المعرفة التاريخية بين ذاكرة الألم وتحقيق المصالحة المجتمعية: التجربة المغربية نموذجًا
Historical Knowledge between Pain Recollected and Societal Reconciliation Realised: the Moroccan Experience as a Model
الملخّص
تتناول هذه الدراسة دور الذاكرة المجروحة وذاكرة الألم، أي ذاكرة الذين عانوا الاعتقال والاختطاف القسري وغيرهما، في كتابة تاريخ وطني أكثر موضوعية ومتوافق ومتصالح مع الماضي. إن العلاقة بين الذاكرة والتاريخ هي علاقة بين الفعل الجماعي والذاكرة الفردية، حيث يعتمد عليها المؤرخ، وعلى شهادة الفاعل السياسي والمناضل من أجل التأريخ لحدث معيّن. تبيّن الدراسة أن الغرض من تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة التي دشّنها المغرب عام 2004 هو التصالح مع الماضي، وتجاوز الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وذلك بطيّ صفحة سنوات الرصاص، والسعي في المقابل لتحقيق عدالة انتقالية. وترصد امتدادات النقاش السياسي الذي وطّن مفاهيم جبر الضرر والإنصاف والمصالحة والعدالة الانتقالية والمصالحة والديمقراطية. وتؤكد أن الشهادات التي قُدّمت خلال جلسات الاستماع ومذكرات الاعتقال مهمة من أجل إنتاج معرفة تاريخية، تستفيد من عدة عوامل؛ أهمها اتساع هامش الحرية، وتحوّل الفرد إلى فاعل وشاهد في التاريخ، وإسماع صوت الهامش والمهمشين، وتراجع هيمنة المركز والفاعل الرئيس في فعل الكتابة التاريخية. وتقارب الدراسة الموضوعَ من خلال نماذج من مذكرات وشهادات الفاعلين والمعتقلين السابقين؛ بهدف الوقوف على مدى مساهمة مذكراتهم في التعبير عن حالات تاريخية مفصلية من تاريخ المغرب، مع الإشارة إلى ما تتميز به هذه المذكرات من استعادة تجربة الاعتقال والتعذيب، غير أنها كتبت في حاضر يتّسم بنوع من الانفراج والنزوع نحو المصالحة.
Abstract
تتناول هذه الدراسة دور الذاكرة المجروحة وذاكرة الألم، أي ذاكرة الذين عانوا الاعتقال والاختطاف القسري وغرهم، في كتابة تاريخ وطني أكثر موضوعية ومتوافق ومتصالح مع الماضي. إن العلاقة بن الذاكرة والتاريخ هي علاقة بن الفعل الجمعي والذاكرة الفردية، حيث يعتمد عليها المؤرخ، وعى شهادة الفاعل السياسي والمناضل من أجل التأريخ لحدث معن. تبن الدراسة أن الغرض من تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة التي دشّنها المغرب عام 2004 هو التصالح مع الماضي، وتجاوز الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وذلك بطيّ صفحة سنوات الرصاص، والسعي في المقابل لتحقيق عدالة انتقالية. وترصد امتدادات النقاش السياسي الذي وطّن مفاهيم جبر الضرر والإنصاف والمصالحة والعدالة الانتقالية والمصالحة والديمقراطية. وتؤكد أن الشهادات التي قُدّمت خلال جلسات الاستمع ومذكرات الاعتقال مهمة من أجل إنتاج معرفة تاريخية، تستفيد من عدة عوامل؛ أهمها اتساع هامش الحرية، عاا صوت الهامش والمهمشن، وتراجع هيمنة المركز والفاعل الرئيس في فعل وتحوّل الفرد إلى فاعل وشاهد في التاريخ، وإس الكتابة التاريخية. وتقارب الدراسة الموضوعَ من خلال نماذج من مذكرات وشهادات الفاعلن والمعتقلن السابقن؛ بهدف الوقوف عى مدى مساهمة مذكراتهم في التعبر عن حالات تاريخية مفصلية من تاريخ المغرب، مع الإشارة إلى ما تتميز به هذه المذكرات من استعادة تجربة الاعتقال والتعذيب، غر أنها كتبت في حاضر يتّسم بنوع من الانفراج والنزوع نحو المصالحة. كلمت مفتاحية: الذاكرة، الإنصاف، المصالحة، العدالة الانتقالية، التاريخ. The paper deals with wounded memory and memory of pain, the memory of those who have suffered arrest, forced abduction and other forms of abuse, and the role these play in writing a more objective national history; one that is compatible and reconciled with the past. The relationship between memory and history is a relationship between collective action and individual memory, in that the historian relies upon it for documenting the history of a specific event, as well as on the testimony of the political actor and campaigner. The purpose of the Equity and Reconciliation Commission that Morocco launched in 2004 was to reconcile with the past, overcome its gross violations of human rights and turn the page on "years of bullets," and move towards transitional justice, and this paper monitors the extended political dialogue that nationally planted concepts of reparation, equity, reconciliation, transitional justice, and democracy. It emphasizes that testimonies and arrest warrants presented during hearings were important in order to produce historical knowledge benefitting from the widened margin of freedom and the individual's transformation into an actor and witness in History, provide a hearing to voices of the marginalized, and reduce the hegemony of the central and dominant figure in the act of historical writing. The paper approaches the topic through examining samples of notes and testimonies of former perpetrators and detainees aimed at identifying the extent to which these memoirs contribute to expressing landmark cases in the history of Morocco, noting the characteristics of these notes as re-enactments of the experiences of detention and torture, albeit written in a present characterized by something of a detente and reconciliation.
A Moroccan researcher and higher education professor of contemporary history at the Faculty of Social and Human Sciences at Ibn Tufail University, Morocco.
- الذاكرة
- الإنصاف
- المصالحة
- العدالة الانتقالية
- التاريخ
- Memory
- Equity and Reconciliation Commission
- Transitional Justice
- History
المعرفة التاريخية بين ذاكرة الأم ل وتحقيق المصالحة
المجتمعية
التجربة المغربية نموذجًا
The Moroccan Experience as a Model
تتناول هذه الدراسة دور الذاكرة المجروحة وذاكرة الألم، أي ذاكرة الذين عانوا الاعتقال والاختطاف القسري وغرهم، في كتابة تاريخ وطني أكثر موضوعية ومتوافق ومتصالح مع الماضي. إن العلاقة بن الذاكرة والتاريخ هي علاقة بن الفعل الجمعي والذاكرة الفردية، حيث يعتمد عليها المؤرخ، وعى شهادة الفاعل السياسي والمناضل من أجل التأريخ لحدث معن. تبن الدراسة أن الغرض من تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة التي دشّنها المغرب عام 2004 هو التصالح مع الماضي، وتجاوز الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وذلك بطيّ صفحة سنوات الرصاص، والسعي في المقابل لتحقيق عدالة انتقالية. وترصد امتدادات النقاش السياسي الذي وطّن مفاهيم جبر الضرر والإنصاف والمصالحة والعدالة الانتقالية والمصالحة والديمقراطية. وتؤكد أن الشهادات التي قُدّمت خلال جلسات الاستمع ومذكرات الاعتقال مهمة من أجل إنتاج معرفة تاريخية، تستفيد من عدة عوامل؛ أهمها اتساع هامش الحرية، عاا صوت الهامش والمهمشن، وتراجع هيمنة المركز والفاعل الرئيس في فعل
وتحوّل الفرد إلى فاعل وشاهد في التاريخ، وإس الكتابة التاريخية. وتقارب الدراسة الموضوعَ من خلال نماذج من مذكرات وشهادات الفاعلن والمعتقلن السابقن؛ بهدف الوقوف عى مدى مساهمة مذكراتهم في التعبر عن حالات تاريخية مفصلية من تاريخ المغرب، مع الإشارة إلى ما تتميز به هذه المذكرات من استعادة تجربة الاعتقال والتعذيب، غر أنها كتبت في حاضر يتّسم بنوع من الانفراج والنزوع نحو المصالحة. كلمت مفتاحية: الذاكرة، الإنصاف، المصالحة، العدالة الانتقالية، التاريخ. The paper deals with wounded memory and memory of pain, the memory of those who have suffered arrest, forced abduction and other forms of abuse, and the role these play in writing a more objective national history; one that is compatible and reconciled with the past. The relationship between memory and history is a relationship between collective action and individual memory, in that the historian relies upon it for documenting the history of a specific event, as well as on the testimony of the political actor and campaigner. The purpose of the Equity and Reconciliation Commission that Morocco launched in 2004 was to reconcile with the past, overcome its gross violations of human rights and turn the page on "years of bullets," and move towards transitional justice, and this paper monitors the extended political dialogue that nationally planted concepts of reparation, equity, reconciliation, transitional justice, and democracy. It emphasizes that testimonies and arrest warrants presented during hearings were important in order to produce historical knowledge benefitting from the widened margin of freedom and the individual's transformation into an actor and witness in History, provide a hearing to voices of the marginalized, and reduce the hegemony of the central and dominant figure in the act of historical writing. The paper approaches the topic through examining samples of notes and testimonies of former perpetrators and detainees aimed at identifying the extent to which these memoirs contribute to expressing landmark cases in the history of Morocco, noting the characteristics of these notes as re-enactments of the experiences of detention and torture, albeit written in a present characterized by something of a detente and reconciliation.
* باحث مغربي، يعمل أستاذًا للتعليم العالي في التاريخ المعاصر بكلية العلوم الإنسانية والاجتمعية في جامعة ابن طفيل بالمغرب. A Moroccan researcher and higher education professor of contemporary history at the Faculty of Social and Human Sciences at Ibn Tufail University, Morocco.
