الأوبئة والجوائح في الشرق الأدنى القديم، منذ أقدم العصور حتى طاعون عمواس: دراسة في تأثيراتها في العمران البشري
Epidemics and Pandemics in the Ancient Near East - From Ancient Times until the Emmaus Plague: A Study of Their Impacts on Human History
الملخّص
تهدف هذه الدراسة إلى تقديم عرضٍ عام لتاريخ الأوبئة في الشرق الأدنى القديم، مع إعطاء بعض الأمثلة من بلاد ما بين النهرين وبلاد الشام وشبه الجزيرة العربية. وتعتمد على المدونات المكتوبة بالخط المسماري وباللغة السومرية والأكادية، وعلى نقوش أخرى من بلاد الشام ونصوص العهد القديم من الكتاب المقدّس والمصادر المصرية القديمة. وتزودنا هذه المصادر بمعلومات مهمة عن الجوائح والأوبئة التي كانت قد انتشرت في بلاد المشرق العربي منذ الألف الثالثة قبل الميلاد، وكيفية تعامل الإنسان والدولة معها. وبعد عرض صورة عامة للأوبئة والجوائح عبر التاريخ، تناقش الدراسة بعضًا منها في الفترة القديمة المذكورة، ثمّ تنتقل إلى ما يسمى جائحة جستنيان (541-542م) المعروفة في التاريخ العربي وبلاد الشام، من خلال استمراريتها التاريخية، بطاعون عمواس.
Abstract
This study documents the history of epidemics in the ancient Near East, giving some examples from Mesopotamia, the Levant, and the Arabian Peninsula. It relies on the cuneiform scripts, the Sumerian and Akkadian languages and other inscriptions from the Levant, Old Testament texts and ancient Egyptian sources. These sources provide us with important information about epidemics that have spread across the Arab Mashreq since the third millennium BC, and how people and the state dealt with them. After presenting a general picture of epidemics and pandemics throughout history, the paper discusses the ancient period, then moves on to the “Plague of Justinian” (541-542 AD), known in Arab history and the Levant through its historical continuity with the plague of Amwas.
- تاريخ الطب
- الجوائح
- طاعون جاستنيان
- طاعون عمواس
- حضارات الشرق الأدنى
- Near Eastern Civilizations
- History of Medicine
- Epidemics
- Plague of Justinian
- Plague of Amwas
| 2021 02 21 | 2021 02 21 2021 10 10 2021 10 28 DOI: https://doi.org/10.31430/LQIT3825: الرقم التعريفي باحث في جامعة مونستر وأكاديمية برلين - براندن بورغ للعلوم والإنسانيات في ألمانيا. * Research fellow at University of Münster and the Berlin-Brandenburg Academy of Sciences and Humanities, Germany. محمد مرقطن | Maraqten *Mohammed تهدف هذه الدراسة إلى تقديم عرضٍ عام لتاريخ الأوبئة في الشرق الأدنى القديم، مع إعطاء بعض الأمثلة من بلاد ما بين النهرين وبلاد الشام وشبه الجزيرة العربية. وتعتمد على المدونات المكتوبة بالخط المسمري وباللغة السومرية والأكادية، وعلى نقوش أخرى من بلاد الشام ونصوص العهد القديم من الكتاب المقدّس والمصادر المصرية القديمة. وتزودنا هذه المصادر بمعلومات مهمة عن الجوائح والأوبئة التي كانت قد انتشرت في ب داا المشرق العربي منذ الألف الثالث قبل المي داا، وكيفية تعامل الإنسان والدولة معها. وبعد عرض صورة عامة للأوبئة والجوائح عر التاريخ، تناقش الدراسة بعضًا منها في الفترة القديمة المذكورة، ثمّ تنتقل إلى ما يسمى جائحة جستنيان (541 - 542م) المعروفة في التاريخ العربي وبلاد الشام، من خلال استمراريتها التاريخية، بطاعون عمواس. كلمت مفتاحية: حضارات الشرق الأدنى القديم، تاريخ الطب، الجوائح، طاعون جستنيان، طاعون عمواس. This study documents the history of epidemics in the ancient Near East, giving some examples from Mesopotamia, the Levant, and the Arabian Peninsula. It relies on the cuneiform scripts, the Sumerian and Akkadian languages and other inscriptions from the Levant, Old Testament texts and ancient Egyptian sources. These sources provide us with important information about epidemics that have spread across the Arab Mashreq since the third millennium BC, and how people and the state dealt with them. After presenting a general picture of epidemics and pandemics throughout history, the paper discusses the ancient period, then moves on to the "Plague of Justinian" (541 - 542 AD), known in Arab history and the Levant through its historical continuity with the plague of Amwas. Keywords: Ancient Near Eastern Civilizations, History of Medicine, Epidemics, Plague of Justinian, Plague of Amwas. الأوبئة والجوائح في الشرق الأدنى القديم منذ أقدم العصور حتى طاعون عمواس دراسة في تأثيراتها في العمران البشري Epidemics and Pandemics in the Ancient Near East - From Ancient Times until the Emmaus Plague A Study of Their Impacts on Human History | |||
|---|---|---|---|---|
مقدمة
"من أراد أن يدخل مدينةً موبوءة بالطاعون، فيجب أن يُقاد إليها كحمار ثقيل الحمل" (مثَل سومري)1. يُوصف الوباء Epidemicّ بأنّه مرض عام2، وقد وَبِئَت الرْض: كَثَُ مرَضُها، وأمّا الجائحةَPandemic فهي الوباء العابر للبلدان الذي يعُمّ الأرض3. وعادة ما يوصف المرض الذي يصيب الكثير من الناس بأنّه الوباء والمرض الذي يقتل الكثير منهم بأنّه الطّاعون4. السؤال الرئيس لهذه الدراسة هو: ماذا نعرف عن الأوبئة في العصور القديمة؟ في البداية، لا بدّ من القول إنّ البشرية على مرّ التاريخ واجهت كوارث ماحقة، كان يجب تحمّلها من أجل البقاء على قيد الحياة. وكانت الأوبئة من أكثر المعضلات التي عانتها البشرية. وكان الطاعون من أكثر هذه الكوارث فتكًا في تاريخها. والسؤال هنا ليس عن عدد ضحايا الأوبئة فقط، بل عن الكيفية التي استطاع بها من نجوا منها إعادة بناء حياتهم والاستمرار فيها. ويتفق الباحثون على أنّ الأوبئة قد قتلت من البشر أكثر مما قتلته الحروب5. وكانت هذه الأوبئة وما رافقها من جفاف وسنوات المَحْل قد أدّت في العصور القديمة إلى مجاعات وهجرات جماعية كثيرة للشعوب، للبحث عن مأوى للاستمرار في العيش. وعادة ما تتطور الأوبئة عبر العصور وتتحكم في بعض المناطق، بينما يبدو أنّ الناس الذين تعرضوا لها كانوا يطوّرون أحيانًا مناعة جسدية ضدّها. وعلى الرغم من الكوارث التي تركتها الأوبئة في العصور القديمة، فإن الشعوب استطاعت غالبًا أن تنهض وتعيد ترتيب أمورها وتستمر في الحياة6. ومع بداية الألف الثالث قبل الميلاد وظهور المدن الكبيرة وازدياد التواصل الاجتماعي والتجاري في العالم القديم، بدأ عصر الأوبئة. ولم يكن التعامل مع بعض الأوبئة سهلً في المدن المكتظة بالسكان مثل بابل، وكانت ذات تعداد سكاني يتعدى عشرات الآلاف. وفي العالم القديم، كانت المدن والقرى غالبًا تحتوي على أعداد ضخمة من قطعان الماشية، التي كانت أحيانًا هي مسببات للأمراض الفتاكة؛ أي الأوبئة ذات المنشأ الحيواني مثل الجدري والدفتيريا والإنفلونزا وغيرها. وكان للتجارة والسفر والحروب دور أساس في انتشار الأوبئة، ومنها الكثير من الأوبئة في بلاد ما بين النهرين ومصر. وكان الوباء الأثيني (430 ق. م.)، وجائحة الطّاعون الجستنياني (541 - 542 م) - نسبة إلى الإمبراطور جستنيان الأول Justinian (حكم 527 - 565 م) - من أكثر أنواع الأوبئة تدميرًا في تاريخ البشرية7. هناك مجموعة كبيرة من الأوبئة ذات منشأ حيواني Zoonoses، ويمكن أن تنتقل من الحيوانات البرية الأليفة إلى البشر، ومنذ بداية الألف الرابع قبل الميلاد ازداد النشاط الزراعي الريفي في الشرق الأدنى القديم، حيث يعيش الفلاحون في قرى حول المدن مع البرية والحيوانات الأليفة كالأغنام والماعز والخيول، ومن ثم يكون الاتصال بها طوال الوقت. وازداد أيضًا اتصال الإنسان بالحيوانات
البرية مثل الخفافيش والكلاب والقطط والذباب والإوز، والقمل، والفئران، والبعوض، والخنازير، والأرانب، والجرذان. وكانت هذه الحيوانات ناقلة لعدوى الأوبئة وتتسبب في العديد من الأمراض الحيوانية المنشأ المختلفة في الشرق الأدنى، مثل الجمرة الخبيثة والكوليرا والتيفوس8. وليست الملاريا مرضًا حيوانيًا على الرغم من انتقالها بوساطة البعوض. وأحد هذه الأمراض هو الطّاعون الدبلي Bubonic Plague، الذي أصاب البشرية على نحوٍ مروع وأكثر ضراوة كلما وقع السكان في شبكة مرض تنقلها الجرذان والبراغيث9. وتحتفظ الحضارات القديمة بمدونات تساعدنا على التعرف بعض الشيء إلى هذه الأوبئة والجوائح وإلى تأثيراتها في حياة البشر. وقد أشير إلى هذه الأوبئة بمصطلحات مختلفة في حضارات الشرق القديم، ومن العسير إسقاط المصطلحات الطبية الحديثة الخاصة بالأوبئة على المصطلحات الخاصة بالأوبئة في بلاد ما بين النهرين ومصر وحضارات اليمن القديم. وكذلك الأمر بالنسبة إلى المصطلحات اليونانية واللاتينية Plague و Pestilence في العصور القديمة، فقد كانت تشير على ما يبدو إلى أي نوع من الأوبئة، وليس الطّاعون فحسب كما هو الحال في العربية عند استخدام اللفظ "وباء"10. ويختلف الباحثون في تاريخ الطب والأوبئة وتاريخ حضارات الشرق القديم في تحديد زمان ظهور الأوبئة ومكان انتشارها الأول. ويعتقد البعض أنّ البكتيريا Pestilis Yersinia المسببة للطاعون الدبلي كانت موجودة في الألف الثالث قبل الميلاد في سيبيريا وإستونيا وبولندا، وكانت هذه البكتيريا منتشرة في وادي النيل منذ أقدم العصور11. وتجدر الإشارة إلى أنّ بعض الأوبئة الفتّاكة، التي يطلق عليها الطّاعون في كثير من الدراسات العلمية، لم تكن في حقيقة الأمر هي الطّاعون المتعارف عليه اليوم طبيًا، أي الطّاعون الدبلي، لذا يجب استخدام المصطلح "وباء" للإشارة إليها. فما يسمى "طاعون أثينا" (430 - 427 / 426 ق. م.)