العودة إلى تفاصيل المؤلَّف اتجاهات التأرخة العراقية ما قبل عام 2003 وما بعده: متغيّرات متعددة ومناهج متداخلة

اتجاهات التأرخة العراقية ما قبل عام 2003 وما بعده: متغيّرات متعددة ومناهج متداخلة

Iraqi historiography before and after 2003: Multiple variables, overlapping methodologies

نهار نوري

Nahar Muhammed Nuri

الملخّص

بدءًا، لا بد من الإقرار بأن الدراسات التي تُعنى بمتابعة أنماط الكتابة التاريخية في العراق، ولا سيما في الزمن الراهن، تكاد تكون شحيحة، ومنها الدراسة الرائدة التي أطلقها المؤرخان الزوجان بيتر وماريون سلاغلت عن هِستريوغرافية العراق الحديث في عام 1991، ثم بحث الأكاديمي العراقي المغترب فلاح رحيم الذي صدر في عام 2012، ليُعيد الكَرَّة مرة ثانية بيتر سلاغلت، ويُطلق منفردًا بحثه الجديد عن أنماط الكتابة التاريخية في العراق الحديث، ضمن عمل جماعي صدر في عام 2012 .

Abstract

Professor of Modern History at Al-Mustansiriya University in Baghdad. 2  Marion Farouk-Sluglett & Peter Sluglett, "The Historiography of Modern Iraq," The American Historical Review , Oxford University Press, vol. 96 , no. 5 (December 1991), pp. 1408 - 1421.

4  Peter Sluglett, "Dealing with the Past: Methodological Issues," in: Jordi Tejel et al., (eds.), Writing the Modern History of Iraq: Historiographical and Political Challenges (New Jersey/ London: World Scientific Publishing Co. Pte. Ltd., 2012), pp. 1 - 12.

الكلمات المفتاحية:
  • الكتابة التاريخية
  • العراق
  • ندوة أسطور
Keywords:
  • Histography
  • Iraq

متغيّرات متعددة ومناهج متداخلة

Iraqi Historiography before and after 2003

Multiple Variables, Overlapping Methodologies

أولً: استهلال تعريفي

بدءًا، لا بد من الإقرار بأن الدراسات التي تُعنى بمتابعة أنماط الكتابة التاريخية في العراق، ولا سيما في الزمن الراهن، تكاد تكون شحيحة، ومنها الدراسة الرائدة التي أطلقها المؤرخان الزوجان بيتر وماريون سلاغلت عن هيستوريوغرافية العراق الحديث في عام 19911، ثم بحث الأكاديمي العراقي المغترب فلاح رحيم الذي صدر في عام 20123، ليُعيد الكرَّة مرة أخرى بيتر سلاغلت، ويُطلق منفردًا بحثه الجديد عن أنماط الكتابة التاريخية في العراق الحديث، ضمن عمل جماعي صدر في عام 20125. تسعى هذه الدراسة لتوثيق أبرز اتجاهات التأرخة العراقية، عبر عقد مقارنة بين اتجاهات الكتابة التأريخية التي غطت حقبة ما قبل عام 2003 والاتجاهات والأنساق الجديدة التي ظهرت بُعيد التغيير السياسي الذي حصل في العراق في هذا العام. إنّ من شأن تتبع تلك الاتجاهات أن يحدد ماهيتها العلمية وأطُرها المنهجية، فضلً عن جدواها المعرفية. وبناءً على ذلك، ستتولّى الدراسة أيضًا كشف نماذج معيارية عديدة ومتابعتها، وفق ما يمكن أن يطلق عليه المحددات العامة التي تؤطّرها، أو التي تجمعها معًا، لتجعل منها اتجاهًا في الكتابة التأريخية يمكن تلمُّسه وتشخصيه. تروم الدراسة محاولة ردم الفجوة، أو سدّ النقص المعرفي في الدراسات التي تعنى بدراسات حقل الهيستوريوغرافيا Historiography Studies المتخصصة في الشأن العراقي. وفوق ذلك، تحاول أن تتقصّى أبرز التيارات الناظمة لحركة الكتابة التاريخية ومفاعيل مؤثراتها

  1. أستاذ التاريخ الحديث في الجامعة المستنصرية في بغداد. وقد تُرجم هذا البحث إلى اللغة العربية، ينظر: ماريون فاروق-سلاغلت وبيتر سلاغلت، "هستريوغرافية (تورخة) العراق الحديث"، ترجمة نهار محمد نوري، دراسات تاريخية، العدد 40 (2015)، ص 107 - 120.
  2. فلاح رحيم، "الخطط السرديّة في كتابة تاريخ العراق الحديث"، الكوفة، العدد 1 (تشرين الأول/ أكتوبر 2012)، ص 95 - 122.

ومرجعياتها الفكرية، وتفسير مدى شيوع بعضها نتيجةً لمحاكاة مسلّمات النظام السياسي الحاكم (ولا سيما قبل عام 2003) أو/ وتلك التي خالفت هذا النظام ومسلّماته (ولا سيما بعد عام 2003.)

ثانيًا: اتجاهات التأرخة العراقية ومحدداتها العامة

تكاد عملية رصد اتجاهات التأرخة العراقية وتتبّع محدّداتها المتشعبة تكون متعذرة نوعًا ما، بسبب تنوّع الأنماط الكتابية وتغطيتها حقبةً طويلةً، تناهز القرن من الزمن. وعلى الرغم من ذلك، فإنه يمكن موضعة تلك الاتجاهات أو الأنماط الكتابية ضمن حقول أو أقسام عامة، يمكن توزيعها وفقًا لحقبتين. وتُعنى الحقبة الأولى باتجاهات التأرخة العراقية ما قبل عام 2003، وهي:

1. الاتجاه الحولي - الأقوامي (المحافظ)

شغل هذا الاتجاه حيّزًا مهمًا في القرن العشرين، ودشّن عملية الكتابة التاريخية وتوثيقها بما يتلاءم مع تغليب المنهجية الوصفية في معالجة الأحداث التاريخية، من دون الانغماس في تحليل جوانب وظواهر متعددة من تلك الأحداث. وأبرز مثال دالّ على ذلك كتابات البحَّاثة عبد الرزاق الحسني (1903 - 1997) المتعددة ما بين التأرخة السياسية والأحوال العامة، وصولً إلى الكتابة عن الطوائف والأقليات والمكوّنات الدينية6، والمحامي عباس العزاوي (1890 - 1971) ودوره في التوثيق الحولي - الكرونولوجي لتاريخ العراق وقومياته وطوائفه7. وتقريبًا، غطّى هذا الاتجاه وتسيَّد المشهد الكتابي بين ثلاثينيات القرن العشرين وأواخر خمسينياته، حين نافسته كتابات الرعيل الأكاديمي العراقي الأول العائد من الأكاديميات الغربية، ومن ثمّ أضعفت مكانتَه في الاستشهادات الأكاديمية، ولا سيما مع بروز ملامح النقد الأكاديمي في أروقة الكليات الإنسانية العراقية الذي سرعان ما لقي صداه الأوسع مع الدفعات المتخرجة التي تأثرت بذلك الرعيل وأسست البداية الفعلية لكسر طوق النزعة المحافظة في الكتابات التاريخية8.

