التاريخ العالمي (1)
Universal History (1)
الملخّص
في صيف عام 2000، ظهرت مقالةٌ للفيلسوفة الأمريكيّة سوزِن بوك مورس في مجلة Critical Inquiry بعنوان "هيجل وهايتي." وكان ظهورها حدثًا ثقافيًا في حينه، فأثارت ردود أفعال مؤيدة ومناهضة، وتعرضت للنقد، وردًا على هذه النقود كتبت مورس مقالةً ثانية بعنوان "التاريخ العالمي." وجمعت المقالتين في كتاب واحد عنوانه: هيجل وهايتي والتاريخ العالمي (2009)، والذي ستصدر ترجمته عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. وهذه ترجمة القسم الأول من المقالة الثانية، وسينشر القسم الثاني في العدد التالي من أسطور. البحث العلمي في كلتا المقالتين متعدي الحقول العلمية: بحث فلسفي تاريخي، أو يكتب التاريخ بوصفه فلسفةً سياسيةً، يعرض شعارات العقلانية والإنسانية والعالمية التي رفعها عصر الأنوار والحداثة الغربية ويحللها وينتقدها، ولكنه لا يهدف إلى محوها وإلغائها، بل يرمي إلى تقويمها.
Abstract
In Summer 2000, Susan Buck-Morss published an essay in Critical Inquiry titled “Hegel and Haiti”. This article quickly developed into a real cultural phenomenon, attracting both high praise and sharp criticism. In response to this criticism, Morss authored a second essay, “Universal History”. The two essays were subsequently published together as Hegel, Haiti and Universal History (2009), which is soon to be published in an Arabic edition by the ACRPS. Part 2 of “Universal History” will be published in a later issue of Ostour . Both essays span multiple fields: they are a sort of historical-philosophical enquiry, or history written as political philosophy, which analyse and critique the rationalist, humanist and universalist slogans of the enlightenment without trying to erase them.
- التاريخ العالمي
- هيجل
- هايتي
- العبودية
- الفكر التاريخي
- Hegel
- Global History
- Slavery
| سوزان باك-مورس | Buck-Morss *Susan ترجمة: علي حاكم صالح | Saleh Hakim **Ali | |||
| ح| م لي رج | أستاذة متميزة في الفكر السياسي في جامعة مدينة نيويورك CUNY، فيلسوفة ومؤرخة تتركز اهتمماتها البحثية في * قضايا العولمة والدراسات الثقافية والنظرية الفنية. Distinguished Professor of Political Thought at CUNY. A Philosopher and Historian Interested in Globalisation, Cultural Studies and Art Theory. ** كاتب ومترجم عراقي. Iraqi Author and Translator. ح| م لي رج في صيف عام 2000، نُرت مقالةٌ للفيلسوفة الأميركية سوزان باك-مورس في مجلةInquiry Critical بعنوان "هيغل وهايتي". وكان ظهورها حدثًا ثقافيًا في حينه، فأثارت ردود أفعال مؤيدة ومناهضة، وتعرضت للنقد. وردًا عى هذا النقد، كتبت مقالةً ثانية بعنوان "التاريخ العالمي". وجمعت المقالتن في كتاب واحد عنوانه: هيغل وهايتي والتاريخ العالمي (2009)، ستصدر ترجمته عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. وهذه ترجمة القسم الأول من المقالة الثانية، وسيُنر القسم الثاني في العدد التالي من مجلة أسطور. البحث العلمي في كلتا المقالتن متعدّي الحقول العلمية؛ فهو بحث فلسفي تاريخي، أو يكتب التاريخ بوصفه فلسفةً سياسيةً، ويعرض شعارات العقلانية والإنسانية والعالمية التي رفعها عصر الأنوار والحداثة الغربية ويحللها وينتقدها، ولكنه لا يهدف إلى محوها وإلغائها، بل إلى تقويمها. كلمت مفتاحية: التاريخ العالمي، هيغل، هايتي، العبودية، الفكر التاريخي. In Summer 2000 , Susan Buck-Morss published an essay in Critical Inquiry titled "Hegel and Haiti". This article quickly developed into a real cultural phenomenon, attracting both high praise and sharp criticism. In response to this criticism, Morss authored a second essay, "Universal History". The two essays were subsequently published together as Hegel, Haiti and Universal History (2009), which is soon to be published in an Arabic edition by the ACRPS. Part 2 of "Universal History" will be published in a later issue of Ostour. Both essays span multiple fields: they are a sort of historical-philosophical enquiry, or history written as political philosophy, which analyse and critique the rationalist, humanist and universalist slogans of the enlightenment without trying to erase them. Keywords: Global History, Hegel, Haiti, Slavery, Historical Thought. التاريخ العالمي (1) Universal History (1) | ||
مقدمة
ملاحظات أولى
تهيئُ هيمنةُ الليبراليّة الجديدة اليوم المسرحَ للكتابة عن "التاريخ العالمي" History Universal؛ كتابة تواصل بروح مقالة "هيغل وهايتي" استكشافَ إكراهات معينة تكتنف الأصول التاريخية للحداثة. وتقتضي منّا الوقائعُ الراهنةُ إعادةَ رسم الخرائط التاريخية بديل من استيهامات صِدام الحضارات والرؤى الخلَاصيّة الإقصائية. وتتناول المقالة الحالية خصوصياتٍ تاريخيةً لتجارب معينة، ولا تقاربِ العالميّة من خلال إدراج الوقائع ضمن أنظمة شاملة أو مقدِّمات متجانسة، إنما من خلال العناية بحوافّ الأنظمة، وحدود المقدمات، وتخوم خيالنا التاريخي لغرض انتهاك هذه التخوم وبَعثرتها وتمزيقها. وتتمثل المهمّةُ في إعادة تشكيل مشروع الأنوار بخصوص التاريخ العالمي في سياق ميداننا العام العالمي الوشيك وغير المتحقق. ويمكن وصف هذه المهمّة بأنّها إنسانوية جديدة Humanism New A، ولكن إذا كان الأمر كذلك، فإنها خلو من المضامين التي تتضمّنها عادةً اللاحقة ism1. وفحوى مجادلتي ببساطة هي أنّه بالنظر إلى التحديات العالميّة على المستويات كافة؛ المادية والأخلاقية، يكون التاريخ العالمي مهمًا.
ثلاث صور
ماذا لو قمنا، بهَدي روحٍ ديالكتيكية، بقلب الطاولة، ولم ننظر إلى هايتي على أنّها ضحية من ضحايا أوروبا، بل بوصفها فاعلً في بناء أوروبا؟ يمكن مقاربة هذا السؤال في شكل لغز متكون من ثلاث صور. الصورة الأولى من رواية كانديد لفرانسوا ماري آروويه فولتير (الصورة 1)، وهي جزء من سلسلة رسوم توضيحية وضعها جان ميشيل مورو الأصغر Jeune le Moreau Micheal - Jean (1741 - 1814) لأول أعمال فولتير الكاملة عام 17872. ويُظهر أحد المشاهد الأربعة التي اختار مورو وضع رسم توضيحي لها في روايةكانديد، لقاءَ البطل في مستعمرة سورينام الهولندية مع عبد شوّه سيدُه جسدَه. ويشرح العبد: "في العادة [...] عندما نعمل في مصانع السكّر وتمسك بإصبعنا حجر الرحى، فإنهم يقطعون يدَك. وعندما نهرب منهم يبترون ساقًا". وكلماتُ التعليق التوضيحي لمورو من كلمات العبد الختاميّة: "هذا هو ثمنُ تناولكم السُّكر في أوروبا"3. عندما صمَّم مورو مجموعةً ثانيةً من الصور لطبعة عام 1803، حُذف هذا المشهد تمامًا. وبهذا الصدد تُبيّن ماري بيلهاوس على نحو مقنع أنّه بينما كانت سورينام الهولندية، في رواية كانديد (نشرت للمرة الأولى في عام 1759)، البديلَ من مستعمرة سان دومينيك الفرنسية الغنية بالسّكر، فإنّ ثورة العبيد في تلك الجزيرة كانت السببَ في إغفال الرسّام لها لاحقًا. وتتعقب بيلهاوس ما لحق الثقافة البصَريّةَ الفرنسيةَ من تغيير عام مع اندلاع الثورة الهايتية، إذ تحولت هذه الثقافةُ من تقديم أوصاف للسّود بأنّهم "طفوليون، وخانعون، ومُقطَّعون" إلى وصفهم بالعنف الجسدي، والخطورة الجنسية، وتقطيعهم أجساد البيض، وهذا تهديدٌ نفسي بإخصاء الرجال الأوروبييّن البيض4.
