تحديات الكتابة التاريخية في العراق وآفاقها في مرحلة ما بعد عام 2003
The Challenges of Historiography in post-2003 Iraq
الملخّص
تتناول هذه الورقة موضوع الكتابة التاريخية عن العراق الحديث. وهي تستند إلى خبرة الباحث الشخصية في مجالين وثيقَي الصلة ببعضهما: الأول هو مجال الكتابة التاريخية، من جهة كون كاتب هذه السطور مؤرخًا أساسًا، والمجال الآخر هو الأرشفة والتوثيق؛ إذ كان الكاتب أمين الأرشيف الوطني في العراق (2003-2015)، أي المسؤول عن إدارة الوثائق الرسمية وتنظيمها وحمايتها في مؤسسات الدولة، وعن كل ما يتعلق بتلك المهمات من جوانب تشريعية وفنية. وقد أعدّ الباحثُ مشروع قانون جديد للحفاظ على الوثائق، أُقرّ وشُرّع وأصبح نافذًا منذ عام 2016. وهو، الآن، بصدد المشاركة في وضع تعليمات جديدة خاصة بكيفية استعمال الوثائق الحساسة لأغراض أكاديمية بحتة. وباختصار، ترتبط مهمات الباحث، السابقة والحالية، بتوفير الشروط العامة المناسبة للاستفادة من المعلومات الوثائقية التي تساعد في ظهور اتجاهات جديدة في الكتابة التاريخية وانتشارها.
Abstract
Cultural Advisor at the Ministry of Culture, Tourism and Antiquities in Iraq.
- الكتابة التاريخية
- العراق
- ندوة أسطور
- Iran
- Histography
مقدمة
تتناول هذه الورقة موضوع الكتابة التاريخية عن العراق الحديث. وهي تستند إلى خبرة الباحث الشخصية في مجالين وثيقَي الصلة ببعضهما: الأول هو مجال الكتابة التاريخية، من جهة كون كاتب هذه السطور مؤرخًا أساسًا، والمجال الآخر هو الأرشفة والتوثيق؛ إذ كان الكاتب أمين الأرشيف الوطني في العراق (2003 - 2015)، أي المسؤول عن إدارة الوثائق الرسمية وتنظيمها وحمايتها في مؤسسات الدولة، وعن كل ما يتعلق بتلك المهمات من جوانب تشريعية وفنية. وقد أعدّ الباحثُ مشروع قانون جديد للحفاظ على الوثائق، أ قر وشُرّع وأصبح نافذًا منذ عام 2016. وهو، الآن، بصدد المشاركة في وضع تعليمات جديدة خاصة بكيفية استعمال الوثائق الحساسة لأغراض أكاديمية بحتة. وباختصار، ترتبط مهمات الباحث، السابقة والحالية، بتوفير الشروط العامة المناسبة للاستفادة من المعلومات الوثائقية التي تساعد في ظهور اتجاهات جديدة في الكتابة التاريخية وانتشارها. تسعى الورقة إلى تشخيص أهم التحديات التي تواجه المؤرخين في العراق، والتي كانت - وما زالت ‑ تؤثر في اتجاهات الكتابة التاريخية، من حيث اختيار موضوعات البحث عن العراق الحديث، سواء تلك التي تتعلق بأوضاعه الداخلية، أو التي ترتبط بعلاقاته الخارجية. وفي هذا الإطار، يمكن تقسيم تلك التحديات إلى تحديات تقليدية وأخرى غير تقليدية. ونقصد ب "التحديات التقليدية" هنا، كيفية الحصول على (أو الاستفادة من) المصادر الرئيسة (الوثائق الرسمية، واليوميات، والرسائل الشخصية، والمذكرات، وما إلى ذلك)، والتشريعات التي تتيح المعلومات الوثائقية أو تحجبها عن المؤرخ. أما "التحديات غير التقليدية" فنقصد بها الرقابة المرتبطة بالبيئة الثقافية السائدة، والممارسات السلبية في الأوساط الأكاديمية في كل ما يخص أسلوب تدريس مادة التاريخ، ونظام الإشراف على الرسائل الجامعية، وتقييم اختيار الموضوع، والمعايير الأكاديمية المعتمدة والالتزام بها، لا سيما الحيادية. وهذه، بمجموعها، هي التي تحدد، إلى حد بعيد، توجهات مؤرخي المستقبل واهتماماتهم.
