النكتة مصدرًا تاريخيًا هل يساهم النص المضحك في كتابة التاريخ العربي؟
The Joke as a Historical Source Do Funny Texts Contribute to Writing Arab History?
الملخّص
تتجدّد أسئلة المادة المصدرية وتتناسل كلّما اتسعت رقعة التحولات المعرفية والطفرات المنهجية، وكلّما تكاثفت العلاقات البينية اللاحمة بين التاريخ والعلوم المجاورة التي تمدّ المؤرخ بآليات جديدة للاشتغال، وتدخله في عوالم معرفية لم تكن مألوفة لديه، ومن بينها عالم الضحك الذي أنتج نصوصًا هزلية تقدّم نفسها اليوم مادةً مصدرية لقراءة التاريخ، مقابل النصوص والوثائق الرسمية التي عادة ما تتميّز بخطاب جدّي ومنضبط، وبإيقاع لا يتجاوز سقف المعايير القيمية المتعارف عليها. وبحكم أنّ الإنسان "حيوان ضاحك"، وكائن ذو طبيعة نفسية مركّبة، تجمع بين الجدّ والهزل، فمن البديهي أن يُنتج نصوصًا مضحكة، بل إن النكتة التي يحكيها في شكلها الملفوظ جزء مما يسميه بول ريكور "حضارة الكلام" مقابل حضارة العمل والمنجزات ، فضلًا عن كونها إحدى تجليات التمثّلات الذهنية المتولّدة من قيم مجتمعية وذاكرة جماعية. وبما أنه لا يمكن تصوّر تاريخ بشري خالٍ من الضحك، فإن السؤال المركزي الذي نروم إثارته في هذه الدراسة هو: إلى أي حدّ يمكن اعتبار النصّ المضحك، من نوادر ونكت ومستملحات وطرائف، مصدرًا من المصادر التي يستند إليها المؤرخ لسدّ بعض ثغرات التاريخ العربي، وتفسير التاريخ السياسي والاجتماعي؟ ثم أيمكن اعتبار النص المضحك مكمّلًا للنص "الجادّ" أم ناقضًا لصحته؟ وهل يعدّ الهزل في حدّ ذاته تعبيرًا عن واقع تاريخي مسكوت عنه، ولو بطريقة مراوغة ومليئة بالشيفرات؟
Abstract
Professor of History and Civilization at the University of Moulay Ismail, Meknes, Morocco. Head of the Maghreb Group for Historical Studies and Comparative Civilizations. Paul Ricœur, Histoire et vérité , 3 ème ed. (Paris: Seuil, 1967), p. 263.
- الضحك
- الكتابة التاريخية
- النكتة
- السياسة
- Joke
- Historical Writing
- Laughter
- Politics
هل يساهم النص المضحك يف كتابة التاريخ العربي؟
The Joke as a Historical Source
Do Funny Texts Contribute to Writing Arab History?
مدخل: سؤال النكتة بوصفه مصدرًا يف الدراسات التاريخية
تتجدّد أسئلة المادة المصدرية وتتناسل كلّما اتسعت رقعة التحولات المعرفية والطفرات المنهجية، وكلّما تكاثفت العلاقات البينية اللاحمة بين التاريخ والعلوم المجاورة التي تمدّ المؤرخ بآليات جديدة للاشتغال، وتدخله في عوالم معرفية لم تكن مألوفة لديه، ومن بينها عالم الضحك الذي أنتج نصوصًا هزلية تقدّم نفسها اليوم مادةً مصدرية لقراءة التاريخ، مقابل النصوص والوثائق الرسمية التي عادة ما
تتميّز بخطاب جدّي ومنضبط، وبإيقاع لا يتجاوز سقف المعايير القيمية المتعارف عليها. وبحكم أنّ الإنسان "حيوان ضاحك"، وكائن
ذو طبيعة نفسية مركّبة، تجمع بين الجدّ والهزل، فمن البديهي أن يُنتج نصوصًا مضحكة، بل إن النكتة التي يحكيها في شكلها الملفوظ
جزء مما يسميه بول ريكور "حضارة الكلام" مقابل حضارة العمل والمنجزات، فضلً عن كونها إحدى تجليات التمثلّات الذهنية المتولّدة من قيم مجتمعية وذاكرة جماعية. وبما أنه لا يمكن تصوّر تاريخ بشري خالٍ من الضحك، فإن السؤال المركزي الذي نروم إثارته في هذه الدراسة هو: إلى أي حدّ
يمكن اعتبار النصّ المضحك، من نوادر ونكت ومستملحات وطرائف، مصدرًا من المصادر التي يستند إليها المؤرخ لسدّ بعض ثغرات
التاريخ العربي، وتفسير التاريخ السياسي والاجتماعي؟ ثم أيمكن اعتبار النص المضحك مكم لً للنص "الجادّ" أم ناقضًا لصحته؟ وهل
يعدّ الهزل في حدّ ذاته تعبيرًا عن واقع تاريخي مسكوت عنه، ولو بطريقة مراوغة ومليئة بالشيفرات؟ لا مشاحّة في أن النكتة تضرب بجذورها في عمق التاريخ، وتشكّل تعبيرًا رمزيًا دفينًا يحتلّ مساحة واسعة في المخزون الثقافي للمجتمع
العربي وقيمه وتقاليده وأعرافه. ومع ذلك لم يتم تداولها في الدراسات التاريخية العربية المعاصرة، أو تمّ إهمالها بحجة أنها مجرد مصدر
هامشي يفتقر إلى الجدية والانضباط، ويكتنفه غموض المعنى وتورية المقصد، ومن ثمّ لا يرقى إلى الدقة والقيمة التي تتميّز بها الوثيقة.
مقابل ذلك، نهلت الدراسات النفسية والأدبية والسوسيولوجية والأنثروبولوجيا الاجتماعية من علم الفكاهة Humorology، ففتحت
1 أستاذ التاريخ والحضارة في جامعة مولاي إسماعيل بمكناس، المغرب. ورئيس المجموعة المغاربية للدراسات التاريخية والحضارات المقارنة.
ورشات جديدة في حقول البحث؛ ما جعل النكتة تشكّل نقطة تقاطع في حقل الدراسات البينية studies - Interdisciplinary. لذلك، تروم محاولتنا استنطاق النص المضحك في مجال التاريخ، وطرحه بصفته إشكالية مصدرية في هذه الدراسة، ووضعه تحت المجهر، بهدف تسليط الضوء عليه من حيث هو مادة تؤرخ للذاكرة الجماعية، ومناقشته بوصفه جنسًا أدبيًا - شفاهيًا يسعى إلى توليد إضافات جديدة، وتقديم إجابات عن أسئلة يطرحها البحث التاريخي؛ لأن النكتة في ظاهرها نشاط هزلي يروم إضحاك المتلقي، ولكنها في العمق رسالةٌ جديّة، وطرحٌ لقضايا مجتمعية وسياسية واقتصادية وذهنية شائكة، وأداةٌ لفهم العقليات وتحليل النظم والقيم الثقافية التي تندرج في قلب اهتمامات المؤرخ.
أولً: النكتة نصعًّا تاريخيًّا معبًّا عن ذاكرة المجتم
1 ي. ف مفهوم النكتة
على مستوى البنية اللغوية، تعرض المعاجم لمصطلح "النكتة"، ضمن شبكة مفاهيمية تتباين مع المفهوم الحديث للمصطلح، فالفعل "نكتَ" يعني الضرب أو القرع على الأرض بقضيب أو عود أو حصى. وقد ورد في معنى الرجل الذي يفكر ويحدّث نفسه. وقد يكون المعنى الأقرب إلى الاستهزاء هو ذاك الذي يحمله مصطلح "النكّات"، أي الطعّان في الناس، والنكيت المطعون فيه، وطعنه ونكته
إذا ألقاه على رأسه. كما ورد في المعاجم أن "النكتة" هي النقطة السوداء أو شبه الوسخ في شيء صافٍ كالمرآة أو السيف. ويستنبط من جملة هذه الدلالات اللغوية أنّ مفهوم النكتة لم يكن إلى حدود القرن الثالث الهجري هو المفهوم ذاته الذي يستخدم اليوم بمعنى الفكاهة والضحك. ويرى الباحث عباس علي السوسوة الذي أصّل، بكثير من العمق والدقة، مصطلح "النكتة"، عن طريق مسح لغوي وتطوري لدلالاته من المادي إلى المعنوي، أن أول من استخدم هذا المصطلح بمعنى التعليق الساخر هو بديع الزمان الهمذاني في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي (ت. 395 ه/ 1007 م). وترد مصطلحات رديفة أخرى تقترب من مفهوم النكتة من قبيل الدعابة والتفكّه والهزل والمزاح والنوادر والمستملحات والسخرية والهجاء، مع وجود بعض الاختلاف في المعاني التي لا يَسمح المجال بعرضها كاملة.
3 من الدراسات التاريخية الغربية التي اعتمدت النكتة مصدرًا، كتاب المنجل والمطرقة: تاريخ الشيوعية كما ترويه النكت، وهو دراسة أكاديمية عن النكت التي
أبدعها الشعب الروسي ضد تسلط الزعيم الروسي ستالين. كما اهتمت الدراسات الأنثروبولوجية بعلاقات التفكّه Relationship Joking في المجتمعات البدائية. ينظر:
Mahadev L. Apte, Humor and Laughter: An Anthropological Approch (Ithaka/ London: Cornell University Press 1985), pp. 29 - 30.
وننوّه بالدراسة القيّمة التي أنجزها الباحث أحمد شايب، والتي بيّ فيها أهمية علم الفكاهة في البحث العلمي. انظر: أحمد شايب، الضحك في الأدب الأندلسي: دراسة في
وظائف الهزل وأنواعه وطرق اشتغاله، ط 2 (الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2008)، ص 69، 76. 4 شايب، ص 10، ورد في:
Salvatore Attardo, "From Linguistics to Humor Research and Back: Applications of Linguistics to Humor and their Implications for Linguistic Theory and Methodology," PhD. Dissertation, Purdue University, 1992 , p. 2.
5 محمد بن مكرم بن علي بن منظور، لسان العرب، مج 14، ط 6 (بيروت: دار صادر، 2008)، ص 350، مادة "نكت." 6 عباس علي السوسوة، "النكتة تأصيل لغوي تاريخي"، مجلةمجمع اللغة العربية بدمشق، العدد 79 (نيسان/ أبريل 2004)، ص 294. 7 ينظر حول هذه الاختلافات: أحمد الحوفي، الفكاهة في الأدب: أصولها وأنواعها (القاهرة: نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، 2001)، ص 87 - 88، 177 - 178.
بيدَ أننا إذا تجاوزنا المستوى اللغوي، لا يكون من السهل إعطاء النكتة مفهومًا اصطلاحيًا دقيقًا وشاملً، بسبب تنوع أصنافها
وانتمائها إلى عدد من التخصصات المجاورة للتاريخ. لذلك اعتبرها البعض ضربًا من الألغاز وخبايا الأسرار التي تستعصي على تقديم
تعريف مضبوط ومحدّد، بحكم علاقتها المعقدة باللاشعور. وإذا حاولنا تركيب مختلف التعريفات الواردة حول مفهوم النكتة، أمكن القول إنّها آلية من آليات التواصل البشري، وجنس من الأجناس الفكاهية التي تسهم في الاندماج والتفاعل الاجتماعي، وتلامس مجريات الواقع وتداعياته. وعادة ما ترد في نصّ إبداعي
لفظي شفهي تواصلي يبثّه المرسل للمتلقي، بهدف إحداث أثر سارّ في نفسيته بواسطة حكاية طريفة تتميز بالقدرة على إضحاكه،
والتنفيس عما يختلج في ذاته من مشاعر مكبوتة يستعصي حلّها في عالمه الواقعي. كما أنها شكل من أشكال التواصل المعتمد على تقنية الإشارات والتورية والإلماع. وقد نظر إليها سيغموند فرويد على أنها انتصار على النرجسية، وتحدّ للواقع، وتحرير للرغبات المكبوتة، وتحويل الضعف إلى قوة، والألم إلى لذة. إلّ أن النكتة تتمظهر في عدة أصناف بحسب الدور الوظيفي الذي تقوم به، فهناك النكتة السياسية والنكتة الاجتماعية والنكتة الجنسية. وقد يرتبط نوعها بفئة مهنية كنكت الأطباء ونكت المعلمين ونكت الحرفيين، أو تكون ذات طابع جهوي أو قبلي أو عرقي. ولكل صنف من هذه الأصناف قسماته الخاصة. وبحكم تركيز ورقتنا على النكتة السياسية، يُمكن تعريفها بأنها شكل من أشكال التعبير
الجماعي عن قضايا المجتمع بطريقة مجازية ساخرة، فيها نوع من النقد للوضع السياسي والاجتماعي القائم. كما أنها رسالة خفية تتضمن الانتقاد الساخر الموجه إلى طرف معين، ومحاولة لتجاوز ظروف القهر والكبت، والتعبير عن موقف الفئات المظلومة، والأقلية ضد الأغلبية، وإبراز المواقف والتطلعات التي تختزنها الشعوب، ولا تقدر على الجهر بها علنًا، وغالبًا ما يتمّ إنتاجها في الأوساط الشعبية
وفئات المهمشين. وإذا كان بعض الباحثين يصنفونها ضمن شبكة الأشكال الفنية كالأدب والشعر والموسيقى والرسم والنحت، باعتبارها نصَّا تعبيريًا
يختزن أبعادًا شفافة وجمالية، فهل يمكن اعتبارها أيضًا نصًّا تاريخيًا يستند إليه المؤرخ في بناء مادته التاريخية؟
2 ي. ف رصد صلة النكتة بالتاريخ والذاكرة الجمعية
يستشف الفاحص للحوليات التاريخية العربية خلوها من أي نصّ ضاحك يزرع البسمة في شفاه القارئ. وعلى العكس، تُهيمن
على معظمها نصوص الخوف والعنف والعبوس والجهامة، وحتى في متون المعاهدات السلمية أو أخبار السفارات التي تشكل لحظة من اللحظات التي تختفي فيها لغة العنف والثأر والحروب، وترجح كفة التعايش والسلام بين البشر، لا نجد سوى النصوص الرسمية التي تتميز بالجدية و"الوقار"، وتهيمن عليها اللغة العالمة.