الصورة (1) صورة توضيحية من جان ميشيل مورو الأصغر لرواية "كانديد" لفولتير، 1787
وتحلّل بيلهاوس، عبَر استثمار مَنطق التحليل النفسي وسيلةً تأويليةً، صورةَ مورو المبكرة على نحو تفصيلي دقيق، مكتشفةً "دوال متعددة" لسلطة "قضيبية" بيد البيض (عصا يتوكأ عليها كانديد للمشي، وبندقيته، فضلً عن ساقيه المنتصبتين) في مقابل العبد المشوّه والمستلقي في الظلال، الذي "تربط الصورة بين لون بشرته الداكنة وجسده المقطَّع"5. ما الذي يسوّغ لنا التصدي لفهم الصورة على هذا النحو؟ من المؤكد أنّ الأمر ليس قلة تقدير لفرويد، الذي أبانت مناهجه التأويلية عن خصوبتها مدةً طويلة من الزمن. ولكنّ ثمة شيئًا يُفقَد عندما ينظَّم الجهازُ النّظري للتحليل النفسي لأغراض تحليل اللاوعي الجمعي
تحليلً سياسيًا؛ ويكون الفقدان على جانبي العملية التحليلية كليهما: الجانب الشخصي (النفسي) والجانب السياسي (الاجتماعي). ولا شك في أنّ بيلهاوس تعترف بأنّه لا يمكن القبض على هذه الصور في "قراءةٍ واحدةٍ ثابتةٍ"6. ومن السماجة رفض قراءة عاطفية رفضًا تامًا عبَر اختزال التأويل إلى الحقيقة البسيطة القائلة إنّه إذا كان مورو قد أعاد نشر رسمه التوضيحي الأول، فإنّها ما كانت لتفلت من الرقابة الفرنسية في عام 1803، أو عبَر التصدي لرسوم جيمس بارلو التوضيحية المخصّصة لكتاب ماركوس رَينسفورد عن تاريخ هايتي (ظهر للمرة الأولى عام 1805)7 التي صورت العبيد الأحرار أبطالً ثوريين كلاسيكيين ورابطي الجأش؛ أو عبَر ملاحظة أنّ الغوغاء الباريسيين قد وُصفوا بأنّهم غير منضبطين اجتماعيًا وجنسيًا على الرغم من أنّهم بيضٌ تمامًا. ومع ذلك، فإذا كانت صورة العبد المشوَّه قد عبّرت عن شيء يثير القلق، فيتعيّن علينا أن لا نستبعد من اعتبارنا أنّ هذه الصورة مغروزة في الواقع الاجتماعي، الذي لا يمكن أن يُختزل في مجرد مخاوف من إخصاء الرجال8. في صورة مورو، يجتمع العجزُ السياسي والاقتصادي. فوجود العبودية مؤسسةً مربحةً، كانت هي ذاتُها، على نحو ما تظهر في فقدان العبد ليدِه وساقِه، تخيف الأوروبييّن، فكان أن أحدث ذلك فرقًا ملموسًا نتيجة ما يترتب على هذا الخوف في نفس من يشغل موقعًا في تراتبية اجتماعية اقتصادية9. فليس كلُّ إحساس بالذنب ذا أصول جنسية. وتعبِّر شخصية كانديد عن خبرة سياسية مؤكدة بالشعور بالذنب، الذي نشعر بها نحن البشر عندما نشاهد شيئًا ما يتعارض بعمق مع المبادئ التي تحكم عالمَنا اليومي: شيء موجود في النظام الرسمي - جليٌّ ولكنه غير معترف به، يُتكلم عليه ولكنه غير معروف - يتناقض مع مفهومه للواجب الأخلاقي. ولكن، لأن السلطات تتكلم على ما يتصف به هذا النظام من تسامح، وعلى تطبيق هذا النظام، وعلى منافعه، يظل هذا النظام مستمرًا. فالحقيقة، القائمة أمام الإدراك الواعي، "تُنكَر" Disavowed في الوقت نفسه، بحسب مصطلح سيبيل فيشر الموفق، ويجد الخيالُ الأخلاقي نفسَه في حالة تعارض مع الطاعة الاجتماعية10. وينطوي الشعور السياسي بالذنب على مشاعر متناقضة: إذ يلزم عن رفضك القيام بالواجب المرسوم لك اجتماعيًا لعملِ ما هو صائب أن تُصنَّف خائنًا للجماعة Collective التي تطالبك به (والجماعة هنا هي: الأمة أو الطبقة أو الدين أو العِرق)، والمجازفة من ثم بفقدان حماية الجماعة لك.
هذا ما كان يدور في ذهني بخصوص حالة الجنود الفرنسييّن في سان دومينيك، الذين كانوا يتساءلون مع أنفسهم، وهم يسمعون الاسم الرسمي للعدو، وهم أولئك العبيد المتحرِّرون الذين كانوا ينشدون النشيدَ الفرنسي، عمّا إذا كانوا يقاتلون مع الجانب الخطأ، أو بخصوص حالة الفوج البولندي الذي رفض إغراق ما لديه من أسرى سان دومينيكيين، فاعترف بهم ديسالي11 لاحقًا بوصفهم مواطنين في هايتي السوداء عرفانًا وامتنانًا لصنيعهم هذا12. إنّ الطابع الأخلاقي الكلّي، الذي تلوذ به هذه الأفعال، يدخل ضمن السجل السلبي - فالشروط ليست صحيحةً عندما يُحكم عليها من القيم الرسمية نفسها - بدلً من أن تقوم هي نفسها بفرض أخلاقيتها على الآخرين13. ويعود مصدر هذا الشعور بالذنب إلى الفجوة القائمة بين الواقع والوهم الاجتماعي، وليس بين الواقع والوهم الفردي. إنّه يستطيع أن يحوّل التحليل التأويلي إلى نقد سياسي عبَر كسر الصمت الرسمي الذي يعاقب الحالات الخطأ. وفيما يخص رسم اللغز الثاني، نحن لسنا في حاجة إلى نظرية جاك لاكان لتأويل رؤيةٍ رآها الفيلسوف باروخ سبينوزا في منامه، وظلّت تلحّ عليه في يقظته، فدوَّنها في رسالة إلى صديقه؛ التاجر الهولندي، عن "برازيلي أسود أجرب لم يسبق أن رأيتُه من قبل"14. كان سبينوزا ناقدًا مثابرًا للنزعة الفرديّة الذريّة لدى معاصره هوبز، وكان يلحف على العلاقة التبادلية بين البشر، مستبقًا بذلك هيغل بقرن من الزمان. انتصر سبينوزا، بوصفه فيلسوفًا، لحقوق "الكثرة" القادرة جسديًا، ولكنه مثل مفكري التنوير اللاحقين، تعامى عن الإقصاءات الاجتماعية التي ابتليت بها الكثرة. ويتساءل وارين مونتاغ: "مَن هذا البرازيلي إن لم يكن إلّ تكثيفًا لكل أولئك الذين أنكر سبينوزا صوتهم الشرعي [...] [الذين] يشكلون معًا أغلبيةً عدديةً في أي مجتمع: النساء، والعبيد، والعمال المأجورون، والأجانب؟ إنهم الكثرة الذين لا تستطيع القوانين ولا الدساتير أن تلغي قوتهم الحقيقية، والذين تسعى الفلسفة السياسية جاهدة في أغلب أشكالها الليبرالية الفعلية إلى إنكار وجودهم نفسه"15. إنّ الكتابة النقدية للتاريخ صراعٌ متواصل لتحرير الماضي من ربقة لاوعي جماعةٍ يَنسى شروط وجود هذا الماضي الخاصة. وتُستعاد لنا هذه الشروط في حالة عَبد فولتير، الذي تكون يدُه المقطوعةُ بمنزلة تلك النتائج المترتبة على تقسيم العمل كما وصفها هيغل: السرعة بوتيرة مكثفة، والتكرار البليد الذي يقطع العقل والجسد، لذلك فإنّ النفسي والاجتماعي هما، لا جرَم، في علاقة متبادلة. والصلة
التي تربط بينهما تكون في اختيار هيغل لكلمات تصف العمل الحديث وهي كلمة Abstumpfung ("التعويق" Stunting، و"التبلد" Dulling، و"البتر" Truncating)، التي تتُرجم إلى الكلمة الإنكليزية "إخصاء" Emasculation16. أما الصورة الأخيرة، اللغز الثالث، فهي صورة مناس بة. كتب آدم سميث، الذي مات عشية ثورات باريس وسان دومينيك، أنّ عمل العبيد كان أعز على قلوب أسيادهم من عمل الأحرار، ودان العبودية كونها عائقًا لا يُطاق يقف في طريق التقدم الإنساني. ومع ذلك، كان يعي جيدًا المنافع الضخمة المجتناة من مزارع السكر - لا سيما باربادوس وسان دومينيك - على الرغم من حقيقة أنّ العمل كله قام به العبيد. ألم يكن، إذًا، ضعفُ سميث الوحيد، المتمثل في استهلاكه مكعبات السكر، حالةً من حالات الإنكار؟ وإليك شهادة شاهد عيان: "لن ننسى ما حيينا أمسيةً عندما جعل [آدم سمث] خادمةً عجوزًا، تشرف على تقديم الشاي، تشعر بالتشوش إذ رفض دعوتها إلى أن يأخذ مكانه على أحد الكراسي، فظل يدور ويدور، متوقفًا أحيانًا لسرقة مكعب من إناء السكر، بحيث كانت العانس الموقرة تضطر إلى الركوع على ركبتيها طويلً كطريقة وحيدة لحماية هذا الإناء من غزواته غير الاقتصادية. وكان مظهره المبتهج بالسكَّر الأبدي شيئًا لا يوصف"17.