، أو الطّاعون الأنطونيني (ويسميه البعض الأنطوني) وهو الجائحة أو الوباء الذي أصاب الإمبراطورية الرومانية (164 - 180 م) كانا في حقيقة الأمر نوعين من وباء الجدري12. وهذا الأمر هو ما يواجهنا أيضًا في دراسة الأوبئة في حضارات الشرق القديم. فهناك مصطلحات تشير عمومًا إلى أوبئة الجلد كالجذام والجدري، وقد تشمل الطّاعون، ويختلف العلماء في تحديدها الدقيق وفي إسقاط المصطلحات الطبية الحديثة عليها13. وتجدر الإشارة إلى أنّ مصطلحات عربية للأوبئة ترد في اللغة الأكادية منها دَاء diʾu، وحُمَّى ummu، وجرَب garābû بالمعنى نفسه إلى حدّ ما14. إنّ دراسة المصطلحات الخاصة بالأوبئة والجوائح في العربية واللغات الساميّة بمنهجية علم اللسانيات الاجتماعية ستكون مفيدة جدًا. فالتحليل اللغوي لهذه المصطلحات وتأثيلها ودراسة الأفعال المرتبطة بها تساعدنا في فهم التجربة الإنسانية لشعوب المنطقة. فالطّاعون، مثلً، مشتق في العربية من الثلاثي طعَن، ومن معانيها: طعنه بالرمح وبالسيف وبالحَرْبة ونحوها؛ أيْ وخَزه بها، وطُعِن الرجل: أي أصابه الطَّاعُون، والطَّاعُون: رماح الجن15. والعربية تستخدم أيضًا الأفعال زحف، وهجم، وقتل، وانتشر الطّاعون وغيرها، وإذا تراجع الطّاعون تستخدم العربية تعبير تقهقر الطّاعون، وكلها إشارات إلى عدو بجيش جرّار. وتستخدم الأكادية "أكلتهم يد الإله"
أو "أكلتهم يد نيرغال (إله الطّاعون")16. وفي الحضارة اليونانية، يظهر الإله أبولّو مُنقذًا للناس من الأوبئة، ويظهر كذلك وهو يحمل القوس والنشاب ليضرب العدو بالوباء، ويوصف الوباء في اليونانية أيضًا بالرمح، ويظهر الإله اليوناني أبولّو على نحو يستطيع فيه إرسال الوباء بسهامه17. منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي وبعد اكتشاف الكثير من النصوص المصرية والألواح المسمارية، اهتم العلماء بدراسة مجموعة من النصوص أطلقوا عليها النصوص الطبية. ركّز الباحثون في تاريخ الشرق الأدنى القديم ومصر على دراسة التاريخ الحضاري والسياسي، وركز القليل منهم على التاريخ الاقتصادي والاجتماعي. وفيما يخص الأمراض والأوبئة، ركز العلماء على نشر الوثائق الطبية، وعلى تاريخ الطب عمومًا، ولكنّ دراسات قليلة عالجت مسألة التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية للأوبئة في مجتمعات الشرق القديم18. ويقدّم لنا علم دراسة الأمراض القديمة Paleopathology وعلم الآثار ودراسة الهياكل العظمية معلومات مهمة عن وفاة الأشخاص، وما إذا كانت بسبب مرض أو وباء معين أو قتل في حرب ويساعد في ذلك دراسة الحمض النووي DNA. ويعطينا علم دراسة الأمراض القديمة لمحات عن البشر فيما إذا كانوا مشوهين أو كانوا يعانون التهاب المفاصل ومضاعفاتها، مثل الأطراف المكسورة والناتجة من حوادث أو أمراض، وما إذا تمّ إصلاح هذه الأعضاء أو إجراء عملية جراحية لها، إضافة إلى تقدير عمر الهياكل العظمية ومعرفة ما إذا كان الشخص يعاني أمراضًا معينة تترك آثارها في العظام من الأنيميا أو فقر الدم أو مرض السل19. تناقش هذه الدراسة، عمومًا، الأوبئة المعروفة في الشرق الأدنى القديم من ناحية تاريخية فقط، وتشير إلى طريقة انتشارها وعواقبها على الناجين قدر الإمكان، وتركّز على العصور القديمة في بلاد ما بين النهرين وبلاد الشام ومصر وشبه الجزيرة العربية. وتشير إلى بعض المصادر أو المدونات التي وثّقت هذه الكوارث، وإلى المعتقدات الدينية، وخاصة إلى دور الآلهة في حماية الناس. وعادة ما تتمّ مقارنة هذه الأوبئة بجائحة الطّاعون الأسود أو الموت الأسود أو الطّاعون الدبلي الذي انتشر خلال القرن الرابع عشر الميلادي وأهلك نحو ثلث سكان أوروبا.
أولً: استعراض لبعض الأوبئة المعروفة يف العصور القديمة
1. الجذام أو مرض هانسن
أهم أعراض الجذام Leprosy هو الطفح الجلدي، ومن الجذام نوع يسمّى النوع الورمي. والمفهوم الحديث للجذام أنه مرض يتسبب في نخر العظام وفقدان الأطراف. وكان يصيب الإنسان منذ بداية الألف الثاني قبل الميلاد20، وهو وباء مزمن يتطور ببطء، ولكنه وباء قد يتطور ليكون مدمرًا، وكان قد ساهم بقوة في إنهاء الإمبراطورية الحثِّية وحضارات العصر البرونزي21. يعتقد الكثير من
العلماء أنّ أصل الجذام من شرق أفريقيا، حيث انتشرت البكتيريا منذ آلاف السنين من هناك في اتجاه الشمال والشرق، ويفترض بعضهم أنّ أصل هذا الوباء من الهند22. وقد كثر الجدل بين العلماء حول وجود مرض الجذام في الشرق الأدنى القديم. ومع ذلك، فإنّ احتمال وجوده يبدو كبيرًا. ويذكر نص مسماري تآكل أصابع اليدين والقدمين؛ ما يشير إلى أنه وصف للجذام23. ونجد أيضًا ذكرًا للبقع البيضاء أو الطفح الجلدي، وربما يكون هذا للتمييز بين الشكلين الرئيسين للمرض أي بين الجذام الدرني والجذام الورمي. ويعتقد الباحثون في تاريخ الطب في العراق القديم أنّ اسم الوباء المعروف ب "شخَرْشبُّو" Saḫaršubbû كان اسمًا لعدة أمراض جلدية؛ منها الجذام والبرص (نوع من الجذام) والجدري والحصبة والقباء، ويُفهم شخَرْشبُّو غالبًا على أنّه الجذام أو مرض هانسن24. وقد أُنجزت دراسات حديثة عن الطب في بلاد ما بين النهرين تحدد خمسة مصطلحات للدلالة على أمراض جلدية معدية، تذكرها الرُّقم الأكادية، يمكن أنْ يكون الجذام أحدها وهي: شخَرْشبُّو، وغرَاصُو Garāṣu، وإبْقُو Epqu، وغرَابُو Garābu، وبُوشَانُو Būšānu25. لا توجد أوصاف واضحة للجذام في النصوص الطبية المصرية القديمة من خلال البرديات، ولكن علماء الدراسات المصرية القديمة حدّدوا مرضًا جلديًا وصفوه بأنّه الجذام، وهو يرد بحسب وصفهم في البرديات المصرية، ومنها بردية هيرست (نحو 1500 ق. م.)، وبردية إيبرس (رقم 877)26. ويقول هؤلاء العلماء إنّه كان معروفًا ابتداء من العصر البرونزي الأخير في الشرق القديم أي النصف الثاني من الألف الثاني قبل الميلاد، ويستمر ظهور هذا المرض في العصر الحديدي (الألف الأول قبل الميلاد). وهناك معضلة في تحديد الأمراض الجلدية المذكورة في المصادر المصرية، وإن كان المقصود بها، حقًا، هو الجذام أو مرض هانسن. ويعتقد باحثون آخرون أنّ هذا النوع من الجذام، المعروف اليوم بمرض هانسن، لم يظهر في بلاد الشام حتى الفترة الهلنستية. كان الجذام المعروف بمرض هانسن قد انتشر بسبب قوات الإسكندر الكبير (356 - 323 ق. م.)، ويُعتقد أنّ جنوده قد جلبوه معهم من بلاد السند في اتجاه بلاد الشام27. ويعتقد البعض أنّ المرض الذي يوصف في العهد القديم باسم "صرعت" tzaraʿat (لغويًا تقابل صرع في العربية) قد يكون الجذام، والبعض يعتقد أنّه البرص (سفر اللاويين: 13، 14). وعلى ما يبدو، فإنّ هذا مصطلح كان يُستخدم للإشارة إلى مجموعة متنوعة من الأمراض الجلدية ومن بينها الجذام، ومن ثمّ فمن الأفضل ترجمة المصطلح ب "مرض جلدي"28. هناك إشارة إلى الجذام ذكرها المؤرخ اليوناني هيرودوتس (484 - 425 ق. م). Herodotus تنص على أنّ بلاد فارس في القرن الخامس قبل الميلاد كانت تتخذ تدابير الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي ضد ضحايا ما يسميه "المرض الأبيض"، وكان يُسمى أيضًا "المرض الفينيقي"29، وهو ما ذكره أبقراط (460 - 370 ق. م). Hippokrates بناء على نص من القرن الخامس قبل الميلاد عن الجذام، وهذه المعلومات جاءت وفقًا لتعليق الطبيب الروماني جالينوس (121 - 180 م) Galenus Aelius ولا توجد معلومات مفصلة عن ذلك30.
2. الجدري
تعتبر الحكّة أهم أعراض هذا المرض الجلدي. والتاريخ المبكر للجدري Smallpox يكتنفه الغموض31. ولكن توجد علامات أولية على أنّ الجدري كان موجودًا في الحضارات القديمة في الشرق الأدنى ومصر32. ويرد الجرب في نصوص بلاد ما بين النهرين باسم Garābu ابتداء من النصف الأول من الألف الثاني قبل الميلاد، وقد تعود الكلمة العربية "جرَب" إلى الحضارة البابلية33. وجاء في بعض النصوص أنّه كان على الشخص المصاب أن يهيم على وجهه خارج أسوار المدينة؛ إذ يمنع من الدخول إليها وترفضه الآلهة34. وفي بلاد ما بين النهرين، جرى التعرف إلى الجدري في النصوص المسمارية التي عثر عليها في مدينة ماري35. وزعم بعض علماء الدراسات المصرية أنّ الجدري موصوف في بردية إيبرس (نحو 1500 ق. م.)، وأنّه قد عثُر على طفح جلدي من البثور المرتفعة على جلد ثلاث مومياوات يعود تاريخها إلى فترتي السلالات الثامنة عشرة والعشرين في الألف الثاني قبل الميلاد (بما في ذلك مومياء الفرعون رمسيس الخامس الذي مات عام 1146 ق. م.36، وجرى تفسير هذا الطفح الجلدي بالجدري37. ويُعتقد أنّ اللفط "شهين" الوارد في العهد القديم بأنّه الجدري. وتظهر تحليلات علمية حديثة أنّ الفرعون المصري رمسيس الخامس (1149 - 1146 ق. م.) من الأسرة العشرين كان مصابًا بالجدري38.
3. مرض السّل
مرض السل Tuberculosis مرض مُعد، تسببه عادةً بكتيريا تُسمى Tuberculosis Mycobacterium، ولا يعرف تمامًا ما إذا كان هذا المرض قد أصاب البشر عن طريق انتقاله من البقر. والسلّ من أقدم الأوبئة التي عرفتها البشرية، ويعود ذلك إلى آلاف السنين. ويمكن أن يكون قد أصاب البشر حتى قبل ما يسميه علماء الآثار الثورة الزراعية أو ثورة العصر الحجري الحديث (الألف الثامن إلى الرابع قبل الميلاد). وتدلّ هياكل عظمية على أنّها كانت مصابة بالسلّ من عصور ما قبل التاريخ39. كانت أمراض الرئة معروفة في بلاد ما بين النهرين القديمة (الالتهاب الرئوي، والسلّ، والسعال الديكي)40. وقد وجد العلماء تسوّسًا في العمود الفقري للمومياوات المصرية التي يرجع تاريخها من 3000 إلى 2400 ق. م. وتنتج من مضاعفات السلّ. وتجدر الإشارة إلى التماثيل أو الرسوم المصرية التي تظهر منها انحناءات في الظهر، ويفسرها الباحثون بأنها من آثار السلّ41.