Louis Gazamian, "Pourquoi nous ne pouvons définir l'humour?" Revue Germanique , vol. 2 , no. 1 (Novembre 1906), p. 631. Marc Chapiro, L'illusion comique, Bibliothèque de philosophie contemporaine (Paris: PUF, 1940), p. 20.
10 شاكر عبد الحميد، الفكاهة والضحك: رؤية جديدة، سلسلة عالم المعرفة 289 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2003)، ص 387.
11 Sigmund Freud, Le mot d'esprit et ses rapports avec l'inconscient , Marie Bonaparte & M. Nathan (trads.), Une édition électronique réalisée à partir du livre de Sigmund Freud (1905) (Paris: Gallimard, 1930), pp. 120 - 121.
12 يحيى البشتاوي، "النكتة الشعبية ودورها في النقد السياسي"، الفنون الشعبية، العدد 20 (تشرين الأول/ أكتوبر 2016)، ص 8. 13 إدريس ولد القابلة، "في النكتة السياسية"، دار ناشري للنشر الإلكتروني، 25 / 9 / 2008، شوهد في 10 / 12 / 2020، في: rgmAGx 3 / ly. bit:// https 14 حسين علي لوباني الداموني، الملف السرّي للنكتة العربية (بيروت: مؤسسة الانتشار العربي، 2005)، ص 272.
وفي المدونات التاريخية الرسمية تندر الإشارات التي تُشير إلى ضحك الملوك، رغم أن أروقة بلاطاتهم لم تكن تخلو من المتندّرين والشخصيات الكوميدية التي كانت تجبرهم على إظهار الجانب المتواري في حياتهم، خاصة أن الضحك كان يخفف عنهم أعباء الحكم، ويعيد لهم التوازن والراحة النفسية، ويساعدهم على الفهم والإدراك كما لاحظ ذلك أبو حيان التوحيدي، وكما أثبت ذلك علماء النفس من خلال نظرية السرور، فضلً عن كون الضحك غريزة إنسانية مشتركة بين البشر ملوكًا ورعايا. ومع ذلك، تنأى النصوص التي كتبت حول الملوك عن إيراد أي شيء من ذلك في الغالب الأعم. رغم هذا الفراغ والندرة في روايات النكت والهزل في الحوليات التاريخية، لا نعدم نوادر ومستملحات وردت في المصادر الدفينة مثل كتب الطبقات والتراجم، وأخبار الحمقى والمغفلين، والموسوعات التاريخية العامة، يمكن من خلالها قراءة ذلك "التاريخ الصغير" المتواري خلف صفحات "التاريخ الكبير" المليء بالجدية، والأخبار الرسمية والسياسية، ووقائع الحروب. وباستقراء نصوص النكت، يمكن أن نتلمّس خمسة مؤشرات دالة على صلة النكتة بالتاريخ والذاكرة الجماعية، واعتبارها مصدرًا من مصادره البديلة: إذا كان التاريخ يجعل من سلوك الإنسان موضوعًا للدراسة والتحليل، فإن الضحك الذي تختزنه النكتة هو كذلك تعبير وسلوك مرتبط بالإنسان دون غيره؛ إذ لا يمكن أن يضحكنا إلا ما هو بشري، فالحيوان والأشياء لا تضحك، حتى ولو قمنا بإضحاكها بالإشارات. وقد يكون في الحيوان مشهد مضحك، ولكنه لا يثير فينا الضحك، ولو صدر هذا المشهد عن إنسان كما يقول هنري برغسون لأضحكنا، لأنه تعبير غير مألوف، وله دلالات. ومن هذا المشترك البشري، يشكل الإنسان نقطة تقاطع بين التاريخ ونصّ النكتة، لأنها تترجم هموم الإنسان ومشكلاته المستعصية، وهو ما تعكسه الأمثال الشعبية التي ربطت بين الضحك وهموم الإنسان. يشترك التاريخ والنكتة أيضًا في اهتمامهما بالخبر، فإذا كان التاريخ في مستواه الظاهري الإخباري "لا يزيد على إخبار عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأول" كما يشير إلى ذلك ابن خلدون، فإن النكتة بدورها مادة خبرية قصيرة، ترد في شكل حكاية أو لفظ يثير الضحك. وإذا كان للتاريخ معنى ظاهري وآخر باطني، فللنكتة أيضًا المعنيان أنفسهما كما سنحلّل لاحقًا. إذا كان التاريخ يصبو إلى الكشف عن الحقيقة، فللنكتة الدور الوظيفي نفسه؛ لأن الحقيقة فيها تختفي وراء الهزل، والهزل هو نقطة عبور نحوها، وتكتيك ذكي، ومسلك مناور، يخفي النيات الحقيقية لبلوغ المقاصد الجادة التي تتوارى خلف الكلمات الهزلية. ونسوق في هذا الصدد جوابًا لسفيان الثوري في جداله مع من استهجنوا المزاح، بحجة أن فيه تبعيدًا للجدّ والحقيقة؛ إذ ردّ على المعارضين
15 يقول أبو حيان التوحيدي: "إياك أن تعاف سماع الأشياء المضروبة بالهزل، الجارية على السخف، فإنك لو أضربت عليها جملة لنقص فهمك وتبلّد طبعك". ينظر:
أبو حيان التوحيدي، البصائر والذخائر، تحقيق محمد السيد عثمان، ج 1 (بيروت: دار الكتب العلمية، 2014)، ص 48. 16 حامد عبد القادر، دراسات في علم النفس الأدبي (القاهرة: المطبعة النموذجية، [د. ت.])، ص 139. 17 هنري برغسون، الضحك: بحث في دلالة المضحك، ترجمة سامي الدروبي وعبد الله عبد الدايم (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998)، ص 16. 18 يقول المثل المغربي الشعبي: "كثرة الهمّ تضحّك " (شرّ البلية ما يضحك.)
19 عبد الرحمن بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، ط 3 (بيروت: دار إحياء التراث العربي، [د. ت.])، ص 3 - 4. 20 نبيلة إبراهيم، أشكال التعبير في الأدب الشعبي (القاهرة: دار نهضة مصر للطبع والنشر، [د. ت.])، ص 175.
21 Micheel Mulkay, On Humor: Its Nature and Its Place in Modern Society (Cambridge, UK/ Oxford, NY/ New York: Polity Press and Blackwell, 1988), p. 69.
لهذه الفكرة بالقول: "بل هو سنّة لقوله عليه السلام: إني لأمزح ولا أقول إلا الحق". وفي حديث بصيغة أخرى، رواه أبو هريرة: "قالوا: يا رسول الله! إنك تداعبنا؟ قال: إني لا أقول إلا حقًّا". ومن جهة أخرى، فإن الحقيقة في التاريخ ليست دائمًا هي الحقيقة الظاهرة للعيان، بل إن ميزتها تتجلى أحيانًا في تمنّعها وحرصها على التحجب، وعلى تخزين المكبوتات، من دون البوح بها صراحة. وبناءً على ذلك، فإن ما يميّز الحقيقة في النكتة أيضًا هو أنها ليست خبرًا مباشرًا أو نقدًا مباشرًا فحسب، بل هي تلميح إلى شيء خفي، وخداع وتلوّن، وظهور في مشاهد مجازية وتخيّلية، ومن ثمّ لا تقدّم نفسها جاهزة للمتلقي، بل عليه أن يبحث عنها في طيات عباءتها الساخرة. ترتبط النكتة بالواقع، رغم تلوّنها بمسحة من الخيال؛ إذ لا يمكن أن تنشأ من فراغ، لأنها انعكاس أمين للواقع، وصدى للنظام السياسي والاجتماعي. ومن ثمّ، فهي نصّ تاريخي يجيب عمّا تعذّر الإجابة عنه في الواقع التاريخي، فرغم اختراع بعض شخصياتها ومشاهدها، فإن مؤلف النكتة يسعى إلى مطابقة إبداعه النصي بالواقع، وربطه بمجريات الأحداث التاريخية. والنكتة السياسية هي في العمق تواصل وحوار غير مباشر بين السلطة والمجتمع كما سنثبت في موضعه، لذلك فخطابها لا يخلو من نبرة الانتقاد اللاذع للمشهد السياسي، والتعبير عن شعور وأحاسيس ومواقف الرأي العام. مما يثبت صلة النكتة بذاكرة المجتمع أنها لا تحقق ذاتها إلا في سياق جماعي، ولا يمكن أن يحكيها الفرد لنفسه ليضحك من دون أن يشاركه فرد أو تتجاوب معه جماعة، "فضحكنا هو أبدًا ضحك الجماعة". وحتى في حالة الضحك الفردي، فإنه يتسم بالمحدودية وعدم الجدوى. يقول الجاحظ: "ولكن ضحك من كان وحده لا يكون على شطر مشاركة الأصحاب". كما أن النكتة تستقي مواضيعها من مرجعيات القيم الاجتماعية والثقافية السائدة في مجتمع ما، لذلك فهي لا تعكس ثقافة الفرد، بل هي جزء من مخزون الذاكرة الجماعية، فالحسّ الفكاهي ليس مجرد مظهر من مظاهر التفاعل فحسب، بل هو صدى لصوت الجماعة، وتجلٍّ للبنى الاجتماعية والثقافية. لً للذاكرة الجماعية في ما تتيحه دلالاتها من إمكانيات الكشف عن وتكمن أهمية النكت والنوادر بصفتها مصدرًا تاريخيًا وتمث البنية النفسية المخبأة، والمشاعر والمواقف لمكونات وثقافة المجتمع وقيمه، وهي بذلك تزيل عن المجتمع القشرة السطحية، وتغوص في ترسّباته الذهنية وتاريخه وعمقه الحضاري، بأسلوب هزلي وممتع، عبر كتلة نصّية صغيرة تستطيع، بفضل حركة التمويه والتورية، أن تجعله يبوح بما لا يمكن البوح به في ظل الثوابت والتابوهات واحتباسات حرية التعبير، وتبعده عن مقص الرقابة.
22 محمد ناصر الدين الألباني، صحيح سنن الترمذي، مج 2 (الرياض: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، 2000)، حديث 1990، ص 375؛ شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويري،
نهاية الأرب في فنون الأدب، تحقيق يحيى الشامي، مج 4 (بيروت: دار الكتب العلمية، 2004)، ص 5. 23 إبراهيم، ص 181.
24 Eugène Dupreel, "Le problème sociologique du rire , " Revue philosophique de la France et de l'Étranger , vol. 106 (Juillet- Décembre 1928), p. 219.
25 برغسون، ص 17 - 18. 26 أبو عثمان عمر بن بحر الجاحظ، البخلاء، تحقيق محمد علي أبو العباس (القاهرة: دار الطلائع، 2005)، ص 124. 27 شايب، ص 76.
3 ي. تأصيل النكتة والضحك بوصفهم ظاهرة ثقافية ف تاريخ المجتمع العربي
إن تاريخ الإنسان هو عملية مركّبة من الجدّ والضحك. والنكتة، بصفتها نصًّا مضحكًا، سلوك إنساني مشترك وجد منذ حقبة
المجتمعات البدائية. ولعلّ أقدم نكتة مدونة تم العثور عليها في مصر تتمثّل في ورق بردي فرعوني، يعود تاريخه إلى سنة 3200 قبل الميلاد. وتواصل إيقاع إبداع النكت في كل مراحل التاريخ البشري. ولم يخرج المجتمع العربي عن مجتمعات الفكاهة والمرح، بل جعل العرب من الضحك رمزًا وجدانيًا يعكس التفاؤل والأمل،
فسمّوا أولادهم الضحاك، وبسامًا، وطلقًا، وطليقًا، وبشرًا، وفرحان. وفي الحقبة الإسلامية، ورد مصطلح الضحك في القرآن الكريم
علامةً مقترنة بالحياة، وسمة عجائبية خارجة عن المألوف، أو جاء في مفهوم السخرية، أو دليلً على الشعور بالنعمة: ﴿وأنَّهُ هُوَ أَضْحكَ
وَأبْكَ﴾ (النجمَ: 43)؛ ﴿وَامْرأَتهُ قَائِمَةٌ فضَحِكَتْ فَبشَّْنَاهَا بِإسْحَاقَ وَمِنْ ورَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ (هود: 71)؛ ﴿فلمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتَِنَا إِذَا
هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ﴾ (الزخرف: 47)؛ ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ (المطففينَ: 29)؛ ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مَِنَ
الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ (المطففين: 34)؛ ﴿فَتبسَمَّ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمتكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَّ وعلَلَ وَالِديَّ وأَنْ
أَعْملَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ ينَ﴾ (النمل فِ عِبَادِكَ الصَّالحِ: 19). ولا نعدم من المتون الحديثية ما يثبت سلوك النبي (ص)
المتمّيز بالبشاشة والتبسم مع المخاطب. كما كان له من المواقف والقصص الطريفة التي تفيض بالضحك، وتستخدم فيها التورية والكناية ما لا يسمح المجال بعرضها كاملة. وبالمثل، عرف الإمام علي بن أبي طالب بالمواقف الطريفة مع أبي هريرة. وكان بدوره من أنصار السلوك الترفيهي الذي يعتبر النوادر والنكت والمستملحات من الأدوات التي تحسّن وظائف السلوك الإنساني والصحي. وإذا كان أفلاطون (ت. 347 ق. م.) في كتابه الجمهورية، وكتّاب الآداب السلطانية قد نصحوا الحكام والسلاطين بعدم الضحك، باعتباره مدعاة للتنقيص من هيبتهم، وإذا كانت كتب التاريخ لا تقدم الملوك والسلاطين إلا في صورة جديّة وعابسة، فالواقع التاريخي يثبت أن الضحك سلوك عمّ الجميع حاكمين ومحكومين. وهناك نصوص وردت في مدونات غير تاريخية، أماطت
اللثام عن ملوك كانوا يضحكون حتى تظهر نواجذهم. ففي كتاب البيان والتبيينيورد الجاحظ (ت. 253 ه/ 868 م) حوارًا بين أبي
شعيب القلّل، والخليفة العباسي هارون الرشيد الذي استدعاه إلى بلاطه، فقابله القلّل بكلام جعله يضحك "حتى غطى وجهه "، والأمثلة على هزل الملوك وضحكهم في المصادر غير التاريخية، كثيرة، ولو أنها وردت متفرقة.