اتجاهات متقاطعة ومتمثلة يف الكتابة عن تاريخ العراق الحديث
ارتبطت كتابة التاريخ في العراق الحديث ببناء الدولة. فقد رافقت عملية تطور مؤسساتها أفقيًا وعموديًا. كما تأثرت، في الوقت نفسه، بالأنظمة السياسية التي كانت ترسم هوية الدولة وتوجهها. تلك كانت البيئة التي ظهرت فيها كتابات المدوّن التاريخي المعروف،
عبد الرزاق الحسني (1903 - 1997)، التي جاءت بطلب مباشر من الطبقة السياسية الحاكمة في العهد الملكي. واعتمد الحسني على كل ما كان يوفره له النظام من وثائق، رسمية وشبه رسمية، تتفق مع توجهاته. وقد أرسى، بسبب ذلك، قواعدَ للاتجاه الرسمي في كتابة التاريخ، ويتمحور هذا الاتجاه حول السياسة، ويهدف إلى صياغة وعي مشترك بالتاريخ الحديث والمعاصر، يكون هو الإطار العام لكيفية وضع مناهج مادة التاريخ في التعليم الأولّي والعالي. ويعبّر كل ذلك، في المقام الأول، عن وجهة نظر الدولة وهويتها في كل ما حصل، وشرعنة توجهاتها وما تتخذه من مواقف. وفي الجهة المقابلة للاتجاه الرسمي، ظهر اتجاه مغاير، بعد قيام النظام الجمهوري في عام 1958. وهو الاتجاه الوطني الذي حاول أن يعيد النظر في الذاكرة التاريخية الرسمية الضيقة، عبر التركيز على التوجهات السياسية للجماعات الإثنية والدينية المكونة للمجتمع العراقي، وتأكيد دورها المؤثر في تطور العراق الحديث. وبهذا، أصبح الوضع، في ظل الاتجاه الجديد، كما لو أن الوطنية الحاضنة هي من أولويات المؤرخ العراقي، ومرشد موضوعي له في الكتابة عن قضايا التاريخ الحديث. ويمكن عدّ المؤرخ كمال مظهر أحمد (1937 - 2021) المؤسس الحقيقي لهذا الاتجاه؛ ليس من خلال ما أنتجه من أبحاث فحسب، بل عبر طريق تدريسه مادة التاريخ الحديث في جامعات الدولة أيضًا. لقد تزامن تطور ذلك الاتجاه مع قبول الأنظمة العروبية، وإن على نحو ضيّق، فكرة التعددية الإثنية والثقافية. وفي الحقبة التي أعقبت عام 2003، ومع أن هذين الاتجاهين، الرسمي والوطني، ظلّ مهيمنيَن على اهتمامات الكتابة التاريخية حول العراق، فقد بدآ يفقدان بريقهما باستمرار، ولكن ذلك كان ببطء شديد. وبدأت تظهر بوادر لاتجاهات جديدة متمايزة عنهما، في طريقة اختيار موضوعات جديدة للبحث، والتوسل بمقاربات مختلفة، وتبنّي طروحات، يعيد بعضها النظر في التفسيرات والمرويات الشائعة. وقد كانت هذه التطورات في حقل الكتابة التاريخية في العراق، في مجملها، تعبيرًا مباشرًا عن المتغيرات الكبيرة التي شهدها العراق، في مجالات السياسة والفكر والثقافة والانفتاح على العالم الخارجي، وإلى حد ما، في المجال الأكاديمي. ومع ذلك، بقي انتشار هذه المحاولات وتأثيرها في تأسيس اتجاهات جديدة في الكتابة التاريخية لا يتناسبان مع حجم تلك المتغيرات وأبعادها. من هنا، تركز هذه الورقة على التحديات والمعوقات التي تواجه تطور الاتجاهات الجديدة في الكتابة التاريخية عن العراق وانتشارها في حقبة ما بعد عام 2003. على غرار العراق العربي، تأثرت الكتابة التاريخية في إقليم كردستان بالظروف السياسية المتغيرة بعد عام 1991، التي شهدت واقع حال، عاش فيه الإقليم في وضع أشبه بالانفصال عن سائر مناطق العراق، إداريًا وسياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا وثقافيًا، نتيجةً للقرار رقم 688 (1991) الذي اتخذه مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في إنشاء ملاذٍ آمنٍ في المناطق ذات الأغلبية السكانية الكردية الواضحة، من جانب، وقرار النظام القائم في بغداد بفرض حصار شاملٍ عليه، من جانب آخر. وقد قاد هذا الوضع الاستثنائي الجديد إلى تعزيز الاتجاه القومي في الكتابة التاريخية، مع تغييرات ملموسة. فكثير منها يعبّر عن توجهات سياسية وحزبية ومناطقية محدّدة. وعلى نحو عام، لم تخرج الكتابة التاريخية في كردستان، من حيث المقاربة والموضوع والطروحات، عن الأطر القديمة. فقد ظلّت تحت تأثير الاتجاهين الرسمي والوطني، في العراق، فضلً عن الاتجاه التقليدي في الكتابة التاريخية الكردية الذي أرسى قواعده المؤرخ محمد أمين زكي (1880 - 1948). ويتميز بالسرديات التي تؤكد وجود ذاكرة تاريخية كردية مشتركة، قديمًا وحديثًا1. ويمكن استثناء الدراسات التاريخية عن كردستان التي أجريت في بلدان المهجر من هذا التعميم. وقد تميز كثيرٌ منها بالرصانة.
