العودة إلى تفاصيل المؤلَّف وساطة اليهود في التجارة بين المغرب وهولندا خلال القرن التاسع عشر: من خلال وثائق الأرشيف الوطني في لاهاي

وساطة اليهود في التجارة بين المغرب وهولندا خلال القرن التاسع عشر: من خلال وثائق الأرشيف الوطني في لاهاي

Jewish Trade Mediation between Morocco and the Netherlands in the Nineteenth Century: By way of documents in the National Archive, The Hague

عبد الغني العمراني

الملخّص

حظي اليهود خلال القرن التاسع عشر بمختلف ضروب الرعاية والاهتمام من السلاطين المغاربة، ومن الهولنديين على السواء؛ إذ تمتعوا بشتّى أصناف الامتيازات، وخصوصًا التجارية والعقارية منها. وقد أهّلهم لذلك درايتهم العميقة بأمور الحساب وإلمامهم الكبير باللغات الحيّة؛ ما دفع السلاطين إلى انتقائهم دون غيرهم ليكونوا لهم وسطاء تجاريين بينهم وبين التجّار الأوروبيين والهولنديين بوجهٍ خاصّ. وقد سطع نجم عدّة أسر يهودية في ميدان التجارة بالمغرب كأسرة پلاش Pallache، في مطلع القرن السابع عشر، وأسرة طوليدانو Toledano خلال عهد السلطان مولاي إسماعيل العلوي (1682-1727)، وأسرتَي آل مقنين وابن دلاّك خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. وسنحاول في هذه الدراسة تسليط الضوء على الدور الريادي الذي أدّاه اليهود المغاربة في الوساطة التجارية بين المغرب وهولندا خلال القرن التاسع عشر، مستفيدين من الخصوصية التي خصَّهم بها السلاطين المغاربة، والتي جعلتهم يتبوؤون منزلة رفيعة ليس في المجال التجاري فحسب، وإنّما أيضًا في المجال الدبلوماسي.

Abstract

In the nineteenth century, Jews received a variety of forms of protection and concern from both the sultans of Morocco and the Dutch; they enjoyed several types of privileges, especially relating to trade and real estate. Their deep knowledge of accounting and their strong familiarity with living languages equipped them for this, leading the sultans to choose them over others to serve as trade intermediaries with European traders, especially the Dutch. Several Jewish families stood out in the field of trade in Morocco, such as the Pallache family at the beginning of the seventeenth centure, and the Toledano family under Sultan Moulay Ismail Alaoui (1687-1727), as well as the Muqneen and Ibn Dalak families in the nineteenth and early-twentieth century. In this study, we shall attempt to shed light on the entrepreneurial role Moroccan Jews played in trade mediation between Morocco and the Netherlands in the nineteenth century, making use of the privilege granted them by the Moroccan sultans, which allowed them to hold a lofty position, not only in the field of trade but also in diplomacy.

الكلمات المفتاحية:
  • وسطاء
  • تجّار
  • المغرب
  • هولندا
  • أهل الذمة
Keywords:
  • Jewish families
  • Traders
  • Intermediaries
  • Netherlands
  • Morocco
عبد الغني العمراني*Abdulghani al-Omrani |
Abdulghani al عبد الغني العمرانيOmrani |باحث في التاريخ المعاصر، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، الدار البيضاء.
*
Researcher in Contemporary History, College of Literature and Social Sciences, Benm'sik, Casablanca.
حظي اليهود خال القرن التاسع عر بمختلف ضروب الرعاية والاهتمم من الساطين المغاربة، ومن الهولنديين على
السواء؛ إذ تمتعوا بشتّى أصناف الامتيازات، وخصوصًا التجارية والعقارية منها. وقد أهّلهم لذلك درايتهم العميقة بأمور
الحساب وإلمامهم الكبير باللغات الحيّة؛ ما دفع الساطين إلى انتقائهم دون غيرهم ليكونوا لهم وسطاء تجاريين بينهم
والهولنديين بوجهٍ خاصّ. وقد سطع نجم عدّة أسر يهودية في ميدان التجارة بالمغرب كأسرة
التجّار الأوروبي
وب
پاش Pallache، في مطلع القرن السابع عر، وأسرة طوليدانو Toledano خال عهد السلطان مولاي إسمعيل العلوي
(1727-1682)، وأسرتَ آل مقنين وابن دلّك خال القرن التاسع عر ومطلع القرن العرين. وسنحاول في هذه الدراسة
تسليط الضوء على الدور الريادي الذي أدّاه اليهود المغاربة في الوساطة التجارية بين المغرب وهولندا خال القرن
التاسع عر، مستفيدين من الخصوصية التي خصَّهم بها الساطين المغاربة، والتي جعلتهم يتبوؤون منزلة رفيعة ليس
في المجال التجاري فحسب، وإنّا أيضًا في المجال الدبلوماسي.
كلمت مفتاحية: وسطاء، تجّار، المغرب، هولندا، أهل الذمة.
In the nineteenth century, Jews received a variety of forms of protection and concern from both the sultans of
Morocco and the Dutch; they enjoyed several types of privileges, especially relating to trade and real estate.
Their deep knowledge of accounting and their strong familiarity with living languages equipped them for this,
leading the sultans to choose them over others to serve as trade intermediaries with European traders, especially
the Dutch. Several Jewish families stood out in the field of trade in Morocco, such as the Pallache family at the
beginning of the seventeenth centure, and the Toledano family under Sultan Moulay Ismail Alaoui (1687 - 1727), as
well as the Muqneen and Ibn Dalak families in the nineteenth and early-twentieth century. In this study, we shall
attempt to shed light on the entrepreneurial role Moroccan Jews played in trade mediation between Morocco and
the Netherlands in the nineteenth century, making use of the privilege granted them by the Moroccan sultans,
which allowed them to hold a lofty position, not only in the field of trade but also in diplomacy.
Keywords: Jewish Families, Traders, Intermediaries, Netherlands, Morocco.
وساطة اليهود في التجارة بين المغرب وهولندا
أثناء القرن التاسع عشر
من خلال وثائق الأرشيف الوطني في لاهاي
Jewish Trade Mediation between Morocco and the
Netherlands in the Nineteenth Century
By way of documents in the National Archive, The Hague
Abdulghani al عبد الغني العمرانيOmrani |

مقدمة

ظلّ يهود المغرب فترة زمنية طويلة على اتصال قويّ بالماسكين بسدّة الحكم، متمتّعين بكامل السلط والصلاحيات لتنفيذ المهمات المسندة إليهم سواءً أكانت دبلوماسية أم تجارية صرفة، ولعلّ هذه الخصوصية تكمن في تزايد قوة أوروبا العسكرية والتجارية، ورغبة المغرب في شراء الأسلحة منها وفي الانخراط في التجارة العالمية؛ إذ كان من الصعب التوفيق بين هذين الهدفين المتلازمين، وهما الجهاد والرغبة في ممارسة التجارة مع الأوروبيين بحكم تعارضهما الأيديولوجي. وكان من أفضل السّبل التي انتهجها المخزن للتعامل مع هذا التضارب هو تركيز النصيب الأوفر من النشاطات التجارية والدبلوماسية في قبضة التجّار اليهود ممّن كانت أواصرهم وثيقة ببلاطات السلاطين، وباستخدام اليهود كتجّار وسطاء لصالح السلاطين في المراسي المغربية ومبعوثين إلى أوروبا يكون المخزن قد تفادى الاتصال المباشر مع المسيحيين. لن نتعرّض في هذه الدراسة إلى الدور الدبلوماسي الذي قام به التجار اليهود في تطبيع علاقات المغرب بالأراضي الواطئة، وإنّما سنحاول تركيز حديثنا عن دورهم بصفتهم وسطاء تجاريين بين البلدين خلال الفترة المدروسة. فإلى أيّ حدّ ساهم التجّار اليهود في ربط التجارة المغربية بنظيرتها الهولندية؟