مقدمة
تهدف هذه الدراسة إلى إبراز دور الذاكرة المجروحة وذاكرة الألم؛ ذاكرة من عانوا الاعتقال، أو الاختطاف القسري، ومختلف أنواع الانتهاكات، في تحقيق العدالة والمصالحة مع الماضي، ومن ثم كتابة تاريخ وطني أكثر موضوعية وحرفية. فرغم وجود حدود للاتصال وللانفصال بين الطرفين (الذاكرة والتاريخ)، فإنهما ضروريان لصياغة نظريات ورؤى جديدة تمكّن من إعادة كتابة التاريخ الوطني للمغرب الراهن يضم جميع الفرقاء؛ إذ كل تاريخ هو ذاكرة، والذاكرة هي المعين الذي نستقي منه معلوماتنا، فالعلاقة بينهما هي علاقة بين الفعل الجماعي والذاكرة الفردية، لأن الإشكالية الأساسية في التأريخ هي الذاكرة، حيث يعتمد المؤرخ على شهادة الفاعل السياسي والمناضل من أجل التأريخ لحدث معيّ. فلحظة الكتابة التاريخية على حد تعبير بول ريكور (1913 - 2005) Ricœur Paul هي
لحظة الاستعصاءات الكبرى للذاكرة؛ استعصاء تمثيل شيء غائب وقع سابقًا، واستعصاء ممارسة مكرسة للاستذكار النشط للماضي، والتي يرفعها التاريخ إلى مستوى إعادة بناء. تستمد هذه الدراسة راهنيتها ممّا عرفه المغرب من محاولة التصالح مع الماضي الأليم للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان،
والسعي إلى تحقيق عدالة انتقالية، ومن الرغبة، أيضًا، في فهم الماضي بهدف تجاوزه، وهي بحق تجربة سابقة في العالم العربي والإسلامي. ويمكن اختزال الإشكالية في سؤالين محوريين، هما: ما طبيعة العلاقة بين الذاكرة المجروحة وكشف الحقيقة وتحقيق العدالة؟ وهل يمكن الاستناد إلى الذاكرة المجروحة لبلورة معرفة تاريخية تحقق الإجماع حولها؟ تقتضي الإجابة عن هذين السؤالين تفكيك نموذجين من مذكرات الفاعلين والمعتقلين السابقين وشهاداتهم، بهدف الوقوف على مدى مساهمة مذكراتهم التي اعتمدت على الذاكرة والتذكر للتعبير عن حالات تاريخية مفصلية من تاريخ المغرب. تتميز هذه المذكرات باستعادة تجربة الاعتقال والتعذيب، لكنها كتبت في الحاضر بنوع من الانفراج والنزوع نحو المصالحة. والواقع أنّ دراستها وتحليلها
يساهمان في الآن نفسه في فهم هذا الماضي الأليم بهدف تجاوز هفواته وآلامه ومآسيه، وهو ما يؤشر إلى وجود توافق سياسي ورغبة في النسيان عن طريق البوح لتحقيق عدالة انتقالية، لكن هل يكفي ذلك؟
أولً: يف البدء كانت المصالحة
1. تأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة
عاش المغرب منذ تسعينيات القرن الماضي تطورات مهمة تدلّ عليها مجموعة من المصطلحات من قبيل "التناوب التوافقي" والانتقال الديمقراطي و"العهد الجديد"، وتميزت هذه المرحلة بتقاطع مستويات الاستمرار مع منحنيات التغيير. وفي السياق نفسه، تم تأسيس "هيئة الإنصاف والمصالحة" سنة 2004 بعد استقبال ملكي لأعضائها، وقد جاء هذا الإعلان ضمن مقاربة العدالة الانتقالية للماضي الأليم؛ وذلك باعتبارها أول تجربة على صعيد العالم الإسلامي، وقد أصبحت تصنف من بين النماذج الرائدة عالميًا في هذا المجال.
1 ونخص بالذكر معتقلي تازمامارت، ذلك المعتقل الذي ضم بين جنباته المشاركين في المحاولتين الانقلابيتين ضد نظام الملك الراحل الحسن الثاني سنتَي 1971 و 1972.
ويقع هذا المعتقل في الجنوب الشرقي للمغرب وظل مجهولً فترة طويلة. 2 تمثل أساسًا في تكليف عبد الرحمن اليوسفي عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بترؤس حكومة ائتلافية سنة 1998، وكان الغرض من ذلك تمهيد الطريق
لمسلسل الإصلاحات الدستورية وفق منطق التدرج. للتذكير، ظل اليسار السياسي المغربي، وعلى رأسه الحزب المذكور، مبعدًا عن المشاركة السياسية أربعة عقود اتسمت في
الغالب بالمواجهة مع النظام وآلياته في تدبير الشأن السياسي.
وعلى الرغم من أن ممارسة العدالة الانتقالية في المغرب تلتقي مع باقي التجارب الأخرى في إشكالية تدبير الإرث العنيف للسلطوية، فإن أهم ما يميزها هو كونها تشكلت ومارست مهماتها وشُع في تنفيذ توصياتها في ظل استمرارية النظام السياسي. وكانت
مطالبة بتوثيق تفاصيل عنفه، وبتهيئة شروط المصالحة مع ضحاياه، وبالبحث عن تدابير تمنعه من اللجوء إلى العنف مستقبلً أداةً لتدبير الشأن السياسي. صاحب بروز الهيئة في المغرب تدشين عدد من الإصلاحات التي همّت توسيع حرية التعبير والتنظيم والتعددية الحزبية
وإجراء انتخابات تشريعية ومحلية، فقد أسست الهيئة ضمن سياق تاريخي انخرط فيه المغرب- سلطةً ومعارضة - في عمليات توافق متدرج مؤسس على حزمة من الإصلاحات السياسية الهادفة إلى إعادة ترتيب علاقة المجتمع والدولة، واستجابة الدولة للضغط الداخلي الذي مارسته أحزاب المعارضة والتنظيمات المدنية والحقوقية منها على وجه الخصوص. ومن جهتها، أوضحت المعارضة أفقها النضالي في التوجه السياسي الإصلاحي الهادف إلى توطين مفاهيم المشروع السياسي الديمقراطي المتوافق في شأنه. ويؤكد الباحث عبد الحي مؤذن - وهو من أعضاء الهيئة - وجود العديد من السياقات المميزة لميلاد الهيئة، منها ما هو مرتبط بتصور الملك الحسن الثاني (1961 - 1969) للكيفية التي يرغب في أن ينهي بها حكمه، ويهيئ بها انتقال الحكم إلى وارث عرشه. كما ارتبطت، من جهة ثانية، بالتطور الذي عرفته المعارضة بفصائلها المتعددة، وما تحصل لدى معظمها من اقتناع بقدرة النظام القائم على الحفاظ على مقوماته، واستعداده المبدئي، في الوقت نفسه، للسماح لها بالمشاركة في تدبير الشأن العام. وعلى الرغم من أن هذا الاستعداد لم يوح بمبادرة النظام إلى تحول ديمقراطي عميق، فإنه لم يغلق الباب كليةً في وجه إمكانات مغرية لتطوير الملكية المغربية ووظائفها وأساليبها في الحكم. وقد تعلقت السياقات الداخلية للمغرب، من جهة ثالثة، بحصول قناعة مشتركة بين النظام السياسي والمعارضة اليسارية خاصة بالتحالف لمواجهة الأصولية الدينية المعارضة، وكان هذا المسار يحظى بدعم القوى الكبرى التي أصبحت في حقبة ما بعد الحرب الباردة تعدّ الأصولية الإسلامية عدوها الأساس على الصعيد الدولي. إلى جانب ذلك، كانت الحاجة إلى المصالحة السياسية والتاريخية، بعد أكثر من ثلاثة عقود من النظام الفردي في مغرب الاستقلال،
مطلبًا ملحًّا، ولهذا رأى الفاعلون السياسيون، نظامًا ومعارضة، أنّ أفق العدالة الانتقالية يقدم حلولً تحقق نوعًا من التوافق، خاصة مع
وجود مجموعة من الشروط الداعمة، كاتساع هامش الحرية في مجالات الإعلام والثقافة والإبداع. إنّ ما ميز ممارسة العدالة الانتقالية في المغرب هو تركيزها على مسألة عنف الدولة الذي ظل موضوعًا محرمًا في "السلطويات" حتى
الليبرالية منها؛ لهذا وفرت التجربة مادةً لفهم دور العنف في تدبير السلطة، كما أبانت عن أن تجاوز العنف واعتماد الديمقراطية وحقوق
الإنسان مدخلً للإصلاح لن يهددا استمرارية السلطة، مع تغليب أفق التصالح التاريخي والسياسي على منطق المقاضاة، وطي
صفحة الماضي، والعمل على تفادي حدوث مآسٍ أخرى جديدة في الحاضر والمستقبل، مما يعني المساهمة في ترسيخ مشروع الانتقال
3 استقر مفهوم العدالة في تاريخ الفلسفات الكبرى، مستوعبًا منظومات من القيم وجملة من المبادئ النظرية الموصولة بتقاليد معينة في تاريخ الفلسفة. كما أعيد بناء المفهوم ليتكيف
مع المتغيرات التي ألمّت بمنظومات القيم في عالم متغير. وتعدّ أبحاث جون رولز (1921 - 2002) وأمارتيا سن (1933 -) من أهم النصوص النظرية التي ربطت المفهوم بالحرية والإنصاف
وتكافؤ الفرص والديمقراطية والإصلاح السياسي الديمقراطي. كما حاولت تخليص المفهوم من الكثافة النظرية الطوباوية التي ظلت متمركزة في تلافيف معانيه. ينظر: كمال عبد
اللطيف، العدالة الانتقالية والتحولات السياسية في المغرب: تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014)، ص 13 - 14. 4 يقترن مفهوم العدالة الانتقالية بالاجتهادات الفكرية السياسية المعاصرة التي رسمت بعض ملامحه، الأمر الذي يمنح المفهوم دلالة خاصة، فإنه يشخص السمات
العامة في المجتمعات التي تروم بلوغ عتبة الديمقراطية. كما تبلور المفهوم نتيجة ضغط القوى السياسية الديمقراطية والمنظمات المدنية ومنظمات حقوق الإنسان المحلية
والدولية. ينظر: المرجع نفسه، ص 21. 5 عبد الحي مؤذن، "العدالة الانتقالية والسلطوية الملبرلة: نموذج المغرب"، عمران، العدد 5 (صيف 2013)، ص 129 - 148. 6 عبد اللطيف، ص 33 - 34. 7 مؤذن، ص 133. 8 المرجع نفسه.
الديمقراطي. وتجدر الإشارة إلى أن عمل الهيئة لم يكن بالأمر الهيّ نظرًا إلى تعدد توجهات أعضائها وأيديولوجياتهم، وكذا الاختلاف
حول بعض القضايا كالصيغة المادية لجبر الضرر، أو الإفلات من العقاب، أو اعتذار الدولة رسميًا عمّا جرى في "سنوات الرصاص".