هنا، ينبغي القول إن كتابة التاريخ الحديث في إقليم كردستان اليوم تُقدَّم ضمنيًا كما لو أنها أرخنة Historization لمنطقتين، تتميز الواحدة منهما من الأخرى بأحداث وتجارب شهدتها، وقيادات تقليدية وحديثة ظهرت فيها، وصراعات فيما بينها على طبيعة قيادات الحركة القومية الكردستانية وماهية خطاباتها السياسية. فالمنطقة التي يهيمن عليها الحزب الديمقراطي الكردستاني تتناغم اتجاهات الكتابة فيها عن تاريخ كردستان السياسي الحديث، غالبًا، مع توجهات قيادة ذلك الحزب السياسية والاجتماعية والفكرية وقاعدته الشعبية، لا سيما أن الجامعات ومراكز الدراسات القائمة في تلك المنطقة تخضع لسيطرته. ويسري الأمر نفسه، ولكن على نحو أقل نسبيًا، على المنطقة التي يسيطر عليها الاتحاد الوطني الكردستاني. وفي هذا الإطار، يمكن فهم سبب تركيز الدراسات التاريخية في منطقة نفوذ الحزب الديمقراطي على تاريخ ذلك الحزب وقيادته التقليدية، والأ سر الأميرية التي نشأت في منطقة بادينان. أما في منطقة نفوذ الاتحاد الوطني، فالتركيز وقع على تاريخ ذلك الحزب وقيادته وشخصيات غير تقليدية ومثقفة، إضافة إلى الأسر الأميرية التي حكمت المنطقة. إن الدراسات التاريخية عن هذه الإمارة أو تلك، أو عن هذه الشخصية أو تلك، تظهر لتمنح شرعنة تاريخية للسلطة السياسية القائمة في المنطقتين، ولكنها في الوقت نفسه تبُرز، عن قصد أو عن غير قصد، خصوصية كل منها تاريخيًا2. ساعدت السيطرة على الوثائق الحساسة العائدة للأجهزة الأمنية القمعية للنظام السابق، في أثناء الانتفاضة الشعبية عام 1991 وبعده، على بروز محاولات جديدة في الكتابة، من حيث تناول موضوعات لم يتمّ التطرق إليها، بما في ذلك الإبادة الجسدية، لا من زاوية سياسية فحسب، بل من زوايا اجتماعية واقتصادية وثقافية أيضًا. وفي الوقت نفسه، توافرت للأقليات الدينية والإثنية فرصة غير مسبوقة للكتابة عن تاريخها الديني والسياسي بطريقة لا تخضع لقيود الرقابة، كما كانت الحال في السابق. ومع ذلك، لا تزال الكتابة التاريخية في إقليم كردستان تتماشى، عمومًا، في اتجاهاتها مع التوجهات السياسية لأصحاب السلطة، فضلً عن خضوعها المستمر لتأثيرات مناطقية ذات خصوصيات اجتماعية وثقافية ودينية ملموسة.