أولً: هايتي وخَلقُ أوروبا
1 ي. العبودية ف أوروبا
هل تجذرت العبودية في الحواضر الأوروبية الاستعمارية؟ ليس الجواب عن هذا السؤال موضع إجماع، بل موضع تنازع. إنّ ما جعل العبودية الاستعمارية حديثةً هو شكلُها الرأسمالي، القائم على استخلاص أعلى قيمة عبَر استنفاد كل من الأرض والعمل لتلبية مطالب مستهلك لا يَشبع؛ تلك المطالب التي خلَقتها المنتجات المسبِّبة للإدمان (التبغ، والسكر، والقهوة، وشراب الرَّم). لماذا لم يصبح نظام المزارع، المتشكل من أغلب القوى الاقتصادية الشائعة، الشكل السائد للعمل الصناعي في أوروبا، كما في المستعمرات؟ إنّ الحقيقة التي تفيد أنّنا لا نستطيع اليوم تخيّل ثورة في مصانع النسيج بمانشستر يقودها عبيد أفريقيون وإيرلنديون وإنكليز، أو تخيّل شكل للرأسمالية ليس مرادفًا للعمل "الحر"، أو تخيّل أنّ التحديث الاقتصادي ليس اختراعًا من الأمم الغربية (الب يض)، هي حقيقة تشهد على الحدود النافذة المسلَّطة على تخيلاتنا التاريخية من طرف مفاهيم تحديدية: الع رق، والأمة، والتقدم الحديث، التي بُنيت في أغلب الأحوال للحيلولة دون تلك البدائل الممكنة. "ليس ثمة سبب جوهري يجعل من العبودية متعارضة مع المثل الأعلى لدولة وظيفية أو نفعية"، هذا ما كتبه ديفيد باريون ديفيس واصفًا، في حالة الدولة البريطانية، الترابط المتبادل بين العبودية الكاريبية، وحركة إلغاء العبودية، والمصالح الطبقية الرأسمالية، والانتصار الغامض للعمل الحر، ومشددًا على الاندماج التاريخي لهذه العناصر18. لم يكن استعباد الأوروبيين فكرةً صادمةً في القرنين السابع
عشر والثامن عشر، وذلك عندما كانت المسألة الأولى في تقييم العبودية، بما هي قوة عاملة، هي المحافظة على النظام الاجتماعي عوض تعظيم الأرباح. وكانت العبودية المحلية قد وجدت لها قبولً عند توماس هوبز، وجون لوك، وصمويل بوفيندورف بوصفها حلًّ يسهم في توفير انضباط اجتماعي لأعدادٍ متزايدة ممن يسمَّون "الهمَل " Men Masterless، وهم المتبطلون، والمجرمون، والمتشردون، والمعوزون19. لقد كان العمل بالسخرة أمرًا شائعًا20. وكانت العبودية المشرعة قانونيًا وسيلةً راسخةً لإمداد المستعمرات بالعمال، فتُباع أجسادهم ويُستغل عملهم بالقسوة والوحشية نفسيهما اللتين يُعامل بها العبيد. غير أنّ منتصف القرن الثامن عشر قد عرف تحولً مفاجئًا: "ففي ستينيات القرن السابع عشر أحجم حتى أشد أنصار المنفعة الاجتماعية حماسةً عن تزكية العبودية شرطًا ملائمًا لفقراء إنكلترا"21. وكان السبب من وراء تزايد هذه الشكوك هو الوعي بواقع العبودية في العالم الجديد، حيث تكاثرت أعداد العبيد في المستعمرات وازدهر الإنتاج. ولأنّ قسوة النظام لم تكن مروّعة فقط، بل كانت في الوقت نفسه تقنيةً فعالةً في ضبط العمل، ما كان يمكن تجاهل نتائجها. كان نظام العمل العبودي في مزارع العالم الجديد "يشبه ظاهريًا، في أقل تقدير"، تجارب الصناعيين البريطانيين، وابتكارات الإنتاج التي وصفها سميث22. وعلى الرغم من أنّ المؤرّخين المتأخرين يذهبون إلى أنّ التحديث الرأسمالي كان متعارضًا مع لاكفاءة العمل العبودي، فإن المسألة كانت حينئذ، ودائمًا في الحقيقة، ليست فقط في كيفية استغلال العمل بكفاءة، بل كيف يمكن حمل العمال على الامتثال. وكلما تعاظم حجم العبودية الأفريقية، وبالنتيجة كلما صار الحد نفيذًا (ومن ثم خياليًا) بين مستعمرات العبيد وأوروبا الرافضة للعبيد، كانت القوانين التي تُمرَّر لتعزيز العبودية صارمةً، وهذه حالة نسميها حالة إنكار واضحة. وكلما تكررت حوادث ثورات العبيد في المستعمرات التي تظهر رغبتهم في الحرية، انشرحت صدور الأوروبيين لنظريات لا ترى في العبودية إلّ قضاءً نازلً على الزنوج لا محيص لهم عنه23. كتب إريك وليامز في عام 1944، ولقد أيد البحثُ الحديث ما كتب: "لم تكن العبودية ابنةَ العنصرية، بل كانت العنصرية
حصيلةَ العبودية"24. بنى الأوروبيون حواجز للاختلاف في شكل تمييزات مكانية بين الأمّة والمستعمرات، وتمييز عِرقي لعبودية الزنوج، وتمييزات شرعية تتعلق بحماية الأشخاص، من أجل فصل أوروبا الحرّة عن الممارسات الاستعمارية. وتُظهر قضايا المحاكم ذلك على نحو خاص، حيث استعمل العبيد الأفارقة في أوروبا مبادئ الحرية القديمة لتحدي هذه الشرعية ذاتها التي تُضفى على العبودية، مختبرين الاعتقاد الشائع في فرنسا وإنكلترا أنّ الحرية مكفولة لكل إنسان في أي من البلدين. وكانت تفصيلات القضايا مختلفة، ولكن النتيجة واحدة: يقتضي حبُّ الحرية تمييزًا على أساس الع رق. فبدأ يظهر في الخطاب مصطلحا العبد Slave والزنجي Negro بوصفهما مصطلحين مترادفين. أقرت المحاكم في فرنسا، فترةً طويلة، تقسيمًا جغرافيًا لمبدأ الحرية، معترفةً بالقانون الأسود noir Code25 [قانون العبودية] لعام 1685 قانونًا "ضروريًا وشرعيًا" للمستعمرات26. ولكن كان يُزعم أنّ التراب الفرنسي في أوروبا أرض فريدة ومقدسة. والمرسوم الملكي لعام 1716، الذي أتاح إقامةً محدودةً للعبيد رفقة أسيادهم، قد تجاهلته محاكم استئناف الأقاليم باستمرار، التي منحت الحرية لمئات العبيد على أساس لاعرقي، فرأت أنّ العبودية غير شرعية في فرنسا. وحينما كان عدد العبيد في فرنسا ما يزال صغيرًا، كان هذا الصنيع الشهم، حتى وإن كان قليل التكلفة، منسجمًا مع رؤية الأمة لذاتها. ولم يكن الدافع هو إلغاء العبودية كمؤسسة27. يكتب سو بيبودي: "كانت النية من وراء منح الحرية لمن يرتحل إلى فرنسا منع دخول العبودية إلى الحواضر، وليس لزيادة أعداد الأحرار في المستعمرات". وعمل بيبودي يتتبع تحولً حصل في القرن الثامن عشر، حين ظهرت مقولةُ العِرق في الخطاب التشريعي، وبدأ المبدأُ القائلُ "لا عبيد في فرنسا " يُؤوَّل لاستثناء السود الأفارقة28. ضَمِنَ ظهور التمييزات العِرقية حقوق الملكية للسادة، ولكن ضَبطَ بالقوة الحدَّ بين العبيد والحرية. وكانت القضية الأظهر هي قضية فرانسيسك ضد برينيو Brignon. v Francisque (1759)، التي كُسبت من خلال إثبات أنّ فرانسيسك، المولود في الهند، ليس زنجيًا على الرغم من بشرته الداكنة، ولذلك طُبّق مبدأ الحرية29. وفي عام 1777، حَظرت سلسلة من التشريعات، عُرفت باسم الشرطة السوداء noirs de Police، هجرةَ الزنوج والخلاسييّن، سواء أكانوا عبيدًا أم أحرارًا، وحاولت منع الاندماج الاجتماعي والجنسي الذي يُعشْي التمييزات بين الأعراق التي على أساسها قام مبدأ الحرية30.
وفي إنكلترا، وقعت المعركة التشريعية المهمة في عام 1772، عندما انعقدت محكمة من أجل العبد جيمس سومرست، الذي حاول أن يدافع عنه المستشار القانوني ديفي Davy بقوله: "كان هواء إنكلترا أنقى من أن يتنفسه العبيد" - وهذا الحديث حديث خرافة وليس أدق تاريخيًا من زعم فرنسا: "لا عبيد في فرنسا"31 - وكان الدافع واحدًا: أبان [ديفي] كان هواء إنكلترا أنقى، أيضًا، من أن يتنفسه الزنوج. لقد ود منع تدفق الزنوج"32. وقد عرَّفت قضية سومرست العبودية بأنّها "غير بريطانية Unbritish " أساسًا، فهي "طفيلي غريب" يمكن التسامح معها في أفضل الأحوال باعتبارها جزءًا مشؤومًا من "العالم الآخر" التجاري والاستعماري"33. واللافت في هذا الصدد هو أن هذا القرار قد استند إلى الاعتراف بالعبودية الاستعمارية على أنها "ابتكار" جديد "غير معروف للقانون العام Law Common و'مختلف كليًا' عن العصر الإقطاعي القديم"34. فالعبودية، في حد ذاتها، لا تجد لها نصيرًا من الحريات القديمة في إنكلترا، فكان البرلمان حرًا في أن ينظمها في قانون وضعي، على النحو الذي نظموا فيه تجارة العبيد وحكم المستعمرات. ومع كل ما ناله القرار البريطاني من مباركة ذاتية بالصلاح الأخلاقي في قضية سومرست، "لم تصدّق المحاكم الإنكليزية على أي مبدأ من شأنه أن يقوّض قانون العبودية الاستعماري"35. هل كانت ثمة عبودية غير شرعية في أوروبا؟ لن تُفاجئنا حقيقة عدم وجود وثائق في هذا الصدد، لأنّ المسألة برمتها كانت تخص القوى العاملة المهاجرة بصورة غير شرعية. وثمة أدلة وافية تدلّ على أنّ القرارات الشرعية لم تُطبّق على النحو نفسه عبَر البلاد، فاللامركزية القانونية كانت هي القاعدة، والراجح أنّ الموانئ كانت الأشد تهاونًا في مسألة تطبيق مناهضة تجارة العبيد. والقانون الذي حكم بلزوم حظر العمل العبودي في أوروبا هو نفسه يقدم الدليل على وجود هذا العمل. ويلاحظ ديفيس: "في عام 1773 منعت البرتغال دخول العبيد البرازيليين أو السود الأحرار، لأنهم، كما يُقال، كانوا يمثلون منافسةً مجحفةً لقوة العمل المحلية"36. وفي عام 1771، أقرت محكمة بريطانية، ببلاغة أدائية أكثر منها وصفية، بالحاجة "المؤسفة" إلى العبودية في أميركا: "ولكن عبودية الزنوج غير ضرورية في إنكلترا"37. ولدينا رسالة مثيرة للاهتمام كان قد بعثها الشاعر الألماني فريدريك غوتليب كلوبستوك (1724 - 1803) إلى ملك الدنمارك كونه "الأول من بين جميع السلطات الحاكمة في أوروبا، الذي أعلن بعدم جواز معاملة البشر على أنهم بضائع، وأنّ على الدنماركيين ألّ يستعملوا الزنوج عبيدًا في حقولهم الزراعية"38. ولقد وصف كلوبستوك المنع الذي أصدره ملك الدنمارك بأنّه عالمي Universal من حيث إشارتُه إلى التعامل
مع البشر بوصفهم بضائع (كانت الدنمارك أول بلد أوروبي يُنهي تجارة العبيد39، وعلى العكس من قضايا المحاكم التي عرضناها، عارض هذا القرار جعل عمل العبيد الأفارقة استثناءً، ونظرًا إلى حقيقة أنّ الدنماركيين لم يحظروا عمل العبيد في حقول مستعمراتهم حتى عام 1848، يظهر أنّ "العمل في الحقول الزراعية" الذي يشير إليه كولبستوك كان موجودًا في الدنمارك نفسها. كُتبت رسالة كولبستوك، التي نشُرت في مجلةمنيرفا Minerva في كانون الثاني/ يناير 1793، بعد أن قام عبيد سان دومينيك بتحرير أنفسهم. وفي غضون عقد من الزمان، عمل نجاح ثورة هايتي هو نفسه على تكثيف العنصرية بوصفها وسيلةً لفصل أوروبا عن أثر الأحداث العالمية. ولكن للقصة أكثر من وجه.
