الكتابة التاريخية: المنعطفات الإبستيمولوجية
Historical Writing: Epistemological Junctures
الملخّص
تسلط هذه الدراسة الضوء على المنعطفات الإبستيمولوجية الأساسية في الكتابة التاريخية في الغرب، وتكمن أهميتها في أنها تكشف عن الطابع الجدلي لتطور الهيستوريوغرافيا الغربية بدءًا من لحظة انفلات التاريخ من اللاهوت، واستيعابها من الفلسفة، ثم انتزاعها من المدرسة الوضعية، وصولًا إلى المنعطف الحولياتي وما بعده. وتهدف إلى تجلية حقيقة أن التطور في كتابة التاريخ تسبقه رؤى ونظرات جديدة على مستوى البحث الإبستيمولوجي؛ إذ ساد الاعتقاد طويلًا، في الجامعات العربية، والمغربية خصوصًا، أن انتعاش البحث التاريخي ينطلق من اكتشاف الوثائق وإضاءة جوانب كانت معتمة من التاريخ الحدثي، في حين تظل هذه الرؤية حبيسة مرحلة من مراحل الكتابة التاريخية، وهي المرحلة الوضعية التي لم تسلم من انتقادات بشأن قصورها المنهجي؛ وأهم قصور هو التركيز على الحدث التاريخي في بعده السياسي وإغفال أبعاد أخرى أساسية في البحث التاريخي كالاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية، فضلًا عن الذهنيات والمهمشين.
Abstract
The study sheds light on the dialectical nature of the development of Western historiography from the moment history departed ways with theology, to be assimilated by philosophy and snatched in turn by the positivist and Annales schools - suggesting that development in the writing of history is preceded by new vision and perspectives at the level of epistemological research. It has long been believed in Arab universities, and Moroccan ones, that revival of historical research is predicated on discovery of documents and the illumination of murky aspects surrounding historical events: a vision that is limited to the positivist stage of historical writing, one that has not escaped criticism for its methodological shortcomings. Its most important deficiency is its focus on the political dimension of the historical event and subsequent neglect of other basic dimensions of historical research (society, economics, culture, religion, mindsets, marginalized persons... etc.).
- التاريخ
- إبتسمولوجيا
- المدرسة الوضعية
- الحوليات
- History
- Epistemology
- Positivism
- Annales
الكتابة التاريخية: المنعطفات الإبستيمولوجية Historical Writing: Epistemological Junctures
تسلط هذه الدراسة الضوء عى المنعطفات الإبستيمولوجية الأساسية في الكتابة التاريخية في الغرب، وتكمن أهميتها في أنها تكشف عن الطابع الجدلي لتطور الهيستوريوغرافيا الغربية بدءًا من لحظة انفلات التاريخ من اللاهوت، واستيعابها من الفلسفة، ثم انتزاعها من المدرسة الوضعية، وصولً إلى المنعطف الحولياتي وما بعده. وتهدف إلى تجلية حقيقة أن التطور في كتابة التاريخ تسبقه رؤى ونظرات جديدة عى مستوى البحث الإبستيمولوجي؛ إذ ساد الاعتقاد طويلً، في الجامعات العربية، والمغربية خصوصًا، أن انتعاش البحث التاريخي ينطلق من اكتشاف الوثائق وإضاءة جوانب كانت معتمة من التاريخ الحدثي، في حن تظل هذه الرؤية حبيسة مرحلة من مراحل الكتابة التاريخية، وهي المرحلة الوضعية التي لم تسلم من انتقادات بشأن قصورها المنهجي؛ وأهم قصور هو الركيز عى الحدث التاريخي في بعده السياسي وإغفال أبعاد أخرى أساسية في البحث التاريخي كالاجتمعية والاقتصادية والثقافية والدينية، فضلً عن الذهنيات والمهمشن. كلمت مفتاحية: التاريخ، الإبستيمولوجيا، المدرسة الوضعية، الحوليات.
The study sheds light on the dialectical nature of the development of Western historiography from the moment history departed ways with theology, to be assimilated by philosophy and snatched in turn by the positivist and Annales schools - suggesting that development in the writing of history is preceded by new vision and perspectives at the level of epistemological research. It has long been believed in Arab universities, and Moroccan ones, that revival of historical research is predicated on discovery of documents and the illumination of murky aspects surrounding historical events: a vision that is limited to the positivist stage of historical writing, one that has not escaped criticism for its methodological shortcomings. Its most important deficiency is its focus on the political dimension of the historical event and subsequent neglect of other basic dimensions of historical research (society, economics, culture, religion, mindsets, marginalized persons... etc.).
A Moroccan researcher, he holds a master's degree in history from Ibn Tofail University, Kenitra, Morocco.
تمهيد
منذ أن ظهرت العلوم الإنسانية مع الثورة الصناعية، كما يشير ميشيل فوكو في الكلمات والأشياء، وهي تتقلب بين مناهج متعددة، تتلاقح تارة في ما بينها، فتستعير مناهج علوم مجاورة من الدائرة نفسها، ويصلها تارة أخرى فيض نتائج العلوم الطبيعية، فتركب الموجة هي الأخرى وتلبس لباس العلم الحق. ولم يَكن التاريخ بمنأى عن هذه الحركية العلمية النشطة، بل ساهم فيها هو الآخر تأثيرًا
وتأثرًا، لهذا لم يفتأ منذ القرن التاسع عشر يتقلّب على بساط إبستيمولوجي رحب؛ ذلك أنّ التجديد في الكتابة التاريخية كان، قبل كل
شيء، ثورة في منهج هذه الكتابة وخروجًا على الأطر السائدة؛ وكما يذهب توماس كون، فإنّ المعرفة تتطور حين تضيق جملة المبادئ
العلمية التي توجّه علمًا معيّنًا - يعرف ب "البراديغم" - عن مجاراة روح العصر بما يغتني به من مستجدات واكتشافات تسطّر حدود هذا
البراديغم، حينئذ ينفجر النسق السابق، ويستخرج من نتائج هذه العلوم نفسها مبادئَ تصير مَعْلمًا مرجعيًا.
تجديد الكتابة التاريخية
في مقدمة كتابه مجمل تاريخ المغرب، وجّه عبد الله العروي اهتمام الباحثين إلى جملة من الخطوات المنهجية لتجديد الكتابة
التاريخية؛ ذلك أن الخروج عن حدود التقليد التاريخي القديم لا يكفي فيه تنظيم الأرشيفات والبحث عن وثائق جديدة، أو حتى اتباع نظريات جديدة في التأويل: سواء كانت ماركسية أو فرويدية أو بنيوية. إنها خطوات منهجية على درجة من الأهمية بلا شك، لكنها لا ترتقي بالبحث التاريخي ليحقق ما يسميه غاستون باشلار Bachelard Gaston "القطيعة الإبستيمولوجية" بالخروج عن السياجات التي تفرضها الكتابة التاريخية التقليدية، فالبحث عن الوثائق في الأرشيفات قد يساهم في تحقيق تراكمات معرفية تثُري درايتنا بالماضي،
لكن ما دام هذا التراكم مطوّقًا ببراديغم المعرفة التاريخية القديمة فإنه يظل كمّيًا، ومهما دقق المؤرخ وانصبّ اهتمامه على الأحداث فإنه
لا يُجري قطيعة مع نمط الكتابة التاريخية التي تحوم حول ما سمّاه فرانسيس بيكون: "أصنام قبيلة المؤرخين". أما القطيعة الإبستيمولوجية فتتطلب، أول ما تتطلّب، كما يقول أحد شُّاح فلسفة باشلار "فترات الانتقال الكيفي في تطور العلوم"؛ إذ إنّ التقدم في العلم، أيّ علم كان، لا يتم من خلال الاستمرارية، بل بالانتقال من أسس منهجية تؤطر علمًا ما إلى أسس
أخرى. إن باشلار "يريد أن يبيّ أن هنالك في تاريخ العلوم قفزاتٍ كميةً تجعل العلم ينتقل بفضلها إلى نظريات جديدة لا يمكن أبدًا
النظر إليها على أنها مجرد استمرار للفكر العلمي السابق". لهذا، يرى العروي أن من أولويات تطوير البحث التاريخي تركيز الاهتمام على الدراسات المنهجية والإبستيمولوجية: "من
مستلزمات التجديد أولً خلق ذهنية معاصرة عند المؤرخين المغاربة، وذلك بتوسيع وتعميم الدراسات المنهجية والإبستيمولوجية"، وإذا وضعنا نصب أعيننا أن الإبستيمولوجيا هي المبحث الذي ينظر في مبادئ العلوم، كما يقول أندريه لالاند، فإن تطبيق النظر
Michel Foucault, Les mots et les choses (Paris: Gallimard, 1966), p. 355. Thomas Kuhn , La structure des révolutions scientifiques , Laure Meyer (trad.) (Paris: Flammarion, 1983). François Simiand, "Méthode historique et science sociale," Annales ESC , no. 1 (1960), p. 117.
4 محمد وقيدي، فلسفة المعرفة عند غاستون باشلار (الرباط: مكتبة المعارف، 1984)، ص 130. 5 المرجع نفسه. 6 عبد الله العروي، مجمل تاريخ المغرب (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2009)، ص 22.
André Lalande, Vocabulaire technique et critique de la philosophie (Paris: PUF, 1988), p. 293.
الإبستيمولوجي في حقل التاريخ سيكون نظرًا في المبادئ التي يوظفها المؤرخ في عملية كتابة التاريخ، أو "صناعة التاريخ". فإن أخذنا، على
سبيل المثال التاريخ الخلدوني، فإنّ ما سيهم البحث الإبستيمولوجي ليس كتاب العبر، أي تلك الأحداث الكثيرة المتراصّة، بل ما يثوي
خلفه من خطة؛ بمعنى آخر، سيوجّه اهتمامه صوب المقدمة، وتحديدًا نحو قواعد علم العمران التي أرادها عبد الرحمن بن خلدون علمًا
معياريًا في الكتابة التاريخية، تتنزل من التاريخ منزلة المنطق من الفلسفة، والنحو من اللغة، وهذا ما يسميه العروي "تاريخ التاريخ"،
وهي عبارة وظّفها قبل أن تتّخذ عنوانًا لأحد الكتب في المنهجية التاريخية، يقول العروي: "إن مادة تاريخ التاريخ، أي مراحل تطور
صناعة المؤرخ، مهملة في الجامعات المغربية". من خلال تأمّل العروي في مجمل التحولّات التي لحقت بالبحث التاريخي بعد الثورة المعرفية التي امتدت إلى هذا المجال، استنتج
أن كل التحولّات المنهجية يمكن اختزالها في آخر المطاف في حلقة واحدة هي الحقبة، فالذي يتغيّ في مقاربة كل مؤرخ هو الأمد؛ إذ إنّ
مؤرخ الدبلوماسية يقنع بالفترات الزمنية القصيرة، بينما يُمدّد من يهتم بالمؤسسات فترته الزمنية إلى قرن أو أكثر، أما من ينظر في التقنيات
فيجول بنظره فوق مدد طويلة، تقدّر بعشرات القرون. ويعود العروي القهقرى في البحث عن أصل الطفرة المعرفية، فيخلص إلى ما يلي:
"يبدو أولً أن التجديد يرجع إلى الأسئلة المطروحة، إلى نقاط الاهتمام، إلى تأويل المعلومات. لكن عند التدقيق يتّضح أن ما يتغيّ هو
مفهوم الوحدة الزمانية، أي الحقبة التاريخية. يعني كل تجديد في النهاية إعادة النظر في تحقيب التاريخ". لكن العروي يشدّد، في موضع آخر، على أهمية التناول التاريخي لتاريخ التاريخ نفسه، فلا يكفي ترجمة كتاب في منهجيات "صناعة
التاريخ" من دون الإحاطة بالملابسات التاريخية التي كانت وراء ظهور هذا المنهج أو ذاك؛ فالمناهج تتحاور في ما بينها، والمناهج التي كانت استجابة لتحديات منهجية أخرى كثيرةٌ، وفي غياب هذا التموقع التاريخي والمعرفة بالمناقشات التي ولّدت هذه المناهج، لا يمكن
أن تكون معرفتنا إلّ عمياء غير متبصّة. يقول العروي عن ترجمة عبد الرحمن بدوي كتاب شارل -فيكتور لانجلوا وشارل سينيوبوس
المدخل إلى الدراسات التاريخية: "الترجمة الحرفية لا تنفع. ماذا يعني الاقتداء الأعمى في مثل هذه الظروف؟ بدون نقد للكتاب، بدون وضعه في سياق المعرفيات المعاصرة، هل تعين الترجمة على توضيح فكرة التاريخ أم على طمسها؟".
المدارس التاريخية: دراسة للعنوان
من المؤلفات التي اشتملت على هذين البعدين؛ أي تسليط الضوء على البحث الإبستيمولوجي في الحقل التاريخي، والتعامل معه من مدخل تاريخي، بمعنى تتبع سيرورة تطور صناعة المؤرخ في تموّجاته وانعطافاته الكتاب الأخير للمؤرخ محمد حبيدة المدارس
التاريخية: برلين - السوربون - استراسبورغ: من المنهج إلى التناهج، وهو ليس الكتاب الأول الذي طرح فيه، تحليلً ودرسًا،
مناهجَ البحث في التاريخ، بل سبق أن أصدر مجموعة أعمال تتوزّع بين الترجمة ودراسات تهتم بتقريب هذه المناهج التي ابتُكرت في
الهيستوريوغرافيا الغربية من قارئ اللغة العربية.