4. الدفتيريا
الدفتيريا Diphtheria مرض معدٍ، ويُسمى أيضًا "مرض الخُناق"، وتسببه جرثومة تسمى "جرثومة الوتدية الخناقية " Diphtheriae Corynebacterium42. وقد شخّص العلماء وباء يُسمى بُأْشُو buʾšānu في بلاد ما بين النهرين بأنّه الدفتيريا43.
5. شلل الأطفال
شلل الأطفال Poliomyelitis مرض مُعدٍ فيروسي يسببه فيروس شلل الأطفال44. جرى تشخيص وجود شلل الأطفال في لوحات مصرية من الأسرة الثامنة عشرة نحو (1539 - 1292 ق. م).45.
6. الجمرة الخبيثة
الجمرة الخبيثة Anthrax عدوى بكتيرية، وهي عادة ما تكون قاتلة للبشر والحيوانات. وعادة ما يصيب هذا المرض البشر عن طريق استنشاق الجراثيم، والاتصال المباشر للجراثيم بالجلد أو عن طريق حيوانات مصابة. ويمكن أن يكون وباء الجمرة الخبيثة من الأوبئة العشرة التي تعرضت لها مصر كما وصفها الكتاب المقدّس؛ ما يؤكد وجود الجمرة الخبيثة في الشرق الأدنى في العصر البرونزي46.
7. الحصبة
يعتقد الباحثون أنّ مرض الحصبة Measles قد يكون أحد الأمراض الجلدية المعروفة في بلاد ما بين النهرين باسم Saḫaršubbû والذي يعني أيضًا الجذام أو الجدري أو الحصبة47. والحصبة عدوى فيروسية تصيب الجهاز التنفسي العلوي والسفلي48.
8. حمّى الإنفلونزا
حمّى الإنفلونزا Influenza من الأوبئة الأشد فتكًا في التاريخ؛ لذلك لا ينبغي الاستهانة به، وهو من الأمراض المؤثرة في حياة الناس في نهاية العصر البرونزي المتأخر (1300 - 1200 ق. م.) وخاصة في الإمبراطورية الحثِّيَّة، وربما كان الشرق الأدنى القديم هو أول فاشية مسجلة لإنفلونزا الطيور49.
9. حمّى التيفويد
تنجم حمّى التيفويد Fever Typhoid عن تناول أطعمة أو مشروبات ملوثة بنوع خاص من البكتيريا، ومع ظروف الصرف الصحي السيئة التي كانت سائدة على نحو قوي في المدن في نهاية العصر البرونزي، كان من الممكن أنْ يشكّل هذا الوباء حمّى التيفويد التي يرافقها نزيف معوي والتهاب الدماغ، وغالبًا ما تؤدّي إلى الموت السريع. ويرد في حضارات ما بين النهرين أكثر من لفظ للدلالة على الحمّى، ومن
أهم هذه الألفاظ هو أمّوُUmmu ويقابل في اللغة العربية "حمّى"50. كان هناك، على ما يبدو، عدة أنواع من الحمّى منها نوع يُسمى bu ʾ Li51. وفي رسالة من ماري موجهة إلى الملك الأموري يخبرنا المرسل عن شخص أصابته ضربة شمس، ويعاني الحرارة والحمّى وترد عبارة Ṣēti Ḫimiṭ أو Ḫunṭu. وتوصف هذه الحالة الصحية بأنّ لها علاقة بضربة الشمس52. ويعتقد أنّ حمّى التيفويد كانت سبب طاعون أثينا (نحو 430 - 427 / 426 ق. م.) الذي يصنفه العلماء حاليًا بأنه الجدري، وكان قد قتل نحو ثلث سكان أثينا53.
10. التيفوس
التيفوس Typhus مرض حيواني المنشأ، ينتقل إلى البشر عن طريق القمل. وكان هذا الوباء في العصور القديمة شائعًا بين مجموعات الأشخاص الذين كانوا يعيشون معًا، مثل الجنود في الثكنات، والبحارة في السفن والسجناء. وتتوافر معلومات موثقة عن انتشار التيفوس في بابل54. ويعتقد أنّ هذا الوباء كان قد دخل عن طريق أسرى الحرب المصريين إلى الإمبراطورية الحثِّيَّة، وتسبب في ما يسمّى وباء الحثّيين (1322 ق. م.). حقًا يمكن أن يُسمّى التيفوس "حمّى التجمعات" وليس الجدري أو الطّاعون الدبلي. والتيفوس من الأوبئة الموثّقة في بلاد الأناضول في فترة المستعمرات الآشورية القديمة في النصف الأول من الألف الثاني قبل الميلاد. ويعتقد بعض الباحثين أن التيفوس هو المرض الذي سُمّي وباء الفلستين، والذي انتشر في الساحل الفلسطيني في بداية الألف الأول قبل الميلاد55.
11. ملاريا
الملاريا Malaria مرض مُعدٍ، تسببه طفيليات البلازموديوم malaria falciparum. P التي تدخل مجرى الدم في الجسم عن طريق لدغة البعوض. وتصيب الملاريا البشر منذ آلاف السنين. ومن أهم أعراضه الحمّى والصداع. وكانت الملاريا معروفة في بلاد ما بين النهرين، وقد تمّ التعرف إلى أعراض الملاريا الدماغية من خلال النصوص المسمارية المكتشفة في بلاد ما بين النهرين56. وبعض الدراسات التي أجريت على المومياء المصرية قد أثبتت وجود الملاريا في عصر الدولة المصرية الحديثة (1550 - 1077 ق. م.). وتوجد إشارات إلى أنّ الملاريا كانت منتشرة في مصر وفلسطين نحو 1200 قبل الميلاد57. وتجدر الإشارة إلى أنّ الوقاية من الملاريا في مصر القديمة كانت معروفة، ومنها استخدام الناموسيات أثناء النوم58. وتؤكد هذا عبارة ذكر هيرودوتس أنّها مكتوبة على واجهة أحد المعابد المصرية تذكر الوقاية: "لا تخرج من البيت بعد غروب الشمس في الأسابيع التي تعقب فيضان النيل"59.
وفسّ بعض الباحثين الوباء الذي ضرب أثينا بأنّه الملاريا60. وحدث الوباء الأثيني في عام 430 ق. م. خلال الحرب البيلوبونيسية، التي دارت بين أثينا وإسبارطة (431 - 404 ق. م.)، ويطلق عليها أحيانًا "الطَّاعُون الأثيني". وكان لهذا الوباء حركات ارتدادية في الأعوام 429 و 427 / 426 ق. م. وبسبب الازدحام الشديد في زمن الحرب في المدينة، انتشر هذا الوباء بسرعة؛ ما أسفر عن مقتل عشرات الآلاف. وقد تسبب مقتل الكثير من الأثينيين في انتصار إسبارطة. والمصدر الوحيد الباقي للطاعون الأثيني هو الرواية المباشرة للمؤرخ اليوناني ثيوسيديدس (460 - 400 ق. م). Thucydides في كتابه تاريخ الحرب البيلوبونيسية Peloponnesian the of History War. ويذكر أحد مؤرخي الأوبئة أنّ الوباء قد بدأ بانتشار الجدري عن طريق التجارة البحرية، ثم تحول في مرحلة أخرى إلى التيفوس61. وكانت الملاريا قد ضربت شرق البحر الأبيض المتوسط وروما في القرن الخامس قبل الميلاد62.
12. الديزنطاريا (الزَّحَار)
الزحار Dysentery هو التهاب في القولون يسبب الإسهال الشديد والنزيف من الأمعاء وارتفاعًا في درجة الحرارة، وفي النهاية يؤدِّي إلى جفاف قاتل. ولعل ظروف الصرف الصحي السيئة في التجمعات الكثيفة السكان في الشرق الأدنى القديم (نحو 1200 ق. م.)، ساعدت في انتشار هذا الوباء63.
ثانيًا: ماذا نعرف عن الأوبئة يف الشرق الأدنى القديم؟
1 ي. الأوبئة ف بلاد ما بين النهرين
أ. عن طبيعة الأوبئة في بلاد ما بين النهرين في البداية، هذه إشارة إلى مصادر دراسة الأوبئة في الشرق الأدنى القديم. وتوجد عدة أرشيفات من الرُّقم الطينية مكتوبة بالمسمارية وباللغة السومرية والأكادية (البابلية الآشورية)، تُزوّدنا بمعلومات عن الأمراض الوبائية في الشرق الأدنى القديم من بداية الألف الثالث قبل الميلاد، وتزداد هذه المعلومات في الألف الثاني قبل الميلاد64. ومن بين الكوارث المذكورة في "ملحمة غلغامش" ما ناقشته الآلهة حول مسألة الطوفان، حيث ذُكر الطّاعون في العبارة التالية: "بدلً من تسبّبك في الطوفان، كان من الممكن أن يقوم إله الطّاعون ويذبح الأرض"65. ويرد الطاعون في ملحمة الطوفان البابلية أتْرا خَاسِيس البابلية Ḫasīs - Atra من القرن الثامن عشر قبل الميلاد،
حيث تتدخل الآلهة ومنهم إنليل في الحديث عن مصير البشرية، وكان الحديث يدور حول تقليص عدد البشر، وقررت الآلهة استخدام المجاعة ثمّ الجفاف ثمّ الطّاعون لتحقيق هذا الهدف66. وضمن المادة المكتوبة على الطين بالخط المسماري من ممالك بلاد ما بين النهرين كافة، يوجد نحو ثلاثين ألفًا من الألواح الطينية المكتوبة بالمسمارية والمتعلقة بالنواحي الطبية، ومن بينها نحو ألف لوح طيني من مكتبة الملك الآشوري آشوربانيبال (669 - 627 ق. م.) تعود إلى القرن السابع قبل الميلاد، تمّ تصنيفها نصوصًا طبية، وهي تحتوي على تشخيصات وتنبؤات وعلاجات ومكوناتها النباتية والمعدنية، وتشكّل جزءًا من التقاليد الطبية السومرية والبابلية، وتعود في أصولها إلى فترات قديمة، قام باستنساخها آشوربانيبال ووضعها في مكتبته67. يُشار إلى الوباء في اللغة الأكادية عادة بمصطلح "يد الإله"، وأحيانًا "يد الإله نيرغال"، أي إن الإله مسؤول عن انتشار ذلك الداء، وفي أحيان أخرى يُستخدم المصطلح Ilīm Ikultu "وَجْبَة أو التهام الآلهة؛ الطّاعون "68. وتتوافر معلومات جيدة عن أسماء الأمراض والأوبئة في بلاد ما بين النهرين من المدونات المسمارية69. وتذكر هذه الوثائق مجموعة من المصطلحات للدلالة على الأوبئة، وعادة ما تفهم أنّها مرض مُعدٍ، وتترجمها اللغات الأجنبية ومنها الإنكليزية عادة ب Plague , Epidemic. وقد ذكرنا أنّ في إسقاط المصطلحات الطبية الحديثة عليها صعوبةً. وعادة ما يفهم تحت المصطلح Mūtānu الطّاعون70. ومن المصطلحات الشائعة للإشارة إلى الوباء أو الطّاعون في الأكادية اللفظ شِبْطُو Šibṭu وكذلك اللفظ Šuruppu71. ب. الأوبئة في بلاد السومريين ضرب الطّاعون جنوب بلاد ما بين النهرين في العصر البابلي القديم وتحديدًا مدينة لارسا. هناك وثيقة كتبت باللغة السومرية من مدينة لارسا جنوب العراق تصف حالة وباء ضرب المدينة نحو 1780 ق. م. ويخبرنا بذلك أحد الملوك السومريين ويدعى سين-إدِّنام iddinam - Sîn (نحو 1792 - 1750 ق. م.)، حيث يتقدّم بصلاة إلى الإله أوتو (شماش)، ويصف الوباء في صلاته ويتوسل إلى الإله شماش لإنهاء الوباء الذي ابتليت به مدينته لارسا منذ سبع سنوات. ويصف الملك مدينته بأنّ فيها شوارع واسعة، والآن فارغة وصامتة. ويصف الملك نفسه بأنّه "رجل صالح". وعلى عكس أعدائه فإنّه يحترم الآلهة ويؤدي الشعائر الدينية. ويتوسّل ويقول: "لا أفهم لماذا ضربه الإله شماش، إله العدل بهذا الوباء"72.
