الموسوعات التاريخية العراقية المعاصرة: تعقب في تحولاتها من الشمولية إلى المناطقية
Modern Iraqi history encyclopedias: Tracing their development from totalitarianism to regionalism
الملخّص
لا تهدف هذه الدراسة إلى تناول تاريخ الكتابة التاريخية في العراق في الإجمال، فتدرس الاتجاهات أو المدارس أو المؤرخين، وهي موضوعات بُحثت بصور مختلفة، بل تهدف إلى تجاوز هذا النوع من التناول الإجمالي، نحو اختيار ظاهرة أو عينة دقيقة لم يجرِ التركيز على دراستها أو بحثها، لتحاول فحصها أفقيًا وعموديًا، عبر معاينة زمنها التاريخي، والبحث في جذورها الأولى ومسيرتها ومآلاتها الحالية. من هنا، تتمحض هذه الدراسة للنظر في "الموسوعات التاريخية العراقية المعاصرة".
- الكتابة التاريخية
- العراق
- ندوة أسطور
- Histography
- Iraq
تعقب يف تحولاتها من الشمولية إلى المناطقية
Modern Iraqi History Encyclopedias
Tracing their Development from Totalitarianism to Regionalism
لا تهدف هذه الدراسة إلى تناول تاريخ الكتابة التاريخية في العراق في الإجمال، فتدرس الاتجاهات أو المدارس أو المؤرخين، وهي موضوعات بُحثت بصور مختلفة، بل تهدف إلى تجاوز هذا النوع من التناول الإجمالي، نحو اختيار ظاهرة أو عينة دقيقة لم يجرِ التركيز على دراستها أو بحثها، لتحاول فحصها أفقيًا وعموديًا، عبر معاينة زمنها التاريخي، والبحث في جذورها الأولى ومسيرتها ومآلاتها الحالية. من هنا، تتمحض هذه الدراسة للنظر في "الموسوعات التاريخية العراقية المعاصرة." يبدو مفهوم "الموسوعة"، في بعض الأحيان، مفهومًا ملتبسًا، من جهة دلالته ومحتواه الدقيقين. تعرّف دائرة المعارف البريطانية "الموسوعة"، في ما يمكن عدّه التعريف الأكثر إيجازًا ومقبولية، بأنها "عمل مرجعي يحتوي على معلومات عن جميع فروع المعرفة أو يعالج فرعًا مُحددًا من المعرفة بصورة شاملة"1. ولذلك، تُعنى الموسوعة بأسئلة مرجعية وأساسية في ميدانها. وهي تتجه، في الإجمال، إلى القراء المختصين والجمهور العام، على حد سواء. وتعتمد الموسوعة، في بعض الأحايين، على مجموعة من الكتاب المحررين، كلّ في ميدان تخصصه. وفي الأعم الأغلب، تُنجَز الموسوعات تحت دعم الدولة وإشرافها المباشر، أو بوساطة أحد المراكز البحثية أو الجامعات الرسمية. وتختلف الموسوعة عن دائرة المعارف، فنظام التأليف في الأخيرة - على غرار المعجم - يقوم على الترتيب الألفبائي. ومن ذلك، معاجم الرجال، ودوائر معارف العلوم والفنون والآداب، ومعاجم اللغة. أمّا الموسوعة فلا تلتزم بحوثها بأيّ نظام في طريقة التأليف غير نظام الموضوعات، فتقديم أي بحث أو تأخيره يرتبطان بمقتضيات بحثية خالصة. هذا فضلً عن أن الموسوعات تكون واسعة الغرض، كثيرة الإحاطة. ينسجم هذا التعريف العام مع مجموعة من الأعمال الموسوعية التاريخية العراقية، مع أنها قد لا ينطبق عليها كل عناصر التعريف. تسعى هذه الدراسة للإجابة عن سؤال ماهية المؤثرات الفاعلة في تبلور نوع على هذا النحو من أنماط الكتابة التأريخية العراقية، عبر رصد أبرز النماذج فيها، ذات التأثير والحضور على مستوى زمني متواصل يتجاوز خمسة عقود، تمثل ذروة النتاج التاريخي في الكتابة. وتعاين الدراسة تحولات الموسوعة وانتقالها من الشمولية إلى المناطقية. وبهذا المعنى، اختارت ثلاثة نماذج، تعبّر تعبيرًا دقيقًا وأنموذجيًا عن واحد من مظاهر الكتابة التاريخية العراقية، ليس على مستوى التاريخ الحدثي فحسب، إنما على مستوى التحول الرؤيوي المحاط
