العودة إلى تفاصيل المؤلَّف قضايا حرجة من تاريخ المغرب في مطلع العصر الحديث بين التاريخ والفقه: العلاقة بين المغاربة والمحتل الإيبيري

قضايا حرجة من تاريخ المغرب في مطلع العصر الحديث بين التاريخ والفقه: العلاقة بين المغاربة والمحتل الإيبيري

Critical Issues in the Early Modern History of Morocco: History and Jurisprudence between Moroccans and Iberian Occupiers

محمد الشريف*Mohamed

Cherif

الملخّص

تسعى هذه الدراسة إلى الوقوف على نموذج حي من النوازل التي تسلط أضواء جديدة على قضية تاريخية حساسة شغلت المجتمع المغربي وفقهاءه، تتعلق بالوضعية القانونية للمغاربة المسلمين الذين سقطت مدنهم وقراهم بيد الإيبيريين. يرتبط الأمر بفتاوى العالم المغربي أبي الحسن علي بن عبد الله بن برطال التي ضمّنها عبد العزيز الزياتي في الفصل المتعلق بالجهاد من كتابه الجواهر المختارة مما وقفت عليه من النوازل بجبال غمارة، إلى جانب فتاوى عدد من العلماء المغاربة حول الموضوع نفسه. وهي فتاوى تتيح إجراء مقارنة بين موقف الفقهاء من الوضعية القانونية لمسلمي الأندلس تحت السيطرة المسيحية ومثيلتها الخاصة بالمغاربة تحت الاحتلال البرتغالي، على نحو يؤدي إلى الوقوف على خصوصية الخطاب الفقهي المغربي وتفرّده مقارنةً بالخطابات المتعارف عليها بخصوص مأزق مسلمي الأندلس تحت حكم المسيحيين، ومن أبرز تلك الخصوصيات إعطاء المقاومة المغربية سندًا شرعيًّا تجاه التوسّع البرتغالي.

Abstract

This study considers an example of a calamity, still-alive, that can illuminate a sensitive historical issue preoccupying Moroccan society and jurists, namely the legal status of Moroccan Muslims whose cities and villages fell into the hands of the Iberians. This matter relates to fatwas of the Moroccan scholar Abi al-Hassan Ali bin Abdullah Ibn Bartal (who died at the beginning of the tenth century AH / 16 CE) and that were included in the chapter on jihad in the book The Selected Jewels (al-jawahir al-mukhtarah) by Abdul Aziz Al-Zayati (1055 AH / 1645 AD), and fatwas of other Moroccan scholars on the same topic. These allow us to compare the positions of jurists regarding the legal status of Andalusian Muslims under Christian control, and correspondingly, of Moroccans under Portuguese occupation. These positions inform the specific uniqueness of Moroccan jurists' discourse as contrasted with conventionally recognized jurisprudential discourse with regard to the predicament of the Muslims of Andalusia under Christian rule. Featuring most prominently here is the legal support accorded to Moroccan resistance to Portuguese expansion.

الكلمات المفتاحية:
  • الفتاوى المغربية
  • الجواهر المختارة
  • ابن برطال
  • المغرب
  • الأندلس
Keywords:
  • Morroccan Fatwas
  • al-jawahi al-mukhtarah
  • Ibn Bartal
  • Andalusia
  • Morocco

العلاقة بين المغاربة والمحتل الإيبيري

Critical Issues in the Early Modern History of Morocco

History and Jurisprudence between Moroccans and Iberian Occupiers

تسعى هذه الدراسة إلى الوقوف عى نموذج حي من النوازل التي تسلط أضواء جديدة عى قضية تاريخية حساسة شغلت المجتمع المغربي وفقهاءه، تتعلق بالوضعية القانونية للمغاربة المسلمنالذين سقطت مدنهم وقراهم بيد الإيبرين. يرتبط الأمر بفتاوى العالم المغربي أبي الحسن علي بن عبد الله بن برطال التي ضمّنها عبد العزيز الزياتي في الفصل المتعلق بالجهاد من كتابه الجواهر المختارةمم وقفت عليه من النوازل بجبال غمرة، إلى جانب فتاوى عدد من العلمء المغاربة حول الموضوع نفسه. وهي فتاوى تتيح إجراء مقارنة بن موقف الفقهاء من الوضعية القانونية لمسلمي الأندلس تحت السيطرة المسيحية ومثيلتها الخاصة بالمغاربة تحت الاحتلال البرتغالي، عى نحو يؤدي إلى الوقوف عى خصوصية الخطاب الفقهي المغربي وتفرّده مقارنةً بالخطابات المتعارف عليها بخصوص مأزق مسلمي الأندلس تحت حكم المسيحين، ومن أبرز تلك الخصوصيات إعطاء المقاومة المغربية سندًا شرعيًّا تجاه التوسّع البرتغالي. كلمت مفتاحية:  الفتاوى المغربية، الجواهر المختارة، ابن برطال، الأندلس، المغرب.

This study considers an example of a calamity, still-alive, that can illuminate a sensitive historical issue preoccupying Moroccan society and jurists, namely the legal status of Moroccan Muslims whose cities and villages fell into the hands of the Iberians. This matter relates to fatwas of the Moroccan scholar Abi al-Hassan Ali bin Abdullah Ibn Bartal (who died at the beginning of the tenth century AH / 16 CE) and that were included in the chapter on jihad in the book The Selected Jewels (al-jawahir al-mukhtarah) by Abdul Aziz Al-Zayati (1055 AH / 1645 AD), and fatwas of other Moroccan scholars on the same topic. These allow us to compare the positions of jurists regarding the legal status of Andalusian Muslims under Christian control, and correspondingly, of Moroccans under Portuguese occupation. These positions inform the specific uniqueness of Moroccan jurists' discourse as contrasted with conventionally recognized jurisprudential discourse with regard to the predicament of the Muslims of Andalusia under Christian rule. Featuring most prominently here is the legal support accorded to Moroccan resistance to Portuguese expansion.

Professor of Higher Education, Faculty of Arts and Humanities, Abdel Malek Saadi University, Tetouan, Morocco.

مقدمة

من المتعارف عليه بين المهتمين بدراسة تاريخ الإسلامي أن قلّة الوثائق والمصادر تعتبر من أولى المشاكل التي تواجه الباحث في هذا التاريخ. وقد أصبح على المؤرخ اليوم، إن أراد تجاوز هذه العقبة وتلبية حاجات البحث العلمي الرصين، أن يبحث عن مصادر جديدة، وينقّب عن وثائق غميسة، تسد بعض المعلومات المتوارية في المادة التاريخية المتوافرة. في هذا الإطار، اتجهت عناية الباحثين إلى الاستفادة مما تحتويه كتب "الفقه" من معطيات في الدراسات التاريخية، تلك الكتب

التي لم تحظَ باهتمامهم مدة طويلة، بوصفها "مصادر جافّة"، في حين أصبحت تصنف حاليًا ضمن "المصادر الإراديَّة" لتاريخ المسلمين،

نظرًا إلى ارتباطها بالواقع الاجتماعي والسياسي والديني والثقافي للمجتمعات المسلمة، وباعتبارها تساهم في معالجة قضايا واقعيّة،

وتعكس مواقف الفقهاء من مشاكل عصرهم. وهناك من الدارسين من اعتبرها مصادر أساسية للمؤرخ؛ إذ لا يمكن اعتبار ما نكتبه

من تاريخ عملً كاملً وقريبًا من أعمال الماضي إلا إذا تم الاستفادة من كتب النوازل. غير أن الاستفادة من هذا النوع من المصادر

ليس أمرًا سهلً أو هينًا، ذلك أن مسائلها لا تكشف عن قيمتها بالقراءة السريعة. ويستلزم التعامل معها إمعان النظر والتسلُّح بالأناة

والصبر، ويتطلب تحصيلً جديًا وتكوينًا فقهيًا لفكّ معضلاتها وإزاحة الغموض الذي يحيط بها في كثير من المواضع، وخاصة إن أخذنا

في الحسبان أن "كتب الفتاوى لم توضع أصلً لكي يستعملها المؤرخ، وإنما جمعت من أجل الفقهاء والمشتغلين بالفقه، ولذلك فهي لا تهتمّ ببعدي الزمان والمكان إلا نادرًا".

"الجواهر المختارة" مصدرًا فقهيًا ثمينًا لدراسة تاريخ المغرب الحديث

يمكن اعتبار كتاب الجواهر المختارة مما وقفت عليه من النوازل بجبال غمارة لأبي فارس عبد  العزيز بن الحسن الزياتي.(ت 1055 ه/ 1645 م)، من أهم المصادر الفقهية القمينة بسدّ بعض الثغرات التي تعتري التاريخ المغربي الحديث، نظرًا إلى ما تتضمّنه

من قضايا تخص "المعاملات"، والمشاكل التي تترتب عليها بين الناس، وما تثيره من قضايا مرتبطة بالحياة الدينية والروحية وغيرها من جوانب "العبادات".

1 محمد مزين، "حصيلة استعمال كتب النوازل الفقهية في الكتابة التاريخية المغربية"، في: البحث في تاريخ المغرب حصيلة وتقويم (الدار البيضاء: منشورات كلية

الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط؛ مطبعة النجاح الجديدة، 1989)، ص 73 - 93؛ محمد مزين، "التاريخ المغربي ومشكل المصادر: نموذج النوازل"، مجلة كلية الآداب

بفاس، العدد 2 (1985)، ص 97 - 126؛ سعيد غراب، "كتب الفتاوى وقيمتها الاجتماعية مثال نوازل البرزلي"، حوليات الجامعة التونسية، العدد 16 (1978)، ص

65 - 102؛ محمد فتحة، النوازل الفقهية والمجتمع: أبحاث في تاريخ الغرب الإسلامي (من القرن 6 إلى 9 ه/ 12 - 15 م)، سلسلة الأطروحات والرسائل (الدار البيضاء:

كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1999)؛ عبد الواحد ذنون طه، "أهمية الكتب الفقهية في دراسة تاريخ الأندلس"، في: حضارة الأندلس في الزمان والمكان: أعمال الندوة

الدولية، 16 - 18 أبريل 1992، منشورات جامعة الحسن الثاني، سلسلة أبحاث وندوات 1 (المحمدية: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1993)، ص 119 - 155؛ عمر بنميرة،

النوازل والمجتمع مساهمة في تاريخ البادية بالمغرب الوسيط، سلسلة رسائل وأطروحات (الرباط: منشورات كلية الآداب، 2012)؛

María J. Viguera, "En torno a las fuentes jurídicas de al Andalus," Actes de colloque: La civilisation d'al Andalus dans le temps et dans l'Espace , Mohammadia, 1993 , pp. 71 - 78.