ج. الأوبئة في مدينة ماري لدينا مادة مهمة عن الأوبئة من أرشيف مدينة ماري (تل الحريري) على نهر الفرات إلى الغرب من البوكمال في سورية، وهي حاضرة الدولة الأمورية في القرن الثامن عشر قبل الميلاد ويُطلق على وباء مدينة ماري في أرشيف ماري اسم "يد الإله" أو "موتانو" أو "التِهام الإله"73. وتخبرنا رسائل عديدة بعثها إلى الملوك موظفون في الدولة الأمورية، خلال القرن الثامن عشر قبل الميلاد، عن مدى إدراكهم خطر انتشار الأوبئة، وعن تركيزهم على الحجر الصحي المنظّم في كل القرى والمدن المتضررة بذلك. وكشفت هذه الرسائل الملكية من ماري عن وباءين قاتلين على الأقل، كانا قد ضربا مناطق أعالي الفرات خلال عهد الملك يَسْمَخ-دُّو (نحو أَ1795 - 1775 ق. م.)، وزيمري ليم (نحو 1775 - 1760 ق. م).74. وتسجل رسالتان من شخص يدعى لاوم إلى يَسْمَخ -دُّو علامات الوباء، وفي إحداهما يَرد: "حول 'التهام أَ الإله' [...] مدينة تُوتُول، هاجمها الوباء [...] أمَّا في مدينة دَنُّوم [...] كوم من الجُثث، وفي غضون يومين، مات نحو 20 شخصًا. هَجرها أهلها، الدَنُيّون هربوا إلى جبل لَسْقُم، وفيما يخص مدينة ماري نفسها فهي آمنة. الأرض آمنة"75. كما ورد في رسالة أخرى من ماري: "في مدينة تُوتُول هناك وباء ولكن عدد الموتى قليل. أعطيت 20 قاربًا صغيرًا للشروع في إجلاء المصابين بالوباء. ثم أدركت أنّ عدد المصابين الموجودين بينهم كبير جدًا. وأدركت عدم قدرة تلك القوارب الصغيرة على إجلائهم، لذلك أعطيتهم زورقين كبيرين من أجل إجلائهم"76. وفي مدينة ماري يصف مسؤول كبير الوضع للملك كالتالي: "الإله ينشر العدوى في 'المنطقة العليا'، ومررت هناك على عجَل. وأُوصي بالتالي: يجب أنْ يُعطي سيدي الأوامر، أنّه يجب على سكان أي مدينة مصابة بالوباء عدم الدخول إلى المدن غير المصابة. أخشى أن يصيبوا 'البلاد' كلها. وهناك خطّة لسيدي (الملك) للتحرك إلى المنطقة العليا، يجب أنْ يتوقف سيدي (الملك) في (مدينة) تِرْقا، ويجب عليه ألا ينتقل إلى (مدينة) سَاغَاراتوم، الأرض مصابة"77. ورسالة أخرى يخبر فيها الملك الأموري زوجته بشأن امرأة من نساء القصر أصابها وباء: "لقد سمعت أنّ (المرأة المُسمّاة) نَانَا مصابة بعدوى (سيموم)، وبما أنّها كثيرًا ما تكون في القصر، فإنّها ستنقل العدوى إلى العديد من النساء هناك. الآن أُصدر أوامر صارمة: لا يشرب أحد من الكأس التي تستخدمها، لا يجلس أحد على المقعد الذي تجلس عليه، لا يستلقي أحد على السرير الذي تنام عليه، لئلا يصيب الوباء العديد من النساء اللواتي معها في القصر. هذا وباء مُعد جدًا"!78.
د. أوبئة الدولة الآشورية بناء على طلب الملك الآشوري أسرحدون (680 - 669 ق. م.)، كان على الناس ممارسة طقوس خاصة لتجنب تفشي الوباء: "فيما يتعلق بالطقوس التي كتب لنا الملك من أجلها. في شهر كسلول مارسنا (الطقوس الخاصة): 'لإبعاد' الملاريا و'الطّاعون والوباء عن بيوتنا'". وتخبرنا إحدى الرسائل الأشورية: "هناك [...] مخيّم خارج مدينة ربلَة، المنكوبة بالطّاعون [...] كما تمّ رصد المجموعات التي أصابتها العدوى التي تتخلل أخبار هذا اليوم خاصة في الجيش"79. والسؤال: كيف تعاملت شعوب المنطقة مع الأوبئة؟ لقد تعاملت معها عمومًا على أنّها مثل كل الأمراض الأخرى، وذلك على الرغم من معرفتها في كثير من الأحيان بأنّها أمراض معدية، وأنّها تعود إلى الغضب الإلهي. وقد استخدمت شعوب المنطقة عمومًا الحجر الصحي80. وكان للعلاجات علاقة بممارسة الطقوس الدينية والكهانة وعلم الفلك. وبالنسبة إلى الكواكب، كان المريخ ذا أهمية خاصة في بلاد ما بين النهرين؛ فقد ربط علم الفلك البابلي المريخ بالوباء، وجرى تفسير أحد أسماء المريخ على أنّه "مُشْتبَّو مُوتانا" Muštabarrû Mūtāna "الذي يُشيِر إلِى الطّاعون"81. لا نجد، في المجموعات الكبيرة من النصوص الطبية المسمارية شيئًا مباشرًا عن ممارسات الأطباء ضد الأوبئة. ومع ذلك، فإن طرد الأرواح الشريرة كان شائعًا، وجرت ممارسة الطقوس لتجنب تفشي الأوبئة. وسعى العرافون للتنبؤ بحدوثها بقراءة رسائل الفأل في الطبيعة أو في أكباد الخراف82. وتذكر إحدى الرسائل الموجهة إلى الملك الأشوري أسرحدون بأنّ الرياح الشمالية قد حملت وباء من نيرغال83. كانت شعوب بلاد ما بين النهرين تُرجع الأمراض إلى غضب الآلهة أو مسّ الشيطان أو السحر أو الشعوذة. واعتمد البابليون على مواد طبية كثيرة للعلاج منها 120 دواءً معدنيًا، وضعف هذا العدد أدوية من النباتات، ويرافقها دهون متنوعة من زيوت وعسل وشمع وحليب. واستخدمت كذلك مواد مختلفة في تحضير الضمادات للجروح؛ منها النبيذ والملح والزيت والبيرة وشجر العرعر والطين. وهناك شخصان أساسيان يتعاونان في علاج الأمراض: العراف أو أشيبو Ashipu وهو متخصص في العرافة، ويقوم بمهمة الكاهن، وكان يؤدي التعاويذ وطرد الأرواح الشريرة، ولدينا تعاويذ وتمائم من بلاد ما بين النهرين مخصصة لحماية البيوت من الأوبئة84، والآخر هو الطبيب، ويسمّى آسو Asū، ومن هنا دخلت الكلمة العربية "الآسي" بمعنى الطبيب، وكان آسو يستخدم الأدوية وعمل الضمادات والجراحة. وكان على الطبيب الذي يمارس مهنته رسميًا أنْ يؤدي قسم اليمين والولاء لمهنته في المحكمة85.
وتعتبر الإلهة غولا Gula ذات أهمية خاصة في بلاد ما بين النهرين، إلهة للسلامة والشفاء، وكان حيوانها المقدس الكلب، ونجد ذلك مرافقًا لها في الرسوم والمنحوتات، ويعتقد أن لعاب الكلب كان يستخدم في شفاء بعض الأمراض الجلدية86. وكان نِرْغال إله الطّاعون في بلاد الرافدين، وفي الأصل كان هناك إلهان متميزان، هما نِرْغال وإيرا، اندمجا مع مرور الوقت في شخصية الإله نِرْغال الذي كان يتحكم في حرائق الغابات والحمّى والأوبئة. وأمّا رسول الإله نِرْغال فكان يسمّى نمارتو Namtaru وهو "شيطان الطّاعون"87.
2. أوبئة بلاد الشام
لدينا معلومات مهمّة عن الأوبئة في بلاد الشام في الألف الثاني والأول قبل الميلاد88. ومنها ما تمّ العثور عليه في أوغاريت الواقعة على الساحل السوري قرب اللاذقية، وهي تعود إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد89. وتعتبر رسائل تل العمارنة من أهم المصادر لدراسة تاريخ الأوبئة في بلاد الشام، وهذه الرسائل مكتوبة باللغة الأكادية، لغة التواصل الدولي في ذلك الزمن، وتعود إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الرسائل قام بإرسالها ملوك بابل والحثِّيِيّن وقبرص، والأمراء المحليون من بلاد الشام إلى كل من الفرعون المصري أمنحوتب الثالث (نحو 1390 - 1353 ق. م.) وأمنحوتب الرابع المسمى أخناتون (1353 - 1336 ق. م.)، وعدد هذه الرسائل يبلغ نحو 400 رسالة، وجدت في عاصمة أخناتون تل العمارنة في صعيد مصر. ولدينا أربع من رسائل تل العمارنة تخبرنا بأنّ الوباء (الطّاعون) قد اجتاح بلاد كنعان90. ويسجّل العهد القديم الأوبئة التي ألقى بها الرب يهوه على مصر الفرعونية والتي تسمى بالأوبئة المصرية91. وفي إحدى رسائل تل العمارنة، يخبرنا ملك ألاشيا (قبرص) عن سبب صغر كمية النحاس التي أرسلها إلى الفرعون المصري بقوله: "هي هنا يد الإله نِرْغال (وباء) الآن في بلدي، هو يقتل كل رجال بلادي، ولا يوجد عامل نحاس واحد"92. وفي رسالة أرسلها رِبْ أدّا ملك مدينة بيبلوس (جبيل) في لبنان، يقول فيها: "لن أسمح للرجال من مدينة صَمُور بالدخول إلى مدينتي، هناك وباء في مدينة صَمُور"93. وفي رسالة أخرى يرسلها أمير منطقة أمُورّو إلى الفرعون المصري يقول فيها: "ليس لدينا ما نأكله، عندنا مجاعة، أرسل إلينا قمحًا بسرعة"94.
وفي رسالة أرسلها بريديًا حاكم مدينة مَجِدُّو في شمال فلسطين الواقعة قرب حيفا إلى الفرعون المصري أخناتون (1353 - 1336 ق. م). المقيم في عاصمته تل العمارنة طلب فيها مساعدة: "انظر؛ المدينة يلتهمها الوباء"95. وأمّا إله الطّاعون والسلامة عند الكنعانيين والذي يرد في هذه الرسائل فكان يسمى الإله ريشف، ويقابل الإله نِرْغال96.