أولً. أهل الذمة (التجار اليهود) والحظوة السلطانية

لقد فرض اليهود حضورهم في العلاقات التجارية بين المغرب وهولندا بصفتهم وسطاء تجاريين لإنجاز "الصفقات" وإدارة المعاملات التجارية، وهو ما جعلهم يتبوؤون منزلة رفيعة لدى المخزن المغربي ولدى الهولنديين على حدّ سواء، وقد أهّلهم لذلك تمرّسهم الكبير باللغات، ودرايتهم العميقة بخبايا الأمور التجارية، وبتقنيات الحساب اللازمة في هذا الميدان. وقد اشتهرت عائلات يهودية كثيرة بدور الوساطة التجارية بين المغرب وهولندا، كعائلة پلاش Pallache1، التي بدأ اسمها يلمع في هذا المجال مع مطلع القرن السابع عشر، فارتبطت بالسلاطين السعديين المتأخرين مدّة طويلة حتى صارت مطّلعة على الكثير من أسرارهم. وعلى الرغم من الثقة الكبيرة التي وضعها هؤلاء السلاطين في هذه العائلة، والمنزلة المرموقة التي تمتّعت بها لديهم، استخدمت هذه العائلة وظيفتها بصفتها وكيلة للمخزن لخدمة مصالحها الخاصة. ورغم كلّ هذه الامتيازات، فضّل بعض أفرادها الرحيل من المغرب والاستقرار بهولندا لصيانة مصالحهم2. ومن بين أشهر أفراد هذه الأسرة الذين بصموا علاقات المغرب بالأراضي المنخفضة نذكر على سبيل المثال لا الحصر، صمويل بن إسحاق بلياش الذي كان أشهر من قام في أسرة بلياش الذمّية بأدوار سياسية وتجارية خطيرة في هولندا كممثل للسلطان مولاي زيدان السعدي من سنة 1609 إلى وفاته سنة 1616. وقد علت مكانته لدى هذا السلطان حتى إنه كان يسمح لنفسه بإمضاء الصفقات التجارية باسم السلطان من دون أن يكون له تفويض منه؛ ما جرّ عليه بعد ذلك سخط مولاي زيدان. وقاد صمويل في سنة 1612 مفاوضات مع هولندا من أجل تزويد زيدان بالسفن الحربية وأنواع من الأسلحة. وفي غضون سنة 1614 انتقل إلى إنكلترا فألقُِي القبض عليه فيها،

  1. للاطلاع أكثر على دور أسرة بلياش في الوساطة التجارية والدبلوماسية بين المغرب وأوروبا بعامة وهولندا بخاصة، ينظر: أحمد بنجلون، "بلياش"، في: معلمة المغرب، ج 4 (سلا: مطابع سلا، 1991)، ص 1373 - 1374.
  2. أحمد العمراني، "العلاقات المغربية الهولندية خلال القرن السابع عشر (1603 - 1668 م)"، رسالة جامعية لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في التاريخ، طبعة مرقونة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس، الرباط، 2007، ص 109 - 110.

ومكث هنالك قرابة عام في سجنها قبل أن يُطلق سراحه بفضل تدخلات الحكومة الهولندية، وأصيب بمرض ألزمه الفراش، فتوفي بهولندا في يوم 5 شباط/ فبراير 1616 وهو فقير، ودُفن بمقبرة اليهود البرتغاليين بمدينة أدكيرك3. ويوسف بلياش الذي يُعدّ كذلك أحد أفراد هذه الأسرة الشهيرة، وقد اعتمده السلطان مولاي زيدان السعدي وكيلً له في هولندا سنة 1616، وظل بهذه الصفة هنالك إلى وفاته في حدود سنة 16394، ثم نجله إسحاق الملقب بالأعرج الذي كان خبيرًا في المناورات واستفاد كثيرًا من الامتيازات الدبلوماسية والتجارية5 هذا فضلً عن الذمي موسى بن يوسف بلياش الذي قرّبه عمه صمويل من السلطان مولاي زيدان، فاستحسن طلعته ومعرفته باللغات الأجنبية، وجعله عضوًا في ديوانه، ثم سمح له بالسكنى بالقصر ليكون دائمًا قريبًا منه، فصار موسى صاحب القلم كلما كانت لمولاي زيدان مراسلات مع الحكومات الأوروبية أو مع ممثليها بآسفي أو مراكش أو غيرهما6. وقد انقطعت أخبار هذه الأسرة بعد وفاة السلطان محمد الشيخ الأصغر السعدي في سنة 1653، وانهيار الحكم السعدي عقب ذلك بقليل، لتحلّ محلها أسرة يهودية أخرى لا تقلّ عنها أهميةً في الوظيفة المذكورة، وهي أسرة طوليدانو التي سطع نجمها خلال عهد السلطان مولاي إسماعيل العلوي7، إضافةً إلى العديد من التجار اليهود الذين أدناهم هذا السلطان منه، وأوكل إليهم أمر الوساطة التجارية مع الأوروبيين، مثل يوسف ميمران، وولده أبراهام ميمران، وموسى بن عطار. وبعد وفاة السلطان مولاي إسماعيل جعل ولده السلطان أحمد الذهبي (1727 - 1728) من التاجر الذمي إليعازار بن گيگي مبعوثه الخاص إلى هولندا بغرض تمتين الروابط التجارية معها، كما وضع السلطان مولاي عبد الله بن إسماعيل (1682 - 1727) كامل ثقته في بعض مستشاريه اليهود، مثل صموئيل ليفي بن يولي، وصموئيل سومبال8. وزادت حظوة العناصر اليهودية بعد ذلك لدى السلطان سيدي محمد بن عبد الله (1757 - 1790)، الذي شملهم بالرعاية والاهتمام، وفتح في وجههم مرسى مدينة الصويرة بعد تأسيسها سنة 1764، ومنحهم امتيازات تجارية مهمّة، بغرض تطوير هذه المدينة من الناحية الاقتصادية، فتركزت بأيديهم دواليب الحركة التجارية بها إلى جانب الأوروبيين، وخصوصًا منهم التجار الهولنديين9. وممّا تجدر الإشارة إليه أنّ مولاي اليزيد بن محمد بن عبد الله (1790 - 1792) يكاد يكون السلطان العلوي الوحيد الذي تحدثت كثيرٌ من المصادر التاريخية عن سوء معاملته لليهود؛ ذلك أنّه قرَن عداءه للدول المسيحية بعدائه للمجموعات اليهودية، حيث أطلق يد

  1. Le Comte Henry De Castries, Les sources inédites de l'histoire du Maroc , Archives et bibliothèques des Pays-Bas, Tome I (Paris: Ernest Leroux, 1906), p. 310 , note 2 ; بنجلون، ص 1372 - 1373.
  2. Le Comte Henry De Castries, Les sources inédites de l'histoire du Maroc , 1 ère série, Dynastie Saâdienne, Archives et bibliothèques des Pays Bas, Tome II (Paris: Ernest Leroux, 1907), pp. 34 , 627 , note 2 ; بنجلون، ص 1373 - 1374.
  3. Le Comte Henry De Castries, Les sources inédites de l'histoire du Maroc , 1 ère série, Archives et bibliothèques des Pays-Bas, Tome III (Paris: Ernest Leroux, 1912), pp. 244 - 246 ; بنجلون، ص 1372.
  4. بنجلون، ص 1373؛ ثم: De Castries, Tome II, p. 41 , note I.
  5. العمراني، ص 77.
  6. عبد الكريم بوفرة، "اليهود في المغرب"، في: معلمة المغرب، ج 22 (سلا: مطابع سلا، 2005)، ص 7680.
  7. محمد العمراني، المغرب: زمن العلويين الأوائل (الرباط: مطابع الرباط نت، 2013)، ص 104.