أ. الثورة غير المكتملة
إنّ الدستور الذي أعلنه توسان لوفيرتيور40 في عام 1801، قاد، لا ريب، التاريخَ العالميّ إلى أعلى ذرى التقدم عبَر توسيعه مبدأ الحرية، ليشمل السكان جميعهم بصرف النظر عن الع رق، بمن فيهم اللاجئون السياسيون الباحثون عن لجوء من العبودية في أماكن أخرى، الأمر الذي حمل اليعقوبيين الفرنسيين (ولو مؤقتًا) على اتباع قائدهم41. ولا يمكن التقليل من أهمية هذا الإجراء لإنهاء حالة العبودية. لقد رُفض التعذيب والقسوة الجسدية بجميع أنواعها. وغدا الوضع القانوني مسألةً مهمةً. ولكن التجربة الهايتية علَّمت أوروبا درسًا مختلفًا كذلك، وهو أنّ العمل الحر لا يجب أن يكون عملً غير منضبط، ولا يجب على مبدأ إلغاء الفصل العنصري دستوريًا أن يحول دون تثبيت التراتبية الاجتماعية القائمة على اللون والطبقة، فيصبح تفوق الخلاسي وما يتمتع به من مكانة سماتٍ دائمةً للمجتمع الهايتي42. فلم يكن لوفيرتيور ولا ديسالي يرغبان في شيء غير الاستمرار في نظام العمل في المزارع، فصارا يشغِلّان الآن رجالً أحرارًا عمالً مأجورين، ولكن كانا متحمِّسيَن لفكرة رفع طاقة الإنتاجية لأغراض التصدير43. وكان النموذج هو نموذج الانضباط العسكري، الذي كان قد أظهر قدرته على تنظيم المتمردين العبيد. يكتب لورينت دوبوا: "كانت
شخصية العبد الذي صار جنديًا شخصيةً محوريةً في انطلاق الثورة الكاريبية، حيث ستكون الخدمةُ العسكريةُ العالمَ الذي ستكون فيه الحرية في متناول العبيد السابقين"44. وفي حين أنّ هذا قد مكّن لنوع من الحراك الاجتماعي بصرف النظر عن خلفيته، فإنّه وفر أيضًا الشرعيةَ الأيديولوجيةَ لاستمرار استغلال العمّال في المزارع، وهو نظام صار يسمّى "العسكرية الزراعية"45. وصارت الطبقية الاجتماعية في الأميركتين جزءًا من أيديولوجية استقلال المستعمرات46. لذلك، فإنّ التاريخ ليس تاريخ فضيلة هايتي وخطيئة أوروبا فقط، فثمة "جانب مظلم" في كلتا تجربتي الحداثة47. لم تكن الحريةُ والمساواةُ في عصر الثورة إلّ تعرضتا للتعديل. فالناشطون البريطانيون المناهضون للعبودية اتبعوا بدقة تطورات العمل في حكومة توسان عندما كان ضبط العامل الهدف الأعلى في أذهانهم. ويخشى المصلحون، قبل كل شيء آخر، السلوك غير المنضبط الذي يقرنونه بالبيض العنيدين، أي تلك الفئة نفسها من "العاطلين عن العمل الكسالى"، الذين أراد الليبراليون [قبل منتصف القرن الثامن عشر] استعبادهم"48. يميز ديفيس في الكتابات البريطانية المناهضة للعبودية "انشغالًاستحواذيًا تقريبًا بالنظام التراتبي المثالي"، ويصف أحدَهم، وهو الكاهن جيمس رامزي، بأنّه "لم يحاول أن يخفي إعجابَه بالضبط العالي في مزارع السكر"49. ويخلص ديفيس من قراءة الكرّاسات الدعائية لدعاة إلغاء العبودية في سياقها إلى ما يأتي: "بينما كان الإصلاحيون يصارعون مشكلات الجريمة، والإملاق، وانضباط العمل، بدوا أنّهم واقعون لاشعوريًا في قبضة صورة مزرعة العبيد [...] فمالكو العبيد والصناعيون جمعهم اهتمامٌ متزايدٌ ليس فقط بالمراقبة والتحكم، بل بتعديل شخصيات عمالهم وعاداتهم"50. وديفيس قادر، عبَر تتبعه الحركة الإنكليزية لمناهضة العبودية، على أن يبيّن بوضوح التعقد الذي تنطوي عليه الحرية مبدأً للتنظيم الاجتماعي على النحو الذي نسجت فيه نفسها في نسيج مجتمع صناعي متشكل حديثًا، مؤديةً إلى "استجابة عالية الانتقائية
لاستغلال العمال"51. وأفضى نجاح دعاة إلغاء العبودية إلى إنهاء تجارة العبيد البريطانية في عام 1807، بالتزامن مع ولادة فكرة العمل "الحر"، التي قُدّر لها أن يصبح الانضباطُ في العمل شكلها الخاص، حيث ألغي منهجيًا التشريع السابق الذي يحمي العمال البريطانيين52. الصورة (2) مصنع الدبابيس
المصدر:
Denis Diderot, Jean le Rond d'Alembert & Pierre Mouchon (eds.), Encyclopédie, ou Dictionnaire raisonné de sciences, des arts et des métiers , vol. 21 (Stuttgart-Bad Cannstatt: Fromman, 1966 - 1995. Originally published in Paris: Briasson,
الصورة (3) مصنع سكر
المصدر: 18. Ibid., vol.
لم يكن المهم، إذًا، الاستغلال في العمل، ولكن المهم هو تأكيد خرافة الخضوع الطوعي لهذا الاستغلال53. والمحاكم "لم تدن العبودية الصناعية بوصفها انتهاكًا لحقوق الإنسان" في قضية العمال الإنكليز أو الإسكتلنديين "الملتزمين مدى الحياة بمناجم الفحم وأعمال الملح"، لأنّ "العامل الذي قبل أجرًا رمزيًا يمكن أن يوصف بأنّه عامل حر، حتى وإن ظل في الواقع تابعًا دائمًا"54. إنّ أيديولوجية العمل الحر، المدعومة بمفاهيم عنصرية عن الاختلاف، كانت هزيمةً للطبقة العاملة البريطانية، عندما أصبحت الحرية، في نهاية المطاف، المصطلحَ الشامل لمزاعم بريطانيا الخاصة عن تفوقها التاريخي المقدر له "أن يقود القوى الأخلاقية والتقدم الاقتصادي"55. لقد زيدت الم لكية الحرة، فضلً عن العمل الحر، والتجارة الحرة، على معيار الحرية الحديث، الذي جرى تصورهِ تصورًا جديدًا. "ربما اعتمد" نظام العمل الذي ظهر في بريطانيا "على ملايين العمال المكرهين، ولكنه كان بالتعريف 'عالمًا حرًا"'56. ومما له دلالة هنا هو أنّ كل هذا قد حدث قبل تدشين العمل الآلي على نطاق واسع. ونحن إذا ما حصرنا الحداثة في أوروبا، فسوف نسُيء
فهمَ إلى أي حد كانت الرأسمالية الحديثة نتاجَ النظام الاستعماري، الذي كان، بطرق عديدة، مستهل التطورات الأوروبية. كتبت إيمي سيزار: "إنّ دراسة سان دومينيك هي دراسة أحد أصول الحضارة الغربية ومصادرها"57. ولكن يتعيّن علينا المضي قدُمًا مع هذه الرؤية. إذا أعطينا المتمردين الكاريبيين حقهم، انحلت الحضارة الغربية إلى تاريخ فضاء نفيذ وغير محدود يسرح فيه المتمرِّدون.