النظام السيايس واتجاهات الكتابة التاريخية
يمكن عدّ عدم إمكانية الوصول إلى المعلومات التي تتضمنها الوثائق الوطنية الرسمية أحدَ أهم الأسباب التي تعرقل ظهور اتجاهات جديدة في الكتابة التاريخية في العراق بعد عام 2003، أو تحدّ من تأثيرها وانتشارها في الأوساط الأكاديمية والثقافية والفكرية العامة. وعلى نحو عام، تتأثر اتجاهات الكتابة التاريخية في البلدان النامية، من حيث النوعية والكمية، بعدد الوثائق التاريخية التي يزيل النظام السياسي عنها طابع السرّية، وفق تشريعات خاصة نافذة، أو أنظمة رقابية، أو ممارسات شائعة غير مقننة. لذلك، تميزت أبحاث المؤرخين العراقيين الذين درسوا في الغرب بالرصانة الأكاديمية والمقاربات المتميزة وثراء المضمون؛ لأنها استندت أساسًا إلى مصادر رئيسة عن تاريخ العراق، وفّرتها مراكزُ أرشيف وتوثيق بمختلف أنواعها، الوطنية والأكاديمية والخاصة. ويمكن عدّ تجربة الباحث الأميركي الفلسطيني الأصل حنا بطاطو (1926 - 2000)، المختص في التاريخ الاجتماعي للعراق، المثال الأبرز لكيفية ظهور مقاربة جديدة في الكتابة التاريخية عن العراق الحديث، من خلال كتابه الطبقات الاجتماعية القديمة والحركات
الثورية في العراق، الصادر في أصله الإنكليزي في عام 19783. وقد ارتبطت هذه المقاربة، على نحو وثيق، بحصول الباحث، من خلال علاقاته الشخصية التي أقامها خلال زياراته المتكررة للعراق مع بعض أهم رجال السلطة، سواء في العهد الملكي أو الجمهوري، على فرصة غير مسبوقة للوصول إلى وثائق رسمية سرّية تعود إلى عدّة عهود سياسية سابقة، لا سيما تلك المحفوظة في أرشيف وزارة الداخلية، ليستغلها أفضل استغلال، ويدرسها من دون قيود، أو رقابة، أو شروط. وقد نشر منها عدّة دراسات مهمة عن تاريخ العراق الحديث، منها كتابه السالف الذكر. ومن ثم، لم يكن ممكنًا لمقاربة بطاطو، عن أهمية العوامل الاجتماعية في تفسير تاريخ العراق الحديث وتطوره السياسي بين منتصف القرن التاسع عشر ومنتصف السبعينيات من القرن العشرين، أن تتبلور وتمهد الدرب أمام ظهور اتجاه جديد في الكتابة التاريخية عن العراق من غير الاستفادة المباشرة من الأرشيفات السرّية للدولة5. إن الوعي التام بأهمية الوثائق، الرسمية وشبه الرسمية في أرشيف وزارة الداخلية، في إعادة دراسة تاريخ العراق الحديث، وبما يتفق مع متطلبات المرحلة الانتقالية من نظام البعث الدكتاتوري إلى نظام ديمقراطي اتحادي تعددي، هو الذي دفع الإدارة الجديدة لدار الكتب والوثائق العراقية (2003 - 2015) إلى العمل الجدّي والمتواصل على تهيئة الظروف الفنية لإزالة السرّية عن ذلك الأرشيف المهم، فضلً عن الحصول على الملايين من الوثائق الرسمية التي لم تكن في حوزة الدار، وإضافتها إلى الأرشيف. وتضمن ذلك القيام بأعمال التصنيف، والفهرسة، والتوثيق، والحفظ، والتصوير المايكروفيلمي، والرقمنة. إن إزالة السرّية عملية طويلة ودقيقة، تستلزم إعادة النظر في التشريعات والتعليمات والأنظمة النافذة والحصول على موافقات رسمية صريحة من رأس السلطة التنفيذية6. غير أن من شأن إزالة السرّية عن مئات الآلاف من الملفات الرسمية وشبه الرسمية العائدة للأنظمة السياسية السابقة أن تساعد على بروز، أو تعزيز، اتجاهات جديدة في الكتابة التاريخية عن العراق الحديث، بما في ذلك تناول ثيمات جديدة تساعد في الكتابة عن التاريخ من الأسفل، وإعادة النظر فيما هو سائد من تفسيرات تتناول التاريخ من الأعلى، من وجهات نظر رسمية أو تقليدية. ويدلّ المثال الذي سيق عن بطاطو على أن الأنظمة غير الديمقراطية في "العراق القديم" هي العامل الرئيس في تحديد اتجاهات الدراسات التاريخية والثيمات التي تتناولها. وهو ما يفضي إليه اعتماد هذه الأنظمة رقابةً متشددةً في حجب المعلومات الأرشيفية عن المواطنين، وفي مقدمتهم الباحثون؛ لبواعث أيديولوجية، أو طائفية، أو إثنية، أو فكرية. وهناك أمثلة بارزة يمكن الإشارة إليها، توضح كيف أن السلطات الحاكمة، في العهود الملكية والجمهورية على حد سواء، سعت إلى فرض اتجاه جديد في كتابة التاريخ، يتناسب مع مصالحها، عن طريق إساءة استخدام الوثائق الرسمية وغير الرسمية في أرشيف الدوائر التابعة لوزارة الداخلية. وأبرز مثال على ذلك هو إعداد السلطات ونشرها دراسات عن الحزب الشيوعي العراقي تفتقر إلى المعايير الأكاديمية. وكانت تهدف من وراء ذلك إلى تشويه منطلقاته الفكرية وبرنامجه السياسي. ففي نهاية الأربعينيات من القرن العشرين، حينما وصل المدّ الشيوعي إلى ذروته فكرًا ونشاطًا، أقدمت مديرية التحقيقات الجنائية التابعة لوزارة الداخلية على نشر أعداد كبيرة من الوثائق السرّية الرسمية عن نشاطات الحزب
4 Hanna Batatu, The Old Social Classes and the Revolutionary Movements of Iraq: A Study of Iraq's Old Landed Commercial Classes and of its Communists, Ba'thists, and Free Officers (London: Saqi Book, 2004).