النهب في ملاحات تطوان ومكناس والرباط ومراكش، مستغلًّ في ذلك مشاعر الاستياء التي عمّت الرعية نتيجة سياسة والده سيدي محمد بن عبد الله في مجال التجارة وفرض المكوس وتكليف عدد من اليهود بقبضها10. لكن سرعان ما عاد اليهود إلى مكانتهم الطبيعية بعد وفاته مع أخيه السلطان مولاي سليمان، الذي شملهم بشتّى ضروب الرعاية والاهتمام، بحيث كان "يساعدهم ويوافقهم في الأمور ويحبهم محبةً كبيرة، ويفضّلهم على غيرهم من أهل فاس، ويعاملهم بالمال، ويدفع في أيديهم السلع، ونالوا معه وأدركوا مالً وافرًا منه، حتى قال فيه بعض الشعراء: مِنَ الأمَِيرِ وحَازُوا غَايةَ الأربَ بَنُو قُرَيْظَة قَدْ نَالُوا مُرَادَهُم علَ بَنِي الْمُصْطفَى وجُمْلَة العرَب11لَ عَيْبَ فِيهسِوَى تَفْضِيلهِلَهُم والرعاية نفسها تمتعوا بها من لدن خلفائه من بعده: مولاي عبد الرحمان بن هشام (1822 - 1859)، ومولاي محمد بن عبد الرحمان (1859 - 1873)، ومولاي الحسن الأول (1873 - 1894)، ومولاي عبد العزيز (1894 - 1908)، ومَن جاء بعدهم من السلاطين العلويين. ولعلّ المكانة المتميزة التي حظي بها اليهود المغاربة في عهد العلويين هي التي جعلت "الرابطة اليهودية العالمية" تبادر إلى تشييد مجموعة من المدارس اليهودية في عدد من المدن المغربية، مثل تطوان سنة 1862، وطنجة سنة 1865، والصويرة سنة 1867، ووجدة سنة 1910، إضافةً إلى مدرسة تلمودية توراتية في وجدة سنة 191012. وقد أسهمت هذه المدارس في تكوين عدد مهمّ من اليهود تكوينًا عصريًّا منفتحًا على الثقافة الأوروبية، ومرتبطًا بتحولات الاقتصاد المغربي في سياق إدماج البلاد في السوق العالمية13. وهذا ما دفع قناصل الأمم الأوروبية إلى تعيين بعض المتميزين منهم نوّابًا لهم في معظم المراسي المغربية. ومن أمثلة هؤلاء النوّاب اليهود يمكن أن نذكر أبراهام بن دلَّك، نائب القنصل العام لدولة هولندا بطنجة، ويوسف بن شطون، نائب القنصل العام الهولندي بأصيلا سنة 1810 م14. ويبدو أن ابن دلاك ظل مستمرًّا في منصبه نائبًا عن القنصل العام الهولندي كارلوس نيسن Nijssen Charles. A15 إلى ما بعد سنة 1819، بحسب ما يبدو من رسالة القنصل المذكور إلى السلطان مولاي سليمان في سنة 1235 ه/ 1819، حيث يطلب منه فيها السماح له بالذهاب إلى بلاده قصد العلاج، والموافقة على تعيين صاحبه وترجمانه أبراهام بن دلاك خليفةً له في دار الفلامنك16(? بطنجة، وأَمْر

  1. محمد المنصور، "اليزيد بن محمد السلطان"، في: معلمة المغرب، ج 22، ص 7659.
  2. محمد بن عبد السلام الضعيف، تاريخ الضعيف: (تاريخ الدولة السعيدة)، تحقيق أحمد العماري (الرباط: دار المأثورات، 1986)، ص 296 - 297.
  3. بوفرة، ص 7680.
  4. محمد كنبيب، المحميون، سلسلة نصوص بحوث ودراسات 47 (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 2011)، ص 259.
  5. رسالة الشيخ عبد الله الغربي الغرافي إلى الذمي أبراهام بن دلاك"، نائب القنصل العام لدولة هولندة بطنجة عام 1810 م، الأرشيف الوطني بلاهاي، سلسلة 22. 05. 2، قنصلية طنجة 1815 - 1830، رقم 4.
  6. هو القنصل الهولندي العام بطنجة الذي غطَّت فترته بالمغرب عهد السلطان مولاي سليمان وبضع سنوات من عهد السلطان مولاي عبد الرحمان، وكان له يد بيضاء في تصفية عدد من القضايا الشائكة التي طفت على الساحة السياسية المغربية الهولندية أبرزها قضية هجوم البحرية المغربية على المراكب الهولندية سنة 1817 م وما ترتب عنه من خسائر مادية وبشرية جسيمة، ينظر: " رسالة القنصل العام الهولندي كارلوس نيسن إلى السلطان مولاي سليمان بن محمد بن عبد الله"، بتاريخ 22 ربيع الأول 1232 ه/  1817 م. الأرشيف الوطني بلاهاي، سلسلة 22. 05. 2، قنصلية طنجة 1815 - 1830، رقم 7.
  7. يُقصد بالفلامنك هنا دولة هولندة، ويتبين ذلك من خلال الوثائق العديدة الصادرة عن السلاطين السعديين، وعن قواد سلا، وعن السلاطين العلويين، والموجهة إلى المسؤولين الهولنديين، بحيث غالبًا ما نجد هذه الرسائل تُصدَّر بالعبارات التالية: إلى جماعة الإسطادوس أو إلى ديوان الإسطادوس، وأحيانًا بعبارات من قبيل: إلى ديوان الفلامنكَ أو إلى جماعة الفلامنكَ. وسوف تختفي هذه العبارات من التداول في المراسلات المخزنية ابتداءً من نهاية القرن الثامن عشر، عقب سقوط نظام الولايات العامة (الإسطادوس) سنة 1796 من قبل الاحتلال الفرنسي بزعامة نابليون بونابارت. توجد أصول هذه الرسائل في الأرشيف الوطني بمدينة لاهاي، مصنفة ضمن سلسلة 04. 01. 1، الولايات العامة (1550 - 1796)، وسلسلة 08. 01. 1 الولايات العامة (1550 - 1796). وتوجد نسخ منها في حوزتنا.

عامل المدينة بتوقيره: "وبعد [...]، الإعلام لسيدنا حفظه الله أنه قد أصابني وجعٌ في الرأس والعين [...]، هذه مدة وأنا على هذه الحالة، ولم أجد راحة مما ذُكر، ولم يفدني هنا في ذلك دواء، وضاق بي الحال والأمر لله، وقد كنتُ كتبتُ لسلطان دولتي أعلمتُه بقضيتي وطلبتُ منه السفر لبلاد النصارى أتداوى هناك لعل الله تبارك وتعالى يجعل لي هناك سببًا في الشفاء، فأجابني وأذن لي بالسفر لما ذُكر وأرجع لداري وموضعي سالمًا من فضل الله وبركة سيدنا نصره الله، فلأجل هذا أردتُ أن أعلم سيدنا نصره الله بسفري لما ذُكر [...] كما نطلب من سيدنا نصره الله أن يوافقَ لي على الذِّمِّي صاحبي وترجماني أبراهام بن دلاك، فإني قد جعلته خليفة في دارنا دار افلامنگ، فنحب من الله ومن فضل سيدنا نصره الله أن يأمر عامله أن يكون عنده موقَّرًا ملاحَظًا مراعاةً لنا ولدولتنا"17. وهو الطلب الذي استجاب له السلطان في السنة ذاتها عندما أمر كلً من الأمين ابن أبي بكر العمرتي والأمين العربي السعيدي بأن يُ "سَِّحَا قنصل جنس الفلامنك يركب في البحر يذهب لبلده، ويحمل قَشّه ولا يفتش وما يكفيه من العوين، ويترك مَن عيَّ خليفة بداره موقرًا"18. وتؤكد بعض الوثائق مزاولة ابن دلاك مهمة النيابة القنصلية عن جنس الفلامنك بطنجة في سنة 182319، ثم في سنة 182420، بل إنه مكث في منصبه المذكور إلى سنة 182621. وبعد توقيع المغرب المعاهدة التجارية مع بريطانيا سنة 1856، وما رافق ذلك من ارتفاع في المبادلات التجارية مع البريطانيين ومع الأوروبيين عمومًا، ومن تزايد في أعداد المستوطنين الأجانب بالمغرب، حصل تغير ملحوظ في وضعية اليهود الاجتماعية والاقتصادية بالمدن الساحلية، بحيث تنامت ثروتهم، وازدادت قوتهم، وكثرت مطالبهم، وخصوصًا بعد دخولهم تحت حماية الأجانب، وتشكيل حلف يهودي بفرنسا سنة 1860، وتأسيس صندوق دعم بغرض رعايتهم ومساندتهم.

ثانيًا. رغبة اليهود يف الحصول على امتيازات إضافية وردود الفعل

اغتنمت بريطانيا وهولندا هذه الظروف الجديدة لإبطال مفعول "قانون أهل الذمة"22 المذكور، بحيث أبقت بريطانيا على التاجر اليهودي المغربي صمويل إلتن نائبًا قنصليًّا لها بأصيلا، واعتمدت هولندا بالدرجة الأولى على التجار اليهود لرعاية مصالحها التجارية، مثل التاجر إسحاق بن شلوم ناهون، الذي اعتمدته ممثلً لها بمدينة تطوان، كما يظهر ذلك من جواب النائب السلطاني محمد بن العربي الطريس عن رسالة القنصل العام لدولة هولندا بطنجة إلياس كاسيل23: "فقد وصلنا كتابك بتاريخ 11 يونيُه [...] سنة 1889، تُعْلِموننا بأن دولة الفلمنگ قد ولَّتْ التاجر إسحاق بن شلوم ناهون خليفة لها بتطوان، وطلبتُم منَّا إعلامَ متولِّ تطوان به ليكون