ب. المصنع يغزو أوروبا
ما يدهشني هو عدم اهتمام المؤرخين كثيرًا بحقيقة أنّ كلمة "مصنع" Factory ذاتها، التي صارت مرادفةً للتقدم الصناعي، كانت من ابتكار المشروع الاستعماري الأوروبي. فقبل قرون من الانطلاقة الصناعية في مانشستر، كان المصنع الأول هو المصنع البرتغالي Feitoria، أو محطة تجارية Post Trading، التي شغلت لها مكانًا على موانئ أفريقيا الساحلية، وهي مؤسسة أعمال مختلفة تمامًا عن مؤسسات التصنيع المحلي Fabricacao58. ولقد تبنّى البريطانيون المصطلح بهذا المعنى تمامًا. فالمصانع كانت شركات تجارية في البلدان أو المستعمرات الأجنبية، مزوِّدةً الاحتكارات بالشرعة الملَكيّة، التي أرسلت الوكلاء التجاريين Factors إلى تلك القواعد الأجنبية التي تعمل مقراتٍ رئيسةً للشركات، ومخازن، ومراكز معالجة بالجملة. وكانت المصانع البريطانية مؤسسات شهيرة في خليج هدسون، وسانت بطرسبورغ، ولشبونة، وشرقًا إلى الهند59. لقد استهلت هذه المصانع شكل الشركات الحديثة، فجمعت رأس المال من خلال نظام المساهمة System stock - Joint (الذي حُظر لأنّه يتسم بخطر المضاربة بالنسبة إلى التصنيع المحلي) الذي موَّل الاشتغال الخطر بالتجارة البعيدة، وهذا التعبير الأخير تعبير ملطف عن استخراج القيمة مما وراء البحار. كانت المصانع وكلاء للمشروعات الإمبريالية، ساهمت في بناء الحصون، وانغمست في الحروب الاستعمارية. وجنت أرباحًا طائلة بصرف النظر عن أن ما جنته "عادل" كما كان الحال في الإنتاج المحلي. وإنه ليس من قبيل سوء الفهم أن نرى مصانع مانشستر الأولى امتدادًا للمشروع الاستعماري، التي صارت الآن تغزو الوطن الأم. "كانت مانشستر في عام 1815 بلدة مستودعات بضائع" تشهد "نموذجًا من التغير هيمن عليه نموذج البيع بالجملة، والتسويق والتبادل أكثر مما هيمن عليه الإنتاج60. واكتسبت المدينة اسم مدينة القطن Cottonopolis بفضل موقعها المحوري في نشاط عالمي ربط مزارع القطن في المستعمرات بخيوط الغزل المعدّة لإعادة التصدير كمحطة على طريق للبيع بالجملة من أجل البيع النهائي في
أوروبا61. ولم تكن الأعمال التجارية المتوجهة إلى الخارج محل ثقة الشركات الصناعية المحلية التي استعانت بمصادر إنتاج خارجية من أجل العمال المنزليين في القرى المحيطة، ولكنهم يتشاركون المكان في مستودعات مانشستر، التي استُؤجرت لكلا النشاطين؛ فاشتركت الشركات المحلية في الاستعانة بمصادر الإنتاج الخارجية والمصانع التجارية في خيوط الغزل لأغراض التجارة الخارجية. واستغرق هذان الشكلان الرأسماليان بعض الوقت لينمّيا إحساسًا وواقعًا بمصالحهما المشتركة62. وواقع الحال، لم يكن كذلك في الأوقات الثورية التي نركز عليها الآن. ولم يكن العمل في مصانع مانشستر يتميز بالإنتاج الآلي العالي63. وما أطرحه هنا هو أنّه عندما يُنظر إلى قوة العمل الحديثة من دون التقسيمات داخل فضاء الأمة، أو العِرق، أو حتى المكانة السياسية للأحرار في مقابل العبيد، نلاحظ اتساقًا واستمرارية لافتين في تطورها. كان هناك من لاحظ في حينه هذا الاتساق، ولكن تطلَّب الأمر الوصول إلى عصر العولمة هذا كي يفكر المؤرخون في حكاية التاريخ على وفق منظوراتهم. في عملهما البحثي الألمعي عن عالم الأطلسي، جمع بيتر لاينبو وماركوس ريديكر التجربةَ الحياتيةَ والمُدركاتِ السياسيةَ التي تشاركَها "حشدٌ متنوعٌ" من العمّال في القرنين السابع عشر والثامن عشر، و"شخصيات عديدة" من طبقات عمالية معدمَة شكلت "البروليتاريا الأطلسية" Proletariat Atlantic: البحارة، والعبيد، والخدم المؤقتون من دون مقابل، والجنود المشاة، وقاطعو الأخشاب، وناقلو المياه، والذين بنوا الموانئ، وأبحروا بالسفن، وقطعوا الغابات، وقاتَلوا واشتغلوا في الحقول، وكانوا يمثلون التهديد الدائم بالهروب أو التمرد للمطالبة بحريتهم؛ لقد كانوا تحديدًا الفئة الدنيا من عمّال السخرة والشذّاذ، أقلقوا كثيرًا قوى القانون والنظام في المستعمرة وفي الوطن الأم كذلك64. وإذا لم تقرّ الحكومة الجديدة في هايتي بالصلات والمشتركات بين العبودية الحديثة والعمل الحر الحديث، فإن "الحشد المتنوع" أقرَّ بذلك.
ج. الحشد المتنوع
تركز دراسة لاينبو وريديكر، هايدرا المتعدد الرؤوس، على الهيمنة البريطانية الأطلسية، كاشفة عن دور الطبقات العاملة في بناء النظام العالمي الجديد من خلال توثيق حالات تمردهم عليه. كان الحشدُ المتنوع بحارةً ينتمون إلى أعراق متباينة، انجذب الآلاف منهم، سواء أكانوا محليين أم أجانب، للخدمة في سفن الأسطول التجاري البريطاني، أو أُكرهوا عليها. كانت "السفنُ التجاريةُ" الراسية على السواحل الأفريقية أو الآسيوية "مرجلً تُنضَّج فيه نزعةٌ عالمية"، "لا" توفر "وسائل التواصل بين القارات فقط، ولكنها أيضًا المكان
الأول الذي يتواصل فيه العاملون المنحدرون من تلك القارات المختلفة"65. كانت تمردات السفن أفعالً سياسية. وأصبحت جماعات القراصنة "تنظيمات Hydrarchies متعددة الإثنيات والأعراق"، وحكومات مضادة تحكم نفسها بنفسها تدير أمور القضاء، والثروة المشتركة، وتشن الحرب66. والتحق العبيد الهاربون، في المدن الواقعة على طول سواحل المستعمرات، بالمهاجرين الأوروبيين، كخلايا منظمة ذاتيًا من متمردي الواجهات البحرية، الذين شكلوا الجناح المتطرف لتمرد مدينة نيويورك في عام 1741، وحرب الاستقلال الأميركية (والمؤلفان يصفان جورج واشنطن والنخبة من مالكي الثروات والعبيد بالثوريين المضادين بالمقارنة)67. يربط راينبو وريديكر بين مطاردة الساحرات في القرن السابع عشر، ونفي المنشقين الدينيين، وعمليات تسييج الأراضي Commons of Enclosures، والعقوبات القاسية ضد جرائم السرقة بوصفها أعمالً قمعية من لدن التراتبيات السلطوية التي امتدت على جانبي الأطلسي68. والمؤلفان يتتبعان استعارة هايدرا المتعدد الرؤوس، الوحش الأسطوري، الذي ينمو له رأسان محل كل رأس يُحتز، وهي استعارة تواتر ظهورها في هذه الحقبة لوصف الحركات الاحتجاجية التي يثيرها دعاةُ المساواة الشيوعيون، والخوارج الدينيون، والعبيد المتمردون، والمتطرفون الثوريون. "وبناء عليه، فإنّ الحشد المتنوع يقدم صورة ثورة تنطلق من الأسفل وتظهر الرعب[...] فتلتقط نخبة المستعمِرين بيسر صورًا وحشية، فتصف الجماهير بأنّهم 'هايدرا'؛ 'الوحش المتعدد الرؤوس'، و'قوة زاحفة متعددة الرؤوس.' وتدل صورة الرؤوس المتعددة ضمنًا على أنّ الديمقراطية وحشية"69. ومع ذلك، لم تكن أعمال التمرد غير منظمة وغير متماسكة. ويصر لاينبو وريديكر، باستشهادهما بكتابات الناطقين باسم هذه الأعمال المتمردة، الذين يزعمون أنهم يمنحون الحشد المتنوع، إجمالً، صوتًا، يصران على الوعي المتنور لهؤلاء الفاعلين التاريخيين المرتحلين: "كانت هذه البروليتاريا المتعدد الإثنيات 'كوزموبوليتانية ' Cosmopolitan بالمعنى الأصلي لهذه الكلمة"70. فلم تكن رسالتهُم قوميةً عنصريةً، بل إنسانوية عالمية Humanism Global. وفي حين يصف ديفيد بريون ديفيس كيف أنّ الحجج الشرعيّة لدعاة إلغاء العبودية "دقّت إسفينًا" بين الحرية والعمل، والعمال العبيد والأحرار، فإنّ هذين المؤلِّفين يكتشفان المفكرين الجذرييّن الذين أقاموا رابطة لا انفصام لها بين العبودية الاستعمارية وشروط العمل شبه العبودي للعمال الإنكليز المحليين، وتحدثوا عن إلغاء نوعي العبودية هذين71. لقد دِينَ الإيرلندي و"المنظِّر البروليتاري، إدوار ديسبار، الذي التقى بزوجته الأفريقية الأميركية عندما كان جنديًا في المستعمرات الأميركية، وأ عدم بتهمته خائنًا في تسعينيات القرن
الثامن عشر لتدبيره مؤامرة لندن، التي كانت، بحسب تعبير القاضي، تهدف إلى "مبدأ المساواة الكلي الهمجي"72. والقس الخلاسي من الطائفة المنهاجية [الميثودية] روبرت ويدربورن، الذي حذّر أصحاب المزارع الاستعماريين البريطانيين من أنّ "مصير سان دومينيك ينتظركم"، وأوَّلَ عيد اليوبيل التوراتي وعدًا بالتحرر الاقتصادي والسياسي في المستعمرة وفي الحاضرة كذلك: أقول إنّ هذا القس دافع، بعد مذبحة بيترلو ضد متظاهري مانشستر، عن تسليح البروليتاريا الإنكليزية73. في عصر الثورة، تكلّم أنصار "النزعة العالمية من الأسفل" below from Universalism على عِرقٍ إنساني واحد، وهي فكرة أظهرها الكتَّاب على نحو أوسع مما أظهرها مسار التاريخ اللاحق. فالكتّاب أولادو إكويانو، وليديا بريست هاردي، وتوماس هاردي، ووليام بليك، وتوماس بين، وقسطنطين فرانسوا فولني، هؤلاء جميعًا كانوا كتّابًا وصفوا أنفسهم بأنّهم "مواطنون عالميون" World the of Citizens74.(فدارت كتاباتهم العالمية الجذرية عبَر العالم بوصفها نصوصًا مضادةً لنسخة التاريخ الرسمية التي فيها "تتقلص الدعاوى العالميّة التي تدعو إليها الثورة إلى نزعة قومية عنصرية ضيّقة"75. ويعبّر لاينبو وريديكر، العالميان Cosmopolitans المعاصران والمنتصران لضحايا الاستغلال العالمي الجديد، عن أسفهما لفشل هذه "المؤامرة من أجل الجنس البشري": "لم يبق غير القومي والجزئي: الطبقة العاملة الإنكليزية، والهايتي الأسود، والشتات الإيرلندي"76.