8 العروي، ص 22. 9 المرجع نفسه، ص 18. 10 عبد الله العروي، مفهوم التاريخ (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2012)، ص 18؛ ينظر:
Charles-Victor Langlois & Charles Seignobos, Introduction aux études historiques (Paris: Edition Kimé, 1992).
11 الكتابة التاريخية: التاريخ والعلوم الاجتماعية، التاريخ والذاكرة، تاريخ العقليات، ترجمة محمد حبيدة (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2015.) 12 محمد حبيدة، كتابة التاريخ: قراءات وتأويلات (الرباط: دار أبي رقراق، 2013)؛ ينظر أيضًا: محمد حبيدة، "مدرسة الحوليات: مفاهيم التحليل البروديلي"، أمل
(المغرب)، العدد 3 (كانون الثاني/ يناير 1993.)
لنقف بشيء من الاقتضاب مع عنواني كتاب المدارس التاريخية الفرعيين؛ إذ تشير برلين إلى مدرسة رانكه Ranke von Leopold واضع قواعد علم التاريخ، ومُدشّن اللبنة الأولى للمدرسة التاريخية الوضعية التي سيكتمل بناؤها في فرنسا، وتحيل السوربون على
مؤسسي المدرسة الوضعية الفرنسية لانجلوا وسينيوبوس، أما ستراسبورغ فهي معقل مدرسة الحوليات التي انطلقت مع المؤرخين مارك بلوخ Bloch Marc ولوسيان فيفر Febvre Lucien. في حين يحيل العنوان الفرعي الثاني، "من المنهج إلى التناهج"، على التطور المضموني للمنهج التاريخي من منهج أحادي بسيط، وهو منهج المدرسة الوضعية الذي يرتكز على دراسة الوثائق ونقدها، ثم استخلاص ما تحويه من معطيات يضمنها المؤرخ في كتب وصفية، إلى منهج مركب يستقطب مناهج علوم مختلفة ويصهر داخل بوتقة التاريخ
تخصصات مختلفة. إن مفهوم التناهج هو مفهوم إشكالي ليس بسيطًا، ودلالته لا تتبادر إلى ذهن القارئ مباشرة، ويمكن القول إنه ينتمي إلى المعجم التقني للتاريخ، ثم إنّ المؤرخ محمد حبيدة لم يُعرّف المفهوم؛ ما يدل على أن الكتاب غير موجّه إلى جمهور القراء،
بل إلى الباحثين في التاريخ الذين خبروا مفاهيم التخصص. ومن بين الإشارات النادرة التي وردت عرضًا في كتاب المدارس التاريخية عن تعريف التناهج إشارة - نجدها بعد أن تقدم المؤرخ في كتابه - إلى مقالة مرجعية للمؤرخ بيرنار لوبوتي بعنوان "مقترحات من أجل تقنين التناهج"، حيث يعطف حبيدة "التناهج" على "تداخل التخصصات والمناهج". مفهوم التناهج، في حدود اطلّاعنا، الترجمة التي اختارها العروي للمفهوم الفرنسي Interdisciplinarité، كما نجده في "فهرس المفاهيم" في آخر كتابه مفهوم التاريخ. فالمفهوم ظهر في سياق التنافس المحموم بين العلوم الإنسانية المختلفة وتوق كل تخصص لتحقيق قصب السبق وجعل العلوم الأخرى المجاورة تابعة له، وهذه التبعية - بلا شك - تستلزم ضمنيًا حضور هذه العلوم الإنسانية
الأخرى في كل تخصص؛ ما يفترض وجود حدّ أدنى من التلاقح المعرفي بين التخصصات. يقول العروي عن التناهج إنه "التعاون العضوي
بين التخصصات المختلفة على أساس أن التاريخ هو علم العلوم". أما أندريه بورغيير Burguière André فيرى أن التناهج يفرضه تنويع أنماط مقاربة الظاهرة الاجتماعية. وما يستبطنه هذا الموقف أن الظاهرة الاجتماعية هي من التركيب، حيث لا يستطيع علم إنساني واحد، أو منهج واحد، أن يحيط بمختلف أبعاد الوجود الاجتماعي، ومن هنا تأتي ضرورة إزالة الحدود والحواجز بين التخصصات. فالوجود الاجتماعي يتحدد بالحاجات الاقتصادية (الاقتصاد) والإكراهات الجغرافية (الجغرافيا)، وجود يتجاوز الفرد وإرادته؛ ما يحتّم الالتجاء إلى السوسيولوجيا على النحو الذي نظّر له إيميل دوركايم، كما أن الإنسان ليس حيوانًا يزحف على بطنه أو كيانًا
عقلانيًا بحتًا، بل تصدر عنه سلوكات لاعقلانية، بطريقة غير إرادية؛ ولهذا يكون الحفر في تاريخ العقليات هو الآخر شرطًا للإدراك
الأمثل للواقع في تجلّياته المتعددة، وهذه التخصصات إذا كان كل واحد منها قد نشأ على حدة، بمعزل عن الأخرى، فإنّ بلورة رؤية
شمولية عن الإنسان تقود إلى التناهج. أما العنوان الرئيس "المدارس التاريخية"، فلا بد من استبعاد المعنى الدارج المتعلق به، فالمدرسة ليست هي المؤسسة ذات الحجرات التي تُلقّن فيها دروس، بل هي في هذا السياق رباط منهجي فكري ينضوي تحته باحثون يقتسمون التوجّهات الفكرية والمنهجية
نفسها، مع أن هذه الرزمة من المبادئ المنهجية التي تشكل عامل قرابة بين أعضاء المدرسة الواحدة ليست جامدة ثابتة، بل قابلة للابتكار
13 محمد حبيدة، المدارس التاريخية: برلين - السوربون - استراسبورغ: من المنهج إلى التناهج (الرباط: دار الأمان، 2018)، ص 116. 14 العروي، مفهوم التاريخ، ص 420. 15 المرجع نفسه، ص 81.
16 A. Burguiere, "Histoire d'une histoire: La naissance des Annales," Annales ESC , no. 6 (1979), p. 1351. 17 Emile Durkheim, Les règles de la méthode sociologique (Paris: PUF, [s. d.]), p. 13. 18 Jacques Le Goff, "Les mentalités, une histoire ambiguë, " in: J. Le Goff & P. Nora (eds.), Faire de l'histoire (Paris: Gallimard, 1974).
والإبداع والتجديد، ويمكن القول إن استمرار مدرسة في العطاء رهينٌ بجدلية الانفتاح، من دون فقدان الذات محدّدات هويتها. يقول حبيدة عن المدرسة إنها: "جماعة من المؤرخين يرتبطون فيما بينهم بنسب منهجي وفكري على مدى أكثر من جيل واحد، مع ما توفره بنية النسب هذه، ضمن هذه المدرسة أو تلك، من إمكانيات التجديد والابتكار والعطاء".
ولادة التاريخ بوصفه علمً
في الفصل الأول من كتاب المدارس التاريخية، يخصّص حبيدة مبحثًا لتناول السياق الإبستيمولوجي الذي ظهر فيه التاريخ بوصفه علمًا، ففي محطة أولى حدث انتزاع التاريخ من القبضة الدينية؛ إذ شهد عصر الأنوار عملية علمنة فكرية شاملة، فاستعاد الإنسان ما باعه للسماء بثمن بخس، كما يقول جورج فيلهلم فريدريش هيغل. يصف حبيدة هذه الانعطافة التي يمكن عدّها قطيعة إبستيمولوجية بقوله: "في محطة أولى تحرر التاريخ من التصور الديني، لما انتزعه فلاسفة الأنوار من قبضة الكنيسة، ليتحوّل إلى مادة علمانية، حيث خلع المؤرخ لبوس اللاهوتي وصار يفهم التاريخ فهمًا واقعيًا". وتجدر الإشارة إلى أن هذا التحوّل، الذي تمّ في إثره
تخليص التاريخ من الدين، قد حدث في الهيستوريوغرافيا العربية مع ابن خلدون. ومع ذلك، ظلّ النظر الخلدوني العلماني إلى التاريخ حبيس المقدمة ولم يتجاوزه ليُحدث تأثيرًا في العقليات. يقول كريستوف بوميان عن علمانية التصور الخلدوني للتاريخ إن التحقيب
الأوغسطيني للتاريخ يتعارض مع التحقيب الخلدوني تمامًا، كما يتناقض الوعي المقدس مع الوعي الدنيوي.
الوضعية التاريخية: العلموية ومركزية الوثيقة
في محطة ثانية، ستُفصل العلوم عن الفلسفة بتأثير من المدرسة الوضعية التي وضع لبناتها أوغست كونت الذي كان يؤمن بعقيدة التقدم التي سادت مجمل الفكر الغربي، خصوصًا في القرن التاسع عشر، لكنه لا يتحدث عن التقدم الحضاري البراني، بل عن "المسيرة التقدمية للعقل الإنساني"، ويرى أن فهم الحالة الوضعية لا بد من أن تسبقه معرفة بالحالات السابقة؛ أي الحالة اللاهوتية التي يسميها التخيل، والحالة الفلسفية التي يسميها التجريد. ويرى كونت أيضًا أن التاريخ الإنساني مر بهاتين المرحلتين الطفوليتين، وأنه ما من طفل إلّ قطَع المرحلتين في طفولته قبل أن يبلغ النضج الوضعي: "إن كل فرع من فروع معرفتنا تمر على التوالي بثلاث حالات نظرية مختلفة: الحالة اللاهوتية، أو التخيلية، الحالة الميتافيزيقية، أو المجردة، ثم الحالة العلمية أو الوضعية". وبعد ذلك يعدّد تمظهرات هذه الحالات الثلاث وطبيعة النشاط الفكري الممارس في كل منها، ففي الحالة اللاهوتية يتّجه الفكر الإنساني نحو الطبيعة الجوهرية للكائنات، ونحو الأسباب الأولية والغائية للظواهر: "نحو المعرفة المطلقة"، كما أن الظواهر الطبيعية هي نتيجة تدخل قوى فوق
طبيعية، وتدخلاتها العشوائية هي التي تفسر الظواهر غير الطبيعية من تشوهاتٍ وشذوذٍ في الكون.
19 حبيدة، المدارس التاريخية، ص 15. 20 المرجع نفسه، ص 27.
21 Krzystof Pomian, L'ordre du temps (Paris: Gallimard, 1984), p. 110. 22 Auguste Comte, Cours de philosophie positive , tome 1 (Paris: Librairie Garnier frères, [s. d.]), p. 21. 23 Ibid., p. 22.
أما الحالة الفلسفية، فالتغير فيها بسيط مقارنة بالحالة اللاهوتية السابقة، ويتمثّل هذا التحوّل في تعويض القوى المتعالية الفوق
الطبيعية بقوى أخرى مجردة، في حين تتحدّد المرحلة الوضعية بجدل السلب للحالتين السابقتين، وبناء أورغانون جديد لبناء نسق
العلوم؛ فمن جهة، تعترف بحدود العقل البشري، وتُقرّ باستحالة تحصيله مفاهيم مطلقة، كما تتخلّ عن البحث في أصل الكون
ومصيره. ومن جهة أخرى، تتّجه نحو الظواهر الطبيعية القابلة للملاحظة، وتحدّد قوانينها غير المتغيرة باعتماد المنهج التجريبي والعقلنة، والغاية الأخيرة؛ فهي تتمثّل، كما يقول كونت، في ربط الظواهر المختلفة بقانون عام واحد يفسّه ويشرحه، مثل قانون الجاذبية. كان لهذه الموجة الوضعية تأثيرها في مختلف العلوم، فانفصلت عن الفلسفة بعد أن تحرّرت من قيود الفكر الديني في عصر الأنوار،
ويصف حبيدة هذه المحطة الثانية، فيقول: "في محطة ثانية، ابتعد الفهم التاريخي عن الفلسفة بتفادي الخوض في المطارحات النظرية، حيث انفلت من القالب الذي صنعه الفلاسفة [...] هكذا ابتكر المؤرخ زيًّا جديدًا، زي العلماني والعالم، زي المحلّل والناقد. الزي المنهجي
الذي أدخل التاريخ في مرحلة الممارسة الاحترافية المرتبطة بالتجريب"، لكن لا يخفى أن هذا الترتيب الذي وضعه كونت للعلوم لم يكن موضوعيًا كما قد يتبادر إلى الذهن أول وهلة، صحيح أن العلوم الدقيقة الحقيقية تحقق إجماعًا حول نتائجها بحكم اعتماد
الملاحظة والتجريب، لكن لا يمكن فصل هذا النزوع الوضعي لدى كونت عن واقع الفوضى والتشتت الذي عاشته فرنسا بعد ثورتها، يقول محمد عابد الجابري: "لقد عاش هذا المفكر الفرنسي في ظل الأوضاع التي أعقبت الثورة الفرنسية، فراعه ما أصاب المجتمع الفرنسي آنذاك من فوضى وتمزق، وعزا ذلك إلى تنافر الأفكار. وتساءل: كيف يمكن تحقيق الانسجام في ميدان الفكر [...] لقد لاحظ أن الاختلاف في ميدان الفكر إنما يقوم في المجالات التي يبتعد فيها الإنسان عن الواقع، حيث يتناول بالبحث والمناقشة أمورًا لا سبيل
إلى معرفتها، أما حين ينصرف الفكر البشري عن هذه المواضيع الفارغة ويقصر اهتمامه على ملاحظة الظواهر يحصل الاتفاق". لهذا، فقبل الوضعية، رأى المؤرخون المعاصرون هذه الحقبة بمنزلة "ما قبل تاريخ التاريخ"، وللكتابة التاريخية قبل تاريخ التاريخ، بحسب المؤرخ الفرنسي جيرار نوارييل، سمتان بارزتان: فمن جهة لم تحقق الاستقلالية، بل كانت تابعة للأدب والفلسفة، وتسيطر عليها قضايا الصراع السياسي، ومن جهة أخرى كانت الأبحاث التاريخية "العالمة" محتكرة، في فرنسا، من جهات معادية للجمهورية: "خلافًا لما قد نعتقده الآن؛ هذا التاريخ المتحيّز سيطرت عليه، على نحو واسع، التيارات الكاثوليكية المحافظة التي
تعارض بحزم الجمهوريين". كان لإخضاع التاريخ لرياح الوضعية ثلاث نتائج أساسية؛ فالتاريخ لم يعد حقلً لإصدار الأحكام الأخلاقية؛ ذلك أنه لم يعد تاريخًا أخلاقيًا، وكان منسجمًا مع هذا المنحى التاريخي الجديد؛ أن يتراجع التاريخ الديني على حساب تصاعد التاريخ السياسي. وبالمثل،
لا ينفصل تراجع التاريخ الديني عن ظهور قيم جديدة و"تطليق" القيم الماضوية، ولا يخفى أن هذا التوجه لا بد من أن يحمل معه رؤية تاريخية جديدة، رؤية تتطلّع إلى المستقبل وتؤمن بأفضليته، وفي المقابل تنزع الأمثلة عن الماضي.