  1. رسالة القنصل العام لدولة هولندة بطنجة كارلوس نيسن إلى السلطان مولاي سليمان"، بتاريخ 22 شوال عام 1235 ه/  1819 م. الأرشيف الوطني بلاهاي، سلسلة 22. 05. 2، قنصلية طنجة 1815 - 1830، رقم 40.
  2. رسالة السلطان مولاي سليمان إلى الأمينين ابن أبي بكر العمرتي والطالب العربي السعيدي"، بتاريخ 4 ذي القعدة عام 1235 ه/  1819 م. الأرشيف الوطني بلاهاي، سلسلة 22. 05. 2، قنصلية طنجة 1815 - 1830، رقم 40.
  3. رسالة السلطان عبد الرحمان بن هشام إلى نائب القنصل الهولندي بطنجة أبراهام بن دلاك، بتاريخ 6 ربيع الثاني 1239 ه/  1823 م"، الأرشيف الوطني بلاهاي، سلسلة 22. 05. 2، قنصلية طنجة 1815 - 1830، رقم 40.
  4. ينظر: "عقد كراء أرضٍ بطنجة لفائدة نائب القنصل الهولندي بطنجة أبراهام بن دلاك، بتاريخ 17 رمضان 1240 ه/  1824 م"، الأرشيف الوطني بلاهاي، قنصلية طنجة 1815 - 1830، سلسلة 22. 05. 2، رقم 6.
  5. Mohamed Amezian, & M'barek Zaki, "Le Maroc dans Les Archives des Pays-Bas," Revue Maroc Europe , no. 6 (1994), p. 301.
  6. هو قانون يمنع اليهود المغاربة من مزاولة وظائف عمومية في سلك الدولة المغربية، جرى ترسيمه منذ عهد الأدارسة، ينظر: بوفرة، ص 7680.
  7. فيكتور إلياس كاسيل Elias Cassel. V من أصل سويدي، عين قنصلً عامًا لدولته بطنجة سنة 1886 واستمر في منصبه إلى سنة 1891، وتولى خلال هذه الفترة رعاية مصالح هولندة أيضًا بعدما أحيل جون دراموند هاي على التقاعد ليتولى من بعده وزير ألمانيا فون بوشة مهمة رعاية مصالح كل من الدولتين معًا، ينظر: مصطفى بوشعراء، الاستيطان والحماية بالمغرب: 1280 - 1311 ه/  1863 - 1894 م، تقديم عبد الوهاب بنمنصور، ج 2 (الرباط: المطبعة الملكية، 1984)، ص 645، 647.

كغيره من الخلائف، فيصلكم طيّه كتابٌ منَّا لعامل تطوان وقد عرَّفناه بذلك"24 (الوثيقة 2). وسوف يتكيف موقف المخزن مع هذه المسألة "السيادية" بعد استفحال ظاهرة الحماية القنصلية، وظهور موجاتٍ دعائيةٍ تطالب باستصدار ظهائر توقير اليهود واحترامهم، بعد "اختلاق" فكرة معاداة اليهود وكراهيتهم25. ففي سنة 1863، حدثت ضجّة هائلة أحدثها المفوض الإسباني بطنجة؛ بسبب تآمر أربعة يهودٍ على قتل نائب خليفة القنصل الإسباني بآسفي، وبلغت أصداء هذه الضجة بريطانيا بعد اعتقال الجناة وقرار القضاء بإعدامهم، وتحرك اليهود في كلّ مكان، وبعثوا زعيم الطائفة اليهودية ببريطانيا موزيس مونتفيوري Montefiore Moses26، الذي قام بجولة عبر أنحاء المغرب في أواخر السنة المذكورة ومطلع سنة 1864، وتدخل لدى السلطان محمد بن عبد الرحمان من أجل تخويل اليهود حقوقًا خاصة27. وهكذا نقرأ في رسالة القنصل العام البريطاني بطنجة جون دراموند هاي Hay Drummond John28 إلى جميع نوابه بإيالة مراكش (المغرب)، بتاريخ 20 نيسان/ أبريل 1864، أنّ زعيم الطائفة اليهودية السِيّر موزيس منتفيوري، توجه إلى المغرب بعد حدوث الواقعة المذكورة، والتقى السلطان محمد بن عبد الرحمان، وحصل منه على ظهائر شريفة في أمر إخوانه اليهود بهذه الإيالة، "وبذلك ازدادت لهم محبّةً وتمييزًا في جانب السلطان [...]، أكثر مما كان"29. وينفي القنصل العام البريطاني في رسالته الشكوك والتهم عن اليهود، ويحمِّل المغاربة وعمّال السلطان "مباشرة الكراهة مع اليهود"30. ويدعو إلى نبذ هذا السلوك قائلً: "وقد مضت أيام الكراهة والظلم مع أناس المختلفين في الأديان، ولا ينبغي تجديده بإيالة مراكش ولا إحيائه [...]، لئلا يُعيد الكراهة والظلم القديم لاختلاف الأديان [...]، إن فعل الكراهة والظلم مع اليهود أو مع غيرهم لا يقبل، ويلزم إعلام دولتنا ودولة النبريال [النمسا حاليًا] ودنمرك وفلامنگ الذين نحن نائبًا عنهم"31. ويهدد القنصل البريطاني في رسالته المذكورة بمنح الحماية البريطانية لجميع اليهود المغاربة إن استمرت معاداة المسلمين لهم، فإذا بقيت "الكراهة والظلم جارية على اليهود [...]، فلا شك عندنا أننا نأمر وكذلك نواب الأجناس الأخرى بإطلاق الحماية على الجميع إن تحققوا من عدم العدل في الأحكام، وراجي أن سيرة ولاة مراكش مع اليهود ومع جميع مَن هو تحت حكمكم تكن حسنة في المستقبل، حتى لا نحتاج نحن ونواب الأجناس إلى الكتب لدُوَّالنا [...]، هذا ونأمركم بالاستمرار في الوقوف على أمر اليهود كما كنتم مأمورين به

  1. رسالة النائب السلطاني محمد بن العربي الطريس إلى القنصل العام لدولة هولندة إلياس كاسيل، بتاريخ 12 شوال عام 1306 ه/  12  يونيو 1889 م"، الأرشيف الوطني بلاهاي، سلسلة 15. 15. 05. 2، قنصلية طنجة 1830 - 1907، رقم 13.
  2. رسالة القنصل العام البريطاني بطنجة جون دراموند هاي إلى جميع نوابه بالمراسي المغربية، بتاريخ 20 أبريل عام 1864 م"، الأرشيف الوطني بلاهاي، سلسلة 05. 15. 05. 2، قنصلية موگادور 1845 - 1897، رقم 2.
  3. السِيّر موزيس منتفيوري Moses Montefiore (1784 - 1885): ثري إنكليزي من أصل مغربي، اشتغل رئيس مجلس نواب اليهود البريطانيين في لندن، ينظر: كنبيب، ص 259.
  4. إبراهيم حركات، المغرب عبر التاريخ، ج 3، ط 2 (الدار البيضاء: دار الرشاد الحديثة، 1994)، ص 251؛ كنبيب، ص 259.
  5. ينحدر من الأرستقراطية السكوتلندية، وكانت ولادته في مدينة فلانسيين Valencienne الفرنسية في فاتح يونيو سنة 1818 م، التحق بمدينة طنجة سنة 1832 م وعمره لا يتجاوز الخامسة عشرة، فوجه اهتماماته هناك لتعلم اللغة العربية وأصبح قادرًا على الكتابة بها، وعلى ترجمة بعض نصوصها إلى الإنكليزية وكان بذلك قد وضع اللبنات الأولى لتهييء نفسه للعمل الدبلوماسي في البلدان الإسلامية، تقلد منصب مساعد القنصل العام البريطاني هودجس Hodges بالإسكندرية قبل أن يتجه إلى العمل في خدمة اللورد بونسونبي Ponsonby بالقسطنطينية، ومنها إلى المغرب حين تم تعيينه قنصلً عامًا لبريطانيا بعد وفاة والده إدوارد سنة 1845 م، وكانت بذلك البداية لمرحلة طويلة قضاها جون دراموند هاي في المغرب لم تعرف نهايتها إلا في سنة 1886 م، ينظر: خالد بن الصغير، المغرب وبريطانيا العظمى في القرن التاسع عشر (: 1856 - 1886)، ط 2 (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 1997)، ص 52 - 54؛ ينظر أيضًا: Jean-Louis Miége, Le Maroc et L' Europe: (1822 - 1906) , Tome II (Rabat: Editions La Porte, 1962), pp.  271 - 277.
  6. رسالة القنصل العام البريطاني بطنجة جون دراموند هاي إلى جميع نوابه بالمراسي المغربية.
  7. المرجع نفسه.
  8. المرجع نفسه.