2 فتحة، ص 20. 3 ينظر ترجمته في: محمد الصغير الإفراني، "صفوة من انتشر من أخبار صلحاء القرن الحادي عشر" (مخطوط)، تحقيق عبد المجيد خيالي، الدار البيضاء: مركز التراث

الثقافي المغربي، 2004، ص 157؛ محمد بن الطيب القادري، نشر المثاني لأهل القرن الحادي عشر والثاني، تحقيق محمد حجي وأحمد التوفيق، ج 2 (الرباط: دار المغرب

للتأليف والترجمة والنشر، 1978)، ص 30؛ أبو العباس أحمد الرهوني التطواني، عمدة الراوين في تاريخ تطاوين، تحقيق جعفر بن الحاج السّلمي، ج 4، سلسلة تراث 6

(تطوان: جمعية تطاون أسمير، 2003)، ص 77؛ محمد داود، تاريخ تطوان، ج 1 (تطوان: مولاي الحسن، [د. ت.])، ص 341؛ خير الدين الزركلي، الأعلام: قاموس

تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين، ج 4، ط 17 (بيروت: دار العلم للملايين، 2007)، ص 16؛ موسوعة أعلام المغرب، تنسيق وتحقيق

محمد حجي (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1996)، ج 4، ص 1421.

يضم هذا الكتاب الضخم فتاوى تخص عصر مؤلفها الزياتي (القرن الحادي عشر الهجري/ السابع عشر الميلادي)، كما أورد فيه قضايا سابقة أفتى فيها علماء القرنين الخامس أو السادس الهجريين. وكما يبدو من العنوان، فإن الكتاب يشتمل على نوازل تخص مجال بلاد غمارة، غير أنه يتوسع لتشمل أغلب فتاواه ونوازله التي تتصل بقضايا وقعت في شمال المغرب بقراه وحواضره (فاس، ومكناس، وتطوان، وسبتة، والعرائش، وأصيلة، وتازة، والقصر الكبير، وطنجة، وغساسة... إلخ). وتسلط هذه النوازل الضوء على قضايا مختلفة تهم الحياة الاجتماعية من عادات وتقاليد وأعراف ومشاكل يومية، سواء كان ذلك في البوادي أو المدن، إضافة إلى مواضيع مرتبطة بعلاقة السلطة الحاكمة بساكنة البلاد، وما كان يعانيه المغاربة من أزمات وأوبئة ومجاعات وتسلُّط وإجحاف ضريبي. بل إن الكتاب يفيض بمادة تاريخية قمينة بتسليط الضوء على مواضيع جديدة بدأت تثير اهتمام الباحثين؛ كاللباس والتغذية والطفل والمرأة والزواج، والممارسات السحرية والتمثلات... إلخ. وغنى هذا المصنف هو الذي جعل بعض الدراسات الحديثة توليه عناية كبيرة. وكان محمد مزين من الأوائل الذين اهتموا به، فقد اتخذه موضوعًا لأطروحته الجامعية التي ناقشها بجامعة باريس سنة 1988، بعنوان "زمن المرابطين والأشراف: محاولة في التاريخ

الاجتماعي المغربي من خلال كتب النوازل"، وصدرت عن منشورات كلية الآداب فاس- سايس تحت عنوان "الفقهاء على محك التاريخ"، وخصّه بدراسات منها "الموت في مغرب القرن العاشر"، و"الأدب الفقهي والأزمة (ق 17)"، و"الجهاد ببلاد جبالة

(القرن 16 م)"، و"العلاقات بين المدن المحتلة وأحواز مدينة فاس في القرن 16 م من خلال النوازل". وأسعفت المادة التاريخية التي تضمنها الجواهر المختارة باحثين آخرين، نذكر منهم عمر بنميرة الذي اعتبرها من المصادر الأساسية في دراسة تاريخ البادية المغربية في القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين، ومحمد فتحة في مؤلفه القيم النوازل الفقهية والمجتمع، ولحسن اليوبي في مؤلفه الفتاوى الفقهية في أهم القضايا من عهد السعديين إلى ما قبل الحماية، ورشيد المصطفى

4 حول الكتاب ومؤلفه ونسخه المخطوطة، ينظر: محمد الشريف، "ملاحظات حول كتاب الجواهر المختارة لعبد العزيز الزياتي ونسخه المخطوطة"، في: أبحاث في

الكتاب العربي المخطوط (الرباط: وزارة الثقافة المغربية، 2015)، ص  157 - 195.

Mohamed Mezzine, "Le temps des marabouts et des Chorfa: Essai d'histoire sociale‑marocaine à travers les écrits de jurisprudence religieuse," Dissertation, Doctorat D'Etat, Paris, 1988.

بشأن جانب من هذه الأطروحة، ينظر: محمد مزين، "ملاحظات حول زمن المرابطين والأشراف"، مجلة المصباحية، العدد 1 (1995)، ص 61 - 76.

Mohamed Mezzine, "Fuqaha à l'épreuve de l'Histoire: Sainteté, pouvoir et société au Maroc au début des temps modernes," Collection Thèses et monographies, Faculté Des Lettres Fès, 2003 , p. 677.

7 محمد مزين، "الموت في مغرب القرن العاشر من خلال كتاب: الجواهر المختارة للزياتي"، في: التاريخ وأدب النوازل: دراسات تاريخية مهداة للفقيد محمد زنيبر،

إنجاز الجمعية المغربية للبحث التاريخي، تنسيق محمد المنصور ومحمد المغراوي (الرباط: منشورات جامعة محمد الخامس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1995)، ص  101

وما بعدها. 8 محمد مزين، "الأدب الفقهي والأزمة (ق 17)"، في: الأسطوغرافيا والأزمة: دراسات في الكتابة التاريخية والثقافة، أعمال اليوم الدراسي الذي نظمته الجمعية

المغربية للبحث التاريخي، سلسلة ندوات ومناظرات 34 (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1994)، ص 61 - 74.

Mohamed Mezzine, "Jihad au pays Jbala (XVI ème siècle): Effervescence et régulation," in: Ahmed Zouggari et al. (eds.), Jbala: Histoire et société: Etudes sur le Maroc du Nord-Ouest , Groupe pluridisciplinaire d'étude sur les Jbala (Paris: Editions du CNRS; Casablance: Wallada, 1991), pp. 61 - 87. 10 Mohamed Mezzine, "Les relations entre les places occupées et les localités de la région de Fès au XVIe siècle à partir de documents locaux inédits: les nawazil," in: García‑Arenal Mercedes & María Jesús Viguera, Relaciones de la Peninsula Iberica con El Magreb (siglos 13 - 16) , Actas del Coloquio (Madrid: Instituto de Filología (Consejo Superior de Investigaciones Científicas (Spain), Instituto Hispano-Árabe de Cultura. Consejo Superior de Investigaciones Científicas, Instituto de Filología, 1988), pp. 539 - 560.

11 بنميرة. 12 فتحة، ص 9 وما بعدها. 13 لحسن اليوبي، الفتاوى الفقهية في أهم القضايا من عهد السعديين إلى ما قبل الحماية (الرباط: منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1998)، ص 175 - 224.

اعتمد لحسن اليوبي فتاوى الزياتي نقلً عن نوازل علي بن عبد السلام التسولي (ت.  1842)، والنوازل الصغرى للمهدي الوزاني (ت. 1923)

في دراسته "من تاريخ الدخان بالمغرب"، وعبد الخالق أحمدون، في تتبعه للبدع ببادية الشمال، ومحمد المنقشي في رصده لتقاليد المرأة القروية المغربية من خلال تحليله سبعَ فتاوى من الجواهرالمختارة. ولم تعزب أهمية الجواهر المختارة عن الباحثين الأجانب، ونذكر منهم الباحثة الأميركية جاكلين هندريكسن Jacqueline Hendriksen التي ناقشت أطروحتها بجامعة إيموري الأميركية حول موضوع "حكم الإقامة في دار الحرب"، من خلال إعادة قراءتها أسنى المتاجر في بيان أحكام من غلب على وطنه النصارى ولم يهاجر وما يترتب عليه من العقوبات والزواجر لأبي العباس أحمد الونشريسي (ت. 914 ه/ 1508 م)، ومقارنته بما يورده عبد العزيز الزياتي في "نوازل الجهاد" من كتابه؛ إذ خصصت الباحثة فصلً كاملً (ص 101 - 140) للحديث عن الجواهرالمختارة ومؤلفها، وحللت فتاوى "باب الجهاد" التي أوردها الزياتي في كتابه، وأثبتت نصوصها وترجمتها بوصفها ملحقات لأطروحتها (ص 395 - 406). ويظل الكتاب منجمًا ثريًا من المعلومات القيمة حول الواقع المغربي في القرن السابع عشر. وقد ارتأينا في هذه الدراسة أن نقف عند قضية أرّقت المغاربة

وشغلت بال العامة والخاصة، وكانت موضوع فتاوى لعدد من فقهاء المغرب في مطلع القرن العاشر للهجرة (السادس عشر للميلاد): يتعلق الأمر بطبيعة العلاقات التي ربطت المغاربة بالمحتل الإيبيري للسواحل المغربية خلال مطلع العصر الحديث.

الأندلسيون أمام فتاوى تحريم الإقامة بدار الكفر: "أسنى المتاجر" نموذجًا

كانت قضية جواز إقامة المسلمين في الأراضي التي استولى عليها المسيحيّون بالأندلس، أو عدم جوازها، من القضايا الحرجة التي

طُرحت على الفقهاء المفتين بالغرب الإسلامي منذ القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي على الأقل. وكان الرأي السائد هو الرأي القاضي بتحريم هذه الإقامة، واعتبار الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام واجبًا شرعيًا ودينيًا كما نصَّت على ذلك فتوى

الفقيه الونشريسي مثلً. بَيد أننا لا نعدم من الفقهاء المفتين من كان موقفه من الهجرة أقل تصلبًا، وبحثوا عن أعذار ومسوغات تبيح

للأندلسيين العاجزين عن الهجرة البقاء في الأندلس تحت حكم المسيحيين كما هو الحال بالنسبة إلى فتوى المازري والمغراوي.

14 رشيد مصطفى، "من تاريخ الدخان بالمغرب"، في: المجتمع التطواني والتطور العمراني والمعماري من القرن 16 إلى القرن 20: أعمال الندوتين، أيام 9 و 10 دجمبر

2005، [و] أيام 14 و 15 و 16 دجمبر 2006، تنسيق محمد بن عبود (تطوان: جامعة عبد المالك السعدي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2009)، ص 148 وما بعدها. 15 عبد الخالق أحمدون، "البدع ببادية الشمال من خلال ألفية الهبطي ونوازل الزياتي"، دفاتر البحث، مج 1، العدد 1، جامعة الحسن الثاني، عين الشق (كانون الأول/

ديسمبر 2001)، ص 233 - 256.

16 Mohamed Monkachi, "Lecture des mœurs de la femme rurale marocaine à travers les nawazil de Ziyati: La religion de Ghomara au XVIIe siècle," in: Aïcha Belarbi et al. (eds.), Femmes rurales (Casablanca: Fennec, 1996), pp. 119 - 126. 17 Jacelyn Hendrickson, "The Islamic Obligation to Emigrate: Al- Wansharisi's Asna al Matajir Reconsidered," Dissertation submitted to the Faculty of the Graduate School of Emort University, Italy, 2009.

18 بحسب فتوى ابن ربيع الآتية الذكر. وينظر:

Jean-Pierre Molénat, "Le problème de la permanence des musulmans dans les territoires conquis par les chrétiens, du point de vue de la Loi islamique," Arabica , vol. 48 , no. 3 (2001), p.  397.