2. الاتجاه القومي

يُقصد بهذا الاتجاه تغليب السردية الرسمية التي تتبنّاها الدولة، قوميًا ومذهبيًا في عملية التدوين التاريخي. وتستدعي هذه العمليةُ ردات فعل مماثلة قد تقوم بها القوميات والطوائف الأخرى التي لا تتبنّى السردية الرسمية للدولة في كتابة التاريخ، لتسهم في إنتاج ما يعارضها. ومن الأمثلة التي ترد في هذا المقام في متابعة سردية الدولة كتابات فاروق عمر فوزي (1938 -)، ولا سيما في كتابه التاريخ الإسلامي وفكر القرن العشرين (1980) الذي حمل بين طياته التوجهات القومية التي تبنّتها آنذاك السلطة الحاكمة تحت شعار "إعادة كتابة التاريخ"، وعبد الله سلوم السامرائي (1935 - 1996)، ولا سيما في كتابه، على سبيل المثال لا الحصر، الغلو والفرق

  1. لمراجعة مُثلى لنتاجات عبد الرزاق الحسني ومصنفاته، يُنظر: حميد المطبعي، المؤرخ عبد الرزاق الحسني، سلسلة موسوعة المفكرين والأدباء العراقيين، ج 12 (بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، 1989)؛ فليح حسن علي، عبد الرزاق الحسني مؤرخًا (بغداد: المركز العلمي العراقي، 2010.)
  2. للعودة إلى المراجعة المختصرة المتعلقة بكتابات عباس العزاوي ومنهجيته، يُنظر: طارق نافع الحمداني، "عباس العزاوي: سيرته، آثاره، منهجه التاريخي (1891 - 1971 ")، المؤرخ العربي، العدد 56 (1998)، ص 121 - 125؛ كذلك، يُنظر: طارق نافع الحمداني، التدوين التاريخي في العراق (بيروت/ بغداد: بيت الورّاق للنشر المحدودة، 2010)، ص 216 - 227.
  3. لا شك في أن الأدوار المفصلية التي قادها بعض خريجي الجامعات الغربية، على غرار الآباء المؤسسين لعلم الاجتماع العراقي، علي الوردي (1913 - 1995)، وحاتم الكعبي (1917 - 1979)، وعبد الجليل الطاهر (1917 - 1971)، ألقت بصداها الواسع مع نهاية خمسينيات القرن العشرين فصاعدًا، ولا سيما حين تناول هذا الرعيل موضوعات تاريخية إشكالية مركبة، أسهمت، بطريق أو أ خرى، بزعزعة الموروث المحافظ لدى أساتذة التاريخ في العراق وأقحمتهم إما في الرد عليها وإما في التفاعل معها، ولا سيما حين تزامن ذلك مع عودة كثيرين من أساتذة التاريخ من الجامعات الغربية وشروعهم في نشر أعمالهم وتحقيقاتهم، فلا ننسى - على سبيل المثال لا الحصر - ما أسهمت به بعض كتب الوردي، على غرار كتابيه المهمين وعّاظ السلاطين (1954)، والأحلام بين العلم والعقيدة (1959)، من ردات أفعال وتفاعلات؛ إذ مسَّ الأول المسلّمات الاعتقادية الاجتماعية بالدين الإسلامي وأشخاصه الفاعلين، بينما حاجّ الثاني في موضعة المكانات الطبقية للشخصية التاريخية في صدر الإسلام وجذور تحزّباتها.

الغالية في الحضارة الإسلامية (1972)، وأحمد سوسة (1900 - 1982). وقد كان هذا الاتجاه أطول زمنًا من الاتجاه الأول؛ إذ استمر منذ منتصف عقد ستينيات القرن العشرين حتى مطلع العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وتميّز بجهود حثيثة لما يمكن أن يُطلق عليه "الاستحضار القومي الراديكالي"، عبر تكريس توجّهات تعريب الموروث التاريخي والتشديد على إعلاء الوجه العروبي فيه. وليس أدلّ على ذلك من كتابات أحمد سوسة، على سبيل المثال لا الحصر، التي دعت، في ما دعت إليه، إلى عدّ الملك سرجون الأكدي ملكًا عربيًا9.

3. الاتجاه الاقتصادي -ي الماركس

مثّل هذا الاتجاه أحد أندر الحقول الواعدة التي ارتكزت عليها الكتابات التاريخية العراقية، وكان حقًّا من أبرز الاتجاهات ريادة في المشرق العربي تحديدًا. وتجلّى ضمن هذا الاتجاه المركّب فرعان: تكرَّس في الأول تأكيد الجوانب الاقتصادية، على غرار كتابات عبد العزيز الدوري (1919 - 2010)، وخصوصًا في كتابه تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري (1948)، وصالح أحمد العلي (1918 - 2003) في كتابه التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية في البصرة في القرن الأول الهجري (1953). ومن اللافت في تكوينات هذا الاتجاه ونتاجاته، ولا سيما في مرحلته الأوليَّة، هو عدم امتزاج كتابات هذا الرعيل مع التوجهات الماركسية؛ فما طُر ح من معالجات أكاديمية، أ درج ضمن إطار تحليلات بنى التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية، من دون التعمّق في روابط التنافسات أو النزاعات الطبقية في بنية المجتمع العربي الإسلامي. وفي المقابل، تكرّست لدى الفرع الثاني التوجّهات الماركسية ذات النزعة المادية في تفسير التاريخ، وانعكست تحديدًا في طروحات حسين قاسم العزيز (1922 - 1995) التي تجلَّت في كتابه البابكية وانتفاضة الشعب الأذربيجاني ضد الخلافة العباسية (1966). وعلى الرغم مما أثاره هذا الاتجاه المركب من تفاعلات عبر مساجلات فكرية بين عدد من الأكاديميين والباحثين في ردودهم المتقابلة، سواء في تأليف البحوث والدراسات أو في الصحف10، فإنه سرعان ما انكفأ على نفسه بسبب عدم انفتاح النظام الشمولي في العراق على التيار اليساري منذ منتصف عقد السبعينيات من القرن العشرين.