إلى الآن، ونأمركم أيضًا بالاجتماع مع بعض خلاف أجناس آخر للوقوف عليهم أمام الولاة إن صدر منهم ما ذ كر من الظلم والكره مع اليهود مخالفًا لمقتضى الأظهار الشريف"32. ويشكّل هذا التهديد في الحقيقة سابقة خطيرة في تاريخ العلاقات بين اليهود والمسلمين في المغرب، بل في تاريخ علاقات اليهود بالأمم الأوروبية على وجه العموم، بحيث يلُاحَظ أنه منذ هذا الوقت بالذات "تبنت بريطانيا قضايا اليهود عمليًا داخل التراب المغربي وهم رعايا مغاربة"33، وأضحت تستخدم هذا التبني وسيلةً لابتزاز المغرب سياسيًا وحقوقيًا وتجاريًا. وهكذا إن كنّا ندرك أنّ اليهود في هذه الفترة صاروا من جملة المحميين بالمغرب، فإنّنا لا ندري بالضبط إن كان السلطان قد أذعن للتهديد المذكور، وأسقط المتابعة القضائية في حقّ الجناة اليهود الذين اغتالوا نائب خليفة القنصل الإسباني بآسفي، فكل ما ورد في ظهير السلطان محمد بن عبد الرحمان لليهود لا يخرج عن الأمر المألوف بضرورة احترام أهل الذمّة ومساواتهم بغيرهم في الأحكام القضائية، وهو أمرٌ معروف ومقرّر عند ولاة المسلمين منذ القديم. وبذلك نعتقد أنّ التلويح ببسط الحماية القنصلية على جميع اليهود المغاربة كان الهدف منه دفع المخزن إلى تقديم الكثير من التنازلات القضائية لصالح الرعايا اليهود، ومنحهم المزيد من الحريات الفردية، أسوةً بما قام به السلطان العثماني عبد المجيد (1839 - 1861)، حينما أعلن في سنة 1839 عن إصلاحاتٍ داخلية عُرفت بالتنظيمات الخيرية نصَّ فيها على المساواة بين أفراد الرعية، وهي التي تُعرف باسم "خط شريف كولخانه"34. وهذا ما أشار إليه القنصل العام البريطاني المذكور في رسالته المتقدمة حينما قال: "وسلطان إسطنبول وسلاطين أخر من أقطار المسلمين جعلوا قوانين، وتساويًا فيهم النصارى واليهود مع المسلمين في الأحكام، وبمثل ما ذُكر يستغلونه المسلمون دائمًا في بلدنا أگرت برطن (بريطانيا العظمى)، وفي جميع أقطار الأجناس والميركان، ودُوَّال الأجناس قد استحسنوا ما صدر منهم، وزاد بذلك تشديد عقود المحبة بينهما، لما ظهر منهم من محاسن الحرية. وهؤلاء الأجناس لا يسكتون ولا يصبرون إذا لم يجر العمل على ساق الجدِّ فيما اقتضاه الظواهر والقوانين المقررين [...]، لئلا يعيد الكراهية والظلم القديم لاختلاف الأديان"36. غير أنّ السِيّر موزيس منتفيوري فشل في إقناع السلطان محمد بن عبد الرحمان بمنح اليهود تلك الحريات والحقوق الفردية وتدوين ذلك في مرسوم سلطاني شريف، وذلك لكون مطالبهم تتعارض مع نصوص الشريعة الإسلامية الثابتة، وأنّ إقرارها "يؤدي إلى كثرة الفتن والهرج والشقاق"37. لذلك رفض السلطان تخويلهم هذه الحقوق "المزعومة" لعلمه أنّ "جل اليهود في هذه الأزمنة هم الذين خرجوا عن طورهم، وصاروا يتطاولون على المسلمين بالقول والفعل، فرفعوا أنفسهم فوق قدرهم، وأكثروا من التعامل بالأموال الكثيرة مع الأخلاط من غير تمييز بين مَن يصلح لذلك ومَن لا [يصلح"]38. وقد انتقد الناصري (1835 - 1897) هذه المطالب الحقوقية "المستحدثة"، في كتابه الاستقصا، قائلً: "واعلم أن هذه الحرية التي أحدثها الفرنج في هذه السنين هي من وضع الزنادقة قطعًا، لأنها تستلزم إسقاط حقوق الله، وحقوق الوالدين، وحقوق الإنسانية رأسًا [...]، وضابط الحرية عندهم لا يوجب مراعاة هذه الأمور، بل يبيح للإنسان أن يتعاطى ما ينفر عنه الطبع، وتأباه الغريزة الإنسانية،

  1. المرجع نفسه.
  2. حركات، ج 3، ص 251.
  3. محمد المنوني، "ملاحظات حول بعض ردود فعل المغاربة تجاه الدعوة إلى الإصلاح في القرن التاسع عشر من خلال وثيقة موضوعية"، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، العدد 9 (1982)، ص 147 (هامش رقم 5.) 35  " رسالة القنصل العام البريطاني بطنجة جون دراموند هاي إلى جميع نوابه بالمراسي المغربية".
  4. المنوني، ص 150.
  5. المرجع نفسه، ص 152.

من التظاهر بالفحش والزنا وغير ذلك إن شاء، لأنه مالك أمر نفسه، فلا يلزم أن يتقيد بقيد، ولا فرق بينه وبين البهيمة المرسلة إلا في شيء واحد، هو إعطاء الحق لإنسان آخر مثله، فلا يجوز له أن يظلمه، وما عدا ذلك فلا سبيل لأحد على إلزامه إياه"39. وبناء عليه، فإن "حرية الأديان بالمعنى المعروف عند مَن قال بها، والحالة المقررة الشهيرة عند أربابها، خارجة عن الدين بالدليل والبرهان، مضادة له كما لا يختلف فيه إثنان [كذا]، فلا سبيل إلى العمل بها، وإلا تبطَّلت الشريعة ولم يبق تعويل عليها"40. وهكذا فاستناد القنصل البريطاني جون دراموند هاي في رسالته المذكورة، ومن بعده بابا الفاتيكان في مذكرته إلى مؤتمر مدريد سنة 1880 بشأن مطلب حرية العقيدة في المغرب، إلى ظهير السلطان محمد بن عبد الرحمان للسير موزيس منتفيوري المذكور فيه نوع من التضليل والتعتيم الواضحَيْ، ولإبراز ذلك نورد فيما يلي نص هذا الظهير الذي يُصدر بموجبه السلطان أوامره لنوابه وخدامه قائلً: "نأمر مَن يقف على كتابنا هذا [...] مِن سائر خدامنا وعمالنا والقائمين بوظائف أعمالنا أن يعاملوا سائر اليهود الذين بسائر إيالتنا بما أوجبه الله تعالى من نَصْب ميزان الحق والتسوية بينهم وبين غيرهم في الأحكام، حتى لا يلحق أحدًا منهم مثقال ذرة من الظلم، ولا يُضام ولا ينالهم مكروه ولا اهتمام، وأن لا يتعدوا هم ولا غيرهم على أحد منهم لا في أنفسهم ولا في أموالهم، وأن لا يستعملوا أهل الحرف منهم إلا عن طيب أنفسهم، وعلى شرط توفيتهم بما يستحقونه عليهم، لأن الظلم ظلمات يوم القيامة، ونحن لا نوافق عليه لا في حقهم ولا في حق غيرهم ولا نرضاه، لأن الناس كلهم عندنا في الحق على حد سواء، ومن ظلم أحدًا منهم وتعدى عليه فإنَّا نعاقبه بحول الله، وهذا الأمر الذي قررناه وأوضحناه وبينَّاه كان مقررًا ومعروفًا ومحذورًا، لكن زدناه بهذا المسطور تقريرًا وتأكيدًا ووعيدًا في حق مَن يريد ظلمهم، وتشديدًا ليزيد اليهود أمنًا إلى أمنهم، ومَن يريد التعدي عليهم خوفًا إلى خوفهم"41. وفي أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ازدادت مكانة اليهود على صعيد التجارة الخارجية؛ إذ اكتسح العنصر اليهودي وحده هذا القطاع الحيوي على حساب المسلمين، ويُعزى ذلك في نظر أوجين أوبان إلى سيطرتهم على الحركة التجارية بالمدن الساحلية المغربية، فقد اعتبُرت الصويرة حاضرة اليهود الأولى، حيث بلغ عددهم بها حوالى عشرة آلاف يهودي من مجموع ساكنتها التي قدرت بخمسة وعشرين ألف نسمة42. وشكّل اليهود نسبةً مهمّة بمدينة الجديدة، حيث بلغ عددهم ثلاثة آلاف وخمسمئة يهودي من مجموع سكان المدينة البالغ عددهم خمسة عشر ألف نسمة، وسيطروا على دواليب الحركة التجارية بها إلى أن زاحموا التجار المسلمين ودفعوهم عنها، أما في مدينة طنجة فإنّ نشاط اليهود التجاري أخذ طابعًا أكثر قوة، بسبب وجود مقارّ القنصليات العامة والبعثات الدبلوماسية، فكان التجار اليهود يؤدون دور الوساطة في كلّ شيءٍ، حتى في بيع بطائق الحماية، والمخالطة والسمسرة، وتشجيع ظاهرة تملص المغاربة من أداء الضرائب عن طريق الاستفادة من بطائق الحماية، ولم يفت اليهود الاهتمام بميدان الفلاحة، إذ كانوا يشاركون المسلمين في فلاحة الأراضي الزراعية وامتلاك العقارات43.