2. لحظات البوح
نظمت هيئة الإنصاف والمصالحة جلسات استماع في 23 و 24 كانون الأول/ ديسمبر 2004، وتواصلت خلال الأشهر الأولى من عام 2005 بهدف دعم مسلسل الانتقال السياسي والإصلاح الديمقراطي، لتحويلهما إلى أفق قادر على المساهمة الإيجابية في تطوير آليات الانتقال السياسي في المغرب المعاصر، ووضع ضمانات عدم تكرار ما جرى، واعتبرت الهيئة أن هذه الجلسات هي لحظة تاريخية مهمة تساهم في توسيع مجالات الحريات، وتكتسي كذلك بالأساس بُعدًا بيداغوجيًا، من حيث كونها فرصة للضحايا للتعبير
والبوح عن معاناتهم واسترجاع كرامتهم، فهذه اللحظات هي حدث جريء وغير مألوف في التاريخ السياسي المغربي يتمثل في فتح البلاد جراحها، ووضع صفحات من تاريخها الراهن أمام المراجعة والنقد الذاتي. كما أنها تعتبر مناسبة لكي يحاكم المغرب حقبة تاريخية معينة بشجاعة وموضوعية، ثم يمكن معالجة ندوب الذاكرة وتحقيق هدوئها النسبي. شكلت هذه الجلسات، بما فيها الجلسات المنقولة على شاشة التلفزة والإذاعة الوطنية، فرصة لإعادة ترميم الذاكرة وإنتاج أرشيف يمكن الاستناد إليه لبناء تاريخ المغرب الراهن، بعد عقود من سيادة الرؤية الرسمية التي أقصت كل الذاكرات الأخرى. تجلى ذلك في تأسيس الشروط العلمية والموضوعية لإعادة كتابة التاريخ؛ ليس لأن الشهادات قدّمت رواية مختلفة عن الرواية الرسمية فقط، بل لأن
هذه الرواية اختزلت معطيات لم تكن بحوزة كثيرين أو كانت محرمة ومسكوتًا عنها، تبرز أهميته كذلك في امتدادات النقاش السياسي، حين جرى توطين مفاهيم جبر الضرر والإنصاف والمصالحة والعدالة الانتقالية والمصالحة والديمقراطية، وفي هذا الصدد اعتبرت الشهادات التي قدّمت بالغة الأهمية من أجل إنتاج معرفة تاريخية للأسباب التالية: ӵ اتساع هامش الحرية. ӵ تحول الفرد إلى فاعل وشاهد في التاريخ. إسماع صوت الهامش والمهمشين وتراجع هيمنة المركز والفاعل الرئيس في فعل الكتابة التاريخية.
9 اشتغلت الهيئة داخل إطار زمني ممتد 1956 - 1999، وكُل: فت بِ1. التقييم الشامل لمسلسل التسوية السابق لملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. 2. إثبات
نوعية وجسامة الانتهاكات السابقة. 3. البحث في حالات الاختفاء القسري. 4. الوقوف على مسؤولية الدولة وغيرها من الانتهاكات الجسيمة. 5. جبر ضرر الضحايا وذوي
الحقوق. 6. جبر ضرر المجتمع. 7. إعداد تقرير رسمي. 8. تنمية سلوك الحوار، وإرساء مقومات المصالحة ودعم التحول الديمقراطي. دامت أعمال الهيئة سنتين (من
مستهل 2004 إلى بداية 2006) عندما استقبلها الملك محمد السادس في 6 كانون الثاني/ يناير 2006، وتسلم تقريرها، ووافق عليه وكلف المجلس الاستشاري لحقوق
الإنسان بتفعيل توصياتها.
10 Driss El Yazami, "L'instance équité et réconciliation: Transition politique, histoire et mémoire," Confluences Méditerranée , vol. 3 , no. 3 (Septembre 2007), pp. 25 - 34.
11 المملكة المغربية، هيئة الإنصاف والمصالحة، التقرير الختامي: الكتاب الرابع: مقومات توطيد الإصلاح والمصالحة (الرباط: المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان،
2006)، ص 55، شوهد في 11 / 12 / 2020، في: oLjZCb 3 / ly. bit:// https 12 المرجع نفسه. 13 ينظر: المملكة المغربية، هيئة الإنصاف والمصالحة، التقرير الختامي: الكتاب الثالث: إنصاف الضحايا وجبر الأضرار (الرباط: المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان،
2006) شوهد في، 2 / 1 / 2019، في: bRENa 33 / ly. bit:// https 14 ينظر: المملكة المغربية، هيئة الإنصاف والمصالحة، التقرير الختامي: الكتاب الأول: الحقيقة والإنصاف والمصالحة (الرباط: المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان،
2006) شوهد في، 2 / 1 / 2019، في: NcSC 362 / ly. bit:// https 15 المملكة المغربية، هيئة الإنصاف والمصالحة، التقرير الختامي: الكتاب الرابع، ص 60.
هيّأت هذه الظروف مجتمعةً الفرصة لإعادة بناء ذاكرة وطنية متعددة وغير انتقائية أو مبنية على الإقصاء، وفتحت المجال للتفكير
النقدي الحر بغية تحصين الحاضر وبناء المستقبل، وطي صفحة الماضي، وتأسيس أفق جديد للعمل السياسي يستوعب الاختلاف، ويكرس مبادئ الديمقراطية والإصلاح السياسي وينبذ العنف. وعلى المستوى البعيد، ركزت الهيئة عملها على حفظ الذاكرة والتصالح مع الماضي والتأسيس لثقافة منع تكرار ما جرى، عبر المكاشفة والانتقال من "الذاكرة المتأزمة" إلى "الذاكرة الذكرى" كشرط لتحقيق العدالة الانتقالية. تساوقًا مع ذلك، ومنذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، بدأ المجتمع المغربي في إعادة تأسيس ذاكرة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، عن طريق نشر العشرات
من الشهادات الشخصية، والمقالات والمذكرات في الصحافة الوطنية، والأعمال الفنية، فضلً عن أفلام وثائقية وبرامج إذاعية وتلفزيونية. فليس من قبيل الصدفة أنّ أول ندوة عامة نظمتها هيئة الإنصاف والمصالحة كانت حول موضوع كتابات الاعتقال، كما
نُظمت العديد من الندوات الأكاديمية الأخرى خلال فترة عمل هيئة الإنصاف والمصالحة حول الموضوع نفسه. وقد أدرجت هيئة الإنصاف ضمن توصياتها ضرورة الاهتمام بالأرشيف ومواقع الذاكرة وتاريخ الزمن الراهن، وهو ما دفع الباحثين والمؤرخين إلى اقتحام هذه الورش من أجل المساهمة في إنجاز كتابة تاريخية حول الماضي القريب، ووضع بناء منهجي لإنتاج الذاكرة، وتسليط أضواء جديدة وإثارة اجتهادات تحليلية من شأنها أن تساعد على فهم أفضل لسياقات انتهاكات الأجهزة المغربية حقوق الإنسان. تجدر الإشارة بخصوص هذه النقطة إلى مسألة جوهرية مفادها أن عمل الهيئة، في ما يتعلق بحفظ الذاكرة، اصطدم بعدة عراقيل، منها ما هو مرتبط بنقص المادة الأرشيفية، وقصور في شهادات المعتقلين السابقين، وضعف تعاون الأجهزة ذات الصلة بموضوع الانتهاكات. لتعويض ذلك، لجأت إلى الزيارة الميدانية لمراكز الاعتقال، وربط الصلات بعائلات الضحايا وبالضحايا أنفسهم، والاستماع إلى الشهود ومن لهم علاقة بالضحايا. أمام هذا الواقع لاحت الفرصة لتدخل المؤرخ لكتابة هذا التاريخ الملتهب، فكيف تم التفاعل مع هذه الأحداث لإنتاج معرفة تاريخية متوافق فيها بناءً على وثائق جديدة تشكل الذاكرة معينها الأول؟ ألا يعتبر الخوض في مثل هذه المواضيع تكسيرًا لبنية الزمن
وكتابة تاريخ راهن ملتهب وآني؟ وفق تعبير جان لاكوتور - أحد المتخصصين في الزمن الراهن، وقد أشرف على سلسلة التاريخ الفوري في دار النشر سُويSeuil - فقد اعتبر أن "صورة 'التاريخ الآني' كما نراها ما فتئت تتغير، فهي غير قابلة لأي نوع من أنواع التأطير أو
لأي نوع من الملاءمة المُرضية. من الصحافة القليلة الدقة نسبيًا، كما يمارسها أناس منغمسون في الحدث كأنهم مشاركون في صنعه، إلى
16 عزيزة البريكي ورشيد توهتو، "الذاكرة المروية وعدالة الانتقال: بين مقاربة الحركات الاجتماعية والتاريخ الجديد"، إضافات، العددان 26 - 27 (ربيع-صيف 2014)، ص 61. 17 نذكر على سبيل المثال فيلم "جوهرة" لسعد الشرايبي، أنتج عام 2003؛ شريط "درب مولاي الشريف" للمخرج حسن بنجلون، أنتج عام 2004؛ شريط "ذاكرة معتقلة"
لجيلالي فرحاتي، أنتج عام 2004 بدعم من المركز السينمائي المغربي.
18 El Yazami, p. 26.
19 عبد الأحد السبتي، التاريخ والذاكرة: أوراش في تاريخ المغرب (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2012)، ص 215. 20 عبد اللطيف، ص 62. 21 عرفت الساحة الأكاديمية الأوروبية، خاصة الفرنسية، في أواخر القرن العشرين ازدهار الأبحاث التاريخية للزمن الراهن أو الفوري، بدليل ظهور مجموعة من الأعمال
والمجالات المتخصصة في الموضوع. ينظر أعمال الباحث الفرنسي فرانسوا بيداريدا على رأس المركز الفرنسي للأبحاث العلمية، وخاصة الكتاب الجماعي:
Institut d'histoire du temps présent, Écrire l'histoire du temps présent: En hommage à François Bédarida (Paris: CNRS Ed, 1993), p. 417.
وقد ضم هذا المؤلف 47 مساهمة أجمعت كلها على ضرورة دراسة التاريخ القريب، ودراسة المجتمعات في هزائمها وانتصاراتها والتفكير في المهمشين، وخاض بيداريدا صراعًا
معرفيًا مع المحافظين، وتمكن من انتزاع شرعية هذا التوجه "التخصص الجديد" في الدراسات التاريخية واعتراف المؤرخين والمهتمين بالعلوم الإنسانية، الذين أقروا بأن
التاريخ ليس ذلك الماضي الذي يروى فقط، وإنما كذلك "هذا الحاضر الباذخ الذي يتابعه الناس بعيون شاخصة". كما أثار المفهوم جدلً كبيرًا داخل الأوساط الأكاديمية
الغربية والعربية حول إجرائية المفهوم وموضوعيته. 22 جان لاكوتور، "التاريخ الآني"، في: جاك لوغوف (إشراف)، التاريخ الجديد، ترجمة وتقديم محمد الطاهر المنصوري (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007)، ص 367.