4. الاتجاه الاجتمعي (السوسيولوجي)

هذا الاتجاه هو من أكثر الاتجاهات حضورًا وفاعلية في التأرخة العراقية. وغنيٌّ عن القول إنّ المدرسة الاجتماعية التحليلية كانت قد لقيت صداها الكبير لدى نخبة من روّاد الكتابة في العراق. وتأتي في طليعة هذا الاتجاه إسهامات المؤرخ الاجتماعي علي الوردي ومصنّفاته البحثية عن المجتمع العراقي وتحليل تاريخية بنيته السياسية - الاجتماعية11. لقد حاول الوردي تطويع منهج علم الاجتماع لاستيعاب الموضوعات التاريخية الكثيفة التي وظّفها في أهم أعماله وأكبرها حجمًا وأطولها نشرًا، ألا وهو كتابه المتسلسل بأجزاء عدة،

  1. يراجع جزء من هذه التوفيقات لدى أحمد سوسة، يُنظر: حميد المطبعي، محاور في الفكر والتاريخ، سلسلة دراسات 177 (بغداد: دار الحرية للطباعة، 1979)، ص 43 - 52، 64 - 68، 71 - 72. ولمتابعة وافية عن سيرته الحياتية والأكاديمية، يُنظر: أحمد سوسة، حياتي في نصف قرن (بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، 1986). في الواقع، كانت موجة التعريب أو التلميح بالتعريب وإسقاطاته على المراحل التاريخية، قد امتدت حتى العصور القديمة. بشأن جزء من تلك التوفيقات، يراجع: تقي الدباغ، الوطن العربي في العصور الحجرية (بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، 1988.)
  2. بشأن ترجمة سيرته وإثارة السجالات الفكرية مع المؤرخين العراقيين، يُنظر: إبراهيم خليل العلاف، موسوعة المؤرخين العراقيين المعاصرين، ج 1 (الموصل: دار ابن الأثير للطباعة والنشر، جامعة الموصل، 2011)، ص 83 - 88.
  3. لدراسة حديثة عن علي الوردي وعلاقته بتاريخ العراق، يُنظر: دينا رزق خوري، "تاريخ العراق ومجتمعه بين حنا بطاطو وعلي الوردي"، عمران، العدد 24 (ربيع 2018)، ص 7 - 21. ولمتابعة مُفصّلة عن علي الوردي ونتاجاته المعرفية، يُنظر: إبراهيم الحيدري، علي الوردي: شخصيته ومنهجه وأفكاره الاجتماعية (كولونيا/ بغداد: منشورات الجمل، 2006.)

لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث (1969 - 1979). لكن ما طغى على هذا الكتاب هو الطابع التاريخي على حساب المعالجات السوسيولوجية، وغدا في الحصيلة أقرب إلى التنظير التاريخي. في الواقع، إن عدَّ الاتجاه الاجتماعي (السوسيولوجي) جزءًا مهمًّا في تركيبة التأرخة العراقية، ليس ادّعاءً وقفْزًا على التخصصات، بقدر ما هو إقرار بمنهجية متداخلة، وهو ما ترمي هذه الدراسة إلى تأكيده؛ حيث يُعدّ الوردي من أبرز الباحثين الذين ولجوا ميدان "علم الاجتماع التاريخي"، وهو الحقل الذي كثيرًا ما أهمله مخالفوه من بعض المؤرخين وعابوا عليه، بغير وجه حق، في طعنهم وادّعائهم بانتحاله ميدان التاريخ. ولا ننسى أنّ مجايله حاتم الكعبي (1917 - 1979)12 كثيرًا ما وظّف التاريخ بُعدًا تفسيريًا، ولا سيما في أعماله الأكاديمية غير المنشورة، بل إنه ترجم حتى لعالم الاجتماع بيتيريم سوروكن (1889 - 1968) الذي ولجَ ميدان علم الاجتماع التاريخي في بعض كتاباته13. لا شك في أنّ هذه الاتجاهات لا تمثل سوى عيّنة منتخبة سائدة في غالب القرن العشرين، اختيرت للاستدلال على أنماط التأرخة العراقية واتجاهاتها. وتخلّل هذه الأنماط الكثير من المحاولات الدؤوبة في أعمال بعض المؤرخين العراقيين الأكاديميين. لكن من المهم القول إنّ امتدادات هذه الاتجاهات العامة في التأرخة العراقية وجدت لها أنساقًا ونتاجات مهمة جديدة أكملت ملامحها وأضافت إليها أبعادًا ورؤى جديدة، شقت طريقها مستغلةً فضاء الحرية النسبي الذي شهده العراق بعد عام 2003.

ثالثًا: اتجاهات التأرخة العراقية بعد عام 2003: تداخل وأنساق جديدة

إن تداخل الاتجاهات الكتابية في التأرخة العراقية، وتمازج الكثير منها مع اتجاهات الكتابة الدارجة في حقبة ما قبل عام 2003، يجعل من الصعوبة حصرها ضمن حقبة زمنية مُحدّدة بعينها، لها خصوصياتها وملامحها المتمايزة. ويمكن تفسير ذلك بتفاعل عاملين: أولهما ضرورة مراعاة خصوصيات التأليف في عملية فصل حقبة عن غيرها. فقد يقوم مؤلف ما بتغيير قناعاته الكتابية؛ ليس بناءً على مكتشفات بحثية جديدة، بل مسايرةً أو خضوعًا للنظام الحاكم الذي عاش فيه. ومن شأن هذه التحولّات الكتابية أن تُعَقِّد مشهد رصد الفروق النوعية بين الحقب التاريخية المختلفة في ميدان الكتابة. ويتمثل العاملُ الثاني في أنّ التحولّات السياسية الجذرية - في النموذج العراقي - قد تكشف أنماطًا واتجاهات كتابية، ربما كانت مُغيَّبة عمدًا، أو مستترة خلف الأضواء، نتيجة لمخاوف أيديولوجية أو مواقف فكرية مغايرة للتنميط الحكومي والأعراف الاجتماعية السائدة، وهو ما يجعل الصورة ضبابية ويُعقّد مشهد حساب انتماء نمط معيّن من الكتابة إلى أي حقبة من هذه الحقب، وبالأحرى يجعل منه عنصرًا متداخلً. على الرغم من ذلك، فإنه يمكن رصد محددات عامة للاتجاهات والأنساق الجديدة في التأرخة العراقية في ما بعد عام 2003، على النحو الآتي:

1. الاتجاه الأقوامي - الطوائفي (غير المحافظ)

برز هذا الاتجاه المركَّب، بقوة، بعد التغيير السياسي الذي شهده العراق في عام 2003، على حساب الاتجاه السابق الذي نحا منحى الحوليات والاكتفاء بالطابع الكرونولوجي في معالجة الموضوعات التاريخية، واستغرق في نزعته المحافظة. أما هذا الاتجاه الجديد، فنحا منحى تأكيد تاريخ القوميات والطوائف والجماعات الدينية والتعامل بمفردات خاصة بالأديان والمذاهب، كانت شبه مُغيّبة منذ

  1. معن خليل عمر، روّاد علم الاجتماع في العراق (بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، 1990)، ص 115 - 140.
  2. ألكسندر سوروكن، المدرستان الاقتصادية والميكانيكية في علم الاجتماع، ترجمة حاتم الكعبي (بيروت: دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع، [د. ت.)].

تأسيس الدولة العراقية في عام 1921 حتى التغيير الذي شهدته الدولة في عام 2003. وأبرز تلك المفردات وأكثرها شيوعًا ثنائية "التشيُّع والتسنُّن"، وغيرها من المفردات على غرار "الأغلبية والأقلية والمكوّن"، وجذور "الفدرلة والأقلمة" ودور المؤسسات والمرجعيات الروحية والدينية تاريخيًا، وبروز دور الجماعاتية والحزبية صانعًا فاعلً في التاريخ على حساب فردانية القائد الأوحد. وتبرز ضمن هذا الاتجاه كتابات الأكاديمي العراقي رشيد الخيون (1938 -)، وآخرها كتابه المعنون 100 عام من تاريخ الإسلام السياسي بالعراق: الشيعة والسنّة (2011)14. ويمكن أن تُضاف ضمن هذا السياق بعض الكتابات التي امتزج فيها الحقل التاريخي بالسياسي، مثل طروحات البحَّاثة حسن العلوي (1934 -) ومعالجاته، ولا سيما في كتابه الشيعة والدولة القومية في العراق (1989)16.