Hanna Batatu, "The Old Social Classes Revisited," in: Robert A. Fernea & William Roger Louis (eds.), The Iraqi Revolution of 1958: The Old Social Classes Revisited (London/ New York: 1991), pp. 212 - 213 ;
الشيوعي العراقي في ستة أجزاء، حاولت من خلالها السلطات المركزية تشويه صورة الحزب بهدف احتواء نفوذه المتزايد في المجتمع، بوصفه قوة معارضة للحكم الملكي والنفوذ الغربي في البلد7. وبالطريقة نفسها، وللأسباب نفسها أيضًا، أقدم جهاز الأمن العام في عهد نظام حزب البعث على إعداد ونشر دراسة دعائية موجّهة، تتكوّن من خمسة أجزاء عن تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، مستفيدًا من الوثائق السرّية المحفوظة في أرشيف وزارة الداخلية8. وبعد ذلك بأعوام، أقدم مدير الأمن العام، فاضل البراك، مستفيدًا من أرشيف وزارة الداخلية، على نشر كتاب تحريضي عن المدارس اليهودية والإيرانية، يمكن أن يبرّر سياسة نظام حزب البعث الحاكم الشوفينية العدائية تجاه مكونيَن عراقيين - هما المكون اليهودي والمكون الفيلي9 - اللذين تعرضا لحملة إبادة، جسدية وقانونية واقتصادية، منظمة ورسمية من طرف السلطات المركزية. في أماكن عدّة من كتابه المدارس اليهودية والإيرانية في العراق، يؤكد البراك على استمرارية التحالف التاريخي غير المقدس بين الإيرانيين المنحدرين من جبال زاغروس واليهود منذ عصر الملك البابلي نبوخذ نصر. وهذا يفسّر، في رأيه، قيام التجار ورجال الأعمال اليهود، وقبل هجرتهم القسرية من بغداد، ببيع أعمالهم وجميع مصالحهم إلى التجار الإيرانيين (أي الفيليين)، بهدف تخريب اقتصاد العراق الاشتراكي، ما يؤكد موقفَ هؤلاء الثابت، الذي يعادي العرب والعروبة، ويدعم الأحزاب اليسارية والإسلامية والكردية، الخائنة بمنطق حزب البعث. وعلى المدى الطويل، كانت غاية نظام حزب البعث الحاكم من وراء إعداد مثل تلك الدراسات غير الرصينة التي أساءت استعمال وثائق رسمية وغير رسمية، هي التأثير في اتجاهات الكتابات الأكاديمية عمومًا، والكتابة التاريخية خصوصًا، بطريقة تنسجم مع مفاهيمه الأيديولوجية. ومن ثمّ، لا غرابة في أن تظهر لاحقًا رسائل جامعية في العراق تستند إلى ما جاء في مطبوعات السلطة الحاكمة من طروحات ومفاهيم. من جهة أخرى، وفّر احتلال قوات التحالف الغربي للعراق في آذار/ مارس - نيسان/ أبريل 2003 شروطًا استثنائية، ومن دون قصد منها، لتطوير اتجاهات جديدة في الكتابة التاريخية. فقد سيطرت الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الأميركية على كميات هائلة من وثائق الدولة الحساسة. لكنها أخرجتها إلى الولايات المتحدة، ووضعت كثيرًا منها في متناول الباحثين الغربيين، سواء في جامعة الدفاع الوطني في العاصمة الأميركية واشنطن (الوثائق الأمنية خصوصًا)، أو معهد هارفارد التابع لجامعة ستانفورد في كاليفورنيا (وثائق حزب البعث). ومن شأن هذا أن يساعد في تناول ثيمات جديدة ويلقي الضوء على جوانب حسّاسة من تاريخ العراق الحديث، ولا سيما بعد إعادة جزء منه (أو ما يُعرف ب "أرشيف حزب البعث") إلى العراق. لكن مسألة الإفادة من ذلك الأرشيف المُهم، عن طريق وضعه في متناول المؤرخين العراقيين بطريقة مسؤولة أخلاقيًا وأكاديميًا وعلى وفق تعليمات واضحة وصريحة، لم تتحقق، لأن الحكومة العراقية الحالية قامت بخزن ذلك الأرشيف في مكان سرّي، خوفًا من أن تؤدي إساءة استخدام هذا الطرف أو ذاك لملفات هذا الأرشيف إلى تهديد السلم المدني وتمزيق النسيج الاجتماعي.