بظروف واقعية ساهمت في تحوله. وهذه النماذج هي: موسوعة المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، المدونة في الفترة 1950 - 1973، وهي أولى الموسوعات التاريخية العراقية التي اختصت بموضوع شمولي عالجته بطريقة تكاد تنطبق عليها صفات الموسوعات العامة، وقد أُنجزت بجهد فردي من دون دعم مؤسساتي؛ وموسوعة حضارة العراق (1985) التي كُتبت تحت إشراف الدولة وأيديولوجيتها الحاكمة يومذاك؛ والمفصل في تأريخ النجف الأشرف (2003 -)، وقد صدرت ما بعد عام 2003 وأنجزت بمجهود فردي. وإذا وضعنا كتابة الموسوعات التاريخية في العراق في سياقها التاريخي، منذ مرحلة التحول من النظام الملكي إلى الجمهوري، بوصفها المرحلة الزمنية التي تبلورت فيها معالم الكتابة التأريخية العراقية، ولا سيما مع تأسيس القسم الأم للتاريخ في جامعة بغداد وعودة المبتعثين، فسنجد أن معالم الكتابة التأريخية في هذه المرحلة بدأت في الثبات والإعلان عن نفسها بقوة، وقد وقع العديد منها تحت وطأة المؤثرات والتيارات الفكرية والسياسية الرائجة يومذاك، سواء الإقليمية منها أو الدولية2.
أولً: موسوعة "المفصل يف تاريخ العرب قبل الإسلام"
صدرت موسوعة المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام (1950 - 1973) في سياق صعود المد القومي الذي شهده العالم العربي. وقد كان مؤلّف الموسوعة، جواد علي، قومي التوجه، وانخرط، إثر عودته من ألمانيا حاصلً على شهادة الدكتوراه في عام 1939، في حركة مايس 1941، حاله حال العديد من النخبة العراقية القومية. وقد اعتُقل بعد فشل الحركة، متَّهمًا بمناصرة النازية ومحور ألمانيا3. هذه الملاحظة عن السياق مهمة جدًا لفهم الغرض الرئيس من تأليف الموسوعة؛ فتدوين تاريخ العرب قبل الإسلام هو "واجب قومي" لدى جواد علي؛ فهو يقول حين أتم المشروع: "أحمد الله الذي مكنني من تحقيق الفكرة التي تعشقتها والمشروع الذي وضعت أسسه وتفاصيله منذ أمد: مشروع تدوين تاريخ العرب قبل الإسلام. [...] وإني لأشعر والله بسعادة عظيمة لأني قد أديت بعض ما علي وساهمت في هذا الواجب القومي الذي هو في رأيي من أعظم الواجبات"4. وفي الخلاصة، تتواءم الموسوعة، في إجمالها ومغزاها الرئيس، وإلى حد بعيد، مع الأيديولوجيات السائدة في العراق والعالم العربي يومذاك. وقد انعكس هذا، على نحو مباشر، على حرص المؤلف على تقديم صورة متماسكة عن العرب وتاريخهم الغابر، بوصفهم كيانًا مترابط الجذور والعادات والقيم، وإن علاقاتهم وصلاتهم القومية عابرة للمناطقية. وقد دافعت الموسوعة، بشغف، عن تخوم العرب القومية والقرابية، في احتساب العرب من السامييّن أو من غيرهم، واشتراكهم في الموطن والجغرافيا والهجرة والأسرة اللغوية الواحدة، إلى أن حسمت "إن القبائل العربية المهاجرة هي قبائل عربية معروفة الأصل، وقد نصت الكتابات والموارد الأخرى على عروبتها"5. وبعبارة، جعلت الموسوعة من العامل القومي أهم العوامل في اختيار عيناتها للدراسة، ولا سيما المواقف من الساميّة. ويخلص جواد علي، في نهاية ذلك النقاش، إلى القول: "إن العروبة في نظري ليست بحاجة إلى ضم هذه الشعوب إليها، لإثبات أنها ذات أصل تؤول إليه،