28 ولد القابلة. 29 الجاحظ، ص 124. 30 ورد عند الإمام البخاري في حديث مرفوع لجرير: "ما رآني رسول الله (ص) منذ أسلمت إلا تبسّم في وجهي"، محمد بن إسماعيل البخاري، الأدب المفرد، تحقيق محمد
فؤاد عبد الباقي (القاهرة: المطبعة السلفية، 1955)، باب التبسم، حديث رقم 250، ص 73. 31 النويري، ص 5 - 6.
32 النويري، ص 3. وينقل عن محمد بن عبد ربه رواية منسوبة إلى علي بن أبي طالب "أجموا هذه القلوب والتمسوا لها ظرف الحكمة فإنها تملّ كما تملّ الأبدان، والنفس
مؤثرة للهوى، آخذة بالهوينى، جانحة إلى اللهو [...] طالبة للراحة." 33 أفلاطون، كتاب الجمهورية، ترجمة فؤاد زكريا، ج 3 (القاهرة: دار الكتاب العربي، 1965)، ص 388؛ شايب، ص 19. وينظر أيضًا ما كتبه المرادي الحضرمي حول
آداب السلطان، ونصحه له "بقلّة الضحك": أبو بكر محمد بن عبد الله المرادي الحضرمي، كتاب السياسة أو الإشارة في تدبير الإمارة، تحقيق سامي النشار (الدار البيضاء:
دار الثقافة، 1981)، ص 89. 34 أبو عثمان عمر بن بحر الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق محمد عبد السلام هارون، ج 2، ط 7 (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1998)، ص 262.
وحتى الفقهاء الذين عُرفوا بجديتهم وهيبتهم ووقارهم لم يخرجوا عن دائرة الضحك والدعابة، ونذكر منهم على سبيل المثال، لا الحصر، عبد السلام بن عبد الله الذي "كان كثير النادرة"، وحباب بن زكريا الذي "كان فكهًا مداعبًا"، وحمد بن عيسى المعروف بالأعشى (ت. 3 ه/ 625 م) الذي "كانت فيه دعابة، وأخباره في ذلك كثيرة مشهورة" وغيرهم من الفقهاء، بل إن بعض المؤرخين أنفسهم مثل لسان الدين بن الخطيب وابن خلدون كانا يتبادلان رسائل هزلية، وإن كانت لا تندرج في نمط النكتة. وجدير بالإشارة أيضًا أن عدة شخصيات عربية برزت في مجال الهزل، بل إن بعضهم احترف مهنة الإضحاك و"حكي" النكت مهنة لكسب الرزق، ونذكر من بينهم أبا النجم الفضل بن قدامة (ت. 130 ه/ 747 م)، وأشعب بن جبير (ت. 154 ه/ 770 م)، وأبا وهب بهلول بن عمر الصيرفي الكوفي (ت. حوالى 190 ه/ 805 م)، وأبا الشمقمق مروان بن محمد (ت. 200 ه/ 815 م)، وأبا الطيب محمد بن أحمد الوشاء (ت. 305 ه/ 917 م). بيدَ أن أبرزهم هو أبو الغصن دجين بن ثابت اليربوعي الفزاري المشهور باسم "جحا" الذي يرجح أنه عاش في أواخر العصر الأموي وبداية العصر العباسي، وعرف بطابعه الساخر، وبإبداعاته الفكاهية التي اعتمد فيها على التظاهر بالغفلة والتحامق. وفي الأندلس ذاع صيت بعض الفكاهيين و"الكوميديين" من أمثال الفكاهي المشهور باسم "الزرافة" الذي كان من المضحكين لسليمان بن المرتضي، والمضحك المعروف بالخطارة الذي كان يؤنس المتوكل، وأبي القاسم بن لبّ أحد جلساء عبد الرحمن الناصر، وأبي الحسن البغدادي الفكيك (عاش في القرن 5 ه/ 11 م) الذي كان مصاحبًا لابن شهيد، وعاش في كنف المعتمد بن
عباد، واشتهر ب "قفشاته" ونوادره المضحكة التي كان يحكيها من دون أن يضحك، وهي طريقة لرفع وتيرة الإضحاك، فضلً عن ابن دريدة القلعي. ولا تخلو مكتبة التراث الشعبي العربي من سيل من النوادر والنكت واللطائف والطرائف التي حوتها بعض المصنفات من قبيل ما كتبه الجاحظ في البخلاء، وأبي الحسن علي نور الدين بن سودون اليشبغاوي (ت. 878 ه/ 1473 م) صاحب كتاب نزهة النفوس ومضحك العبوس، وابن الجوزي (ت. 597 ه/ 1201 م) مؤلف كتاب الأذكياء، وأخبار الظراف والمتماجنين، وأخبار الحمقى والمغفلينالذي ضمّنه أخبار الحمقى، وجعل منها نكتًا تسيل لها دموع المتلقي من كثرة الضحك. أضف إلى ذلك أبواب المزاح
والفكاهة التي خطّها المؤلفون العرب كابن قتيبة، علمًا أن جميع هذه النكت المضحكة لم تكن سوى انعكاس أمين لمكونات العقل العربي، ورؤيته للعالم والوجود.
35 أبو الوليد عبد الله بن محمد بن الفرضي، تاريخ علماء الأندلس، ج 1 (القاهرة: الدار المصرية للتأليف والترجمة، 1966)، ص 107، 165، 287، 371. 36 أبو الوليد عبد الله بن محمد بن الفرضي، تاريخ علماء الأندلس، ج 2 (القاهرة: الدار المصرية للتأليف والترجمة، 1966)، ص 5، 87. 37 الحوفي، ص 17. 38 عباس محمود العقاد، جحا الضاحك المضحك (القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2013)، ص 83 - 84. 39 شهاب الدين أحمد بن محمد المقري التلمساني، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، تحقيق إحسان عباس، ج 3 (بيروت: دار صادر، 1988)، ص 590 - 591. 40 المرجع نفسه، ص 119. 41 شهاب الدين أحمد بن محمد المقري التلمساني، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، تحقيق إحسان عباس، ج 1 (بيروت: دار صادر، 1988)، ص 473. 42 الحوفي، ص 18؛ العقاد، ص 80 - 81. 43 أحمد خصخوصي، الحمق والجنون في التراث العربي: من الجاهلية إلى أواخر القرن الرابع (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1992)، ص 267. 44 رياض قزيحة، الفكاهة في الأدب الأندلسي (صيدا/ بيروت: المكتبة العصرية للطباعة والنشر، 1998)، ص 81. 45 لمزيد من التفاصيل حول المؤلفين المسلمين الذين أثاروا موضوع النوادر والملح والنكت، ينظر: السوسوة، ص 295 وما بعدها.
ثانيًا: بنية نصّ النكتة
تسعى الدراسة من خلال طرح إشكالية بنية نصّ النكتة، وتفكيك نسيجها الداخلي، إلى فهم تعقيدات هذا النص وتفهّمها،
فضلً عما يطرحه هذا النص على المؤرخ من إشكالات غير مألوفة في النص التاريخي الذي تحويه الحوليات التاريخية والوثائق المتميزة بوضوحها وعدم التواءاتها، وبعدها عن الغموض والتوريات، وإخفاء المعاني والتلاعب بالألفاظ، والقلب والمعاكسة، والتمويه والمخاتلة. وبمعنى آخر، فإننا سنسعى إلى تبيان بعض الخصائص التي تميّز نصّ النكتة من النصّ التاريخي المألوف، والقواعد التي تتشكل منها
بنيته، علمًا أن هذا الاختلاف لا يعني عدم إمكانية توظيف النكتة في الكتابة التاريخية، فهي لا تخرج عن دائرة المصادر اللاإرادية
مثل الكرامات الصوفية، والنصوص الروائية، وغيرها من المتون الإبداعية المتخيّلة التي تخالف أيضًا بنية النصّ التاريخي، ولكنها تثري
الكتابة التاريخية، وتسدّ الفجوات التي تسودها. فما الذي يميّز نص النكتة عن النص التاريخي؟
1. مؤلف نصّ النكتة: هوية مجهولة
إن ذكر اسم مؤلف أي متن أو نص في العلوم الإنسانية يقوم بوظيفة مزدوجة تعيينية وإشهارية، فضلً عمّا يعكسه الاسم من
ذاكرة ثقافية قائمة الذات. فكيف يمكن تفسير بعض المصنّفات التاريخية التي يغيب فيها اسم المؤلف؟ في هذا السياق، طرح بعض الباحثين فرضية جنوح المؤلف إلى التحصّن بالسرية بوصفها أداة لحمايته من الرقابة أو العقوبة. فهل ينطبق ذلك على النكتة التي
يغيب اسم مؤلفها؟ يجمع الباحثون المتخصصون في مجال النكتة على أنها من أشكال النصوص التي يصعب التحكم في مصدر صناعتها أو تعيين اسم الكاتب الذي ألّفها، ومن ثم تصبح "الملكية الفكرية" لنصّ النكتة ضربًا من المستحيل، بل يمكن القول إن ملكيتها الفكرية
تتجاوز الملكية الفردية لتصبح ملكية جماعية، لأنها من إنتاج الكل، أو هي من إنتاج الضمير الجمعي. فمؤلف النكتة ليس مؤرخ دولة، أو كاتبًا مرموقًا، أو علمًا نحتاج أن نبحث عنه في كتب التراجم، أو نغوص في قلب حياته وأيديولوجيته ونفسيته ومشاربه الفكرية
والمذهبية لنكتشف هويته، إنه بكل بساطة المؤلف الافتراضي الذي هو المجتمع، فالمجتمع هو الذي فكّر وأبدع وصاغ شكل النصّ من
دون نسبته إلى أحد. لذلك، غالبًا ما تحكى النكتة في صيغة الضمير المبني للمجهول من قبيل: "ذُكر" أو "قيل" ("قالك" بالدارجة المغربية)، أو "قال
أحدهم" ("قالك هذا واحد") أو "ذكر أحد الرواة" (هذا واحد السيد)، وغيرها من العبارات التي يتجنب فيها السارد ذكر الراوي. وحتى المتلقي لا يهتم عادة بمصدر الحكي عندما تحكى له النكتة، بقدر ما يهتم بمضمونها الهزلي، والرسالة التي يراد تمريرها. ويصبح في إمكانه تغيير كلمات النص وتعديلها بحسب مهارته، وقدرته على الرفع من قيمة الرسالة التي تحويها عندما يحكيها بدوره لمتلق آخر، ليصبح نصّ النكتة نصًّا "متعدد الطبعات" من دون أن يفقد أصالته، لكن الراجح أن مصدر إنتاجه يرتبط بالأوساط الشعبية التي أنتجته
بوصفه أداة للتعبير عن المعاناة.
46 مولود عشاق، تاريخ المغرب وإشكالية المصادر (الرباط: مطابع الرباط نت، 2016)، ص 74. 47 ولد القابلة. 48 هشام جابر، النكتة السياسية عند العرب: بين السخرية البريئة والحرب النفسية (بيروت: الشركة العالمية للكتاب، 2009)، ص 30. وفيها سأل مؤلف هذا الكتاب
أحد المصريين البسطاء: لماذا تنكت؟ جاء جوابه عفويًا: "من الغُلب يا بيه."
ولا يُشترط في مؤلف النكتة العلم والمعرفة، بقدر ما يحتاج إلى الخبرة بأحوال المجتمع، والملاحظة الدقيقة لما يشوبه من عيوب
وهنات، وإلى الرؤية بالبصيرة لا بالبصر فحسب، وذلك لالتقاط نقط الضعف في المنكّت عنه، فضلً عن الموهبة والبراعة في صياغة نصّ
النكتة بأسلوب مضحك، مشفّر ومفعم بالمعاني، وتضمينه رسالة هادفة قد تكون أخلاقية أو تربوية أو معارضة سياسية. ولتبليغ رسالة النص يشترط في المؤلف أن يكون ذا بديهة مسعفة وعبارات مختزلة، وقدرة خلاقة على التخيّل، للجمع بين متناقضين، أو تحويل المعاني
في تخليط مركّب، لتجسيم الصورة التي توازن بين الواقع، وما ينبغي أن يكون عليه، علاوة على قدرة بيانية مواتية يستطيع بها أن يصل إلى وجدان المتلقي.
2 ي. إشكالية الزمان والمكان ف نص النكتة
لا خلاف في أن عنصر الزمن يعدّ من المكونات الأساسية في النص التاريخي، غير أن الزمن في نص النكتة - على غرار زمن
الكرامات الصوفية وبعض النوازل الفقهية غير المؤرخة - يتميّز بالافتراضية والتمطّط والتعويم؛ إذ من العسير التعرف إلى بداية نكتة،
وتتبع التحولات التي طرأت عليها، فهناك نكت عاصرت الأجيال، وانتقلت من عصر إلى عصر آخر، مع إلحاق بعض التغيرات الطفيفة عليها كنوادر جحا مثلً. وثمة من النكت التي أنتجت في زمن معيّ، وانتهت بانتهاء ظرفية إنتاجها. ويستشف من ذلك أن النكتة تتميز
بتداخل الأزمان، غير أنه لا يمكن تعميم هذا الحكم، فبعض النكت ارتبطت بزمن معين، تعجز بعده عن الإضحاك في زمن آخر تصير فيه فاقدة لصلاحيتها، لذلك حقّ لأحد الباحثين أن يحدّد من بين شروط راوي النكتة اختيار التوقيت المناسب لبثّها. كما أنّ المجال المكاني للنكتة قد يطرح بعض الإشكالات المستعصية أحيانًا، فثمة نكت تمّ تداولها انتقادًا للزعيم الألماني هتلر أو
الزعيم الإيطالي موسوليني أو الروسي ستالين، ثم أطلقت بعد ذلك بسبب تشابه الأوضاع على بعض قادة الأنظمة العربية المستبدة. فالنكتة هي نصّ متنقّل، عابر للقارات وللهويات، ومهاجر بين الأمكنة والمجالات من دون استئذان، فلا يحتاج مؤلفها إلّ إلى إخراج
سيناريو محلي قريب من الذهنية السائدة، ومن الثقافة السياسية والاجتماعية المحلية، لتمريرها من فضاء جغرافي إلى آخر، أو من شخص في بيئة معينة إلى شخص يعيش في بيئة أخرى. ورغم ذكر المكان أحيانًا في نص النكتة، فقد ينتقل إلى اسم مكان آخر يلائم مضمونها، فكم من نكت وطّنت في مدن وعواصم عربية مختلفة، بالمضمون نفسه، بسبب تشابه البيئات العربية عبر صيغة ما يعرف بالإلصاق والإنساب. لذلك، حقّ للبعض تشبيهها ب "طائر يعيش في كل مكان، ويعيش فوق كل الرؤوس، فوطنه حيث يوجد الإنسان".