3 ي. الأوبئة ف مصر القديمة
كان معظم الأوبئة المذكورة سابقًا معروفًا في مصر القديمة. وتشتمل المصادر المصرية على معلومات مهمة عن الأمراض والأوبئة في مصر. ويظهر أقدم دليل مكتوب عن الطب في ورق البردي من الألف الثاني، ومنها بردية إيبرس (نحو 1550 ق. م.) وهي وثيقة طبية رئيسة، يبلغ طولها أكثر من عشرين مترًا، وتذكر الوثيقة عشرات الأمراض ووصفات لعلاجها بما في ذلك التعاويذ والتمائم97. واستخدمت الطرق الحديثة لدراسة الطب في مصر القديمة، فمن خلال تحليل الحمض النووي لمومياوات مصرية من أواخر العصر البرونزي المتأخر (1300 - 1200 ق. م.) تمّ الكشف عن الكثير من حالات الإصابة بالملاريا التي شملت العديد من أفراد الطبقة الحاكمة؛ ما يشير إلى انتشار واسع لهذا الوباء في مصر. ومع ذلك، فإنّ الانتشار الدقيق للملاريا في العصور القديمة في الشرق الأدنى القديم، ودوره في التحولات الثقافية والسياسية في نهاية العصر البرونزي المتأخر، لا يزالان في حاجة إلى كثير من البحث98. وتوثّق رسائل تل العمارنة انتشار الأوبئة في الشرق الأدنى القديم وبلاد الحثِّيِيّن ومصر. ووفقًا للرسالة 11 EA من رسائل تل العمارنة، والتي أرسلها الملك البابلي بورنابورياش الثاني (1359 - 1333 ق. م). Burnaburiash إلى الفرعون المصري أمنحوتب الرابع (أخناتون) (1353 - 1336 ق. م.)، فإنّ أخناتون كان قد أعلم الملك البابلي بأنّ زوجة أبيه أمنحوتب الثالث (نحو 1390 - 1353 ق. م.) قد توفيت بالوباء، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المرأة البابلية التي كان قد أرسلها الملك البابلي إلى أمنحوتب الثالث ضمن علاقات الزواج الملكي، ويفهم من الرسالة أنّ أخناتون يطلب من الملك البابلي بورنابورياش أنْ يرسل إليه امرأة بابلية كي يتزوجها99. وعادة الزواج بين الأسر الملكية معروفة في الشرق القديم100. وتذكر المصادر المصرية استخدام السحر في العلاجات الطبية على نحو واسع. ومن ضمنها التوصية بالتمائم، وعادة ما اشتملت العلاجات على التعاويذ والأدعية، وتخبرنا بردية إيبرس عن 15 مرضًا باطنيًا، و 29 من أمراض العيون، و 18 من الأمراض الجلدية، وتسرد لنا البردية ما لا يقل عن 21 علاجًا للسعال. ويشار إلى نحو 700 دواء و 800 خلطة دواء، معظمها أعشاب، وكذلك علاجات مصنوعة من المعادن، وأخرى متخذة من الحيوانات. واعتمد الطب المصري كما هو الحال في بلاد ما بين النهرين كثيرًا على الأدوية المصنعة من
النباتات ومنها المُرّ، واللبان والسنا وزيت الخروع وغيرها، وكانت الصلوات والتعاويذ والوصفات السحرية ترافق العلاجات101. وتجدر الإشارة إلى أنّ المعبودة المصرية القديمة سخميت Sekhmet كانت إلهة للسلامة والطّاعون102.
4. الأوبئة يف الإمبراطورية الحثِّيَّة
وتتوافر معلومات مهمّة عن الأوبئة في الدولة الحثِّيَّة التي كانت قد تمركزت في آسيا الصغرى في النصف الثاني من الألف الثاني قبل الميلاد، من الكتابات الحثِّيَّة نفسها وخاصة الصلوات، إضافة إلى رسائل تل العمارنة103. وبطبيعة الحال، ما لي سنوات الجفاف هو المجاعة وعادةً الأوبئة. وكانت بين الملك الحثِّي والفرعون المصري مراسلات حول شحنات الحبوب العاجلة إلى حتوشا، كما ورد في رسائل تل العمارنة104. ولعل أهم المعلومات التي وصلتنا هي تلك الصلوات باللغة الحثِّيَّة وبالخط المسماري، والتي قام بها الملوك الحثِيّون للتخلص من الأوبئة أو للحماية منها. ونشير هنا إلى بعضها، ففي صلاة من الملك الح ثِّي مورس لي الثاني (نحو 1318 - 1290 ق. م). II Mursili يبتهل فيها ويستغيث بإله العاصفة الحثِّي، ويقول: "يا ربي، ويا آلهة بلاد الحثِّيِيّن، يا سادة، أنا مورس لي عبدك، ها أنا أتكلم وأبتهل لك قائلً: يا إله العاصفة في بلاد الحثِّيِيّن وأيتها الآلهة السادة: ما هذا الذي فعلتموه؟ لقد تركتم الطّاعون يجتاح بلاد الحثِّيِيّن". لقد تعرضت بلاد الحثِّيِيّن لقمع شديد بسبب الطّاعون. وفي صلاة ثانية، يَرد أنّ الآلهة الحثِيّة قد سمحت لهذا الوباء الرهيب بالسيطرة على البلاد، وفي صلاته الثالثة، يتوسل الملك ويستغيث بالآلهة لوضع حد للوباء: "لقد سمحت الآلهة للوباء بأن يضرب بلاد الحثِّيِيّن، وأن تتعرض بلاد الحثِّيِيّن للضرب المبرح من الطّاعون، هذه هي السنة العشرون التي يعيش فيها الناس تحت وطأة الطّاعون، لقد مات الناس في بلاد الحثِّيِيّن". ويتهم مورس لي الثاني والده بالمسؤولية عن الطّاعون ويقول إنّ خطيئته أثارت غضب الآلهة علينا105.
5 ي. الأوبئة ف شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام
منذ بداية الألف الأول قبل الميلاد، جرى الكشف، في جنوب غرب الجزيرة العربية وخاصة في اليمن، عن آلاف النقوش مكتوبة بخط المسند على المواد الصلبة كالحجر والبرونز. وحديثًا جرى الكشف عن نقوش مكتوبة بخط نسخي يُسمى خط الزبور على الخشب وخاصة عسيب النخل. واتفق العلماء على تسمية لغتها بالعربية الجنوبية تمييزًا لها من العربية الشمالية ومنها السبئية والمعينية والقتبانية106. وتشكّل هذه الكتابات المادة الأساسية لدراسة حضارة المنطقة. وتخبرنا النقوش العربية الجنوبية عن العديد من الأوبئة التي كانت قد اكتسحت البلاد وفتكت بالكثير من الناس في زمن ما بين القرن الثاني إلى القرن السادس الميلاديين107. وهناك أكثر من مئة نقش سبئي من نقوش التقدمات والقرابين، وخاصة التي اكتشفت في معبد أوام أو محرم بلقيس الواقع بالقرب من مدينة مأرب شرق
اليمن. وتذكر النقوش الأمراض والأوبئة، وتشير إلى الذين قدّموا قرابين للآلهة بعد سلامتهم من مرض أو من وباء معين. وكانت هذه القرابين قد قدّمت شكرًا لشفائهم من تلك الأمراض. ويذكرون تلك الأمراض أو الأوبئة بالاسم، ومن أسماء الأوبئة "عوس" و"موت" و"خبط" و"خمط"، وهي ترد في النقوش السبئية بمعنى الطّاعون الدبلي108. ويرد اللفظ "عوس" للدلالة على جائحة جستنيان والتي وصلت اليمن في عام 549 م، ونعرف ذلك من خلال نقش الملك الحبشي أبرهة والذي وضعه في احتفالية إعادة ترميم سد مأرب في ذلك العام، وعثر عليه في منطقة السد، وذكر فيه أعمال الترميم ومن ضمنها الوضع الصحي: "وعندما بدؤوا في إعادة ترميم السد انتشر الوباء والطّاعون بين القبائل في المدينة (مأرب)"، ثمّ يضيف النقش: "وعندما رأى (الملك أبرهة) أن الوباء قد انتشر سريعًا بين القبائل، أذِن لأتباعه من الأحباش والحميريين بالذهاب (إلى بيوتهم) بعد أن كان قد أذن بذلك للقبائل"109. وفي نقش سبئي آخر تم الكشف عنه قبل فترة وجيزة في معبد أوام أو محرم بلقيس، يتحدث عن أخوين قدّما قربانًا للإله السبئي ألمقَه، بمناسبة شفاء والدهما من وباء يسميه النقش "عررن" ويعني الجرب، وهذا اللفظ معروف بالعربية، والعَرُّ: الجرَب، عرَّتْ الإبلُ تَعرُّ: أصابها الجرب110. ويمكن تأريخ هذا النقش بنهاية القرن الثاني الميلادي؛ ما يدل هنا على أن ما يسمى جائحة الطّاعون الأنطونيني قد امتدت إلى اليمن111. وعندنا من هذه الفترة عدة نقوش تتحدث عن الأوبئة. وتذكر المصادر العربية أن العديد من الأوبئة والأمراض كانت موجودة في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، وأن بعضها كان متوطنًا مثل الملاريا والتراخوما والسل والجذام وأمراض معدية أخرى112. ويذكر المؤرخ والجغرافي اليوناني سترابو (63 - 23 ق. م). Strabo بعض المعلومات عن الوضع الصحي في شبه الجزيرة العربية، والذي أرّخ لهذه الحملة إليوس جالوس Gallus Aelius. ووصف لنا سترابو حملة القائد الروماني إليوس جالوس، الذي كان قد غزا البلاد العربية السعيدة في عام 26 / 25 ق. م. ووصل إلى مأرب العاصمة السبئية ولم يتمكّن من دخولها بسبب انتشار الطّاعون في الجيش الروماني113. ويذكر سترابو أيضًا مسار حملته العسكرية التي انطلقت من مصر عبر البحر الأحمر، وحطت في البداية في الميناء النبطي لويكي كومي Come Leuce على البحر الأحمر، حيث يصف نوعين من الأمراض كانا منتشرين بين الناس، الأول يسمّى Stomakake، ويصفه بأنه نوع من الشلل حول الفم، والثاني Sceletyrbe وهو شلل يصيب الساقين، ويذكر سترابو أن إليوس جالوس كان مجبرًا على أن يقضي موسم الصيف والشتاء في انتظار شفاء المرضى من جيشه114.
وكان الجدري والحصبة من الأمراض المعروفة في شبه الجزيرة العربية قبيل الإسلام. وتروي المصادر العربية قصة أبرهة الحبشي، حيث توجّه (في عام الفيل) إلى الكعبة وأراد هدمها ليمنع العرب من الحج إليها، وكان قد توجه بجيش جرار لغزو مكة، واصطحب معه فِيلة، وفي اليوم الثاني من وصول أبرهة انتشر في جند أبرهة داء الجدري والحصبة، وتصف المصادر العربية ذلك، وتقول إنه كان وباءَ الجدري، وإنّ هذا الوباء كان له حينئذ أوّل ظهور في بلاد العرب. ويذكر ابن هشام: "فخرجوا يتساقطون بكل طريق، ويهلكون بكل مهلك على كل منهل، وأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم تسقط (أنامله) أنملةً أنملةً، كلما سقطت أنملة أتبعتها منه مدة تمث قيحًا ودمًا، حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، فيما يزعمون. قال ابن إسحاق: حدثني يعقوب بن عتبة أنه حدث: أن أول ما رئيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام"115. ولعل سورة الفيل في القرآن الكريم تعطينا وصفًا لجيش أبرهة ولتأثيرات الوباء الذي فتك بهم.