24 Ibid., p. 23. 25 Ibid.
26 حبيدة، المدارس التاريخية، ص 27 - 28. 27 محمد عابد الجابري، مدخل إلى فلسفة العلوم: العقلانية المعاصرة وتطور الفكر العلمي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2002)، ص 25 (بتصرف.)
28 Gerard Noiriel, "Naissance du métier d'historien," Genèses: Sciences sociales et histoire , no. 1 (1990), p. 58. 29 Ibid. 30 Ibid., p. 60.
31 حبيدة، المدارس التاريخية، ص 32.
يذكر المؤرخ محمد حبيدة خمس قواعد للمنهج التاريخي الوضعاني الذي وضعه رائد المدرسة الوضعية الألمانية المؤرخ ليوبولد فون رانكه الملقب ب "نسطور المؤرخين": 1. التحقق من الوثائق وتحليلها ونقدها. التحقق من الأحداث، وعرضها بطريقة كرونولوجية. اجتناب الحكم على الماضي، والاقتصار على وصف الواقعة التاريخية كما هي. نفي العلاقة بين الذات العارفة، أي المؤرخ من جهة، وموضوع المعرفة، أي الواقعة التاريخية من جهة أخرى. التاريخ موجود لذاته موضوعيًا، وفهمه ميسر بصفة موضوعية وحيادية. يرى وجيه كوثراني أنه ينبغي التمييز في فكر رانكه بين المنهج والفلسفة؛ فمنهجيًا يدعو إلى الفصل بين الذات والموضوع والتعامل
مع الوثائق بحياد "حيث تنحصر [مهمته] في ملاحظة الوقائع بدقة وتجنّب إقحام الأخلاقيات أو التزيين والتزويق، كما تقتضي إبراز
الحقيقة التاريخية وحدها وأداتها الوثائق وتحقيقها". أما فلسفيًا، فكان رانكه وضعانيًا، بمعنى أنه يؤمن بأيديولوجيا التقدم ويُيَمّم
وجهه إلى المستقبل، معتقدًا أن القادم حتميًا أفضل مما مضى: "على مستوى الفلسفة، فلسفة التاريخ، فهو وضعاني، يؤمن بتقدم الثقافة
كمضمون متحرك وفاعل في التاريخ". حمل مشعل هذه المدرسة في ما بعد المدرسةُ الفرنسية، فهي التي سترفع لواء الوضعانية مع المؤرخين لانجلوا وسينيوبوس. فهذه المدرسة، كما يقول حبيدة، مزيج من الحس الأرشيفي الوطني والقواعد التي وضعتها المدرسة الوضعية في ألمانيا في شخص رانكه، والاهتمام بالأرشيف إنجاز أوجدته الثورة الفرنسية، لكن لا بد من الإشارة إلى أن بعض الشخصيات الثورية كانت مع إبادة الوثائق المحفوظة في الأرشيفات التي تشهد على الوضع السياسي والاجتماعي لما قبل الثورة. ففي كتاب كريستيان ديلاكروا وآخرين التيارات التاريخية في فرنسا دراسة لباتريك غارسيا بعنوان "ولادة التاريخ المعاصر" شهادةٌ مهمة من خطاب لنيكولا كوندورسي، أحد رجال الثورة الفرنسية، يقول فيها: "في هذا اليوم المشهود أرسى البرلمان دعائم المساواة السياسية بالقضاء على الأرستقراطية. في هذا اليوم، وبفضل انتصار العقل، تحترق في العاصمة، تحت أقدام تمثال لويس الرابع عشر، تلك المجلدات الضخمة التي تشهد بغرور هذه الطائفة. وتلقى آثار أخرى المصير نفسه في الخزانات العامة ومجالس الحسابات ودور الأنساب. ينبغي تدمير هذه المستودعات تدميرًا
شاملً. لن تحتفظوا، على حساب الأمة، بهذه التفاهات التي تهدد المساواة ". لكن بعد مقتل كوندورسي، انتصر موقف حفظ وصيانة هذه "المجلدات الضخمة" التي ستتحول إلى وثائق مهمة ومادة للبحث التاريخي، خصوصًا مع المدرسة الوضعية. مرجعان اثنان كانا بمنزلة بيانين منهجيين للمدرسة الوضعية في فرنسا وخارجها؛ فمن خلالهما رُوّج لأدبيات الوضعية: المجلة
التاريخية، والكتاب المشترك للانجلوا وسينيوبوس مدخل إلى الدراسات التاريخية. يبدأ الفصل الأول "البحث عن الوثائق" في هذا الكتاب بجملة تختزل مجمل الرؤية المنهجية للمدرسة الوضعية: "التاريخ يُصنَع بالوثائق"، فكما كانت المدرسة الوضعية تدعو في
32 وجيه كوثراني، تاريخ التأريخ: اتجاهات - مدارس - مناهج (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، ص 165. 33 المرجع نفسه.
34 Patrick Garcia, "La naissance de l'histoire contemporaine," in: Christian Delacroix, Patrick Garcia & François Dosse, Les courants historiques en France: XIXᵉ-XXᵉ siècle (Paris: Gallimard, 2007), pp. 18 - 19.
في ملحق كتاب المدارس التاريخية ترجمة من المؤلف لهذا الخطاب، وهي التي اعتمدناها هنا.
35 Langlois & Seignobos, p. 13.
فلسفة العلم إلى التعامل مع الظواهر الطبيعية الظاهرة عن طريق الملاحظة، فإن المدرسة التاريخية في سبيل تحقيق علميتها حاكت كذلك هذا المنحى باختيارها كتابة التاريخ من خلال دعائم مادية، هي الوثائق. صحيح أنّ المؤرخ يْ يعترفان بأن المنهج التاريخي، في
تعامله مع الوثائق والمخلفات التي تركها الماضي، أقل علمية ودقّة من منهج العلوم الحقيقية والدقيقة التي تعتمد الملاحظة المباشرة، لكنهما أمام التحدي العلمي، يريان أن نقد الوثيقة هي الوسيلة الوحيدة التي يمتلكها المؤرخون من أجل بلوغ هذا الهدف، فيرتقي علم التاريخ إلى مصاف العلوم التي تعتمد المنهج الوضعي، وإن كان هذا المنهج غير المباشر - كما يطلقان عليه - ليس كدقة منهج الملاحظة المباشرة. لكن ما يقلّل من دقة المنهج التاريخي في نسق الكتابة الوضعانية المعتمد على الوثائق ليس استنادها في كتابة التاريخ إلى الوثائق فحسب، بل جملة ثغرات ونقائص تتخلّل هذه الوثائق أيضًا. فالوثائق، بحسب المؤرخين، ليست نسخًا أصلية، "في أي حال حفظت
الوثائق القديمة؟ تقريبًا النسخ الأصلية، دائمًا، ضائعة، لا نمتلك إلّ نسخ النسخ"، لهذا، ليس المؤرخ مطالبًا بإيجاد النسخة السليمة
الأصلية من بين نسخ وثيقة ما، أي تلك التي لا يعتورها نقص مهما صغر؛ إذ إن أقصى ما قد يطمح إليه هو الوصول إلى "النص الأفضل"، أي نص الوثيقة الذي يشبه النسخ الأصلية ويقترب منها: "إننا نصل عبر طريق التخمين، أو عبر طريق المقارنة والتخمين، ليس للحصول بالضرورة على النص السليم، بل إلى النص الأفضل ما أمكننا ذلك". تدعو المدرسة الوضعية إلى مجموعة خطوات منهجية من أجل تجاوز هذه الصعوبات والاقتراب من تحقيق العلمية؛ من خلال التعامل النقدي مع الوثائق قبل اعتمادها مادةً للبحث التاريخي. ثمة نقدان يمارسهما الباحث قبل أن يسلّم بما في الوثيقة، وأقول
الباحث وليس المؤرخ؛ لأن النقد الخارجي للوثيقة، بحسب المؤرخين الوضعيين، ليس عملً من صميم اهتمام المؤرخ، إنه عمل تقني يتطلّب مواصفات معيّنة، مثل المثابرة والصبر... إلخ، لكن مهنة المؤرخ لا تشترط تحقيق الوثائق. النقد الأول هو النقد الخارجي، ويشمل نقد التصحيح، يقول لانجلوا وسينيوبوس: "قبل استخدام وثيقة، يجب أن نعرف أولً هل نص هذه الوثيقة صحيح؟ أي هل يتّفق، قدر الإمكان، مع نسخة المؤلف التي كتبها بخطه؟ فإن كان النص سقيمًا يجب تصحيحه"،
أما الخطوة الثانية في النقد الخارجي، فهي نقد المصدر، ويقصد به التأكد من الحيثيات الخارجية والملابسات التاريخية التي كُتبت فيها الوثيقة، وكما يقول المؤرخان: "من غير المعقول أن ننشد معلومات عن واقعة ما في أوراق شخص لم يعرف عنها شيئًا، ولم يكن في وسعه
أن يعرف عنها شيئًا. ولهذا ينبغي أن نتساءل أولً حينما نكون أمام وثيقة ما: من أين أتت؟ ومن مؤلفها؟ وما تاريخها؟ فالوثيقة التي
لا يُعرف شيء عن مؤلفها وتاريخها ومكان كتابتها، وبالجملة مصدرها، هي وثيقة لا تفيد شيئًا". أما الخطوة الثالثة بعد تصحيح
الوثائق ونقد المصدر، فهي جمع هذه الوثائق وترتيبها، وهنا يدعو المؤرخان إلى ترتيب الوثائق باعتماد الجذاذات Les fiches. وهذا متعلق بالنقد الخارجي. أما النقد الداخلي، فهو ممارسة التحليل الهيرمينوطيقي، ولا بد أن من يقرأ الخطاب الوضعي سيلحظ المفارقة المتمثلة في تناقض الوضعية بوصفها اتجاهًا علميًا يتوجّه إلى الظواهر فقط، مع الفهم كتأويل باطني ينخرط في تخمين بعض النشاطات الذهنية لكاتب
36 Ibid., p. 39. 37 Ibid., p. 44. 38 Ibid., p. 50. 39 Ibid., p. 67. 40 Ibid. 41 Ibid., p. 52.
الوثيقة، وهي نشاطات لا يسمح المنهج الوضعي بدراستها دراسة علمية، حيث يقول لانجلوا وسينيوبوس إن مهمة النقد الباطني هي إعادة تحليل كل العمليات التي قام بها الكاتب واختبارها، للتأكد مما إذا كانت كل عملية من هذه العمليات تمّت بطريقة صحيحة.