البحث التاريخي الذي يهتم بفترة حديثة جدًا، ويعتمد مناهج التحقيق - الاستجواب [...] يتكون خط 'التاريخ الآني' بصورة أساسية من القرب الزمني لعملية التحرير من الموضوع المتطرق إليه". ومن نافلة القول أن نذكر أنّ هذا الطرح يتماشى مع ما ذهب إليه فرانسوا هارطوغ من أن تجربة الزمن لدى كل مجتمع تتحدد في العلاقة والتمفصُل اللذين يقامان داخل حاضر معيّ، بين طريقة استحضار الماضي وطريقة استحضار المستقبل، أو بعبارة أخرى بين
"حقل التجربة" و"أفق الانتظار". إن اختلاف أشكال التوتر بين هذين المستويين هو الذي ينتج تعددية "أنظمة تاريخية" تخص كتابة التاريخ، في زمن توافر الثورة الإعلامية، بدليل هيمنة الصحافة ووسائط الإعلام الجديدة، ولا سيما القنوات التلفزية ووسائط الاتصال والإنترنت. وكلها وسائل تعطي انطباعًا متعلقًا بتسجيل الحدث في صفائه وفي لحظة وقوعه. بمعنى آخر، يعمل التاريخ الآني على تجاوز الزمن، أي حذف المسافة بين الماضي والحاضر، وتوليد الشعور بأننا نشاهد الحاضر وهو يتحول أمام أعيننا إلى تاريخ. وفي الوقت نفسه، يحيل "تاريخ الزمن الحاضر"، بوصفه حقلً هيستوريوغرافيًا، إلى التاريخ الذي لا يزال
فاعلوه وشهوده على قيد الحياة. وقد تغيرت كذلك هوية كاتب التاريخ من المؤرخ إلى الصحافي والشاهد والضحية، والمؤسسة القضائية التي يُطلب منها أن تبتّ في قضايا وتعبّ عن مسؤوليات مرتبطة بالماضي.
ثانيًا: المذكرات وعمل المؤرخ: أيّ حدود؟
1 ي. شهادات المعتقلين محاولة ف التفكيك
أتاحت الظروف المذكورة سابقًا فرصةً لظهور كتابات ذاكرية قدمت قراءتها للمرحلة، وعارضت الرواية الرسمية في بعض الأحيان، كما أنها أسمعت صوت المنسي والمهمش، وأوضحت المسكوت عنه، وأبرزت حجم العنف والتعذيب اللذين مورسا في حق الأشخاص. وسنقصر حديثنا على نموذجين من الإصدارات التي ظهرت بعد الإفراج عن معتقلي سجن تازمامارت، هما: مذكرات محمد الرايس، ومذكرات أحمد المرزوقي. تكمن أهمية هاتين الشهادتين في أنهما ترصدان الحدث نفسه، وترويان وقائع الانقلاب العسكري لعام 1971 وفق "رؤية عسكرية" هاجسها الأساس تنفيذ القرارات والانصياع للأوامر. وقد كُتبتا بعيدًا عن "الأهواء" السياسية والأيديولوجية، والانقسامات والصراعات الداخلية التي تقود عادة إلى "التصرف" في الواقعة، وسردها بصيغة "توجه" مجرى القصة، وتؤولها وفق غايات أخرى مختلفة عمّا تشير إليه الأحداث الفعلية من خلال تسلسلها. ومع ذلك، وفي هاتين الحالتين أيضًا لا نعدم وجود فوارق واختلافات تميز الشهادتين من بعضهما. فعلى الرغم من أنهما تحكيان الأحداث نفسها (الانقلاب العسكري الأول) وتتحدثان عن الشخصيات نفسها (اعبابو والجنرال المذبوح ومن معهما) وتصفان الحياة في المعتقل نفسه (تازمامارت)، فإنهما تختلفان في تصوير هذه الوقائع وتأويلها وتبريرها أيضًا، وهو ما يبدو من خلال "التعليقات"
23 المرجع نفسه، ص 368. 24 عبد الأحد السبتي، "الحاضر وتجربة الزمن في المجتمعات المعاصرة"، رباط الكتب، شوهد في 1 / 2 / 2019، في: cmrJB 33 / ly. bit:// https 25 محمد الرايس، من الصخيرات إلى تازمامارت: تذكرة ذهاب وإياب إلى الجحيم، ترجمة عبد الحميد جماهري (الدار البيضاء: منشورات الاتحاد الاشتراكي، 2000.)
تجدر الإشارة إلى أن محمد الرايس توفي في نيسان/ أبريل 2010. 26 أحمد المرزوقي، تزممارت: الزنزانة رقم 10 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2012).
المتعددة الواردة في نص الرايس، وهي تعليقات "أيديولوجية" منحازة تذم وتسفه وتبرر وتكذب و"تكشف" عن حقائق يجهلها الناس، الأمر الذي لا نعثر عليه في نص المرزوقي، وهذه قضية مهمة يمكن أن تخصص لها دراسة كاملة، وهي في جميع الحالات دليل آخر، على أنّ "العين الشاهدة" لا تلتقط دائمًا "الموضوعي" و"الحقيقي"، بل تضيف إليه شيئًا من هوى النظرة. وفق هذا المنظور، شكلت
عملية السرد علاجًا لمآسي المعتقل وشرط حياة لما بعده. تحيل هذه الكتابات على توظيف الذاكرة بشكل كبير في سرد الأحداث و"حكي" تجربة الاعتقال. يقول المرزوقي: "حفظنا عنه ذكرى سيئة جدًا"، ولذلك فهي مذكرات مثيرة وعنيفة ومرعبة ودامية وزاخرة بالأحداث والأمكنة والتواريخ والمواقف والمشاعر والشخصيات، تؤرخ للحظات السجن والموت والعذاب. يستهل الرايس مذكراته بقوله: "قررت اليوم بعد تفكير طويل أن أكتب هذه الشهادات الحقيقية"، ويتساءل هل عليّ أن أحكي فعلً كل شيء؟ ثم يجيب: "إن عدم فعل ذلك يعني عدم الوفاء بالوعد الذي قطعته على نفسي قبل خروجي، وخيانة ضميري، ولا سيما خيانة رفاقي في المعتقل". ويضيف: "إنني أريد أن أتخلص من هذا الكابوس الذي يسكنني والصراخات الحادة لرفاقي الذين جنوا بفعل العزلة والظلمة... لقد حررت هذه الشهادة بإخلاص ودقة مست الأحداث والمشاهد التي عشتها، سواء في الصخيرات أو تزممارت، والله وحده شاهد على ما أقول في هذا المخطوط". نجد الانطباع نفسه عند المرزوقي حين يعترف في سرد أوامر اعبابو قبل تنفيذ الهجوم على قصر الصخيرات بأنه لا يدعي نقل كلمات اعبابو حرفيًا، غير أنه يؤكد في المقابل أن بعضًا من جمله ظلت منقوشة في ذاكرته إلى اليوم. ويقول أيضًا: "قبل أن أتابع سرد الأحداث،
أرى لزامًا علي أن أوضح شيئًا بالغ الأهمية: في الصخيرات كما في تزممارت، لا يسوغ لأحد أن يزعم أنه شاهد كل الوقائع ووقف على
جميع الأسرار، وذلك لسبب بسيط يتمثل في أن كل شاهد لم يحضر ولم يشارك في المكان والزمان إلا جزءًا معينًا من الأحداث. لهذا
السبب تحديدًا، وسعيًا مني إلى توخي أكبر قدر من الموضوعية والصدق، تملي علي الحقيقة أن أؤكد أن كل ما سأرويه هنا هو خليط مما
رأيته رأي العين، وما سمعته محققًا من أفواه أصدقائي". كما نجد خلال تصفّحنا صفحات الكتاب الاعتماد الكلي على ما احتفظت به ذاكرة الشاهد، وما عاينه شاهدًا وفاعلً، وإن بشكل غير مؤثّر في مجريات الأحداث، لهذا لجأ إلى الذاكرة لسرد التجربة الأليمة، كما أنّ عمل الذاكرة يمكن أن يعتريه نقص أو نسيان أو انتقائية وانطباعية. وفي هذا الإطار ينبه الشاهد إلى ذلك بقوله: "فإذا قدر وحصل شيء من عدم تدقيق تسلسل الأحداث، فأرجو من أصدقائي أن يصححوه في شهاداتهم المقبلة، مساهمة منهم في بسط الوقائع كما جرت، لعلنا نوفق في تحقيق أقصى ما يمكن من صدق وأمانة"، وهو ما يوضح أن الهدف من هذه المذكرات هو توضيح ما جرى، لاستعادة كرامة المعتقلين، ومقاومة النسيان رغبةً في التأريخ البديل والمطالبة بالعدالة. صنفت هذه الشهادات في دائرة الكتابات الذاكرية باعتبارها قائمة على الحكي الاستعادي النثري، وهو ما يؤدي إلى تداخل في الدلالات والمحتويات التي تتضمنها: تاريخ الحياة، وسيرة الآخر، وقصة حياة، والكتابة الذاتية، وتاريخ حياة، والشهادات الحية،
27 سعيد بنكراد، "أدب السجون في المغرب: من الشهادة إلى التخييل"، أنفاس نت، 2 / 12 / 2007، شوهد في 16 / 2 / 2019، في: drJIN 39 / ly. bit:// https 28 المرزوقي، ص 123. 29 الرايس، ص 3 - 4. 30 المرزوقي، ص 34. 31 المرجع نفسه، ص 42. 32 المرجع نفسه.