فقد أعطى الله تلك الشعوب تاريخًا ثم محاه عنهم، وأعطى العرب تاريخًا في القديم واستمر حتى اليوم [...]، فليس في العرب مركب نقص حتى نضيف إليهم من لم يثبت أنه منهم"6. أُلفت هذه الموسوعة وصدرت في مرحلتين متعاقبتين وشكلين مختلفين، إذ صدرت أولً في ثمانية أجزاء، في الفترة 1950 - 1959، وكانت بعنوان تاريخ العرب قبل الإسلام. ثم تبنى جواد علي فكرة "التفصيل" (من هنا، سُمّيت "المفصّل")، تأثرًا بالموسوعات التي تعتمد - في رؤيتها ومنهجها - على البحث الفيلولوجي الذي رسّخته المدرسة الألمانية، وصيغت على وفقه العديد من الدراسات الاستشراقية للتاريخ العربي والإسلامي؛ إذ كان همّها الرئيس تحشيد كل الموارد والأخبار المتنوعة عن مطلب من المطالب التاريخية، لتقديم تركيبة أو توليفة شبه متكاملة عن كل مطلب في صيغة تكاملية في تنظيم الروايات المختلفة مرجعيًا وزمنيًا، وفي النهاية، لبلورة صورة متكاملة عن العرب بوصفهم كتلة تاريخية متراصة لها جذورها القومية الضاربة في القدم. وفي هذا الإطار يقول المؤلف: "قلت في مقدمة الجزء الأول من كتابي السابق [تاريخ العرب قبل الإسلام]: "والكتاب بحث أردت جهد طاقتي أن يكون تفصيليًا. [...] وقد فعلت في هذا الكتاب ما فعلته في الأجزاء الثمانية من الكتاب السابق من تقصي كل ما يرد عن موضوع من الموضوعات في الكتابات وفي الموارد الأخرى، وتسجيله وتدوينه ليقدم للقارئ أشمل بحث وأجمع مادة في موضوع يطلبه، لأن غايتي من هذا الكتاب أن يكون موسوعة في الجاهلية والجاهليين، لا أدع شيئًا عنها أو عنهم إلا ذكرته في محله"7.
ثانيًا: موسوعة "حضارة العراق"
تكاد موسوعة حضارة العراقتعدّ أكبر عمل موسوعي تاريخي أُنجز تحت إشراف الدولة العراقية ورعايتها، منذ تأسيسها في الربع الأول من القرن العشرين. وقد نشُرت دفعة واحدة في عام 1985. وإجمالً، أُنجزت في الثمانينيات من القرن الماضي سلسلة من الموسوعات، فظهرت موسوعة الموصل الحضارية، وموسوعة البصرة الحضارية، وموسوعة مدينة تكريت، وموسوعة الجيش والسلاح، وموسوعة العراق في مواجهة التحديات. لقد ساعد على إتمام هذه الموسوعة وصدورها تراكم أعداد المؤرخين في الجامعات العراقية، بعد عقود من تأسيس أقسام التاريخ فيها، وهيمنة فلسفة حزب البعث على المناهج الدراسية، ولا سيما في فروع العلوم الإنسانية، والتاريخ تحديدًا، التي خضع الكثير منها لتلك الرؤية. وقد زاد ذلك طبيعةُ الاقتصاد الريعي الاشتراكي، الذي أخضع مجمل مناحي الحياة العامة لرؤية الدولة الحصرية. تعكس موسوعة حضارة العراقرؤية حقبة البعث، وأيديولوجيتها القائمة على التاريخ وثنائية (الغرب "الاستعمار"/ العرب)، وتحولات هذه الرؤية وانتقالها من القومية إلى القطرية؛ فالموسوعة تقتصر على كتابة تاريخ حضارة "القطر العراقي"، انسجامًا مع التحولات الكبيرة في أيديولوجية البعث القومية والعروبية. وقد بدأت مثل هذه الأعمال تعكس تلك الرؤية وتؤسس لها. وقد قدّمت الموسوعة، في ديباجتها، رؤيتها الدقيقة المستوحاة من أيديولوجية تلك المرحلة، وبيّنت التحول نحو القطرية في تقديم تلك الرؤية: "إنها المرة الأولى في تاريخ الثقافة في الوطن العربي، يصدر كتاب بهذا العنوان يتجه للرأي العام، بمثل هذا الشمول، وفي ذات الوقت يعبّر عن وجهة نظر تاريخية تعرضت للحجب المستمر للتاريخ الحديث والمعاصر من أجهزة ثقافية وأكاديمية كانت مدفوعة بموقف يختلط فيه الحماس إلى الحضارة الغربية بنظرة استعلائية استعمارية هدفها فرض نظرية السيادة الأوروبية على العالم. وإذا كانت الصحوة