ومما يدخل في هذه العمليات التي يجب أن تدرس، كما يقول المؤرخان، حركة اليد التي سطّرت الوثيقة: "يجب أن نصعد في الاتجاه المعاكس، درجة درجة، من حركة اليد إلى الملاحظة"، وهذه النشاطات باطنية مغيّبة عن الحس والملاحظة، وغير قابلة للدراسة على
الشرط الوضعي. تحيلنا هذه المفارقة التي سقط فيها المؤرخان على نقاش عريض بشأن إشكالية الفهم والتفسير، وهي إشكالية أثارتها المدرسة الرومانسية ردًّا على تحديات الوضعية. فالتفسير بالنسبة إلى الباحثين في الهيرمينوطيقا، مثل فريدريك شلايرماخر Schleiermacher Friedrich، وفيلهلم ديلثاي Dilthey Wilhelm، هو منهج العلوم الطبيعية؛ تلك التي تقصد استخلاص جملة قوانين ثابتة من الطبيعة وصوغها صوغًا علميًّا. أما الفهم، فهو مبتغى العلوم الإنسانية أو الروحية، كما يسميها ديلثاي، وخلاصة
تغلغل قارئ النصوص، حيث هو يتعامل مع حالات فردية تنبع من الوجدان الإنساني؛ لهذا فإن تطبيق المنهج العلمي عليها هو تحريف للمنهج والمقروء على حد سواء. إنّ الغاية التي يصبو إليها قارئ نص ما هي فهمه، وما يجعل هذا الفهم ممكنَ الإدراك هو تجانس الطبيعة البشرية والتجارب التي يمرّ منها الإنسان. لهذا، كما يقول بول ريكور عن شلايرماخر، فإنّ فهم نصٍّ ما ممكنٌ، بل إنه يغلو في
ذلك، ويرى إمكان "فهم الكاتب مثلما أو حتى أحسن مما فهم نفسه"، وآلية الفهم، بحسب شلايرماخر، هي التأويل الذي يقسمه
قسمين: تأويل لغوي وتأويل تقني أو نفسي؛ فالأول تأويل موضوعي إلى حدّ ما، يدرس بنية النص من المنظور اللغوي ويستهدف وحدته الدلالية ويحدّد معاني الكلمات في سياقها. أما الثاني، فيتّجه إلى وجدان الكاتب لمحاولة الإمساك بماهية الفكر الذي أنتج النص. وكما يقول ريكور عن منهج شلايرماخر أيضًا، لا بد من "نسيان الكاتب في أثناء الفهم اللغوي، ونسيان اللغة في أثناء الفهم التقني". والمنحى التأويلي الهيرمينوطيقي نفسه نلمسه عند ديلثاي الذي يرى أن الفهم يتم بكل قوى الإنسان، بما في ذلك العاطفة والانفعال، وليس العقل الأداتي فحسب، وبموضوعية تامة كما نجد عند رانكه، بل كان مشروع ديلثاي، في وجه من الوجوه، ردًّا في الاتجاه المعاكس لرانكه، ولهذا يقدّم ثلاثة مبادئ للعلوم الروحية، بما في ذلك المعرفة التاريخية: 1. المعرفة التاريخية تقوم على التأمل الذاتي. الفهم ليس هو التفسير، ولا هو وظيفة عقلية، بل يتم بكل القوى الانفعالية للنفس. الفهم هو حركية الحياة باتجاه الحياة، وكما يقول غادامير: "يبدأ ديلثاي من الحياة؛ فالحياة ذاتها منظمة من أجل تأمل ذاتها". كان طموح ديلثاي، والمدرسة الرومانسية عمومًا، فك الارتباط بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، بما في ذلك التاريخ، فهما
موضوعان مختلفان، فمن الناحية الأولى نجد الاطّراد والثبات، أما من الناحية الثانية فنجد الخصوصية والتعدد. يقول هانز جورج
42 Ibid., p. 82. 43 Paul Ricoeur, Du texte à l'action (Paris: Seuil, 1986), p. 87. 44 Ibid., p. 33. 45 Ibid.
غادامير عن غاية مشروع ديلثاي: "طموح ديلثاي كان من البداية هو فصل العلاقات المؤثرة في العالم الروحي عن العلاقات السببية التي تجري في سياق الطبيعة". كان هذا عرضًا موضوعيًا لبعض القضايا التي طرحتها المدرسة الوضعية وقادتنا إلى إشكالية الفهم والتفسير، أما إذا أردنا تقييم هذه
المدرسة ونظرتها المنهجية إلى التاريخ، فيمكن القول مع العروي إن المدرسة الوضعية لا تعي حدودها، فهي ترى المنهج العلمي المطبّق
على التاريخ كما لو كان منهجًا مطلقًا. وكما يقول العروي أيضًا، يُنسى أنّ "العلم الطبيعي كما أسسه غليليو وديكارت ونيوتن، هو نفسه
أمر حادث في التاريخ [...] التاريخ الوضعاني ليس التاريخ الوحيد أو التاريخ الحق، بل هو تأليف واحد بين عدة تآليف ممكنة. يبدو موضوعيًا لأنه مقبول لدى جماعة، لأنه المنطق البديهي في عصر من العصور". وأمام هذه الحصيلة غير الواعية ذاتها، يدعو العروي
إلى دراسة ثقافية من أعلى لأدبيات هذه المدرسة الوضعية حتى تدرك نسبيتها التاريخية. وإذا أردنا أن نُعبّ عن قَصْد العروي بعبارات
أخرى أوضح، نقول إن روحًا ثقافية ما حين تسود حقبة ما تُتَصور كمطلق، وهنا تتماهى الذات مع هذه الروح الثقافية، ولتلَمّس نسبية
المنهج لا بد من الارتفاع عن اللحظة التي ينتمي إليها المؤرخ، ثم النظر إلى المنهج من الأعلى، وحينئذ سيتراءى كمنهج من بين مناهج، محدود في سياقه الزماني، له حدود، ويعتوره قصور. ثمة نمط آخر من الكتابة التاريخية تزامن مع المدرسة التاريخية الوضعانية في ألمانيا، ولم يُخفِ رفضه المنهج الوضعاني في تصوّره
التاريخ، إنه التنظير الفلسفي للتاريخ مع الفيلسوف الألماني هيغل، يقول حبيدة: "جامعة برلين التي أسسها الفيلسوف هامبولد عام 1810 لم تكن تضم في بداية القرن 19 سوى كرسيين لتدريس التاريخ، واحد يشغله هيغل، وآخر تولّه رانكه". كان هيغل يعتبر محاولة إحياء الماضي كما حدث تمامًا مجرد وهم، لهذا أطلق على الطريقة المتبعة من رانكه "الواقعية الوهمية". لفهم هذا الحكم الذي يصدره هيغل، نستحضر تقسيمه الكتابة التاريخية؛ إذ يقسم أنماط التواريخ أربعة أصناف: يسمي الأول "التاريخ الأصلي"، ويعني به التاريخ الذي يكتبه المؤرخ الذي عاصر ما يكتب عنه، ولا يستبعد هيغل أن يعتور هذا النوع من الكتابة التاريخية ما يتخلّل الكتابات الأخرى من تحريفات، لكنه، انطلاقًا من تصوّره لروح العصر، يرى أن ما يختلقه المؤرخ الذي
يكتب عن عصره لا يخرج عن نطاق تلك الروح، لهذا فما يضيفه المؤرخ هو من "الممكن" في ذلك العصر، وليس من الممتنع، بالدلالة الفلسفية للمفهومين. أما الصنف الثاني من الكتابة التاريخية، فهو التاريخ النظري، ويجعله هيغل أصنافًا أيضًا؛ أولها التاريخ الكلي. فحين يكتب المؤرخ حوليات بلد أو شعب ما، يكتب عن أحداث ووقائع لم يعايشها، لهذا يرى هيغل أن المؤرخ في هذا النوع من الكتابة التاريخية يسقط روح عصره على روح أخرى، كما يورد تحت التاريخ النظري صنفًا آخر يسمّيه التاريخ العملي أو البراغماتي، ويعرّفه إمام عبد الفتاح بقوله:
"هو التاريخ الذي يهتم أساسًا باستخلاص العظات والعبر".
46 Hans-Georg Gadamer, Vérité et méthode, Les grandes lignes d'une herméneutique philosophique , Etienne Sacre (trad.) (Paris: Seuil, 1976), p. 244.
47 العروي، مفهوم التاريخ، ص 236 - 237. 48 حبيدة، المدارس التاريخية، ص 37. 49 المرجع نفسه.
50 Georg Wilhem Friedrich Hegel, La raison dans l'Histoire: Introduction à la philosophie de l'Histoire , Kostas Papaioannou (trad.) (Paris: Librairie Plon, 1965), p. 26. 51 Ibid., p. 30.
52 العقل في التاريخ: محاضرات في فلسفة التاريخ، تقديم إمام عبد الفتاح إمام (بيروت: دار التنوير، 2007)، ص 38.
أما الصنف الثالث، فهو الذي يسميه هيغل "التاريخ النقدي"، ويشير إلى أن هذا النقد للتاريخ شائع ورائج في ألمانيا في زمانه. أما عن طبيعة هذه الممارسة التاريخية، فيرى هيغل أن هذا الصنف لا يكتب تاريخًا، بل يدرس الروايات التاريخية، محاولً تقييم مدى صحّتها، ومقارنًا بين الروايات المختلفة في الواقعة الواحدة، فهذا بالنسبة إلى هيغل ليس تاريخًا، بل تاريخ التاريخ. في حين أن الصنف الرابع هو الذي يصفه بالجزئية، فهو تاريخ جزئي، لكنه يراه جسرًا ومرحلة مهمة للانتقال إلى التاريخ الفلسفي
الذي هو موضوع كتابه، ويدرس هذا التاريخ تطور بُعدٍ ما من أبعاد الوجود الإنساني من بدايته إلى غايته التي وصل إليها في لحظته
الراهنة، مثل تاريخ الفن أو القوانين أو الأديان، ويقول عنه إنه: "يشكل مرحلة انتقال إلى التاريخ الفلسفي للعالم ما دام يأخذ بوجهة نظر عامة". يبقى أن نعرف التاريخ الفلسفي. إنه ليس تاريخ أحداث، بل إننا حين نسبر فلسفة هيغل التاريخية، قد نستنتج أن الأحداث التاريخية مقروءة بمعزل عن سياق تطور التاريخ الإنساني، وتشكل عائقًا يحول دون إدراك خط التاريخ. ولنحاول هنا أن نجمل التصور الهيغلي للتاريخ. لا بد من أن نسجل في البدء أن هيغل، مثل جميع المفكرين الأنواريين، يؤمن بالتقدم في التاريخ، فإذا كانت الأشياء في الطبيعة تتطور وفقًا لخط دائري، أي معرّضة دائمًا للتلاشي، ثم تعود لتظهر من جديد، فإن: "هذه الخاصية التي يتميز بها عالم الروح تشير في
حالة الإنسان إلى مصير مختلف أتم الاختلاف عن مصير الأشياء التي هي طبيعية فحسب، والتي نجد فيها باستمرار طابعًا واحدًا ثابتًا
لا يتغير، يعود إليه كل تغيّ؛ هذا المصير الإنساني المختلف هو القابلية الحقيقية للتغير، وهو تغير للأفضل والأحسن، النزوع نحو تحقيق
مزيد من الكمال". أقحمنا هنا مفهومًا جديدًا هو مفهوم "الروح"، والروح والعقل مترادفان في فلسفة هيغل، وما يريد أن يثبته هو أن العالم كله
يحكمه العقل، هذه الحقيقة التي يرفعها البعض إلى مرتبة "الثابت البنيوي" في الفكر الغربي كانت رائجةً في النظر إلى الطبيعة، بل إنها كانت كذلك في الفكر الديني أيضًا، وقد أراد هيغل أن يُطبّقها على التاريخ الدنيوي، ولا أدلّ على ذلك من أنه يشير إلى مقولة مشهورة
للفيلسوف اليوناني أنكساغوراس: "العقل يحكم العالم". أما في الفكر الديني، فيشير هيغل إلى فكرة العناية الإلهية. إذًا، التاريخ الفلسفي الذي يريده هيغل هو إحلال العقل في التاريخ، والنظر إلى كيفية تحقيق الروح ذاتها في التاريخ، وهذه الغاية هي ماهية الروح نفسها، أي الحرية التي تتحقق بأفعال ووسائل إنسانية خارجية، على الرغم من أنها جوانية وداخلية، ف "تاريخ العالم ليس إلّ تقدم الوعي بالحرية"، وهذه الأفعال قد تبدو، أول وهلة، متعارضة مع التطور الإنساني لتحقيق الحرية، لكنها مع ذلك، تبعًا للفلسفة التاريخية عند هيغل، تخدمه؛ وهو ما يطلق عليه "مكر التاريخ". أما هذه الحرية، فتتحقق موضوعيًا في الدولة التي تكون
فيها الأخلاق الإنسانية متوافقة مع قانون الدولة، أو ما يسمّيه هيغل الأخلاق الذاتية والأخلاق الموضوعية.
53 Hegel, p. 37. 54 Ibid., p. 38. 55 Ibid., p. 177.
56 " المطابقة بين العقل ونظام الطبيعة والقول بأن العقل يكتشف نفسه في الطبيعة ومن خلال التعامل معها ثابتان أسياسيان في بنية الفكر الغربي". محمد عابد الجابري،
تكوين العقل العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009)، ص 28.