والاستجوابات الصحافية، واليوميات الشخصية، والكتابة التسجيلية، وغيرها من التعبيرات التي تنتمي إلى أجناس أدبية مختلفة. والواقع أن هذه الكتابات ليست سوى جزء من إنتاج أوسع، ففي الظرفية نفسها صدرت كتب ألفها فاعلون سياسيون آخرون ينتمون إلى جهات متعددة، والملاحظ أنّ بعض هذه التأليفات كانت في الأصل حوارات مطولة صدرت على أعمدة بعض الصحف باللغتين العربية
أو الفرنسية. وقد أسهم هذا المناخ في إعادة تملّك الماضي، وفي إطلاق حالة بوح عمومي حر، ولفت الأنظار إلى ضرورة الاهتمام بالتاريخ
الراهن، ووضع الذاكرة السياسية والشخصية والمطبوعة بالتجربة تحت أنظار المؤرخ وعالم السياسة والاجتماع لبناء خطابٍ منحاز إلى الحقيقة والموضوعية. بناءً على ما سبق، يتضح التوظيف الكبير للذاكرة التي تعني قدرة الفرد أو الجماعة على تخزين أفعال أو معلومات ماضية بهدف
استحضارها لسبب من الأسباب، ولعل أبرز من أثار فلسفيًا وإبستيمولوجيًا إشكاليات العلاقة المركبة بين الذاكرة والتاريخ، مضيفًا إليهما
"النسيان"، هو بول ريكور في كتابه الذاكرة، التاريخ، النسيان، فالمؤلّف يعتبر أن الذاكرة هي الحافظة الأولى للتاريخ، بين قطبَي
الزمان والسرد: "هناك تقف الذاكرة وسيطًا، وتحوي النسيان نفسه الذي يشكل في النهاية الأفق المحدود لكل التجربة الإنسانية في كل امتدادها الزمني". لأجل ذلك، اعتبر فعل الكتابة صونًا للذاكرة الجماعية التي لخصها بيير نورا في ما تبقى من الماضي، من معاش الجماعات أو ما يتمثل بشأنه. إنها جماعات عريضة على مستوى النطاقات الثقافية أو الأمم أو الأيديولوجيات السياسية والدينية، وعليه تتطور الذاكرة بموازاة مع هذه التشكيلات، لكن الذاكرة نفسها تظل إرثًا غير قابل للتصرف، وفي الوقت نفسه سهل الاستعمال وأداة نضال وسلطة، بل رهانًا انفعاليًا ورمزيًا أيضًا. وعلى العكس من ذلك، تمتاز الذاكرة التاريخية بالوحدة فهي ثمرة تقليد معرفي وعلمي، وهي الذاكرة الجماعية أيضًا لجماعة المؤرخين، لذلك اعتبر جاك لوغوف أن البحث في الذاكرة الجمعية وإنقاذها وإعلاء شأنها، مما لا يرتبط بالحوادث بل بالزمن المديد، وتَقصّ هذه الذاكرة ليس في النصوص فحسب، بل في الأحاديث والصور والإشارات والشعائر والأعياد، يشكلان تحولً في النظرة
التاريخية. علاوة على ذلك، أبرز بيير نورا أن الذاكرة الجماعية لجماعة معينة تتبلور حول أماكن معينة لها قيمتها الرمزية، وتساهم في تشكل الهوية، فهذه الأماكن تحيل على كل الأماكن المادية وغير المادية المعمارية والوظيفية، وبذلك تتجسد الذاكرة في أماكن وجب جردها تثمينًا لها، لأنها صارت مواد للذاكرة التاريخية المتميزة بالتحليل والنقد والتركيز والتمييز، لهذا يتم استدعاء الذاكرة من أجل تجديد حقل التاريخ وتوسيعه. كما تجدر الإشارة إلى الفرق بين الذاكرة الجماعية والذاكرة التاريخية، إذ نجد في الأدبيات الكلاسيكية أن هذه الأخيرة تعني، بشكل عام، جزءًا من الذاكرة الجماعية، فهي تهدف إلى تقوية الشعور القومي الجماعي، وتأخذ في الاعتبار التغيرات المتسارعة في
33 فاتح رجب قدارة، "التأريخ للأحداث المعاصرة من خلال المذكرات والشهادات الشخصية: الأهمية والمحاذير البحثية (الحالة الليبية نموذجًا)"، أسطور، العدد 6
(تموز/ يوليو 2017)، ص 79 - 98. 34 نذكر هنا على سبيل الاستئناس، مذكرات محمد بنسعيد آيت إيدر، هكذا تكلم محمد بنسعيد (الرباط: منشورات مركز محمد بنسعيد آيت إيدر، 2019)، يقول عنها:
"لقد تطرقت إلى جميع القضايا التي كنت شاهدًا عليها أو فاعلً فيها، سواء كان مسكوتًا عنها إما لحسابات سياسية أو لخوف ما"، مشيرًا إلى أن مذكراته تخاطب الجيل
الجديد لكي يتعرف إلى هذه التجربة النضالية والسياسية؛ ومن الأعمال الأدبية التي اتخذت من حكاية تازمامارت موضوعًا لها نورد: الطاهر بن جلون، تلك العتمة الباهرة،
ترجمة بسام حجار (بيروت: دار الساقي، 2002). 35 حسن طارق، "عن مذكرات زعيم يساري مغربي"، العربي الجديد، 1 / 2 / 2019، شوهد في 2 / 3 / 2019، في: kOFB 4 m 3 / ly. bit:// https 36 بول ريكور، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة وتقديم وتعليق جورج زيناتي (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2009)، ص 14. 37 بيير نورا، "الذاكرة الجماعية"، في: الكتابة التاريخية، محمد حبيدة (ترجمة وتحرير)، (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2015)، ص 86. 38 جاك لوغوف، التاريخ والذاكرة، ترجمة جمال شحيد، سلسلة ترجمان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، ص 162.
المجال السياسي والاقتصادي والثقافي. ومع ذلك، إذا كانت الإشارة إلى الماضي من رؤية جماعية هي نهج مميز، لكنه يثبت مجموعة من الصعوبات، فالأهم من ذلك أن الذاكرة التاريخية لا تعكس بالضرورة "الحقائق التاريخية"، ولكن لديها درجة كبيرة من الموضوعية لأن اختيار كيفية تذكّر الماضي ينطوي على أحكام قيمة. وهكذا، يمكن أن تؤدي الذاكرة التاريخية دورًا وظيفيًا، الأمر الذي يعرضها
للتلاعب السياسي، ولكن أيضًا لخطر استخدامها؛ إما لتعزيز التزييف، وإما للتفسير الخاطئ المتعمد للتاريخ.
2. شهادة الشاهد وعمل المؤرخ
أبرزت كتابات المعتقلين السابقين وشهاداتهم تجربة الألم والمعاناة التي ذاقوا مرارتها، وعمدوا إلى تصوير يوميات السجن في أدق تفاصيلها، وكذا تسجيل سيرورة حالات الحياة وتحولاتها، وإبراز علامات الوهن والضعف التي أصابت أجسادهم، كما قدموا صورًا
لرفاقهم الذين فارقوا الحياة. "في لحظة حرجة كهاته يغوص الإنسان بلا وعي في أغواره السحيقة ليقيس حدود مناعته". وظفت أغلب هذه الكتابات الأسلوب السردي الذي يتخذ أحيانًا شكل حكي عفوي يروي وقائع التجربة وفق تسلسل كرونولوجي عادي (كان الشاهد/ المعتقل يملي هذه التجربة على طرف ثالث، وغالبًا ما يكون ثمة صحافي يقدم الصياغة النهائية). في المقابل،
تتضمن هذه الكتابات جزءًا من تاريخ نضال الشعب المغربي ضد التسلط والقهر والتوق إلى الحرية والديمقراطية والعيش الكريم،
فالجرح الذي ظل ينزف دمًا مدة طويلة، هو ذاته الذي يقود الشعب اليوم إلى معرفة كيف يحتمي من كل الجروح الآتية. استندت هذه الكتابات إلى الذاكرة من أجل استرجاع جزء من تاريخ المغرب وتاريخ انقلاب الصخيرات وفق رؤية مغايرة، إذ كتبوا عن هذه المرحلة بوصفهم فاعلين، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، فجاءت شهادتهم مطبوعة بآفة الذاكرة ومنها الانفعالية والأسطورية؛ لهذا فالسؤال الذي يطرح بإلحاح هو: كيف يمكن الركون إلى هذه الشهادات من أجل إنتاج معرفة تاريخية؟ وهل يمكن أن يساهم المؤرخ بشكل فعال في التنقيب عن الحقيقة والإلمام بكل حيثياتها وظروفها؟ يشير الباحث عبد الأحد السبتي إلى أن الشهادات/ المذكرات هي ذاكرة مرجعية، ووثيقة أساس لرصد تاريخ المغرب الراهن وكتابته اعتبارًا لوجود دمقرطة للمعرفة التاريخية، وهي تتمثل في الانتقال من ذاكرة الحكام إلى ذاكرة المنتجين من فلاحين وصناع، ومن تاريخ
الدولة إلى تاريخ الحياة اليومية في مختلف تجلياتها، بيد أنه نبّه إلى أن هناك عدة محاذير تواجه عمل المؤرخ المطالب بفهم الماضي في
إطار اختلافه عن الحاضر، لكنه يطرح في آن واحد على الماضي أسئلة تتأثر بقيم الحاضر، مما قد يساعد على إنتاج معرفة تاريخية تعكس ثراء الذاكرة المتعددة وتناقضاتها، وهي ذاكرة الحكام وذاكرة المناضل المغمور وذاكرة المواطن العادي، وقد يساعد ذلك على الانتقال من ذاكرة الإثارة والألغام إلى تمثل متكامل لتحولات الحقبة المعينة ورهاناتها. أضف إلى ذلك أن الكتابة التاريخية الرزينة هي قبل كل شيء تركيب واجتهاد، وفي نهاية الأمر تأويل لمجموعة من المعطيات
والوقائع المتداخلة والشائكة، غير أنه تأويل خاضع لضوابط علمية معترف بها ومتفق عليها. وفضلً عن وجود ما يصطلح عليه ب "ألغاز
39 Parlement Européen, Markus J. Prutsch, La mémoire historique européenne: Politique, défis et perspectives (Bruxelles: Septembre 2013), p. 5 , accessed on 11 / 12 / 2020 , at: https://bit.ly/ 2 W 2 piAT
40 المرزوقي، ص 85. 41 بنكراد. 42 عبد العزيز الطاهري، "الأستوغرافيا العربية المعاصرة بين التاريخ والذاكرة: المغرب أنموذجًا"، في: التأريخ العربي وتاريخ العرب: كيف كتب وكيف يكتب؟ الإجابات
الممكنة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، ص 7. 43 السبتي، التاريخ والذاكرة، ص 202. 44 المرجع نفسه، ص 207.
