العودة إلى تفاصيل المؤلَّف المصادر التاريخية واستعمالاتها في علاقة الأقليات بالغيرية في الباد التونسية

المصادر التاريخية واستعمالاتها في علاقة الأقليات بالغيرية في الباد التونسية

Historical Sources and their Uses in the Relationship of Minorities to Otherness in Tunisia

محمد المريمي

Abdelhamid Hénia

الملخّص

أستاذ محاضر في التاريخ الحديث.

Abstract

Summary of Ostour Seminar: Arab Historians and their Sources, Part 2 Historical Sources and their Uses in the Relationship of Minorities to Otherness in Tunisia

مقدمة

نتناول بالدرس حالتين من مصادر الأقليات في علاقتها بالغيرية في تاريخ البلاد التونسية. ووجدنا من بين الأقليات مجموعات يهودية مهمة كانت تنتشر في عدد من مدن البلاد، وفي الشمال الأفريقي عمومًا. كما كانت توجد أيضًا مجموعات إسلامية إباضية

اقتصرت على بعض الجزر في جربة وخارجها في جبل نفوسة (ليبيا) ووادي ميزاب (الجزائر). نهتم في ما يلي بحالة المجال المحلي لجربة الذي جمع معًا مجموعات يهودية وأخرى إباضية؛ إذ كان يهود الجزيرة من أهم

المجموعات اليهودية في البلاد. وقد كانت المجموعات الإباضية كل ما تبقى من وجود الإباضية في البلاد التونسية خلال ما يعرف بالعصر الوسيط. كما كانت المجموعات اليهودية وكذلك الإباضية تشترك في قدرتها على مقاومة الزوال، فاستمر وجودها إلى اليوم، في حين اندثر عدد المجموعات المماثلة لها في مناطق أخرى في الشمال الأفريقي عمومًا، رغم ما كان لها من أهمية. لا تزال وثائق الأقليات اليهودية والإباضية عمومًا نادرة، بل تكاد تكون أحيانًا معدومة، على الأقل قبل تأسيس المصلح

خير الدين التونسي خزينة وثائق الدولة في تونس في عام 1874، وانتصاب الحماية في عام 1881، وذلك خلافًا للمجموعات الأخرى المالكية والحنفية. اتجهت عنايتنا نحو مصادر اعتبرناها لافتة في الموضوع الذي تطرحه ندوة مجلة أسطور؛ إذ اخترنا تناول رواية الأصل لدى يهود جربة. وقد اهتم بموضوع روايات الأصل عديد الدارسين، مثل حالة أسطورة الأصل لدى البربر، وأسطورة الأصل في المجتمع المغاربي. وقد كانت رواية أصل يهود جربة عبارةً عن مجال التقاء بين اليهود والغيرية في مستوياتها المختلفة. ولقد قرأها بعض الدارسين وتوصّل فيها إلى استنتاجات، نسعى لمراجعة قراءتها في هذا المقام. اخترنا من جهة أخرى، من بين مصادر الأقليات الإباضية، وثائق استرعاء لرسوم وقف. وتمثل هذه الأخيرة رصيدًا موزّعًا بين

أرشيف أملاك الدولة وأرشيفات العائلات الخاصة. وكانت هي الأخرى مجالَ التقاء بين فاعلين اجتماعيين إباضية ونظرائهم من جهاز

Professor of modern history. Maya Shatzmiller, "Le Mythe d'origine berbère (Aspects historiographiques et sociaux)," Revue des mondes musulmans et de la Méditerranée , vol. 35 , no. 1 (1983). Jocelyne Dakhlia, "Le Sens des origines: Comment on raconte l'histoire dans une société Maghrébine," Revue historique , vol. 277 , no.  2  (1987).

المخزن. وقد أفرزت كتابة هذه الوثائق فترةً قبلية، وفترةً أخرى بعدية. وربما يدل ذلك على أنها عملت على تحوّل مهم في المجتمع المحلي

في جربة، يتمثل في الانتقال بالعلاقة بين الأهليين الإباضية والدولة إلى علاقة وفاق وتعايش. تُتيح لنا مصادر اليهود والإباضية التي فرزناها فهمَ موضوع علاقة الأقليات الدينية والمذهبية بالغيرية، سواء في المحيط المجتمعي

المباشر أم الشمولي. ونطرح الأسئلة التالية: كيف نقرأ رواية الأصل لدى يهود جربة؟ وما غاية الفاعلين الاجتماعيين اليهود من إنتاج مصادر رواية الأصل، والإباضية من إنتاج وثائق الاسترعاء؟ وما النتائج التي توصل إليها هذا البحث؟ للإجابة عن هذه الأسئلة، نقدّم في مرحلة أولى مدوّنة مصادرنا بما تشمله من قواسم مشتركة و/ أو اختلاف وتنوّع. ونتولّ في المرحلة

الثانية إماطة اللثام عن الغايات المختلفة للفاعلين الاجتماعيين من خلال إنتاج المصادر موضوع بحثنا. ونُخصّص المرحلة الأخيرة لإبراز

أهم النتائج التي توصلنا إليها.

أولً: المدونة مدونة مصادر أقليات

قد يجد الباحث نفسه في تناول دراسة رواية الأصل لدى يهود جربة، ووثائق الاسترعاء الخاصة بأملاك وقف الإباضية، أمام

مدوّنتين مختلفتين؛ حيث أُنتجت رواية الأصل من جهة يهود جربة في بداية الأمر في محمل الشفوي، ونقلها الربّ أبرهام حييم

أدّادي Addadi Haim Abraham Rabbi أصيل مدينة طرابلس، أول مرة، إلى محمل الكتابة في كتاب مطبوع. ونشر الكتاب في قُرْنة

Livourne في عام 1849. وكانت المصادر التاريخية في محمل المكتوب لدى اليهود قليلةً، بل تكاد تكون غير موجودة. وذهب كثير من النخبة اليهودية إلى القول إن كتاب التوراة، يمثّل في ذاته كتابَ تاريخٍ بالنسبة إلى اليهود، وبناء عليه لا حاجة لليهود إلى البحث عن

كتب تاريخ غيره. وتُعدّ رواية الأصل لدى الدارسين مصدرًا تاريخيًا مهمًا. نقل رواية أصل يهود جربة من الشفوي إلى محمل المكتوب، في زمن متأخر، الشيخ سالم بن يعقوب، وكان يبحث عن أصل السكان في الجزيرة، وخصوصًا دخول اليهود إلى جربة. وكان هذا الأخير إخباريًا، وأيضًا من آخر مشايخ العزّابة الإباضية في جربة في

زمانه. عاش بين عامي 1903 و 1988. ووردت رواية أصل اليهود على لسانه وفقًا للنص التالي: "لقد لجأ اليهود إلى الشمال الأفريقي على ثلاث دفعات: الدفعة الأولى في العهد الروماني [...] ومنهم طائفة لجأت إلى جزيرة جربة بعد غارة بختنصر البابلي على بيت المقدس مقام سليمان سنة 587 ق. م. فبنوا حينئذ الحارة الصغيرة وبيعتهم الغريبة فيها. ويقال إن اليهود لمّا هجم عليهم الملك البابلي بختنصر هدم هيكلهم بالقدس وتفرقوا في الأقطار، فإن الطائفة التي لجأت إلى جزيرة جربة كان معها حجر أتوا به من هيكل سليمان بعد تخريبه جعلوه في أساس بيعتهم التي بنوها قبلي الحارة الصغيرة، أي (الغريبة) ويعنون به الحجر المذكور، كما هو مشهور عند اليهود الحاليين. وقد جاءت الدفعة الثانية من الهجرة اليهودية إلى شمال أفريقيا من الأندلس في عهد الاضطهاد المسيحي الكاثوليكي الإسباني في القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي، فبنوا الحارة الكبيرة، ثم تزايدوا في العهد التركي العثماني".

L. Valensi & A. L. Udovitch, Juifs en terre d'Islam: Les Communautés de Djerba (Paris: Editions des Archives Contemporaines, 1991), p.  8.

سالم بن يعقوب، تاريخ جزيرة جربة ومدارسها العلمية، إعداد فرحات الجعبيري (تونس: دار سراس للنشر، 2006)، ص 46. المرجع نفسه، ص 9.

كانت المجموعات اليهودية في الشمال الأفريقي تنسج روايات أصلها بوساطة عناصر ثقافية قريب بعضها من بعض، بل تكون أحيانًا مشتركة. ومهما يكن، فاللافت أن مجموعات يهود جربة المختلفة كانت تجد نفسها في رواية الأصل التي يُروّج لها. وتبدو

الرواية على الأقل في ظاهرها خطابًا قائمًا على انسجام داخلي، وكانت جزءًا من الذاكرة الطائفية. وتُقدّم الروايةُ يهودَ جربة على أنهم

طائفتان متميزتان، لكل واحدة منهما ذاكرتها وهويتها، وجعلت كل تركيبة عبارة عن غيرية داخلية لنظيرتها. تشير الرواية إلى أن مصدر الوجود اليهودي في جربة كان، في كل الحالات، حركة هجرة. وكان اليهود جميعًا "غرباء" في الجزيرة،

وفدوا إليها من أماكن مختلفة. وطردوا من أماكنهم الأصلية للأسباب نفسها تقريبًا، وتتمثل في تعرضهم للاضطهاد والاستبداد. خرجت مجموعة من اليهود من بيت المقدس حين ملكها بختنصر البابلي. وكان مكان الطرد يحتوي على هيكل سليمان الذي دُمّر. واختار هؤلاء في جربة الحارة الصغيرة لإقامتهم، وجعلوا منها مكانًا مقدسًا. وأنشأ يهود الحارة الصغيرة إلى جانب مكان إقامتهم

معلم "الغريبة". وتزعم الرواية التي تروّج أن "الغريبة" كانت عبارة عن كنيس أو بيعة، وأن اليهود أتوا بحجر من هيكل سليمان وجعلوه

في أساسها. وأضفوا على "الغريبة" هالة كبرى من القدسية، وبالنتيجة على كامل مجال إقامتهم. احتفظت الذاكرة بأن اليهود وفدوا إلى جربة في دفعة ثانية من الأندلس. وكانوا يُعرفون بيهود إسبانيا أو شبه الجزيرة الإيبيرية.