57 Hegel, p. 56. 58 Ibid.
الحوليات: التاريخ يف مهب ريح العلوم الاجتمعية
بعد المدرسة الوضعية، يضعنا المؤرخ محمد حبيدة أمام حلقة أخرى من حلقات التطور في المنهج التاريخي، ويتعلق الأمر بمدرسة فرضت نفسها على الساحة في مجال التاريخ، بل العلوم الإنسانية عمومًا، خصوصًا أنها دخلت في جدل مع علوم شتّى، واستعارت
مناهجها؛ يتعلق الأمر بمدرسة الحوليات الفرنسية. لكن أي انبثاق جديد لمدرسة ما، لا يكون منبتّ الصلة عن الماضي الثقافي القريب والبعيد. وبالمثل، لا يمكن أن نفصله عن المحيط
السياسي والاجتماعي الذي نشأ في داخله، بل إن هذا الانبثاق يجر معه هذا وذاك. ركّز حبيدة على الجانب الأول، فخصّص فصلً بعنوان
"الحوليات قبل نشوئها"، أما البعد الثاني فلم يكن، على ما يبدو، من صميم اهتمامه في كتابه، وسنحاول أن نلقي عليه نظرة وجيزة. لنبدأ بماضي الحوليات، حيث يرجع حبيدة القهقرى، إلى شخصيتين، يُقدّر أن تأثيرهما كبير في مدرسة الحوليات: جول ميشليه
michelet Jules، وهنري بير Berr Henri. يقول حبيدة: "القفز على هذين الرجلين من شأنه أن يحرم القارئ من حلقة ربط محورية لفهم النقلة الإبستيمولوجية باتجاه تصوّر تاريخي نابض بالحياة ومُشبع بروح التركيب". يمكن أن نتطرق إلى ثلاث نقاط بخصوص تأثير ميشليه؛ فمن جهة، يذكر حبيدة أن ميشليه كان سبّاقًا في ملاحظة قصور الكتابة
التاريخية بطريقة تنبئ بمنهج مؤرخي الحوليات، وهو منهج يقتصر على الأجناس ويُهمل الأرض والعادات، كما أنه إذ يتتبع الأحداث
السياسية والقوانين، لا يُلقي بالً إلى الأفكار والعادات. أما الإضافة الثانية المهمة لميشليه، فهي ابتكاره مفهوم النهضة كحقبة جديدة،
فقبله لم يكن مفهوم النهضة يستقل بذاته، بل كان وصفًا أكثر من أي شيء آخر، ولم يُرسم المفهوم كاسم لحقبة إلّ معه. كذلك، كان
المؤرخون يتحدثون عن نهضة فنية أو علمية، أما مع ميشليه، فقد "كبر المفهوم من الصيغة الصغيرة إلى صيغة كبيرة Renaissance "، لكن ستكون هذه الإضافة، تحديدًا، محل إعادة نظر مع واحد من أهم مؤرخي المدرسة، المؤرخ الفرنسي جاك لوغوف، حيث رأى في كتابه هل يجب تقطيع التاريخ شرائح؟ أن فترة النهضة هي حلقة في العصر الوسيط، ولم تكن من العصر الحديث؛ فهذا الأخير بدأ في القرن الثامن عشر مع الثورة الصناعية في الاقتصاد، وفلسفة الأنوار في الفكر. ما يدل على تأثير ميشليه في مدرسة الحوليات افتتانُ المؤرخين المنتمين إلى هذه المدرسة به، والألقاب الفخمة التعظيمية التي أسبغوها عليه، فهو بحسب لوغوف "نبي التاريخ الجديد"، وهو "الأستاذ القدوس" بتعبير بيير نورا. أما لوسيان فيفر الذي خصص له ثلاثين محاضرة في السنة الأكاديمية 1943 - 1944، فيلقبه ب "أستاذ تاريخ الإحساس والعقليات"، ثم إنه "شاعر التاريخ" في نظر
. Emmanuel Bernard Le Roy Ladurie إيمانويل لوروا لادوري
أما تأثير هنري بير، فكان مباشرًا في الجيل الأول من مدرسة الحوليات، نظرًا إلى قربه الزمني من أبنائه، ويكفي هنا أن نورد شهادة
فرناند بروديل التي أوردها حبيدة في كتابه الكتابة التاريخية، حيث يقول: "هذا الرجل هو إلى حدّ ما الحوليات قبل نشوئها منذ سنة 1900، أو ربما منذ 1890 ". وأهم ما نجده في الحوليات، مما زرع بذوره هنري بير، منهجية "التركيب"؛ إذ كان بير من أوائل الذين دعوا إلى هدم الحواجز بين علوم الإنسان والتبشير بالتناهج عن طريق تقريب هذه العلوم الإنسانية بعضها من بعض حتى تتعاضد،
59 حبيدة، المدارس التاريخية، ص 65. 60 المرجع نفسه، ص 69.
61 Jacques Le Goff, Faut-il vraiment découper l'histoire en tranches? (Paris: Seuil, 2014).
62 حبيدة، الكتابة التاريخية، ص 52.
فتسلط أضواء كاشفة على الواقع الإنساني في شموليته وتركيبه، ولعل مجلته التركيب التاريخيتحيلنا مباشرة على هذا الهم المعرفي، يقول حبيدة: "سعى هنري بير لإيجاد حل لمأزق التاريخ بجر المؤرخين نحو نقاش معرفي يتمرّد على الحواجز الممتدة بين علوم الإنسان
وينحو باتجاه تركيب تاريخي يشمل كافة العلوم الإنسانية والاجتماعية من خلال مجلة التركيب التاريخي". لنلق الآن نظرة على الملابسات السياسية والاجتماعية التي ظهرت فيها مدرسة الحوليات ومجلتها حوليات التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، حيث أشار لوغوف في كتاب التاريخ الجديد إلى العلاقة بين صدور مجلة الحولياتفي عام 1929 والأزمة الاقتصادية. فهذا التزامن يبدو مقنعًا، خصوصًا أن المجلة تحمل اسمه حوليات التاريخ الاقتصادي والاجتماعي. وهكذا، فالمجلة - والمدرسة من
ورائها - جاءت لتجيب عن التحديات الاقتصادية للمجتمع الأوروبي الذي سيعيش واحدة من أشدّ الأزمات التي هزّت الغرب، غير أن
فرانسوا دوس يقلّل من قيمة هذا العامل، إنه يشكك في ارتباط ظهور مجلة الحولياتبأزمة عام 1929؛ إذ اندلعت هذه الأخيرة في تشرين الأول/ أكتوبر 1929، بينما صدر العدد الأول من المجلة في كانون الثاني/ يناير، وكان فرانسوا يضيف معطييَن إلى هذا التحديد:
أولهما الإشارة إلى حدس المؤرخين؛ فقبل تفجر الأزمة الاقتصادية على نحو جلي، كانت هناك بوادر وإرهاصات سبقتها، ونقاش طاغٍ على المجال الاقتصادي. أما ثانيهما، فهو رَبْط نجاح المجلة بتعطّش الناس إلى فهم الآليات المتحكمة في السياق الاقتصادي، وهو ما
قامت به هذه المجلة التي تخصصت في الاقتصاد، وليس هذا فحسب، بل نجد لدى المجلة مسايرة كبيرة للتغيرات وقدرة على التأقلم. غير أن هذا ليس كل شيء؛ فالالتجاء إلى الاجتماعي والاقتصادي يحيلنا على حقيقة أخرى، هي رفض جيل الثلاثينيات عمومًا
للحياة السياسية، فقد كان هناك نفور ونبذ كبيران لمؤسسات الدولة بكل تجلياتها، من مؤسسات وبرلمان وانتخابات، وتطلّع إلى أفق آخر. يقول فرانسوا: "إن رفض السياسة جليٌّ أيضًا لدى مارك بلوخ ولوسيان فيفر، فقد طوّرا منهجًا يتمحور حول الاقتصادي والاجتماعي،
مهملين بصورة كلية الحقل السياسي". ساهمت هذه الرؤية الأخيرة الرافضة للسياسة بوصفها ممارسة، إلى حد بعيد، في تحديد الرؤية التاريخية لمدرسة الحوليات، فقد قامت، كما يقول فرانسوا سيميان، على رفض "أصنام قبيلة المؤرخين"، وهذه الأصنام نابعة، في الحقيقة، من تمركز المؤرخ في الماضي على السياسة، "الصنم السياسي" و"صنم الفردية"، وهو التقليد التاريخي الذي سار عليه معظم المؤرخين من خلال التمركز حول الفرد باعتباره صانعًا للتاريخ، ثم "صنم الحدث"، أي الاهتمام بالأحداث التي تجري في تواليها أكثر من الاهتمام بأبعاد أخرى، مثل
الذهنيات أو الأنثروبولوجيا التاريخية أو الجغرافيا التاريخية... إلخ. لكن في هذا السياق، دائمًا، يطفو عامل آخر لم يحدّد توجهات الحوليات فحسب، بل حدد كذلك جيل الشباب في الثلاثينيات
أيضًا، إنه الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918) التي زعزعت، من جهة، يقينيات الأوروبيين إلى أنفسهم، وعلى رأس هذه اليقينيات ما كان سائدًا منذ عصر الأنوار عن المنحى التقدمي للتاريخ، ومن جهة أخرى، صرف أنظار المفكرين والمؤرخين عن فكرة "المركزية الأوروبية"، وانبرى المؤرخ يهتم بحضارات أخرى، بل إن اليأس بلغ ببعضهم مبلغه، فتحدث عن "سقوط الغرب"، كما عنْون أوسفالد
63 حبيدة، المدارس التاريخية، ص 71. 64 يقول لوغوف: "ليس من باب الصدفة أن تنشأ مجلة الحوليات سنة 1929 وهي سنة اندلاع الأزمة العالمية الكبرى". جاك لوغوف، التاريخ الجديد، ترجمة الطاهر
المنصوري (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007)، ص 85.
65 François Dosse, L'histoire en miettes: Des Annales à la nouvelle histoire (Paris: La Découverte, 2005), p. 14. 66 Ibid., pp. 16 - 17.
67 " وكان هذا هو الوقت نفسه الذي تعهدت فيه مجلة الحوليات بنقد فكرة الحدث التاريخي نقدًا لا هوادة فيه". ينظر: لوغوف، ص 88.
68 Dosse, pp. 21 - 22.
شبنغلر Spengler Oswald أحد كتبه، فبالنسبة إلى المؤرخ "عنى ذلك إفلاس التاريخ - المعركة أو التاريخ السياسي العسكري الذي لم يعرف أن يمنع البربرية". يتم التمييز عادة في مدرسة الحوليات بين ثلاثة أجيال؛ جيل المؤسّس، وهما مارك بلوخ ولوسيان فيفر، ثم يأتي بعده الجيل الثاني يْ
مجسّدًا، خصوصًا، ببروديل، ثم الجيل الثالث مثل لوغوف وإيمانويل لوروا لادوري وغيرهما، وهذا التقسيم هو ما التزم به واحد من
أهم مؤرخي تاريخ مدرسة الحوليات وتموّجاتها، ولا سيما فرانسوا دوس في كتابه التاريخ المفتت: من الحوليات إلى التاريخ الجديد،
فلو ألقينا نظرة من فوق على تصميم هذا الكتاب، فسنجده مقسّمًا أربعة أقسام: ما قبل تاريخ الحوليات، وبعده زمن مارك بلوخ ولوسيان
فيفر، وهو فصل كما هو واضح مخصص للرائدين الأولين، وبعده سنوات بروديل Braudel années Les، حيث خصّصه الباحث لرؤية
بروديل للتاريخ والسياق التاريخي والملابسات الواقعية لما كتبه، ثم الفصل الأخير "التاريخ المفتت"، ولا يخفى أن الباحث سمّى الجيل
الثالث بهذا الاسم بسبب التشظّي الكبير الذي حدث داخل المدرسة، وتباين الاهتمامات التي أدّت إلى تفتت التاريخ، وفقدان هويته
إلى حدّ ما.ٍ وُلد فيفر في عام 1878، وتلقّى ثقافته بوصفه مؤرخًا في نانسي، ثم في باريس في مدرسة المعلمين العليا والسوربون، وع يّ في عام
1919 أستاذًا في ستراسبورغ، ثم في الكولاج دي فرانس في عام 1933. كان له اهتمام من نوع خاص بأفكار القرن السادس عشر، ومن أهم أعماله كتاب: مارتن لوثر، ومسألة اللاإيمان في القرن السادس عشر: دين رابليه... إلخ. وكتب متأثرًا بالجغرافيا الفيدالية
(نسبة إلى فيدال) كتابًا عن العلاقة بين الأرض والإنسان بعنوان الأرض والتطور البشري. سنرى في ما يلي سمات منهج الحوليات كله، لكن هذا لن يمنعنا من إبداء بعض الملاحظات بشأن مميزات الكتابة التاريخية لدى فيفر؛ فمن جهة، دعا إلى استبعاد التخصص الضيق وكسر التخندق داخل المباحث ذات المجال المحدود، وفي المقابل إطلاق مبدأ تداخل العلوم والتكامل في ما بينها، وكما يقول خالد طحطح: "لقد ركّز على العمل الجماعي، وعلى مفاهيم التعاون والتقارب، والانفتاح والتداخل، والتكامل بين التخصصات بدل الذوبان والاندماج الكامل". أما الميزة الثانية، فهي الانتقال من مجال المناظرات النظرية إلى إجراء الأبحاث الميدانية الجماعية. لننتقل الآن إلى مارك بلوخ. وُلد بلوخ في عام 1886، ثم تابع، مثل فيفر، تعليمه في المدرسة العليا للمعلمين، وبعض الحلقات
الدراسية في جامعات ألمانية منذ عام 1919. أما المناصب التي تقلّدها، فهي عمله أستاذًا في جامعة ستراسبورغ، وقد مهّدت له العلاقات
الجيدة التي عقدها مع أساتذة من تخصصات أخرى في تحقيق مشروع تكامل العلوم الإنسانية، وأهم أعماله التاريخية: المجتمع الإقطاعي (1936)، وكتب في أيام الحرب الفرنسية - الألمانية التي انتهت بإعدامه من النازية في عام 1944، مخطوطة بعنوان تمجيد التاريخ أو مهنة المؤرخ (1941)، وفيها يدافع عن رؤيته الجديدة للتاريخ، ضدّ بعض رواد المدرسة الوضعية، مثل لانجلوا وسينيوبوس
التي تعلي من شأن الوثيقة المكتوبة بوصفها دعامة وحيدة للتاريخ. أهم ما يميز بلوخ دعوته إلى توسيع مفهوم الوثيقة، فخزان الوثائق مهما كان كبيرًا لا يكفي المؤرخ لمقاربة الحقيقة التاريخية؛
لذا لا بد من إعارة المآثر والمخلّفات الأخرى الشاهدة الاهتمام. كما يدعو، مثل زميله فيفر، إلى دعم المؤرخ بثقافة منوعة، وإلى عدم
69 كوثراني، ص 200. 70 يقول حبيدة: "اغترف لوسيان فيفر من معين الجغرافيا الفيدالية (نسبة إلى فيدال دو لابلاش) ليكتب مؤلفات زاوجت من حيث التصور بين الزمان والمكان والإنسان."
ينظر: حبيدة، المدارس التاريخية، ص 76. 71 خالد طحطح، الكتابة التاريخية (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2012)، ص 90 - 91.