19 محمد التميميالمازري، فتاوى المازري، تحقيق طاهر المعموري (تونس: الدار التونسية للنشر، 1994)، ص 132 ‑ 134. وبشأن تحليل لهذه الفتوى، ينظر:

Abdelmajid Turki, "Consultation juridique de l'Imam al-Mazari sur le cas des musulmans vivant en Sicile sous l'autorité des Normands," Mélanges de l'Université Saint-Joseph , vol. 50 , no.  2 (1984), pp. 689 - 740.

20 بخصوص فتوى المغراوي (ت. 1514)، ينظر: محمد رزوق، الأندلسيون وهجراتهم إلى المغرب خلال القرنين 16 ‑ 17، ط 3 (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 1998)؛

محمد عبد الله عنان، نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصرين (القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1966)، ص 342 - 344؛

Jean Cantineau, "Lettre du Moufti d'Oran aux musulmans d'Andalousie," Journal Asiatique , CCX (1923), pp.  1 - 17.

وقد يقف الباحث على هذه الإشكالية في عدد من النصوص التاريخية والفقهية في صيغ متعددة، بيد أن مضمونها ظل ثابتًا لم يتغير؛ ما يدل على المأزق النفسي والديني والاجتماعي الذي وجد الأندلسيون المسلمون أنفسهم فيه، وقد صاروا تحت سيطرة المسيحيين، وخاصة بعد توسع دائرة حركة الاسترداد المسيحية التي توجت بسقوط غرناطة، آخر معاقل المسلمين بالأندلس سنة 1492 م. وهناك شبه إجماع بين الباحثين على أن فتوى الونشريسي المعروفة ب أسنى المتاجر في بيان أحكام من غلب على وطنه النصارى ولم يهاجر، وما يترتب عليه من العقوبات والزواجر، هي أشهر فتوى وأوسعها وأكملها بخصوص هذا الموضوع. وهي تتناول مسألتين أساسيتين تتفرع منهما مسائل ثانوية متعددة؛ إذ تبحث في حكم بقاء المسلم في بلده الذي غلب عليه "الكفار" خاصة، وحكم الإقامة في بلاد الكفار عامة. وقد كانت هذه الفتوى موضوع تحليل ومناقشة عدد من الباحثين العرب والأجانب. بيد أن فتوى الونشريسي سبقتها فتاوى علماء آخرين قد لا تقل أهمية عنها، وخاصة فتوى ابن ربيع الأندلسي (ت. 719 ه/ 1320 م) التي تمثِّل الأساس الذي بنى عليه الونشريسي فتواه. تعكس فتوى الونشريسي الموقف السائد عند فقهاء الغرب الإسلامي بتحريم الإقامة بدار الحرب، وضرورة الهجرة منها إلى دار الإسلام. وقد كانت فتاوى ابن رشد الجد (ت. 520 ه/ 1126 م)، وابن الحاج التجيبي (ت. 549 ه/ 1135 م)، وابن العربي المعافري.(ت 543 ه/ 1148 م)، من أهم المصادر التي اعتمد عليها الونشريسي في فتواه، وهم الذين أفتوا بوجوب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام. فهناك أربعة قرون تفصل فتوى الونشريسي عن تلك التي أصدرها ابن رشد أو المازري؛ ما يدل على أن مشكلة الأقلية المسلمة ببلاد المسيحيين ظلت مطروحة. ولا تقدم الفتاوى الأخرى التي وصلتنا إلا تعديلات أو إضافات طفيفة، ولو أنها مهمة في بعض الأحيان. فإذا ما قارنّا الفتوى التي أصدرها الفقيه الوهراني بن مقلاش في نهاية القرن الثامن الهجري (799 ه)، جوابًا عن سؤال أحد طلبة العلم الذي عاش

21 لأخذ فكرة عن نقاش المتخصصين الدائر حول وضعية المسلمين تحت حكم المسيحيين، ينظر:

Alan Verskin, Islamic Law and the Crisis of the Reconquista. The Debate on the Status of Muslim Communities in Christendom (Leiden/ Boston: Brill, 2015).

22 بشأن أحمد الونشريسي ومؤلفات، ينظر:

Francisco Vidal Castro, "Ahmad al-Wansharisi (m.  914 / 1508). Principales aspectos de su vida," Al-Qantara , vol. 12 , no. 2 (1991), pp.  315 - 352.

23 نشرها أول مرة مؤنس، ينظر: حسين مؤنس، "أسنى المتاجر في بيان أحكام من غلب على وطنه النصارى ولم يهاجر ومايترتب عليه من العقوبات والزواجر"، مجلة

المعهد المصري للدراسات الإسلامية في مدريد، مج 5، العددان 1 - 2 (1377 ه/ 1957 م.)

24 Kathryn A. Miller, "Muslim minorities and the obligation to emigrate to Islamic territory: Two fatwas from fifteenth-century Granad," Islamic Law and Society , vol. 7 , no. 2 (2000), pp. 256 - 288 ; Hossaïn Buzineb, "Respuestas de jurisconsultos magrebíes en torno a la inmigración de musulmanes hispánicos," Hespéris , vol.  26 - 27 (1988 - 1989); Leila Sabbagh, "La religion des Moriscos entre deux fatwas," Actes de la table ronde internationale, in: Louis Cardaillac (ed.). Les Morisques et leur temps (Paris: CNRS, 1983); P.S. Van Koningsveld & G.A. Wiegers, "The Islamic Statute of the Mudejars in the Light of a New Source," Al-Qantara: Revista de Estudios Arabes, vol. 17 (1996), pp. 19 - 59 ; Hendrickson, "The Islamic Obligation to Emigrate."

25 ينظر دراستنا لهذه الفتوى ومقارنتها بفتوى أحمد الونشريسي: محمد الشريف، "تساؤلات حول أصالة فتوى 'أسنى المتاجر' لأحمد الونشريسي"، في: تحولات الفكر

الأندلسي: أعمال الندوة الدولية المنعقدة بتطوان، يومي 18 - 19 صفر 1436 هج 11 - 12 دجنبر 2014 م: تكريمًا للدكتور محمد رزوق، تنسيق جعفر ابن الحاج السلمي

(تطوان: منشورات الجمعية المغربية للدراسات الأندلسية، 2017).

26 Sabbagh, p. 46.

27 إضافة إلى فتاوى علماء الغرب الإسلامي المتقدمين أمثال ابن عبد البر القرطبي (ت. 474 ه/ 1071 م)، وابن رشد الجد (ت. 520 ه/ 1126 م)، وابن الحاج التجيبي

.(ت 529 ه)، نشير إلى فتوى بعض المتأخرين منهم أمثال ابن الفخار (أبو بكر محمد بن علي الجذامي الشريشي، توفي في مالقة عام 723 ه/ 1323 م، ضمنها كتابه (الضائع)

الجواب المختصر المروم في تحريم سكنى المسلمين ببلاد الروم، وفتوى العبدوسي (ت. 849 ه/ 1445 م)، ينظر: أجوبة العبدوسي، دراسة وتوثيق هشام المحمدي

(الرباط: منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 2015)، ص 423 - 425؛ فتوى المواق (أبو عبد الله محمد بن يوسف العبدري) (ت.  897 ه/  1492 م)، ينظر: الشريف،

"تساؤلات حول أصالة فتوى 'أسنى المتاجر'"، ص  161.

طويلً تحت الحكم المسيحي، والذي كان يريد أن يتوب قبل هجرته إلى بلاد المغرب، بفتوى الونشريسي، فإننا نجدها غير مبنية بناء منظمًا، ولا تستند إلى حجج وقرائن منظمة وموثقة، كما أن بعض الفتاوى الأخرى التي وصلتنا مثل فتوى الفقيه الغرناطي الحفار

.(ت 811 ه/ 1408 م)، أو فتوى المواق (ت. 897 ه/ 1492 م)، تتناول قضايا جزئية، لا تكتسي طابع الشمولية التي تسِمُ فتوى الونشريسي. ولا نجد فتوى تضاهي تلك التي حررها الونشريسي في إلمامها بجوانب القضية المطروحة سوى فتوى العالم الأندلسي أبي الحسن (الحسين) محمد بن يحيى بن ربيع (ت.  719 ه/  1320 م). من خلال استعراض محتوى فتوى ابن ربيع، يبدو التشابه كبيرًا بينها وبين فتوى الونشريسي. ولا نجد إلا اختلافات طفيفة جدًّا بين النصين لا تعدو أن تكون اختلافات في الأسلوب، وليس في المضمون أو في المنظور. فالونشريسي يستعمل النصوص القرآنية والحديثية نفسها التي استعملها ابن ربيع للدلالة على تحريم الإقامة بدار الحرب، وأعاد ترتيب قرائن ابن ربيع، وأهمل بعض الفقرات من فتواه. وقد لاحظ ذلك فان كونينغسفيلد ذلك التشابه، لكنه أرجأ إجراء المقارنة بين نص الونشريسي ونص ابن ربيع حتى الانتهاء من نشر نص ابن ربيع كامل. ومن جهتنا، نبادر إلى القول إن الونشريسي اقتبس كثيرًا من فتوى ابن ربيع، موردًا فقرات طويلة منها في كلتا فتوييه من دون أن يشير إليه ولو مرة واحدة. ففي الفتوى الأولى، أورد الونشريسي أهم القرائن التي استشهد بها ابن ربيع، بالمنظور النظري نفسه، وخاصة قضية جواز الإقامة بدار الكفر. فهو يتبنى وجهة نظر ابن ربيع كلية، بما في ذلك إحالته واستشهاده بالآيات القرآنية والنصوص الحديثية ومصادره المختلفة، وقد أضاف الونشريسي في آخر فتواه بعض الاقتباسات التي لم توجد في فتوى ابن ربيع. أما في الفتوى الثانية التي يجيب فيها الونشريسي عن سؤال لرجل من مربيلة يسأل عن إمكانية الإقامة تحت حكم المسيحيين ليسدي خدماته بوصفه مترجمًا بين المسلمين والسلطات المسيحية، فإنه يتبنى بصفة كلية رأي ابن ربيع المتعلق باستحالة إتقان العبادات وممارستها كما يجب في إسبانيا المسيحية. بل إن فتوى الونشريسي منقولة كاملة من فتوى ابن ربيع الأندلسي؛ ليس فيما يخص مستنداتها النصية فحسب، وإنما في دلائلها النظرية التي ساقها ابن ربيع، والاستنتاجات والخلاصات التي انتهى إليها أيضًا. إن التساؤل الذي يُطرح في النهاية هو: لماذا لجأ أحمد الونشريسي إلى التراث الفقهي الأندلسي السابق للبحث عن عناصر الإجابة عن قضايا حارقة طُرحت على فقهاء مغرب مطلع القرن السادس عشر الميلادي، من دون أن يأخذ في الحسبان تبدّل الظروف، وتقلّب الأوضاع واختلال ميزان القوى بشبه الجزيرة الإيبيرية. فهل هو "الذهول عن تبدل الأحوال والأجيال بتبدل العصور ومرور الأيام" كما عاب ذلك عبد الرحمن بن خلدون على من سبقه من المؤرخين؟، أم أن فتوى الونشريسي هي إسقاط غير مباشر للوضع بالسواحل

28 نشرها الحسين بوزينب ضمن مقاله بعنوان "أجوبة فقهاء مغاربيين حول هجرة المسلمين من أصل إسباني"، ينظر: 66 - 53. pp , Bouzineb.