التاريخ" يصطدم المؤرخ أيضًا ب "جروح التاريخ"، بمعنى أحداث ووقائع وتصورات تخيم بظلالها على الشعور القومي وعلى الذاكرة الجماعية، ولا تفسح المجال للمناقشة الهادئة وللتحليل الموضوعي. وإذا كانت الشهادة/ المذكرات مصدرًا غير مكتمل، لما يعتريه من غموض واضطراب في السرد بالنسبة إلى المؤرخ، فإن ذلك هو
ما يشرعن تحوّل الشهادة إلى مادة للتاريخ، فليس هناك شهادة جيدة وأخرى رديئة، وما يهم المؤرخ من هذه الشهادات كلها هو بناء
الواقع القريب الذي ما زال تأثيره قائمًا، وما زالت شخوصه شاهدة على ما جرى وكيف جرى؛ لذلك فالرهان على الذاكرة اليوم الذي
هو أحد الثيمات Thèmes المهمة في المجتمعات المعاصرة، فبعد أن تجاوزت الذاكرة الجمعية، وفقًا للوغوف، التاريخ بوصفه علمًا أو
طقسًا دينيًا عامًا، وأحيانًا في حدها الأقصى بصفتها خزانًا متحركًا للتاريخ غنيًا بأرشيفه وبوثائقه وصروحه، وفي حدّها الأدنى بصفتها صدى
مسموعًا للعمل التاريخي، فإنها تشكل اليوم جزءًا من الرهانات الكبرى للمجتمعات. يصرح المرزوقي قائلً: "ما زال كل واحد منا يحفظها في ذاكرته ". فهل تمكّن الشاهد / الفاعل من تجاوز عتمة تازمامارت؟ وهل تمكّن من تجاوز فظاظة السجانين وعنفهم؟ يمكن أن نستخلص الإجابة عند المرزوقي عبر تفكيك السرد الذي خصه للحديث عن السجانين الذين صنّفهم إلى حراس طيبين، وآخرين غلاظ شداد لا يشفقون ولا يعصون أوامر مدير السجن الفظ الذي تفنن بدوره في تعذيب السجناء والاختلاس من ميزانية التغذية، فقد جاء على لسان مدير السجن قوله: "من الآن فصاعدًا لا تخبروني إلا بموتهم إن ماتوا، أما مرضهم فلا يعنيني في شيء". وتظهر شهادات الرايس تفاصيل أكثر ومعطيات كثيرة عن تجربة الانقلاب ومجريات أحداثه ومنعطفاتها وأسماء ضباط الجيش المؤيدين والمعارضين للانقلاب، وكذا مرارة الاعتقال، سواء في سجن القنيطرة أو معتقل تازمامارت، وفظاعة التعذيب والموت، فهل هي انتقائية ذاكرة الشاهد الأول أم تورط الشاهد الثاني في الأحداث بشكل كبير نظرًا إلى رتبته العسكرية؟ أم هما معًا؟ وكيف يمكن أن
يتعامل المؤرخ مع هذه الوضعية؟ وما حدود الموضوعية والدقة وشمولية النظرة؟ تحيلنا هذه الأسئلة على مساءلة صاحب المذكرات نفسه، باعتباره شاهدًا على مدى موضوعيته حين حكيه عن ذاته وتجربته ولكونه
حاضرًا فعليًا، بَيد أن هناك تحولً من زمن الحدث إلى زمن الكتابة التي تقدم الشاهد بوصفه ذاتًا وهوية، تماهيًا مع ما قاله تزفيتان
تودوروف من أن استرجاعنا الماضي أمر لا بد منه من أجل تأكيد هويتنا، سواء كنّا أفرادًا أو جماعات، إذ يمكننا التعرف إليهما من خلال إرادتهما في الحاضر، ومشاريعهما المستقبلية؛ ولكنهما، أي الفرد والمجتمع، لا يستطيعان الاستغناء عن هذه المرحلة الأولى لإحياء الماضي، فإذا فقدنا شعورنا بالانتماء من خلال امتلاكنا الهوية الشخصية، فإننا سنشعر بأنفسنا مهددين في شخصنا بعد أن سيطر علينا العجز، وهو ما يبرز الحضور القوي هنا للذات بوصفها ماهية وهوية، لها مجموعة من الروافد التي يحاول الإنسان جاهدًا الحفاظ عليها، وتعزيز حضورها في الزمن من خلال الحكي وتدبير التوتر بين الذاكرة والنسيان.
45 محمد كنبيب، "الحقيقة التاريخية بين ضوابط العلمية، الدولة والمجتمع"، ورقة مقدمة في ندوة مفهوم الحقيقة، هيئة الإنصاف والمصالحة، طنجة، 17 - 18 / 9 / 2004،
ص 2. 46 عبد الحميد الصنهاجي، "المؤرخ والشاهد: الكوم المغاربة في حرب الهند الصينية 1954 "، في: محمد كنبيب (تنسيق)، التاريخ الحاضر ومهام المؤرخ، سلسلة ندوات
ومناظرات 158 (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2009)، ص 71. 47 لوغوف، التاريخ والذاكرة، ص 166. 48 المرزوقي، ص 109. 49 المرجع نفسه، ص 107. 50 تزفيتان تودوروف، الأمل والذاكرة: خلاصة القرن العشرين، ترجمة نرمين العمري (الرياض: مكتبة العبيكان، 2006)، ص 228.
فالمعلوم أن زمن الحدث بتقلباته ومنعطفاته يختلف عن زمن الكتابة بهواجسه وهدوئه النسبي من أجل إضفاء نوع من الصدقية والعلمية على هذه المذكرات، لهذا يجد المؤرخ نفسه أمام مادة سردية تصبو إلى تحقيق "البطولة الفردية" أحيانًا، وتخليد التجربة الشخصية وكذا الجماعية، ووضعها في إطاراتها الطبيعية، أي التطور العادي للمجتمع والتحولات الطوعية والاضطرارية لسيرة الدولة والنظام، حيث ارتكزت عملية الحكي على الخلاص من مرارة التجربة، لذا فالرهان أمام مؤرخ الزمن الراهن هو ترجمة هذه المميزات إلى حقائق تاريخية، فهو في بحث دائم عن معالم في طريق البحث التاريخي بغية بناء معرفة تاريخية تخص مرحلة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، أو ما يصطلح عليه بسنوات الرصاص بتقلباتها الزمنية واختلافاتها الأيديولوجية وصراعاتها الفكرية، مما يدفعنا إلى مناقشة وظيفة المؤرخ ومدى تأثيره في المجتمع المغربي، علاوة على المهمة الأساس المتمثلة في حفظ الذاكرة التي لا تعني الاحتفالية والتمجيد وصقل الأساطير المؤسسة فحسب، بل تعني كذلك الاعتبار من الانتكاسات والمآسي، من دون إغفال مسألة أخرى مرتبطة بطبيعة المادة المصدرية نفسها التي هي هنا عبارة عن مذكرات وشهادات لمعتقلين، ومن ثم فهي مادة تخلق توترًا لدى القارئ والمهتم،
وتفضح ما كانت تروج له الأطروحات الرسمية، كما أنها تمثل ثورة في الكتابة، سواء من حيث الموضوع أو من حيث المعلومات، وتدل على قدرات هؤلاء المعتقلين على المقاومة وعلى الرغبة في البقاء وعلى فضح النزعة الاستبدادية، زيادة على التخلص من ماضٍ ثقيل جاثم على الصدور. وهي في عمقها تصحيح لتأويلات سنوات الرصاص وسد للفراغات التي قد توجد في الروايات الرسمية، واعتمدت في ذلك على الذاكرة الفردية والجماعية، وعلى تمثل الماضي والحاضر.
ثالثًا: العلاقة بين العدالة الانتقالية وكتابة التاريخ
اعتبر الباحث بيربر بيفرناج في مقال له عن العلاقة بين العدالة الانتقالية والتأريخ أنها علاقة معقدة وموضوع جدال، لأنها قد تحوّل المؤرخ
إلى محقق الشيء الذي انتقده العديد من المؤرخين، كما أشار إلى أن التأريخ للعدالة الانتقالية يعتمد بطريقة خاصة على العلاقة بينهما بوصفهما حقلين منفصلين، وجب فهم خصوصية وطبيعة كليهما، تحقيقًا "للمصالحة من خلال قول الحقيقة"؛ بمعنى جعل "التذكر عدالة". وبناء عليه، فقد حدد بعض الباحثين الوظيفة (المحتملة) لتأريخ العدالة الانتقالية بوصفه بحثًا عن الحقيقة (الموضوعية) أو كفاحًا ضد النسيان. كما
ركز على أن الخطاب التأريخي يستخدم في المجمل في العدالة الانتقالية من أجل صياغة مفاهيم جديدة حول "المسافات" الزمنية، ومن أجل تحديد الحدود بشكل رمزي بين الماضي والحاضر، وهو ما يثير عددًا من الأسئلة حول أخلاقيات استخدام خطاب الذاكرة في رأي الباحث. لا مندوحة عن الإشارة إلى أن التأريخ لهذه المرحلة يساهم في بناء الحقيقة من خلال تفكيك "الأساطير التاريخية"، ويمكن أن يساهم في المصالحة وبناء الدولة الديمقراطية، ففعل الكتابة يمثل صنفًا من أصناف العدالة التصالحية، كما شكلت فترة العدالة الانتقالية مناسبة لتنظيم مجموعة من اللقاءات والندوات من أجل التداول في النقاشات والأدبيات المتعلقة بالعدالة الانتقالية، باعتبارها إحدى الأطروحات المركزية التي توفر الأساس المنطقي لإنشاء لجان الحقيقة. علاوة على ذلك، كانت واحدة من الأفكار الأساسية التي أثارت اهتمامًا متزايدًا "الشرعية التعليمية" بين المهتمين، وقد قدمت بعض
الحجج الأساسية الكامنة وراء إنشاء قوانين الذاكرة الاجتماعية في العديد من البلدان، وهو ما نجده عند البحث في التجربة المغربية وتجربة
51 محمد حاتمي، "أدبيات السجون كمصدر تاريخي: الإشكاليات والمقاربة"، ورقة مقدمة في ندوة كتابات الاعتقال السياسي، هيئة الإنصاف والمصالحة، الرباط،
20 / 5 / 2004، ص 3.
52 Berber Bevernage, "Writing the Past Out of the Present: History and the Politics of Time in Transitional Justice," History Workshop Journal , vol. 69 , no. 1 (March 2010), accessed on 11 / 12 / 2020 , at: https://bit.ly/ 37 RuUn 7 53 Ibid.