الاقتصار على التاريخ؛ أي بعبارة كوثراني: "يُلحّ مارك بلوخ على تكوين ثقافة عامة وصلبة لدى المؤرخين الناشئين، ففضلً عن العلوم
الضرورية المساعدة لنقد الوثائق، يطالب بالإلمام وفقًا للاختصاص وحقل الاهتمام بالآثار والجغرافيا والإحصاء والديموغرافيا والاقتصاد وعلم الاجتماع والألسنية". المؤرخ الآخر الذي يُعدّ من أعمدة مدرسة الحوليات، والذي سيتولّ إدارة المجلة بعد وفاة فيفر هو المؤرخ الفرنسي فرناند بروديل
الذي وُلد في عام 1902، وتوفي في عام 1985، عن عمر يناهز ثلاثة وثمانين عامًا، أنجز اختصاصه العالي في التاريخ، ثم اشتغل في الجزائر عشر سنوات، بين عامي 1923 و 1932. وقد كانت إقامته في الجزائر هي التي عرّفته إلى "المتوسط"، كما يقول بعض المؤرخين. وسيكون
هذا المجال الجغرافي هو موضوع أطروحته الشهيرة التي سيخضع فيها المجال لمفاهيمه المنهجية، مثل الأمد الطويل durée longue La. لنلق بعض الأضواء على التصور المنهجي لمدرسة الحوليات، ولنبدأ بالرؤية الزمنية؛ إذ تتبنّى هذه المدرسة، على عكس الرؤية الوضعية التي تعتبر الماضي مجرد فضول لا علاقة له بالحاضر وقضاياه، رؤية ارتدادية، أو بالأحرى ترى أن هناك علاقة جدلية بين الماضي والحاضر، فبقدر ما يساهم الماضي في إنارة الحاضر، يساهم الانطلاق من الحاضر - إضافة إلى أنه ضرورة حتى يكون للتاريخ حضور في الواقع الراهن - في فهم الماضي أيضًا؛ إنه، كما يقول بلوخ، انتقال من الأقل غموضًا، الحاضر، إلى الأكثر حلكةً وظلامًا،
الماضي. ويعتبر دوس هذا الربط بين الحاضر والماضي أهم ابتكارات المدرسة الحولية، على عكس المقاربة الوضعية التي يصفها دوس بالماضوية Passéiste، أي تدرس الماضي من أجله فقط، من دون أن يكون هناك أي خيط ناظم يوحّد الماضي والحاضر، إنه كما يقول:
"تكوين تاريخ يتّخذ كحقل، ليس الماضي فحسب، بل المجتمع المعاصر". ونجد فيفر يُقرّ بالحقيقة نفسها، بنفي أن يكون بين الحاضر
والماضي أيّ قطيعة. يقول دوس أيضًا: "بين الماضي والحاضر ليس هناك عازل، تلك هي أنشودة الحوليات". لعل أهم سمة منهجية لمدرسة الحوليات، كما يوحي بذلك كتاب محمد حبيدة المدارس التاريخية، هو "التناهج"، أي التداخل التكاملي بين العلوم الإنسانية، ولنحاول هنا أن نكشف عن بعض أوجه هذا التناهج. قد يبدو، أول وهلة، أن العلم الذي أقرّت الحوليات باستفادتها منه، خاصةً لدى المؤرخين المؤسسين، هو علم الجغرافيا، ولا سيما
الجغرافيَّان فيدال دو لابلاش Blache La de Vidal وألبرت دومنجون Demangeon Albert، لكنْ ثمة علوم أخرى استفادت منها
كثيرًا، مثل علم النفس الذي هو العلم الأساس في دراسة العقليات، بل إن هذه الأخيرة لم تكن لتُدشّن بوصفها مبحثًا تاريخيًا لولا
علم النفس ومفهوم "اللاوعي الجمعي". يقول ميشيل فوفيل: "إن حركة تاريخ العقليات مرت من مقاربة تعالج تاريخ الثقافات أو الفكر الواضح إلى مجال أشدّ خفاءً. وكما يقول فيليب أرياس Ariès Philippe، يلامس المواقف الجماعية التي تظهر في شكل أفعال
وإشارات، أو حتى مجرد، ذلك الصدى اللاشعوري للتمثلات المتجذرة". وقد لا يخفى أن مفهوم اللاشعور هو مفهوم فرويدي، واقتناص ما يثوي وراء الأحلام هو كذلك من أدوات الاشتغال في التحليل النفسي... إلخ، ونجد هذا واضحًا في كتاب بلوخ الملوك
العجائبيون، كما يقول دوس، فهناك يصف الممارسات الجماعية والرمزية للتمثلات الذهنية غير الواعية. والأمر نفسه نجده عند
72 كوثراني، ص 208.
73 Marc Bloch, Apologie pour l'histoire ou métier d'historien (Paris: Armand Colin, 1997), p. 65. 74 Dosse, p. 60. 75 Ibid., p. 62. 76 Michel Vovelle, "Y a-t-il un inconscient collectif?" La pensée , no. 205 (Juin 1979); Michel Vovelle, Idéologies et mentalités (Paris: La Découverte, 1985), pp. 85 - 100.
فيفر؛ يقول مؤرخ مدرسة الحوليات: "لقد كان علم النفس هو الملهم الكبير للوسيان فيفر الذي ينادي بتاريخ العواطف والحب والموت والعطف والقسوة والفرح والخوف "[...]. ألهمت الدراسات الأنثروبولوجية، أيضًا، الأبحاث التاريخية لمدرسة الحوليات، وأخذت هذه الدراسات اسم "أنثروبولوجيا تاريخية". صحيح أن بعض الباحثين يشيرون إلى دراسات أنثروبولوجية في عصر الأنوار، وهي دراسات ستتراجع مع غارة المدرسة الوضعية التي ترى أن "المظاهر ذات البعد التاريخي هي تلك التي تبرز، عن قرب أو بعد، القائمين على السلطة ورؤيتهم للمجتمع"، إلّ أن ظهور المبحث بوصفه تخصصًا قائمًا يدين لمدرسة الحوليات، كما يقول أندري بورغيير: "حث مؤسسو الحوليات المؤرخين للخروج
بدورهم من الدواوين الوزارية والمجالس البرلمانية من أجل ملاحظة مباشرة للمجموعات الاجتماعية والبنيات الاقتصادية، وباختصار دراسة المجتمع في العمق". وعلى سبيل الاستطراد، لا يخفى أن الأنثروبولوجيا هي نفسها تفتح آفاقًا للبحث التاريخي؛ إذ تتقاطع مع تخصصات أخرى، وهكذا، تنسج الأنثروبولوجيا نفسها، بوصفها تخصصًا وعلمًا مساعدًا، خيوطًا مع الاقتصاد والثقافة... إلخ، فلو
أخذنا على سبيل المثال تاريخ الأغذية، فسنجد أنفسنا أمام معطيات اقتصادية وثقافية واجتماعية كذلك، إذ إن طبيعة الخبز المستهلك قبل الثورة الفرنسية كانت تعبّ، قبل كل شيء، عن تراتبية اجتماعية، وهذا مثال بسيط، وإلّ فإنه كما يقول بورغيير بتعميم: "يلتقي
في تطور السلوكيات الغذائية التاريخ الاقتصادي والتاريخ الاجتماعي وتاريخ الأنساق الثقافية. وفي واقع الأمر، تكمن المهمة الدقيقة للأنثربولوجيا التاريخية في التنبه إلى هذه الملتقيات". ودائمًا في الإطار نفسه، يمكّننا إدراك تحسن مستوى العيش من ملاحظة
علاقتها بتاريخ الجسم، وبالضبط "الارتفاع في القامات الطويلة والتقدم الاقتصادي"... إلخ. ولم يكن هذا الاهتمام المتزايد بالأنثروبولوجيا التاريخية الذي أدّى إلى تفتت التاريخ وليد الصدفة، بل استجابة، ممزوجة بيأس كبير، ل "فعفعة" الأحداث الدرامية الواقعة لتصور الإنسان الأوروبي، خصوصًا المؤرخ، لفكرة التقدم، إنها "نهاية التقدمية". وضاعفت
"فكرة أزمة التقدم إحياء ثقافات ما قبل التصنيع، فانغمس التاريخ الجديد في البحث عن التقاليد وأعطى قيمة للزمن الذي يتكرر". ثمة سمة منهجية أخرى بمنزلة روح تسري في جسد هذه المدرسة، هي رفض الانغلاق الأيديولوجي، ونقصد بالانغلاق الأيديولوجي هنا قراءة التاريخ في ضوء تصور أيديولوجي جاهز، يكون في العادة مأخوذًا من دراسة مجتمع ما، فيتم فرض قوالبه، قسرًا، على مجتمع
آخر اتّسم فيه التاريخ بخصوصية أخرى، أو يكون نابعًا من نظرة تستمد حقيقتها من إطلاقيات (دين، فلسفة... إلخ). ويرفض
المؤرخون الفرنسيون الحولياتيون بدءًا فلسفة التاريخ؛ وذلك لأن هذا الأخير يميل إلى التعميم، أي تعميم الأحكام بشمولية متسرعة،
من دون مراعاة الفروق بين تاريخ وآخر، وهذا ما يطبع عمومًا فلسفة التاريخ الألمانية، وهو ما نجده عند هيغل وماركس وغيرهما، يقول
دوس: "للمؤرخين الفرنسيين تقليد هو النفور من الفلسفة". وكما يقول فيفر، لا يوجد منهج مجرد، بل إنّ الأفكار تستخلص من التاريخ نفسه.
77 Dosse, p. 79.
78 حبيدة، الكتابة التاريخية، ص 187. 79 المرجع نفسه. 80 المرجع نفسه، ص 197. 81 المرجع نفسه.
82 Dosse, p. 164. 83 Ibid. 84 Ibid., p. 54.
لعل رفض هذا التوجه هو الذي يضيء ذلك الرفض العنيد للماركسية من الحولياتيين حينما تتحوّل إلى دوغمائية، وأحيانًا بسخرية
لاذعة؛ إذ يصف إيمانويل لوروا لادوري الماركسية باللفافة، أما فيفر، فيرى أن قراءة كتاب فريدريك إنغلز عن حرب الفلاحين تسمح له بمعرفة إنغلز نفسه، في حين أن معرفة الفلاحين فهي مجرد مزحة، وأن كتابه هذا تجاوزه الزمان. ومن المؤكد أن رفض الحولياتيين الماركسية، راجع إلى نفحتها التبشيرية العالية، وتلك الطوباوية أيضًا التي تظهر عليها، والحدّية الصارمة التي تقسم الناس إلى أشرار وطيبين، والمؤرخ كما يقول فيفر ليس قاضيًا ولا ينبغي أن يكون كذلك. أما إذا يممنا وجهنا إلى بروديل، فيمكن القول إن أهم ما جاء به هو ابتكار الأزمنة المتعددة. ففي علاقة الإنسان بمجاله الجغرافي، نكون أمام بنية شبه ثابتة وزمن طويل لا يتحرك، وأمام الظواهر الاقتصادية، مثل حركية الأسعار وما شابهها يكون التاريخ دوريًا. أما الأحداث اليومية ذات الصبغة السياسية، أو التاريخ التقليدي، فتخضع للزمن القصير. يقول بروديل في مقدمة كتابه المتوسط
والعالم المتوسطي في عصر فيليب الثاني: "يقسم هذا الكتاب ثلاثة أبواب، كل واحد يُعدّ في ذاته محاولة في التفسير. الأول يتعلق
بتاريخ شبه ثابت، تاريخ الإنسان في علاقاته مع الوسط الجغرافي المحيط به، تاريخ بطيء السيل والتحول، مكوّن في الغالب من رجوعات
ملحة وحلقات متكررة باستمرار [...] وفوق هذا التاريخ شبه الثابت يمتد تاريخ بطيء الإيقاع، وقد نقول عن طيب خاطر، إذا لم تنحرف العبارة عن معناها الكامل، تاريخ اجتماعي [...] وأخيرًا باب ثالث مخصص للتاريخ التقليدي". يلفت المؤرخ حبيدة إلى سر اهتمام بروديل بالبنى التي تتجاوز الخبر، فالمؤرخ الفرنسي في أسره في ألمانيا، وهو يتابع نشرات الأخبار، لم تكن الأحداث تُشبِع فضوله المعرفي، وكان يبحث خلف ضوضاء هذه الأحداث عن الثابت، يقول حبيدة: "كان الشك في قدرة الخبر على التمكين من الفهم هو المنطلق. في الأسر لدى الألمان، إبان الحرب العالمية الثانية، وهو يتابع أخبار مجريات الحرب، تبيّ له إلى
أي حد يبقى الخبر عابرًا، لا يتيح إمكانية الإمساك بما هو أساسي". كان بروديل يبحث، كما يقول هو نفسه، عن "نظرة الإله"، ولا
شك في أنه يضمر هنا بوعي، أو من دون وعي، رؤية لاهوتية، وهو ما عبّ عنه علماء الكلام والفلاسفة قديمًا بمعرفة الله للجزئيات،
وهي إشكالية أثارت الكثير من النقاشات، وتناهت إلى ابن رشد الذي حاول أن يحسم الخلاف بشأنها، بقوله إن الله يعرف الجزئيات على نحو كلي. يقول بروديل: "بالنسبة إلى الإله، السنة لا تعني شيئًا، والقرن مجرد رمشة عين". ثمة وجه آخر لهذا النزوع البروديلي إلى الثبات، إنه المنحى الذي كرّسته المدرسة البنيوية من حيث اهتمامها بالأنساق الثابتة،
واعتقد كلود ليفي شتراوس أن الأنثروبولوجيا تستثمر التاريخ من أجل التوصل إلى حقائق أنثروبولوجية؛ بعبارة أخرى أكثر وضوحًا،
يهتدي التاريخ بما هو واعٍ في النشاط الإنساني، ومن خلاله ينكشف ما هو مُحتجب في اللاوعي، فللتاريخ الوعي وللأنثروبولوجيا
اللاوعي، التاريخ متذبذب لكن خلفه تثوي بنية لاواعية ثابتة، يقول شتراوس: "تهدف الإثنولوجيا إلى الوصول عبر الصورة الواعية والمنوعة والمختلفة التي يتمثلها البشر في صيرورتهم إلى جرد الممكنات اللاواعية التي تقدم عبر دراسة علاقاتها نوعًا من الهندسة
المنطقية لتطورات تاريخية، قد تبدو غير مرئية، لكن ليست أبدًا اعتباطية بالضرورة". ويشير شتراوس في السياق ذاته، مباشرة بعد هذه الفقرة، إلى أن هذا التحديد لتخوم كل من التاريخ والإثنولوجيا استلهمه من عبارة شهيرة لكارل ماركس، حيث يقول: "الناس يصنعون
85 حبيدة، كتابة التاريخ، ص 68.