29 Miller, pp.  281 - 283.

30 ينظر نصها في: المرجع نفسه، ص 284 - 285. وقد أعدنا نشر فتوى الحفار والمواق في دراستنا، ينظر: الشريف، "تساؤلات حول أصالة فتوى 'أسنى المتاجر'"، ص 161.

31 Van Koningsveld, p. 52.

32 ينظر: الشريف، "تساؤلات حول أصالة فتوى 'أسنى المتاجر'"، ص 159 ‑ 177.

المغربية - المتسم بواقع الاحتلال الإيبيري لسواحل البلاد مع ما استتبع ذلك من نزوع بعض المغاربة للقبول بسيطرة المسيحيين على بلادهم والعيش تحت سيادتهم - على الواقع الأندلسي؟

من حكم الإقامة ببلاد الكفار إلى حكم التعامل مع المحتلين لبلاد المسلمين

إن مجمل الفتاوى السابقة الذكر تتناول قضية مسلمي الأندلس، بيد أن الأمر سيتغير مع مطلع القرن الخامس عشر حينما أضحت السواحل المغربية ومدنها هدفًا للغزوات الإيبيرية، مع ما نتج منها من احتلال لأهم حواضر المغرب على الساحل المتوسطي والساحل الأطلسي. فقد مثل الغزو الإيبيري الذي تزامن مع فترة الضعف المريني والبداية المتعثرة للوطاسيين "منعطفًا خطيرًا في البلاد

المغربية، وأثر بشكل مباشر على البنى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الهشة، كما أحدث هزات في المجتمع المغربي وخلق بلبلة في الأفكار والمعتقدات"، حتى أفضى الأمر إلى تكريس ما أسماه أحمد بوشرب "أزمة الضمير المغربي" خلال القرن السادس عشر. وأمام هذه التطورات، أضحت قضية التعامل مع المحتلين أو مقاطعتهم والجهاد ضدهم من بين القضايا الرئيسة التي شغلت فكر المغاربة وفقهائهم خلال هذه المرحلة، مع ما استتبعها من قضايا مرتبطة بها، من قبيل طبيعة العلاقات التي أصبحت تربط المحتل الأجنبي بسكان المناطق التي احتلها. ولقد ترك عبد العزيز الزياتي فتوى فقهاء المغرب بخصوص بعض هذه القضايا التي طرحت عليهم آنذاك، وقد وردت في السؤال الآتي: "وسئل فقهاء المغرب في حدود الأربعين وألف سنة [1631 م]، والله أعلم، ما نصه: السادة الأعلام، أئمة الإسلام، أبقاكم الله تعالى، والدين بكم ظهور واعتلاء، ودياجي الأشكال بنوركم في الجلاء، جوابكم في مسائل يتعلق بعضها ببعض، حتى كأنها مسألة واحدة مما عمّت بها البلوى، وعظم خطره في الدين، وكثر الاختلاف فيه بين الناس، واحتاج إلى معرفة الحق فيه الخاص والعام، فطلبنا

من سيادتكم الجواب عليها بإيضاح وتقرير يكفي العامة، وتحقيق وتحرير يشفي الخاصة. فاصدعوا، رضي الله عنكم، بما أمرتم به من البيان وعدم الكتمان، وقوموا لله بواجب حقه في بيان دينه وتبليغ ما جاءكم على لسان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأمينه. المسألة الأولى: هذه المدائن والحصون التي بأرض هذه العدوة وأخذها العدو الكافر - دمره الله - من أيدي المسلمين، سواء كانت معمورة قبل أخذها، أم لا. هل قصدُ المسلمين دَفْع الكفار عنها واستنزالهم منها، واسترجاعها إلى ملك الإسلام مطلوب الفعل أم لا؟ المسألة الثانية: إن كان مطلوب الترك، فما دليله وما حكمه؟ وإن كان مطلوب الفعل فما دليله أيضًا وما حكمه؟ وهل يكون فرض كفاية كما هو عام حكم الجهاد، أم فرض عين؟ وعلى الثاني، فعلى من يجب؟ المسألة الثالثة: إذا كان واجبًا، فهل يتوقف وجوبه على وجود الإمام وإذنه، أم لا؟ المسألة الرابعة: هل يجوز بيع الطعام للحربيين من الكفار أو ما فيه إعانة على قتال المسلمين من سلاح وغيره من آلة الحرب أم لا؟

33 اعتبرت الباحثة الأميركية جاكلين هندركسون إحدى فتاوى الونشريسي المتضمنة في كتاب الجواهر المختارة للزياتي (تسميها "الفتوى البربرية")، التي أجاب فيها عن

سؤال متعلق بوضعية المغاربة الذين يعيشون في المناطق التي احتلها البرتغاليون، مسودة لفتواه الشهيرة "أسنى المتاجر". ينظر:

Jacelyn Hendrickson, "Muslim Legal Responses to Portuguese Occupation in Late Fifteenth‑Century North Africa," Journal of Spanish Cultural Studies (2012), p. 321 , accessed on 21 / 12 / 2020 , at: https://bit.ly/ 37 HZxwG

34 أحمد بوشرب، "أزمة الضمير المغربي خلال القرن السادس عشر"، مجلة كلية الآداب فاس، عدد خاص بشعبة التاريخ (1985)، ص 67 - 97. وقد أعاد نشره، ينظر:

أحمد بوشرب، "النتائج السوسيو ثقافية للغزو البرتغالي لسواحل المغرب"، في: وثائق ودراسات عن الغزو البرتغالي ونتائجه (الرباط: دار الأمان، 1997)، ص 63 - 89. 35 اليوبي، ص 176.

المسألة الخامسة: إذا احتاج أهل مصر أو إقليم من المسلمين لشراء الطعام من بلاد الكفار الحربيين لمجاعة وقعت بهم بالدنانير والدراهم، هل يسوغ ذلك أم لا؟ جوابًا شافيًا ولكم الأجر والسلام". وسنقتصر في هذه الدراسة على فتاوى فقيه واحد وهو أبو الحسن علي بن عبد الله بن برطال (ت. في مطلع القرن 10 ه/ 16 م):

الفقيه عيل بن عبد الله بن برطال

لا نكاد نعرف شيئًا يذكر حول هذا الفقيه. فالزياتي يورد في الجواهر المختارة ثلاثًا من فتاواه. وقد عرفه في الفتوى الأولى كما يأتي: "أبو الحسن علي بن عبد الله"، قبل أن يضيف مشككًا في كُنيته قائلً: "وأظنه المعروف بابن برطال". وقد أكد الزياتي ذلك، أما في الفتوى الثانية فيورد الاسم الذي اشتهر به هذا الفقيه، وهو "ابن برطال" حينما قال: "وسئل الفقيه أبو الحسن علي بن عبد الله بن برطال". وأما في الفتوى الثالثة، فقد أورد اسمه كاملً: "الفقيه أبو الحسن علي بن عبد الله بن علي الأغصاوي"، ومع ذلك، لم يتأكد الزياتي من كنيته الحقيقية، وأبقى صيغة الشك التي وردت في الفتوى الأولى. في حين نجد الوزاني يثبت اسمه كما يأتي: "أبو الحسن علي بن عبد الله الأنصاري". ونجد نسبة "الأنصاري" فيما كتبه اليوبي في أطروحته: "الفتاوى الفقهية في أهم القضايا من عهد السعديين إلى ما قبل الحماية"، قبل أن يضيف أنه يعرف بابن قرطال. وقد أحال اليوبي على شجرة النور الزكية لمحمد بن محمد بن مخلوف، وفيها نجد ترجمة علَم آخر، وهو أبو الحسن علي بن عبد الله الأنصاري القرطبي (ت. 651 ه). والأمر لا يتعلق بتصحيف في الاسم، وإنما يستحيل أن يكون "ابن برطال" هو ذاته "ابن قرطال"، نظرًا إلى اختلاف العصر الذي عاش فيه العلَمان. وقد اختلط الأمر على المستشرق الهولندي بيتر فان ورفيقه جيرار فايخر أيضًا، وذلك حينما اعتقدا أن ابن برطال الوارد ذكره في الجواهر المختارة هو عالم أندلسي معاصر للفقيه ابن ربيع الأندلسي (ت. 719 ه/ 1319 م)، ولابن الفخار الجذامي (ت. 723 ه/ 1323 م). ولا يمكن أن يكون ابن برطال (أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد) الذي أورد ترجمته ابن الخطيب في الإحاطة في أخبار غرناطة هو ابن برطال الذي يذكره الزياتي في الجواهر المختارة، بصدد إجابته عن أسئلة تخص مغرب القرن العاشر الهجري. ويبقى ابن برطال من العلماء المغمورين الذين يحيف بهم خمول الذكر وخفاء المنزلة، فلم تخصص له كتب التراجم أي ترجمة، وما نجده من معلومات عنه قد ورد عرضًا في دوحة الناشر لمحاسن من كان بالمغرب من مشايخ القرن العاشر لابن عسكر.(ت 986 ه/ 1578 م) في معرض ترجمته لعلماء مشهورين بغمارة في القرن العاشر الهجري، وعلى رأسهم موسى بن العقدة الأغصاوي

36 عبد العزيز الزياتي، "الجواهر المختارة مما وقفت عليه من النوازل بجبال غمارة"، ج 2، فتاوى الجهاد، مخطوط المكتبة العامة والمحفوظات بتطوان، رقم 178، ص

242 - 243. وتوجد نسخ مخطوطة أخرى من الجواهر المختارة في عدد من المكتبات العمومية ولدى الخواص. ينظر: محمد الشريف، "ملاحظات حول كتاب 'الجواهر

المختارة' لعبد العزيز الزياتي ونسخه المخطوطة"، في: أبحاث في الكتاب العربي المخطوط، ص 157 - 195. 37 أبو عيسى محمد المهدي الوزاني، النوازل الصغرى المسماة المنح السامية في النوازل الفقهية، ج 1 (الرباط: منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1992 - 1993)،

ص 419. 38 اليوبي. 39 المرجع نفسه، ص 212 (هامش 2.)