2. الاتجاه الاجتمعي (السوسيولوجي) المحُدّث

مثّل هذا الاتجاه بعد عام 2003 امتدادًا حيويًا للاتجاه الاجتماعي السابق، لكنه أضاف أبعادًا جديدةً تتعلق بهويات المجتمع العراقي ومحدداته وبُناه. وخير من مثّل المدرسة التاريخية - الاجتماعية الحديثة فالح عبد الجبار (1946 - 2018)، ولا سيما في كتابه العمامة والأفندي: سوسيولوجيا خطاب وحركات الاحتجاج الديني (2010)18 الذي أصّل فيه الجماعات الدينية الشيعية وفسّر حراكها التاريخي وتكييفات نشاطها وخطابها السياسي بوصفها جماعات ضغط وحراك شعبي. وأوضح عبد الجبّار أن الأدوار التي اضطلعت بها هذه الجماعات لم تكن بمعزل عن التحولّات المفصلية الكبرى التي مرّ بها العراق تاريخيًا والعقل الشيعي على حدٍّ سواء، بالتجاذب مع الأنظمة الحاكمة المتعاقبة19. وإجمالً، تمثّل رؤية عبد الجبار ومعالجاته البحثية تحوّلً جذريًا في صوغ الكتابة وخروجًا واضحًا على الأطر التقليدية في الكتابة التاريخية التي تزامنت مع حقبة ما قبل عام 2003. وهذا الخروج مَدين، في جزء كبير منه، للمحاولات الدؤوبة لعبد الجبار وزملائه من السوسيولوجيين العراقيين الذين نما تكوينهم السوسيولوجي في خارج العراق، ووظّفوا معرفتهم في هضم الموروث التاريخي العراقي وإعادة استقرائه، سواء، قبل عام 2003 أو بعده. لكن، لم يجد هذا المزيج التفاعلي بين السوسيولوجيا والتاريخ صداه الأوسع لدى المؤرخين العراقيين المتأثرين بأضرابهم من السوسيولوجيين إلّ بعد عام 2003، بفضل التأثر والتأثير المتبادل بينهما. وتجلّى بعض ذلك النشاط الخاص بتفسير تاريخية بنى المجتمع العراقي طبقيًا وعشائريًا وأقلويًا ضمن الأعمال المشتركة مع هشام داوود، ولا سيما في كتاب العشائر والسلطة: القومية والإثنية في الشرق الأوسط (2003)22 وكتاب المجتمع العراقي: حفريات سوسيولوجية في الإثنيات والطوائف والطبقات (2006). وعلى الرغم من أن المؤلَّفيَن الأخيرَين هما بمنزلة أعمال جماعية كُتب بعض أجزائهما بأقلام غير عراقية، فإن توجهات الإشراف التي جمعت عبد الجبار بداوود فيهما عكست المجالات

.Faleh A. Jabar, The Shi'ite Movement in Iraq (London: Saqi Books, 2003): 2003  صدر في الأساس بالإنكليزية في عام 15

17  Faleh A. Jabar & Hosham Dawod (eds.), Tribes and Power: Nationalism and Ethnicity in the Middle East (London: Saqi Books, 2003).

  1. بشأن سيرته المختصرة وبعض نتاجاته، يُنظر: رشيد الخيون، الأديان والمذاهب بالعراق، ط 2 (كولونيا/ بغداد: منشورات الجمل، 2007)، ص 4.
  2. يُعد كتاب حسن العلوي، الشيعة والدولة القومية في العراقمثالً ساطعًا على تداخل حقبتي التأرخة العراقية ما قبل عام 2003 وما بعدها، وكما نوّهنا مُسبقًا، على الرغم من أن كتاب العلوي قد نشُرَ في أواخر ثمانينيات القرن العشرين خارج تقييدات نظام حزب البعث وأيديولوجيته المتعارضة مع توجهات المؤلف، كونه معارضًا سياسيًا، وتعرّف بعض عراقيي المهجر إلى هذا الكتاب، وتسرّبت نسخٌ منه في الخفاء خلال عقد تسعينيات القرن العشرين إلى الجمهور العراقي، فإنه لم يحظَ بالرواج الكبير والاستشهاد الواسع في الأدبيات العراقية إلّ بعد عام 2003. ثم ترجم إلى العربية في عام 2010. وهي حصيلة أكاديمية لأطروحة دكتوراه قدّمها فالح عبد الجبار في كلية بيركبيك، جامعة لندن في عام 1999، بعنوان: "الجذور الاجتماعية والأيديولوجية للحركات الإسلامية الشيعية في العراق 1958 - 1990."
  3. ينظر في ذلك العرض الموجز المفيد لرشيد الخيون عن هذا الكتاب، يُنظر: رشيد الخيون، "العمامة والأفندي.. سوسيولوجيا الحراك الإسلامي الشيعي"، العرب، 31 / 3 / 2018، شوهد في 10 / 8 / 2021، في: pXcKYV 3 / ly. bit:// https

الحيوية الكتابية الجديدة التي حاولا أن يُبشّرا بها23. وفي الواقع، فرض هذا الاتجاه نفسه بقوة ليجدّد حركة الكتابة التاريخية ويثبت أنْ لا انفصام بين التدوين التاريخي الصرف والعلوم الاجتماعية والأنثروبولوجيا الاستقصائية.

3. الاتجاه الاقتصادي -ي الماركس (المحدّث)

تكرّس هذا الاتجاه منذ ثمانينيات القرن العشرين، ولا يزال فاعلً ومتناغمًا مع المدرسة الاجتماعية ومعالجاتها، عبر إبراز قدرة الطبقات الاجتماعية على صنع التاريخ ورسم أبعاد صراعها مع السلطات والحكومات المتعاقبة، فضلً عن تأطير البنى الاقتصادية ورصد أثرها الفاعل في متغيرات مكانة الدولة والمجتمع العراقي على حدٍّ سواء. وتأتي في مقدمة هذه الجهود أعمال عصام الخفاجي (1950)-، ولا سيما كتاباه الدولة والتطور الرأسمالي في العراق 1968 - 78 19 (1983)، و ولادات متعسَّرة: العبور إلى الحداثة في أوربا والمشرق (2013)25؛ إذ لم يكتف الخفاجي في هذا الكتاب بإعادة تعريف التكوين الاجتماعي للرأسمالية الأوروبية بغية تفسير الحداثة فيها وفق المنهج السوسيو - اقتصادي، بل أعاد تعريف تاريخ المشرق، بما فيه العراق، في القرنين التاسع عشر والعشرين، لعقد مقارنة بين الحداثتين الغربية والمشرقية26. ورفض الخفاجي التفسيرات المستمدة من الاستشراق ونظرية التحديث، التي عادة ما تركن إلى العامل أو الوضع "الداخلي"، مشدّدًا على أن الديناميات الاجتماعية لا ترتبط بالمفاهيم التي تتمحور حول جمود العرب والمسلمين وتخلّفهم، بل بالاقتصاد السياسي الذي يُعيد إنتاج الوضع الاجتماعي27. وعرض الخفاجي في كتابيه المذكورَين خلاصات تطور أنماط الكتابة الاستقصائية عبر الاستشهاد بجداول عدة، تُوثّق التحولّات البيانية في قطاعات الاقتصاد والجذور الطبقية للبيوتات التجارية العراقية ومكاناتها الاقتصادية، متقفيًا ومتأثرًا في الوقت نفسه بنمط كتابة المؤرخ الفلسطيني الأصل حنا بطاطو (1926 - 2000)، ليمثل بذلك الامتداد الطبيعي له28. من بين أكثر الشواهد الكتابية التي تعزّز فيها مقاربات رصد الاتجاه الماركسي في التأرخة العراقية، مؤلفات العراقي المغترب طارق يوسف إسماعيل الذي له عدة كتب، وثَّقت النشاط اليساري العربي، ومنه العراق29، في كتابه المعنون صعود الحزب الشيوعي العراقي وانحداره (2007)30.