ثالثًا: بعض الجوائح الرئيسة عبر التاريخ
يقسّم كثير من العلماء الجوائح الرئيسة (ما قبل جائحة فيروس كورونا) إلى ثلاث جوائح؛ تبدأ بطاعون جستنيان (والبعض يضع وباء أثينا والطّاعون الأنطونيني ضمن هذه الجوائح)، ثم يأتي طاعون الموت الأسود (1346 - 1353 م)، والذي راح ضحيته نحو خمسة وعشرين مليون شخص، ويقدر البعضُ العددَ بنحو ثلث سكان أوروبا وأن هذه القارة كانت في حاجة إلى نحو مئتي عام حتى تسترجع وضعها الديموغرافي الطبيعي، وكان هذا الطّاعون قد ضرب أنحاء المشرق العربي كافة، ووصفه الكثير من المؤرخين العرب116، وثالثًا أوبئة القرن التاسع عشر بما فيها الطّاعون والجدري والكوليرا117. في هذه الدراسة سنكتفي بالإشارة إلى الطّاعون الأنطونيني وطاعون جستنيان وارتداداته الزمنية، بما فيها طاعون عمواس وطاعون اليمن أيام الملك أبرهة الحبشي118. اندلع وباءان رئيسان في الإمبراطورية الرومانية قبل وباء جستنيان: الطّاعون الأنطونيني (166 - 190 م) ووباء قبريانوس (251 - 270 م) Cyprian. في الحالة الأولى، تشير التسمية إلى اسم الإمبراطور الذي اندلعت في زمنه الجائحة، وفي الحالة الثانية اتّخذت الجائحة اسم قبريانوس (نحو 258 م)، وهو اسم المؤلف الذي سجّل معظم ما نعرفه عن تلك الجائحة، وهو أسقف قرطاج.119Thascius Caecilius Cyprianus المعروف قبريانوس القرطاجي
1. الوباء الأنطونيني
هذا الوباء معروف في الكثير من الدراسات بأنه الطّاعون الأنطونيني Plague Antonine وهو وباء قاتل، ويصفه البعض بأنه جائحة ضربت الإمبراطورية الرومانية في نهاية السلالة الأنطونينية في الفترة 166 - 190 م، وجاءت هذه الجائحة إلى الإمبراطورية
الرومانية عن طريق الجنود الرومان العائدين من الشرق الأدنى خلال عهد الإمبراطور ماركوس أوريليوس (161 - 180 م) Marcus Aurelius، وخلفه كومودوس (180 - 192 م) Commodus. وتتفق المصادر على أن هذا الوباء ظهر أول مرة خلال فترة الحصار الروماني لمدينة سلوقية في العراق في شتاء عام 165 / 166 م. وكانت تلك القوات الرومانية التي قاتلت البارثيين في العام نفسه هي التي قد جلبت معها الوباء إلى منطقة أرمينيا ثمّ وصل هذا الوباء القاتل إلى روما. وخلال الخمسة عشر عامًا اللاحقة إلى نحو عشرين عامًا، اجتاح هذا الوباء الكثير من أنحاء الإمبراطورية الرومانية، وأودى بحياة كثير من البشر، ومنهم الإمبراطوران لوسيوس فيروس (161 - 169 م) Verus Lucius، وماركوس أوريليوس Aurelius Marcus120. هذا الوباء المعروف باسم الطّاعون الأنطونيني، هو في حقيقة الأمر ليس طاعونًا، أي ليس هو الطّاعون الدبلي، وهو أول وباء موثق على نحو جيّد، وذكره عدد من المصادر اليونانية واللاتينية، وشخّصه العلماء على أنّه الجدري. وبحسب التشخيص الذي يقدمه الطبيب الروماني المشهور جالينوس، يظهر أنّه ربما كان شكلً من أشكال الجدري121. لكن بعض العلماء الذين يقرؤون الرواية نفسها، يعتقدون أنّه كان الجمرة الخبيثة أو الحصبة. تعتمد مشكلات تشخيص نوع هذا الوباء على تحليلات جالينوس الذي فسّ هذا الوباء بتأثير تشخيص المؤرخ ثيوسيديدس Thucydides لوباء أثينا122. وكان الإمبراطوران ماركوس أوريليوس ولوسيوس فيروس قد حشدا بالفعل قوات مهمة في شمال إيطاليا، لمواجهة تهديدات ما يسمى هجمات الشعوب البربرية في المناطق الدانوبية، وأدى هذا بدوره إلى تضرر الجنود وإصابتهم بهذا الوباء، خلال شتاء عام 168 / 169 م. وهذا ما دعا الأباطرة إلى استدعاء العديد من الأطباء، بمن فيهم جالينوس، الذي بقي في إيطاليا خلال فترة تفشي الوباء، وكان واحدًا من أهم الأطباء في البلاط الإمبراطوري. وتقول التقديرات إنّ هذا الوباء قتل ما يصل إلى ثلث السكان أو ربعهم في بعض المناطق المنكوبة في شرق المتوسط والبلقان، في الفترة 165 - 180 م، أي نحو ما مجموعه خمسة ملايين شخص تقريبًا. وبحسب ما ورد في المصادر، مات نحو خمسة آلاف شخص يوميًا في روما في أوج الهجمة، وكان الارتداد للهجمة الوبائية ما بين عامي 211 و 266 م123. ويؤكّد المؤرخ الروماني كاسيوس ديو (155 - 235 م) Dio Cassius أنّ الوباء الأنطونيني تسبب في تدمير الجيش الروماني، ووفاة ما يصل إلى ألفي حالة يوميًا124. كان للوباء الأنطونيني ارتدادات كثيرة؛ فقد حدث وباء آخر في عهد ديكيوس (249 - 251 م) Decius، وعهد غالوس (251 - 253 م) Gallus. واندلع هذا الوباء في مصر (251 م)، ومن ثمّ اجتاح الإمبراطورية الرومانية بأكملها، وأدّى ارتفاع معدل الوفيات فيها إلى استنزاف صفوف الجيش الروماني، وتسبب في نقص كبير في العمالة الزراعية وغيرها. كان الوباء لا يزال مستعرًا في عام 270 م، وتسبب في وفاة الإمبراطور كلوديوس غوثيكوس (268 - 270 م) Gothicus Claudius125.
2. طاعون جستنيان
سُميت هذه الجائحة بطاعون جستنيان نسبةً إلى الإمبراطور البيزنطي جستنيان الأول، كما ذكرنا، ويصنّف معظم العلماء هذه الجائحة بأنّها الأولى في التاريخ. وبعد القرن الثالث الميلادي لا يوجد توثيق دقيق عن الأوبئة حتى طاعون جستنيان. وكان أول اندلاع لهذا الطّاعون الدبلي عام 541 م. وكان هذا الطّاعون قد ضرب أركان الإمبراطورية البيزنطية وهزّ كيانها. يتسبب في هذا الطّاعون بكتيريا تسمّى Pestis Yersinia، وهو أكثر الجوائح فتكًا بالبشرية عبر التاريخ126. وقد استمرت ارتداداته إلى نحو 750 م127. وتنتقل عدوى الطّاعون الدبلي عن طريق البراغيث المصابة، وهي تصيب البشر عن طريق الفئران الحاملة للعدوى. يقتل الطّاعون الدبلي ما يصل إلى ثلثي المصابين بسرعة. وهناك نوعان آخران من الأشكال المميتة: تسمم الدم والأكثر فتكًا على الإطلاق، الطّاعون الرئوي، الذي لا يحتاج حتى إلى ناقلات الحشرات، فهو ينتشر من شخص إلى آخر مباشرة عن طريق التنفس، وتظهر آثاره على الهياكل العظمية128. ولا يعرف بالضبط منشأ طاعون جستنيان، ويعتقد البعض أنّه بدأ في أواسط آسيا وانتقل عبر التجارة، وخاصة عبر طريق الحرير في اتجاه الغرب129. ويعتقد بعض الباحثين أنّ أصل الطّاعون من شرق أفريقيا، وكان قد تركّز في إثيوبيا ثم انتقل إلى وادي النيل، ومن مصر انتقل إلى بلاد الشام حتى وصل القسطنطينية، ومنها انتشر في عالم البحر الأبيض المتوسط وأوروبا130. يخبرنا المؤرخ السرياني يوحنا الأفسسي (507 - 589 م) Ephesus of John، وهو مؤرخ كنسي، أنّ طاعون جستنيان قد وصل مدينة غزة في الربع الأخير من عام 541 م. ثم انتشر هذا الطّاعون شمالً، إلى المدن الساحلية إلى عسقلان وأسدود وواصل زحفه شمال131. وفي بداية عام 542 م، كانت رواية معاصرة تصف لنا انسحاب ناسك مسيحي من مدينة القدس إلى التلال المحيطة بها، هروبًا مما أسماه "الفناء الأكبر والموت الأفظع"132. وفي عام 542 م، أغار جنود الملك الفارسي خسرو على مدينة أنطاكية ونهبوها وأخلوها من سكانها. وفي العام نفسه، وصف هجوم الطاعون بصيغة بلاغية "أغار عليها جيش من الطّاعون"، وقد اجتاح كل المنطقة. وفي مدينة أنطاكية، أصيب الناس بمرض في الفخذ والإبط وكانوا يحتضرون133. وكان انتقال هذا الوباء قد ازداد عبر التجارة البرية والبحرية. وكان قد انتشر سريعًا بسبب التجارة البحرية والتي تعني أيضًا "تبادلً للعدوى إضافة إلى البضائع"، ويوصف بأنه قد كان وحشيًا على نحو خاص في المدن الساحلية في شرق المتوسط. وكانت حملات
جستنيان العسكرية مصدرًا آخر لتوسع الطّاعون. وبسبب تلك الحملات العسكرية انتشر الوباء سريعًا من آسيا الصغرى إلى أفريقيا وإلى إيطاليا ثم إلى غرب أوروبا134. بعد عامين من اندلاع هذا الطّاعون الدبلي، الذي بدأ في عام 541 م، ضرب القسطنطينية، وقضى على نحو ربع سكان شرق البحر الأبيض المتوسط في مجزرة شنيعة. وقبل أن ينتشر إلى أوروبا الغربية ويعود مرات عدة في حركات ارتدادية أشبه بالزلازل إلى منطقة البحر الأبيض المتوسط خلال القرنين التاليين، ساد الذعر والفوضى في حياة مجتمعات المنطقة، وينعكس هذا في بعض الكتابات التاريخية135. كتب المؤرخ بروكوبيوس القيساري (نحو 500 - 565 م) Caesarensis Procopius أن الموت قد ساد أثناء طاعون جستنيان في شوارع القسطنطينية، والآن استمر المرض في بيزنطة في هجمته هذه أكثر من أربعة أشهر، ووصل عدد الذين يموتون كل يوم إلى عشرة آلاف شخص، وليس هناك مكان لدفن الجثث، والفوضى والارتباك والفقر في كل مكان. حينما انتهت نوبة الطّاعون هذه، كان الكثير من سكان المدينة قد ماتوا136.
3. طاعون عمواس
تقع بلدة عَمْواس (وتقرأ أيضًا عِمْواس) إلى الغرب من مدينة القدس على الطريق إلى يافا137. وتوصف في كتب التاريخ العربي بأنها أرض الأردن وفلسطين عام ثمانية عشر للهجرة، ويُعتبر طاعون عمواس من الحركات الارتدادية لطاعون جستنيان138. وعرف عام 18 ه/ 639 م في التاريخ الإسلامي بطاعون عمواس الذي مات فيه يزيد بن أبى سفيان والي دمشق فخلفه أخوه معاوية، كما مات فيه الصحابي أبو عبيدة عامر بن الجراح، ومات في هذا الطّاعون نحو خمسة وعشرين ألفًا139. ووصف ياقوت الحموي عمواس بأنّها: "ضيعة جليلة على ستة أميال من الرملة على طريق بيت المقدس، ومنها كان ابتداء الطّاعون في أيام عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ثم فشا في أرض الشام فمات فيه خلق كثير لا يحصى من الصحابة، رضي الله عنهم، ومن غيرهم"140. ولما كان طاعون عمواس، خطب عمرو بن العاص فى الناس، وقال: "يا أيها الناس إنّ هذا الطّاعون قد ظهر، وإنّما هو وخز من الشياطين فَفرُّوا مِنْهُ في الشعاب". وَبلغ معاذ بن جبل فأنكر عليه هذا القول فما لبث أنْ مات فيه. وكانت العرب تؤرخ بالطواعين ومنها تواريخ كطاعون عمواس وطاعون العذارى وطاعون الأشراف. وكانت العرب تسمي الطّاعون رماح الجنّ، وجاء فى الحديث
الشريف: "إنّه وخز أعدائكم من الجنّ"141. ويدلنا الحديث النبوي كيف تعامل العرب مع الطاعون، فقد جاء في الحديث النبوي الذي اعتمد عليه المسلمون أنّ رَسول اللَّه صلَّ اللهُ علَيْهِوسلَّم قَال: "إِذَا وقعَ الطَّاعُون بِأرْضٍ فلَا تَدْخلُوهَا، وإَِذَا وقعَ وأَنْتُمْ بِهَا فلَا تَخْرجُوا مِنْهَا"142.