ثانيًا: التاريخ خارج الحدود
1. سياسة كتابة التاريخ
يبدو تاريخ لاينبو وريديكر تكملةً لعمل ديفيس، الذي يتعقب الكثير من المسائل نفسها من منظور النظرية القانونية البريطانية وكتابات دعاة إلغاء العبودية عندما يوضح هذا التاريخ، في بعض الحالات في الأقل، أنّ الصلةَ التي أقيمت بين العبودية والعمل الحر تتجاوز الاختلاف العِرقي. والمفاجئ في الأمر أنّ هذين المؤلفين اشتبكا بحدة وعلى رؤوس الأشهاد مع ديفيس عندما ظهرت مقالته التي انتقدت كتابهما هايدرا المتعدد الرؤوس، مما حفزهما للرد عليه بقسوة. وبينما ثمّن ديفيس "المنظور الأطلسي" لكتابهما، مشيرًا إلى أنّ بعض الأجزاء "تستحق إطراءً عاليًا"، بما في ذلك "القصص الشخصية الآسرة" (ديسباردس، وويدربورن، وآخرون)، دانَ عملَهما المملوء بأخطاء في الوقائع والتأويلات السيئة، عازيًا ذلك كله إلى رسالتهما "الماركسية". وقد ردَّ عليه المؤلفان بالقول إنّه يستثمر الوصمة السائدة في نعت الخصوم بالانتماء الأحمر baiting - Red77.
يخطئ كلا الطرفين المرمى. إنّ كتاب هايدرا المتعدد الرؤوسهو تحدٍ كبير للماركسية الأرثوذكسية في تصوره الكلّي عن البروليتاريا بوصفها ما قبل صناعية وأطلسية من حيث نطاقُها، وفي تشديد ه على أهمية النساء القائدات، وتعاطفِه مع الراديكاليين المسيحيين، واهتمامِه بالعِرق مثل اهتمامه بالطبقة، ومقتِه للطليعية بوصفها شكلً من أشكال التنظيم السياسي78. وعلاوة على ذلك، فإنّ موضوعَ الكتاب حركةٌ ثوريةٌ فاشلةٌ لعمال بروليتاريين ضد الاستغلال الرأسمالي التجاري، وليس موضوعه القوانين الحديدية الصارمة للصراع الطبقي والتطور الرأسمالي الصناعي79. وديفيس، من جانبه، الذي يصف نفسه بأنّه من أولئك "الذين يفضلون يسار الوسط"، لم يدن الكاتبين لانشغالاتهما السياسية، بل بالأحرى لما ترتب على عرضهما من نتائج سياسية. فهو حذّر من الكتابة التي تسيّس التاريخ بوصفه قصة أخلاقية للخير والشر، فتضيع بذلك السمة العرضية للأحداث وتعقيداتها، والمعرفة غير التامة التي يحملها الفاعلون البشر وما يترتب على أفعالهم من نتائج غير مقصودة، فيتحول التاريخ، إذّاك، إلى صراع رومانسي بين أبطال وأنذال. ولم يكن تحذيره هذا بلا أساس، نظرًا إلى ما تنتهي إليه، أحيانًا، التفسيرات التاريخية اليسارية واليمينية من إساءات سياسية. ولكن في تكرار سيناريو الحرب الباردة هذا، حيث يعود أحد الجانبين إلى معايير البحث العلمي والآخر إلى إشهار التهمة الحمراء، فإنّ هذا التبادل الساخن بين الجانبين لا يؤثر في القارئ على نحو غريب. ويبدو أنّ هذا الموقف القديم لليسار الجديد غير منشغل بتجربة القراءة الفعلية لأعمال كلا طرفي السجال. ما من أحد يدافع عن البحث العلمي الركيك. وعلى الرغم من أنّ الخطأ البشري لا يُمحى تمامًا (وعلى الرغم من أنّ الجهود الأولى التي يشهدها حقلٌ معرفي معين سوف تكون عرضةً للنقد والتجريح، لافتقارها إلى ما سوف تتمتع به الأعمال اللاحقة في الحقل نفسه من قدرة على تجاوز الهنات والضعف)، فإنّ ثمة وسواسًا قهريًا بالدقة يتمثل في داعٍ مهني يشغل كتّاب التاريخ، تلك هي المسؤولية في حدها الأدنى التي يحملها المؤرخ وهو يطلب من قرائه الاطمئنان إلى ما يكتب. ولكن لاينبو وريديكر يصرّان، بحق، على أن ثمة شيئًا آخر في غاية الجسامة والخطورة إلى جانب المعايير العلمية. فعندما يقوم ديفيس بوضع تمييزات قوية جدًا بين الواقعة والأيديولوجيا، والحقيقة والتشويه، فإنما هو يتجنب مسألةً أساسيةً جدًا تتعلق بمعنى البحث التاريخي. وهذا أمر يقودنا، لا مناص، إلى أعماق فلسفة التاريخ وسؤالها المركزي: ما السبيل إلى إنشاء معنى من انكشاف الحياة الإنسانية الجمعية؟ إنّ الحاجة اليوم إلى إعادة التفكير في هذا السؤال في سياق عولمي، أي تاريخ عالمي، أشد إلحاحًا مما عرفته منذ قرون خلت، وربما منذ هيغل، وهايتي، وعصر الثورة. لماذا نكتب التاريخ؟ ما الحقيقة التي يُتوخى كشفها منه؟ هنا نجد أنّ الوقائع، التي ربما سُجلت، أو لم تُسجَّل، بغير إتقان، غير قادرة هي ذاتها على تقديم إجابة شافية. وعلاوة على ذلك، فلكون السؤال المركزي عن معنى التاريخ لا يمكن أن يُسأل خارج الزمان، إنما فقط في نسيج الفعل الإنساني الكثيف، فإنّ طريقة طرح السؤال، ومناهج البحث عن إجابة، فضلً عن معايير ما يوصف بالإجابة السائغة، هذه كلها ذات مضامين سياسية. إنّ لدى ديفيس، في الحقيقة، فلسفةً للتاريخ، يمكن تعقّب مصدرها إلى التنوير الأوروبي، الذي فهمَ إنتاج المعرفة نقدًا. فالوقائع عند ديفيس (في كتبه الفذّة عن العبودية الغربية) سياسية، وهدفها نزع الأسطرة Demythification. وبحثه العلمي الدقيق يفرك صدأ التصورات الشعبية السيئة المنسوجة في التاريخ الرسمي ويستعملها أهل السلطة لتسويغ هيمنتهم
الراهنة. أما لاينبو وريديكر، فإنهما، مع ذلك، يذهبان خطوةً أبعد، فهما لا يزعزعان أساسات التفسير المهيمن فحسب، بل ينتجان سرديةً أخرى مضادةً، تضطلع بأكثر من مجرد نقد ما هو قائم، فتحفز على الفعل من أجل تغيير الواقع القائم هذا. ويهدفان صراحةً إلى ربط المقاومة العالمية اليوم بمقاومة أسبق، "مستعيدين الجسدَ البروليتاري من شكله الوحشي" (هايدرا)80، ومقيمين صلة بين لوفيرتيور، وديسباردس وأتباعه، وويدربورن وآخرين وبين "الهائمين في أنحاء الكوكب" المعاصرين "المستعدين أبدًا من أفريقيا إلى الكاريبي إلى سياتل من أجل مقاومة العبودية واستعادة المشاعات؟"81. ويذهب ديفيس إلى أنّ الأسطورة المضادة هي الأسطورة نفسها، وكان مصيبًا في تحديده المخاطر. ولكنّ نزعةً تجريبيةً وضعيةً صارمةً لا جدوى من ورائها لمعرفة التاريخ، لأنّ الوقائع من دون مفاهيم لا معنى لها. إنّ إنكلترا مفهوم، وليست واقعةً، وكذلك "أوروبا"، "وعصر التنوير"، "والاقتصاد"، "والتقدم"، "والحضارة". والحكم الذي يقرر ما إذا كانت هذه المفاهيم أسطورية أم لا هو حكم تقييمي جمعي يتغير تاريخيًا. وهذه هي المسألة السياسية على وجه التحديد. من أو ما الذات الجمعيّة [المحرّكة] للتاريخ؟ الأمّة؟ أم الحضارة؟ أم الطبقة؟ أم هو العقل، ذلك الفاعل الماكر عند هيغل؟ في الوقت الذي تحدد فيه كلُّ واحدة من هذه المقولات الشاملة الظاهرةَ الحاضرةَ بوصفها ظاهرةً ذات معنى، تصلنا مملوءة ببقايا الماضي، تضم تاريخًا تترسب فيه الأحلام اليوتوبية والبقع الثقافية العمياء، والصراعات السياسية وعواقب القوة. وتشكّل المفاهيم الموروثة من التاريخ وعيًا جمعيًا عن الفاعلين الذين يخلقون التاريخ بدورهم. وحتى عندما يزعم الفاعلون أنّهم الحاملون المعياريون للتاريخ العالمي - ولا سيّما عندما يزعمون هذا الزعم الطليعي - فإنّهم، ويا للمفارقة! يؤسسون هويتهم في مقابل هويات الآخرين، الأغراب. ويعيدنا هذا إلى الفكرة التي انتهت إليها مقالة "هيغل وهايتي". أيمكن إعادة تخيّل تاريخ عالمي خارج حدود الأطر التصورية الإقصائية؟ أيسعنا نحن البشر، في حركة منّا كي نقلبَ هيغل، أن نرفضَ رؤية أنفسنا أداةً للتاريخ، وأنّ أفعالنا الجزئية لا يكون لها معنى إلّ بإدراجها تحت تصور شامل يتكشف تاريخيًا، حتى وإن كان هذا المفهوم هو الحرية الإنسانية؟ أيمكن تخيّل الذات الجمعية ذاتيةً شاملةً الجميع كما الإنسانية نفسها؟ أثمة سبيل اليوم نحو تاريخ عالمي؟
2. المساميّة
لن تكون الخطوةُ الأولى الاعترافَ باحتمالية الحوادث التاريخية فقط، بل الاعتراف أيضًا بغموض المقولات التاريخية التي نفهمها بها. هذه الخطوة اتخذها مؤرخون مثل بول غِلروي، الذي أفضت به محاولته لفهم شتات الأفارقة عبَر الأطلسي الأسود إلى البرهنة أنّ مفاهيم تعيينية، مثل الع رق أو الأمة، هي مفاهيم غير كافية. فالتجارب الجمعية للكائنات الإنسانية الجزئية العينية تقع خارج المقولات التعيينية مثل "الأمّة"، و"الع رق"، و"الحضارة"، التي لا تقبض إلّ على جانب جزئي من وجود هذه الكائنات بما أنّها تَعبرُ ثنائيات ثقافية، متحركة إلى داخل الأطر التصورية وخارجةً منها، مستحدثةً، في أثناء ذلك، أطرًا جديدة. تميّز المساميّة Porosity الثنائياتِ المنظِّمةَ لعالمها (مثلما تفعل ثنائياتنا اليوم). فالهويات الإثنية تضلِّل الأحكامَ السياسية عندما تتأسس هذه على "الافتراض غير المفكر فيه القائل إنّ الثقافات تَصب دائمًا في نماذج منسجمة مع حدود الدول القومية المتماثلة جوهريًا"82.