هيئة الإنصاف والمصالحة التي جعلت أحد أهم مجالات اشتغالها حفظ الماضي من أجل عدم تكراره في المستقبل. وكذا التجربة التونسية من خلال عمل هيئة الحقيقة والكرامة، وتتلخص مهمتها في توثيق ومعالجة ماضي انتهاكات حقوق الإنسان بتونس الحديثة (1955 - 2013). إن الشهادة بوصفها مصدرًا للتاريخ تعبّ عن لحظة زمنية تطابق فيها الواقعة التاريخية لحظة البوح بها في الوقت نفسه، فعلاقة
الشهادة التاريخية هي علاقة مزدوجة الأطراف، مع التاريخ ومع الشاهد أيضًا، وهكذا تتحقق خصوصية التاريخ الراهن الذي صارت تصنعه المعلومة الفورية، والحديث التلقائي، والاستجواب، والخبر الذي تقدمه الوسائط المختلفة والمتنوعة في مجالات معينة، وفي طريقة التقديم نفسها. هذا التعدد والتنوع هو الذي صار يحث على عدم الركون المطلق إلى المعلومة مهما كان مصدرها، وإلى التوجس والريبة من التصريحات والشهادات والأحاديث. والتاريخ من هذه الناحية لا يكتب بلغة واحدة، ولا برأي واحد، ولا بشهادة واحدة، فقد زاد الوعي بالحقيقة إلى درجة لم يعد حديث "الآحاد" يكفي لإضفاء الصدقية على الرواية والشهادة والحديث من الذاكرة، وهو ما يستشف من قول العروي: "إن التاريخ فعاليات مختلفة، مستقلة بعضها عن بعض، تنتظم وتتوحد في عمل ينجز وفي خبر يروى. وما يتحكم في الحياة في العمل في القول هو الزمان. التاريخ لا يبدأ مع الرواية ولا مع العمل والإنجاز، ولا مع الحياة، بل قبل كل ذلك بمدد مديدة [...] الأثر، المثل، الحفظ الذكر، التقليد هي معان مكونة لمفهوم التاريخ". كما يمكن أن يشكل التاريخ أحد الأطر الاجتماعية للذاكرة في سياق تساؤلات جوهرية عن وظائف المؤرخ والإكراهات الجديدة التي باتت تصطدم بها مهماته المعتادة في محيط وطني ودولي متسم بشتى أنواع المراجعات والتحولات، وعلى أساس مقاربة ترغب في الشمولية، وتقوم على الانفتاح على العلوم الإنسانية والاجتماعية الأخرى، وكذلك مقارنة بالمكتسبات المنهجية والمعرفية التي راكمها البحث التاريخي، وهو ما يحيلنا على الحديث عن مهنة المؤرخ الذي يسعى للانفتاح على كل العلوم، لكنه يخشى أن يفقد الأس الذي ترتكز عليه خصوصية وأهمية نظرته، أي قدرته على التوليف التي يبدو أنه تخلى عنها من وراء توسيع خطاب المؤرخ. يبدو أنّ هناك إقرارًا بالعجز عن جعل كل الواقع مفهومًا، وأنّ المؤرخ لم يعد مدافعًا عن مجتمع يتقدم وفق قيم صلبة وعالمية، فهو
مرتج مثل العالم الذي يحيط به بفعل نسبية القيم التي جاء بها الغرب. كما أدى تشابك الأمكنة من جهة أخرى إلى نسبية المدة الزمنية. إنه تطور تاريخ مفكك نتيجة لتغير منظور الفرد المؤرخ، وهذا المؤرخ لم يعد يبحث عن فهم كل الواقع، بل يسعى لاكتشاف كل التاريخ من خلال هدفه، كما عبّ عن ذلك فرانسوا دوس. يسعى المؤرخ في مجال التاريخ الراهن إلى استجلاء الحقيقة، لهذا انخرط بشكل ملحوظ في النقاش الدائر حول أحقية المؤرخ في
كتابة تاريخ المرحلة بوصفه مشروعًا مشتركًا بين الروايات التاريخية المعتمدة على "التفسيرات الواعية" و"المعلومات المشتركة"، نظرًا
54 عبد الله العروي، مفهوم التاريخ (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1992)، ص 396. 55 فرانسوا دوس، التاريخ المفتت: من الحوليات إلى التاريخ الجديد، ترجمة محمد الطاهر المنصوري (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009)، ص 269 - 270. 56 على سبيل الذكر لا الحصر: السبتي، التاريخ والذاكرة، عبارة عن تشكيلة فسيفسائية من الدراسات التي كتبت على مراحل زمنية متباعدة، تحاول أن تبرز تطور الكتابة
التاريخية المغربية وتجاوز التاريخ السياسي-العسكري الكلاسيكي، وإعادة الاعتبار إلى المجتمع من أجل فهم مكوناته وشروط عيشه وديناميته، وذاكرته التي تزامنت مع مرحلة
بناء ذاكرة تاريخية وطنية؛ محمد كنبيب (تنسيق)، من الحماية إلى الاستقلال، إشكالية الزمن الراهن، سلسلة ندوات ومناظرات 133 (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم
الإنسانية، 2006)، تضمن مقالات تناولت الجوانب الإبستيمولوجية والمنهجية والقضايا السياسية المرتبطة بدراسة تاريخ الحماية الفرنسية وإشكالية الزمن الراهن، وعلاقة كل
ذلك بالذاكرة الجماعية بوصفها حاملً لمعطيات تاريخية؛ عبد الرحمن المودن وعبد الحميد هنية وعبد الرحيم بنحادة (تنسيق)، الكتابة التاريخية في المغارب: الهوية، الذاكرة
والإسطوغرافيا، سلسلة ندوات ومناظرات 138 (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2007)، تناول هذا العمل العلاقة بين الأطراف المكونة للعنوان بمشاركة
باحثين من بلدان المغارب؛ محمد كنبيب (تنسيق)، التاريخ الحاضر ومهام المؤرخ؛ عبد العزيز الطاهري، الذاكرة والتاريخ: المغرب خلال الفترة الاستعمارية (1912 - 1956)
(الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2016)، هو كتاب في الأصل عبارة عن أطروحة دكتوراه تقدم بها المؤلف لنيل شهادة الدكتوراه في التاريخ، وحاول من خلالها التركيز على
العلاقة بين الذاكرة والتاريخ في المغرب المعاصر في سياق التحولات التي عرفها المغرب في العقدين الأخيرين من توسيع هامش الحريات العامة، لهذا تناسل إنتاج المذكرات من
طرف فاعلين سياسيين نقابيين حزبيين... إلخ. ويوضح المؤلف أن كتابة التاريخ لم تعد حكرًا على المؤرخين المحترفين، بل أصبح هؤلاء يواجهون بمنافسة من طرف تخصصات
معرفية أخرى مثل علوم السياسة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفاعل الإعلامي والذاكرة التي أصبحت تنافس التاريخ في مجال الكتابة عن الماضي القريب.
إلى أن استخدام "الذاكرة التاريخية" كونها "آلية غير مستغلة لمعالجة هذه المرحلة" يستدعي الوعي بوجود فوارق بين الكتابة الذاكرية والكتابة التاريخية، فالأولى تعتمد، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، على التذكر والذاكرة، أما الثانية فتعتمد على منهج علمي مضبوط وقواعد محددة، فمن خلال تعدد الشهادات وتقاطعها والتقائها واختلافها، تظهر الحقائق التي يستعين بها الباحث في كتابة التاريخ وتحليله. بناء على ذلك، فإن عملية استعادة الماضي واستحضاره هي لمصلحة الأمة، لهذا اعتبر بول ريكور أن المشكل لا يبدأ مع التاريخ، بل مع الذاكرة، ودافع عن أسبقية مسألة التمثل الذاكري مقارنة بتمثل الماضي في التاريخ، حيث يكمن السبب في أن مشكل التمثل، الذي يشكل همًّا للمؤرخ، يتموضع منذ مدة على مستوى الذاكرة، بل يستقي منها حلًّ محدودًا وعارضًا يصعب إسقاطه على التاريخ. على هذا الأساس، يكون التاريخ وريثًا لمشكل يطرح من تحت، إذا صح القول، على مستوى الذاكرة والنسيان، وبذلك تنضاف صعوبات الخصوصية إلى صعوبات التجربة الذاكرية، وهو ما ينطبق على التجربة المغربية بوضوح، حيث لم يقتحم هذا الموضوع عددٌ
كافٍ من المؤرخين، نظرًا إلى وجود صعوبات منهجية وأخرى مرتبطة بالشهادات والمذكرات التي لا يمكن الركون إليها كليةً من أجل
كتابة تاريخ المرحلة. يضيف ريكور أن صعوبات الذاكرة تُنقل إلى إبستيمولوجية التاريخ، ذاكرة محظورة، ذاكرة مدبرة، ذاكرة مرغمة: إنها مواضيع متعددة ترنّ كالناقوس في أذن المؤرخ، ففي ضوء هذا الخليط من الذاكرة العسيرة يشيد التاريخ إكراهاته، وأيضًا الحصانات والتوسعات،
ويعمل على دمجها ضمن إشكالية التمثل التاريخي، وهو ما يسوغ تحويل الحكي إلى موضوع للتاريخ، لا يخرج عن الإطار الذي يحدده تمثل الذاكرة مع ضرورة الوعي بوجود الاختلاف بين عمل الذاكرة والمؤرخ، هذا الأخير الذي يستند إلى عُدة منهجية تجعله قادرًا
على تجاوز استعصاءات الذاكرة واقتفاء أثر الوثيقة والشهادة. وكما عبر عن ذلك مارك بلوخ، فإنّ على المؤرخ أن يبرع في اقتناص شواهده أولً وألّ يطمئن إليها ثانيًا، الشيء الذي يوضح أن
هناك مسؤولية ملقاة على عاتق المؤرخ، مردّها اختلاف الكتابة التاريخية العلمية التي تتوخى تعميم الفائدة والانحياز إلى أكبر قدر من
الموضوعية، كما تنبع هذه المسؤولية من الكيفية التي يربط بها بين وثائقه وبين الشهادات المتحصل عليها، ووضع الحدث ضمن إطاره العام وعلى الأرضية التي أفرزتها، مع مراعاة جميع عناصرها من سوسيولوجيا واقتصاد وسياسة وعلم النفس، وهنا يمكن أن يقدم المؤرخ الإجابات عن الطلب الاجتماعي الكبير لمعرفة بعض حقائق المرحلة، رغم منافسة وسائل الإعلام في صناعة الحدث ونقل الخبر الفوري الذي تحوّل إلى ما يشبه سلعة استهلاكية، حين أصبحنا نعيش تحت رحمة سلطة الصورة، وزادت سلطة الفرجة، وأصبح الخبر يركز على
الفضيحة والإثارة والشائعة، وبذلك أصبح الحدث صناعة تخاطب المخيلة، وتتقن السرد، ويخفي واقع الرهانات الاجتماعية والسياسية، وأصبحت الصحافة هي التي تؤرخ وتقيس تاريخية الحدث. الرهان المطروح اليوم هو إثارة الاهتمام بحيوية استرجاع الوعي التاريخي وتنقيحه، وتقريب علم التاريخ من عموم المواطنين على نحو تتم فيه تنقية زوايا الذاكرة الجماعية من كثير من الشوائب التي علقت بها، لأن مواطنًا جاهلً بتاريخه ومستسيغًا لكل ما يسرب
إليه، بسبب فقدانه تلك المناعة التي يوفرها الوعي التاريخي، لا يمكنه أن يسهم إسهامًا واعيًا في الحياة العامة لبلده، مع التأكيد فعلً
أن الذاكرة الجماعية مجال آخر للصراع، وأن المعرفة التاريخية سلاح ليس أقل مضاءً من الأسلحة الأخرى، فالتصالح مع الوعي
57 حبيدة، ص 92. 58 المرجع نفسه. 59 مارك بلوخ، دفاعًا عن التاريخ أو مهنة المؤرخ، ترجمة أحمد الشيخ (القاهرة: المركز العربي الإسلامي للدراسات الغربية، 2012)، ص 107.
