدةً طويلة أهمية خاصة. وتبدو هذه الأهمية في النسخة الموضوعة بخط يد المؤلف، المحفوظة في خزانة نور عثمانية، حيث يضع عناوين الفقرات المخصصة لها باللون الأحمر. أما بالنسبة إلى حضور المغرب في جامع الدول، فيمكن التمييز بين مستويين: المستوى الأول: في حضوره ضمن سردية تاريخ الدولة العثمانية، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن هذا الحضور طغى عليه توجه عثماني في سرد الأحداث، ولنا أن نضرب مثلً دالًّ على ذلك بما يورده بشأن معركة وادي المخازن. المستوى الثاني: عندما حضرت سردية المغرب في فصول مستقلة؛ أي عندما عرض لتاريخ الملثمين وتاريخ الدولة الموحدية في الجزء الأول في صفحات لا تتعدي عشر صفحات، وتاريخ الدولة المرينية في أقل من أربع صفحات وتاريخ الدولة السعدية أو ما يعنونه ب "الشرفاء في شمال إفريقيا". لقد أرخ منجم باشي لتاريخ الدولة السعدية بالاعتماد على الجنابي ونقل عنه كل شيء، لكنه وجد نفسه مضطرًا إلى إضافة ما وقع

في المغرب بعد وفاة المنصور السعدي، وهنا يقول: "ثم تفحصت من أحوال ملوك الغرب، فبينما أنا في هذه الحالة إذ قدم من فاس إلى دار السلطنة العلية الشيخ عبد الله الفاسي في سنة أربع وأربعين ومائة وألف وسألت عن ما وقع بعد وفاة مولاي أحمد فقال "[...]. ويلف ما يورده عن فترة ما بعد المنصور السعدي كثير من الغموض، كما يبدو الأمر واضحًا منذ بداية الفقرة، حيث الخلط بين الشرفاء

السعديين والعلويين؛ إذ يقول: "وهم الآن باقون وقد بلغ الزمان إلى سنة سبع ومائة وألف ودار ملكهم مراكش وابتداء ظهورهم في إحدى وعشرين وتسعمائة تقريبًا"، علمًا أن الدولة السعدية، إذا كان هذا هو القصد، قد انتهت كليًا في سنة 1659 عندما دخل الرشيد

العلوي إلى مراكش.

خلاصات

ما هي أهم الخلاصات التي يمكن أن نتوصل إليها من خلال هذا العرض المبسط الذي تتبع نماذج من الكتابة التاريخية في المغرب والدولة العثمانية؟ أولً: إن هذه الكتابات تأثرت بالظروف التاريخية التي عاشها الطرفان المغربي والعثماني. فعلى المستوى العثماني، لم يؤرخ ابن خلدون للدولة العثمانية، بالرغم مما حققته من منجزات زمن كتابة العبر، والسبب في ذلك يعود إلى أن هذه الإنجازات التي حققتها الدولة العثمانية لم تكن لها تبعات، ولم تستجلب المؤرخين إلا في فترات لاحقة. كما أن ما كتبه الزياني كان يدخل في سياق القرن الثامن عشر، والدور الذي أصبح للدولة العثمانية في هذه الفترة، لا سيما في ظل التقارب بين المغرب والدولة العثمانية. لقد كان الزياني سفيرًا إلى الدولة العثمانية، وقد انعكست هذه النظرة في كتابات الرحالة، سواء كانت سفارية أو ذات طابع تاريخي؛ إذ كان نقاش الأمر

السياسي غائبًا فيها. أما على المستوى المغربي، فيبدو أنّ مؤرخي الدولة العثمانية لم يتطرقوا إلى المغرب إلا في فترتين، هما القرن السادس عشر والقرن الثامن عشر. لقد كان هذا الحضور باهتًا إلى حد بعيد في التواريخ العثمانية، وجرى غض الطرف عن أحداث أفاضت الحديث فيها النصوص

اعتمدنا على النسخة العربية للكتاب، ينظر: منجم باشي، جامع الدول، خزانة السليمانية، إستانبول، رقم 2103. 43 المرجع نفسه، ج 3، ص 332.

المغربية والأجنبية، واقتصر هذا الحضور على التواريخ العالمية بالرغم من قلتها، ويبدو أن أصحاب هذه التواريخ وجدوا صعوبة كبيرة في الإحاطة بهذا التاريخ ولجؤوا إلى مصادر غير موثوقة، ومن ثم تميزت سرديتهم بالكثير من الغموض والضبابية. ثانيًا: إن هذا الشح والقلة يعود في نظرنا إلى عاملين اثنين، هما:

بالنسبة إلى المغرب: يعود إلى الاستقلال عن الدولة العثمانية، أو على الأقل الرغبة في ترجمة هذا الاستقلال عن طريق التجاهل. لقد قامت الدولة المغربية على أساس شرعي وروّج المغاربة لمسألة السلطان/ الخليفة، وحضرت في كل مرة نشأ فيها