3. لغة نص النكتة
إنّ اللغة التي يكتب بها نص النكتة، وخاصة النكت الحديثة، لغة متحررة من قواعد اللغة العالمة المعيارية، فهي تتوسّل باللغة
العامية القريبة من الفئات الشعبية والمهمّشة، لذلك غالبًا ما تحكى باللهجات الدارجة. وأحيانًا تنسخ باللهجات العامية المحلية عندما
يتمّ تحويلها من الصيغة الشفهية إلى الصيغة المكتوبة. وهذا الخرق لقواعد اللغة المعيارية والانفلات من أنساقها وضوابطها هو المثير
49 الحوفي، ص 10، 30، 87، 233 - 234. وقد ألف المصنفون القدامى في شروط مؤلف المستملحات والنوادر. ينظر: الحصري القيرواني، جمع الجواهر في الملح والنوادر،
تحقيق علي محمد البجاوي، ط 2 (بيروت: دار الجيل، 1953)، ص 7 - 8. 50 العقاد، ص 112 - 113. 51 جابر، ص 30. 52 ولد القابلة. 53 فاروق بلحسن، "النكتة السياسية في الجزائر: دراسة سيميائية تداولية"، جامعة محمد الشريف مساعدية - سوق أهراس، مركز المنشورات الأكاديمية، 2012، ص 12. 54 جابر، ص 179.
للضحك؛ إذ إن السامع يتحرر عند سماعه النص النكتوي من رتابة المنظومة اللغوية، ومن عبء قواعدها الصارمة، فيكون ذلك جالبًا
للضحك، ومناسبة لتمرير الرسالة التي يريد مؤلف النكتة تمريرها بسلاسة ومهارة في التواصل. وقد فطن الجاحظ منذ زمن باكر إلى دور العامية في التأثير في نفسية المتلقي وإضحاكه، فصاغ ذلك بقوله: "وكذلك إذا سمعت بنادرة من نوادر العوام وملحة من ملح الحشوة والطغام، فإياك وأن تستعمل فيها الإعراب، أو تتخيّ لها لفظًا حسنًا، أو تجعل لها من
فيك مخرجًا سريًا، فإن ذلك يفسد الإمتاع بها، ويخرجها من صورتها، ومن الذي أريدت له، ويذهب استطابتهم إياها واستملاحهم لها". وبذلك لا يكون مضمون النكتة هو جوهر الضحك فحسب، بل تتحول اللغة نفسها إلى موضوع للضحك، ولذلك يرى البعض أن الناحية الجمالية في النكتة غير مطلوبة، بل إن جمالها يكمن في قبح لغتها، وقبح وسائل تمرير معانيها. والأهم في لغة النكتة بالنسبة إلى المؤرخ، يتجلى في الوقوف على تركيب مفرداتها، من حيث الوظيفة التداولية، والبحث في خصائصها الشكلية من أفعال، وبنى حجاجية، وتكرار، وحذف، وخشونة بعض المفردات وغرائبيتها، وما لها من معانٍ ووقع في بناء الدلالات.
4. شكل النكتة وتقنيات سرد النص
النكتة نص شفهي يعتمد على تقنية سرد الجمل القصيرة، والتكثيف والإيجاز والتحويل، وقد غدت مع العصر الرقمي أكثر قصرًا، وأكثر ذيوعًا وانتشارًا. ويعتمد نصّ النكتة أيضًا على تقنية الإضحاك والتفكّه، والانتشار السريع والتفاعل الاجتماعي. ولبلوغ ذلك يسعى الناصّ
إلى إحداث مفاجأة لم يكن يتوقعها السامع، وهذا لا يتم إلا بمقدرة صاحب النكتة وبراعته، وهو ما يسميه جون موريل نظرية التنافر القائم على مبدأ الاصطدام بين الاستمتاع بشيء يصدم القوالب الذهنية لتوقعات المتلقي. ولعلّ هذه النظرية التي أسسها إيمانويل كانط Kant Immanuel، تؤكد الدور الذي تقوم به المفاجأة في إثارة الضحك، وغالبًا ما تحدث عندما يتمّ اختراق قواعد
المنطق. ولا شك في أن هذا الاختراق هو الذي يدفع المتلقي إلى تكوين معنى حول ما سمعه، والبحث عن تأويل التنافر الذي يقف عليه. كما أن التحويل ينعرج بالمتلقي بنقله من التركيز النفسي على موضوع ما إلى موضوع مختلف عن الموضوع الأصلي. ويقوم نص النكتة على تضخيم العيوب للمنكّت عنه، ولكنه تضخيم عذب ومقبول؛ لأنه يروم الإفصاح عن الحقيقة بصورة مكبّة
وهازئة، وهذا شأن الرسم الكاريكاتيري. وفي الوقت نفسه، وعلى النقيض من ذلك، يمكن أن تعتمد النكتة على تقنية التلطيف الذي يدلّ على الكثرة في الأصل، كوصف سكير قام بتكسير جميع أثاث منزله بأنه شرب قليلً من الخمر!. ومن المرتكزات الأساسية التي تقوم عليها بنية نص النكتة قاعدة التناقض؛ كأن يبدأ السارد بكلام ينقض آخره أوله من دون أن يدري، أو أن يقيس الشخص قياسًا صحيحًا في شكله، باطلً في مضمونه، فيحكم بما يخالف ما هو متداول من أعراف المجتمع
55 شايب، ص 56؛ الحوفي، ص 5، 252. 56 أبو عثمان عمر بن بحر الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق محمد عبد السلام هارون، ج 1، ط 7 (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1998)، ص 146. 57 برغسون، ص 84 - 85. 58 ولد القابلة.
59 John Morreal, "Enjoying Incongruity," HUMOR: International Journal of Humor Research , vol. 2 , no. 1 (1989), pp. 1 - 18.
60 شايب، ص 123.
وثقافته. وفي هذا السياق يمكن إيراد النكتة التالية: "أتت جارية إلى أبي ضمضم، فقالت إن هذا الفتى قبّلني! فقال لها قبّليه، فإن الله يقول: والجروح قصاص". ويقوم تناقض نص النكتة أيضًا على كلام يراد به الإصلاح، ويغفل عمّا فيه من إفساد، من دون وعي بذلك. فقد ذهب رجل إلى شيخ صالح يشكو له زوجته، ويدعوه إلى التدخل لإصلاح ذات البين، فقصد الشيخ إلى الزوجة، وخاطبها بالقول: اعذري زوجك فقد أرهقته الزوجة الثانية، وأكثرت عليه من الديون، وهو يخضع لرغباتها لصغر سنّها وجمالها، وتجارته على وشك البوار بسببها، والدائنون يريدون مقاضاته، فارحميه وقدّري ظروفه ولما رجع الشيخ وأخبره بما قال لزوجته، ردّ عليه الرجل: قبحك الله فقد كشفت لها من أسراري ما لم تكن تعلمه، وزدت في الطين بلّة. ومن نماذج التناقض الذي تقوم عليه بنية النص في النكتة، أن يكون الشخص في حالة تقتضي تصرفًا معينًا، فإذا به يفعل نقيض ذلك، ومن هذه النماذج ما رواه ابن عبد ربه الأندلسي (ت. 328 ه/ 940 م) صاحب العقد الفريد من أن الحجاج بن يوسف "ضرب أعرابيًا سبعمائة سوط وهو يقول عند كل ضربة سوط: 'شكرًا لك يا رب'. فلقيه أشعب فقال له: أتدري لم ضربك سبعمائة سوط؟ قال: ما أدري! قال لكثرة شكرك، أما علمت أن الله تعالى يقول لئن شكرتم لأزيدنّكم". وتتأسس بنية نص النكتة كذلك على التلاعب بالمصطلحات بسبب اللكنة الجهوية أو المحلية التي قد تؤدي إلى معنيين مختلفين. ويمكن أن نستدل على ذلك بإحدى النكت التي تقول إنه في وقت كانت العلاقات متوترة بين المغرب وإيران، استوقف رجل من سكان فاس إحدى سيارات الأجرة الصغيرة، وركبها. ومعلوم أن عددًا من أهل فاس ينطقون الكاف بالألف. فسأله السائق إلى أين؟ فأجابه الرجل الفاسي: إلى إيران، فغضب السائق ظنًا منه أنه يستهزئ به، خاصة في ظروف كان الكلام فيها عن إيران يدعو إلى الشبهة وإمكانية الاعتقال، فطلب منه النزول فورًا من سيارته، وكاد الأمر يتحول إلى خصام، لولا أن مرّ بالقرب منهما رجل، فتدخل لإصلاح ذات البين. فلما عرف أن مصدر المشكل يكمن في اللكنة، سأل الرجل: من أي مدينة أنت؟ فقال: من فاس، ففهم الرجل أن الرجل الفاسي ينطق الكاف ألفًا، فبادر إلى مخاطبة السائق على الفور: خذه إلى محطة "الكيران" أي محطة حافلات النقل العمومي بالدارجة المغربية! وبالمثل، ترد الكناية جزءًا من بنية نصّ النكتة، وغالبًا ما يستعملها السارد لإضحاك المتلقي. والكناية هي التعبير بجملة، أو جمل، يراد بها ما وراءها من المعنى المرتبط بمعناها الأصلي، وتقوم على التعبير عن الفكرة المقصودة بألفاظ أخرى تثير الضحك. ونسوق في هذا الصدد نكتة حول جندي مغربي اسمه "موحا"، كان قد دخل إلى مجال التدريب العسكري. وفي الصباح الأول من حصّة التدريب، طلب الضابط من الجنود تحية الراية الوطنية، وبعد تقديم الجندي "موحا" التحية لها سأله الضابط: من هي تلك التي تقوم بتحيّتها؟ فأجاب: راية الوطن، فقال له: لا، إنها أمك (كناية عن أن الراية ترمز للوطن الذي هو بمنزلة الأم). وبعد ذلك جاء دور الجندي الثاني مباشرة، فسأله الضابط بعد التحية: من هي تلك التي قمت بتحيّتها؟ فأجاب على الفور: هي "أمّ موحا".
61 أحمد بن محمد بن عبد ربه، العقد الفريد، شرح وضبط وتصحيح أحمد أمين [وآخرون]، ج 6، ط 2 (القاهرة: منشورات لجنة التأليف والترجمة والنشر 1949)،
ص 346. 62 الحوفي، ص 46. 63 ابن عبد ربه، ج 3، ص 479.
ويمكن تسطير مجموعة من الخصائص والميزات التي تميّز نصّ النكتة وتقنياتها، ومن أهمها: التورية: معناها أن يعبّ المصطلح عن معنيين منفصلين، وهي ظاهرة شائعة في الأدب العربي وكذلك في الأدب الإنكليزيPun The وقد تصير التورية نكتة إذا تمّ تحويلها من المعنى غير المقصود إلى المعنى المقصود. ويحدث الضحك إذا كان المعنيان متناقضين، وهو ما
تدل عليه النكتة التالية: "سار رجل اسمه جمل، مع رجل اسمه صالح جزرة، فصادفا جملً عليه حمل من جزر. فأراد جمل أن يداعب صالحًا فقال له: يا أبا علي، ما هذا الذي على البعير؟ قال صالح: ألا تعرفه؟ قال جمل: لا، قال صالح: هذا أنا عليك!". الإجابة بغير المطلوب من السائل: وهو ما يسميه البديعيون أسلوب الحكيم، مع أن هذا الشكل من الجواب يعتبر جوابًا غير مباشر، وهذا ما نستشفه من نص النكتة الآتية: "سأل رجل مصري آخر: أين بلدة طرة؟ فقال له جنوبي القاهرة. فسأله: وأي طريق يوصل إليها؟ فأجابه محكمة الجنايات". التعريض: يتجسّد في انطلاق المخاطب بكلام لا يريد معناه الأصلي، وإنما يشير به إلى معنى بعيد يفهمه المتلقي، وهو ما يعكسه
نص النكتة الآتية: "قال المتوكل لأبي العيناء إن سعيد بن عبد الملك يضحك منك. فقال أبو العيناء: إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون". القلب والعكس: يتأسس نص النكتة على قاعدة قلب الصور المألوفة وعكسها، وقلب المعاني بتغيير المظهر إلى نقيضه، أو قلب الجملة أو الفكرة إلى نقيضها؛ لتدل على معنى آخر يبعث على الضحك، كأن يستشهد سارد النص في مقام تافه حقير سبق أن قيل في مقام جليل، أو قلب الجملة ضد قائلها، فيظهر القائل الأول مناقضًا لنفسه. كما يمكن أن تقوم على قلب الجواب الذي يتوقعه الباثّ من المبثوث إليه قلبًا مفاجئًا لا يتوقعه. ومن هذا القبيل النكتة القائلة إن الرئيس الراحل معمر القذافي كان في جلسة عمل مغلقة مع
الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، فسأله الرئيس التونسي عند بداية الجلسة: سيادة الرئيس معمر، ماذا تريد؟ صبرين أم صفاء؟ (يقصد أنواعًا من المياه المعدنية)، فأجابه الرئيس الليبي على الفور: لا، خلّ البنات بعدين! (أي اترك البنات بعد انتهاء الجلسة حتى يتفرّغ لهن).