ولجأ هؤلاء إلى الجزيرة نحو عام 1391 م بسبب اضطهادهم من المسيحيين الكاثوليك الإسبان في شبه الجزيرة الإيبيرية. وكان هؤلاء أكثر عددًا بالنسبة إلى حركة الهجرة الأولى. وأسس أفراد هذه الحركة الحارة الكبيرة واستقروا فيها، وجعلوا منها مقرَّ إقامتهم. وقطع يهود

الحارة الكبيرة مع أصولهم الفعلية أو المزعومة، وأصبحوا جزءًا من منطقة ثقافة اليهود العرب. وقاموا بما يكفل لهم الاندماج في مجتمع

الاستقبال عن طريق حيازة مجال ترابي مادي وامتلاكه والانتماء إليه. ولم ينحز يهود الحارة الكبيرة إلى مرجعية مقدّسة، بل إلى مستوى مادي وحضاري ونمط عيش أرقى. واختار هؤلاء التفوّق المادي والحضاري بالنسبة إلى الغيرية الداخلية في الجزيرة. قابلت رواية الأصل بين تسميات أماكن إقامة يهود جربة. واستمدّ مكان الحارة الصغيرة تسميته وهويته من تسمية الحارة الكبيرة وهويتها. وأدخل أولئك، إبان أول لقاء لهم مع نظرائهم، تغييرًا دالًّ على تسمية مكان إقامتهم في إطار البحث عن إعادة بناء تركيبة

مجموعتهم. وأنتجت رواية الأصل في إطار إعادة البناء الترابي في جربة. جدّت الأحداث وكأن رواية الأصل أتت لتُلغي الرواية التاريخية بشأن اليهود في جربة وتحلّ محلها. وأشارت المصادر التاريخية بالفعل إلى أن اليهود كانوا يسكنون مكانًا يُعرف ب "ديغت"، قبل أن يتحوّل إلى الحارة الصغيرة. وربما تكون كلمة "ديغت" تعني بالعبرية

الباب. وكانت تُمثّل إحدى المدن القديمة في الجزيرة، مثل مدن بريجو وقلالة والقنطرة وغيرها. وبقي منها أثر حصنها في ربوة وفيه

جعل يهود مدينة غرداية بوادي مزاب في الجزائر مثلً من قريتهم "أورشليم القدس الثانية". وجعل يهود تلمسان من جهة أخرى من المدينة مكانًا توقف فيها القائد

العسكري والملك داود. وأطلق أهل مدينة إفران في جبال الأطلس الأوسط في المغرب على قريتهم "أورشليم القدس الصغيرة". وكانوا يعلنون أيضًا أنهم غادروا المشرق زمن

حكم بختنصر البابلي، ينظر:. Valensi & Udovitch, p. 9

توافق لفظة الحارة التي يختص بها اليهود دون غيرهم لفظة الحومة الدالّة على سكنى المسلمين. واختار اليهود أن تكون مساكنهم مجمعة في فضاء واحد، وهو ما

اختاره لهم أيضًا المسلمون الذين كانوا يتكفلون بحمايتهم:

A. Henia, "Juifs et Chrétiens à Tunis à l'époque moderne: Cantonnement dans les quartiers spécifiques et exclusion du droit d'appropriation," in: Chrétiens et Musulmans à l'époque de la renaissance , Études réunies et préfacées par Abdeljelil Temimi (Zaghouan: Fondation Temimi pour la recherche scientifique et l'information, 1997), pp. 165 - 174.

دراسات في تاريخ جربة، أعمال الدورات الأربع لملتقى بشير التليلي للتاريخ (1988 و 1990 و 1992 و 1994) (تونس: اللجنة الثقافية بميدون، 1996)، ص 155.

10 Valensi & Udovitch, p. 8.

حفير دائر به. وكانت الحارة الصغيرة في القرن الثامن عشر، تعرف بأنها توجد في حومة بني ديغت من قسم بني ديس. واختار يهود هذه الحارة عنصر "الغريبة" مكوّنًا من مكوّنات رواية الأصل، كي ترمز إلى المقدس ولما له من أفضلية في سلّم القيم، في مقابل الأفضلية

المادية التي اختارها يهود الحارة الكبيرة لأنفسهم. وكانت العناصر التي أُسّست عليها هوية يهود الحارة الصغيرة، في مقابل نظرائهم في الحارة الكبيرة، مبررًا لعلاقة كانت بينهم في الغالب متوترة، مثلما كانت حالة المجموعات اليهودية المتجاورة في أماكن أخرى. تطورت "الغريبة" لتصبح في مرحلة ثانية مؤسسة حدودية مع الغيرية الخارجية التي يُمثّلها المسلمون غير الإباضية. ومكّن يهود الحارة الصغيرة "الغريبة" من الاضطلاع بأدوار في علاقة الغالب بالمغلوب. وأصبحت "الغريبة" وليّةً صالحة ذات بركة وصاحبة كرامات

وحامية لليهود في أنفسهم وممتلكاتهم. ونقل يهود الحارة الصغيرة عن الوافدين العرب المالكية الكثيرَ من شعائرهم. وكان وجود هؤلاء يمثل خطرًا على اليهود في أنفسهم وممتلكاتهم منذ استقرارهم التدرّجي في الجزيرة، بداية من العهد الحفصي، وخصوصًا بداية من سقوط نظام المشيخة الإباضي، وتحوُّل جربة إلى قيادة في عامي 1743 و 1744. كانت غاية اليهود أن يجعلوا "الغريبة" مجالً حدوديًا يجد المالكية واليهود أنفسهم فيه؛ إذ كان اليهود يبحثون عن إرساء قواسم مشتركة مع الطوائف التي تُهدّد وجودهم في الجزيرة. وكانت غاية اليهود وهدفهم امتصاص التناقضات واقتصاد العنف بين مجموعات مختلفة في الدين وإرساء عيش مشترك. وأبدى الوافدون إلى جربة من غير الإباضيين نزعة نحو الاستيلاء على أرض اليهود والتوسع فيها عندما سمحت الظروف لهم بذلك. خلافًا لما يزعم يهود جربة من أن "الغريبة" تعود إلى العصر القديم، أشار كثير من الدارسين إلى أنه أصبح للغريبة ركيزة ترابية وانعكاس على الأرض في شكل معلم خلال الفترة الحديثة. وربما تحتوي بنايتها اليوم على خصائص معمارية محلية حديثة العهد نسبيًا. وقد لا يعود تاريخ العمارة إلى ما قبل آخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر. ولا نخطئ عندما نزعم أنها بُنيت في ظرفية تاريخية كانت ملائمة، تمثّلت في فترة حكم حمودة باشا الحسيني وحملة علي برغل والي طرابلس على الجزيرة في عام 1794. وكانت غاية اليهود من بناء "الغريبة" هي حمايتهم أنفسهم ومصالحهم عن طريق المقدّس. لم يتوقف اليهود عن التدفق إلى جربة خلال فترتي الأتراك العثمانيين والاستعمار الفرنسي. ووفدوا إلى الجزيرة سواء بصفتهم أفرادًا أم عائلات. وذكرت الوثائق التي تعود إلى عهد الحماية بعض الأسماء الإسرائيلية وأصولهم الجغرافية، حيث استقر بعضهم

محمد أبو راس الجربي، مؤنس الأحبة في أخبار جربة، حققه ومهد له وعلق عليه محمد المرزوقي، قدّم له حسن حسني عبد الوهاب (تونس: المعهد القومي للآثار

والفنون، 1960)، ص 78. 21 المرجع نفسه، ص 85.

Yaron Tsur, "L'Époque coloniale et les rapports 'ethniques' au sein de la communauté juive en Tunisie," in: Esther Benbassa (ed.), Mémoires juives d'Espagne et du Portugal (Paris: Publisud, 1996), p. 198.

محمد المريمي، إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث، ط 2 (تونس: كلية الآداب بمنوبة؛ مجمع الأطرش للكتاب المختص؛ مخبر دراسات مغاربية،

2015)، ص 229. 15 المرجع نفسه، ص 242.

Saadaoui Ahmed, "Les Synagogues de Tunisie: Recherches architecturales," paper prsented at "Histoire communautaire, histoire plurielle, la communauté juive de Tunisie," Actes du colloque de Tunis, Centre de Publication Universitaire, à la Faculté de la Manouba, Tunis, 25 - 27 / 2 / 1998 , pp. 181 - 197.