  1. أبو العباس أحمد بن خالد الناصري، كتاب الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، تحقيق وتعليق جعفر الناصري ومحمد الناصري، ج 9 (الدار البيضاء: دار الكتاب، 1956)، ص 114 - 115.
  2. المنوني، ص 150.
  3. ينظر: "ظهير السلطان محمد بن عبد الرحمان إلى سائر الخدام والعمال"، بتاريخ 26 شعبان 1280 ه/ 5 فبراير 1864 م، يأمر فيه بمعاملة اليهود بميزان الحق والتسوية بينهم وبين غيرهم في الأحكام، الأرشيف الوطني بلاهاي، سلسلة 05. 15. 05. 2، قنصلية موگادور 1845 - 1897، رقم 2.
  4. Eugène Aubin, Le Maroc d'aujourd'hui (Paris: Librairie Armand Colin, 1904), pp. 2 , 7.
  5. محمد كنبيب، يهود المغرب:  1912 - 48 19، ترجمة إدريس بن سعيد، تقديم آندري ازولاي، سلسلة نصوص وأعمال مترجمة 8 (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 1998)، ص 82.

وهكذا نستخلص ممّا سبق، أن التجار اليهود قاموا بأدوار حيوية في انتعاش التجارة الخارجية المغربية، ورَبْط الاقتصاد المغربي بأوروبا منذ عهد السعديين المتأخرين، وتبوَّأ اليهود مكانة رفيعة لدى السلاطين العلويين، وسعوا في الوساطة التجارية بينهم وبين التجار الهولنديين والأوروبيين بوجه عام، بل إن خبرتهم التجارية حملت قناصل الدول الأوروبية على تعيينهم نوابًا لهم بالمراسي المغربية. وازدادت مكانة اليهود بعد ذلك، وخاصة بعد اتفاقية 1856 مع بريطانيا العظمى، وتفاقم مشكلة الحماية القنصلية عقب ذلك، إلى أن صاروا يشكلون "لوبيًا تجاريًا" قويًا عند أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين؛ ما أثار حفيظة التجّار المغاربة والتجار الأوروبيين على حدّ سواء، كما سبقت الإشارة إلى ذلك. يُعرَف هؤلاء التجار الوسطاء في العلاقات التجارية بين المغرب وهولندا أو بين المغرب والأمم الأوروبية على وجه التعميم، في المصادر التاريخية المعاصرة ب "تجار السلطان". ولنا في الوثائق الهولندية التي بين أيدينا ما يؤكد وجود كثيرٍ من تجّار السلاطين العلويين خلال القرن التاسع عشر، أُسندت إليهم مهمّة تنشيط التجارة الخارجية، والقيام بدور الوساطة التجارية بين المغرب وهولندا، وكان جميع هؤلاء التجار من اليهود. لقد كان تجار السلطان خلال القرن التاسع عشر يستفيدون ممّا يسمى "الكنطردات"، أي الاحتكارات التي كانت تسمح لتاجر معيّ باحتكار تجارة بعض المواد مقابل مبلغ يدفعه لبيت المال، وكانت هذه الاحتكارات تشمل بالأساس استيراد مواد أساسية كالشاي والقهوة والسكر أو تصدير مواد مغربية كالصوف والجلود وغيرها. وقد رأى بعض الباحثين، جون لوي مييج Miége Louis - Jean، في تجّار السلطان نواةً لما سمّاه برجوازية تجارية نمت وترعرعت بدعم المخزن ومساندته، بينما رأى باحث آخر، دانييل شرويتر، أنّ هذا الدعم المخزني بالذات هو الذي حال دون تطوير برجوازية مغربية مستقلة؛ لأن هؤلاء التجار ظلّوا مرتبطين بالدولة ومدينين لها في ثرائهم، بل في مجرد استمرارهم تجارًا، ذلك أنّ المخزن كان يوفر لهم الأموال والحماية الضرورية، ومن ثمّ يجعل منهم مجرد وكلاء عنه في خدمة مصالحه44. وكيفما كانت آراء الباحثين حيال هؤلاء التجار، فإنّ ما يلاحظ على بعضهم سَعْيهُم إلى تغليب مصالحهم الخاصّة على المصالح العليا للبلاد، وخير مثال على ذلك ما وقع للتاجر الذمّي إبراهيم مور يوسف نائب القنصل العام الهولندي بالعرائش، حينما أمدَّه السلطان مولاي عبد الرحمان بالمال لأجل المتاجرة مع الهولنديين وغيرهم من الأوروبيين بمرسى العرائش، ولم يُراعِ مصلحة السلطان عندما ضيّع ذلك المال، وكيف كان تصرُّفه حين طالبه السلطان بأداء ذلك، إذ "امتنع وأبى، وأفضى به الحال حتى تعدى عن طوره"46، فأمر السلطان بعزله عن النيابة القنصلية الهولندية بالعرائش "لأنه سفيه ومتبوع بمال السلطان"47، كما ورد ذلك فيما قبل. ومما تجدر الإشارة إليه، أنه بالرغم ممّا قيل عن سياسة مولاي سليمان الاحترازية تجاه أوروبا، فإنّه اعتمد على التجّار اليهود على نحو خاصّ في قضاء أغراضه التجارية بأوروبا، وخصوصًا بالأراضي المنخفضة، ويتضح ذلك من رسالة قائده أحمد بن مبارك إلى القنصل العام لدولة هولندا بطنجة كارلوس نيسن بتاريخ مهل رمضان 1231 ه/  1816 م، التي تتضمن موافقة السلطان مولاي سليمان على طلب القنصل المذكور بتوجيه بعض التجار اليهود إلى هولندا بقصد قضاء بعض الأغراض التجارية، كما تتضمن طلب السلطان من القنصل نفسه توجيه شحنة من كسوة الجيش السلطاني "بلغنا كتابك تذكر فيه أنك تريد تُوجِّه بعض اليهود خُدَّامك لبرِّ النصارى لقضاء

  1. محمد المنصور، "تجار السلطان"، في: معلمة المغرب، ج 7 (سلا: مطابع سلا، 1995)، ص 2279 - 2280.
  2. رسالة النائب السلطاني بطنجة بوسلهام بن علي أزطوط إلى القنصل العام لدولة هولندا أگوسطو فريسينط بتاريخ 2 شعبان عام 1266 ه/  1850 م"، الأرشيف الوطني بلاهاي، سلسلة 15. 15. 05. 2، قنصلية طنجة 1830 - 1907، رقم 32. 45 المرجع نفسه.