وبعد عرض هذه المرتكزات والخصائص التي تميز بنية نصّ النكتة، يتأكد أن تعامل المؤرخ معه ليس بالأمر اليسير؛ فالنكتة
مرتبطة بمنظومة هزلية تنسلّ من الواقع ظاهريًا لكنها تعود إليه من باب آخر، تبتعد عن الصراحة المعتادة غير أنها تدخل إلى دوائر الصراحة الضمنية، معتمدة في هذا التحوّل على آليات متعددة كالتلميح والإشارة، والكناية والتعريض، وقلب المعاني، وتحويل المحاسن إلى مساوئ، وقلب الجواب إلى سؤال، والتمويه والتضليل بالألفاظ والمصطلحات التي تتداخل فيها المعاني وتتواشج، ليبقى نصّها
ملتبسًا، مخاتلً وزئبقيًا، يصعب الإمساك بناصيته إذا لم يتسلح المؤرخ بالتحوّط والاحتراز خلال عملية تفكيكه، لإدراك معانيه الثاوية،
وفكّ شيفراته الغامضة.
64 الحوفي، ص 67. 65 المرجع نفسه، ص 75 - 76؛ قزيحة، ص 153 - 154. 66 خليل بين إيبك الصفدي، نكت الهميان في نكت العميان (القاهرة: المطبعة الجمالية، 1911)، ص 267. 67 ينظر التفاصيل في: الحوفي، ص 149 - 151. 68 نكتة شفهية حكيت لصاحب البحث أثناء وجوده بليبيا على هامش مشاركته في إحدى الندوات خلال عهد الرئيس الراحل معمر القذافي (تموز/ يوليو 2005.)
ثالثًا: النكتة السياسية مصدرًا لقراءة التاريخ
1. إطار نصّ النكتة السياسية ومرجعيته
تبيّ من خلال المبحث السابق أن نص النكتة نصّ مراوغ ومخاتل وزئبقي. وتزداد هذه المخاتلة والمراوغة في نصّ النكتة السياسية
التي تتجاوز سقف الإضحاك، لتتحول إلى هزل يراد به جدّ، ومن نص بريء إلى فعل من أفعال الكلام الذي يصبح فيه الرأي صنعة، وأداة لكسر المحظور، وتجاوزًا للتابوهات، وخاصة "الثالوث المقدس، كما في جميع بقاع العالم: الدين والجنس والسياسة". وبحكم هذه الملابسات يحتاج تدخّل المؤرخ في عملية تحليل التركيبة المعقدة لنصّ النكتة السياسية إلى منهج لتحليل الخطاب
يروم استقصاء شروط إنتاج المعنى، ودراسة علاقة الضاحك بالمضحك، واستقراء شكل التلفظ، وسياق النصّ، والسياق الخارج نصي،
وتفكيك اللغة المكتوبة أو الشفهية التي تمّ بها سرد النكتة، والربط بين بنية الخطاب ووظائفه لتأويل مرامي الرسالة المشفّرة التي يسعى
الملفوظ الهزلي إلى تمريرها. كما يحتاج المؤرخ إلى التركيز على التفاعل الخطابي انطلاقًا من البنية الثقافية السائدة في كل مرحلة من مراحل تاريخه، لأن النكتة السياسية تتغير مع تغيّ الأجيال، فهناك النكت التي أفرزتها المرحلة الاستعمارية كتلك النكات التي قاوم
بها عبد الله النديم (ت. 1314 ه/ 1896 م) القوى الاستعمارية لمصر من خلال صحيفةالتنكيت والتبكيت، وتلك التي أنتجها جيل استقلال الدول العربية، وصولً إلى نكت الزمن الراهن، فكل نكتة سياسية تحمل أجوبة عن المرحلة التي أنتجتها، رغم ما يمكن أن تتضمنه من إعادة إنتاج المعاني المتداخلة في الأزمان. إن النكت السياسية تعدّ مصدرًا لتاريخ الأزمات السياسية والصراع على السلطة، والفضائح التي تكشف تورّط مسؤول سياسي، أو
كلامًا نشازًا صدر عنه يبيّ إفلاسه السياسي. كما أنها تعبّ عن موقف الرأي العام، ومشكلات المجتمع المستعصية مثل البطالة وارتفاع
الأسعار، وضعف الطاقة الشرائية، وهزال الرواتب، وتزوير الانتخابات، وغيرها من القضايا الحساسة. وبذلك تكون النكتة، إلى جانب وظيفتها الإضحاكية، نصًّا معبًّا عن معارضة المجتمع الذي يرى في بعض القرارات التي يتبناها النظام السائد انحرافًا سياسيًا، أو اختيارًا
يكرّس التناقضات الاجتماعية، ويناقض الاختيارات الشعبية. فالنكتة في المجال السياسي لا تثير الضحك العادي، بل الضحك الممزوج بالألم، لأنها تضحك من الواقع ومن مآسي المجتمع، وتحاول بهذه الضحكة "التعسة" أن تشرك المتلقي في الإحساس بمرارة هذا الواقع، والعمل على تغييره أو إصلاحه. فإذا اعتمدنا التقسيم الثلاثي الذي وضعه جون أوستين Austin John في كتابه كيف نصنع الأشياء بالكلمات، الذي ميّز فيه بين الغرض الكلامي
act Locutionary، والغرض التكلّمي act Illocutionary، والغرض التكليمي act Perlocutionary، أمكننا وضع النكتة في الضلع الثالث الذي ينجزه المتكلم بتلفظه ونطقه جملة أو مجموعة جمل، أو برسم مضحك (كاريكاتيري)، من أجل الإقناع وإحداث أثر معين، أو رد فعل إيجابي ومشارك لدى المتلقي.
69 جابر، ص 179. 70 أصدرت مجلة نيشانالمغربية عددًا خاصًا حول النكت تحت عنوان: "كيفاش المغاربة كيضحكو على الدين والجنس والسياسة" وتعرّض هذا العدد للمصادرة.
71 شايب، ص 10 - 11، 105. 72 نجيب توفيق، عبد الله النديم: خطيب الثورة العرابية (القاهرة: مكتبة الكليات الأزهرية، 1970)، ص 160 - 172. 73 شايب، ص 106.
كما أن تحليل النكت السياسية، بوصفها مصدرًا من مصادر التاريخ، يستلزم التمييز بين النكت التي تنتج "الضحك مع "، وهي ما
يسمّيها أحد الباحثين "ضحك الاستقبال " accueil ' d rire Le الذي يهدف إلى مدّ جسور المودة بين السارد والمتلقي، وتحقيق الألفة
وإشاعة جوّ المرح، و"الضحك من"، الذي يسميه "ضحك الإبعاد" exclusion ' d rire Le، وهي النكت التي تتسيّد فيها السخرية
والاستهزاء والعدوانية غير المباشرة. وفي هذا الصنف الأخير يمكن إدراج النكت السياسية التي تتضمن شكلً من أشكال العنف اللفظي الذي يروم كسر شوكة الخصم بالكلام المضحك، وكأنه على حدّ تعبير برغسون "وجد ليخجل ويخزي". ويخيّل إلينا أن النكتة السياسية، بما تملكه من قوة بيانية، قادرة على اختراق معايير المجتمع وقيمه وتجاوز حدود اللياقة والمثل
والثوابت والمقدسات، وتستطيع إحداث ثقوب في المجال السياسي، ليصل الاختراق إلى أعلى قمة الهرم السياسي والنخب السياسية، وإسقاط هيبتها أمام الرأي العام، وإبرازها في صورة فاضحة تعرّيها، وتنفّر الجمهور منها، بخلق انزياح هزلي بين المقدّس والمدنّس،
وتفعيل التوتّر بين هذين القطبين. فمؤلف النكتة السياسية عادة ما يبحث عن عورات الخصم السياسي المنكّت عنه، ويتقصّ نقاط
ضعفه بمهارة في التصوير، بل إنه يسعى إلى تحويل نقط قوته إلى نقط ضعف بواسطة التنكيت والهزل. لذلك تغدو النكتة أداة طيّعة ومعطاء ومؤثرة في الصراع السياسي، يوظفها الخصم بوصفها أسلوبًا من العدوان المراقب. ومن ثم فهي في منظور بعض الباحثين
سلوك جسماني يعبّ عن الأصل العدواني بإظهار الأسنان والتكشير، وتجسّد في الوقت ذاته صورة حرب غير معلنة يشعر بها المنكّت عنه
بالهزيمة؛ ما يجعل نصّ النكتة، بهذه التمثلّات المتباينة، نصًّا تاريخيًا دسمًا مليئًا بالرموز والدلالات، كاشفًا لأطراف الصراع، وقابلً
للتحليل والتفسير والتأويل. وجدير بالإشارة أن مؤلف النكتة السياسية يمكن أن يمرّر رسالته من دون أن يتحمل المسؤولية عن كلامه تجاه خصمه، لأن
الهزل يمنحه هامشًا من الحرية والمناورة لتمرير خطاباته في موضوعات ممنوعة من التداول داخل المجتمع؛ إذ إنه يتحصّن وراء الغموض
الذي يشوب اللغة الواصفة، والترميز والإيحاء والتلميح والإيماء، وتعدّد الدلالات التي تجعله قادرًا على التنصّل من أي مسؤولية، من
خلال استبعاد التأويلات التي يفهمها مخاطبه. كما أن النكتة بأسلوبها التمويهي تلهم السارد مزيدًا من الشجاعة والجرأة والتخلص
من الحرج، فيتمّ بها معاقبة الخصم والانتصار عليه معنويًا دون خشية من المتابعة. ولعلّ التملص من مسؤولية القول، وجرأة
الخوض في الممنوعات والثوابت والمقدسات، من العوامل التي تجعل نص النكتة إضافة جديدة إلى المسكوت عنه في التاريخ. وتتجسد النكتة السياسية، بوصفها مصدرًا من المصادر التاريخية أيضًا، في كونها تشكل مؤشرًا لقياس الرأي العام، ومعرفة
مواقفه واتجاهاته وموقفه من السلطة؛ فإلقاء نظرة فاحصة على الأماكن التي تنتشر فيها النكتة السياسية يبيّ سرعة انتشارها كالنار في
الهشيم داخل الفضاءات المفتوحة مثل المقاهي والشوارع والمدارس والجامعات وأماكن العمل، وهي تتوزع على نحوٍ انشطاري توالدي تكاثري؛ ما يشكل خزانًا لمعرفة موقف الرأي العام من النظام السائد، لذلك تهتم المخابرات في بعض الدول العربية بالنكت وتداولها داخل المجتمع لجسّ النبض، والاستطلاع، للوقوف على ما يجري في نسيج المجتمع من ردود فعل تجاه الحاكم.
74 Dupreel, p. 228.
75 برغسون، ص 158. 76 الحوفي، ص 87. 77 شايب، ص 21، ورد في:
Konard Lorenz, On Aggression , Marjorie Wilson (trans.) (London/ New York: Taylor and Francis e- Library, 2005), pp. 393 - 397 , accessed on 3 / 1 / 2020 , at: https://bit.ly/ 2 KNLrkN 78 Antony J. Chapman & Hugh C. Foot (eds.), It's a Funny Thing, Humor (Oxford: Pergamon Press, 1977), p. 13.
79 بلحسن، ص 11.
ونستحضر في هذا الصدد اهتمام الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر بالنكت التي أنتجها المجتمع المصري بعد نكسة 1967. فبعد أن اتضح له ما تعكسه النكتة من ارتداد لشعبيته عقب الهزيمة أمام إسرائيل، وما يمكن أن تخلفه من وقع نفسي انهزامي على مصر ونظامها وجيشها، ناشد الشعب المصري في إحدى خطبه أن يقوم بترشيد النكتة السياسية حتى لا تؤدي دورًا سلبيًا. وعلى نفس المنوال،
كان الراحل ياسر عرفات لا يخفي انزعاجه من بعض النكت التي كانت ترشقه بسهامها. والحصيلة أن نصّ النكتة السياسية يعدّ مصدرًا مهمًّا للكشف عن موقف الرأي العام من الدولة والقضايا السياسية عبر التاريخ،
كما يعدّ مصدرًا يكشف عن عقلية المعارضة التي كثيرًا ما همّشتها الكتابات التاريخية المنشدة إلى مراكز الحكم والنفوذ.
2. ارتباط النكتة السياسية بمنظومة الاستبداد وانعدام حرية التعبير
يمكن الوقوف على أهمية النكتة السياسية، من خلال استحضارها بوصفها نصًّا معارضًا للسلطة القائمة، حمّالً لمجموعة من
المواقف المضادة لها، لكن في أسلوب هزلي، لذلك اعتبر برغسون النكتة نصًّا إنذاريًا يوجهه المجتمع، بالكلمة أو بالحركة أو بالإشارة،
ضد سلطة مستبدة. وفي غياب توازن القوى بين المنكّت والمنكّت عنه، تتحول أشكال مقاومة الاستبداد من أسلوب الجدّ إلى أسلوب الهزل والتنكيت، وتصبح النصوص الهازئة تعبيرًا عن فساد السلطة، وانغماسها في الظلم والغطرسة. فنوادر جحا، سواء كان صاحبها شخصية حقيقية أم وهمية، ابتدعها مخيال المجتمع العباسي كشكل من أشكال مقاومة الاستبداد وكسر المحظور، ومعارضة قرارات السلطة الحاكمة آنذاك. وهذا ما جعل أحد الباحثين يذهب إلى القول إن "النكتة السياسية نوع من صحيفة سرية معارضة تلجأ إليها الشعوب عندما تعجز على التعبير عن رأيها بدقة وبصراحة، وبشكل مباشر وبشكل مكثف، فأن تعبّ بهذه النكتة، معناه أيضًا أنها تصيب
بطلقة حادة جدًا ما تراه مؤلمًا، وفي نفس الوقت لا تريد أن توجع نفسها، فيكفي وجع الواقع نفسه، فهي تعبّ بقسوة تجاه الواقع، ولكنها
تحاول أن تخفف على نفسها بالسخرية من هذا الواقع". وتنبثّ في التراث العربي نوادر وطرائف تفضح بعض الطغاة العسكريين، وتعرّي أسلوبهم في التفرد بالحكم، وقد وظفت ثلاث
وسائل للتعبير عن مقاومة الاستبداد تتمثل في تأليف كتب تتضمن طرائف تتندّر ببعض الشخصيات المستبدة، أو توظيف أقوال من ادعوا النبوة، أو أقوال الحمقى والمجانين لتوجيه النقد إلى الطغاة. وفي هذا السياق، اشتهر أبو المكارم الأسعد بن مماتي (ت. 606 ه/ 1209 م) بنكته الساخرة المعارضة لسلوك القائد العسكري قراقوش الذي كان صلاح الدين الأيوبي ينيبه عنه في حكم مصر كلما غاب عنها في مهمات عسكرية. بيد أن صورة قراقوش وصلت إلى أسوأ الحالات عند الشعب المصري بسبب طغيانه؛ ما جعل ابن مماتي يواجه هذه الحالة من الاستبداد بتأليف كتاب الفاشوش في حكم قراقوش، وهو كتاب ذو طبيعة ساخرة يحوي العديد من النوادر الشعبية المدوّنة بلغة عربية ممزوجة باللغة العامية، تسعى إلى تشويه
سمعة قراقوش وتجسيد قسوته واستبداده وعجرفته بأسلوب ساخر.