السياسية لشعوب الحضارات القديمة قد كسرت جدار الأمن السياسي للهيمنةالأوروبية، فالوقت الآن ملائم لكسر جدار الطمأنينة الثقافية، وكتاب 'حضارة العراق' صاحب هذه الريادة في الثقافة يسجل الإبداع الحضاري العراقي عبر زمن الوعي الإنساني منذ بزوغ فجر الحضارة لأول مرة بتاريخ البشرية في بلاد وادي الرافدين، وقد حظيت هذه الموسوعة الحضارية بجهد مخلصين عراقيين تعيش في ذاكرتهم صورة التخريب الذي تعرض له تاريخ العراق ودوره الحضاري"8. لقد كان التاريخ أحد أهم العناصر التي استعملها البعث في بناء فكرته وأيديولوجيته؛ فهو يمثل بعدًا وجوديًا له، من جهة أن الوظيفة الأساسية التي يناضل الحزب لتحقيقها على أرض الواقع هي أن يعيد الماضي العربي الأنموذجي، المتخيل، من مجموعة عناصر متماسكة وصاعدة في كل تفاصيلها. ولذلك، بُنيت عقيدة البعث على ذلك الماضي. ومن ثم تنخرط الموسوعة، على نحوٍ رئيس، في مشروع إعادة كتابة التاريخ على وفق رؤية الدولة وحزب البعث الحاكم الذي كان يصف نفسه بأنه "الحزب الأوحد". فالكتابة التاريخية، بالنسبة إليه، أداة جوهرية في إعادة الأحداث ورسمها من جديد. وإعادة كتابة التاريخ تعطي تسويغًا تاريخيًا يشرعن لطريقة حزب البعث في إدارة الدولة، ويجعل من أهدافه الحالية ذات أبعاد متجذرة في الذاكرة الجمعية للمجتمع. تتكون موسوعة حضارة العراق، التي نشرتها وزارة الثقافة والإعلام العراقية، من 13 جزءًا. وقد كُتب على غلافها أسفل العنوان أنها من تأليف "نخبة من الباحثين العراقيين". تختص الأجزاء (1 - 4) بالبحث في العصور القديمة، وتهتم الأجزاء (5 - 9) بمباحث العصور الإسلامية، أما الجزآن (10 - 11) فيبحثان في العصور الحديثة، والجزآن (12 - 13) في العراق المعاصر. نلاحظ من توزيع النسب أعلاه أن الحيز الأكبر أعطي للمرحلة القديمة من حضارة العراق والتاريخ الإسلامي؛ فقد نالت من المجموع الكلي تسعة أجزاء. ويبدو أن هذا الانتقاء للموضوعات كان واعيًا ومحكومًا بطبيعة السياق الأيديولوجي الذي وظف التاريخ واستثمره وأعاد تشكيله بالطريقة التي توافق المرحلة. فقد تم الإكثار من استحضار الماضي العتيد وتمثيله، وإخراجه بالطريقة المشبعة بالروح البطولية والإنجازات العالمية الخارقة. وفي المقابل، استُبعدت وقُزّمت حقب أساسية من تاريخ العراق؛ فقد جرى تقويض الحقبة الملكية واختزالها في مجموعة من الأوصاف المطلقة، من قبيل ما جاء في الفقرة الآتية: "شهدت فترة الحكم الملكي صراعًا مستمرًا بين الإنكليز وأعوانهم من بعض رجال الطبقة الحاكمة العراقية وبين الشعب وقواه الوطنية الذي كان يرفض المساومة على حقه في الحياة الحرة المستقلة. وقد ظهر هذا الصراع واضحًا في ثورة مايس 1941 وفي الانتفاضات والحركات الوطنية في 1948، 1952، 1956، التي برهنت على رفض الشعب العراقي للنظام السياسي الخاضع لمشيئة الأجنبي، وعلى كونه شعبًا حيًا يطمح بتحقيق حياة سياسية حرة واقتصادية مرفهة واجتماعية متطورة، وكان دائمًا قوي العزيمة عظيم الثقة بالمستقبل المشرق"9. وقد وضعت الموسوعة كل النظام الملكي في مواجهة الشعب، وحاجّت بأن التحول الكبير والانتقال إلى النظام الجمهوري جرى بفعل تلك الحركة، وذلك لإعطاء كل النظام الجمهوري شرعية شعبية مطلقة، على نحو ما يظهر في هذا النص: "عمد النظام إلى استعمال البطش في مجابهة الشعب العراقي المطالب بحقوقه المشروعة. ورغم كل ذلك فقد أجبر النظام على إجراء العديد من التنازلات لمحاولات يائسة للتخفيف من نقمة الشعب وإصراره، وأدت في النهاية إلى أن يحقق الشعب ما كان يطمح إليه في تحطيم النظام الملكي وتأسيس النظام الجمهوري"10.