ثمة ديالكتيك نافذ هنا. إنّ اهتمامنا بمسامية المفاهيم يمنح، بالنتيجة، مفهوم المساميّة قوةً دلاليةً، ويبرز وقائع معينة باعتبارها وقائع مهمة. فصارت، مثلً، واقعة أنّ التجار الهولنديين حملوا التجارة الإسبانية، واستقروا في مستعمرات برتغالية، واقعةً مهمةً على نحو مفاجئ83. "إنّ برتغال القرن الخامس عشر [...] استعارة"84 [بمعنى أن ليس هناك برتغال نقية (المترجم)]. وربما كان أكثر من نصف عديد البحرية "البريطانية" ليسوا بريطانيين85. وبين الأميركيين الأصليين: "كان ثلثا شعب الأونايدا Oneida الأميركيين الأصليين من شعبَي الألغونكين Algonkin والهورون Huron في عام 1669. وحتى اليسوعيون اشتكوا من صعوبة وعظ قبائل الإيركوا Iroquois بلغتهم الخاصة"86. وكان في صفوف جيش نابليون "الفرنسي" الذي أُرسلَ لاستعادة العبودية في هايتي ألمان وبولنديون. وربطت الجمعيات التجارية المدن بدلً من الجزر: صار من المعتاد عدم اعتبار الحدود الإقليمية، وكان التهريب عملًاعتياديًا87. لمفهوم المسامية، الذي يكشف عن ترابطات عصيّة، صلة بقضايا النسوية. فلكلمة "تجارة" Commerce88 في لغات عديدة معنى جنسي. وكان الاتجار بالنساء هو النموذج للعبودية التجارية89. وكانت التجارة الجنسية هي التي هددت، على وجه التحديد، بانحلال الحدود التصورية للعِرق، فأدى ذلك إلى ابتكار تصنيفات فرعية محكمة لدرجات "المزيج العِرقي"، وإلى ابتكار مفهوم الجماعات "غير
القابلة للاندماج" الذي أعلن الموت الاجتماعي لتحالفات قرابية صُنفت متمازجة الأجناس90. وكان ذلك بمنزلة تهديد للتمييزات التصورية التي تثير المخاوف من العدوى91. فقد أمر نابليون القائدَ لوكلير أن يطرد من سان دومينيك جميع النساء البيض اللواتي نمن مع سود92. ولم تكن هذه المخاوف مجرد أوهام نفسية، بل هي متجذرة في ما تنطوي عليه قدرة النساء الجنسية من إمكان فعلي لكسر الحدود بين الأجناس، وهي قدرة كانت قوية اقتصاديًا وتروغ عن السيطرة السياسية. وهنا يلوح بشدة طيفُ شخصية امرأة خلاسية حرة، تستنطقها بألمعية جوان ديان في تأريخها لهايتي93. إنّ التجربة الحياتية للأطلسي بوصفه حقلًاجتماعيًا موسعًا، يتشارك فيه الملايين من بشر ينحدرون من أرومات متباينة، ولم يقم بينهم من قبل أيّ تواصل، هددت نظامَ المعنى الجماعي القائم نفسه. فليس في وسع أيّ تراث ثقافي أن يعبرَ الأطلسي من دون أن يمرّ بتحول جذري. كانت المساميّةُ تميز الحدودَ القائمةَ ل ما كان يراه المشاركون على أنه العالم الجديد حقًا. وسوف تكون إعادة تنظيمه نتيجة عنف. ولكن في تضاعيف التحول الغامضة، تبدأ منظورات جديدة بالتشكل. ولقد بُذلت جهود عديدة لإنتاج معرفة ملائمة لعصرها، محاولات للحفر عميقًا في التقاليد التاريخية المتنوعة من أجل إحيائها. ولكون التواريخ قد أعيد تخيّلها رفقة الشبكات الإنسانية الجنسيّة والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فإنّ الحوافز الأسطورية قد أدت دورها حتمًا. إنّ المجاميع البشرية، التي كان اعتراف بعضها ببعض غير مسبوق، حاولت أن ترى هذا العالم عالمًا مفعمًا بالمعنى، الأمر الذي أفضى إلى تدفق التفكير الكوسمولوجي على نحو متزايد. وعندما تظهر فلسفة للتاريخ بهذه الطريقة، تكون الإنسانيةُ العالميةُ موضوعتَها.
3. آفاق محدودة
وصف كانط، في عام 1798، حتى نهاية حياته، بتعاطف غير معهود، كيف أنّ الثورة الفرنسية كانت قد ألهمت وجدان الجماهير بفكرة أنّ الشعب من حقه أن يحكم نفسَه بنفسِه بدستور يسطّره الشعب بنفسه. وقف المراقبون Observers إلى جانب الثورييّن، حتى عندما صار ذلك ضد مصالحهم الخاصة أو ثرواتهم المالية. وعلى الرغم من "البؤس وكل شنيع أثارته هذه الدراما من التغيرات السياسية العظيمة في أفئدة وصدور جميع المتفرجين Spectators، الذين لم يشاركوا فيها"، شاع في أنفسهم "تعاطفٌ شارف حدود الحماسة." ولا يمكن نسيان هذه التجربة التاريخية لمثل هذه الحماسة الجماعية، حتى وإن فشلت الثورة، لأنّها تشبه "فطرةً أخلاقيةً فُطر عليها الجنس البشري" وذلك هو مصدر الأمل في التقدم التاريخي للبشرية: "لقد تفتح المشهد على مستقبل لا حدود له"94.