80 ولد القابلة. 81 برغسون، ص 24. 82 جابر، ص 27. 83 عادل حمودة، النكتة السياسية: كيف يسخر المصريون من حكامهم؟ (القاهرة: دار الفرسان للنشر، 2003)، ص 9. 84 الحوفي، ص 18.
أما أقوال وردود فعل مدعي النبوة التي وظفت لمناهضة الاستبداد، فتحفل بها كثير من المصنفات، ونكتفي بما ورد عند أحمد شهاب الدين النويري (ت. 733 ه/ 1333 م) من أن "رجلًادعى النبوة أيام الخليفة العباسي المعتصم، فلما أحضر بين يديه سأله الخليفة: أنت نبي؟ قال: نعم، قال: إلى من بعثت؟ قال: إليك. قال: أشهد أنك سفيه أحمق، قال: إنما يبعث إلى كل قوم مثلهم". وبالمثل، وظفت مجموعة من النكت أخبار الحمقى والمجانين والمغفلين لتمرير خطابها المناهض للاستبداد. ومن هذا القبيل النادرة التي أوردها جمال الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي (ت. 597 ه/ 1201 م) حول الحجاج بن يوسف الثقفي الذي خرج للتنزه، فلما فرغ من نزهته صرف عنه أصحابه وانفرد بنفسه، فإذا برجل من بني عجل، فسأله: من أين أنت أيها الشيخ؟ قال: من أهل هذه القرية. قال: كيف ترون عمالكم؟ قال: شرّ عمال يظلمون الناس، ويستحلون أموالهم. قال الحجاج: فكيف قولك في الحجاج؟ قال: لم يتول العراق شرّ منه، قبّحه الله، وقبّح من ولّه، قال الحجاج: أتعرف من أنا؟ قال الرجل: لا. قال: أنا الحجاج، فقال الرجل:
جعلت فداك، أو تعرف من أنا؟ قال الحجاج: لا. فقال أنا فلان بن فلان، مجنون بني عجل، أصرع في كل يوم مرتين، فضحك
الحجاج وأمر له بصِلة". ويستشف من هذه النادرة أن صاحبها وظّف الحمق والجنون للتعبير عن حالة من الاستبداد التي يجسّدها
الحجاج أيقونة الطغاة في التاريخ الأموي. وترد نادرة أخرى ترتبط زمنيًا بعصر العثمانيين في المنطقة العربية (1516 - 1918) مفادها أنّ واليًا تركيًا كان يصلي في أواخر أيامه،
ويختم صلاته بالبكاء والدعاء والاستغفار، بسبب قتله أربعة نفر، فسمعه أحد زملائه الذي اندهش لكون الوالي يستعظم هذا الذنب الصغير، ويبكي كل هذا البكاء من أجل أربعة أشخاص قتلهم، فقال له كأنما يؤنبه: ألم تقتل في حياتك غير أربعة يا آغا؟ فقال له: بلى يا
صاحبي، أربعة من الترك، أما الفلاحون فلا عِداد لهم في ما أتذكر، وهو ما يشير إلى احتقار الفلاحين واعتبارهم من المنبوذين. ولا سبيل إلى إنكار العلاقة الطردية بين النكتة السياسية وانعدام الحرية والتضييق على الرأي في المجتمعات عمومًا؛ فبقدر ما
يتقلّص فضاء حرية التعبير، يرتفع إيقاع النكتة السياسية، تعبيرًا عن السخط الذي يشعر به الرأي العام، ويتحوّل بسببه إلى فعل من أفعال
التكلم التي تحمل موقفًا مضادًا لتوجهات الحاكم، ومتحررًا من قبضته، حتى إن الروائي الإنكليزي جورج أوريل Orwell George اعتبر النكتة "ثورة صغيرة" يشهرها المجتمع المدني في وجه الطغاة، لتصبح محاولة لقهر القهر، ولغة تعبّ بها الفئات الصامتة عن مواقفها،
ونزهة في المقهور والمكبوت والمسكوت عنه، وانعكاسًا للوعي الشعبي وإدراكه التصورات والمعتقدات. ولا شك في أن مواطن الاستبداد
تشكّل أرضًا خصبة لاستنبات النكتة؛ تعبيرًا عن حالة خاملة أو متردية للحرية داخل البلد، ومؤشرًا نوعيًا وحقيقيًا لدرجة القهر السياسي
الذي يسوده، ودليلً على مستوى الفساد الذي ينخره. وهكذا، لا يمكن التأريخ للحرية في المجتمع العربي قديمًا وحديثًا من دون
استحضار النكتة مصدرًا أساسيًّا. ومن نصوص النكت التي تعكس انعدام حرية التعبير بالمغرب في سبعينيات القرن الماضي تلك التي انتشرت في الأوساط الاجتماعية آنذاك، ومفادها أنه "ذات يوم ذهب كلب إلى باب سبتة، المدينة المغربية المحتلة من الإسبان، وأول ما فتح الشرطي الحاجز لمرور أحد السياح لمغادرة التراب المغربي، استغلّ أحد الكلاب الفرصة، وجرى بأقصى سرعة ممكنة لتجاوز الحاجز، فتبعه الشرطي المغربي وهو
85 النويري، ص 18. 86 جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، كتاب الأذكياء، بعناية بسام عبد الوهاب الجابي (بيروت: دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، 2003)،
ص 163 - 164. 87 أوردها الحوفي، ص 271. 88 بلحسن.
يصرخ: أنت كلب محسوب على المغرب، فلماذا أردت المغادرة؟ فأجابه الكلب أنا ذاهب لكي أنبح بعض الوقت عندهم (يقصد إسبانيا)، لأن النباح ممنوع عليّ في المغرب" (في هذا دلالة على تضييق الحرية في المغرب في تلك الفترة). وفي المنحى الخطابي الفكاهي المجسّد لأزمة حرية التعبير بالمغرب نفسه، خاصة خلال الفترة المعروفة بسنوات الرصاص، سئل
مغربي عن أكبر سدّ في المغرب فأجاب: "أكبر سد في المغرب هو سدّ فمك!" (أي أغلق فمك ولا تتكلم). وفي نصّ فكاهي آخر يجمع بين انعدام الحرية والفقر في العالم العربي "سئل مصري وسوداني وعراقي عن آرائهم في أكل اللحمة،
فرد السوداني: يعني إيه أكل؟ وقال المصري: يعني إيه لحمة؟ وأجاب العراقي: يعني إيه رأي؟!". كما أن نصّ النكتة السياسية يكشف أزمات المجتمع وخفاياه، ويعبّ بصدق عن المعيش اليومي وعن التطلعات إلى التغيير، ويعلن
في رمزية بديعة عن معارضة القرارات السياسية التي تتفرد الدولة بالتخطيط لها من دون اعتبار الأضرار التي تتمخض عنها على حساب الفئات الشعبية. ولا يكتفي نص النكتة بالنقد، بل يضع الأصبع على مكامن الأعطاب ومواضع الخلل، ويكشف عن الوجه القبيح الذي يخفيه الجهاز الحاكم والنخب السياسية بلغة هازئة مموهة، ولكنها أبلغ من التعبير الصريح الذي يعدّ ممنوعًا في العديد من المجتمعات
العربية، لذلك لم يسلم الحكام في المجتمع العربي من ملاحقة الألسن ووخزات النوادر والنكت، وكل أشكال التهكّم. في هذا الصدد، وردت نكتة تقول إن أحد المواطنين المغاربة شاهد رجلً وهو يصلي في مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء، ورجله ممتدة خارج باب المسجد، بسبب الاكتظاظ بالمصلين، فقال له: "دخّل رجلك قبل ما يقولوا لينا خاصنا نبنيو جامع آخر" (أي أدخل رجلك قبل أن يقولوا لنا (يقصد المسؤولين) يجب أن نبني مسجدًا آخر)، علمًا أن بناء هذا المسجد كلّف المغاربة مساهمات واكتتابات مالية كبيرة
وصلت إلى حد اقتطاع ثلث رواتب الموظفين، فجاءت هذه النكتة انعكاسًا للتذمر الشعبي من القرار القاضي ببناء هذا المسجد من جيوب
المواطنين الذين يعانون أصلً ضعف الرواتب. لذلك تعتبر هذه النكتة نصًّا مهمًّا لاستجلاء موقف المغاربة من بناء هذه المعلمة الدينية،
وسخطهم على المساهمات المالية التي فرضت عليهم، وهو ما يناقض الرواية الرسمية التي تمجّد هذا الإنجاز. كما تذكر إحدى النكت المصرية في هذا الصدد أن رجلً "اصطاد سمكة، فسارع إلى زوجته طالبًا منها قليها في المقلاة، لكن الزوجة
اعتذرت لعدم وجود زيت في البيت. فقال لها: اسلقيها في الماء، فاعتذرت الزوجة لعدم وجود قنينة غاز، فطلب منها أن تقوم بشوائها، فصرخت الزوجة أننا لا نملك حطبًا ولا فحمًا، فحمل الرجل السمكة، وراح بها إلى البحر، فألقاها، فهتفت السمكة 'تعيش الحكومة'". واتجهت النكات أيضًا إلى البعد القومي العربي، حيث حضرت القضية الفلسطينية وتعقيداتها وخذلان الزعماء العرب وانهزاميتهم في نصوصها، فقد قيل: "رسم زعيم عربي وشمًا على ذراعه يصور خريطة فلسطين المحتلة، فلما سئل عن السبب قال: حتى لا أنسى، قالوا
له: لكن ماذا ستفعل لو تحررت فلسطين والوشم لا يمحى، فقال ببساطة: أقطع ذراعي"، وهو نص يعكس اليأس والروح الانهزامية التي هيمنت على مواقف الرؤساء العرب. وللدلالة على استحالة تحرير فلسطين في ظل الأوضاع العربية الراهنة، تمّ إبداع نكتة مفادها أن شيخ الأزهر أفتى - تجنّبًا لعدم
إقدام أي مسلم على الإفطار في شهر رمضان - بأن تكون كفارته "صيام قرن، وإطعام شعب الصين، وتحرير فلسطين!"، كناية عن كفارة صيام ثلاثة أيام، وإطعام ستين مسكينًا، وتحرير رقبة، كما هو مقرّر في الشريعة الإسلامية، وهو نصّ مفيد في دراسة العقلية العربية
الانهزامية، والزمن الرديء الذي يعيشه العالم العربي. وقد يكون هدف بعض النكت توجيه رسالة إلى الحاكم بهدف إصلاحه وتقويم اعوجاج نظامه بنكت معتدلة، تغيب فيها الكلمات الجارحة، وهي بذلك تؤدي وظيفة تأديبه أو "القصاص الخفيف" منه.