40 Van Koningsveld & Wiegers, p. 38.

.(ت 911 ه/ 1506 م). ويخبرنا ابن عسكر أن الأغصاوي "أخذ عن المشايخ الكبار مثل القوري والعبدوسي والمواسي وغيرهم "، ثم يضيف: "ولقد لقيت كثيرًا ممن لقيه، وهو معاصر للشيخ الورياغلي وابن برطال، رحمة الله عليهم ". ونجد المعطيات نفسها عند الكتاني في سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس الذي أورد معلومات إضافية عن موسى بن العقدة، لكنه لم يضف شيئًا بخصوص ابن برطال. ونرجح أن يكون ابن برطال من أحد فقهاء غمارة المغمورين، ولا يستبعد أن يكون قد تفقّه على يد علماء فاس بجامعة القرويين. قبل أن نتطرق إلى خصوصية فتاوى الفقيه ابن برطال، نشير إلى أن النقاش لم يقتصر على قضية الجهاد ضد المحتلين ومدى توقفه على إذن الأمير، ولا على قضية التعامل التجاري مع المحتلين، بل هناك قضايا أخرى دار حولها نقاش الفقهاء، ونجد له صدى في كتب النوازل، وهي قضايا متعلقة بالمغاربة المسلمين الذين ظلوا مقيمين في الأراضي التي استولى عليها الغزاة الإيبيريون، ويمكن إجمالها في النقط الآتية: حكم الإقامة بالأراضي المحتلة: "اتسمت مواقف الفقهاء الذين عاصروا الاحتلال البرتغالي والإسباني للسواحل المغربية بالحزم والصرامة في موضوع الإقامة بالمناطق المحتلة، فدعوا السكان إلى هجرتها، وأدانوا المقيمين باختيارهم إدانة شديدة، فأسقطوا شهادتهم وإمامتهم، وبلغت بعض الفتاوى حد تكفيرهم وإباحة دمائهم وأموالهم"، إلا أن ابن برطال لم ينهج منهج التشدد مع هؤلاء المضطرين إلى الإقامة تحت سلطة المسيحيين، واعتبر قعودهم حينًا "فعلً مكروهًا" في استيطانهم ببلد يمكن الكافر فيه قهرهم وغلبتهم، واعتبرهم حينًا آخر "عصاة لله بقعودهم تحت الذلة". تجسس المسلمين لصالح العدو: تفيد المصادر أن "أسلوب الجاسوسية كان من أهم الأساليب التي اعتمدها البرتغاليون، والتي ساعدتهم على الاحتلال، إذ كانوا يغرون بالأموال والهدايا جواسيس مغاربة من مختلف الطبقات والهيئات، لتزويدهم بالأخبار التي تهمهم. وقد شكلت ظاهرة التجسس عقبة من العقبات التي عرقلت حركات الجهاد ضد المحتل الأجنبي [...] وقد حارب الفقهاء

41 أبو عبد الله محمد بن قاسم القوري، ترجمته في: أحمد بن القاضي المكناسي، درة الحجال في غرة أسماء الرجال، حققه وعلق عليه مصطفى عبد القادر عطا (بيروت:

دار الكتب العلمية، 2002)، ص 279، ترجمة 832؛ أحمد ابن القاضي المكناسي، جذوة الاقتباس في ذكر من حل من الأعلام مدينة فاس، ج 1 (الرباط: دار المنصور

للطباعة والوراقة، 1973)، ص 319، ترجمة 329؛ أحمد بابا التنبكتي، نيل الابتهاج بتطريز الديباج، تحقيق علي عمر، ج 2 (القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 2004)، ص

233 - 235، ترجمة 672؛ محمد بن جعفر الكتاني، سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بمدينة فاس (الدار البيضاء: دار الثقافة، 2004)،

ج 2، ص 130 - 131، ترجمة 540. 42 أبو محمد عبد الله بن محمد بن موسى العبدوسي (ت. 849 ه/ 1488 م)، ينظر ترجمته ومصادرها في: عبد الله بن محمد بن موسى  العبدوسي، أجوبة العبدوسي، دراسة

وتوثيق هشام المحمدي (الرباط: منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 2015)، ص 13 - 21. 43 أبو موسى عيسى بن أحمد البطوي المواسي: فقيه مفتي وخطيب القرويين (ت. 896 ه/ 1491 م). ترجمته في: المكناسي، جذوة الاقتباس، ج 2، ص 502، ترجمة 575؛

المكناسي، درة الحجال، ص 378، ترجمة 1180؛ التنبكتي، ج  1، ص  335، ترجمة 370. 44 عبد الله الورياغلي (ت. 894 ه/ 1491 م). 45 محمد بن عسكر الحسني الشفشاوني، دوحة الناشر لمحاسن من كان بالمغرب من مشايخ القرن العاشر، تحقيق محمد حجي، ط 2 (الدار البيضاء: مركز التراث

الثقافي المغربي، 2003)، ص 37 ترجمة 17. 46 الكتاني، ج 3، ص 109. 47 تعالج فتاوى ابن برطال هذه القضايا تحديدًا، كما سنرى. وينظر كذلك:

Hendrickson, "Muslim Legal Responses to Portuguese," pp. 309 - 325 ; Mezzine, "Les relations entre les places occupées," p. 540.

48 اليوبي، ص 199 وما بعدها. 49 المرجع نفسه، ص 206، وينظر كذلك: 77. p ," Jbala pays au Jihad , " Mezzine. 50 الزياتي، ص 262 (الفتوى الأولى ضمن الملحق.)

ظاهرة التجسس بشدة وصرامة، واتفقت الفتاوى التي أصدروها في هذا الباب على حكم واحد لا خلاف فيه هو قتل كل من ثبت عليه أنه يتجسس لصالح المحتلين الأجانب من البرتغاليين أو الإسبان". ولم تخرج فتوى ابن  برطال عن هذا الإطار؛ إذ يقول: "وأما الذين يتجسسون على المسلمين، فالمشهور أن دم الجاسوس مباح، وأنه يقتل ويكون قاتله مأجورًا". ويضيف موضحًا بخصوص

"أقوام ينقلون خبر المسلمين للنصارى ويخبرونهم بعوراتهم، ويسعون معهم فيما يضر المسلمين"، ف "هؤلاء القوم يستحقون العقوبة العظيمة. واختلف في عقوبتهم على خمسة أقوال: المشهور منها ما ذهب إليه ابن القاسم وسحنون أن عقوبة من فعل ذلك القتل من غير استتابة". حكم المحاربين مع المحتل: "من الظواهر التي أفرزها الاحتلال الأجنبي للأراضي المغربية اضطرار بعض القبائل إلى التحالف مع المحتل ومؤازرته في الغارات التي كان يشنها على السكان [...] وقد شكلت هذه الظاهرة المخزية عقبة أمام المجاهدين الذين وجدوا أنفسهم مضطرين إلى محاربة العدو البرتغالي من جهة، ومحاربة القبائل المتحالفة معه من جهة ثانية، مما تطلب منهم جهودًا مضنية". وأفتى ابن برطال بخصوص "من أشهر السلاح مع النصارى ويأتي في عسكرهم" بكونه "قد مرق من الدين، فحكمه حكم النصارى في دمه وماله". الصلح مع المحتل: إن أغلب الفتاوى التي تضعها بين أيدينا كتب النوازل في هذا الموضوع تميل إلى القول بمنع انعقاد الصلح بين الجانب المغربي وجانب المحتلين من البرتغاليين والإسبان. "وصنف الفقيه ابن خجو عقد الهدنة أو الصلح مع الكافر ضمن البدع المحرمة". وأفتى ابن برطال في قوم صالحوا العدو القريب من أرضهم وأقاموا ببلادهم على وجه تأييده وتأدية المغرم له، بأن ذلك لا يجوز؛ "إذ لا يحل للمسلم أن يعقد الصلح مع الكفار على أن يغرم لهم باتفاق في مذهب مالك، ومن فعل ذلك كان عاصيًا لله تعالى

ومخالفًا لرسوله صلى الله عليه وسلم"، ودعا ابن برطال إلى "زجرهم عن فعلهم حتى يرجعوا عنه". ويتشدد ابن برطال مع المخالفين الذين لم ينزجروا فيدعو إلى نبذهم من المجتمع؛ إذ "لا يحل لكم إن تولوا بهم، ولا أن تشهدوا لهم، ولا تصلوا على جنائزهم، ولا تتعرضوا لمسائلهم، إلا أن يرجعوا عن فعلهم المذموم وعن رذالتهم الخسيسة". التجارة مع العدو: أفتى ابن برطال بتحريمها: "لا يحل لمسلم أن يبيع ولا يشتري من النصارى، فيتقوون بذلك على المسلمين ". ويضيف موضحًا: "وكذلك كنتم عرفتمونا أنهم يغرمون على النصارى يتبايعون معهم ويحملون لهم ما ينتفعون به، وجاوبناكم أنه لا

يحل لمسلم أن يحمل للنصارى مما يتقوّوْن به على المسلمين، ولا يسوغ لهم أن يبيع لهم ولا أن يشتري منهم بموضع تناله فيه الذلة

منهم، كبلادكم، لأن الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه. وكان من حق أهل تلك الأوطان الصبر لدينهم حتى يقع الإياس من نصرة ترجى".

51 اليوبي، ص 228؛ وكذلك: 551. p ," places les entre relations Les , " Mezzine. 52 الزياتي، ص 262 (الفتوى الأولى ضمن الملحق.) 53 المرجع نفسه، ص 264 (الفتوى الثالثة ضمن الملحق.) 54 المرجع نفسه، ص 229 - 230. 55 المرجع نفسه، ص 262 (الفتوى الأولى ضمن الملحق.) 56 المرجع نفسه، ص 239 - 240. 57 المرجع نفسه، ص 261. 58 المرجع نفسه، ص 262 (الفتوى الأولى ضمن الملحق.) 59 المرجع نفسه، ص 264 (الفتوى الثالثة ضمن الملحق.) 60 المرجع نفسه. 61 المرجع نفسه.

بنية فتاوى الفقيه ابن برطال ومحتواها

نبّهه إلى أنه قد أجابه عن سؤاله، وبعثه له مباشرة بعد وصوله إليه أول مرة.

يسوغ لهم أن يبيع لهم ولا أن يشتري منهم بموضع تناله فيه الذلة منهم، كبلادكم، لأن الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه".

سلطتهم. وتصف الفتويان الثانية والثالثة المسلمين الذين يقيمون في منطقة الحدود بين المسلمين والمسيحيين.

أولئك الذين يتجسسون على المسلمين لصالح المسيحيين. ӵ أولئك الذين يتاجرون معهم. ӵ أولئك الذين يحاربون معهم المسلمين. ӵ أولئك الذين يؤدون لهم المغارم فقط. أولئك الذين أعفاهم المسيحيون من أداء الخراج، نحو الطلبة والمؤذنين. ويريد المستفتي أن يعرف "حكم الله في دمائهم وأموالهم وإمامتهم وشهادتهم".

حتى يرجعوا عنه".

62 المرجع نفسه. 63 المرجع نفسه. 64 المرجع نفسه. 65 المرجع نفسه.