ثالثًا: "المفصل يف تأريخ النجف الأشرف"
أثّر التحول الكبير في العراق، إبان الاجتياح الأميركي للعراق في عام 2003، في طبيعة الكتابة التاريخية واتجاهها؛ فبعض الموضوعات (كالدراسات التاريخية الدينية، أو المذهبية، أو المناطقية)، التي ربما كان من الصعوبة الخوض فيها أو دراستها في السابق، لأنها تتقاطع مع رقيب السلامة الفكرية، قد فُتح لها المجال الآن، وأخذت طريقتها الذاتية في المعالجة والمخرجات برؤية تختلف عما جرت عليه العادة سابقًا. وقد يكون أنموذج موسوعة المفصّل في تأريخ النجف الأشرفمجسًّا جيدًا للتعبير عن هذا التحول، على الرغم من انتماء الموسوعة، من حيث السبك ونحت العنوان، إلى إرث عراقي موسوعي في مجال الكتابة التاريخية، أسّس له جواد علي، على نحو ما تقدّم. وقد بيّن المؤلِّف، وهو المؤرخ الأكاديمي حسن الحكيم، الطابع الموسوعي لمؤلَّفه، وذلك في ديباجة الجزء الأول، إذ يقول: "إنني باحث أكاديمي، لا أتناول الموضوعات من نهاياتها وإنما من بداياتها، وأحرص على التسلسل التاريخي لها وعلى المحاور الأساسية للمدينة. ولذلك، كان المجلد الأول عن النجف قبل الإسلام، حيث التفت إلى المعلومات المتداولة في الأبحاث والمؤلفات غير المعروفة، وقد بدأت هذا المشروع بعد سقوط النظام عام 2003 مستفيدًا مما توفر لي من وثائق تجميعية، كنت قد صنفتها وبوبتها حسب أهميتها وتسلسلها التاريخي"11. ومع كل ذلك التأثر، فثمة فارق واضح بين سياق المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلاموبين المفصّل في تاريخ النجف. وقد فرض الفارقَ طبيعةُ المتغيرات الكبيرة في طبيعة نظام الحكم؛ فالفاصل ما بين عامي 1955 و 2004 (أي قرابة نصف قرن) صاغ صورة مختلفة لسياق السلطة وطبيعة تحولها واختلاف رؤيتها وطريقة الحكم. فعام 2004، عام صدور الموسوعة، يمثل سياقًا سياسيًا مختلفًا، ويمثل قطيعة مع المرحلة التي سبقته. سعت موسوعة المفصّل في تأريخ النجف الأشرفإلى تقديم سردية مترامية الأطراف عن النجف، حشدت فيها كل الروايات والأخبار؛ لإظهار مناقب هذه المدينة وبيان مكانتها، ليس على مستوى المدن العراقية المناظرة فقط، بل على مستوى العالم الإسلامي برمته. ولذلك، أرخت الموسوعة للنجف منذ مرحلة ما قبل الإسلام حتى العصر الحديث، وكان حيزها الرئيس ونواتها المركزية المؤسسة الدينية (المرجعية)، برجالها ومواقفها من السلطة ومن ثم منجزها العلمي12. ركزت الموسوعة، عبر أجزائها التي تجاوزت 50 جزءًا وما تزال مستمرة في الصدور، على جملة نقاط أساسية هي مؤشر دالّ على مرحلة جديدة من مراحل الكتابة التاريخية في العراق؛ إذ أصبح للتواريخ المناطقية والمحلية متنفس واضح للتعبير عن ذاتها، وكأنها في النهاية ردة فعل على الشمولية والهيمنة الكبيرة للدولة على الكتابة التأريخية واتجاهاتها العامة. وقد صرح المؤلف عن موقفه والسياق العام الذي تناوب على كتابة موسوعته بالقول: "بدأ اهتمامي بالنجف وتاريخها منذ عام 1991، إذ أخذت أوثق في قصاصات من الورق ما أحصل عليه من معلومات ووثائق ممنوعة من قبل النظام السابق. ولذلك فقد اضطررت إلى جمعها في صندوق، وإخفائه في حديقة الدار، ولا سيما أن 1991 هو عام الانتفاضة الشعبانية، وأن اهتمامي بالنجف وتاريخها لم يتم بمعزل عن الانتفاضة، وإنما بدوافع وأسباب مستمدة منها، وكان النظام يمنع صدور كتب عن النجف، وازداد إصراره على المنع بعد وأثناء الانتفاضة الشعبانية"13.