في الحارة الكبيرة وبعضهم الآخر في قرية حومة السوق المركزية الإدارية والسياسية في الجزيرة، وكانوا يتمثلون في بعض العائلات من الأثرياء. اخترنا من جهة الأقلية الإباضية في جربة وثائق الاسترعاء. واختلفت هذه الأخيرة عن رواية الأصل لدى اليهود، أنتجها فاعلون اجتماعيون معروفون، جُعلت لغرض نقل أملاك وقف من أصلها في محمل الشفوي العرفي إلى وثائق مكتوبة رسمية. ومثّلت مصادر

تاريخية التقى في إنتاجها طرف إباضي وآخر يمثل الغيرية المالكية والجوار المخالف مذهبيًا. وأنتج الإباضيون وثائق الاسترعاء في إطار

لقاء بين مؤسسة جماعوية إباضية من جهة، ومؤسسة مخزنية من جهة أخرى في نطاق محلي. وكانت في سياق تعبير بعض الإباضيين عن الحاجة إلى تأسيس علاقة جديدة في مؤسسة وقف مساجدهم. قد تُحيل وثائق الاسترعاء من جهة الإباضية إلى حقبة ما قبل كتابتها وما بعدها. ففي ما قبل، كانت أملاك وقف الإباضية تنجز في وضع الشفوي والعرف والعادة. وكانت عقود الوقف خلال المرحلة القبلية تُعقد شفويًا، ثم تُنقَل من الشفوي إلى الكتابة، فتأخذ شكل

قائمات الأملاك، واستمرت عرفية، وجُعلت لمجرد الذاكرة الجماعوية. وأصبحت في ما بعد كتابة وثائق الاسترعاء أملاك الوقف في وضع

المحمل الكتابي الرسمي، وتستمد شرعيتها من الجهاز القضائي والجهاز التنفيذي الذي يقف من خلفه. كانت وثائق الاسترعاء إلى جانب ذلك، تطرح مصطلحات وألفاظًا وتطبيقات وآليات طقسية تُحيل إلى العرف والعادة لدى الإباضية، وإلى علم الشهادة في المدرسة الفقهية المالكية. وكانت تجمع حينئذ في الوقت نفسه بين مدوّنتين اثنتين كانتا مستقلتين في

السابق، ولا تجتمعان. تُبيّ وثائق الاسترعاء أن تغييرات مهمة حصلت تخص أملاك الوقف الإباضي. وما عادت وثائق الاسترعاء تصف الأملاك الوقف

بأنها ملك "لجماعة المصلين"، بل أصبحت توظَّف باعتبارها ملكًا للمؤسسة الدينية. وذكرت فيها الأماكن والأملاك بحسب طبيعتها وبأسمائها المحلية، إلى جانب ذكر حدودها والأماكن المعروفة العامة أو الخاصة المجاورة لها. وتحوّلت "جماعة المصلين" من وضع مالك

الوقف إلى وضع الشهود في وثائق الاسترعاء. كانت "جماعة المصلين" تمثل الهيئة التي تقوم على تسيير المؤسسة الدينية الإباضية. وقد تتكوّن الهيئة من عائلات، ويوصف

بعضهم بالفقيه، فكانوا مشايخ دين، وكان بعضهم الآخر لا يحمل صفة بعينها، ما يدل على أنه كان من أعيان المال وغيره. وكان لهم

نفوذٌ في ما فوق المسجد في إطار تراب الحومة عادة. وتعرف "جماعة المصلين"، مع إشرافها على المسجد ووقفه وتصريف شؤون مصليه، بأنها تمثل الحلقة الدنيا في نظام العزابة المحلي الذي يشمل الجماعة في داخل الجزيرة على مستويات الحومة والإقليم والطائفة وكامل جربة، وكذلك الجماعة على مستوى الشتات وحيث تنتشر مجموعات الجربيين حول بلدان المتوسط. عملت جماعة المصلين على نقل بيان أملاك وقف مسجدهم، كما كان ينتج عرفيًا من حالة محمل الكتابة التي ترتبط بالذاكرة

الجماعوية لا غير، إلى وثائق تاريخية ذات شرعية رسمية. وشملت وثيقة الاسترعاء كل أملاك وقف الجامع، بما فيه وفي حدوده.

لقد أنجز أول تعداد للسكان في البلاد التونسية في عهد الاستعمار في آذار/ مارس 1921، ثم أنجز في عدة سنوات كان آخرها بالنسبة إلى دراستنا في شباط/ فبراير 1956،

يُنظر:

Direction générale de l'intérieure, Dénombrement de la population indigène (musulmane et israélite) en Tunisie au – mars 1921 (Tunis: Imprimerie centrale, 1922), p. 7.

في ما يخص الحومة، يُنظر: المنصف بربو، "التعمير بجزيرة جربة خلال الفترة الوسيطة: حوم وحارات"، رسالة ماجستير، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية،

تونس،  2010 / 2011. محمد المريمي، "مجموعات الجربيين الشتات وعلاقتهم بمجتمعات حوض البحر الأبيض المتوسط في العصر الحديث"، في: دراسات في تاريخ جربة، ص 82.

يُحرر عدول الأشهاد رسوم الاسترعاء، وهي تحمل أسماءهم وطابع القاضي وتحفظ إرادة الشهود أو الواقفين. ونذكر من بين

الأمثلة على وثائق الاسترعاء حبسية جماعة المصلين في جامع الشيخ بالقشعيين في جربة، التي تعود كتابتها إلى عام 1288 ه/ 1872 م. وتقدمت "جماعة المصلين" في الجامع إلى القاضي المالكي بقصد إثبات أملاك الوقف، ووضع أفراد الجماعة أنفسهم في وضع الشهود. وكان للشهود القدرة على المعرفة التامة بأملاك الوقف وتمييز الأملاك من حيث طبيعتها وفي حدودها باتفاق. وكانوا يُقرّون بأنها وقف

من أوقاف "جماعة المصلين" والطلاب. وتوارث أعضاء الجماعة الوقف من جيل إلى آخر، وتلقوا ذلك بالتواتر والتداول عن أوائلهم. تشير وثيقة الاسترعاء إلى أن الأملاك كانت في حوزة جماعة المصلين التامة، وكانت في تصرفهم، يحتكرونها الاحتكار العام وفقًا لعادة يقتسمونها مع أمثالهم الإباضية في الجزيرة، ويُسيّونها بحسب القوانين التي كانت مُتّبعة لدى أسلافهم الإباضية. كان يشارك في إنتاج وثائق الاسترعاء العدول وبإذن من القاضي المالكي في جربة. وكان عدول الإشهاد في جربة، وفي غيرها، من أهم الفاعلين الاجتماعيين في الحياة السياسية المحلية. وأصبحت المجموعات الإباضية خلال القرن التاسع عشر، مثل غيرها، منتجةً لعدول إشهاد، يُعيّنون بأوامر، ويُقالون بمثلها، شأنهم شأن سائر المجموعات المالكية. وكان القاضي يأذن لعدول الإشهاد بقبول الإيداع، ويضع

توقيعه أو ختمه أمام الحمد لله، ويُعطي الجهاز القضائي بمكوّناته المختلفة الشرعية، ومن ثمّ القيمة، للوثيقة. وكان القاضي المرجع

بالنسبة إلى الأحكام المطبقة، مثل المفتي بالنسبة إلى الفتاوى. وتبرز تلك القيمة والشرعية في حالة نشوب نزاع أو خلاف بين أطراف مختلفة بشأن الوثيقة. شغل القاضي المالكي في جربة دورًا محوريًا، حيث كان مصدر الحل والعقد في البلاد. وكان يضع طابعًا أو توقيعًا أو ختمه أمام الحمد

لله. كان مرجعًا بالنسبة إلى تطبيق الأحكام، وضامنًا للحقوق الفردية والجماعية. لقد اخترنا مصادر متنها مختلط، تقطع مع الماضي الأهلي الإباضي، لكن ليس قطعًا تامًا، ويُطبّق فيها الفاعلون المالكية قيم

مدرستهم، لكنهم يُخلّون ببعض القوانين والقواعد، حيث كانت وثائق الاسترعاء في نهاية المطاف وثائقَ وفاقٍ. مجمل القول، قد تبدو مصادرنا المتمثلة في رواية الأصل لدى اليهود ووثائق الاسترعاء، مختلفة ومتباعدة بعضها عن بعض، لكنها تخفي إرادة تطوّرت لدى مختلف الفاعلين الاجتماعيين. وهناك من اختار المحمل الشفوي في مجال رواية الأصل لدى يهود جربة، أو

رسوم الوقف العرفية لدى الإباضية، لكن بداية من القرن التاسع عشر أصبح الجميع ينقل إرادته في محمل الكتابة، وكان الجميع يبحث عن رؤية ما كان قد أنتج من الغيرية وإليها. ولم يكن الآخر في رواية الأصل لدى اليهود وفي وثائق الاسترعاء لبيانات وقف الإباضية واحدًا، حيث كان الآخر لدى اليهود

اليهودي نفسه حينًا، والوافد الغريب وغير الإباضي حينًا آخر. أما الآخر لدى الإباضي، فكان الذي يتولّ مؤسسات مخزنية في شكلها

المحلي في الأساس، ومن أهمهم القاضي. وكان باقي أطراف المحلية بالنسبة إلى الإباضية أزلامًا وتابعين لا غير. وقد يكون السؤال الأهم

الذي يُطرح من خلال وثائقنا: أكانت غاية يهود جربة من خلال إنتاج رواية الأصل وغاية الإباضية من خلال وثائق الاسترعاء واحدةً،

أم كان لكل طرف أهدافه وخلفياته؟

محمد المريمي، أهل جزيرة جربة من خلال أوقاف الإباضية وهكداش بيعة الغريبة اليهودية (تونس: مركز النشر الجامعي، 2018)، ص 243.

Jacques Berque, "Cadis de Kairouan d'après un manuscrit Tunisien," Revue des mondes musulmans et de la Méditerranée , vol. 13 , no. 1 (1973), pp. 97 - 108.

يجب التمييز في بناء هرم المجموعات المحلية لدى الإباضية ولدى اليهود بين من كان يُعتبر أهليًا ومن كان يُعتبر غريبًا. وقد نميز في هذا الخصوص بين الغيرية

الداخلية والغيرية الخارجية. ولقد اعتبر اليهود مجموعة يهود الحارة الصغيرة غيرية داخلية والعكس كان أيضًا صحيحًا؛ إذ كانوا يعتبرون أنفسهم أهليين بالنسبة إلى الغيرية

الخارجية أو الوافدة.