رابعًا: أوبئة غيّت مسار التاريخ: التأثيرات الاقتصادية والاجتمعية للأوبئة
في البداية، تجدر الإشارة إلى أن جائحة جستنيان، وما كان لها من تأثير في البنية الاقتصادية ومجتمعات شرق المتوسط وإيران، أدّت إلى انتشار المجاعات والجفاف في كثير من أنحاء المنطقة143. ولعل هذا الأمر قد سهّل "الفتوحات الإسلامية" وسمح لها بالانتصار السريع والسيطرة على تلك المنطقة، حيث كانت بنية الدولة الساسانية والبيزنطية مهلهلة، وقواها العسكرية ضعيفة، بسبب ارتدادات جائحة جستنيان. وعلى الرغم من وصول هذه الجائحة إلى اليمن والحجاز، فإن الوضع كان خفيفًا مقارنة ببلاد الشام والعراق144. سنكتفي في هذه الدراسة، من أجل إيضاح مسألة التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية، بعرض نموذجين فقط. الأول هو ما يسمّى المدن المنسيّة في سورية، وتسمى أحيانًا في الدراسات الأثرية المدن الميّتة، وتقع ضمن الحدود الإدارية لمحافظتَي حلب وإدلب، وتمتد من جبل سمعان جنوب عفرين، وتشمل أجزاء من محافظة إدلب وجبل الزاوية شرق نهر العاصي، وتمتد حتى أفاميا جنوبًا، ومنها مدينة البارة وسرج لِّه وقلب لوزة وقلعة سمعان. وازدهرت نحو 700 قرية ومدينة في سورية منذ القرن الرابع الميلادي، وهجرت في القرن السادس وبداية السابع الميلاديين. وحافظ كثير من مباني هذه البلدات، وشوارعها وكنائسها ومقابرها، على شكله على نحو شبه كامل، ولا يبدو من خلال التحريات الأثرية أنّها قد حرقت أو دمرت بسبب حرب145. وقد اختلف العلماء في بيان سبب ترك أهل هذه البلدات لها. والتحليلات السائدة هي أنّ ذلك يعود إلى أسباب اقتصادية أو الحملات العسكرية الساسانية أو بسبب الفتح الإسلامي، ومنهم من قال إنّ هذه البلدات كانت تعتمد في حياتها على إنتاج الخمر، وأنّ سوق الخمر قد ضربت في شرق المتوسط. وافترض القليل من هؤلاء الباحثين أنّ الأمر يعود إلى وباء أو زلزال. ويبدو أنّ السبب الرئيس كان جائحة جستنيان التي اجتاحت المنطقة ابتداء من 541 م، وكان لها ارتداداتها اللاحقة التي تسببت في هجر هذه البلدات146.
وأمّا النموذج الثاني فهو مثال للأوبئة التي غيّت مسار التاريخ، والذي نعرضه في هذه الدراسة في محاولة لفهم أسباب انهيار حضارات العصر البرونزي الأخير (1300 - 1200 ق. م.) كدراسة حالة. كنّا قد ذكرنا أنّ علماء دراسات الشرق القديم لم يركّزوا على التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، ولم يعيروا علاقة علم الأوبئة بكتابة التاريخ الاهتمام إلا على نحوٍ محدود، ولم يهتم العلماء حتى الآن بالتأثيرات الاقتصادية والاجتماعية للأوبئة في بنية المجتمعات، وما كانت تسببه تلك الأوبئة من تخلخلات سكانية، وما يتعلق بذلك من تأثير شديد في قوى الإنتاج وتعطيلها، وما قد يؤدي بدوره إلى هجرات بشرية. وفي الحصيلة، لا بدّ لنا من دراسة الدور الذي تؤديه هذه التخلخلات الاقتصادية والاجتماعية في انهيار الحضارات أو الأسر الحاكمة والممالك. وعلينا أن نتصور أنّ تأثير الأوبئة في المجتمعات القديمة أو مجتمعات ما قبل العصر الحديث حتى القرن التاسع عشر كان، بالتأكيد، يتجاوز كثيرًا مما نجده في كتب التاريخ. ولعل منهجية دراسة التأثيرات الوبائية في إطار دراسة تاريخية، أثرية، لغوية، طبية، اجتماعية، أنثروبولوجية واقتصادية، ستساعد في فهم مسألة انهيار الحضارات الكبرى في العصر البرونزي المتأخر. شهدت نهاية العصر البرونزي المتأخر (1300 - 1200 ق. م.) انتشارًا واسعًا للأوبئة في أنحاء مختلفة من الشرق الأدنى القديم، وكان لها تأثير كبير في حياة الناس ومجتمعات المنطقة147. وشهدت هذه الفترة انهيار العديد من المراكز الحضارية الكبيرة، التي تخضع أسبابها للنقاش المستمر مند عشرات السنين، فقد انهارت الدولة البابلية والدولة الآشورية والممالك الكنعانية، وانهارت مملكة أوغاريت والإمبراطورية الحثِيّة، وانتهت الإمبراطورية المصرية الحديثة، وانهارت الحضارة الميسينية في شرق المتوسط في هذه الفترة، كما انهار النظام الدولي في الشرق القديم، وانهارت شبكة الطرق التجارية. ولعل القرن الرابع عشر قبل الميلاد، يعدّ من أهم مراحل هذا العصر البرونزي المتأخر حيوية، وتشهد بذلك مراسلات تل العمارنة بين ملوك الشرق القديم، حكام بلاد الشام مع الفراعنة المصريين، وانتهت في نهاية هذا العصر اللغة الأكادية كلغة تواصل دولي في الشرق القديم148. ومنذ عشرات السنين يناقش العلماء أسباب انهيار النظام الدولي وانهيار تلك الحضارات في العصر البرونزي الأخير. وغالبًا ما يوجه إصبع الاتهام، عند معظم الباحثين، إلى مجموعة من الشعوب التي زحفت في اتجاه شرق المتوسط، والتي تسمى شعوب البحر، ومنهم الفلستين والشردن وغيرهم. ويُرجِع معظم الدراسات انهيار الإمبراطورية الحثِيّة ومملكة أوغاريت إلى شعوب البحر. ومن النظريات الحديثة التي ظهرت في السنوات الأخيرة فرضيات التغير المناخي والزلازل. وأرجع بعض العلماء الانهيار إلى اكتشاف الحديد واستخدامه في صناعة السلاح، ومن ثمّ استخدامه من مجموعات معينة للسيطرة على مناطق أخرى، وعن طريقه تمّ إسقاط الإمبراطوريات. ومن أهم الدراسات الحديثة عن الموضوع كتاب إيرك كلين الذي يلخص الدراسات والنظريات السابقة، ويضع تاريخًا دقيقًا لانهيار تلك الحضارات عام 1177 ق. م. وقد أرجع عوامل الانهيار إلى الحروب، وأعطى احتمالً للكوارث الطبيعية وغيرها، ولكنه لم يعط الأوبئة اهتمامًا، بوصفها سببًا رئيسًا لانهيار تلك الحضارات149. ولكنّ دراسة إيرك كلين قد أصبحت الآن تصنّف في الدراسات التقليدية. وقليلون من وظّفوا دراسة تاريخ الأوبئة ودورها في التغيرات التاريخية. ولعل من أهم الإسهامات الجديدة في دراسة علم التاريخ، والنظرية التاريخية وعلم الأوبئة، الدراسة التي قدمها فيليب نُورّي، والتي حسمت، إلى حدّ ما، مسألة انهيار الحضارات الكبرى في الشرق القديم في العصر البرونزي. فبناء
على دراسة نورّي الموثّقة توثيقًا جيدًا، فإنّ الأوبئة قد أدّت الدور الأساس في انهيار هذه الحضارات، وليست الحروب ولا شعوب البحر. وعلى ما يبدو، فات المؤرخين أنّ تلك الأمراض الوبائية المعدية قد تكون هي العامل الأساس في انهيار الحضارات الكبرى في العصر البرونزي المتأخر150. وتفيد الدراسة المتأنّية لما شهده نهاية العصر البرونزي المتأخر في الشرق الأدنى سيطرة قوية للأوبئة التي ازداد هجومها على المنطقة في الفترة المذكورة. وهذه الأوبئة، التي عمّت الشرق القديم وشرق المتوسط، كان لها، بالتأكيد، تأثيراتها الاجتماعية والاقتصادية. وكان لهذه الأوبئة القدرة على الاستمرار فترة طويلة، وهي من الأوبئة الفتاكة والقاتلة والواسعة الانتشار، ولديها قدرات ارتدادية سريعة وكثيرة، وكان قد رافقها تحطيم البنية الزراعية والفلاحية وتحطيم أنظمة الري، إضافة إلى ما رافقها من انتشار للمجاعات كما ورد في رسالة الملك الحثّي إلى الفرعون المصري طالبًا إرسال القمح مثلما سبقت الإشارة إلى ذلك. كذلك، كان الطبيب اليوناني أبقراط في عام 460 ق. م. قد وصف وباء الجدري بأنّه أكثر الأمراض انتشارًا تقريبًا، وبأن تأثيراته دائمًا قاتلة. وهكذا فإن تلك الأوبئة المذكورة سابقًا مرشحة لأن تكون سببًا، وعاملً مركزيًا في إنهاء العصر البرونزي والمراكز الحضارية في الشرق القديم. ويمكن أن تكون المجاعة، أيضًا، سببًا في الهجرات الجماعية التي كانت من سمات العصر البرونزي الأخير، وقد يكون الطاعون من الأوبئة التي سببت حركة شعوب البحر وهجرتهم من أرضهم للبحث عن مناطق جديدة للحصول على الطعام في شرق المتوسط. وما يعرف بوباء الحثيين في هذه الفترة، الذي أنهى الإمبراطورية الحثيّة، يمكن فهمه في هذا السياق. وبهذا، يمكن استنتاج أن هذه الأوبئة هي المسؤولة عن كثير من الأحداث التاريخية الكبرى؛ أي الأحداث التي لها دلالة كافية لتغيير مسار التاريخ، مثل نهاية العصر البرونزي وإنهاء إمبراطوريات العصر البرونزي151. وغالبًا ما يطلق على الفترة ما بين القرن الثاني عشر وبداية القرن العاشر قبل الميلاد، بالفترة المظلمة في الشرق القديم. وفي مصر تسمى الفترة الانتقالية. وكانت الحضارات الكبرى مثل بلاد ما بين النهرين ومصر عندها القدرة على إعادة بنائها الذاتي، بسبب مخزون الذاكرة الثقافية الضخمة152. وقد استمرت الفترة المظلمة نحو مئتي عام حتى استطاعت هذه الحضارات بناء نفسها، أي نحو بداية الألف الأول قبل الميلاد. وبسبب انهيار حضارات العصر البرونزي، حصل خلل في توزيع السكان أدى إلى هجرات وتحركات بشرية، خاصة في شرق المتوسط وبلاد الشام، حيث ظهرت ابتداء من العصر الحديدي، أي بداية الألف الأول قبل الميلاد، تشكيلات وكيانات جديدة على أنقاض حضارات العصر البرونزي، وهي أشبه بممالك المدن، منها ممالك الآراميين والفينيقين والعبرانيين والفلستين والعمونيين والمؤابيين والأدوميين وغيرهم، وفي إطار التحركات البشرية الجديدة ظهرت ممالك عرب الجنوب كالمملكة السبئية.