وعلى الرغم من وجود بعض الموسوعات الحضارية التاريخية عن مدن عراقية صدرت داخل الجامعات الرسمية في حقبة حزب البعث، مثل موسوعة البصرة الحضارية14، وموسوعة مدينة تكريت، وموسوعة الموصل الحضارية15، كانت الرؤية العامة لهذه الموسوعات الأخيرة تعاكس الرؤية التي انطلقت منها موسوعة الحكيم عن النجف؛ فالغالب على الموسوعات المناطقية التي كُتبت في حقبة ما قبل عام 2003 أنها ذوّبت مفهوم المنطقة والمدينة وتاريخها العام ضمن المفهوم (القطري) للدولة، ولم تجعل هنالك تخومًا وحدودًا تاريخية فاصلة أو متنابزة مع تلك الرؤية القطرية. وقد تجاوزت أيضًا المراحل التاريخية التي كانت حرجة في خلال حقبة البعث؛ فمثلً لم تتناول مرحلة عام 1958 وما تلاها، في حين تخالف موسوعة المفصّل في تأريخ النجف الأشرفهذا التوجه؛ إذ حاولت أن ترسم لتاريخ هذه المدينة صورة أشبه ب "دولة المدينة" المؤثرة في كل مناحيها المختلفة والمتكاملة مع نفسها، والمؤثرة في صياغة حوادث تاريخ العراق والعالم الإسلامي. ولذلك، قدمت الموسوعة، بصورة مكثفة، وفي مواضع عديدة، طموح هذه المدينة في ريادة العراق وأخذ الدور الأول فيه؛ فلاحقت بعض الشعارات الدينية والسياسية التي كانت تكتب على الجدران في بعض الانتفاضات والثورات، وهي تعبر عن أحلام هذه المدينة "الكوزمبولتية". فمثلً، في سرد الشعارات التي كتبت على جدرانها إبان انتفاضة 1991، رصدت الموسوعة شعارًا حاولت إبرازه بوصفه من الشعارات المركزية التي غطت جدران المدينة، وهو يعبر عن مشروع طموح ب "الجمهورية الإسلامية العراقية"16، والنجف مركزها الروحي. وكان من بين أبرز العوامل الأساسية المحركة للأحداث وتطوراتها داخل الموسوعة العامل السياسي وهمينة السلطة على طبيعة الفعاليات الحياتية المختلفة، على الرغم من أنه من المعروف أن المحرك الأساس والصبغة العامة لمدينة مثل النجف هي الصبغة الدينية؛ فاتضح من مجمل أجزاء الموسوعة أن أطوار الازدهار والصعود، ومن ثم الركود والتواري، خاضعة لمواقف السلطة حصرًا17، من دون عناية بأثر العوامل الأخرى. وفي تقديري، وبسبب ما تقدّم، إن القسم الأكثر أهمية، الذي يكشف عن أهداف الموسوعة، ليس هو القسم التاريخي أو التراثي منها، بل القسم المعني بالتاريخ المعاصر لهذه المدينة؛ فمجمل مادة الموسوعة معتمد على مصادر أو وثائق سابقة. أما في ما يخص التاريخ المعاصر للمدينة، فقد اعتمد المؤلف على روايته الشفوية عن الأحداث التي عايشها، وحوّلها إلى مدونة تاريخية بطريقة غلب عليها الطابع الحكواتي الذي يتداخل فيه الشخصي مع الموضوعي. ويعبّر المؤلف عن تلك الفكرة، فيقول: "لعل الفترة الزمنية الواقعة بين 1970 - 2003 أسوأ فترة شهدتها مدينة النجف الأشرف من تاريخها الحديث والمعاصر، ومدرستها العلمية على وجه التحديد، إذ كشفت السلطة الظالمة عن وجهها الكالح وحقدها الأسود على النجف وحوزتها وأبنائها، وكانت فترة الحرب الظالمة (1980 - 1988) المفروضة على الشعبين العراقي والإيراني، قد أثقلت كاهل المجتمع برمته، وخسرت مدينة النجف الأشرف كثيرًا من الأبرياء، ومن بينهم رجال الأدب
والفكر. وقد أضافت الانتفاضة الشعبانية عام 1991 خسائر أخرى وقادت مدينة النجف إلى كارثة كبرى [...]، وكنا قد عاصرنا حالة الإخفاق العلمي والأدبي في مدينة النجف الأشرف وتحجيم دورها القيادي للعالم الإسلامي"18.