ثانيًا: غايات مختلفة لتركيبة مجتمعية محلية واحدة

1. يهود جربة ورواية أصلهم ومطالبهم

أُنتِجَت رواية الأصل لدى اليهود في جربة ضمن إطار إعادة بناء التركيبة المجتمعية والترابية في الجزيرة. وكان إنشاؤها يبرر أهدافًا

مختلفة في علاقتها بالمجموعات اليهودية أو الغيرية الداخلية وبالمجموعات المسلمة، وخصوصًا غير الإباضية أو الغيرية الخارجية. أفادت الرواية بأن اليهود كانوا يعيشون في شكل ثنائية تتمثل في مجموعتين: الحارة الصغيرة والحارة الكبيرة. واختارت الدفعة الثانية من المهاجرين اليهود إلى الجزيرة، في أول لقاء مع "يهود جربة"، عدم الاندماج مع نظرائهم الأصليين، واختارت التميز منهم.

واختار كلٌ مجالَه الترابي ومكانَ إقامته في المحيط الذي يرضاه. في النتيجة، أُنتجت رواية الأصل لدى يهود الحارة الصغيرة في إطار إقامة مقابلة مع رواية الأصل للدفعة الثانية من اليهود الذين طردتهم إسبانيا، وكان عددهم كبيرًا، واستقروا في الحارة الكبيرة المجاورة للسوق الكبيرة في مكان كان أكثر اتّساعًا. ركّز يهود الحارة الصغيرة وجودهم في الجزيرة، مع قلّة عددهم، على عامل المقدّس الذي علّم الاختلاف بينهم وبين يهود الحارة

الكبيرة. وأنتجوا للغرض "الغريبة" التي تذكر الرواية أنها "فتاة قَدِمَت من البحر، حاملة على صدرها لفائف التوراة". ولا يُعرف هل

كانت يهودية أم غير يهودية. وتصف رواية سالم بن يعقوب "الغريبة" بصفتها معبدًا، ونحن نزعم أن الإخباري كان يجمع على خطأ بين

"الغريبة" في الزمن الراهن الذي كان فيه شاهد عيان، و"الغريبة" التي مثلت مجرد عنصر من عناصر رواية الأصل. ومهما يكن من أمر، جعل اليهود من "الغريبة" الأداة التي تنظم المجموعة اليهودية في الحارة الصغيرة، وأعطت أفرادها هوية إضافية، ومثّلت العقدة

التي نشأت حولها كل الروايات التي شملت جوانب عدة من الحياة المعيشية للمجموعة. كان التمايز في خطاب يهود الحارة الصغيرة بالنسبة إلى خطاب نظرائهم مبررًا لإقامة الحدود مع الغيرية الداخلية ولتوزيع الأدوار

والعمل ضمن التركيبة المجتمعية المحلية. واختار يهود الحارة الصغيرة رواية الأصل مبررًا لاحتكارهم الخاص لمجالات نشاطهم

الاقتصادي والاجتماعي التقليدي في المجال الترابي الإباضي الذي يُعرف محليًا باقتصاد الغابة. وفي المقابل كان خطاب يهود الحارة

الكبيرة مبررًا للنشاطات التي كانت على علاقة بالسكان المالكية في السوق الكبيرة، وبالقبائل التي ترجع إليها في غالبيتهم القاطنة في

المنطقة القارية المجاورة. وظّف يهود الحارة الصغيرة من جهتهم "الغريبة" لتكون مؤسسة حدودية، مع ما يُمثّله الإسلام المالكي من غيرية خارجية، حيث

جعلوا منها وليّة صالحة ذات كرامات شبيهة بكرامات الأولياء لدى أهل السُنّة، قصد البحث عن علاقة قوامها اقتصاد العنف. وكانت

غاية يهود الحارة الصغيرة من ذلك هي طلب حقهم في الانتماء إلى الجزيرة وأهلها، وحقّهم في التراب وكسب الشرعية والانحياز التام إلى الفئة الاجتماعية الإباضية. وكان لليهود عقد مجتمعي وتاريخي مع الإباضية، وكانوا في عيشهم المشترك معهم في علاقة تامة تقتصد العنف. وكان بين اليهود والإباضية شعور مشترك بتضامن أصلي. وطبق ذلك العقد المجتمعي بين اليهود والإباضية في أماكن أخرى مختلفة، منها الجريد في العصور الإسلامية الأولى، ومنطقة جبل نفوسة وغيرها.

محمد العربي السنوسي، "'أسطورة الغريبة' ويهود جربة إلى حدود الحرب العامية الثانية"، في: دراسات في تاريخ جربة. 24 لمزيد من معرفة اقتصاد الغابة، يُنظر:

Mohamed Merimi, Juifs de Djerba et stratégies identitaires (Tunis: Diraset - Etudes Maghrébines, 2012), p. 77. 25 Ibid., p. 121.

صالح باجية، الإباضية بالجريد في العصور الإسلامية الأولى: بحث تاريخي مذهبي (تونس: دار بوسلامة للطباعة والنشر والتوزيع، 1976.)

أصبح الخطر يُحدِق باليهود في جربة حين ارتفع عدد المسلمين السنّة والغرباء المالكية. وكان هؤلاء موالين للسلطة وحلفاء لها.

وخلافًا لعلاقة اليهود بالإباضية القائمة على اقتصاد العنف، كرّس أهل المالكية العنف في مستويات عدة مع اليهود، خصوصًا بعد انقراض

نظام العزابة الإباضي والقضاء على مؤسسة المشيخة في جربة وإقامة القيادة مكانها في عامي 1743 و 1744. وورد الكثير من الأساطير التي تُعبّ عن الخطر الذي كان يمثّله هؤلاء على يهود جربة وأراضيهم وعقاراتهم ومقدّساتهم وغيرها. ووظّفت "الغريبة" من أجل

حماية اليهود المقدس في أشكاله المختلفة. في المقابل، وضع يهود الحارة الصغيرة لجوءهم إلى جربة في فترة ما قبل الميلاد. وكانت غايتهم طلب شرعية الأسبقية في الإقامة في المكان، ومن ثم شرعية الانتماء إلى أهل البلاد. زعم اليهود أنهم كانوا الأسبق بالنسبة إلى باقي الفئات الاجتماعية في سكنى الجزيرة. ووضعوا أنفسهم الأسبق أيضًا في تبوّء صفة أهل المكان قبل المسلمين، بمن فيهم الإباضية أنفسهم. لا تمكّن الحقيقة التاريخية من التثبت من مثل هذه المزاعم. ومهما يكن من أمر، فإنه لا مجال للاعتماد سوى على الطبيب الأندلسي ميمون، وعلى ما ورد أيضًا في وثائق الجنيزة في مصر. وقد نذهب إلى الاعتقاد، استنادًا إلى هذه المصادر، بأنه كان ل "يهود

جربة" حضور في الجزيرة ابتداء من القرن العاشر تقريبًا، وليس هناك ما يدل على أي وجود لهم هناك قبل ذلك. كما يمكن القول إنه لا

وجود لوثائق أو كتابات أو نقوش وغيرها ذات صلة بتاريخ الجزيرة يدل على أنهم كانوا يقيمون في جربة قبل ذلك التاريخ (وهو لا يعني أننا ننفي عنهم أي وجود فعلي قبل ذلك التاريخ ولكنه إن وجد فهو غير لافت في الوثائق التاريخية المصدرية). وقد نفترض في الحصيلة أن استقرار اليهود في الجزيرة كان يوافق تنظم الإباضية في جربة في إطار هياكل نظام العزابة المحلي الإباضي. خلافًا لما يزعم اليهود، لم تنتقل الشعائر الدينية المعتمدة لديهم، سواء في علاقة بمعلم "الغريبة" زمن الحج إليها أم غير ذلك، إلى المسلمين بفعل أقدمية اليهود في المكان، بل أخذ اليهود تلك الشعائر عن المسلمين المالكية واعتمدوها في مناسبات "الغريبة" المختلفة. كان المالكية منذ تأسيس "الغريبة" هم الأقوى في الجزيرة، وحلفاء السلطة والموالين للمخزن الذين يمثلون الخطر الأساسي للوجود اليهودي في الجزيرة. انحاز يهود الحارة الصغيرة إلى المسلمين المالكية، فاختاروا قيم المقدس وشعائر دينية من شعائرهم، حيث لا يكون أي فارق بين

هؤلاء وأولئك، فيجد المالكية أنفسهم في ما يقوم به اليهود. وأُضفِي على "الغريبة" قدسية كانت تضاهي قدسية الأولياء، خصوصًا

الوليّات الصالحات لدى المالكية في الأنوثة والخصوبة والعمل والحضانة. وحيكت حول "الغريبة" أساطير احتوت على الكثير من

القواسم المشتركة بين اليهود والمسلمين المالكية في جانب التصوف والمعتقد والشعائر وغيرها. وكان اليهود، والمسلمون السنّة أيضًا،

نتيجة لذلك يجدون أنفسهم في ما كان يروى عن "الغريبة". استمد يهود الدفعة الثانية الذين أنشؤوا الحارة الكبيرة رواية مقابلة لرواية يهود الحارة الصغيرة. وأتوا بعدد أكبر من عدد الذين كانوا يسكنون ديغت، وبنوا مكانًا أوسع من الناحية الجغرافية من الحارة الصغيرة، كما جعلوا من المكان الذي استقروا فيه عنصرًا من

هوية، فبنوا فيه الكنائس وعملوا مجالات خاصة لحركتهم وحركة نسائهم، ومجالات أخرى كانت منفتحة على الوافد إلى سوقهم. ولم تقم رواية أصل يهود الحارة الكبيرة على المقدس، بل على تفوّقهم الحضاري، حيث كانوا يهودًا من أصل أوروبي من شبه الجزيرة

الإيبيرية. وكانوا يقطنون إلى جوار المسلمين المالكية الذين كانوا الحلفاء الموضوعيين للسلطة.

بيّنت جوسلين دخلية نظرة أهل الجريد المالكية إلى اليهود الدونية، ينظر:

Jocelyne Dakhlia, L'Oubli de la cité: La Mémoire collective à l'épreuve du lignage dans le Jérid Tunisien (Paris: La Découverte, 1990), p. 59. 28 Merimi, p. 49.