Isam Al-Khafaji, Tormented Births: Passages to Modernity in Europe and the Middle East (London/ New York: I. B. Tauris, 2004).

20  Simon Jackson, "Tormented Births: Passages to Modernity in Europe and the Middle East," Reviewed book, The Arab Studies Journal , vol. 12 - 13 , no. 2 - 1 (Fall 2004 -Spring 2005), pp. 211 - 214. 21  John Chalcraft, "[Review]: Internalism of the Left," Middle East Report , no. 238 (Spring 2006), p. 47.

.Tareq Y. Ismael, The Rise and Fall of the Communist Party of Iraq (Cambridge/ New York: Cambridge University Press, 2008) ينظر:  24

  1. وما انطبق على هذين الكتابين انطبق أيضًا على الكتاب الجماعي للمحررين نفسيهما في: فالح عبد الجبار وهشام داوود (محرران)، الإثنية والدولة: الأكراد في العراق وإيران وتركيا، ترجمة عبد الإله النعيمي (بيروت/ بغداد: معهد الدراسات الاستراتيجية، 2006.)
  2. الكتاب في الأساس أطروحة دكتوراه قدّمها الخفاجي في كلية العلوم الاجتماعية والسلوكية في جامعة أمستردام في عام 2002، وطبعت تحت العنوان نفسه باللغة الإنكليزية في عام 2004، يُنظر: ثم تولّى ترجمتها بنفسه إلى اللغة العربية وصدرت في كتاب في عام 2013، ينظر: عصام الخفاجي، ولادات متعسّرة: العبور إلى الحداثة في أوربا والمشرق (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2013.)
  3. ربما يكون عصام الخفاجي أول باحث عراقي أشار إلى بطاطو وناقشه، وذلك في كتابه الدولة والتطور الرأسمالي في العراق 1968 - 78 19 (1983). ومن الجدير بالذكر أن الخفاجي أسهم بفاعلية في إعادة استقراء مشهد تشكل العراق الحديث في مقاربات تحليلية مهمة، نجد من المهم التذكير بها ضمن سياق التأرخة العراقية الجديدة. للاستزادة، ينظر: عصام الخفاجي، "تشكّل العراق الحديث: الوقائع والأساطير"، كلمن: فصلية ثقافية، العدد 7 (صيف 2012)، شوهد في 10 / 8 / 2021، في: izswbh 3 / ly. bit:// https
  4. طارق إسماعيل، "جماعة المنبر والحركة الشيوعية العراقية: قراءة تاريخية راهنة لبعض أجنحة الحركة الشيوعية"، المستقبل العربي، مج 38، العدد 439 (أيلول/ سبتمبر 2015)، ص 68 - 90. نُقل الكتاب إلى العربية، يُنظر: طارق يوسف إسماعيل، صعود الحزب الشيوعي وانحداره، ترجمة عمار كاظم محمد (بغداد: دار سطور، 2020.)

رابعًا: نماذج معيارية للتأرخة العراقية الجديدة

1. دراسة الجمّال: "الموروث الداخلي الحاكم" وتحجيم فرضية المؤثرات الخارجية

تمثّل مجموعة دراسات الباحث محمد جبار إبراهيم الجمّال، المعنيّة بتطورات البنى والتراكيب الاجتماعية والسلطوية العراقية، دراسات تاريخيةً مهمة وعلامة فارقة في حقبة ما بعد عام 2003؛ إذ غطّت تراكيب البناء الاجتماعي الطبقي، في العراق العثماني المتأخر والثلث الأول من القرن العشرين، وعلاقة تلك التراكيب بعملية تطور البنى الاقتصادية ومدى محاكاة النخب العليا والفئات الدنيا والمتوسطة والبيئات العراقية في موضعة مكاناتها الوظيفية أمام متغيرات السياسة وتحديات التحولات الاقتصادية - الاجتماعية الجذرية. والواقع أن الدراسات التي تُعنى بالتفسيرات الطبقية في الأكاديمية التاريخية العراقية نادرةٌ جدًّا، إن لم نقل إنها مُغيّبة منذ عقود طويلة؛ بسبب ما تراكم من هواجس فئوية سلطوية، كانت ترى أن تلك الدراسات يمكن أن تهز جذورها الفكرية، أو تضعف مكانتها الاعتبارية، إذا ما أ تيح لها المجال لسبر غور جذور الأفكار والمكانات الاجتماعية خارج نطاق مسلّماتها. وخلّفَ هذا الوضع فجوة واسعة لدى كثير من الأساتذة والمؤرخين الذين ابتعدوا عن تلك الموضوعات الإشكالية؛ الأمر الذي حجَّم من قدراتهم المعرفية نتيجة إهمال الاطلاع أو التخوف من البحث فيها عمومًا. كانت رسالة محمّد الجمّال (أعدت لنيل شهادة الماجستير) التي نشُرت بعنوان بنية العراق الحديثة: تأثيرها الفكري السياسي 1869 - 14 19 في عام 2010 إحدى أهم الدراسات التاريخية العراقية التي فسّرت بتنظيراتها بُنى الدولة الاجتماعية وحللتها طبقيًا، ونجحت في تقصّي جماعات الحظوة والمنزلة الاجتماعية وفق المنهجية الفيبرية، وعلاقتهما بالمنظومة الحاكمة؛ ومن ثمّ علّلت بقاء امتيازات هذه الطبقات من عدمها، لمدد لاحقة من تاريخ الدولة العراقية الحديثة. وفي الحقيقة، تأتي أهمية دراسة الجمّال من خلال التشديد على أن الموروث الداخلي الحاكم أو الناظم هو عامل حاسم في صيرورة بقاء التراتبات الطبقية وأنماط علاقاتها ومتبنّياتها العُرفية؛ وهكذا رسمَ هذا الموروث الإجابة عن إخفاق حداثتها ومنح المفتاح، في الحصيلة، للإجابة عن سؤال جوهري هو: "لماذا تأخر التحديث في العراق، وهل كان للعيوب الطبقية المترسبة دورٌ في ذلك؟." لم تقتصر تعميمات الجمّال ومقارباته في دراساته الأخرى على التفسيرات التقليدية التي درَجت عليها بعض الكتابات المعنية بتقصي الشأن التاريخي العراقي، ولا سيما في تغطيته أواخر العهد العثماني حتى الثلث الأول من القرن العشرين، بل فُسّرت الاختلالات البنيوية في المجتمع العراقي ومكامنها ودلالاتها الظرفية ومآلاتها. ومن بين تلك التفسيرات المهمة استحضاره البناء النفسي بوصفه أحد أهم الشروط في صيرورة التحديث وتفسير معوقاته؛ إذ ذكر "أن عملية التحديث هي عملية معقدة، وشاملة، ومتعددة الأبعاد، تتعدّى مجرى النمو الاقتصادي لتدمج جميع أبعاد الحياة وكل طاقات الجماعات، التي يجب على كل أفرادها أن يشاركوا في جهد التحول الاقتصادي والاجتماعي وما ينتج عنه من خيرات. إذًا، ترتكز عملية التحديث على إرادة كل المجتمع، والتعبير عن هويته العميقة.