86 Fernand Braudel, La Méditerranée et le monde méditerranéen à l'époque de Philllipe II , tome 1 (Paris: A. Colin, 1982), pp. 13 - 14.
87 حبيدة، المدارس التاريخية، ص 92.
88 F. Braudel, Une leçon d'histoire (Paris: Arthaud- Flammarion, 1986), p. 7. 89 Claude Lévi-Strauss, Anthropologie structurale (Paris: Librairie Plon, 1958), pp. 30 - 31.
تاريخهم، لكنهم لا يعون ذلك"، فيعلق شتراوس أن الشطر الأول من عبارة ماركس هو مجال اشتغال المؤرخ، بينما الشطر الثاني هو مجال اشتغال الأنثروبولوجي، ومن ثم لا ينفصل التاريخ عن الإثنولوجيا. تجدر الإشارة إلى أن في رؤية شتراوس إلى هذه الحدود الفاصلة بين الإثنولوجيا والتاريخ يكمن بعض اللبس والضبابية وعدم الوضوح؛ ذلك أن شتراوس يذكر أن بعض الكتب التاريخية الجيدة لا تغفل الإشارات اللاواعية وتدرس هذا البعد (وهو الذي يطلق عليه تاريخ العقليات). ويضرب شتراوس مثالً بكتاب فيفر مشكلة الكفر في القرن السادس عشر؛ إذ يقول: "إن السيد لوسيان فيفر في كتابه مشكلة الكفر في القرن السادس عشر لا يني يستعين بالمواقف النفسانية وبالبنى المنطقية التي لا تسمح دراسة الوثائق، شأنها شأن دراسة النصوص المحلية، بوضع اليد عليها إلّ بصورة غير مباشرة؛ إذ إنها بقيت تغيب دائمًا عن وعي الذين كانوا يتكلمون
أو يكتبون". يشتبك المؤرخ الفرنسي بروديل اشتباكًا معرفيًا مثمرًا مع الأنثروبولوجي شتراوس بشأن تصور البنية، إنه لا ينفي وجود بنى، لكنه
في دراسته التاريخ والعلوم الاجتماعية: الأمد الطويليقدّم تصوّرًا تاريخيًا للبنى يختلف عن الملاحظ الاجتماعي. فبالنسبة إلى هذا
الأخير، البنية تنظيم، نسق منسجم، روابط شبه ثابتة بين الوقائع والكتل الاجتماعية. أما بالنسبة إلى المؤرخ، فإنّ بروديل يرى أن
البنية تركيبة، هندسة، إنها بعبارته: "واقع ينهكه الزمن ويقوده على نحو بطيء جدًا؛ إذ إن بعض البنيات تصير، بفعل صموده زمنًا طويلً، عناصر ثابتة على مدى أجيال، فتثقل كاهل التاريخ وتعرقله". يضعنا هذا التحديد البروديلي المبدع لمفهوم البنية أمام ملاحظتين. فمن جهة، نرى بروديل يضفي بُعدًا زمنيًا على مفهوم البنية،
فهذه الأخيرة هي ما يبقى زمنًا طويلً ويتحدّى التغيير. ومن جهة أخرى، يمكن أن نلحظ كذلك أن البنية في تصور بروديل إكراه يعرقل التاريخ ويثقل حركته. عن الملاحظة الأولى يقول كوثراني: "واضح أن بروديل يعطي البنية بعدًا زمنيًا، تاريخيًا، هي جزء في كل الأحوال
من زمن دائم ولكنه غيره أبدي". وعن الملاحظة الثانية، أي تحوّل البنى إلى عوائق، يقول حبيدة: "يرتبط مفهوم الزمن الطويل هذا
ارتباطًا شديدًا بمفهوم آخر هو البنية. ومعنى ذلك أن الزمن الطويل هو تاريخ بنيات مادية وذهنية ضاربة في أعماق الماضي ومستعصية على التاريخ". أما تقسيم شتراوس للظواهر الإنسانية إلى واعية ولاواعية، فإنّ المؤرخ بروديل يعلق عليه بالقول إن هذا التمايز صعب، وقد يكون
عشوائيًا، وإن ما نعتبره لاواعيًا قد يكون معطى لنا بوضوح أكثر مما نتصوّر، ومن هنا، فالتقسيم إلى واعٍ ولاواعٍ غير مبرر علميًا. مع الجيل الثالث، جيل لوغوف، نكون مع طفرة إبستيمولوجية جديدة في الكتابة التاريخية، حيث طغى على هذا الجيل التاريخ الأنثروبولوجي، وتشظّى موضوع التاريخ حتى كاد يفقد هويته، ومن هنا سمّاه المؤرخ دوس "التاريخ المفتت"، لكن السمة البارزة لهذا
التاريخ هو الانتقال من الاهتمام بما هو ظاهر قابل للحساب، إلى ما يتوارى خلف الوعي، أو بعبارة حبيدة: "انتقل بالكتابة التاريخية من
90 Ibid., p. 31. 91 Ibid. 92 F. Braudel, "Histoire et sciences sociales: La longue durée," Annales ESC , no. 4 (1958), p. 731. 93 Ibid.
94 كوثراني، ص 229. 95 حبيدة، المدارس التاريخية، ص 93.
96 كوثراني، ص 230؛ 740. p ," sociale sciences et Histoire , " Braudel.
البحث في حياة الناس من زاوية الكم والرقم إلى ما هو كيفي ورمزي". فبالنسبة إلى لوغوف، فإن ما يبدو مرتجلً، لاإراديًا، وغير واعٍ
به، يشهد على الصدى الطويل لأنساق الفكر، على أنه لا بد من التأكيد هنا أن الاهتمام بالرمزي جاء ردًّا على تحدي التاريخ المادي
الذي يستبعد استبعادًا تامًّا ما يسميه "البنى الفوقية"، وهو رد لا نستبعد أن يكون مؤطّرًا بصراع أيديولوجي أعمق، ورغم ذلك، فإنّ
لوغوف يُلبِسه لباسًا معرفيًا؛ إذ يرى أن المتخيل يغذّي الإنسان، فهو "ظاهرة جماعية، اجتماعية، تاريخية. وتاريخ من دون متخيل هو
تاريخ مبتور ومفصول عن الواقع". يختم حبيدة كتابه بفصل عنوانه "عودة الحدث التاريخي"، وقبله "المنعطف النقدي". ويشير هذان العنوانان إلى محاولات المراجعة الإبستيمولوجية لحصيلة ما أنجزته مدرسة الحوليات مع أجيال ثلاثة، وكان بيرنار لوبوتي رائدًا للجيل الرابع، جيل المراجعات وإعادة خلط
الأوراق؛ إذ يقول لوبوتي، مُقرًّا بوجود أزمة إبستيمولوجية سقط فيها التاريخ: "التعدد الفوضوي لموضوعات البحث تسبب في فقدان
بريق التاريخ". ويتجلّ وعي المؤرخين بانزواء التاريخ كتخصص، في مقابل اتساع رقعة التخصصات الأخرى على حسابه في إعادتها الاعتبار إلى مفهوم التاريخ نفسه وحضوره في عنوان المجلة الذي استحال في عام 1994 الحوليات: التاريخ والعلوم الاجتماعية. يقول حبيدة عن هذا التغيير الدال: "ما يلاحظه المتتبع لهذا الموضوع هو أولً حضور كلمة تاريخ في التسمية الجديدة، وثانيًا إرادة تجاوز
الإرث الذي تركه الجيل السابق، والتذكير، كما هو مبيّ في افتتاحية العدد الأول ب: ضرورة حفظ هوية التاريخ واستعادة مرجعياته
المنهجية الأساسية". شكلت ثمانينيات القرن الماضي منعطفًا إبستيمولوجيا في مدرسة الحوليات؛ إذ تعالت أصوات من الداخل والخارج تنبه لأزمة التاريخ
من حيث التصور والكتابة، وقد عُرِفت في الوسط الفرنسي بأزمة الشك، وباسم المنعطف النقدي، وامتدت تأثيرات هذا الانحباس
الإبستيمولوجي إلى باقي حقول العلوم الإنسانية. ومع ذلك، يبقى تأثير الجيل الثالث من مدرسة الحوليات في التوجهات التاريخية الجديدة حاضرًا، فلا ننكر أن هذا الجيل فتح آفاقًا واسعة في مجالات البحث التاريخي خارج فرنسا وأوروبا، فقد "ازدهر التاريخ المنظور إليه من أسفل، خصوصًا لدى المؤرخين الإنجليز والألمان والإيطاليين؛ وضخّ هؤلاء دماء جديدة في حقل الإسطوغرافيا من خلال تجاوز
مقاربات التاريخ الجديد وتأثيرات التيار البنيوي. فعلى عكس مقاربات الماكروتاريخ، بدأ الاهتمام بالمهمشين، وبالأشخاص المغمورين من البسطاء والفقراء والعبيد والمنحرفين. وتأثر هؤلاء المؤرخون بالأنتربولوجيين والسوسيولوجيين من جامعة شيكاغو تحديدًا". ثم
تعدّدت أبحاث التاريخ في الهيستوريوغرافيات الأوروبية بعد ذلك، فقد برز إلى جانب التاريخ من أسفل في إنكلترا تيار الميكروتاريخ في
إيطاليا؛ إذ أطلقت مجموعة من المؤرخين الشباب الإيطاليين الأكثر انفتاحًا على الثقافات الشعبية، في خضم تيار السبعينيات، تصورًا
لتاريخ مجهري قريبًا جدًّا من الأنثروبولوجيا، تاريخ يهتم بمواضيع الحياة الخاصة، وبما هو شخصي، بحسب ما ذكر لوغوف.
واستطاع هذا الطرح الميكروتاريخي فرض نفسه على الساحة التاريخية، وأصبح للمصطلح صدى رائج حتى في فرنسا، وكذا في إسبانيا وأميركا اللاتينية أيضًا. وفتح هذا الجيل الجديد من المؤرخين، بفضل أعماله المتميزة، نقاشًا واسعًا داخل إيطاليا وخارجها، وبفضل مجلة
97 حبيدة، المدارس التاريخية، ص 102.
98 Le Goff, "Les mentalités, une histoire ambiguë," p. 735. 99 Jacques Le Goff, L'imaginaire médiévale (Paris: Gallimard, 1985), p. 7. 100 B. Lepetit, "Histoire et sciences sociales: Un tournant critique? " Annales ESC , no. 2 (1988), p. 292.
101 حبيدة، المدارس التاريخية، ص 119. 102 المرجع نفسه، ص 113. 103 خالد طحطح وخالد اليعقوبي، التاريخ من أسفل (الرباط: منشورات الزمن، 2016)، ص 44. 104 لوغوف، ص 73.