كانت رواية الأصل عند يهود الحارة الكبيرة، بما كانت ترمز إليه من تفوّق مادي، تبرر نشاط المعاملات مع المسلمين في السوق

الكبيرة والقبائل التي ترجع إليها أصولهم في المناطق القريبة من جربة على القارة. وكان التجار المتجولون من الحارة الكبيرة يتنقلون بين الحارة الكبيرة والسوق الكبيرة، ويتّجهون أيضًا إلى مناطق جرجيس وورغمة وتطاوين... إلخ. مجمل القول، أتت روايات الأصل لتعلّم هويات مجموعات يهودية اختارت الاختلاف في ما بينها في محيط مجتمعي جزيري واحد. ونشأت بذلك المقابلة مع رواية الأصل لدى يهود الحارة الصغيرة ونظيرتها لدى يهود الحارة الكبيرة. وقامت ثقافة الأصل لدى يهود جربة عمومًا على ثنائية الأصل التي تحيل إلى نفس ما كان موجودًا في هذا النطاق في أماكن عدة من حوض البحر الأبيض

المتوسط. وقد نذكر من ذلك مثلً أن اليهود في مدينة تونس يُقسمون إلى فئة اليهود "التوانسة" الأهليين، في مقابل فئة يهود "القرانة"،

نسبة إلى مدينة قُرْنة، الذين هم من أصل أندلسي، وفدوا عن طريق إيطاليا. وانتقل هذا الفكر من مكان إلى آخر وكاد يكون في هذا

الشأن القاعدة في أماكن عدة من بلدان حوض المتوسط.

2 الإباضية ومطالب الفاعلين ووثائق الاسترعاء

توازيًا مع توظيف اليهود رواية الأصل وأسطورة "الغريبة" قصد تحقيق أهداف معيّنة، أسس الإباضية من جهتهم وثائق الاسترعاء

المتعلقة ببيانات أملاك وقف مساجد جربة الإباضية لاستعمالها لغايات محددة وتحقيق مطالب الفاعلين الاجتماعيين. وفي حين كانت مطالب اليهود من خلال رواية الأصل قد أقيمت على مطالب جماعية، كانت مطالب الإباضية من خلال وثائق الاسترعاء مطالبَ فردية

و/ أو جماعية. أقام الإباضية وثائق الاسترعاء بهدف نقل بيانات أملاك وقف بعض مساجد جربة من طابعها الشفوي العرفي، إلى محمل الكتابة وفقًا لعلم الشهادة في المدرسة الفقهية المالكية. ومثلت "جماعة المصلين" في بعض مساجد الإباضية الفاعل الأساسي. وشاركتهم في ذلك هيئة القضاء المالكي في الجزيرة؛ فحصل تواطؤ بين فاعلين كانوا ينتمون إلى فئات اجتماعية ومذهبية مختلفة. تقدَّم أعضاء "جماعة المصلين" في جامع الشيخ بالقشعيين في جربة في عام 1288 ه/ 1872 م لإنشاء وثائق الاسترعاء بصفتهم

الشهود على أن الوقف هو من أوقاف "جماعة المصلين". وكانت الأملاك في حوزتهم التامة، وفي تصرفهم العام. وأقرّوا بأنهم ينتفعون

بها على عادة الإباضية أمثالهم في الجزيرة. وكانوا في الوقت نفسه المستفيدين من الوقف باعتبارهم يمثلون "الجماعة" والمتصرفين في أملاك الوقف. كان الجهاز القضائي المالكي هو المتكفّل بتحويل بيانات أملاك الأوقاف من العادة القائمة على محمل الشفوي إلى محمل الكتابي

الرسمي. وكُتبت وثيقة الاسترعاء من عدول إشهاد، بإذن من القاضي المالكي الذي يضع طابعه على الوثيقة. وكان القاضي يمثل الدولة ويُعيَّ من السلطة المركزية بأمر، ويُعزَل كذلك بأمر. وكان يقتصر عمل القاضي ودائرة نفوذه في المجال المالكي في السابق على دائرة القضاء

المالكية، لأن الإباضية كانت لهم دوائر قضائهم الخاصة. أنتج "جماعة المصلين" وثائق الاسترعاء، وكانوا يبحثون عن تحقيق أهداف تتمثل في إضفاء شرعية على أملاك وقف مساجدهم. وأنجزت وثيقة استرعاء جامع الشيخ بالقشعيين خلال قرن وربع القرن من قضاء النظام الحسيني في تونس على مؤسسة "شيخ جربة"،

M. L. Gharbi, "Les Colporteurs: Un réseau d'échange dans la Tunisie coloniale," in: A. Benhadda, A. El Moudden & M. L. Gharbi (coordination), Réseaux d'échange au Maghreb et en Méditerranée (Rabat: Université Mohammed V Faculté des lettres et des sciences humaines, 2008), pp. 47.

فرحات الجعبيري، نظام العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة (تونس: المعهد القومي للتراث والفنون، 1975)، ص 275.

الذي كان من أهم نتائجه ضعف نظام العزابة لدى الإباضية. وفقدت أملاك وقف مساجد الإباضية عمومًا شرعيتها التي كانت تستمدها

حينئذٍ من هياكل النفوذ الإباضية المحلية. ونشأت خلال فترة القيادة في جربة التي بدأت في عامي 1743 و 1744 حاجة جماعات المصلين أو بعضهم على الأقل إلى إضفاء شرعية رسمية على أوقاف مساجدهم. وبقي الكثير من مساجد الإباضية في نطاق العرف والعادة، من دون أن ينخرط جميعهم في التغيير، ومن دون أن تنشأ لديهم جميعًا الحاجة إلى البحث عن شرعية بديلة من الشرعية العرفية. مثّلت وثائق الاسترعاء مجال التقاء بين مؤسسة إباضية هي "جماعة المصلين" ومؤسسة مخزنية هي جهاز القضاء. وكان تدخّل

المؤسسة المحلية دالً على طلب إضفاء شرعية على أملاك وقف كانت لا شرعية لها سوى ما تسمح به هياكل نظام العزابة. ومهما يكن من أمر، كانت شرعيةً هامشية بالنسبة إلى النظام الشمولي. وتقدم النظام القضائي ليكون ضامنًا في شرعية الوثيقة وصحتها. وكان يقف خلف الجهاز القضائي جهاز تنفيذي رسمي. ونجح النظام الرسمي بذلك في احتواء فئة اجتماعية، فحوّلها إلى فئة طرفية بالمعنى

الخلدوني للكلمة. ضحّى "جماعة المصلين" من خلال التجائهم إلى وثائق الاسترعاء بالعلاقة الاجتماعية التي تتمثل في التنظيم الهرمي الجماعوي

الذي يجسده نظام العزابة الإباضي، وتمسكوا في المقابل بالرابطة الاجتماعية التي تفترض مواصلة اتّباع العرف والعادة في الممارسة

الوقفية. واستمرت القيم والقوانين القائمة عليها المدرسة الفقهية الإباضية محتفظًا بها وغير مفرّط فيها، على الرغم من كتابة وثيقة

الاسترعاء من الجهاز القضائي المالكي. كان "جماعة المصلين" يبحثون عن كسب شرعية لأملاك أوقاف مساجدهم، تكفل لهم مواصلة تطبيق قوانين الفقه الإباضي وقواعده في باب الوقف. وتمكنت "جماعة المصلين" في جامع الشيخ بالقشعيين بالفعل من تطبيق ما كان يُطبّق في باقي مساجد الإباضية

من قيم وترتيب، وما كان قد دأب في اتّباعه أسلافهم في مساجدهم أيضًا. وكان أعضاء "جماعة المصلين" في مثل تلك الحالة يطلبون مع ذلك المحافظة على موقعهم من المؤسسة الدينية وعلى دائرة إشعاعهم التي تتمثل في الحومة التي يوجد بها المسجد. وكانوا يطلبون اعتراف السلطة بوضعهم في صلب مجموعاتهم، وفي المقابل لم يتم لهم تحقيق مطالبهم من دون تنازلات. واعترفت "جماعة المصلين" الإباضية بشرعية الجهاز القضائي المالكي ونفوذه على قضاياهم ومجالهم. وبذلك قد تكون الدائرة القضائية اكتملت كما تنص عليها أوامر تعيين القضاة في جربة بالاعتراف للقضاء الرسمي بمهماته على كامل أهل الجزيرة. في الحصيلة، خرجت رسوم الوقف الإباضية من محمل الشفوي العرفي إلى محمل الكتابي الرسمي، وأصبحت حينئذ معلومة ومرئية، ولم تبق في مجال التجاذب بين فقهاء وأولي الأمر المالكية من جهة، وفقهاء وأعيان الإباضية من جهة أخرى. وأصبحت مصدرًا

من مصادر الوفاق، وهيّأت بذلك للعيش المشترك بين المالكية والإباضية. مجمل القول، لم يكن إنتاج وثائق الاسترعاء والطلب عليها من "جماعة المصلين" في جربة خلال القرن الثامن عشر والفترة الموالية القاعدة. ومثّلت اتجاهًا من بين الاتجاهات التي اتخذتها أملاك الوقف الإباضية والشرعية المرجوّة منها. وحافظ الكثير من

المساجد على وثائق وقف عرفية، تمثّلت في قائمات أملاك وقف جماعة المصلين الإباضية، جُعلت للذاكرة الجماعوية لا غير. وتحوّل

بعضها ذاته إلى وقف مشترك غير رسمي وبقي بأيدي عائلات مرابطية من قبيل عائلة الساطوري. وعمد بعض الواقفين إلى اختيار كتابة أوقافهم وفقًا لعلم الشهادة في المدرسة الفقهية المالكية. وبناء عليه، أتيح للإباضية مع وضع القيادة في الجزيرة اختيارات عدة بفعل ضعف هياكلها المحلية وتحت تأثير الجوار المالكي.

31 المريمي، أهل جزيرة جربة، ص 149.