نزاع بين المتطلعين إلى الحكم تلك العبارة الشهيرة التي تغص بها كتب الأحكام: "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الأخير منهما". ولقد كان الشرفاء السعديون والعلويون واعين تمام الوعي بهذه المسألة التي قد تنال من شرعية حكمهم باعتبارهم يشكلون الخليفة الثاني بعد السلطان العثماني. ومن ثمة كان التركيز، عندما يتناولون مسألة الخلافة، على قرشية النسب، وبدا هذا الأمر واضحًا عندما كتب ابن المواز الفتوى/ التاريخ بشأن الدولة العثمانية. بالنسبة إلى العثمانيين: نعتقد أن هذه القلة تعود إلى المجال العثماني الممتد؛ فعندما كان المؤرخ العثماني يكتب عن تاريخ الدولة العثمانية، فهو يعتقد جازمًا أنه يكتب تاريخ العالم ولم يكن في حاجة إلى استعراض تاريخ باقي المجالات الأخرى. ثالثًا: يعكس هذا الشح طبيعة السياسة العثمانية في الشمال الإفريقي عمومًا، فلم تكن الدولة العثمانية تولي هذه المنطقة اهتمامًا إلا

في حدود صراعها مع إمبراطورية الهابسبورغ. وقد بدا هذا واضحًا من خلال تاريخ بجوي، حيث كان يركز على التوجه الأوروبي للدولة

العثمانية. ومرة أخرى، نؤكد أن خوض العثمانيين معارك البحر الأبيض المتوسط لم يكن سوى لخدمة التوسع العثماني البري في أوروبا.

لقد اقتنع العثمانيون منذ البداية بعدم جدوى خوض صراعات بحرية، ومن ثمة لم تحظَ التقنيات البحرية بكبير اهتمامهم منهم. رابعًا: ارتبط هذا الشح بوظيفة المؤرخ؛ إذ إن وظيفة المؤرخ في تلك الأزمنة تنحصر في رصد تحركات السلطان وتبرير مواقف معيّنة.

فاللطيفة التي يذكرها الإفراني تدخل في إطار إدانة مغربية للطريقة التي فتحت بها مصر. أما إصرار مؤرخي الدولة العثمانية ممن كتبوا التواريخ العالمية، فهو يدخل في إطار التشهير بسوء أخلاق السلاطين المغاربة (شرب الخمر، الاستنجاد بالكفار، قهر الرعية، وما إلى ذلك)؛ من أجل نزع الشرعية عن حكم هؤلاء، وجعل السلاطين العثمانيين البديل الحقيقي، لا سيما أن هذه الكتابات تؤكد في الجانب الآخر على عدل السلاطين العثمانيين وحسن سيرتهم.

نشرت هذه الفتوى في مجلة العالم الإسلاميتحت عنوان "رأي أحمد بن المواز في الخلافة العثمانية"، ينظر:

" Les Musulmans français et la Guerre," Revue du Monde Musulman , 8 ème année, vol. 29 (Décembre 1914), pp. 343 - 361.

المراجع

العربية

ابن خلدون، عبد الرحمن. تاريخ ابن خلدون: المسمّى كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن

عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر. بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 2000. الإفراني، محمد الصغير. نزهة الحادي في أخبار ملوك القرن الحادي. تحقيق عبد اللطيف الشاذلي. منشورات جامعة المولى إسماعيل بمكناس. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2013. أومليل، علي. الخطاب التاريخي: دراسة لمنهجية ابن خلدون. ط 3. بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، 1985. باشي، منجم. جامع الدول. خزانة السليمانية. إستانبول، رقم 2103. بجوي، إبراهيم. التاريخ السياسي والعسكري للدولة العثمانية: من عهد السلطان سليمان القانوني حتى عهد السلطان سليم الأول. ترجمة وتقديم ناصر عبد الرحيم حسين. المركز القومي للترجمة، 2015. بنحادة، عبد الرحيم. المغرب والباب العالي من منتصف القرن السادس عشر إلى نهاية القرن الثامن عشر. زغوان: مؤسسة التميمي، 1998. ________. العثمانيون: المؤسسات والاقتصاد والثقافة. الدار البيضاء: دار سبو، 2008. ________. بحوث ودراسات في التاريخ العثماني. الرباط: منشورات أبي رقراق، 2018. التعريف بابن خلدون ورحلته غربًا وشرقًا. بيروت: دار الكتاب اللبناني للطباعة والنشر، 1979. خليفة، حاجي. تحفة الكبار في أسفار البحار. ترجمة وتحقيق محمد حرب وتسنيم حرب. القاهرة: دار البشير للثقافة والعلوم، 2016. الزياني، أبو القاسم. الترجمان المعرب. مخطوط المكتبة الوطنية بالرباط، 223 K. ________. الترجمانة الكبرى في أخبار المعمور برًا وبحرًا. تحقيق عبد الكريم الفيلالي. الرباط: دار نشر المعرفة، 1991. الطبايلي، عبد الحفيظ. "مصدر عثماني حول تاريخ المغرب السعدي 'البحر الزخار والعيلم التيار' لمؤلفه مصطفى الجنابي"، التاريخ العربي. العدد 12 (خريف 1999). العروي، عبد الله. مفهوم التاريخ: 1 - الألفاظ والمذاهب، 2 - المفاهيم والأصول. ط 4. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 1997. العياشي، أبو سالم. الرحلة العياشية (ماء الموائد). أبو ظبي: دار السويدي للنشر والتوزيع، 2006. القرماني، أحمد بن يوسف. أخبار الدول وآثار الأول في التاريخ. تحقيق فهمي سعد وأحمد حطيط. بيروت: عالم الكتب، 1996.

References

الأجنبية

• Babinger, Franz. Osmanli tarih yazarlari ve eserleri. Çev. Coşkun Üçok. Mersin: Kültür Bakanlığı Yayınları,

• "Les Musulmans français et la Guerre." Revue du Monde Musulman. 8 ème année. vol. 29 (Décembre 1914).