60 عبد الأحد السبتي، "التاريخ والثقافة الشفوية"، رباط الكتب، 6 / 1 / 2014، شوهد في 11 / 8 / 2017، في: U 1 KGSv 2 / ly. bit:// https
التاريخي يتم ويتبلور بإعادة صهر معرفتنا التاريخية ومقاربتها بطريقة ديمقراطية ونشرها بشفافية ونزاهة، بعيدًا عن التشنج والخلفيات
المصلحية الضيقة والنظرة الأحادية لوقائع تاريخنا المشترك، لأن تدوين الأمم والشعوب تاريخها وتلقينه لناشئتها ليس ترفًا فكريًا، بل
هو من صميم أدوات التحكم في مصائرها سلبيًا أو إيجابيًا.
خلاصة
تأسيسًا على ما سبق، يمكن الخروج بالخلاصات التالية: إن تجربة العدالة الانتقالية في المغرب تجربة مهمة في العالم العربي والإسلامي وقد ساهمت في تغيير واقع حقوق الإنسان، لكن هناك عمل كبير ينتظر الهيئات الحقوقية، كالمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، من أجل صيانة المكتسبات والقطع النهائي مع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والتطلع نحو المستقبل، خاصة أن عمل الهيئة لم يرض المعتقلين وذويهم، بما في ذلك صيغ جبر الضرر. تتأسس العدالة الانتقالية على كشف الحقيقة التي هي كذلك غاية المؤرخ وهدفه الأسمى، فهو المؤهل أكثر من غيره لامتلاكه أدوات منهجية تمكّنه من تدقيق ونقد ما جاءت به المذكرات من شهادات واعترافات وحكي وجلسات استماع، وتقديم ذلك في صيغة موضوعية تخدم مسار العدالة الانتقالية في المغرب. إن بناء معرفة تاريخية "موضوعية" بالاعتماد على الذاكرة الأليمة وذاكرة الاعتقال يتطلب تضافر الجهود، وحضور الوعي التاريخي القادر على تطوير العمل وتنويعه. ولتحقيق ذلك يجب إعادة النظر في برامج مادة التاريخ في المدارس والجامعات المغربية. توسيع حقل التاريخ الراهن الذي يعتبر مختبرًا لمواجهة إشكالات الذاكرة والشهادة، وارتباطها بالموضوعية وبالحقيقة في تمثّل
الماضي، وأيضًا وسيلة ناجعة للتفاعل بين المؤرخ وموضوع بحثه. وضع إطار مؤسساتي يجمع بين المؤرخ والهيئات الحقوقية، وخلق تنسيق عابر للتخصصات. إن التحول في التعامل مع الماضي هو من بين المؤشرات الدالة على ترسيخ الانتقال الديمقراطي، عن طريق شيوع الوعي التاريخي اعتمادًا على الأرشيف الذي أوجدته أشغال هيئة الإنصاف والمصالحة، واستثمار الأرشيف المتاح في مؤسسة أرشيف المغرب بطريقة
منهجية متجاوزة لغة الإثارة والصحافة والتوظيف السياسي، زيادة على الانفتاح على العلوم الإنسانية والاجتماعية بهدف الاستجابة لميثاق الحقيقة مع الأجيال الحاضرة والقادمة، ووضع الضمانات الدستورية لمنع تكرار ما جرى، وتعزيز احترام حقوق الإنسان وتحسين الحكامة الأمنية وعلى الخصوص في أثناء الأزمات.
61 محمد بوكبوط، "سلطة التاريخ ورهان حماية الذاكرة الجماعية"، الجمعية المغربية للبحث التاريخي، شوهد في 11 / 11 / 2018، في: 0 cBn 4 q 3 / ly. bit:// https
المراجع
العربية
آيت إيدر، محمد بنسعيد. هكذا تكلم محمد بنسعيد. الرباط: منشورات مركز محمد بنسعيد آيت إيدر، 2019.
26 - 27 (ربيع-صيف 2014).
بن جلون، الطاهر. تلك العتمة الباهرة. ترجمة بسام حجار. بيروت: دار الساقي، 2002.
السياسات، 2017.
الإنصاف والمصالحة. الرباط، 20 / 5 / 2004. الكتابة التاريخية. محمد حبيدة (ترجمة وتحرير). الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2015.
للترجمة، 2009.
منشورات الاتحاد الاشتراكي، 2000.
السبتي، عبد الأحد. التاريخ والذاكرة: أوراش في تاريخ المغرب. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2012.
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014. العروي، عبد الله. مفهوم التاريخ. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1992.
نموذجًا)". أسطور. العدد 6 (تموز/ يوليو 2017).
References
البريكي، عزيزة ورشيد توهتو. "الذاكرة المروية وعدالة الانتقال: بين مقاربة الحركات الاجتماعية والتاريخ الجديد". إضافات. العددان
بلوخ، مارك. دفاعًا عن التاريخ أو مهنة المؤرخ. ترجمة أحمد الشيخ. القاهرة: المركز العربي الإسلامي للدراسات الغربية، 2012.
التاريخ الشفوي: مقاربات في المفاهيم والمنهج والخبرات. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015. التأريخ العربي وتاريخ العرب: كيف كتب وكيف يكتب؟ الإجابات الممكنة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة
تودوروف، تزفيتان. الأمل والذاكرة: خلاصة القرن العشرين. ترجمة نرمين العمري. الرياض: مكتبة العبيكان، 2006. حاتمي، محمد. "أدبيات السجون كمصدر تاريخي: الإشكاليات والمقاربة". ورقة مقدمة في ندوة كتابات الاعتقال السياسي. هيئة
دوس، فرانسوا. التاريخ المفتت: من الحوليات إلى التاريخ الجديد. ترجمة محمد الطاهر المنصوري. بيروت: المنظمة العربية
الرايس، محمد. من الصخيرات إلى تازمامارت: تذكرة ذهاب وإياب إلى الجحيم. ترجمة عبد الحميد جماهري. الدار البيضاء:
ريكور، بول. الذاكرة، التاريخ، النسيان. ترجمة وتقديم وتعليق جورج زيناتي. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2009.
الطاهري، عبد العزيز. الذاكرة والتاريخ: المغرب خلال الفترة الاستعمارية (1912 - 1956). الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2016. عبد اللطيف، كمال. العدالة الانتقالية والتحولات السياسية في المغرب: تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة. الدوحة/ بيروت:
قدارة، فاتح رجب. "التأريخ للأحداث المعاصرة من خلال المذكرات والشهادات الشخصية: الأهمية والمحاذير البحثية (الحالة الليبية
كنبيب، محمد. "الحقيقة التاريخية بين ضوابط العلمية، الدولة والمجتمع". ورقة مقدمة في ندوة مفهوم الحقيقة. هيئة الإنصاف والمصالحة. طنجة، 17 - 18 / 9 / 2004. ________ (تنسيق). من الحماية إلى الاستقلال، إشكالية الزمن الراهن. سلسلة ندوات ومناظرات 133. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2006. ________ (تنسيق). التاريخ الحاضر ومهام المؤرخ. سلسلة ندوات ومناظرات 158. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2009. لوغوف، جاك (إشراف). التاريخ الجديد. ترجمة وتقديم محمد الطاهر المنصوري. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007. ________. التاريخ والذاكرة. ترجمة جمال شحيد. سلسلة ترجمان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017. المرزوقي، أحمد. تزممارت: الزنزانة رقم 10. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2012. المملكة المغربية. هيئة الإنصاف والمصالحة. التقرير الختامي: الكتاب الرابع: مقومات توطيد الإصلاح والمصالحة. الرباط: المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، 2006:. في oLjZCb 3 / ly. bit:// https ________. هيئة الإنصاف والمصالحة. التقرير الختامي: الكتاب الثالث: إنصاف الضحايا وجبر الأضرار. الرباط: المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، 2006:. في bRENa 33 / ly. bit:// https ________. هيئة الإنصاف والمصالحة. التقرير الختامي: الكتاب الأول: الحقيقة والإنصاف والمصالحة. الرباط: المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، 2006:. في NcSC 362 / ly. bit:// https المودن، عبد الرحمن وعبد الحميد هنية وعبد الرحيم بنحادة (تنسيق). الكتابة التاريخية في المغارب: الهوية، الذاكرة والإسطوغرافيا. سلسلة ندوات ومناظرات 138. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2007. مؤذن، عبد الحي. "العدالة الانتقالية والسلطوية الملبرلة: نموذج المغرب". عمران. العدد 5 (صيف 2013.)
الأجنبية
• Bevernage, Berber. "Writing the Past Out of the Present: History and the Politics of Time in Transitional Justice."
• El Yazami, Driss. "L'instance équité et réconciliation: Transition politique, histoire et mémoire." Confluences
• Institut d'histoire du temps présent. Écrire l'histoire du temps présent: En hommage à François Bédarida. Paris:
• Parlement Européen. Markus J. Prutsch. La mémoire historique européenne: Politique, défis et perspectives.
History Workshop Journal. vol. 69 , no. 1 (March 2010). at: https://bit.ly/ 37 RuUn 7
Méditerranée. vol. 3 , no. 3 (Septembre 2007).
CNRS Ed., 1993.
Bruxelles: Septembre 2013. at: https://bit.ly/ 2 W 2 piAT