مكّنت وثائق الاسترعاء المنجزة من "جماعة المصلين" في عدد من مساجد الإباضية وجوامعها من إمساك العصا من الوسط، إن صحَّ التعبير. وكسبت شرعية من القاضي المالكي ومؤسسات السلطة المركزية العاملة في نطاق الجزيرة. وحافظت بالتوازي على حيازة

الوقف والتصرف فيه وإدارته وفقًا لشروط العادة المعترف بها لدى المجموعات الإباضية في داخل جربة وخارجها.

ثالثًا: العيش المشترك يف جربة والدلالة الكامنة وراءه

1 المحلي ويهود جربة والعيش المشترك

استقر "يهود جربة" تاريخيًا في مكان يعرف ب "ديغت"، يقع في محيط مباشر يقيم فيه سكان جربة الإباضية. ومع لجوء يهود شبه

الجزيرة الإيبيرية إلى الجزيرة واستقرارهم في الحارة الكبيرة، تحوّلت "ديغت" إلى الحارة الصغيرة. وأنشأت رواية الأصل المزعومة للدفعة

الثانية لهجرة اليهود غيريةً داخلية لدى الدفعة الأولى. احتضن الإباضية اليهود في أثناء استقرارهم في جربة وجعلوهم من بين "أهل جربة". وذهب الإباضيون في رواية شعبية إلى الترويج، ولا يزال هذا الترويج قائمًا إلى اليوم، أن اليهود قصدوا في بداية أمرهم المنطقة الساحلية للجزيرة واستقروا فيها من دون أن

يكترثوا للأخطار التي قد تحدق بهم من مناطق القبائل في الجزء القريب من القارة. وحملهم الإباضيون للانتقال إلى المناطق الداخلية في الجزيرة لإبعادهم من كل الأخطار وحمايتهم من "العرب" المقيمين في البر الكبير. عاش اليهود من الناحية التاريخية، عمومًا، منسجمين إلى حدٍ كبير مع الإباضيين. وكانت علاقة الإباضيين باليهود علاقة أهلنة

Indigénisation، تحكمها النصوص الفقهية في مختلف أبواب الفقه الإباضي، مثل مراسيم الجباية وغيرها، وتحكمها من جهة أخرى الذاكرة الجماعوية الإباضية. وكانت تلك الذاكرة مبررًا لحالة القوة التي كانت عليها هياكل النفوذ الإباضية المعروفة تقليديًا بنظام العزابة

ومدى تمكّنها من تراب الجزيرة الذي كانت تعيش فيه أقليات أخرى عدة. كسب اليهود حق الأهلنة في جربة عن طريق الإباضية من جراء العقد الاجتماعي الذي كانت تمثله رواية الأصل. وكان خطاب الإباضية يُحمّل هياكل النفوذ المحلية (العزابة) مسؤولية حماية اليهود وتوفير الأمن لمؤسساتهم ولأفراد المجموعة، فاعتبروهم إحدى

فئات "أهل جربة"، ولم يكونوا بالنسبة إليهم "غرباء" في الجزيرة من قبيل الأشراف والعرب المالكية والحنفية. ودأب يهود جربة، وخصوصًا يهود الحارة الصغيرة من جهتهم، في بيان أن علاقتهم بأرض جربة كانت علاقة قديمة. وكانت سابقة لانتشار الإسلام في

الجزيرة. وكانت علاقة تُقام على توزيع العمل. كانوا يطالبون بالحق في المكان والإقامة على الأرض بالتوازي مع الأقدمية في الإقامة. على خلاف رواية الإباضية الشعبية بشأن هجرة اليهود إلى جربة، أنتج الشيخ سالم بن يعقوب روايته عن الموضوع، فكانت مطابقة لرواية اليهود أنفسهم، وتُفسّ أن الشيخ عاش في فترة ضعف نظام العزابة المحلي، ولم يكن أمام الإباضية سوى تلقُّف ما يروّج له اليهود. وأصبحت

القوة في جربة والنفوذ في يد هياكل النفوذ المركزي في شكلها المحلي بداية من أواسط القرن التاسع عشر. وقد يشير ذلك إلى أن الرواية المروّجة

من اليهود وتأكيدها من الإباضيين كانت رواية مطلبية في الأساس، تخص بيان حق اليهود في المكان وحقهم في وضع الأهلنة في الجزيرة. انتقلت حالة يهود جربة في رواية الأصل إلى المستوى الأكاديمي، ما يطرح أكثر من موضوع. وقد يذهب الكثير من الدارسين إلى القول إن يهود الحارة الصغيرة وفدوا إلى الجزيرة خلال العصر القديم والعهد الروماني، تماشيًا مع ما ورد في رواية الأصل التي يروّج

32 المرجع نفسه، ص 309.

لها اليهود، واعتمادًا على الشعائر الدينية المعتمدة لديهم التي تحترم التقليد والعادة القديمة. وقد لا نعثر، كما سبق أن ذكرنا، على أي

وثيقة تاريخية مكتوبة أو منقوشة أو منحوتة دالّة على أي وجود ليهود في جربة خلال العصر القديم، خلافًا لما يزعم اليهود. وقد لا يدل غياب المصادر عن حقيقة الأشياء في الواقع التاريخي، لأن عدم وجود الدلالة لا ينفي وجود الدلالة ذاتها. لكن إذا ما استثنينا الأساطير والروايات والشعائر الدينية العرفية، بما فيها الروايات التي تُحاك حول كنيس "الغريبة"، فلا يوجد من المؤرخين من يحيل إلى مصادر يهودية تاريخية حقيقية خلال العصور القديمة. ذهب دارسون آخرون، وهم على حق، إلى القول إن اليهود لم يكن لهم وجود في جربة قبل القرن العاشر الميلادي. وقد لا نخطئ حين نزعم أن أولى الكتابات التاريخية التي تعرّضت ليهود جربة تمثّلت في كتابات الطبيب اليهودي القرطبي الإسباني ميمون Moïse

Maïmonide (ولد في عام 1138 م) ووثائق كنيس الجنيزة في مصر التي درسها الباحث غوتين Dov Shelomo Ghotein. وتعود تلك المصادر إلى الفترة من القرن العاشر إلى القرن الثاني عشر. وقد تكون تلك الفترة متزامنة مع تنظيم الإباضية في مجموعة سياسية وإنشائهم نظام العزابة في جربة. أما بخصوص الجانب المتعلق برواية الأصل لدى يهود الحارة الكبيرة، فلا أحد يمكنه أن يثبت أو ينفي الجانب التاريخي لما تزعمه الرواية. وكانت هذه الرواية تجد مبررًا لها في التفوق الحضاري الذي كان عليه يهود الأندلس أو يهود شبه الجزيرة الإيبيرية في أثناء فترة

استقرارهم في البلاد التونسية عمومًا. ومهما يكن الأمر، الأهم هو أن أصحاب هذه الرواية كانوا يروّجون لما كان يروّج له الكثير من

المجموعات اليهودية المنتشرة حول البحر الأبيض المتوسط، ومنها، على سبيل المثال، يهود مدينة تونس؛ إذ كانوا هم أيضًا منقسمين على أنفسهم بحسب رسم يهود جربة نفسه، إلى "توانسة" وهم أصليون و"قرانة" وهم وافدون. ولم تكن الإحالة إلى الأندلس من نسج رواية الأصل، خاصة بيهود الحارة الكبيرة، بل كانت شائعة في عدد من الأماكن حول البحر المتوسط، وكانت مدينة تونس مثالً على ذلك. ونحن نعلم مع هذا أن الهجرات الأندلسية في البلاد التونسية لم تصل إلى الجنوب، ولا إلى الجنوب الشرقي التونسي تحديدًا. مكّنت رواية الأصل عند يهود الحارة الصغيرة من تحقيق الكثير من انتظاراتهم. لقد وظفت للتميز من الغيرية الداخلية ويهود الحارة الكبيرة. وجعلتهم من منظور الإباضية جزءًا من أهل جربة. وجعلوا من "الغريبة" مؤسسة حدودية قائمة على المقدس، ومكّنتهم

في علاقتهم بالغيرية الخارجية وبالعرب المالكية الوافدين على جربة من اقتصاد العنف. في المقابل، لم يكن جانب من المسلمين غير الإباضيين يعترف ل "الغريبة" ببركتها وقدسيتها. ومارسوا عليها وعلى أتباعها العنف في أكثر من مناسبة. وقد تفيد المصادر التاريخية أن "الغريبة" لم تكن قادرة على حماية اليهود خلال أزمة الأنظمة السياسية، وأهمها أزمة عام 1864 خلال الثورة المعروفة بثورة علي بن غذاهم، وقبلها في أثناء تدخّل علي برغل، والي طرابلس، في جربة في عام 1794. وتعرضت "الغريبة" في عام 2002 لعمل إرهابي استهدف زوّارها من جنسيات وديانات مختلفة. وقد كانت "الغريبة"، بحسب عدد من الوثائق الأرشيفية هدفًا

لعنف العرب الذين حرقوا بعض هكداشها (أوقاف المؤسسات الدينية) ودنّسوا أغراضها بالسرقة أو التلف ولم يبالوا بالجانب القدسي للمعلَم.

33 Valensi & Udovitch, p. 11. 34 Ibid., p. 11.

المريمي، إباضية جزيرة جربة، ص 25. قد يذهب الذين يزعمون أن وجود اليهود في جربة كان قديمًا ويعود إلى ما قبل الميلاد، إلى القول إن الشعائر المصاحبة

للمناسبات الدينية في "الغريبة" أخذها المسلمون، فاعتمدت في علاقتهم بأوليائهم الصالحين ذكورًا وإناثًا. ونحن نزعم على عكس ذلك أن اليهود هم الذين أخذوا الكثير من

شعائر المسلمين المالكية. واتُّخذ من "الغريبة" في هذا الإطار مؤسسة حدودية وكانت الغاية هي أن يجعل اليهودُ المسلمين يجدون أنفسهم في الطقوس والشعائر المطبقة لدى

اليهود، وخصوصًا في المناسبات "الغريبة" واحتفالاتها وحجها. وقد يُعدّ ذلك أهم مبرر لاقتصاد العنف بين الطوائف اليهود والمالكية.