غرضك، فسيِّدي أمرك مهما أردتَ توجيههم وَجِّهْهُم، واعلم أن سيدي أيَّده الله ونصره مكلَّفٌ بكسوة الجيش، ولا بُدَّ وجِّه على شيءٍ منها لسيدي، وإن أتى سريعًا في القرب تكن لك اليدُ عند سيدنا وتميُّزٌ على غيرك، لاعتنائك بأمر سيدي وإسراعك في قضاء حوائجه"48(الوثيقة 1). كما اعتمد السلطان مولاي عبد الرحمان على هؤلاء التجار في تنشيط التجارة الخارجية مع الأقطار الأوروبية ولا سيما مع البلاد الواطئة، ووضع رهن إشارتهم الأموال اللازمة لتحقيق هذه الإرادة السلطانية، ويتأكّد ذلك من رسالته إلى القائد محمد أميمون، المؤرخة في 22 صفر سنة 1239 ه/ 1823 م، والتي يعلمه فيها بإنعامه على التاجر الذمي مَيِّ بن مقنين50 بوسق الثيران من ميناءَي طنجة وتطوان إلى بلاد الفلامنك، مع تخفيضات مغرية في الرسوم الجمركية قائلً له: "فاعلم أننا أنعمنا على خديمنا التاجر مَيِّ بن مقنين بوسق الثيران من مراسينا السعيدتيْ طنجة وتطوان عمرهما الله، وقصرنا وسق الثيران في المرستين المذكورتين عليه، وأن لا يسقه بهما أحد غيره ما عدا الثلاثة والثمانين رأسًا التي يسق اللنجليز عن كل شهر من طنجة ومثلها من تطوان، فإن ذلك يوسق، وأما غير هذا فلا يسق أحد ثورًا غيره، والوسق يكون على يده أو على يد أصحابه، ولا مدخل لك في صاكة ما وسقه من ذلك، وإنما تُعْلمنا بالعدد الذي يسقه، وأما الصاكة فبيننا وبينه"51. كما تتضمن الرسالة السماح بوسق مواد تجارية أخرى، ودعمه بالأموال الكافية لبلوغ الأهداف التجارية السلطانية المنشودة: "وإذا أراد وسق شيء آخر من غير الثيران فكذلك اتركه يسقه وأعلمنا بعدده، وإذا خصه نحو الثلاثة آلاف ريال أو أربعة آلاف فادفعها له، وإن لم تكن عندك فها نحن كتبنا لخديمنا العربي بن يوسف يدفع له ما يحتاجه، وكذلك أنعمنا عليه بوسق زوج من الخيل العتاق، فإذا أراد وسقهما فليسقهما، ونأمرك أن تَتْهلاَّ فيه وتستوص به خيرًا لأجل خدمته لنا ومحبته في جانبنا العلي بالله"52. وفي اليوم نفسه، بعث السلطان مولاي عبد الرحمان رسالة مماثلة إلى جميع قناصل الدول الأوروبية بطنجة، يعلمهم بكون خديمه التاجر الذمي مَيِّ بن مقنين "وجهناه - يقول السلطان- لبر النصارى بقصد مآربنا ومقضياتنا [...]، بأنَّا سرَّحنا له الوسق في جميع مراسينا الأربعة السعيدة العرائش والدار البيضاء وتيط وآسفي، وأذناه أن يَسق فيها القمح والثيران والغنم والدجاج والشمع والجلد والصوف والرطرن كله، وأمرناه أن يجعل أصحابه وإخوانه بهذه المراسي، فكل من أراد أن يسق شيئًا منها فليسقه على يده ويأتي لنا بخط يده أو خط أصحابه، ونحن نسرح له ما أحب، والصاكة بيننا وبينه، فإنا نطرح له من الصاكة المعلومة ما تقر به عينه مراعاة لخدمتنا الشريفة

  1. رسالة القائد أحمد بن مبارك إلى القنصل العام الهولندي بطنجة كارلوس نيسن، بتاريخ مهل رمضان عام 1231 ه/  1816 م"، الأرشيف الوطني بلاهاي، سلسلة 22. 05. 2، قنصلية طنجة 1815 - 1830، رقم  4.
  2. هو الولد البكر لأبراهام كوهين، ولد بمراكش في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، ثم رحل مع أبيه وإخوته شلومو، مسعود، دافيد إلى مدينة الصويرة بعد تأسيسها عام 1764. وقد أصبح مايير أکثر الوسطاء أهمية ومکانة بين جهاز المخزن المرکزي والدول الأوروبية خلال العقود الثلاثة الأولى من القرن التاسع عشر، أي أيام حکم السلطان المولى سليمان، وأثناء العقدين الأولين من القرن التاسع عشر أولى مايير اهتمامه بممارسة التجارة لحسابه الخاص ولفائدة السلطان المولى سليمان في الوقت نفسه. واشتهر مقنين في أوساط التجار الأوروبيين، الذين کانت لهم معاملات تجارية مع المغرب بأنه إنسان وغد وسيئ السمعة لا تليق عشرته، وبأن الديون الثقيلة تراکمت عليه تباعًا في المراکز المالية الأوروبية، من جراء عمليات غير سليمة قام بها بتواطؤ محکم مع أخيه ومع زمرة من المتعاونين من التجار اليهود المقيمين في الصويرة. وعلى الرغم من سمعته السيئة الذائعة الصيت في أوروبا، ظل مقنين قادرًا على عقد الصفقات مع التجار الذين اعتبروه شرًا لا بد منه بصفته منفذًا ضروريًا لا يمکن الاستغناء عنه لبلوغ مراکز السلطة وأصحاب القرار في الوسط المخزني بالمغرب. للاطلاع أكثر على شخصية مايير بن مقنين، ينظر: دانييل شروتر، يهودي السلطان المغرب وعالم اليهود السفرد، تعريب خالد بن الصغير، سلسلة نصوص وأعمال مترجمة 15 (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 2011)، ص  63 وما بعدها.
  3. رسالة السلطان مولاي عبد الرحمان بن هشام إلى القائد محمد أميمون، بتاريخ 22 صفر عام 1239 ه/  1823 م"، الأرشيف الوطني بلاهاي، سلسلة 22. 05. 2، قنصلية طنجة 1815 - 1830، رقم 40. 49 المرجع نفسه.

[...]، وقد أمرنا عمالنا هنالك أن كل من وسق من هذه المراسي من أصحابه شيئًا أن يخلوه ولا يقبضون منه صاكة ولكن يعلمنا بما وسق، ونحن بيننا وبينه [...]، وهذه المراسي المذكورة التي سرحنا له أنعمنا عليه بأن لا يسق فيها أحد إلا من وسق على يده". وبعد مرور بضعة أيام على رسالتيه السابقتين، أرسل السلطان مولاي عبد الرحمان إلى نائب القنصل العام الهولندي بطنجة، أبراهام بن دلاك، رسالة طالب فيها التجار الهولنديين بدفع ما في ذمتهم من الأموال المتحصلة عليهم من واجبات الرسوم الجمركية لجانب المخزن، وأسند مهمة استرجاعها إلى خديمه الذمّي، مير بن مقنين، قائلً لهم: "إنا مع جنس الفلامنك على الصلح والمهادنة بالشروط، وقد تخلدت في ذمتكم خراجات سنين لم تعطوا فيها شيئًا من العادة التي وقع الصلح معكم عليها [...]، وليس هذا من القانون، والآن نأمركم أن تتحاسبوا مع خديمنا ابن مقنين في هذه المدة المخلدة في ذمتكم ولم تعطوا فيها شيئًا". وصفوة القول، لقد أدى التجار اليهود أدوارًا ريادية انفردوا بها دون غيرهم في ربط التجارة المغربية بنظيرتها الهولندية، سواءً خلال القرن التاسع عشر أو خلال القرون التي سبقته. كما لم يكونوا وسطاء في التجارة الخارجية بين الدولتين فحسب، وإنما توسطوا بين الجانبين في مجالات اقتصادية أخرى، مثل كراء العقارات والأراضي الفلاحية، كما تدل على ذلك وثيقة خاصّة، يشهد فيها السيد عبد القادر بن الجيلالي العبدرزاقي أنه "أَگزَى" الذمّي، أبراهام بن حييم بن دلاك، النائب عن القنصل الهولندي بطنجة كارلوس نيسن، "جميع عرصته الكائنة خارج باب الفحص من ثغر طنجة [...] لمدة خمس سنين [...] بوجيبة قدرها في كل سنة إثنا عشر [كذا] مثقالً، مجموع المال ستون مثقالً". واستمر التجار اليهود بعد ذلك في أداء وظيفة الوساطة التجارية بين السلاطين العلويين والتجار الهولنديين خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، إلا أنّ وظيفتهم هذه سرعان ما عرفت فتورًا واضحًا بعد فرض الحماية الفرنسية على المغرب سنة 1912، لينتقل الثقل التجاري بعد ذلك إلى التجار الفرنسيين والإنكليز.

  1. رسالة السلطان مولاي عبد الرحمان بن هشام إلى جميع قناصل الدول الأوروبية بطنجة، بتاريخ 22 صفر عام 1239 ه/  1823 م"، الأرشيف الوطني بلاهاي، سلسلة 22. 05. 2، قنصلية طنجة 1815 - 1830، رقم 40.
  2. رسالة السلطان مولاي عبد الرحمان بن هشام إلى نائب القنصل الهولندي بطنجة أبراهام بن دلاك، بتاريخ 6 ربيع الثاني عام 1239 ه/  1823 م"، الأرشيف الوطني بلاهاي، سلسلة 22. 05. 2، قنصلية طنجة 1815 - 1830، رقم 40.
  3. مقتطف من "وثيقة كراء السيد عبد القادر بن الجيلالي العبدرزاقي عرصة بطنجة للذمي أبراهام بن حييم بن دلاك، بتاريخ 17 رمضان عام 1240 ه/  1824 م"، الأرشيف الوطني بلاهاي، سلسلة 22. 05. 2، قنصلية طنجة 1815 - 1830، رقم 6.