  1. مجموعة أعمال الجمّال التي جُمعت في كتاب واحد، يُنظر: محمد جبار إبراهيم الجمَّال، إشكالية الهوية والتحديث في تاريخ العراق المعاصر، حيدر قاسم مطر التميمي (محرر) (بغداد: بيت الحكمة، 2018)، ص 23 - 191، 227 - 237. كان من المأمول أن تمتد دراسات الجمَّال خارج نطاق الثلث الأول من القرن العشرين، إذ كان عنوان أطروحته لنيل درجة الدكتوراه: "تجربة التحديث في العراق خلال العهدين الملكي والجمهوري 1932 - 1963: دراسة مقارنة"، لكن لم يُقّدر له ذلك نتيجة وفاته بحادث قتل مؤسف في عام 2014.
  2. بالنسبة إلى عنوان الرسالة الأصلي، يُنظر: محمد جبار إبراهيم الجمّال، "البنية الاجتماعية والاقتصادية وأثرها في الفكر السياسي الحديث 1869 - 1914 "، رسالة ماجستير، غير منشورة، كلية الآداب، جامعة بغداد، 2007. وقد تم نشرها بعد ذلك، يُنظر: محمد جبار إبراهيم الجمّال، بنية العراق الحديثة: تأثيرها الفكري السياسي 1869 - 14 19 (بغداد: بيت الحكمة، 2010.)

فالمكوّنات النفسية تُسهم، شأنها شأن العوامل الاقتصادية والتقنية والعلمية، في تحسين ظروف الحياة المادية والمعنوية للسكان". وكانت أبلغ استنتاجاته تلك المتعلقة بتدخلات المشروع البريطاني الحداثوي وانعكاساته على الاستجابة العراقية، وهو ما أفضى في الحصيلة إلى إلقاء ثقل التحديث، مصادفة أو عن قصد، في أيدي البنى المحافظة في المجتمع، فقد قال: "في التحليل النهائي يمكننا القول إن الأسس التي أقامها البريطانيون في تحديث العراق المتمثلة في دعم البنية المحافظة الموالية لهم، فضلً عن كونها مفارقة غريبة، منحت عملية التحديث القدرة في التعبير عن نفسها، كأداة أزمة واختلال طبقي (سلطوي)، أكثر من كونها أداة لُحمة وانصهارٍ بنيوي "، ليوحي من ثمّ إلى القارئ مدى التخادم الذي تكرَّس بين الطرفين البريطاني والعراقي في ديمومة بعضهما للآخر.

2. دراسات أساتذة العلوم السياسية ومأسسة المجال التاريخي: تداخلات منهجية

ولج طيف واسع من أساتذة العلوم السياسية حقل التأرخة العراقية بأوسع أبوابه منذ أمد بعيد، وخلّف هؤلاء مؤلفات ومعالجات ارتقت بكتاباتهم إلى مصاف النماذج المعيارية التي تكرّست فيها عملية تداخل العلوم الاجتماعية، لكن ذلك قد كان ببصمة ورؤى تاريخية واضحة. ولم يكن هذا الامتزاج وليد دراسات ما بعد عام 2003 فحسب، بل ثمّة شواهد سبقت ذلك التاريخ بكثير، أسهمت في تغيير الصورة المنمّطة القائلة إن المعالجات البحثية التاريخية يُجيدها خريجو أقسام التاريخ فحسب، أو هي من مسؤولياتهم الحصرية. فخريجو العلوم السياسية، على غرار أضرابهم من السوسيولوجيين الذين عرّجنا عليهم سابقًا، منحوا ميدانَ التاريخ دفقةً جديدة. كان حقل التاريخ السياسي، عن حق، أكثر الحقول حظوةً، نظرًا إلى قربه المعرفي من اهتمامات العلوم السياسية من جهة، ولكون الموضوعات التي يعالجها تحتمل الوجه المزدوج، لأنها موضوعات ذات طبيعة مركبة تاريخية - سياسية من جهة أخرى. تأتي في مقدمة تلك المعالجات أطروحة غسان العطية (1940 -)، وهي بعنوان العراق: نشأة الدولة (1908 - 1921) (1973)، وقد عالج فيها التحولات التاريخية في ولايات العراق العثماني في العقد الأول من القرن العشرين، والظروف الممهدة لنشأة الدولة العراقية الحديثة بُعَيد انتهاء الحرب العالمية الأولى. ومن الأعمال المهمة، في هذا السياق، أطروحة وميض جمال عمر نظمي (1941 - 2016) الخاصة بتتبع إرهاصات قيام "ثورة العشرين" (1984) وتعليل أسبابها وظروفها تأريخيًا. تمثّل هاتان الدراستان نموذجين مهمين للتيار الذي برز بجلاء في حقل التأرخة العراقية في حقبة ما قبل عام 2003. وجاء هذا البروز عبر قياس الاستدلال والاستشهاد المكثّف بهما في الدراسات العراقية التاريخية التي تلتهما. ولم تخفت وتيرة تلك الدراسات المتداخلة في حقبة ما بعد عام 2003، فثمّة دراسات ومعالجات نوعية أخرى، كتلك التي اضطلع بها الباحث العراقي المغترب فنر حداد، ولا سيما في بحثه المعنون "اليقظات السياسية في دولة مصطنعة: العراق 1914 - 1920 (" 2012)، والذي حلّل فيه جذور الخطاب المحلي

Ghassan Atiyyah, Iraq: 1908 - 1921: A Socio-Political Study (Beirut: The Arab Institute for Research and Publishing, 1973).