ومثل هذه الحماسة التي وسمت بميسمها استجابة هيغل الشاب لثورة سان دومينيك، هي دعوى مقالة "هيغل وهايتي". ألقى هيغل، المراق ب عبَر الصحافة (إنّ صحفًا مثل المُتفرج Spectator، و المراقب Observer كانت شائعة95، نظراتٍ على المشهد العالمي، فرأى ثورة عبيد سان دومينيك تجليًا لحرية كلية، وأنّ تحقق هذه الحرية هو بنية التاريخ ومعناه نفساهما. ومع ذلك، لم يول هيغل، في إدراك هذا المعنى، عناية كافية بمسألة الواقع التجريبي، نابذًا إياه كونه "وجودًا كسول Existenz Faule "96. فكانت الأولوية للمفهوم على المضمون، وطغت حماسة هيغل للنظام الفلسفي ذاته على الوقائع التاريخية. كان هيغل، المراقب الذي لم يغادر شواطئ القارة مطلقًا، أضعف من أن يرى ما وراء أفق أوروبا عندما طور "تاريخًا فلسفيًا للعالم"97. كانت فكرته عن التركيب الجدلي، أي تجاوز التعارضات والتناقضات ضمن تطور عقلي شامل يتجسد في دولة علمانية، خروجًا على سرديات الزمن الأخروي الكنسية، ولكنّ هذه الفكرة استأنفت اللاهوت المسيحي حول خطة إلهية مقدسة. ووضعت فلسفتُه صراحةً البروتستانتيةَ في إهاب العقل، واحتفظ رفضُه للسعادة البشرية هدفًا للتاريخ بعناصر من الزهد المسيحي الدنيوي98. ورأى العمل السياسي (حيث تحل أفعال الرجال العظماء محل المعجزات) وسيلةَ هذا التقدم، وتخيّلَ مرحلةَ تحققه على مستوى العالم إجمالً. واعتقدَ أنَّأوروبا والمستعمرات الأوروبية في أميركا الفاعل التاريخي المهيمن في "العصر الحديث"، مُسوِّغًا المشروع الاستعماري بوصفه تطورًا للعقل في العالم99(. فلقد نُظر إلى الغرب على أنّه الطليعة التاريخية للتقدم الإنساني الضروري صوب غاية مشتركة100. حلَّل روبرت بيرناسكوني النسخ المتعددة من محاضرات هيغل عنتاريخ الفلسفة التي ألقاها خلال عشرينيات القرن التاسع عشر، وقارنها بالمصادر المكتوبة عن أفريقيا التي رجع إليها هيغل نفسه، فبيّن أنّ هيغل منح مخططه النظري عن التاريخ الأولوية على الوقائع، ضاربًا عرض الحائط بالبيّنات والأدلة التي لا تتوافق مع صيغته عن التقدم101. وصف هيغل أفريقيا جنوب الصحراء، التي يسميها "أفريقيا الحقيقية"، بأنّها "منعزلة"، ولم يكن ذلك صحيحًا إذا طالعنا ما حكته مصادرُه عن طرق رحلات المسلمين، وبأنّها "لاتاريخية Unhistorical "، أي ثابتة لا تطرأ عليها حادثات الزمان وتقلباته102. ويجادل بيرناسكوني ضد العديد من الباحثين بأنّه لا
يمكن أن نعذرَ هيغل على ما يتفشى في فلسفته من عنصرية ثقافية ونضع اللوم على مصادره العلمية103. وفي الحقيقة، عندما نعيد صياغة ما ذهب إليه خبراء (مثل كارل ريتر، وتوماس إدوار بوديتش، وآخرون) فإن هيغل "لم" يكن ناقلً "عدلً"104. فلقد "زخرفَ " قصص أكل لحم البشر والتضحية بالبشر بوصفهم قرابين بزخارف غير حقيقية، وكان "مجبرًا على مضاعفة الأعداد"، منغمسًا في تشويهات ومبالغات لمآربه الفلسفية كي يجعل مخططًا تطوريًا معينًا يبدو منطقيًا105. وعلى الرغم من معرفته الجزئية، اعتنى هيغل بأفريقيا وفي ذهنه "قصد منهجي" هو أن يشيّدَ فلسفةً للتاريخ تقوم على فكرة الارتقاء من الطابع الحسي Sinnlichkeit للديانات الأفريقية الفيتيشية [الصنمية] إلى ديانة أرقى هي الروحانية المسيحية106. فوفر مخططُه التطوريُّ هذا "مسوغًا مُضمرًا" بيد الأوروبيين لاستغلال القارة الأفريقية لاحقًا107. قال كواك دوا Dua Kwak، زعيم قبيلة أشانتي، للحاكم الإنكليزي في عام 1842: "أتذكر أنّي سمعت، في صباي، أنّ الإنكليز قدموا إلى ساحل أفريقيا تحملهم سفن لشحن العبيد إلى بلادهم وأكلهم هناك، ولكنّني عرفت منذ زمن طويل أنّ تلك الحكاية كانت مختلقة"108. يبدو "كواك دوا" أعقل مما يقدمه هيغل من تفسيرات تتعمد المغالاة إلى جمهوره الأوروبي البَليد. ولكن غرضنا من العودة إلى اللحظة التاريخية التي دمجَ فيها هيغل هايتي في القصة الأوروبية، وأقصى منها أفريقيا لعدم أهميتها هي لحظة اتخاذ خطوة نحو خلاص أنفسنا وليس لإدانة للفيلسوف الألماني109. على الرغم من قلّة من يُسمّون أنفسهم هيغليين اليوم، فإن افتراضات هيغل ما زالت واسعةَ الانتشار. فالعمل السياسي العنيف يقرّر ما هو مهم في التاريخ الجماعي للإنسانية. وتسوّغ فكرةُ التقدم فرضَ الديمقراطية على الآخرين بالقوة. وما زالت تلك القسمة
بين شعوب متحضرة ومتقدمة وشعوب متخلفة وبربرية نافذة إلى اليوم110. والمخطط العلماني المزعوم عن التاريخ العالميّ باعتباره طريقًا واحدًا، الذي صاغته الأمة (المسيحية) المتطورة، والذي قُدر على العالم كله سلوكه، ما زال في لبّ الخطاب السياسي الغربي. إنّ الغلبة ما زالت للعنصرية الثقافية. ليس ثمة سبب علمي يدفعنا إلى تقييم الجماعات البشرية بمعيار البقاء الدارويني الاجتماعي. وبدلً من القول إنّ الحكمة الجماعية هي نتاج الهيمنة الحضارية، لعل المتغيرين الآتيين مترابطان كذلك: كلما ازدادت عظمة القوة التي تمارسها حضارةٌ على العالم، تدنّت قدرة مفكريها على إدراك سذاجة اعتقاداتهم. في رصيد الإنسانية ما هو أفضل من ذلك.
المراجع
References
العربية
سميث، آدم. ثروة الأمم. ترجمة حسني زينة. بيروت/ بغداد: معهد الدراسات الاستراتيجية، 2007.
الأجنبية
• Adorno, Theodor W. Negative Dialectics. E.B. Ashton (trans.). New York: The Seabury Press, 1973.
• Avineri, Shlomo. Hegel's Theory of Modern State. Cambridge: Cambridge University Press, 1972.
• Barnett, Stuart (ed.). Hegel after Derrida. London: Routledge, 1998.
• Bellhouse, Mary L. "Candide Shoots the Monkey Lovers: Representing Black Men in Eighteenth-Century French
Visual Culture." Political Theory. vol. 34 , no. 6 (2006).
• Blakeley, Allison. Blacks in the Dutch World: The Evolution of Racial Imagery in A Modern Society. Bloomington:
Indiana University Press, 1993.
• Braudel, Ferdinand. The Structures of Everyday Life: Civilization and Capitalism, 15 th- 18 th Century , The
Perspective of the World. Siân Reynolds (trans.). Berkeley/ Los Anglos: University of California Press, 1992.
• Césaire, Aimé. Toussaint Louverture: La Révolution francaise et le problème colonial. Paris: Présence africane,
• Davis, David Brion. "Slavery: White, Black, Muslim, and Christian." The New York Review of Books. vol. 48 ,
no. 11 (July 2001). at: https://bit.ly/ 3 hv 5 Qsg
• _______. The Problem of Slavery in the Age of Revolution, 1770-1823. Ithaca: Cornell University Press, 1975.
• Dayan, Joan. Haiti, History and the Gods. Berkeley: University of California Press, 1995.
• ________. "Paul Gilroy's Slaves, Ships, and Routes: The Middle Passage as Metaphor." Research in African
Literatures. vol. 27 , no. 4 (Winter 1996).
• Diderot, Denis, Jean le Rond d'Alembert & Pierre Mouchon (eds.). Encyclopédie, ou Dictionnaire raisonné de
sciences, des arts et des métiers , vol. 21. Stuttgart-Bad Cannstatt: Fromman, 1966-1995. Originally published in
Paris: Briasson, 1751-1780.
• Dubois, Laurent. A Colony of Citizens: Revolution and Slave Emancipation in the French Caribbean, 1787-1804.
Chapel Hill: University of North Carolina Press, 2004.
• Farnie, D.A. The English Cotton Industry and the World Market: 1815-1896. Oxford: Clarendon Press, 1979.
• Federeci, Silvia. Caliban and the Witch: Women, the Body and Primitive Accumulation. Brooklyn: Autonomedia,
• Fick, Carolyne E. The Making of Haiti: The Saint Dominque Revolution from Below. Knoxville: University of
Tennessee Press, 1990.
• Fischer, Sibylle. Modernity Disavowed: Haiti and the Cultures of Slaves in the Age of Revolution. Durham/
London: Duke University Press, 2004.
• Gilroy, Paul. The Black Atlantic: Modernity and Double Consciousness. London/ New York: Verso, 1993.
• Guha, Ranajit. History at the limit of World History. New York: Columbia University Press, 2002.
• Hall, Nevill A.T. Slave Society in the Danish West Indies, St. Thomas, St. John & St. Croix. Baltimore: The John
Hopkins University Press, 1992.
• Hegel, George Wilhelm. Philosophy of History. John Sibree (trans.). Buffalo: Prometheus Books, 1991.
• James, C.L.R. The Black Jacobins: Toussant L'Ouverture and the San Domingo Revolution. New York: Vintage
Books, 1963.
• Linebaugh, Peter & Marcus Rediker. The Many-Headed Hydra: Sailors, Slaves, Commoners, and the Hidden
History of the Revolutionary Atlantic. Boston: Beacon Press, 2000.
• Lloyd-Jones, Roger & M.J. Lewis. Manchester and the Age of the Factory: The Business Structure of Cottonopolis
in the Industrial Revolution. London: Croom Helm, 1988.
• Meillassoux, Claude. The Anthropology of Slavery: The Womb of Iron and Gold. Alide Dasnois (trans.). London:
The Athlon Press, 1991.
• Montag, Warren. Bodies, Masses, Power: Spinoza and His Contemporaries. London/ New York: Verso, 1999.
• Patterson, Orlando. Slavery and Social Death: A Comparative Study. Cambridge, MA/ London: Harvard
University Press, 1982.
• Peabody, Sue & Tyler Stovall (eds.). The Color of Liberty: Histories of Race in France. Durham/ London: Duke
University Press, 2003.
• Peabody, Sue. "There Are No Slaves in France": The Political Culture of Race and Slavery in the Ancien Régime.
New York: Oxford University Press, 1996.
• Rainsford, Marcus. An Historical Account of the Black Empire of Hayti: Comprehending A View of the Principal
Transactions in the Revolution of Saint Domingo, with its Antient and Modern State. London: Albion Press
Printed, 1805.
• Rea, John. Life of Adam Smith. New York: Augustus M. Kelly, 1965.
• Reiss, Hans S. (ed.). Kant's Political Writings. H.B. Nisbat (trans.). Cambridge: Cambridge University Press,
• Robinson, Cedric J. Black Marxism: The Making of the Black Radical Tradition. London: Zed Books, 1983.
• Sain, Thomas P. Black Bread-White Bread: German Intellectuals and the French Revolution. Columbia: Camden
House, 1988.
• Sala-Molins, Louis. Le Code Noire, ou le calvaire de Canaan. Paris: Presses Universitaires de France, 1987.
• Schmitt, Carl. Political Theology: Four Chapters on the Concept of Sovereignty. Tracy B. Strong (trans.).
Chicago: University of Chicago Press, 2005.
• Spinoza, Benedictus de. The Collected Works of Spinoza. Edwin Curley (trans. & ed.). Princeton: Princeton
University Press, 1985.
• Williams, Eric. Capitalism & Slavery. Chapel Hill: University of North Carolina Press, 1994.
• Wolf, Eric R. Europe and the People Without History. Berkeley: University of California Press, 1982.