تحديات الاتجاهات الجديدة يف الكتابة التاريخية: أسلوب التدريس والمهارة اللغوية وفهم الوثيقة
إن الحضور القوي ل "الحرس القديم" في الأوساط الأكاديمية الذي يتمثل بطغيان أسلوب التحليل التقليدي الذي يستند إلى القولبة الفكرية ومفاهيم جامدة، هو أحد التحديات الرئيسة التي تعرقل عملية تحول مساعي الخروج عن المألوف إلى اتجاهات جديدة في الكتابة التاريخية، لها تأثير ملموس؛ فالحرس القديم الذي يستند إلى قيم أبوية قديمة لم تقتصر مقاومته على الخروج عن التقنيات التقليدية في أسلوب الكتابة والأرخنة من الأسفل، لثيمات اجتماعية وثقافية وتعليمية، ولم يواجه المساعي التي تُبذل لإعادة النظر في طروحات الأساتذة "المراجع" فقط، بل كان يفعل كل ما في وسعه لعزل الجيل الجديد من المؤرخين وطلبة الدراسات العليا عن الاتجاهات العالمية الجديدة في الكتابة التاريخية. ويرفض المقاربات غير المألوفة التي تقلب الفهم السائد للتاريخ رأسًا على عقب10. إن ظاهرة الأبوية الشائعة في الأوساط الأكاديمية، لا سيما في حقل التاريخ، تكبح الفضول الأكاديمي في البحث مجددًا في موضوعاتٍ كانت قد أُرخنت بمقاربات تقليدية. ويمتد الأمر إلى أسلوب تدريس مادة التاريخ الذي لا يزال كما كان متبعًا في الماضي. فلا تزال النزعة الأبوية تتمسك بأسلوب التدريس التلقيني والكمي، وترفض التفكير النقدي، وهو أمرٌ لا يشجع على ظهور، أو تطور، اتجاهات جديدة تختلف عما هو موجود. ويصعب على مؤرخ "طريّ العود" التخلص من مفاهيم وتفسيرات ومقاربات واهتمامات "السلف الصالح". ولا تزال وسائل الإيضاح، المادية وغير المادية (الأفلام، والصور، والخرائط، والبيانات، والرسوم، والأدب)، غير مستعملة في قاعة المحاضرات، إلا ما ندر. ونادرًا ما يُخصَّص وقتٌ كافٍ لإدارة مناقشاتٍ حرّة بين طلبة الدراسات العليا في الموضوعات التاريخية المثيرة للجدل، من أجل فهمها من زوايا مختلفة. ولا يُناقَش الأدب التاريخي، عن هذا الموضوع أو ذلك الحدث، كثيرًا في الدوريات الأكاديمية والمتخصصة، سواء بين الأكاديميين أو المؤرخين في العراق. لا مبالغة في القول إن كثيرًا من الدراسات التاريخية ما زالت أسيرة الماضي؛ فالمناخ السائد عمومًا لا يساعد كثيرًا في التفكير في تبنّي اتجاهات غير مألوفة في الكتابة التاريخية، أو في إعادة النظر في التفسيرات والمقاربات التقليدية. ولعلَّ هذا يفسر أيضًا أنّ قلّة من طلبة الماجستير والدكتوراه يفيدون فعليًا من الوثائق المحفوظة في أرشيف دار الكتب والوثائق الوطنية عند إجراء أبحاثهم التاريخية. وفيما يتعلق بالوثائق، حصلت فجوة معلوماتية عن تاريخ العراق بعد عام 2003، أثّرت في اتجاهات الكتابة، رغم اختفاء كثير من القيود الرقابية الرسمية التي كانت قائمة في الماضي. ففي ليلتَي 10 و 12 نيسان/ أبريل 2003، تعرضت الوثائق الرسمية وشبه الرسمية الخاصة بمختلف العهود السياسية، لا سيما العهد الجمهوري، إلى تدمير تصل نسبته إلى نحو 60 في المئة تقريبًا، نتيجة لإشعال النيران في أرشيفات دار الكتب والوثائق الوطنية. كما خسرت تلك الدار نسبةً غير قليلة من أرشيفها المايكروفيلمي والفوتوغرافي.