تكتسي فتاوى ابن برطال الثلاث بنية متشابهة، وتعالج مجمل القضايا السابقة. ويجيب ابن برطال عن تساؤلات المستفتي نفسه، وإنْ كان الزياتي لم يورد هذه الفتاوى متصلة وفي موضع واحد، وإنما أثبتها في مكانين منفصلين من مؤلفه. بل إن مضمون الفتوى

الثانية والثالثة يكاد يكون متشابهًا. ولدينا ما يدل على أن ابن برطال قد أعاد الجواب عن سؤال الفتوى الثانية؛ إذ يشير في نهاية الفتوى

الثالثة إلى أنه قد أجاب المستفتي عن سؤاله وبعثه له حال توصله به: "وقد جاوبناكم قبل هذا بفور بلوغ سؤالكم وبعثناه لكم فلم يقدر وصوله"، ويبدو أن المستفتي قد أعاد سؤاله إلى ابن  برطال بصيغة مختلفة شيئًا ما، حين لم يصله جوابه الأول. ويبدو أن القضية

كانت ملحّة جدًّا، لأن المستفتي استعجل جواب المفتي؛ بحيث طرح سؤالين وأعقبهما بسؤالين آخرين، على الرغم من أن ابن برطال

ويبدو أن المستفتي كان من الفقهاء الذين يعيشون تحت سلطة المسيحيين في إحدى المناطق الشمالية التي يحتلها الإيبيريون،

وقد يكون من مدينة أصيلا، بدليل ما ورود "جبل الحبيب"، فضلً عن تعلّق الأمر بفتوى تخص رجلً من مدينة أصيلا في فتوى ابن برطال، وكذلك ما يستشف من كلامه الآتي: "وجاوبناكم أنه لا يحل لمسلم أن يحمل للنصارى مما يتقوّوْن به على المسلمين، ولا

وكيفما كان الحال، فإن الفتوى الأولى تختلف عن الثانية في أنها تصف المسلمين الذين قبلوا العيش في كنف المسيحيين وتحت

في الفتوى الأولى سُئل ابن برطال عن مجموعة من المسلمين استولى المسيحيون على أراضيهم، ورضوا باتفاقية تلزم هؤلاء

المسلمين بأداء غرامة لأسيادهم المسيحيين. وقد قسم المستفتي هؤلاء المسلمين إلى خمسة أصناف بحسب علاقة كل صنف بالمسيحيين:

تبتدئ فتوى ابن برطال بتقرير شديد اللهجة بخصوص القوم الذين عقدوا الصلح مع المسيحيين، والذين يدفعون لهم غرامة؛

فهم بحسب جواب ابن برطال "قوم فساق عصاة لله تعالى، ومخالفون لسنة رسوله"، ويضيف ابن برطال في فتواه الثالثة قائلً: "لا

يحل للمسلم أن يعقد الصلح مع الكفار على أن يغرم لهم باتفاق في مذهب مالك، ومن فعل ذلك فهو عاصٍ، ودعا إلى زجرهم عن فعلهم

بعد ذلك، يستعرض كل صنف من الأصناف الأخرى، مبتدئًا بمن التزم داره ولم يتاجر مع المسيحيين، إلا أنه يؤدي لهم الغرامة؛ فهو في نظر ابن برطال: "عاص لله بغرامته وقعوده تحت الذلة". وهؤلاء "لا تجوز شهادتهم ولا تصحّ إمامتهم". غير أن هذا القسم "لا

يحلّ ماله لأحد، ولا يباح دمه". أما بخصوص الذين يتجسسون، ف "المشهور أن دم الجاسوس مباح، وأنه يقتل ويكون قاتله مأجورًا". وهذا الحكم يقتضي أن

هذا الصنف من المسلمين يحل ماله ودمه، ولا تجوز شهادته ولا تصح إمامته. أما القسم الثالث، وهو المكون من الذين أشهروا السلاح مع المسيحيين ويأتون في عسكرهم، ف "قد مرق من الدين، فحكمه حكم النصارى في دمه وماله". وهذا يعني أن هذا القسم مرتد ويحل دمه وماله. القسم الرابع هم الذين يؤدون المغرم للكفار لكنهم لا يتجسسون على المسلمين. "وأما من صار يتسوق عندهم فهو فاسق، وهو في الإثم أقوى ممن ألزم نفسه داره". وأخيرًا، يتطرق ابن برطال إلى الطلبة والمؤذنين الذين يعتبر حالتهم أخطر من سابقيهم؛ إذ يقول: "وهم أعظم وزرًا من غيرهم"،

لأنهم يمثلون القدوة لغيرهم. ويعتبر ابن برطال أنّ هؤلاء "طلبة سوء ومؤذنو سوء، لا تقبل شهادتهم ولا تجوز إمامتهم"، وتجب

عليهم "التوبة بعد رحيلهم من تلك البلاد التي غلب عليها الكفرة". وفي الفتويين الثانية والثالثة، يجيب ابن برطال عن سؤال المستفتي المجهول، حول حكم ثلاثة أقسام من المسلمين تباينت أشكال علاقتهم بالمسيحيين؛ إذ يتعلق الأمر بمسلمين "سكنوا بأوطانهم والنصارى يجاورونهم"، أي يعيشون مجاورين للمسيحيين، وليسوا تحت سلطتهم المباشرة. القسم الأول: هم "أهل فتنة وحرب مع الكفار، كأهل جبل حبيب". وقد تكرر السؤال بصيغة أوضح في الفتوى الثالثة التي تتحدث عن "قسم سكنوا على الفتنة مع النصارى، ويحرثون في أطراف بلاد الصلح على وجه السرقة، إذ العدو لا يعرف حدود البلاد ولا أين حرثهم". وقد يكون هذا الصلح المذكور قد أبرم بين الوطاسيين والبرتغاليين بخصوص إحدى المدن الساحلية المغربية بالشمال، أو قد يكون صلحًا أبرمته السلطات المحلية مع البرتغاليين المحتلين للسواحل المغربية. القسم الثاني: الذين عقدوا صلحًا مع المسيحيين لكن "نيتهم أنهم لا يؤدون مغرمًا، لأن النصارى كانوا أخروهم بالغرم إلى شهر

أكتوبر". في الصيغة الأولى من السؤال نعلم أن هذا القسم من المسلمين كان ينوي الفرار إلى بلاد المسلمين، إن طُولب بأداء المغرم

66 المرجع نفسه. 67 المرجع نفسه، ص 262 (الفتوى الأولى ضمن الملحق.) 68 المرجع نفسه. 69 المرجع نفسه. 70 المرجع نفسه. 71 المرجع نفسه. 72 المرجع نفسه. 73 المرجع نفسه، ص 264 (الفتوى الثالثة ضمن الملحق.) 74 المرجع نفسه. 75 المرجع نفسه. 76 المرجع نفسه.

أن لا يغيثوهم فيرحلون إليهم". القسم الثالث: "نيتهم أن يسكنوا بلادهم ويغرموا النصارى ما بقيت الدنيا".

المسيحيين وفضّل أن يبقى تحت سلطتهم وأن يؤدي لهم المغرم.

عبادة ما أعظمها عبادة، ف ﴿يَا لَيتَنِي كُنتُ معَهُمْ فأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 73 ").

فيه قهره وغلبته، غير أن هذا الثلث إن وفّ ما عاهدت عليه نيته فإنه من الناجين إن شاء الله".

ما ذهب إليها ابن القاسم وسحنون، أنه يقتل من غير استتابة".

الخمسة الأخرى.

ابن برطال السابق الخاص بأولئك الذين يتجسسون على المسلمين أو يحاربونهم.

77 المرجع نفسه. 78 المرجع نفسه. 79 المرجع نفسه. 80 المرجع نفسه. 81 المرجع نفسه. 82 المرجع نفسه. 83 المرجع نفسه.

للمسيحيين. أما في الصيغة الثانية، فيقول السائل إنّ هذا القسم ينتظر "أن يغيثهم المسلمون فيكونون هم الأولون في الجهاد، وإما

يفتتح ابن برطال فتواه بالتنصيص على أن "المسألة الأولى الهائلة، التي هول بها لو عاش الإسلام وطمست بها عيون الليالي والأيام". ويشرع في الإجابة عن صيغتَي السؤال؛ القسم الأول المنخرط في الجهاد، والقسم الثاني المتعلق بمن عقد الصلح مع

القسم الأول الرافع للواء الجهاد هم "المسلمون المشفعون بإسلامهم الذين يجب علينا التبرك بغبار أقدامهم، فإنهم في عبادة

عظيمة، ف ﴿يَا لَيتَنِي كُنتُ معَهُمْ فأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 73 "). هذا الاقتباس من الفتوى الثانية نجده مكررًا في الفتوى الثالثة

بهذه الصيغة: "الجواب عن المسألة الهائلة التي ثلث بها أركان الإسلام، وطمست بها أعين الليالي والأيام، أن الثلث الساكن على مجاهدة العدو والتأهب لجهادهم وانتظار غاراتهم، هم المسلمون المشفعون بإسلامهم الذين يجب علينا التبرك بغبار أقدامهم، فإنهم في

"وأما الثلث الثاني الذي عقد نيتهم أنهم إن اضطروا على الغرامة يفر بنفسه، فقد فعل فعلً مكروهًا في استيطانه ببلد يمكن الكافر

"وأما القسم الثالث فبئس الثلث، لأنه خسر دينه ودنياه وخالف ما أمر به مولاه، فهؤلاء يستحقون العقوبة العظيمة، المشهور منها

في هذه الصيغة من الفتوى، يقصد ابن برطال الثلث الأخير الذي وصف في السؤال بكونه يعيش تحت حكم المسيحيين ويؤدي لهم الضريبة، ويصفهم بأنهم مارقون وخارجون عن الملة يستحقون القتل. وهذا الحكم لا يتسق مع الجواب السابق لهذا الفقيه في فتواه الأولى التي وصف فيها جماعة مشابهة توصف بكونها جماعة بقيت تحت حكم المسيحيين وبكونها الأقل إثمًا من بين الأصناف

في الجواب السابق، كان ابن برطال قد أبطل شهادتهم وإمامتهم، ولكنه لم يستبح دمهم وأملاكهم. بينما الجواب هنا يشبه قرار

بالنسبة إلى الثلث الثالث، فهو الثلث الأخطر؛ لأنه فقد دينه ودنياه، وداس على سنة نبيه، لأنه من المحظور على المسلم أن يعقد صلحًا مع الكفار ينص على أن يؤدي لهم غرامة، وذلك باتفاق المذهب المالكي: "فمن فعل ذلك كان عاصيًا لله تعالى ومخالفًا لرسوله

صلى الله عليه وسلم. والواجب عليكم وعلى سادتنا المستوطنين هنالكم، أن يعرّفوا هذا الثلث بخطئه، وأن يزجروا أهل الحل والعقد

من ذلك الثلث جهدهم"، "فإن خالفوا فاهجروهم، ولا يحل لكم أن تولوا بهم، ولا أن تشهدوا لهم، ولا تصلوا على جنائزهم، ولا تتعرضوا لمسائلهم، إلا أن يرجعوا عن فعلهم المذموم وعن رذالتهم الخسيسة". وفي الفتوى الأخيرة، يجيب ابن برطال عن سؤال متعلق بمسألة مختلفة متعلقة برجل من أصيلا أُسر في الحرب، وكان على الرجل دَين، ويريد المستفتي أن يعرف إن كان المال الذي تركه الأسير يمكن أن يستعمل لأداء فديته، أو أنه يجب تسديد الديون التي عليه أولً. وقد أفتى ابن برطال أن مال الرجل ينبغي أن يصرف لتسديد دينه. ويقدم معلومات حول الطريقة التي ينبغي بها تسديد ديونه. ويبدو أن ابن برطال لم يعتبر قضية هذا الرجل مستعجلة كما هي قضية المسلمين الذين يجاورون المسيحيين ويعيشون على حدودهم؛ لأن هذه القضية ليست واردة في الفتوى الثانية لابن برطال. ولعل ابن برطال أجاب بسرعة عن السؤال الأول، وكان يستعد للجواب عن

قضية رجل أصيلا حينما وصلته الصيغة الثانية من السؤال واضطر إلى إعادة صياغة الجواب كامل. خلاصة القول إنّ هذه الفتاوى الثلاث لابن برطال تقدم معطيات تاريخية وفقهية غنية، إضافة إلى أجوبته الفقهية التي كانت تهدف إلى تحسيس الرأي العام بمخاطر التعامل مع المحتلين الإيبيريين، وتوعية المجتمع بأحكام الشريعة الإسلامية في المسائل المتعلقة بأوضاع المقيمين بالأراضي المحتلة وعلاقاتهم بالمحتل، كما تقدم صورة عن إسهام العلماء والفقهاء المغاربة في معالجة قضية العلاقة بين المغاربة والمحتلين الإيبيريين في القرنين السادس عشر والسابع عشر. وما يمكن استنتاجه من خلال الفتاوى الثلاث، لابن برطال، هو أن مسألة معرفة ما كانت تمثله الحياة حقيقة تحت سلطة المسيحيين لم تكن محسومة في هذه الفترة، وأن هذه الوضعية قد انضافت إلى تعقيدات مجموع من القضايا الشرعية الصعبة المتعلقة بالعلاقات الإسلامية المسيحية بالمغرب في العصر الحديث.