  1. الجمّال، إشكالية الهوية والتحديث، ص 158.
  2. المرجع نفسه، ص 181.
  3. أصل دراسته أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية، قُدّمت في جامعة إدنبرة في عام 1968، ثم صدرت كتابًا بالإنكليزية، يُنظر: وقد ترجم إلى العربية، يُنظر: غسّان العطية، العراق: نشأة الدولة (1908 - 1921)، ترجمة عطا عبد الوهاب (لندن: دار اللام، 1988.)
  4. أصل الدراسة أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية، جامعة درم البريطانية في عام 1974. نشُرت بالعربية أول مرة في عام 1984، يُنظر: وميض جمال عمر نظمي، الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية (الاستقلالية) في العراق (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1984)، وأضيفت عبارة "ثورة العشرين" في الطبعة الثانية التي صدرت في بغداد (1985)، لتختفي هذه العبارة في الطبعة الثالثة التي صدرت في بيروت (1986)، ومن ثم لتعود في الطبعة الرابعة التي صدرت في بيروت في عام 2020. وقد تُرجم الكتاب إلى العربية، يُنظر: عباس كاظم، ثورة 1920: قراءة جديدة في ضوء الوثائق التاريخية، ترجمة حسن ناظم، سلسلة دراسات فكرية تصدرها جامعة الكوفة (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، 2014.) تُرجم إلى العربية، يُنظر: شيركو كرمانج، الهويَّة والأمّة في العراق، ترجمة عوف عبد الرحمن عبد الله (بيروت: دار الساقي؛ أربيل: دار آراس للطباعة والنشر، 2015). وثمَّة دراسات تاريخية كردية كثيرة أخرى تعالج التاريخ الكردي ضمن التفاعل مع السياق العراقي التاريخي، وبعضها وثائقي مهم، من بينها على سبيل المثال لا الحصر، يُنظر: عثمان علي، الحركة الكردية المعاصرة: دراسة تأريخية وثائقية 1833 - 46 19 (أربيل: مكتب التفسير، 2003.)

وتجاذباته مع الوجود البريطاني، متقفّيًا الأبعاد الهوياتية لهذا الخطاب وتشكلاته بغية إعادة موضعته واستقرائه تاريخيًا. وضمن السياق ذاته، تبرز مساهمات الأكاديمي العراقي المغترب عباس كاظم، ولا سيما في كتابه المعني ب "ثورة العشرين" (2014) الذي عالج فيه الروايات التأسيسية لحدث الثورة برؤية تنقيحية، حاول فيها إعادة استقراء الوثائق والمظان والدراسات التاريخية السابقة. ورافق هذه المحاولات الدؤوبة، للتوأمة بين علمي السياسة والتاريخ، معالجات مهمة لتأرخة المجال العراقي وفق رؤية الأكاديميين الكُرد، على غرار تلك التي نشطت في إقليم كردستان العراق؛ فعلى الرغم من استغراقها القومي، فإنها كشفت عن اتجاه استقرائي، حاولت من خلاله استعادةَ المشهد التاريخي برؤية نقدية شاملة للروايات التأسيسية للدولة العراقية، أو من خلال تجاذبات علاقة الأخيرة بالمجموعات الإثنية والقومية والدينية وحراكها النضالي. ويبرز في هذا المضمار، على سبيل المثال، بعض دراسات شيركو كرمانج، ولا سيما في كتابهالهوية والأمة في العراق (2015). خلاصة القول، إن جميع هذه الدراسات، وإن لم يكن روّادها من المتخصصين في الدراسات التاريخية ويحملون شهادة أكاديمية فيها، فإنها كانت حاضرة بعمق في التوظيف التاريخي الأكاديمي، ومن الصعب تجاوزها في هذا الميدان المتداخل.

خاتمة

أفرز رصد هذه الاتجاهات تأكيد نقطة جوهرية مهمة تتعلق بارتهان الكثير من هذه الاتجاهات ببقاء روّادها واستمرارية عملهم البحثي. وبمعنى آخر، لم تتعمّق هذه الأعمال الكتابية حتى يشار إلى أنها تمثل مدرسةً في التوثيق التاريخي قائمة بذاتها. فضلً عن أن الاتجاهات الكتابية التاريخية العراقية (وهنا نقطة جوهرية أخرى) كانت متباينة، وفق محددات متباينة، منها تدخّل الدولة في عملية صوغ الخطاب التاريخي، أو قرب الكاتب أو المؤرخ منها، وانتماء الكاتب أو المؤرخ إلى مدرسة فكرية محددة، وانعكاس مرجعياتها عليه، ولا سيما المؤرخون الذين قضوا حياتهم في داخل البلاد، وأخيرًا أثر الأكاديميات الليبرالية أو اليسارية أو غيرها في مخيال المؤرخ، ولا سيما خريجو الخارج؛ ومن ثم، تفوّق أثرهم النوعي قياسًا على أقرانهم من مؤرخي الداخل. وزيادةً على ذلك، أشّرت حقبة ما بعد عام 2003 تحولً جذريًا في أنماط التأرخة العراقية (في الأكاديمية المحلية بالذات)؛ فما كان محرّمًا سابقًا في النقد، أو التوظيف بتدخل مباشر من الأنظمة الشمولية السابقة، وجد له فضاءً أرحب بعد عام 2003، وإن كان هذا الفضاء قد حمل في طيّاته بعض موروثات التردد في الولوج إلى الموضوعات الحساسة، نتيجةً لموانع اجتماعية سائدة. من خلال ما عرضنا آنفًا، نجد أن الاتجاه القومي في التأرخة العراقية خفت واختفى وجوده في المجموعة الثانية المعنية بتأصيل الاتجاهات الكتابية التاريخية بعد عام 2003؛ وهو الاتجاه الذي تمحور حول تغليب السردية الرسمية التي تتبنّاها الدولة، قوميًا ومذهبيًا.

31  Fanar Haddad, "Political Awakenings in an Artificial State: Iraq, 1914 - 1920 ," International Journal of Contemporary Iraqi Studies , vol. 6 , no. 1 (2012). 32  Abbas Kadhim, Reclaiming Iraq: The 1920 Revolution and the founding of the Modern State (Austin: University of Texas Press, 2012).

33  Sherko Kirmanj, Identity and Nation in Iraq (Colorado: Lynne Rienner Publishers, Inc., 2013).

في الواقع، أسهم تشظي الهوية العراقية إلى هويات فرعية فئوية ومناطقية ومذهبية في ضمور هذا الاتجاه التقليدي، وعقّد، في الحصيلة، عملية التقصّي أو البحث عمّا يعتقد أنه اتجاه "وطني" في الكتابة العامة أو الأكاديمية، يفترض أن يكون حاضرًا وجليًّا بمعزل عن النزعة القومية/ المذهبية الرسمية السابقة. علاوة على ما تقدم، يمكن رصد إشكاليات التدوين التاريخي ومحاذيرها داخل الوسط الأكاديمي العراقي في مرحلة ما قبل عام 2003 وما بعدها، وهي بالأحرى بعض من ملامح التأرخة العراقية وسلبياتها في الوسط الأكاديمي: محاذير نقد السلطة الحاكمة والتماهي مع بعض مسلّماتها. النمطية في اختيار المواضيع الكلاسيكية: على غرار تأكيد الجانب السياسي على حساب الجوانب الأخرى (عقدة الوجاهة السياسية الفوقية.) تقديس التراث على حساب النقد العلمي (عقدة رفض المدرسة الاستشراقية)، وما يستتبع ذلك من الابتعاد عن نقد المؤسسة الدينية والتملّق الظاهري لها. ӵ تجنّب الخوض في الموضوعات ذات الطابع الطائفي. عدم الاهتمام بموضوعات الصراع وظواهر الاستعباد الطبقي والإثني والجنسي وسياسات التمييز الذكورية، للاعتقاد الكلاسيكي السائد بعدم ارتباطها المباشر بحقل التاريخ. وعلى الرغم من إنجاز مشاريع أكاديمية أصَّلت تأرخة للتحولات البنيوية وشملت موضوعات، من قبيل الحركات النسوية والنقابية والتعليمية في العراق، فإنها لم تستطع الوصول إلى جميع تلك المجالات الحيوية. في الخلاصة، لا يزال هناك سقف واسع من المجالات الحيوية ينتظر المدرسة التاريخية العراقية؛ على غرار المجالات الاجتماعية والفكرية المعمقة ومؤثرات مدرسة الحوليات الفرنسية.