كراسات تاريخية storici Quaderni التي صدرت أواسط السبعينيات، وكذلك بفضل إنشاء سلسلة ميكروسطوريا التي نشرت ابتداء من عام 1981 الكثير من الأعمال التي مثّلت دعمًا قويًا لهذا المشروع الجماعي الطموح. يأتي التاريخ اليومي في ألمانيا مقاربة تأويلية مغايرة للحوليات؛ إذ يعتبر من ردات الأفعال القوية التي استجابت للنقاشات تجاه أزمة الشك والريبة التي عرفها معنى التاريخ، فقد أعادت الحيوية والنشاط إلى البحث التاريخي من خلال تركيزها على الأفراد من الفئات الدنيا في التاريخ الكبير، وأدارت الظهر للخطابات التاريخية التي كانت تركز على الشخصيات العظيمة والفاعلين الكبار، وللمقاربات التي كانت تهتم بالمؤسسات والبنيات الكبرى أيضًا، ويعتمد هذا التيار "مقاربة ماركسية متجددة، تعتبر العوامل الثقافية قوى
حقيقية دافعة للتاريخ، وهو ما لم يُعِره البنيويون اهتمامًا في السبعينيات، لعدم إدراكهم البعد الثقافي للبنى الاجتماعية ودوره في آليات
التاريخ الاجتماعي". امتدت التغييرات إلى الفضاء الآسيوي مع ازدهار دراسات ما بعد الكولونيالية، فبرزت دراسات التابع في الهند على أيدي مؤرخين محليين، أشهرهم راناجيت غوها، تأثروا بمناهج التاريخ من أسفل. واستفاد روّادها الذين تتلمذوا في الجامعة الإنكليزية على يد مجموعة
من المؤرخين الماركسيين البريطانيين، في بداية حملتهم لانتقاد المدارس النخبوية الكولونيالية والوطنية من أعمال إدوارد بالمر تومبسون وكريستوفر هيل وإريك هابسبوم؛ إذ وجدوا فيها مدخلً مهمًا لإعادة النظر في تاريخ بلدهم، من خلال تجاوز الهيمنة النخبوية التي
تصور تاريخ الهند كإنجاز، إما للقيادة الكولونيالية البريطانية، وإما للقادة الوطنيين. في السنوات الأخيرة، ظهر تيار لساني عُرف باسم "التاريخانية الجديدة"، تحدى إلى حد بعيد سلطة التاريخ من خلال التمييز فيه بين الحقيقة والخيال، وبين أحداث الماضي والمعاني التي يُعزى إليها في السرد، بل إنّ هذا التيار تسبب في ظهور وعي جديد، حاول
التمييز بين أحداث الماضي والحقائق التي بناها عن هذه الأحداث، وهو التيار الذي انبثق منه دعاة ما يسمى "القص التاريخي"، أو
"التخييل التاريخي"، أو "التمثيل التاريخي"، وهو مفهوم آتٍ من الأدب ورائده ستيفن غرينبلات، وأُطلق في البداية على هذا التيار اسم "مصطلح الشعرية الثقافية". واعتبر كثيرون أن المؤرخ وايت هايدن هو الذي أخضع التاريخ ل "المنعرج اللساني"، حيث تمت عملية إعادة تشكيل العلاقة بين التاريخ والخيال. وتقوم فكرة هذا التيار الأساسية على تاريخية النصوص وتناصية التاريخ، فهما يتعاملان مع المصادر التاريخية والمراجع باعتبارهما نصوصًا أدبية. موازاةً مع هذه التغيرات، وجد المؤرخون الجدد أنفسهم وجهًا لوجه مع بداية انبعاث ما كان مرفوضًا منذ نشأة الحوليات: عودة الحدث، عودة التاريخ السياسي، عودة البيوغرافيا، عودة السرد؛ إذ أثبتت هذه الأنماط الثلاثة شرعيتها من جديد، ووجدت مكانتها في الكتابات التاريخية، فلا شيء يمنع اليوم المؤرخين والأكاديميين الجامعيين من تناول التاريخ من خلال الحدث أو من خلال تجربة الفاعلين الاجتماعيين. وانتهت حقبة التابوهات والمحرّمات التي فرضتها في السابق أجيال مدرسة الحوليات. لقد أضحى علماء الاجتماع
والأنثروبولوجيون بدورهم، في ظل التحولات الجديدة، يفضلون مواضيع اليومي المعيش، وهم بذلك يعيدون بناء الأحداث من جديد، انطلاقًا من تصور اجتماعي للحدث. ولإنجاح هذا النوع من التحليل، نراهم يركزون اهتمامهم بصفة خاصة على التجارب كما واجهها
105 خالد طحطح وعبد الحكيم الزاوي، رؤى التاريخ: قضايا، نماذج، قراءات (تطوان: منشورات بيت الحكمة، 2020)، ص 83. 106 خالد طحطح، البيوغرافيا والتاريخ (الدار البيضاء: دار توبقال، 2014.) 107 طحطح واليعقوبي، ص 79. 108 خالد طحطح، التاريخ وما بعد الكولونيالية (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2019)، ص 37.
معايشو الحدث من خلال إعادة تركيب تجربة الفاعلين الاجتماعيين وتوضيح دور الأفراد وحقيقة الفعل، مع أخذ السياقات والسلاسل ذات الصلة في الحسبان. كما جرى إحياء التاريخ السياسي وإعادة الاعتبار إلى الأمد القصير والتاريخ الراهن، ومن مظاهر هذه الانتعاشة اكتساح التاريخ السياسي مجالات جديدة؛ إذ لم يعد مقتصرًا على الظواهر الدبلوماسية والعسكرية، بل امتدّ ليشمل أحداث الساعة، في إطار ما يعرف
بتاريخ الزمن الحاضر، فالحاضر لم يعد من مجالات وسائل الإعلام فحسب، بل حواه أيضًا التاريخ الآني، وأصبح فرعًا من فروع
التاريخ، واعهْتُِفَ به مجالً من مجالات اهتمام المؤرخ، اليوم، على الرغم من حداثة ظهور. وساهم صعود وسائل الإعلام القوي
في إعادة البريق إلى الراهن والشاهد والفاعل التاريخي والحياة اليومية. لكن تَطرح كتابة هذا التاريخ معضلة بالنسبة إلى المؤرخين، خصوصًا في الجانب المتعلق بصعوبة الحصول على الوثائق؛ إذ يتعذر ذلك بسبب قصر المسافة الزمنيّة التي تفصلنا عن هذه الأحداث،
ونظرًا إلى عدم اكتمال سلسلة حلقات الحدث، وإلى حساسية بعض القضايا التي قد تكون محل نظر قضائي، وأخيرًا تُطرح قضية
الموضوعية بحكم علاقة الأحداث بالواقع المعيش. لن شِ إلى ما ختم به لوغوف دراسته "التاريخ الجديد" في الكتاب الجماعي الذي يحمل العنوان نفسه حول المصير الذي قد تؤول إليه مدرسة الحوليات والتاريخ الجديد؛ إذ يقر بعدم معرفته الغيب، ويتوقع ثلاثة آفاق للدراسات التاريخية: أن يصير التاريخ علمًا
يتغلغل في كل مجال معرفي، أو بعبارته "أن يواصل التاريخ انبثاثه في باقي العلوم الإنسانية الأخرى ويبتلعها ليكون مدًّا تاريخيًا، بوصفه
علمًا شموليًا لدراسة الإنسان، أي دراسة الإنسانية في الزمن"، أو أن تلتحم العلوم الإنسانية الثلاثة المتقاربة في موضوعها: التاريخ
والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع، ويسمي بول فاين هذا العلم الجديد "التاريخ السوسيولوجي"، و"إن [كُنت] أُحبّذ تسميته الأنثربولوجيا
التاريخية"، كما يقول لوغوف. أما الاحتمال الثالث والأخير، فهو أن يحدث التاريخ قطيعة إبستيمولوجية مع ماضيه ويتخندق في متاريس جديدة بعد أن يتوقف عن مغازلة العلوم الإنسانية.
خاتمة
في ختام هذا التتبع لمنعطفات مناهج الكتابة التاريخية، يمكن أن نجمل تصورنا لتطور هيستوريوغرافيا كتابة التاريخ في ما يلي: التاريخ قبل أن يكون "حكيًا"، هو حزمة من المناهج والأطر المنهجية التي تحدّد الرؤية؛ رؤية المؤرخ، ولهذا فإنه ينطبق على التاريخ
ما يقوله الدرس الإبستيمولوجي من ربط التطور بالتحول الذي يحصل على مستوى البراديغمات، فلا تجديد في الكتابة التاريخية ما لم يجدّد المؤرخ أدواته وتصوّره للتاريخ؛ ولهذا، كانت المنعطفات المهمة في تطور الكتابة التاريخية في الغرب منعطفات بعمق منهجي
ونفَس إبستيمولوجي، ففي البدء تحرر التاريخ من جدران اللاهوت وانضمّ إلى الفلسفة، وبعد ذلك، مع تصاعد الموجة الوضعية في العلوم
الدقيقة وإثباتها جدارتها، حاول المؤرخ الوضعي أن يقتفي أثر العالم، فجعل من التاريخ علمًا لا يؤسَّس إلّ على الوثيقة. وباستعارة
مفهوم من الميدان العلمي البحت، يمكن القول إن المؤرخ عمل على تشريح الوثيقة، فأخضعها لنقد داخلي وخارجي. وفي حلقة أخرى،
109 خالد طحطح، عودة الحدث (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2014)، ص 43. 110 المرجع نفسه، ص 50. وعن عودة التاريخ السياسي، ينظر: حبيدة، المدارس التاريخية، ص 124 - 133. 111 للمزيد عن هذه النقطة، ينظر: طحطح، عودة الحدث، ص 173؛ فتحي ليسير، تاريخ الزمن الراهن: عندما يطرق المؤرخ باب الحاضر (صفاقس: دار محمد علي
للنشر، 2012.) 112 لوغوف، ص 133. 113 المرجع نفسه.
سيدرك المؤرخ حدود هذه المنهجية التي تسقط منهجًا ناجعًا لدراسة الأشياء على التاريخ الذي هو إنساني في الأساس، كما يقول بلوخ،
ومن هنا سيعمل على توسيع رؤيته، منفتحًا على مناهج العلوم الإنسانية المجاورة: الاقتصاد وعلم الاجتماع، خصوصًا مع المؤسسين،
ثم الأنثروبولوجيا وعلم النفس مع الجيل الثالث، وأدى هذا الانفتاح إلى ما سمّاه دوس "تفتت التاريخ"؛ أي ما يشبه إلغاء المؤرخ هوية
علمه بتقمّصه مناهج هذه العلوم حتى أتى على ركن أساسي من أركان التاريخ: الحركية في الزمن، فصار مولعًا بالثابت على غرار ولع
الأنثروبولوجي بالبنية.
المراجع
العربية
________. تكوين العقل العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009. حبيدة، محمد. "مدرسة الحوليات: مفاهيم التحليل البروديلي". أمل (المغرب)، العدد 3 (كانون الثاني/ يناير 1993.) ________. كتابة التاريخ: قراءات وتأويلات. الرباط: دار أبي رقراق، 2013. ________. المدارس التاريخية: برلين- السوربون - استراسبورغ: من المنهج إلى التناهج. الرباط: دار الأمان، 2018. طحطح، خالد. الكتابة التاريخية. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2012. ________. عودة الحدث. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2014. ________. البيوغرافيا والتاريخ. الدار البيضاء: دار توبقال، 2014. ________. التاريخ وما بعد الكولونيالية. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2019. طحطح، خالد وخالد اليعقوبي. التاريخ من أسفل. الرباط: منشورات الزمن، 2016. طحطح، خالد وعبد الحكيم الزاوي. رؤى التاريخ: قضايا، نماذج، قراءات. تطوان: منشورات بيت الحكمة، 2020. العروي، عبد الله. مجمل تاريخ المغرب. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2009. ________. مفهوم التاريخ. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2012. العقل في التاريخ: محاضرات في فلسفة التاريخ. تقديم إمام عبد الفتاح إمام. بيروت: دار التنوير، 2007.
الشرق، 2015.
لوغوف، جاك. التاريخ الجديد. ترجمة الطاهر المنصوري. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007. ليسير، فتحي. تاريخ الزمن الراهن: عندما يطرق المؤرخ باب الحاضر. صفاقس: دار محمد علي للنشر، 2012. وقيدي، محمد. فلسفة المعرفة عند غاستون باشلار. الرباط: مكتبة المعارف، 1984.
الأجنبية
References
الجابري، محمد عابد. مدخل إلى فلسفة العلوم: العقلانية المعاصرة وتطور الفكر العلمي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2002.
الكتابة التاريخية: التاريخ والعلوم الاجتماعية، التاريخ والذاكرة، تاريخ العقليات، ترجمة محمد حبيدة. الدار البيضاء: أفريقيا
كوثراني، وجيه. تاريخ التأريخ: اتجاهات- مدارس - مناهج. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012.
• Bloch, Marc. Apologie pour l'histoire ou métier d'historien. Paris: Armand Colin, 1997. • Braudel, Fernand. La Méditerranée et le monde méditerranéen à l'époque de Philllipe II. Paris: A. Colin, 1982.
• ________. "Histoire et sciences sociales: La longue durée." Annales ESC. no. 4 (1958). • ________. Une leçon d'histoire. Paris: Arthaud- Flammarion, 1986. • Burguiere, André. "Histoire d'une histoire: La naissance des Annales." Annales ESC. no. 6 (1979). • Comte, Auguste. Cours de philosophie positive. Paris: Librairie Garnier frères, [s. d.]. • Delacroix, Christian & Patrick Garcia & François Dosse. Les courants historiques en France: XIXᵉ-XXᵉ siècle. Paris: Gallimard, 2007. • Dosse, François. L'histoire en miettes: Des Annales à la nouvelle histoire. Paris: La Découverte, 2005. • Durkheim, Emile. Les règles de la méthode sociologique. Paris: PUF, [s. d.]. • Foucault, Michel. Les mots et les choses. Paris: Gallimard, 1966. • Gadamer, Hans-Georg. Vérité et méthode, Les grandes lignes d'une herméneutique philosophique. Etienne Sacre. (trad.). Paris: Seuil, 1976. • Hegel, Georg Wilhem Friedrich. La raison dans l'Histoire: Introduction à la philosophie de l'Histoire. Kostas Papaioannou (trad.). Paris: Librairie Plon, 1965. • Kuhn, Thomas. La structure des révolutions scientifiques. Laure Meyer (trad.). Paris: Flammarion, 1983. • Lalande, André. Vocabulaire technique et critique de la philosophie. Paris: PUF, 1988. • Langlois, Charles-Victor & Charles Seignobos. Introduction aux études historiques. Paris: Edition kimé, 1992. • Le Goff, Jacques & P. Nora (eds.). Faire de l'histoire. Paris: Gallimard, 1974. • ________. L'imaginaire médiévale. Paris: Gallimard, 1985. • Lepetit, Bernard. "Histoire et sciences sociales: Un tournant critique?" Annales ESC. no. 2 (1988). • ________. Faut-il vraiment découper l'histoire en tranches? Paris: Seuil, 2014. • Lévi-Strauss, Claude. Anthropologie structurale. Paris: Librairie Plon, 1958. • Noiriel, Gerard. "Naissance du métier d'historien." Genèses: Sciences sociales et histoire. no. 1 (1990). • Pomian, Krzystof. L'ordre du temps. Paris: Gallimard, 1984. • Ricoeur, Paul. Du texte à l'action. Paris: Seuil, 1986. • Simiand, François. "Méthode historique et science sociale." Annales ESC. no. 1 (1960). • Vovelle, Michel. "Y a-t-il un inconscient collectif?" La pensée. no. 205 (Juin 1979). • ________. Idéologies et mentalités. Paris: La Découverte, 1985.