نصوص فتاوى ابن برطال مستخرجة من "الجواهر المختارة" لعبد العزيز الزياتي

(مخطوط المكتبة العامة والمحفوظات بتطوان رقم 178) [الفتوى الأولى] "وسئل الفقيه أبو الحسن علي بن عبد الله، وأظنه المعروف بابن برطال، رحمه الله، عن حكم أناس اصطلحوا مع النصارى على أن يغرموا لهم مالً، وتركوهم ببلادهم مقيمين، وصاروا معهم على فرق، فمنهم من يتجسس على المسلمين وينقل إليهم أخبارهم، ومنهم من يتسوق عند النصارى، ومنهم من صار يقاتل عليهم ويخرج للقتال مع عساكر النصارى، ويمنع المسلمين من الوصول إلى حدودهم، ومنهم من يؤدي المغرم فقط ولا يفعل شيئًا مما ذكر، ومنهم طائفة أسقط العدو عنهم الخراج، كالطلبة والمؤذنين. ما حكم الله في دمائهم وأموالهم وإمامتهم وشهادتهم؟ وما يخص كل فريق من هؤلاء الفرق؟ جوابًا شافيًا.

84 المرجع نفسه. 85 المرجع نفسه.

86 Hendrickson, "The Islamic Obligation to Emigrate," pp. 130 - 131.

87 الزياتي، ص 262. 88 في بعض النسخ من المخطوط: "عدوهم."

فأجاب: القوم الذين عقدوا الصلح مع النصارى، دمرهم الله تعالى، على أن يغرموا لهم، قوم فساق عصاة لله تعالى، ومخالفون لسنة رسوله. فأما من التزم داره فلم يقدم عليهم لتجارة ولا لغيرها، إلا أنه يغرم لهم، فهو عاص لله بغرامته وقعوده تحت الذلة. فلا تجوز شهادته ولا تصحّ إمامته. غير أن حالته أخف من حال من هو يأتي إليهم، ويستعمل نفسه في مصالحهم. وحكم هذا القسم

أنه لا يحلّ ماله لأحد، ولا يباح دمه. وأما الذين يتجسسون على المسلمين، فالمشهور أن دم الجاسوس مباح، وأنه يقتل ويكون قاتله مأجورًا. وأما من أشهر السلاح مع النصارى ويأتي في عسكرهم، فهذا القسم قد مرق من الدين، فحكمه حكم النصارى في دمه وماله.

وأما من صار يتسوق عندهم فهو فاسق، وهو في الإثم أقوى ممن ألزم نفسه داره. وأما الطلبة والمؤذنون الذين رضوا بالقعود تحت ذمة النصارى، دمرهم الله، فهم طلبة سوء ومؤذنو سوء، لا تقبل شهادتهم ولا تجوز إمامتهم، وهم أعظم وزرًا من غيرهم، لأنهم يُقتدى بهم، فتجب عليهم التوبة بعد رحيلهم من تلك البلاد التي غلب عليها الكفرة.

وبالله التوفيق، انتهى من بعض التقاييد. [الفتوى الثانية] وسئل الفقيه أبو الحسن علي بن عبد الله بن برطال، رحمه الله، عن حكم أناس سكنوا بأوطانهم والنصارى يجاورونهم، وهم على ثلاثة أقسام: قسم أهل فتنة وحرب مع الكفار، كأهل جبل حبيب. وقسم، لما انعقد الصلح مع النصارى، ضربوا لهم أجلً، ونيتهم أنهم لا يغرمون لهم مالً، فإن هم طولبوا به فروا إلى بلاد الإسلام. ما حكم سكناهم في بلادهم مع هذه البينة؟ وقسم نيتهم أن يسكنوا بلادهم ويغرموا النصارى ما بقيت الدنيا. بينوا لنا حكم هذه الأقسام. فأجاب: الجواب عن المسألة الأولى الهائلة، التي هول بها لو عاش الإسلام وطمست بها عيون الليالي والأيام، أن الثلث الأول هو المسلمون المشفعون بإسلامهم الذين يجب علينا التبرك بغبار أقدامهم، فإنهم في عبادة عظيمة، فيا ليتني كنت معهم فأفوز فوزًا عظيمًا. وأما الثلث الثاني الذي عقد نيتهم أنهم إن اضطروا على الغرامة يفر بنفسه، فقد فعل فعلً مكروهًا في استيطانه ببلد يمكن الكافر

فيه قهره وغلبته، غير أن هذا الثلث إن وفى ما عاهدت عليه نيته فإنه من الناجين إن شاء الله، إنه غرّ وسلم. وأما الثلث الثالث فبئس الثلث، لأنه خسر دينه ودنياه وخالف ما أمر به مولاه، فهؤلاء يستحقون العقوبة العظيمة. واختلف في عقوبتهم على خمسة أقوال: المشهور منها ما ذهب إليها ابن القاسم وسحنون، أنه يقتل من غير استتابة، عافانا الله من هذه المصيبة. فبينما المسلم حرام الدم، وإذا به يصير نفسه حلال الدم. وكذلك لا يحل لمسلم أن يبيع ولا يشتري من النصارى، فيتقوون بذلك على المسلمين. وكان يجب على أهل الأوطان الصبر على ما أصابهم حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولً. انتهى من التقييد المذكور أيضًا. [الفتوى الثالثة] وسئل الفقيه أبو الحسن علي بن عبد الله بن علي الأغصاوي، وأظنه المعروف بابن برطال، رحمه الله، عن أناس بلادهم قريبة من النصارى، وحالهم في السكن فيها على أقسام: قسم سكنوا على الفتنة مع النصارى ويحرثون في أطراف بلاد الصلح على وجه السرقة، إذ

89 في بعض النسخ من المخطوط: "يتردد." 90 الزياتي، ص 263. 91 المرجع نفسه، ص 264.

العدو لا يعرف حدود البلاد ولا أين حرثهم. وقسم صالحوا، ولكن نيتهم أنهم لا يؤدون مغرمًا، لأن النصارى كانوا أخروهم بالغرم إلى

شهر أكتوبر، وحينئذ يؤدونه لهم، فأضمروا في أنفسهم أنهم يسكنون في بلادهم إلى ذلك الأجل، فإما أن يغيثهم المسلمون فيكونون هم الأولون في الجهاد، وإما أن لا يغيثوهم فيرحلون إليهم. فما حكم الله في أصحاب هذا القسم؟ وقسم صالحوا ونيتهم السكنى على وجه التأبيد وتأدية المغرم كذلك، فما حكم الله على هذا الوجه المذكور؟ [حكم رجل عليه دين وأُسِ] ومسألة أخرى، رجل من أهل أصيلا، أعادها الله تعالى للإسلام، ترتب عليه دين لرجل، ثم أسره العدو وله هنا مال، فهل يقتضي رب الدين من هذا المال دينه أم يفدى الأسير أولً؟ بينوا لنا ذلك. فأجاب: الجواب عن المسألة الهائلة التي ثلث بها أركان الإسلام، وطمست بها أعين الليالي والأيام، أن الثلث الساكن على مجاهدة العدو والتأهب لجهادهم وانتظار غاراتهم، هم المسلمون المشفعون بإسلامهم الذين يجب علينا التبرك بغبار أقدامهم، فإنهم في عبادة ما أعظمها عبادة، فيا ليتني كنت معهم فأفوز فوزًا عظيمًا. وأما الثلث الثاني الساكن بنية أنه إن أضغطه العدو على الغرامة يفر، فقد فعل مكروهًا في استيطانه ببلد يمكن العدو فيها قهره وغلبته واستئصال الأهل والأموال، غير أن هذا الثلث إن وفى بما عقد عليه بنيته، فإنه من الناجين إن شاء الله تعالى، إذا قطع الغروم عليهم رأسًا، لأنه غرّ وسلم. وأما الثلث الثالث، فبئس الثلث، لأنه خسر دينه ودنياه، وخالف ما أمر به مولاه، إذ لا يحل لمسلم أن يعقد الصلح مع الكفار على أن يغرم لهم، باتفاق في مذهب مالك. فمن فعل ذلك كان عاصيًا لله تعالى ومخالفًا لرسوله صلى الله عليه وسلم. والواجب عليكم

وعلى سادتنا المستوطنين هنالكم، أن يعرّفوا هذا الثلث بخطئه، وأن يزجروا أهل الحل والعقد من ذلك الثلث جهدهم. فإن خالفوا

فاهجروهم، ولا يحل لكم أن تولوا بهم، ولا أن تشهدوا لهم، ولا تصلوا على جنائزهم، ولا تتعرضوا لمسائلهم، إلا أن يرجعوا عن فعلهم المذموم وعن رذالتهم الخسيسة. وكنتم عرفتمونا في سؤالكم قبل هذا، أن القسم الثالث منهم أقوام ينقلون خبر المسلمين للنصارى ويخبرونهم بعوراتهم، ويسعون معهم فيما يضر المسلمين، فهؤلاء القوم يستحقون العقوبة العظيمة. واختلف في عقوبتهم على خمسة أقوال: المشهور منها ما ذهب إليه ابن القاسم وسحنون أن عقوبة من فعل ذلك القتل من غير استتابة. عفانا الله من هذه المصيبة العظيمة. فبينما المسلم حرام الدم وإذا به يصير نفسه حلال الدم. وكذلك كنتم عرفتمونا أنهم يغرمون على النصارى يتبايعون معهم ويحملون لهم ما ينتفعون به، وجاوبناكم أنه لا يحل لمسلم أن يحمل للنصارى مما يتقوّوْن به على المسلمين، ولا يسوغ لهم أن يبيع لهم ولا أن يشتري منهم بموضع تناله فيه الذلة منهم،

كبلادكم، لأن الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه. وكان من حق أهل تلك الأوطان الصبر لدينهم حتى يقع الإياس من نصرة ترجى، لأن

بلاد المسلمين متصلة، لا سيما وعثمان المريني قائم العين مرجو الانتصار، شديد الحرص على استخلاص بلاده، مملوء الأحشاء أسفًا، مضمور القريحة ألمًا. فالله المسؤول أن يطلق عقاله، وأن يزيل وباله، وأن يصلح أمره وأن يسعد عصره، كما نسأله أن يوفق بين عباده وأن يتدارك ما هوى من بلاده. وقد جاوبناكم قبل هذا بفور بلوغ سؤالكم وبعثناه لكم فلم يقدر وصوله.