المراجع

العربية

إسماعيل، طارق يوسف. صعود الحزب الشيوعي وانحداره. ترجمة عمار كاظم محمد. بغداد: دار سطور، 2020.

العدد 439 (أيلول/ سبتمبر 2015.)

الحكمة، 2018.

._______ بنية العراق الحديثة: تأثيرها الفكري السياسي 1869 - 1914. بغداد: بيت الحكمة، 2010.

الآداب، جامعة بغداد. 2007.

الحمداني، طارق نافع. التدوين التاريخي في العراق. بيروت/ بغداد: بيت الورّاق للنشر المحدودة، 2010.

_______. "عباس العزاوي... سيرته، آثاره ومنهجه التاريخي (1891 - 1971.") المؤرخ العربي (بغداد). العدد 56 (1998.)

الحيدري، إبراهيم. علي الوردي: شخصيته ومنهجه وأفكاره الاجتماعية. كولونيا/ بغداد: منشورات الجمل، 2006.

https:// bit. ly / 3 izswbh

._______ ولادات متعسّة: العبور إلى الحداثة في أوربا والمشرق. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2013.

خوري، دينا رزق. "تاريخ العراق ومجتمعه بين حنا بطاطو وعلي الوردي." عمران. العدد 24 (ربيع 2018.)

الخيون، رشيد. الأديان والمذاهب بالعراق. ط 2. كولونيا/ بغداد: منشورات الجمل، 2007.

الدباغ، تقي. الوطن العربي في العصور الحجرية. بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، 1988.

رحيم، فلاح. "الخطط السرديّة في كتابة تاريخ العراق الحديث." الكوفة. العدد 1 (تشرين الأول/ أكتوبر 2012.)

والنشر والتوزيع، [د. ت.].

سوسة، أحمد. حياتي في نصف قرن. بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، 1986.

بغداد: معهد الدراسات الاستراتيجية، 2006.

العطية، غسّان. العراق: نشأة الدولة (1908 - 1921). ترجمة عطا عبد الوهاب. لندن: دار اللام، 1988.

References

_______. "جماعة المنبر والحركة الشيوعية العراقية: قراءة تاريخية راهنة لبعض أجنحة الحركة الشيوعية." المستقبل العربي. مج 38، الجمَّال، محمد جبار إبراهيم. إشكالية الهوية والتحديث في تاريخ العراق المعاصر. حيدر قاسم مطر التميمي (محرر). بغداد: بيت _______. "البنية الاجتماعية والاقتصادية وأثرها في الفكر السياسي الحديث 1869 - 1914 ". رسالة ماجستير، غير منشورة. كلية الخفاجي، عصام. "تشكّل العراق الحديث: الوقائع والأساطير." العدد كلمن: فصلية ثقافية. 7 (صيف 2012:). في سوروكن، ألكسندر. المدرستان الاقتصادية والميكانيكية في علم الاجتماع. ترجمة حاتم الكعبي. بيروت: دار الحداثة للطباعة عبد الجبار، فالح وهشام داوود (محرران.) الإثنية والدولة: الأكراد في العراق وإيران وتركيا. ترجمة عبد الإله النعيمي. بيروت/ العلاف، إبراهيم خليل. موسوعة المؤرخين العراقيين المعاصرين. الموصل: دار ابن الأثير للطباعة والنشر، جامعة الموصل، 2011. علي، عثمان. الحركة الكردية المعاصرة: دراسة تأريخية وثائقية 1833 - 46 19. أربيل: مكتب التفسير، 2003.

علي، فليح حسن. عبد الرزاق الحسني مؤرخًا. بغداد: المركز العلمي العراقي، 2010.

عمر، معن خليل. روّاد علم الاجتماع في العراق. بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، 1990.

فاروق-سلاغلت، ماريون وبيتر سلاغلت. "هستريوغرافية (تورخة) العراق الحديث". ترجمة نهار محمد نوري. دراسات تاريخية. العدد 40 (2015.)

كاظم، عباس. ثورة 1920: قراءة جديدة في ضوء الوثائق التاريخية. ترجمة حسن ناظم. سلسلة دراسات فكرية تصدرها جامعة الكوفة. بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، 2014.

كرمانج، شيركو. الهويَّة والأمّة في العراق. ترجمة عوف عبد الرحمن عبد الله. بيروت: دار الساقي؛ أربيل: دار آراس للطباعة والنشر، 2015.

المطبعي، حميد. المؤرخ عبد الرزاق الحسني. موسوعة المفكرين والأدباء العراقيين. بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، 1989.

._______ محاور في الفكر والتاريخ. سلسلة دراسات 177. بغداد: دار الحرية للطباعة، 1979.

نظمي، وميض جمال عمر. الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية (الاستقلالية) في العراق. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1984.

الأجنبية

• Al-Khafaji, Isam. Tormented Births: Passages to Modernity in Europe and the Middle East. London/ New York:

• Atiyyah, Ghassan. Iraq: 1908-1921: A Socio-Political Study. Beirut: The Arab Institute for Research and Publishing,

• Farouk-Sluglett, Marion & Peter Sluglett. "The Historiography of Modern Iraq." The American Historical

• Haddad, Fanar. "Political Awakenings in an Artificial State: Iraq, 1914-1920." International Journal of

• Ismael, Tareq Y. The Rise and Fall of the Communist Party of Iraq. Cambridge/ New York: Cambridge University

• Jabar, Faleh A. & Hosham Dawod (eds.). Tribes and Power: Nationalism and Ethnicity in the Middle East.

• Jackson, Simon. "Tormented Births: Passages to Modernity in Europe and the Middle East." Reviewed book. The

I. B. Tauris, 2004.

• Chalcraft, John. "[Review]: Internalism of the Left." Middle East Report. no. 238 (Spring 2006).

Review. Oxford University Press. vol. 96 , no. 5 (December 1991).

Contemporary Iraqi Studies. vol. 6 , no. 1 (2012).

Press, 2008.

London: Saqi Books, 2003.

Arab Studies Journal. vol. 12-13 , no. 1-2 (Fall 2004- Spring 2005).

• Kadhim, Abbas. Reclaiming Iraq: The 1920 Revolution and the founding of the Modern State. Austin: University

of Texas Press, 2012.

• Kirmanj, Sherko. Identity and Nation in Iraq. Colorado: Lynne Rienner Publishers, Inc., 2013.

• Tejel, Jordi et al. (eds.). Writing the Modern History of Iraq: Historiographical and Political Challenges. New

Jersey/ London: World Scientific Publishing Co. Pte. Ltd., 2012.