3. آليات توظيف نص النكتة السياسية
وظّف مصنفو النكت والنوادر أسلوبًا ساخرًا يرتكز على آليتين للإضحاك والتندر لنقد النخب السياسية وتوجهاتها، هما الغباء
والجهل. فتوظيف الغباء في النكتة هو آلية تسعى لتشويه سمعة المنكّت عنه، وتلطيخ صورته أمام الرأي العام. كما أن الغباء يزيد وتيرة الضحك منه، بحكم أن الجمهور يعرف عيوب المنكّت عنه، في الوقت الذي يجهل ذلك عن نفسه. والغبي هو الشخصية الطريفة في النكتة التي تفاجئ الناس بما هو غير متوقع، لأنه يرى ما ليس موجودًا، ويسمع ما ليس ملفوظًا، وينطق بما لا يوافق المقام، أو يقيس
قياسًا خاطئًا، أو يتحدث بحديث يظن أنه يقرر حقيقة، أو يأتي بجديد، والحال أن حديثه من البديهيات والمسلمات المعروفة. ومن هذا
القبيل تلك النكتة التي قيلت، وإن كانت قد وردت في المجال الاجتماعي لا السياسي، عن رجل أراد أن يختن ابنه ف "حمله للحجام، وقال له: ارفق به، فإنه ما اختتن قط". وفي تاريخ المغرب الراهن، نشطت نكت الغباء التي تتندّر بالنخب السياسية، وبرزت في هذا المنحى شخصية خاطري ولد سعيد
الجماني بوصفها شخصيةً مغفلةً دارت حولها النكت على نحوٍ لافت، قد يثير شهية المؤرخ في تحليل هذه الظاهرة والسياقات التي انتعش فيها ما بات يعرف بنكت "الجمانيات"، وهي شبكة من النوادر والطرائف الفكاهية التي صيغت حول هذه الشخصية ذات المكانة المتميّزة بين الأعيان الصحراويين، والتي ظهرت على نحوٍ لافت في المشهد السياسي المغربي سنة 1975. والراجح أن هذه النكت المتعلقة بشخصية الجماني ارتبطت بظرفية سياسية واقتصادية عصيبة مرّ بها المغرب في سبعينيات القرن الماضي، تمثلت في استرجاع أقاليمه الصحراوية، وما نجم عن ذلك من تقشف اقتصادي لإعادة تأهيل المناطق المسترجعة، واستحداث لضرائب جديدة خصصت لدعم ميزانية المناطق الصحراوية بهدف تنمية اقتصادها، ودعم الدفاع العسكري والدبلوماسي عنها. وأضيف إلى هذه الضرائب التي زادت من معاناة المواطنين المغاربة سنوات عجاف عصفت بالمغرب في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، وأصبحت القضية الصحراوية تعتبر من المقدسات التي لا يسمح بالخوض فيها أو مناقشة الميزانية المخصصة لها، بل دخلت على امتداد مرحلة طويلة في مجال اختصاص المؤسسة الملكية، لذلك فإن ذيوع النكت حول هذه الشخصية الصحراوية (الجماني) مثّل أسلوبًا من
أساليب تكسير هذا "التابو السياسي"، للتعبير عن معاناة الشعب المغربي الناجمة عن التضحيات البشرية والمالية والاقتصادية التي قدمها في سبيل هذه القضية. كما تعكس هذه النكت الشعبية شعورًا بالإحباط بسبب الاهتمام الذي كان يحظى به الأعيان الصحراويون
الذين استفادوا من العديد من الامتيازات والمناصب السياسية. وثمة نكت تندّ عن الحصر، أبدعت حول غفلة الجماني، نكتفي بواحدة منها بما تحمله من دلالة: فقد قيل إن الجماني شارك في
اجتماع لمجلس وزاري ترأسه الملك الراحل الحسن الثاني لدراسة قضية وطنية في غاية الأهمية. وبعد أن أدلى كل وزير برأيه الخاص حول القضية، ظلّ الجماني صامتًا لا ينبس ببنت شفة؛ ما أثار انتباه الملك، فسأله عن سرّ هذا الصمت، وما يشغل باله، وما إذا كان لديه
89 قزيحة، ص 136. 90 جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، أخبار الحمقى والمغفلين، شرحه عبد الأمير مهنّا (بيروت: دار الفكر اللبناني، 1990)، ص 167.
91 ولد سنة 1915 في منطقة ثلاثاء الخصاص بنواحي مدينة كلميم وتزنيت من أسرة محافظة، وترعرع في هذه المنطقة قبل أن ينتقل عبر الصحراء، وهو أصلً ينتمي إلى
قبيلة الرقيبات الصحراوية. وكان أبوه شيخًا لهذه القبيلة، وبعد وفاة والده كلّفته القبائل بتحمّل مسؤولية إدارة شؤونها. وبالرغم من أميته، كان الجماني حافظًا للقرآن. تولى
رئاسة الجماعة الصحراوية في العهد الإسباني، وعضوية مجلس النواب الإسباني "ديس كورتس"، لكنه رفض التعاون مع الاستعمار الإسباني لإقامة دولة صحراوية مستقلة.
قدم البيعة للمرحوم الملك الحسن الثاني سنة 1975. وكان من الموقعين على معاهدة مدريد بين المغرب وموريتانيا وإسبانيا من أجل انسحاب هذه الأخيرة من الصحراء في
السنة نفسها. ومنذئذ استقر في الرباط حتى وفاته سنة 1993. نسجت حوله العديد من النكت التي لم يكن ينزعج منها، بل كان يرى أن شخصيته المتميزة هي التي ساهمت
في ظهورها. 92 محمد شقير، "نكت الملك والجماني و'مستر بنكيران'.. سخرية المغاربة تغلب الأحزان"، هسبريس، 6 / 5 / 2017، شوهد في 9 / 12 / 2020، في: hCE 0 E 37 / ly. bit:// https
رأي في الموضوع المطروح للنقاش، فأجابه الجماني بتلقائية: سيدي أطال الله عمرك، إن الشيء الذي شغل فكري طيلة هذا الاجتماع هو الكيفية التي تمّ بها إدخال الطاولة التي جلس حولها الوزراء إلى غرفة الاجتماع، مع أن مساحة باب الغرفة ضيقة ولا تتسع لإدخال
طاولة بهذا الحجم! وبالمثل وظفت بعض النكت السياسية عنصر الجهل باللغة العربية، والخطأ في القراءة لإضحاك المتلقي. ونحسب أن التركيز على الجهل باللغة يندرج ضمن وظيفة الرقابة التي يمارسها المجتمع على النخبة السياسية، من خلال استغلال أي زيغ أو خرق لقواعد اللغة العربية وبنيتها، للتنكيت على النخب والمسؤولين السياسيين، والنيل من سمعتهم، وإظهار عجزهم عن احترام السلوك اللساني بوصفه نقيصة وعيبًا يبعث على الضحك، وبذلك يصبح هذا الصنف من النكت نصًّا ساخرًا ينتقد طريقة المسؤولين والنخب السياسية في الكلام،
والاستهزاء بعجزهم اللغوي في التواصل، ومن ثمّ القدح في أهليتهم وكفاءتهم. ومن هذا النوع من النكت الساخرة ما نسج حول شخصية وزير التشغيل المغربي في الثمانينيات من القرن الماضي المرحوم أرسلان الجديدي الذي ألقى في إحدى المناسبات خطابًا في تجمّع لسكان منطقة دكالة، فقال لهم: "إننا جميعًا مخلصون، إلا صاحب الجلالة"،
ويقصد بذلك أن "أهل دكالة جميعًا مخلصون للملك"، لكن كلمة "إلى" تحوّلت عنده إلى كلمة "إلا" التي تعني الاستثناء، وبهذه الزلة
اللغوية المدروسة منهجيًا في علم النفس انقلب المعنى، فأصبح يعني أن الكل مخلص باستثناء الملك. وفي تجمع آخر قال الوزير السالف
الذكر مخاطبًا ساكنة دكالة أيضًا "غادي نرجعو دكالة كلها بقر". (كان يريد أن يقول إن منطقة دكالة ستصبح غنية بثروة الماشية، وخاصة
البقر، لكن المعنى الذي جاءت فيه لغة تواصله مع المخاطبين أعطت كلامه معنى آخر، وهو أنه سيحوّل سكانها أنفسهم إلى بقر). ومن النكت التي وظفت عنصر الجهل والأمية ومستوى المسؤولين التعليمي المتدني ما روي حول الجماني السالف الذكر من أن الملك الراحل الحسن الثاني أراد أن يختبر مستواه الثقافي، فأجرى له بمعية الوزير أرسلان الجديدي السالف الذكر امتحانًا، فلما صحح أوراق الامتحان اكتشف أن الجماني قد نقل عن الوزير أرسلان كل ما كتب من أجوبة، بما فيها اسمه الشخصي والعائلي! كما استخدمت النكتة السياسية عنصر الغباء لخدش صورة النخبة السياسية والبرلمانيين وإظهار جهلهم وأميتهم، فقد ورد في إحدى النكت أن الملك الراحل الحسن الثاني كان يركب سيارته، وبجانبه السيد أحمد عصمان الذي شغل منصب رئيس وزراء الحكومة المغربية، من 20 تشرين الثاني/ نوفمبر 1972 إلى 27 آذار/ مارس 1979، فإذا بحمار يتوقف أمام السيارة ويعرقل سيرها. ورغم كل المحاولات لسحب الحمار، فإنه ثبت ولم يتحرّك من مكانه قيد أنملة، فنزل أحمد عصمان من السيارة، وهمس في أذن الحمار الذي
تحرّك أخيرًا، تاركًا الفرصة أمام السيارة الملكية لمواصلة السير، فسأل الملك وزيره عمّا همس في أذن الحمار، فأجابه بأنه وعده بمقعد
داخل البرلمان (في دلالة على أن البرلمانيين كالحمير، لا يفقهون شيئًا في أمور السياسة ولا غيرها). وتعبّ هذه النكتة عن الصورة التي
ترسّخت في مخيال الشعب المغربي حول ممثليه في البرلمان، وموقف الرأي العام الذي غالبًا ما تعرّض للتهميش في التاريخ الرسمي، وهو
ما يعطي المؤرخ أسئلة عديدة لبحث هذا الملف واستقصاء جوانبه المغيبة. ولا نعدم بعض النكت التي يمكن توظيفها مصدرًا في التأريخ للتطرف الديني، وما يطرحه من تخوفات المجتمع المغربي في التاريخ
الراهن، بسب إمكانية اتهام أي مواطن مشتبه فيه بالتطرف الديني، تبعًا لقانون مكافحة الإرهاب الذي تمّ سنّه في المغرب بعد أحداث
16 أيار/ مايو 2003 بالدار البيضاء. وفي هذا السياق تمّ إبداع نكت تعكس هذا التوجس والشعور بانعدام الأمان، وإمكانية الاعتقال
بسبب الشبهة حتى خلال أداء الصلاة، فقد راجت في المغرب نكتة تقول إن إمام مسجد كان يصلي بالناس، فافتتح قراءته بسورة
93 المرجع نفسه. 94 المرجع نفسه.
الفاتحة: "الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين...". فلما وصل إلى الآية "اهدنا..."، توقف فجأة، فظنّ أحد المصلين الذين كانوا يصلون وراءه أنه نسي الآية، فأتمّها بذكر: "الصراط المستقيم"، فتوقف الإمام عن الصلاة وردّ عليه: "أنت الذي
قلت ولست أنا!". والسبب في ذلك أن هذا الاسم "الصراط المستقيم" كان مرتبطًا بإحدى الجماعات السلفية المتطرفة التي اتهمتها السلطات المغربية بالإرهاب. فمثل هذا النص يرمّم النقص الذي يعتري روايات التاريخ الرسمي حول التخوف الكبير الذي انتشر داخل
الوسط الديني بالمغرب، حيث أصبح كل من يؤم المساجد قابلً للاشتباه في إمكانية انتمائه إلى إحدى تلك الجماعات المتطرفة. كما يرتبط نص النكتة بواقع الأحداث الإرهابية التي حدثت في المغرب آنذاك، المتمثلة في تفجير بعض المؤسسات السياحية كفندق فرح، والمطعم الإسباني بوزيتانو، فضلً عن تفجير المقبرة اليهودية بالمدينة القديمة. وجدير بالملاحظة أن النكتة السياسية عرفت تطورًا كيفيًا ونوعيًا مع ظهور العالم الرقمي؛ إذ أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي
آلة لإنتاج نكت سياسية للنقد والفضح بالكلمة والشعارات والرسوم الكاريكاتيرية، متوسلة ببلاغة وسائطية جديدة تتميز بالحوارية والتشاركية والتفاعل، مشكّلة بذلك سلطة مضادة للسلطة الرسمية. وتمخّض عن ذلك أحيانًا مواقف في غاية الأهمية، من قبيل نكت المقاطعة التي تبناها الرأي العام المغربي طوال سنة 2018 ضد بعض الشركات الاحتكارية، وقد أسفرت عن تنازلات من هذه الشركات لصالحهم. وبالمثل، انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي النكت الخاصة برئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران الذي عرف بتصريحات و"قفشات" مضحكة، وكذلك بعض الوزراء، ومن بينهم الوزير محمد الوفا الذي تولى سابقًا حقيبة وزارة التربية الوطنية؛ فقد اشتهر آنذاك بخرجاته الإعلامية، فرشقه الرأي العام بمجموعة من النكت يعكسها عنوان لكتاب افتراضي روّج له رواد مواقع التواصل
الاجتماعي بعنوان خرجات محمد الوفا في ما اختار واصطفى. ومع تصاعد وتيرة العالم الرقمي، ومواقع التواصل الاجتماعي التي تزامنت مع انتفاضات الربيع العربي، خاصة فيسبوك وواتساب والهاشتاغات الساخرة، تعددت النكت السياسية وتناسلت بكثافة، واتخذت أشكالً جديدة مثل الكاريكاتير، والخربشات على الحائط، والغرافيتي، والفيديوهات القصيرة على يوتيوب، أو تمّ اقتباس بعض العبارات الشهيرة من الأفلام أو المسرحيات، وتعديلها للتعليق على
الطغاة والأجهزة السياسية الفاسدة، فأصبحت النكتة أسلوبًا معبًّا عن تطلعات الشعوب العربية نحو الديمقراطية والكرامة والثورة ضد
الاستبداد، وأفرزت سيلً من النكت التي تسخر من الحكام. وفي هذا الصدد أبدعت نكتة حول الرئيس المصري الراحل محمد حسني مبارك، وقد صوّرته كأنه مات (قبل وفاته طبعًا)، فلما قابل السادات وعبد الناصر سألاه: "هاه؟ سم ولا منصة؟ رد عليهم بحرقة بقوله:
بل فيسبوك!". كما وظفت نكت الربيع العربي لإظهار أمية الرؤساء العرب وغباوتهم، ومنها النكتة التي تسخر من مقولة الرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح التي مفادها أنه لن يترك السلطة إلا في أياد أمينة، وما زال الشعب اليمني يبحث إلى الآن عن "السيدة أمينة" التي ترك السلطة بين يديها!
95 المرجع نفسه. 96 من الشخصيات السياسية المثيرة للجدل. ولد بمدينة الرباط عام 1954، وعمل مدرسًا قبل أن يدخل مجال السياسة نائبًا في البرلمان المغربي لثلاث ولايات
(1997 و 2002 و 2007). انخرط في عدة حركات إسلامية، وترأس حركة التوحيد والإصلاح منذ سنة 1996، واندمج في هذه الحركة في حزب عبد الكريم الخطيب المعروف
باسم الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية، التي تحولت إلى حزب العدالة والتنمية. وظلّ يشغل منصب الأمين العام لهذا الحزب منذ سنة 2008، حتى انتخاب سعد
الدين العثماني أمينًا عامًا جديدًا له. تولى رئاسة الحكومة المغربية بعد فوز حزبه، العدالة والتنمية، في الانتخابات التشريعية عام 2011، وبقي في هذا المنصب حتى عام 2017.
97 شقير.