والجواب عن المسألة الأخيرة، إن رب الدين يثبت دينه عند القاضي، فإن عدم القاضي، فعند جماعة عدول البلد. فإذا أثبته يتخلص من دينه، وقضى له به من مال الأسير، ويتولى ذلك القضاء أو جماعة عدول عند عدمه، ولا يؤخر قضاء الدين لاستيفاء الفدية. نعم، إن كان الأسير قد قاطع على نفسه بمال محدود، فإن ذلك المال من سائر ديونه، إن حمل ماله الجميع، قضى الجميع، وإن لم يحمله

وقعت المخاصصة على قدر الديون. انتهى من التقييد المذكور قائلً، إنه نقل من خط من نقله من خطه".

المراجع

العربية

أبحاث في الكتاب العربي المخطوط. الرباط: وزارة الثقافة المغربية، 2015. أجوبة العبدوسي. دراسة وتوثيق هشام المحمدي. الرباط: منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 2015. أحمدون، عبد الخالق. "البدع ببادية الشمال من خلال ألفية الهبطي ونوازل الزياتي". دفاتر البحث. العدد 1. جامعة الحسن الثاني. عين الشق (كانون الأول/ ديسمبر 2001). الأسطوغرافيا والأزمة: دراسات في الكتابة التاريخية والثقافة، أعمال اليوم الدراسي الذي نظمته الجمعية المغربية للبحث التاريخي. سلسلة ندوات ومناظرات 34. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1994. الإفراني، محمد الصغير. "صفوة من انتشر من أخبار صلحاء القرن الحادي عشر" (مخطوط). تحقيق عبد المجيد خيالي. الدار البيضاء: مركز التراث الثقافي المغربي، 2004. البحث في تاريخ المغرب: حصيلة وتقويم. الدار البيضاء: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط؛ مطبعة النجاح الجديدة، 1989. بنميرة، عمر. النوازل والمجتمع: مساهمة في تاريخ البادية بالمغرب الوسيط. سلسلة رسائل وأطروحات. الرباط: منشورات كلية الآداب، 2012. بوشرب، أحمد. "أزمة الضمير المغربي خلال القرن السادس عشر". مجلة كلية الآداب فاس. عدد خاص بشعبة التاريخ (1985.) _______. وثائق ودراسات عن الغزو البرتغالي ونتائجه. الرباط: دار الأمان، 1997. التاريخ وأدب النوازل: دراسات تاريخية مهداة للفقيد محمد زنيبر. إنجاز الجمعية المغربية للبحث التاريخي. تنسيق محمد المنصور ومحمد المغراوي. الرباط: منشورات جامعة محمد الخامس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1995. تحولات الفكر الأندلسي: أعمال الندوة الدولية المنعقدة بتطوان، يومي 18 - 19 صفر 1436 هج 11 - 12 دجنبر 2014 م: تكريمًا

للدكتور محمد رزوق. تنسيق جعفر ابن الحاج السلمي. تطوان: الجمعية المغربية للدراسات الأندلسية، 2017. التطواني، أبو العباس أحمد الرهوني. عمدة الراوين في تاريخ تطاوين. تحقيق جعفر بن الحاج السّلمي. سلسلة تراث 6. تطوان:

جمعية تطاون أسمير، 2003. التنبكتي، أحمد بابا. نيل الابتهاج بتطريز الديباج. تحقيق علي عمر. القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 2004. حضارة الأندلس في الزمان والمكان: أعمال الندوة الدولية، 16 - 18 أبريل 1992. سلسلة أبحاث وندوات 1. المحمدية: جامعة الحسن الثاني، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1993 داود، محمد. تاريخ تطوان. تطوان: مولاي الحسن، [د. ت.].

References

رزوق، محمد. الأندلسيون وهجراتهم إلى المغرب خلال القرنين 16 ‑ 17. ط 3. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 1998.

العلم للملايين، 2007.

رقم 178.

ط 2. الدار البيضاء: مركز التراث الثقافي المغربي، 2003.

الإسلامية، 2015. عنان، محمد عبد الله. نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصرين. القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1966. غراب، سعيد. "كتب الفتاوى وقيمتها الاجتماعية مثال نوازل البرزلي". حوليات الجامعة التونسية. العدد 16 (1978.)

والرسائل. الدار البيضاء: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1999.

للتأليف والترجمة والنشر، 1978.

الثقافة، 2004. المازري، محمد التميمي. فتاوى المازري. تحقيق طاهر المعموري. تونس: الدار التونسية للنشر، 1994.

مزين، محمد. "التاريخ المغربي ومشكل المصادر: نموذج النوازل". مجلة كلية الآداب بفاس. العدد 2 (1985.) مزين، محمد. "ملاحظات حول زمن المرابطين والأشراف". مجلة المصباحية. العدد 1 (1995.)

موسوعة أعلام المغرب. تنسيق وتحقيق محمد حجي. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1996.

المعهد المصري للدراسات الإسلامية في مدريد. مج 5. العددان 1 - 2 (1377 ه/ 1957 م).

الزركلي، خير الدين. الأعلام: قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين. ط 17. بيروت: دار

الزياتي، عبد العزيز. "الجواهر المختارة مما وقفت عليه من النوازل بجبال غمارة". مخطوط المكتبة العامة والمحفوظات بتطوان.

الشفشاوني، محمد بن عسكر الحسني. دوحة الناشر لمحاسن من كان بالمغرب من مشايخ القرن العاشر. تحقيق محمد حجي.

العبدوسي، عبد الله بن محمد بن موسى. أجوبة العبدوسي. دراسة وتوثيق هشام المحمدي. الرباط: منشورات وزارة الأوقاف والشؤون

فتحة، محمد. النوازل الفقهية والمجتمع: أبحاث في تاريخ الغرب الإسلامي (من القرن 6 إلى 9 ه/ 12 - 15 م). سلسلة الأطروحات

القادري، محمد بن الطيب. نشر المثاني لأهل القرن الحادي عشر والثاني. تحقيق محمد حجي وأحمد التوفيق. الرباط: دار المغرب

الكتاني، محمد بن جعفر. سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بمدينة فاس. الدار البيضاء: دار

المجتمع التطواني والتطور العمراني والمعماري من القرن 16 إلى القرن 20: أعمال الندوتين، أيام 9 و 10 دجمبر 2005، [و] أيام 14 و 15 و 16 دجمبر 2006. تنسيق محمد بن عبود. تطوان: جامعة عبد المالك السعدي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2009.

المكناسي، أحمد ابن القاضي. جذوة الاقتباس في ذكر من حل من الأعلام مدينة فاس. الرباط: دار المنصور للطباعة والوراقة، 1973. _______. درة الحجال في غرة أسماء الرجال. حققه وعلق عليه مصطفى عبد القادر عطا. بيروت: دار الكتب العلمية، 2002.

مؤنس، حسين. "أسنى المتاجر في بيان أحكام من غلب على وطنه النصارى ولم يهاجر وما  يترتب عليه من العقوبات والزواجر". مجلة

الوزاني، أبو عيسى محمد المهدي. النوازل الصغرى المسماة المنح السامية في النوازل الفقهية. الرباط: منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1992 - 1993. اليوبي، لحسن. الفتاوى الفقهية في أهم القضايا من عهد السعديين إلى ما قبل الحماية. الرباط: منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1998.

الأجنبية

• Belarbi, Aïcha et al. (eds.). Femmes rurales. Casablanca: Fennec, 1996. • Buzineb, Hossaïn. "Respuestas de jurisconsultos magrebíes en torno a la inmigración de musulmanes hispánicos." Hespéris. vol.  26-27 (1988-1989). • Cantineau, Jean. "Lettre du Moufti d'Oran aux musulmans d'Andalousie." Journal Asiatique. CCX (1923). • Cardaillac, Louis (ed.). Les Morisques et leur temps. Paris: CNRS, 1983. • Castro, Francisco Vidal. "Ahmad al-Wansharisi (m.  914 / 1508). Principales aspectos de su vida." Al-Qantara. vol. 12 , no. 2 (1991). • Hendrickson, Jacelyn. "The Islamic Obligation to Emigrate: Al- Wansharisi's Asna al Matajir Reconsidered." Dissertation submitted to the Faculty of the Graduate School of Emort University. Italy, 2009. • _______. "Muslim Legal Responses to Portuguese Occupation in Late Fifteenth‑Century North Africa." Journal of Spanish Cultural Studies (2012). • Mercedes, García‑Arenal & María Jesús Viguera. Relaciones de la Peninsula Iberica con El Magreb (siglos 13-16). Actas del Coloquio. Madrid: Instituto de Filología. Consejo Superior de Investigaciones Científicas (Spain). Instituto Hispano-Árabe de Cultura. Consejo Superior de Investigaciones Científicas, Instituto de Filología, 1988. • Mezzine, Mohamed. "Fuqaha à l'épreuve de l'Histoire: Sainteté, pouvoir et société au Maroc au début des temps modernes." Collection Thèses et monographies. Faculté Des Lettres Fès, 2003. • _______. "Le temps des marabouts et des Chorfa: Essai d'histoire sociale‑marocaine à travers les écrits de jurisprudence religieuse." Dissertation, Doctorat D'Etat. Paris, 1988. • Miller, Kathryn A. "Muslim minorities and the obligation to emigrate to Islamic territory: Two fatwas from fifteenth-century Granad." Islamic Law and Society. vol. 7 , no. 2 (2000). • Molénat, Jean-Pierre. "Le problème de la permanence des musulmans dans les territoires conquis par les chrétiens, du point de vue de la Loi islamique." Arabica. vol. 48 , no. 3 (2001). • Turki, Abdelmajid. "Consultation juridique de l'Imam al-Mazari sur le cas des musulmans vivant en Sicile sous l'autorité des Normands." Mélanges de L'Université Saint-Joseph. vol. 50 , no.  2 (1984). • Van Koningsveld, P.S. & G.A. Wiegers. "The Islamic Statute of the Mudejars in the Light of a New Source." Al-Qantara: Revista de Estudios Arabes. vol. 17 (1996). • Viguera, María J. "En torno a las fuentes jurídicas de al Andalus." Actes de colloque: La civilisation d'al Andalus dans le temps et dans l'Espace. Mohammadia, 1993.

• Verskin, Alan. Islamic Law and the Crisis of the Reconquista. The Debate on the Status of Muslim Communities in Christendom. Leiden/ Boston: Brill, 2015. • Zouggari, Ahmed et al. (eds.). Jbala: Histoire et société: Etudes sur le Maroc du nord-ouest , Groupe pluridisciplinaire d'étude sur les Jbala. Paris: Editions du CNRS; Casablance: Wallada, 1991.