36 Le Renouveau , 12 / 4 / 2002.

قد توحي رواية الأصل لدى يهود جربة ببعض خصوصياتهم وإرادة تميّزهم في علاقة بمحيط مركب. وهناك من رأى أن

مجموعات يهود جربة لا تختلف عن نظرائهم في بلدان الشمال الأفريقي (المغرب) والمشرق (اليمن) و/ أو في أوروبا (إسبانيا، وألمانيا، وبولونيا، وروسيا). وكان يزعم جميعهم في رواية الأصل أنهم ينحدرون من بيت المقدس، وكانوا يمثلون شتات يهود فلسطين. قد يذهب بعض الدارسين الذين تطرقوا إلى إشكالية تأسيس الشعب اليهودي، إلى أن روايات الأصل المزعومة لدى هؤلاء، التي جعلت منهم شتاتًا ليهود فلسطين، كانت في الأساس أساطير مسيحية، وتجاوزت المجال المسيحي وانعكست في الإرث اليهودي. وأصبحت لفظة شتات مصطلحًا دالًّ على تشتت اليهود في بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط وفي أماكن أخرى. ولم يصبح اللفظ

أشمل إلا في ثمانينيات القرن الماضي، فصرنا نتحدث عن الشتات الصيني أو اللبناني. استُغل المصطلح لغاية سياسية من الحركة الصهيونية، تعود إلى القرن التاسع عشر. واستُعمل لإنشاء شعب اليهود وما يفترضه

ذلك من رابطة دينية بين أفراده حتى مع توزّعهم الجغرافي في مناطق متقطعة من العالم. وأُنشئت أيضًا رابطة بين الشعب المزعوم وأرض

فلسطين التي جعلوها موعودة، والتي أُعطِيَت لها مسحة مقدسة. وقد لا يثبت التاريخ غير أن اليهود في هذه البلدان لم يكن يجمع

بينهم سوى الفكر الديني اليهودي. وقد أتيح لهذا الفكر الانتقال، مثل كل فكر مماثل، من مكان إلى آخر خلال العصر القديم والفترة الوسيطة، من دون أن يكون بالضرورة قد صاحب الانتقال الفكري حركة هجرة تاريخية ما. وبيّ الكثير من الدارسين، بمن فيهم من

كان في الجامعات الإسرائيلية، أن ربط المجموعات اليهودية في مختلف مناطق العالم بعضها ببعض ربطًا تاريخيًا هو شأن مزعوم، ولا

علاقة له بالواقع التاريخي. وفي المقابل، يُقر بعض الدارسين أن فكرة الهجرة المزعومة في رواية الأصل هي فكرة لا أساس لها من

الصحة، ولا يمكن أن تُستعمل في ما فوق المحلي، ولا سيما لإنشاء "الشعب اليهودي". نحن نذهب إلى الاعتقاد أن المصادر المُتاحة الدالّة على وجود اليهود الأوائل في جربة بين بداية القرنين العاشر والثاني عشر، تتزامن مع فترة قيام الإباضيين لنظام العزابة. وحصل خلال هذه الفترة التقاء بين مشروع طائفتي اليهودية والإباضية في جزيرة جربة. وأصبح أهل جربة يعيشون ضمن تركيبة مجتمعية لها مؤسساتها الأهلية الإباضية واليهودية. وكان اليهود قد عاشوا خلال الفترة نفسها ظروفًا عصيبة في المغرب الإسلامي. وكانت رواية الأصل تمثل تعبير اليهود عن العقد المجتمعي الذي يربطهم بمحيطهم الإباضي المباشر. ولم يظهر يهود جربة قبل القرن الثامن عشر ولاءً غير ولائهم للجزيرة. وحتى حين وجدوا أنفسهم خارج جربة وفي أوضاع غير مريحة، كانوا

يُعلنون علاقتهم بجربة وانتسابهم إلى أهلها.

2. الإباضية بين المحلي والشمولي

مثلما سعى اليهود لتحقيق مطالب من خلال إنشاء رواية الأصل، سعى الإباضيون، أفرادًا وجماعات، لتحقيق أهداف من خلال إنتاج وثائق الاسترعاء. وظهرت وثائق الاسترعاء في إطار التوجهات التي عرفتها بيانات أوقاف العرف الإباضية. واختلفت ردات الفعل الناتجة من

R. J. Werblowsky, "Jerusalem dans la conscience Juive, Chrétienne et Musulmane," Cahiers de la Méditerranée , vol. 29 , no. 1 (1984), pp.  189 - 205. Shlomo Sand, Comment le peuple juif fut inventé (Paris: Fayard, 2008), p. 10. Michel Bruneau, "Espaces et territoires de diasporas," L'Espace Géographique , vol. 23 , no. 1 (1994), p. 5 - 18 ; Ridha Kéfi, "L'ombre de Ben Laden," Jeune Afrique , no. 2154 (2002), p. 30.

الهادي التيمومي، النشاط الصهيوني بتونس بين 1897 و 1948، تقديم محمود درويش (صفاقس: التعاضدية العمالية للطباعة والنشر، 1982)، ص 27.

41 Sand, p. 10.

وثائق الاسترعاء بحسب المتقبلين. وكانت تستجيب لفاعليها من جهة، وتجد معارضين اعترضوا على وجودها ولم يعترفوا بشرعيتها. ومهما يكن الأمر، تفرعت عن بعض رسوم الوقف الإباضية العرفية رسوم وقف مكتوبة وفقًا لعلم الشهادة في المدرسة الفقهية المالكية. اجتمعت في وثائق الاسترعاء أطراف اجتماعية كانت لها انتماءات فكرية ومذهبية مختلفة. وكانت تتحمل تجاذبًا، وأصبح الوقف

تبعًا لذلك أداة لتحقيق أغراض مختلفة ومتباينة. وصاحبت كتابة وثائق الاسترعاء قيم ومعايير وآليات فقهية، منها ما يعود إلى العرف

والعادة الإباضية، ومنها ما يرجع إلى علم الشهادة في المدرسة الفقهية المالكية. لم تكن وثائق الاسترعاء تُعيد إنتاج الوقف الإباضي العرفي والتقليدي الصرف، ولا الوقف المالكي بشروطه الفقهية الصارمة. وكانت عبارة عن إنتاج رسوم وقف مختلط ومشترك بين أطراف متباينة فكريًا ومذهبيًا. ومثّلت في نهاية المطاف وثائق وفاق بين أطراف اجتماعية

متداخلة إباضية ومالكية، ولم تكن محل صراع مثلما كانت الحالة السابقة بين تلك الطوائف. وأنتجت وثائق الاسترعاء بتواطؤ بين "جماعة المصلين" في بعض المساجد والجوامع الإباضية والقاضي المالكي في جربة. وكان المنتج محليًا وبعيدًا من المخزن والسلطة المركزية

وما تعنيه من طابع شمولي. كان الإباضيون ينتظرون من وثائق الاسترعاء المحافظة على أملاك الوقف في علاقة بالذاكرة الجماعوية وبالممارسات الوقفية العرفية، وكانوا ينتظرون إضفاء شرعية على أملاك الوقف من دون التفريط في بعض جوانب الظل لأملاك أوقافهم. وكانوا يعملون على إبقاء وجودها شأنًا داخليًا جماعويًا، تحتكر "جماعة المصلين" التصرف فيه.

أُنشئت وثائق الاسترعاء في ظرفية القرن الثامن عشر، وخصوصًا القرن التاسع عشر، حين أصبحت هياكل النفوذ المحلي ضعيفة،

بل وقع القضاء على أعلى هرمها المتمثل في شيخ جربة في عامي 1743 و 1744 وتحويل الجزيرة إلى قيادة، وكان القايد يُعيَّ من المخزن

بموجب أمر تعيين، ويُعزَل بأمر. بقي القاضي المالكي في جربة منذ تعيين ابن ناجي على دائرة قضاء جربة، معزولً ومهمّشًا، لا تنسحب مهماته على المجموعات

الإباضية. وكان لهؤلاء جهازهم القضائي الخاص وقيمهم وقوانينهم وفتاواهم. وكسب القضاء المالكي في جربة القوة والفعل منذ أن أصبحت جربة قيادةً، وقَوي عود المؤسسات المخزنية في صيغتها المحلية، بما فيها مؤسسة القاضي المالكي ذاته. فقد الإباضيون من خلال كتابة وثائق الاسترعاء العلاقة الاجتماعية، ففرطوا في المؤسسات الضامنة للفعل والفعل القضائي على نحو خاص. وتمكّنوا في المقابل من إنقاذ الرابطة الاجتماعية صلب المؤسسة الدينية بتوظيف الوقف الإباضي. وبقي التصرف في الوقف يحتكر من جانبهم احتكارًا عامًا، كما كان في السابق. وفي المقابل، أمكن القاضي المالكي فرض اعتراف الإباضية بسلطته على كامل

الدائرة القضائية المُعيّ عليها، وتنازل عن بعض القيم التي كان معمولً بها في المدرسة الفقهية المالكية. وتعرضت بعض وثائق الاسترعاء

لطعون من أطراف مختلفة من بينها أصحاب الإفتاء وغيرهم في البلاد. شارك في إنتاج وثائق الاسترعاء من دون شك فاعلون اجتماعيون من انتماءات فكرية ومذهبية مختلفة، وحققت تلك الأطراف شكلً من الوفاق في ما بينها، فتنازل كل منها عن جزء من قيمه وآليات عمله. ومثّل النطاق المحلي مجال تلك التحولات. وبالرجوع إلى وثيقة استرعاء جامع الشيخ الإباضي الوهبي الكائن في حومة القشعيين بجربة، نلاحظ أنه تمّ إثارة الكثير من القوادح التي كان الهدف

منها هو إبطال وثائق الاسترعاء وعدم العمل بها.