ومن أجل ردم الفجوة في المعلومات الأرشيفية، من الضروري الاستفادة، على نحو أكبر وأوسع، من الوثائق الأجنبية، لا سيما البريطانية والتركية، وذلك نتيجة لخضوع العراق لاحتلال الإمبراطوريتين العثمانية والبريطانية ونفوذهما خلال مراحل مختلفة من تاريخه الحديث11. ويمكن الاستفادة من تلك الوثائق في الأبحاث التاريخية بطريقتين: إحداهما زيارة أرشيفات ومكتبات المملكة المتحدة وتركيا، والأخرى جلب نسخ منها إلى العراق. تُعدّ الطريقة الأولى هي الأفضل من حيث الرصانة المعرفية، مقارنة بالأخرى، التي قد تُخرج الوثائق عن السياق العام للموضوع تحت الدراسة، أو تغفل جوانب من دورتها الحياتية. ومع أن دراسة الوثائق الأجنبية والاستفادة المثلى ممّا تحتويه من معلومات تاريخية تشير إلى جانب مهم؛ هو إتقان المؤرخ العراقي وطلبة الدراسات العليا اللغةَ الأصلية التي كُتبت بها الوثائق، فإن واقع الحال يبدو على غير ذلك، في أغلب الأحيان. فكثير من الدراسات التاريخية، الأكاديمية منها وغير الأكاديمية، يجري إعدادها من دون الاستفادة المباشرة من الوثائق الإنكليزية أو التركية، بل بالاعتماد على مقتطفات مقتبسة من مصادر ثانوية، أو على ما ترجم ونشر بالعربية من هذه الوثائق، أو بالاستعانة بمترجمٍ خاص يترجم وثائق منتخبة. وبلا شك، إن من الملامح السلبية التي تَس م الكتابة التاريخية في العراق هو عدم عناية المشرفين على الرسائل الجامعية بالمعرفة باللغة الأجنبية معيارًا أساسيًا عند تقييمهم هذه الرسائل، وعدم عناية أصحاب دور النشر بهذا الأمر عند مراجعة هذه الرسائل لقبولها والموافقة على نشرها. فعدم الإلمام باللغات الأجنبية الرئيسة، لا سيما الإنكليزية والفرنسية، أو تلك التي لها صلة بتاريخ العراق، مثل التركية والفارسية، يقلص كثيرًا من مساحة استفادة المؤرخين العراقيين في الداخل من الاتجاهات الدولية الجديدة في الكتابة التاريخية12.
ملاحظات ختامية عن آفاق الكتابة التاريخية واتجاهاتها ي ف عراق ما بعد عام 2003
إن من شأن إزالة نظام الرقابة الفكرية الرسمية على المطبوعات والوثائق والمعلومات عمومًا، وما يرافق ذلك من رفع القيود على دخول المطبوعات الأجنبية، وارتفاع وتيرة الترجمة في موضوعات أو مجالات كانت ممنوعة، فضلً عن الاحتكاك بالعالم أكاديميًا، وإن كان محدودًا، وعودة بعض المؤرخين والباحثين العراقيين إلى داخل البلاد، أن تساعد على ظهور جيل جديد من المؤرخين، لا يتردد في وضع علامة الاستفهام أمام حركة الأرخنة السابقة للأحداث، وفي تقديم تفسيرات مغايرة، أو طروحات غير مألوفة، باستعمال مقاربات غير كلاسيكية. يتوافر أمران في إمكانهما التعجيل بتطور الاتجاهات الجديدة في الكتابة التاريخية في العراق، هما: قيام نخب من مختلف المجموعات الإثنية والدينية التي لاقت في السابق تهميشًا هوياتيًا، بالاهتمام بموضوعات جديدة ذات صلة وثيقة بالوضع التاريخي لتلك المجموعات.
تعدد المنطلقات الفكرية في الكتابة التاريخية: التوجهات اليسارية ونقيضتها التوجهات اليمينية، والتوجهات الليبرالية ونقيضتها التوجهات المحافظة، والتوجهات المركزية ونقيضتها التوجهات اللامركزية، والتوجهات العلمانية ونقيضتها التوجهات الدينية. هذه الحال وحدها هي التي ستفضي إلى تراجع الأسلوب الأحادي لتاريخ العراق والابتعاد تدريجيًا عن الاتجاهين "الرسمي" و"الوطني" في الكتابة التاريخية، وتناول موضوعات غير تقليدية مرتبطة بالحركة النسوية والجندر، على سبيل المثال، وبأقليات أخرى جرى تدميرها، كاليهود والفيليين والآثوريين، وبمدن كانت هامشية، وشخصيات تاريخية كانت مغيبة عن عمد لأسباب مختلفة. إن الكتابة التاريخية في مناخ ديمقراطي تعددي هي نشاط مستمر، يقدّم الجديد ويعيد تفسير القديم. ولهذا، يمكن القول إن الكتابة التاريخية في العراق اليوم في طور التحول، وتعكس على نحو بعيد المرحلة الانتقالية من الدكتاتورية السياسية والأحادية الفكرية إلى الديمقراطية السياسية والتعددية الفكرية. لقد أخذ الصراع المستمر بين القوى القديمة والقوى الجديدة في المجالين السياسي والاجتماعي طريقَه إلى ميادين العلوم الاجتماعية، التي بدأت تتأثر به وتعكسه. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين تلك التوجهات في الكتابة التاريخية، التي ترتبط بمصالح سياسية وأيديولوجية، وتلك التي تلبي حاجات أكاديمية. مبدئيًا ونظريًا، كان نحو عقدين على سقوط نظام حزب البعث أمرًا كافيًا لظهور اتجاهات جديدة لها حضور متميز ومؤثر في الكتابة التاريخية عن العراق الحديث. ولكن، حتى الوقت الراهن، لم تظهر مشاريع نوعية جديدة تسهم في تطوير الكتابة التاريخية، لا تتماشى أو تتزامن مع عملية بناء دولة جديدة فحسب، بل تتسبب أيضًا في إحداث القطيعة بين حقبتين تاريخيتين، ما قبل عام 2003 وما بعده. ومن ثم، وعلى النقيض من الطابع الملموس والواضح للاتجاهات الجديدة في الدول المتقدمة من حيث التخصص والتركيز، لا تزال الاتجاهات الجديدة في الكتابة التاريخية في العراق تفتقد ملامح واضحة، فلم تخرج بعد من أطوارها الأولية. وإذا أردنا أن نضرب مثلً بالدراسات عن تاريخ الحركة النسوية في العراق، فإننا نجد أن حقبة ما بعد عام 2003 لم تشهد إلا دراستين لا يمكن أن تمثِلّا بأي حال اتجاهًا متميزًا في الكتابة التاريخية13. إن التأسيس لاتجاهات جديدة في الكتابة التاريخية يكتسي بُعدًا مؤسساتيًا مترابطًا، تربويًا وتعليميًا وثقافيًا. فهو يتطلب إصلاحًا شاملً لنظام تدريس مادة التاريخ، يبدأ من التعليم الأولّي، مرورًا بالتعليم العالي. ويشمل ذلك أسلوب الإشراف على الرسائل الجامعية. وينتهي بتحديث عمل مراكز الأرشيف، إداريًا وفنيًا وتشريعيًا؛ لكي توفر أجواء مناسبة للاستفادة من المعلومات الوثائقية بأقل وقت وجهد ممكنيَن. ومن الضروري إعادة النظر في طريقة إعداد مجموعات الكتب والدوريات على نحو يغني المكتبات الأكاديمية والمتخصصة بمطبوعات نوعية تعبّر عن توجهات حديثة وتلبّي، في الوقت ذاته، حاجات معرفية حقيقية.
المراجع
العربية
البراك، فاضل. المدارس اليهودية والإيرانية في العراق: دراسة مقارنة. بغداد: دار الرشيد، 1984.
جمهورية العراق. الوقائع العراقية. قانون الحفاظ على الوثائق رقم 37 لسنة 2016. العدد 4428. 19 / 12 / 2016.
خوري، دينا رزق. "تاريخ العراق ومجتمعه بين حنَّا بطاطو وعلي الوردي." عمران. مج 7، العدد 24 (خريف 2020.)
زكي، محمد أمين. تاريخ الدول والإمارات الكردية في العهد الإسلامي. ترجمة محمد علي عوني. القاهرة: مطبعة السعادة، 1945._______ خلاصة تاريخ الكرد وكردستان من أقدم العصور حتى الآن. ترجمة محمد علي عوني. ط 2. بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، 2005 [1931.]
الزويني، بشرى. 100 عام والمرأة: عشرينية الثورة وجهادية الفتوى. بغداد: المكتبة القانونية، 2020.
شاولي، كاوه فريق. إمارة بادينان، 1700 - 1842: دراسة سياسية، اجتماعية، ثقافية. أربيل: مؤسسة موكريانى للطباعة والنشر، 2000.
الشرطة العامة شعبة مديرية التحقيقات الجنائية، بغداد. موسوعة سرية خاصة بالحزب الشيوعي العراقي السري. بغداد: مطبعة الحكومة، 1949.
عبد القادر، ذكرى عادل. "رابطة المرأة العراقية ودورها في الحركة النسوية في العراق 1952 - 1975: دراسة تاريخية". رسالة ماجستير. كلية الآداب، جامعة بغداد، بغداد. 2014.
عبد الكريم، سمير. أضواء على الحركة الشيوعية في العراق. بيروت: دار المرصاد، 1978.
الأجنبية
• Batatu, Hanna. The Old Social Classes and the Revolutionary Movements of Iraq: A Study of Iraq's Old Landed
• Fernea, Robert A. & William Roger Louis (eds.). The Iraqi Revolution of 1958: The Old Social Classes Revisited.
References
Commercial Classes and of its Communists, Ba'thists, and Free Officers. London: Saqi Book, 2004.
London/ New York: I. B. Tauris, 1991.