نتائج ختامية
لاحظنا، عند المعاينة الإجمالية للنماذج الموسوعية التاريخية المختارة، أن طبيعتها التنظيمية لم تنهج في عرض موادها ترتيبًا هجائيًا، وإنما رتبت على أساس موضوعي. وقد يكون السبب في ذلك النهج أن هذه الموسوعات تتطلب وقتًا طويلً يتجاوز حدود الجيل الواحد إلى أجيال متضافرة، وعملً مؤسساتيًا يتجاوز حدود الحكومات المتعاقبة ونظرتها المزمنة في إعادة كتابة التاريخ ومشاريعه. لذا، كانت الموسوعات الموضوعية وسيلة ممكنة لتحقيق تنفيذها على المستوى الشخصي، وكذلك وجدت فيها الدولة وسيلة سريعة ومباشرة لتنفيذ رؤيتها وأيديولوجيتها الحاكمة. إن تحول الموسوعات التاريخية من الشمولية إلى المناطقية قد أثر فيه سياق تاريخي، يتمثل بطبيعة نظام الحكم وأيديولوجيته في إدارة الدولة والنظرة إلى العلوم الإنسانية. إن الحديث عن موسوعة أو دائرة معارف يتم إنتاجها تحت إشراف الدولة في العراق في الأمد المنظور قد يكون غير وارد؛ فالأمر على ما يبدو يحتاج إلى دولة مستقرة غير هشة في خطابها ومتفقة على مجموعة ثوابت. ومن الممكن التحقق من هذه الفرضية عند مقارنة هذا الواقع بدول محيطة أو إقليمية أنتجت موسوعات تحت إشرافها ذات منحى تاريخي، وشكلت حضورًا بارزًا في مجالها كما في المشاريع الموسوعية التاريخية في سورية ومصر وإيران وتركيا.
المراجع
التأريخ العربي وتاريخ العرب: كيف كُتب وكيف يكتب؟ الإجابات الممكنة. إعداد وتنسيق وجيه كوثراني. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017.
الجميل، سيار. المجايلة التاريخية: فلسفة التكوين التاريخي: نظرية رؤيوية في المعرفة العربية الإسلامية. بيروت/ عمّان: الأهلية للنشر والتوزيع، 1999.
• حضارة العراق. بغداد: [د. ن].، 1985.
الحكيم، حسن عيسى. المفصل في تأريخ النجف الأشرف. قم: المكتبة الحيدرية، 2007
.________ المفصل في تأريخ النجف الأشرف: مدرسة النجف الأشرف في عصر القمة. قم: المكتبة الحيدرية، 2008.
علي، جواد. تاريخ العرب قبل الإسلام. بغداد: مطبعة التفيض، 1951 - 2519.
.________ المفصلفي تاريخ العرب قبل الإسلام. ط 2. بغداد: جامعة بغداد، 1993.
.________ أبحاث في تاريخالعرب قبل الإسلام. دراسة ومراجعة نصير الكعبي. بيروت: المركز الأكاديمي للأبحاث، 2011.