Guy Bajoit, "Le Concept de relation sociale," Nouvelles perspectives en sciences sociales , vol. 5 , no. 1 (Octobre 2009). p. 51. Benoît Ladouceur, "Serge Paugam, Le lien social," Open Edition Journals (2008), accessed on 30 / 10 / 2019 , at: http://bit.ly/ 2 JvCnNd

نشأ اتجاه صلب المجال المحلي، كان له امتداد على المستوى المركزي، وقد كان مناهضًا لإنتاج وثائق الاسترعاء. وقد لا نعرف من الذي طعن في صحة الوثيقة المذكورة، لكننا نعلم أنها كانت "أمانة الشيخ سيدي إبراهيم بن محمد الجمني" المالكي. وقد يرجع تأسيس العائلة إلى الجد إبراهيم الجمني مؤسس المدرسة الجمنية المالكية في حومة السوق. ووجدت قوى محلية، وكذلك على مستوى المركز كانت تسعى لإلغاء أوقاف الإباضية وعدم إضفاء الشرعية عليها. وقد تكون تلك القوى لا تريد الوفاق الذي تم من خلال إبرام وثائق الاسترعاء بين "جماعة المصلين" والجهاز القضائي، وخصوصًا قاضي المالكية في الجزيرة. وكان الشق ذاته الذي كان رافضًا الوفاق أيضًا

رافضًا التعايش والاختلاف، وكانت غايته أن يعيد المحلي إنتاجًا كليًا ولا شيء غير ذلك. وانخرط في هذا الاتجاه المفتي المالكي والمفتي

المالكي الثاني في الحاضرة. أقرّ الوفاق الحاصل بين "جماعة المصلين" والقاضي المالكي في جربة، من خلال كتابة وثائق الاسترعاء، عدم إلغاء الطوائف.

وحافظ أعضاء جماعة المصلين، ومن خلفهم المصلون على هويتهم الإباضية. وأنتجت وثائق الاسترعاء من بين النتائج أن الإباضية الوهبية تمسكوا بعلاقة الجماعة بالمصلين، أي بالمجموعة، فنقول "جماعة المصلين" التي ترتبط بتراب الحومة. وفي المقابل، أكدت الإباضية المستاوة علاقة الجماعة بالمكان، فنقول "جماعة الجامع" وهو بداية فقدان المؤسسة المسجدية ترابها التقليدي لمصلحة مؤسسات الدولة. وكان ذلك من ضمن الاختلاف المسجل بين المجموعات الإباضية في الجزيرة.

خاتمة

أنتجت رواية أصل اليهود ووثائق الاسترعاء لدى الإباضية في جربة في إطار إزالة تشكيلة مجتمعية وإعادة بنائها في فترات تاريخية متعددة ومختلفة ضمن إطار محلي. وشارك في صياغتها فاعلون اجتماعيون ينتمون إلى فئات ينتسبون إلى منطقة طرفية وإلى أوساط سفلى أو دنيا في الهرم المجتمعي الشمولي الذي كانت تهيمن عليه الأطراف السُنّية، وخصوصًا المالكية. وأنشأ يهود الدفعة الأولى الحارة الصغيرة التي شكلت "الغريبة" محور تنظيمها. وكانت الغاية منها المطالبة بالحق في وضع الأهلنة، ورسمت "الغريبة" بوظائفها المختلفة (ومنها الحج) هوية مكّنت من الانتماء في علاقة بغيرية داخلية (يهود الدفعة الثانية). وعرّف

اليهود الهجرة الأولى إلى مكان إقامتهم تحت عنوان الحارة الصغيرة، ليحلّ محل تسميتها الأصلية "ديغت" التي تقع في وسط مباشر إباضي. وحقق اليهود تراكمًا في هوية "الغريبة" عن طريق النقل من الإسلام المالكي الذي اكتسح الجزيرة، ومثّل غيرية خارجية. استغلت رواية الأصل لدى اليهود أيضًا في ما فوق المحلي. وقامت القوى الصهيونية لضم يهود جربة لصنف الشتات في العالم

وربطهم من دون وجه حق بفلسطين وإنشاء دولة مزعومة أُطلق عليها اسم إسرائيل، لجأ إليها جانب من يهود جربة بالفعل بعد تأسيسها في عام 1948. أنتجت وثائق الاسترعاء من جهة الإباضيين في إطار إعادة تشكّل المجتمع المحلي. ومثّلت وثائق وفاق انخرط في إنشائها جزء من الإباضيين الذين تعاقدوا مع أعوان المخزن، وعلى رأسهم القاضي. وفرّطوا في المقابل في العلاقة الاجتماعية القائمة على هرم المؤسسات،

وتمسّكوا من جهة أخرى بالرابطة الاجتماعية القائمة عليها مساجدهم، التي تعتمد على تطبيق الفقه الإباضي والعادة الجماعوية.

وتمكنت المالكية في المقابل عن طريق القاضي المالكي من تمدد تراب الدولة ومجالها بشروط محلية، وهو ما لم يكن يُرضي القوى

المساندة لوحدة تراب الدولة والفكر التي تقوم عليه.

أن فكر الدولة الشمولي قد يتعارض مع ما يتماشى ومصالح الفئات الاجتماعية المحلية.

ساهمت الفئات الاجتماعية المختلفة في إقامة شروط العقد المجتمعي الذي بني عليه العيش المشترك في مجتمع جزيرة جربة. وتبين

المراجع

العربية

ابن يعقوب، سالم. تاريخ جزيرة جربة ومدارسها العلمية. إعداد فرحات الجعبيري. تونس: دار سراس للنشر، 2006. باجية، صالح. الإباضية بالجريد في العصور الإسلامية الأولى: بحث تاريخي مذهبي. تونس: دار بوسلامة للطباعة والنشر والتوزيع، 1976. بربو، المنصف. "التعمير بجزيرة جربة خلال الفترة الوسيطة: حوم وحارات". رسالة ماجستير. كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية. تونس، 2010 / 2011. التيمومي، الهادي. النشاط الصهيوني بتونس بين 1897 و 1948. تقديم محمود درويش. صفاقس: التعاضدية العمالية للطباعة والنشر، 1982. الجعبيري، فرحات. نظام العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة. تونس: المعهد القومي للتراث والفنون، 1975. دراسات في تاريخ جربة. أعمال الدورات الأربع لملتقى بشير التليلي للتاريخ (1988 و 1990 و 1992 و 1994). تونس: اللجنة الثقافية بميدون، 1996. المريمي، محمد. إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث. ط 2. تونس: كلية الآداب بمنوبة؛ مجمع الأطرش للكتاب المختص؛ مخبر دراسات مغاربية، 2015. _______. أهل جزيرة جربة من خلال أوقاف الإباضية وهكداش بيعة الغريبة اليهودية. تونس: مركز النشر الجامعي، 2018.

الأجنبية

• Ahmed, Saadaoui. "Les Synagogues de Tunisie: Recherches architecturales." paper prsented at "Histoire communautaire. histoire plurielle, la communauté juive de Tunisie." Actes du colloque de Tunis. Centre de

• Bajoit, Guy. "Le Concept de relation sociale." Nouvelles perspectives en sciences sociales. vol. 5 , no. 1

• Benhadda, A., A. El Moudden & M. L. Gharbi (coordination). Réseaux d'échange au Maghreb et en Méditerranée.

• Berque, Jacques. "Cadis de Kairouan d'après un manuscrit Tunisien." Revue des mondes musulmans et de la

• Chrétiens et Musulmans à l'époque de la renaissance. Études réunies et préfacées par Abdeljelil Temimi.

References

Publication Universitaire. à la Faculté de la Manouba. Tunis, 25-27 / 2 / 1998.

(Octobre  2009). • Benbassa, Esther (ed.). Mémoires juives d'Espagne et du Portugal. Paris: Publisud, 1996.

Rabat: Université Mohammed V Faculté des lettres et des sciences humaines, 2008.

Méditerranée. vol. 13 , no. 1 (1973). • Bruneau, Michel. "Espaces et territoires de diasporas." L'Espace Géographique. vol. 23 , no. 1 (1994).

Zaghouan: Fondation Temimi pour la recherche scientifique et l'information, 1997.

• Dakhlia, Jocelyne. "Le Sens des origines: Comment on raconte l'histoire dans une société Maghrébine." Revue historique. vol. 277 , no. 2 (1987). • Dakhlia, Jocelyne. L'Oubli de la cité: La Mémoire collective à l'épreuve du lignage dans le Jérid Tunisien. Paris: La Découverte, 1990. • Direction générale de l'intérieure. Dénombrement de la population indigène (musulmane et israélite) en Tunisie au – mars 1921. Tunis: Imprimerie centrale, 1922. • Kéfi, Ridha. "L'ombre de Ben Laden." Jeune Afrique. no. 2154 (2002). • Ladouceur, Benoît. "Serge Paugam, Le lien social." Open Edition Journals (2008). at: http://bit.ly/ 2 JvCnNd • Merimi, Mohamed. Juifs de Djerba et stratégies identitaires. Tunis: Diraset - Etudes Maghrébines, 2012. • Sand, Shlomo. Comment le peuple juif fut inventé. Paris: Fayard, 2008. • Shatzmiller, Maya. "Le Mythe d'origine berbère (Aspects historiographiques et sociaux)." Revue des mondes musulmans et de la Méditerranée. vol. 35 , no. 1 (1983). • Valensi, L. & A. L. Udovitch, Juifs en terre d'Islam: Les Communautés de Djerba. Paris: Editions des Archives Contemporaines, 1991. • Werblowsky, R. J. "Jerusalem dans la conscience Juive, Chrétienne et Musulmane." Cahiers de la Méditerranée. vol. 29 , no. 1 (1984).