ولم تحد نكتة أخرى أفرزتها الثورة التونسية عن هذا المسار، مفادها أن أحد المعلمين نعت تلميذه بالغباء، بعد أن عجز عن حل مسألة حسابية رغم مرور ساعتين على بداية التفكير في حلّها، فأجابه التلميذ: "سيدي، لقد ظل بن علي 23 سنة يحكم تونس ليقول في النهاية: 'أنا فهمتكم'، فلماذا تعاتبني ولم يمض على إلقاء سؤالك سوى ساعتين فقط!". وفي المنحى نفسه، تمّ إبداع نكتة أخرى حول أمّية الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، حين سئل عن معنى الثورة، ف "رجع برأسه
إلى الوراء مفكرًا بعمق، ثم قال ببطء: ممممم، الثورة هي... أنثى الثور"! وعندما سئل عن حق المرأة في الترشح، أجاب بأن من حقها
ذلك، سواء كانت ذكرًا أو أنثى! وعندما سمع أن الرئيس التونسي بن علي في "غيبوبة"، سأل وزيره: قداش تبعد غيبوبة عن ليبيا؟ ". والواقع أن مجال هذه الدراسة لا يتسع لعرض وتحليل الموجة العارمة من النكت التي رافقت الربيع العربي، والتي جمعت فيها بعض النكت في شكل كتب اعتبرها البعض تأريخًا لانتفاضة الربيع العربي باليمن في شكل ساخر. ونكتفي بالقول إن هذه النكت وغيرها تشكل نصوصًا مهمة تؤرخ لأحداث الربيع العربي، وهو موضوع يستحق أن تفرد له دراسة مستقلة. ونوصي في نهاية هذه الدراسة بتأسيس مجموعات بحث ومختبرات بالجامعات ومراكز البحث في الوطن العربي تتولى مهمة جمع النكت وتدوينها كتابة، وتوثيقًا رقميًا، ودراستها وتحليلها، بوصفها نصوصًا سردية فكاهية، وخزانًا لذاكرة الشعوب، تعبّ عن ظواهر
ثقافية، لا يستفيد منها المؤرخون فحسب، بل ذوو التخصصات والحقول المعرفية الأخرى أيضًا.
خاتمة
حاولت هذه الدراسة رسم الخطوط الأولية لنظام القول في نصّ النكتة، والإجابة عن إمكانية استثمار النص المضحك ضمن
النصوص التي يستند إليها المؤرخ بوصفها مصدرًا من المصادر لاستكمال مادته التاريخية، ورفع سقفها بغية توليد إضافات جديدة. ومع أن نصّ النكتة لا يساير في مظهره الخارجي القواعد نفسها التي تميّز النصوص والوثائق المألوفة في الكتابة التاريخية، فإنّ
هذه الدراسة سعت إلى رصد صلة النكتة بالتاريخ وبالذاكرة الجماعية، من خلال مجموعة من المؤشرات والنصوص القديمة والمعاصرة، تبيّ من خلالها أن النكتة بقدرتها على تجاوز الخطوط الحمراء العصية على الاختراق، تشترك مع أجناس المصادر التاريخية الأخرى في
سعيها لتقديم الحقيقة في ثوب هزلي، وأنها تعكس الواقع رغم تلوّنها بمسحة من الخيال. كما أنها تشكّل تمث لً للذاكرة الجماعية، بما
تتيحه دلالاتها من إمكانيات فكّ شيفرات البنية النفسية المخبأة، والمشاعر والمواقف العاكسة لقيم وثقافة المجتمع. وبعد أن أصّلت الدراسة النكتة والضحك ظاهرةً ثقافية في تاريخ المجتمع العربي، ودرست بنيتها وخصائصها بوصفها نصًّا إبداعيًا،
ووقفت على تقنيات سردها، وما تطرحه من إشكاليتي الزمن والمكان، خلصت إلى أنها تجسد نصًّا مخاتلً وزئبقيًا، يصعب الإمساك
بناصيته إذا لم يوظف المؤرخ منهج تحليل الخطاب، لاستقصاء شروط إنتاج المعنى، ودراسة علاقة الضاحك بالمضحك، واستقراء شكل التلفظ وسياق النص، إلى جانب السياق الخارج عن النص، وتفكيك اللغة المكتوبة أو الشفهية التي تمّ بها سرد النكتة، والربط بين بنية
الخطاب ووظائفه.
98 عادل عبد الصادق، "شعارات ثورة 25 يناير: قراءة في المغزى والدلالات"، المركز العربي لأبحاث الفضاء الإليكتروني، 24 / 1 / 2014، شوهد في 10 / 12 / 2020، في:
https://bit.ly/ 3 h 8 QAiI
99 " موسوعة نكات القذافي والثورة"، موقع النيلين، 27 / 2 / 2011، شوهد في 9 / 10 / 2020، في: hJGipJ 3 / ly. bit:// https 100 من بينها: منصور جراد، النكتة في الثورة اليمنية: سياسة ساخرة ([د. م.]: [د. ن].، 2014.)
ينظر قراءة في هذا الكتاب: "النكتة في الثورة اليمنية"، موقع التغيير، شوهد في 31 / 12 / 2020، في: 8 odNOf 3 / ly. bit:// https
وركزت الدراسة على النكتة السياسية، فأبان التحليل، من خلال عرض نماذج منها، أنها تتجاوز وظيفتها الإضحاكية، لتصبح مصدرًا لتاريخ الأزمات السياسية والصراع على السلطة، والفضائح التي تتورط فيها النخب السياسية. كما أنها تؤرخ لمشكلات المجتمع
المستعصية مثل البطالة، وارتفاع الأسعار، وتزوير الانتخابات، وتكشف عن أزمة المجتمع وخفاياه، وتعبّ بصدق عن المعيش اليومي،
وعن التطلعات إلى التغيير. كما استنتجنا، تأسيسًا على مجموعة من النكت والنوادر، أن النص المضحك يجسّد فعلً من أفعال التكلّم التي تحمل مشروعًا
مضادًّا لتوجهات النخبة الحاكمة، ومحاولة للتحرر من مراقبتها، وتضييقها مجال حرية التعبير؛ وبذلك فإنها تشكّل بامتياز "ثورة
صغيرة" يشهرها المجتمع المدني في وجه الاستبداد، لتصبح محاولة لقهر القهر، ولغة تعبّ بها الفئات الصامتة عن مواقفها، ونزهة
في المقهور والمكبوت والمسكوت عنه بلغة هازئة مموهة، ولكنها أبلغ من التعبير الصريح الذي يعدّ ممنوعًا في العديد من المجتمعات
العربية؛ ما يجعلها نصًّا تاريخيًا دسمًا مليئًا بالرموز والدلالات، وقابلً للتحليل والتفسير والتأويل، ومساهمًا في إعادة بناء وترميم السؤال
المصدري على نحوٍ متجدد. كما تفتح أمام الباحث شهية التنقيب أيضًا في الرسوم الكاريكاتيرية بوصفها مصادر تعبّ عن التاريخ بلغة
ساخرة ومختزلة، وهو موضوع جدير كذلك بالدراسة في أبحاث مستقبلية.
المراجع
العربية
إبراهيم، نبيلة. أشكال التعبير في الأدب الشعبي. القاهرة: دار نهضة مصر للطبع والنشر، [د. ت.] ابن الجوزي، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي. أخبار الحمقى والمغفلين. شرحه عبد الأمير مهنّا. بيروت: دار الفكر
اللبناني، 1990. _______. كتاب الأذكياء. بعناية بسام عبد الوهاب الجابي. بيروت: دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، 2003. ابن الفرضي، أبو الوليد عبد الله بن محمد. تاريخ علماء الأندلس. القاهرة: الدار المصرية للتأليف والترجمة، 1966. ابن خلدون، عبد الرحمن. مقدمة ابن خلدون. ط 3. بيروت: دار إحياء التراث العربي، [د. ت]. ابن عبد ربه، أحمد بن محمد. العقد الفريد. شرح وضبط وتصحيح أحمد أمين [وآخرون]. ط 2. القاهرة: منشورات لجنة التأليف والترجمة والنشر 1949. أفلاطون. كتاب الجمهورية. ترجمة فؤاد زكريا. القاهرة: دار الكتاب العربي، 1965. الألباني، محمد ناصر الدين. صحيح سنن الترمذي. الرياض: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، 2000. البخاري، محمد بن إسماعيل. الأدب المفرد. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. القاهرة: المطبعة السلفية، 1955. برغسون، هنري. الضحك: بحث في دلالة المضحك. ترجمة سامي الدروبي وعبد الله عبد الدايم. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998. البشتاوي، يحيى. "النكتة الشعبية ودورها في النقد السياسي". الفنون الشعبية. العدد 20 (تشرين الأول/ أكتوبر 2016.) بلحسن، فاروق. "النكتة السياسية في الجزائر: دراسة سيميائية تداولية". جامعة محمد الشريف مساعدية - سوق أهراس. مركز المنشورات الأكاديمية، 2012. التوحيدي، أبو حيان. البصائر والذخائر. تحقيق محمد السيد عثمان. بيروت: دار الكتب العلمية، 2014. توفيق، نجيب. عبد الله النديم: خطيب الثورة العرابية. القاهرة: مكتبة الكليات الأزهرية، 1970. جابر، هشام. النكتة السياسية عند العرب: بين السخرية البريئة والحرب النفسية. بيروت: الشركة العالمية للكتاب، 2009. الجاحظ، أبو عثمان عمر بن بحر. البخلاء. تحقيق محمد علي أبو العباس. القاهرة: دار الطلائع، 2005. _______. البيان والتبيين. تحقيق محمد عبد السلام هارون. ط 7. القاهرة: مكتبة الخانجي، 1998. الحضرمي، أبو بكر محمد بن عبد الله المرادي. كتاب السياسة أو الإشارة في تدبير الإمارة. تحقيق سامي النشار. الدار البيضاء: دار الثقافة، 1981. حمودة، عادل. النكتة السياسية: كيف يسخر المصريون من حكامهم؟. القاهرة: دار الفرسان للنشر، 2003.
References
جراد، منصور. النكتة في الثورة اليمنية: سياسة ساخرة. [د. م.]: [د. ن].، 2014.
الحوفي، أحمد. الفكاهة في الأدب: أصولها وأنواعها. القاهرة: نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، 2001.
للكتاب، 1992. الداموني، حسين علي لوباني. الملف السرّي للنكتة العربية. بيروت: مؤسسة الانتشار العربي، 2005.
والنشر، 2008. الصفدي، خليل بين إيبك. نكت الهميان في نكت العميان. القاهرة: المطبعة الجمالية، 1911.
والآداب، 2003. عبد القادر، حامد. دراسات في علم النفس الأدبي. القاهرة: المطبعة النموذجية، [د. ت]. عشاق، مولود. تاريخ المغرب وإشكالية المصادر. الرباط: مطابع الرباط نت، 2016. العقاد، عباس محمود. تاريخ علماء الأندلس. القاهرة: الدار المصرية للتأليف والترجمة، 1966. _______. جحا الضاحك المضحك. القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2013. قزيحة، رياض. الفكاهة في الأدب الأندلسي. صيدا/ بيروت: المكتبة العصرية للطباعة والنشر، 1998.
الأجنبية
الحصري، أبو إسحاق إبراهيم بن علي. جمع الجواهر في الملح والنوادر. تحقيق علي محمد البجاوي. ط 2. بيروت: دار الجيل، 1953.
خصخوصي، أحمد. الحمق والجنون في التراث العربي: من الجاهلية إلى أواخر القرن الرابع. القاهرة: الهيئة المصرية العامة
السوسوة، عباس علي. "النكتة تأصيل لغوي تاريخي". مجلةمجمع اللغة العربية بدمشق. العدد 79 (نيسان/ أبريل 2004.) شايب، أحمد. الضحك في الأدب الأندلسي: دراسة في وظائف الهزل وأنواعه وطرق اشتغاله. ط 2. الرباط: دار أبي رقراق للطباعة
عبد الحميد، شاكر. الفكاهة والضحك: رؤية جديدة. سلسلة عالم المعرفة 289. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون
المقري، شهاب الدين أحمد بن محمد. نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب. تحقيق إحسان عباس. بيروت: دار صادر، 1988. النويري، شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب. نهاية الأرب في فنون الأدب. تحقيق يحيى الشامي. بيروت: دار الكتب العلمية، 2004.
• Apte, Mahadev L. Humor and Laughter: An Anthropological Approach. Ithaka/ London: Cornell University Press 1985. • Attardo, Salvatore. "From Linguistics to Humor Research and Back: Applications of Linguistics to Humor and Their Implications for Linguistic Theory and Methodology." PhD. Dissertation. Purdue University. 1992. • Chapiro, Marc. L'illusion comique. Bibliothèque de philosophie contemporaine. Paris: Presses Universitaires de France, 1940. • Chapman, Antony J. & Hugh C. Foot (eds.). It's a Funny Thing, Humor. Oxford: Pergamon Press, 1977.
• Dupreel, Eugène. "Le problème sociologique du rire." Revue philosophique de la France et de l'Étranger. Presses Universitaires de France. vol. 106 (Juillet- Décembre 1928). • Freud, Sigmund. Le mot d'esprit et ses rapports avec l'inconscient. Marie Bonaparte & M. Nathan (trads.). Une édition électronique réalisée à partir du livre de Sigmund Freud (1905). Paris: Gallimard, 1930. • Gazamian, Louis. "Pourquoi nous ne pouvons définir l'humour?" Revue Germanique. vol. 2 , no. 1 (Novembre
• Lorenz, Konard. On Aggression. Marjorie Wilson (tran.). London/ New York: Taylor and Francis e- Library, 2005. at: https://bit.ly/ 2 KNLrkN • Morreal, John. "Enjoying Incongruity." HUMOR: International Journal of Humor Research. vol. 2 , no. 1 (1989). • Mulkay, Micheel. On Humor: Its Nature and Its Place in Modern Society. Cambridge, UK/ Oxford, NY/New York: Polity Press and Blackwell, 1988. • Ricœur, Paul. Histoire et vérité. 3 ème ed. Paris: Seuil, 1967.