المراجع

العربية

ابن الصغير، خالد. المغرب وبريطانيا العظمى في القرن التاسع عشر (: 1856 - 1886). ط 2. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 1997.

بوشعراء، مصطفى. الاستيطان والحماية بالمغرب: 1280 - 1311 ه/  1863 - 1894 م. تقديم عبد الوهاب بنمنصور. الرباط: المطبعة الملكية، 1984.

حركات، إبراهيم. المغرب عبر التاريخ. ط 2. الدار البيضاء: دار الرشاد الحديثة، 1994.

شروتر، دانييل. يهودي السلطان المغرب وعالم اليهود السفرد. تعريب خالد بن الصغير. سلسلة نصوص وأعمال مترجمة 15. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 2011.

الضعيف، محمد بن عبد السلام. تاريخ الضعيف: (تاريخ الدولة السعيدة). تحقيق أحمد العماري. الرباط: دار المأثورات، 1986. العمراني، أحمد. "العلاقات المغربية الهولندية خلال القرن السابع عشر (1603 - 1668 م)". رسالة جامعية لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في التاريخ. طبعة مرقونة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية. جامعة محمد الخامس. الرباط. 2007.

العمراني، محمد. المغرب: زمن العلويين الأوائل. الرباط: مطابع الرباط نت، 2013.

كنبيب، محمد. المحميون. سلسلة نصوص بحوث ودراسات 47. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 2011. ________. يهود المغرب: 1912 - 48 19. ترجمة إدريس بن سعيد. تقديم آندري ازولاي. سلسلة نصوص وأعمال مترجمة 8. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 1998.

• معلمة المغرب. ج 22. سلا: مطابع سلا، 2005.

• معلمة المغرب. ج 7. سلا: مطابع سلا، 1995.

• معلمة المغرب، ج 4. سلا: مطابع سلا، 1991.

المنوني، محمد. "ملاحظات حول بعض ردود فعل المغاربة تجاه الدعوة إلى الإصلاح في القرن التاسع عشر من خلال وثيقة موضوعية". مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط. العدد 9 (1982).

الناصري، أبو العباس أحمد بن خالد. كتابالاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى. تحقيق وتعليق جعفر الناصري ومحمد الناصري. الدار البيضاء: دار الكتاب، 1956.

الوثائق

"رسالة السلطان عبد الرحمان بن هشام إلى نائب القنصل الهولندي بطنجة أبراهام بن دلاك، بتاريخ 6 ربيع الثاني 1239 ه/  1823 م". الأرشيف الوطني بلاهاي، سلسلة 22. 05. 2. قنصلية طنجة 1815 - 1830، رقم 40.

الأرشيف الوطني بلاهاي، سلسلة 22. 05. 2. قنصلية طنجة 1815 - 1830، رقم 40.

بلاهاي، سلسلة 22. 05. 2. قنصلية طنجة 1815 - 1830، رقم 40.

الأرشيف الوطني بلاهاي، سلسلة 22. 05. 2. قنصلية طنجة 1815 - 1830، رقم 40.

1239 ه/  1823 م". الأرشيف الوطني بلاهاي، سلسلة 22. 05. 2. قنصلية طنجة 1815 - 1830، رقم 40.

الوطني بلاهاي، سلسلة 22. 05. 2. قنصلية طنجة 1815 - 1830، رقم 4.

الوطني بلاهاي، سلسلة 05. 15. 05. 2. قنصلية موگادور 1845 - 1897، رقم 2.

1232 ه/  1817 م". الأرشيف الوطني بلاهاي، سلسلة 22. 05. 2. قنصلية طنجة 1815 - 1830، رقم 7.

الأرشيف الوطني بلاهاي، سلسلة 22. 05. 2. قنصلية طنجة 1815 - 1830، رقم  40.

1266 ه/  1850 م". الأرشيف الوطني بلاهاي، سلسلة 15. 15. 05. 2. قنصلية طنجة 1830 - 1907، رقم 32.

يونيو 1889 م". الأرشيف الوطني بلاهاي، سلسلة 15. 15. 05. 2. قنصلية طنجة 1830 - 1907، رقم 13.

الوطني بلاهاي، سلسلة 22. 05. 2. قنصلية طنجة 1815 - 1830، رقم  4.

1845 - 1897، رقم 2.

الوطني بلاهاي، قنصلية طنجة 1815 - 1830، سلسلة 22. 05. 2، رقم  6.

"رسالة السلطان مولاي سليمان إلى الأمينين ابن أبي بكر العمرتي والطالب العربي السعيدي، بتاريخ 4 ذي القعدة عام 1235 ه/  1819 م." "رسالة السلطان مولاي عبد الرحمان بن هشام إلى القائد محمد أميمون، بتاريخ 22 صفر عام 1239 ه/  1823 م". الأرشيف الوطني "رسالة السلطان مولاي عبد الرحمان بن هشام إلى جميع قناصل الدول الأوروبية بطنجة، بتاريخ 22 صفر عام 1239 ه/  1823 م". "رسالة السلطان مولاي عبد الرحمان بن هشام إلى نائب القنصل الهولندي بطنجة أبراهام بن دلاك، بتاريخ 6 ربيع الثاني عام "رسالة الشيخ عبد الله الغربي الغرافي إلى الذمي أبراهام بن دلاك، نائب القنصل العام لدولة هولندة بطنجة عام 1810 م". الأرشيف "رسالة القنصل العام البريطاني بطنجة جون دراموند هاي إلى جميع نوابه بالمراسي المغربية، بتاريخ 20 أبريل عام 1864 م". الأرشيف "رسالة القنصل العام الهولندي كارلوس نيسن إلى السلطان مولاي سليمان بن محمد بن عبد الله، بتاريخ 22 ربيع الأول "رسالة القنصل العام لدولة هولندة بطنجة كارلوس نيسن إلى السلطان مولاي سليمان، بتاريخ 22 شوال عام 1235 ه/  1819 م." "رسالة النائب السلطاني بطنجة بوسلهام بن علي أزطوط إلى القنصل العام لدولة هولندة أگوسطو فريسينط بتاريخ 2 شعبان عام "رسالة النائب السلطاني محمد بن العربي الطريس إلى القنصل العام لدولة هولندة إلياس كاسيل، بتاريخ 12 شوال عام 1306 ه/  12 "رسالة القائد أحمد بن مبارك إلى القنصل العام الهولندي بطنجة كارلوس نيسن، بتاريخ مهل رمضان عام 1231 ه/  1816 م". الأرشيف "ظهير السلطان محمد بن عبد الرحمان إلى سائر الخدام والعمال، بتاريخ 26 شعبان 1280 ه/  5 فبراير   1864 م"، يأمر فيه بمعاملة اليهود بميزان الحق والتسوية بينهم وبين غيرهم في الأحكام. الأرشيف الوطني بلاهاي، سلسلة 05. 15. 05. 2. قنصلية موگادور "عقد كراء أرضٍ بطنجة لفائدة نائب القنصل الهولندي بطنجة أبراهام بن دلاك، بتاريخ 17 رمضان 1240 ه/  1824 م". الأرشيف "وثيقة كراء السيد عبد القادر بن الجيلالي العبدرزاقي عرصة بطنجة للذمي أبراهام بن حييم بن دلاك، بتاريخ 17 رمضان عام 1240 ه/  1824 م". الأرشيف الوطني بلاهاي، سلسلة 22. 05. 2. قنصلية طنجة 1815 - 1830، رقم 6.

الأجنبية

• Aubin, Eugène. Le Maroc d'aujourd'hui. Paris: Librairie Armand Colin, 1904.

• Miége, Jean-Louis. Le Maroc et L' Europe: (1822-1906). Tome II. Rabat: Editions La Porte, 1962.

• Amezian, Mohamed & M'barek Zaki. "Le Maroc dans Les Archives des Pays-Bas." Revue Maroc Europe. no. 6

• Castries, Henry De. Les sources inédites de l'histoire du Maroc. 1 ère série. Dynastie Saâdienne 1530-1660. Archives

et bibliothèques des Pays-Bas. Tome I. Paris: Ernest Leroux, 1906.

• _______. Les sources Inédites de l'Histoire du Maroc. 1 ère série. Dynastie Saâdienne. Archives et bibliothèques

des Pays Bas. Tome II. Paris: Ernest Leroux, 1907.

• _______. Les sources inédites de l'histoire du Maroc. 1 ère série. Dynastie Saâdienne. Archives et bibliothèques des

Pays-Bas. Tome III. Paris: Ernest Leroux, 1912.