خاتمة
كشفت هذه الدراسة أنّ البشرية أنّ البشرية عانت عبر التاريخ كثيرًا من الأوبئة والجوائح، وأنها استطاعت أن تتخطّاها وإن كان ذلك أحيانًا بصعوبة بالغة في عصور ما قبل الطب واللقاحات، بحيث استطاعت حضارة العصر الحديث أن تقضي على كثير من الأوبئة أو تحاصرها. من خلال استعراض المادة التاريخية المتعلقة بالجوائح والأوبئة، أظهرت الدراسة أهمية دراسة التاريخ الاجتماعي والاقتصادي من منظور بينتخصصي مع الأخذ في الاعتبار علم دراسة الأوبئة. وتوصي الباحثين العرب بأن يزدادوا اهتمامًا بدراسة الموروث الطبّي للشرق القديم ويستخدموا التوثيق الضخم للتجربة الإنسانية في بلاد ما بين النهرين وبلاد الشام وشبه الجزيرة العربية ومصر في دراساتهم، وأن يتوجهوا إلى دراسة تاريخ الطب العربي - الإسلامي في سياقه التاريخي، فالطب عند العرب لم يبدأ مع انفتاحهم على اليونان، بل كانت له جذور تاريخية محلية سابقة.
المراجع
References
العربية
أسمن، يان. الذاكرة الحضارية: الكتابة والذكرى والهوية السياسية في الحضارات الكبرى الأولى. ترجمة عبد الحليم عبد الغني رجب. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2003.
باقر، طه. موجز في تاريخ العلوم والمعارف في الحضارات القديمة والحضارة العربية الإسلامية. بغداد: مطبعة جامعة بغداد، 1980. الحموي، شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي. معجم البلدان. ج 4. ط 2. بيروت: دار صادر، 1995.
الحميري، عبد الملك بن هشام. السيرة النبوية. تحقيق مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي. ج 1. ط 2. القاهرة: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، 1955.
داليو، كريستيانو. الطب عند الفراعنة: أمراض- وصفات طبية - خرافات ومعتقدات. ترجمة ابتسام محمد عبد المجيد. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2013.
روبان، كرستيان وبوركهارد وفوغت (محررون). اليمن: في بلاد مملكة سبأ. باريس: معهد العالم العربي، 1999.
الزبيدي، محمد بن محمد بن عبد الرزاق المرتضى. تاج العروس من جواهر القاموس. تحقيق عبد الستار أحمد فراج [وآخرون]. مج 1. الكويت: دار الهداية، 1965.
السلماني، محمد بن عبد الله بن الخطيب. مُقنعة السائل عن المرض الهائل. تحقيق وتقديم حياة قارة. الرباط: دار الأمان، 2015. الشيباني، أحمد بن محمد بن حنبل. مسند الإمام أحمد بن حنبل. تحقيق شعيب الأرنؤوط [وآخرون]. ج 3. بيروت: مؤسسة الرسالة، 2001.
علي، جواد. المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام. ج 16. ط 4. لندن: دار الساقي، 2001.
كمال، حسن. الطب المصري القديم. ط 3. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998.
مانكه، ليز. التداوي بالأعشاب في مصر القديمة. ترجمة أحمد زهير أمين ومحمود ماهر طه. القاهرة: مكتبة مدبولي، 2008.
النويري، شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب. نهاية الأرب في فنون الأدب. ج 19. القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 2002.
الأجنبية
Aberth, John. Plagues in World History. Lanham: Rowman & Littlefield, 2011.
Adamson, Peter B. "Human Diseases and Deaths in the Ancient Near East." Die Welt des Orients. no. 13 (1982).
Aufderheide, Arthur C. & Conrado Rodriguez-Martín. The Cambridge Encyclopedia of Human Paleopathology.
Cambridge: Cambridge University Press, 1998.
Benedictow, Ole J. What Disease was Plague? On the Controversy over the Microbiological Identity of Plague
Epidemics of the Past. Brill's Series in the History of the Environment. Leiden: Brill, 2011.
Black, Jeremy A. & Anthony Green. Gods, Demons, and Symbols of Ancient Mesopotamia: An Illustrated
Dictionary. London: British Museum Press, 1992.
Bray, R. S. Armies of Pestilence: The Impact of Disease on History. New York: Barnes & Noble Books, 2000.
Brown, Simon & David C. Simcock. "Leprosy in Mesopotamia." Research on History of Medicine. vol. 1 , no. 4
Byrne, Joseph P. Encyclopedia of Pestilence, Pandemics, and Plagues. vol. 2. London: Greenwood Press, 2008.
Cline, Eric H. 1177 B.C.: The Year Civilization Collapsed. Turning Points in Ancient History. Princeton: Princeton
University Press, 2015.
Conrad, Lawrence I. "Tā'ūn and Wabā: Conceptions of Plague and Pestilence in Early Islam." Journal of the
Economic and Social History of the Orient. vol. 25 , no. 3 (January 1982).
Dawson, Warren R. "Herodotus as a Medical Writer." Bulletin of the Institute of Classical Studies. no. 33 (1986).
Dols, Michael W. The Black Death in the Middle East. Princeton: Princeton University Press, 1977.
Foss, Clive. "Dead Cities of the Syrian Hill Country." Archaeology. vol. 49 , no. 5 (1996).
Freedman, David N. (ed.), The Anchor Bible Dictionary. vol. 6. New York: Doubleday, 1992.
Geller, Markham J. Ancient Babylonian Medicine: Theory and Practice. London: Wiley, 2015.
George, Andrew. The Epic of Gilgamesh: A New Translation. Harmondsworth/ Middlesex: Penguin, 2000.
Grauer, Anne L. A Companion to Paleopathology. London: Wiley-Blackwell, 2011.
Hallo, William W. Context of Scripture. vol. 1. Leiden: Brill, 1997.
_______. The World's Oldest Literature: Studies in Sumerian Belles-Lettres. Culture and History of the Ancient
Near East. vol. 35. Leiden: Brill, 2010.
Hays, J. N. Epidemics and Pandemics: Their Impacts on Human History. Santa Barbara: ABC-CLIO, 2005.
Heimpel, Wolfgang. Letters to the King of Mari: A New Translation, with Historical Introduction, Notes, and
Commentary. Mesopotamian Civilizations 12. Winona Lake: Eisenbrauns, 2003.
Herodotus, The Histories of Herodotus. Book 1. A. D. Godley (ed.). Cambridge, MA: Cambridge University Press;
London: W. Heinemann, 1975.
Hornung, Erik, Rolf Krauss & David A. Warburton (eds.). Ancient Egyptian Chronology, Handbook of Oriental
Studies. Section 1 The Near and Middle East 83. Leiden/ Boston: Brill, 2006.
Horstmanshoff, Herman F. J. & Marten Stol (eds.). Magic and Rationality in Ancient Near Eastern and Graeco-
Roman Medicine. Studies in Ancient Medicine. vol. 27. Leiden: Brill, 2004.
Imhausen, Annette & Tanja Pommerening (eds.). Translating Writings of Early Scholars in the Ancient Near East,
Egypt, Greece and Rome: Methodological Aspects with Examples. Beiträge zur Altertumskunde, Bd. 344.
Berlin: de Gruyter, 2016.
Kozloff, Arielle P. Amenhotep III: Egypt's Radiant Pharaoh. Cambridge: Cambridge University Press, 2012.
Lambert, Wilfred G. & Alan R. Millard. Atra-Ḫasīs: The Babylonian Story of the Flood. Oxford: Oxford University
Press, 1969.
Little, Lester K. (ed.). Plague and the End of Antiquity: The Pandemic of 541 - 750. Cambridge: Cambridge
University Press, 2007.
McNeill, William H. Plagues and Peoples. New York: Anchor Books, 1998.
Michaelides, Demetrios (ed.). Medicine and Healing in the Ancient Mediterranean World. Oxford: Oxbow Books,
Moran, William L. The Amarna Letters. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1992.
Morens, David M., Gregory K. Folkers & Anthony S. Fauci. "What Is a Pandemic?" The Journal of Infectious
Diseases. vol. 200 , no. 7 (October 2009).
Norrie, Philip. A History of Disease in Ancient Times: More Lethal than War. Missoula, MA: Palgrave Macmillan,
Nunn, John F. Ancient Egyptian Medicine. London: British Museum, 2006 [1996].
Panagiotakopulu, Eva. "Pharaonic Egypt and the Origins of Plague." Journal of Biogeography. vol. 31 , no. 2
Rainey, Anson F. The El-Amarna Correspondence: A New Edition of The Cuneiform Letters from The Site of El-
Amarna Based on Collations of All Extant Tablets. William M. Schniedewind & Zipora Cochavi-Rainey
(eds.). Handbook of Oriental Studies. vol. 110. Leiden: Brill, 2015.
Procopius. History of the Wars: The Persian Wars. vol. 2. H. B. Dewing (trans.). Loeb Classical Library 48.
Suffolk: Harvard University Press, 1962.
Reiner, Erica. "Plague Amulets and House Blessings." Journal of Near Eastern Studies. vol. 19 , no. 2 (1960).
Robertson, Warren C. Drought, Famine, Plague and Pestilence: Ancient Israel's Understandings of and Responses
to Natural Catastrophes. Gorgias Dissertations in Biblical Studies 45. Piscataway: Gorgias Press, 2010.
Robin, Christian. "Guerre et épidémie dans les royaumes d'Arabie du sud, d'après une inscription datée (IIe siècle
de l'ère chrétienne)." Comptes rendus de l'Académie des Inscriptions et Belles-Lettres. 136 ème année, no. 1
(January-March 1992).
Rosen, William. Justinian's Flea: Plague, Empire and the Birth of Europe. New York: Penguin, 2007.
Sasson, Jack M. From the Mari Archives: An Anthology of Old Babylonian Letters. Winona Lake: Eisenbrauns,
Scurlock, Joann A. & Burton R. Andersen. Diagnoses in Assyrian and Babylonian Medicine. Urbana: University
of Illinois Press, 2005.
Scurlock, JoAnn. Sourcebook for Ancient Mesopotamian Medicine. Atlanta: Society of Biblical Literature, 2014.
Simon, Robert. "Aelius Gallus' campaign and the Arab Trade in the Augustan Age." Acta Orientalia Academiae
Scientiarum Hungaricae. vol. 55 , no. 4 (2002).
Singer, Graciela G. "Beyond Amarna: The 'Hand of Nergal' and the Plague in the Levant." Ugarit Forschungen.
vol. 48 (2017).
Smith, Nicole Elizabeth. The Paleoepidemiology of Malaria in the Ancient Near East. Arkansas: University of
Arkansas, 2015.
Snell, Daniel C. "Plagues and Peoples in Mesopotamia." Journal of the Ancient Near Eastern Society. vol. 14 , no. 2
(1982 , Published in 1985).
Stathakopoulos, Dionysios Ch. Famine and Pestilence in the Late Roman and Early Byzantine Empire. Birmingham
Byzantine and Ottoman monographs 9. London/ New York: Routledge, 2017.
Steinert, Ulrike (ed.). Assyrian and Babylonian Scholarly Text Catalogues: Medicine, Magic and Divination.
Babylonisch-Assyrische Medizin. vol. 9. Berlin: de Gruyter, 2018.
Stieglitz, Robert B. "A Physicians Equipment List from Ugarit." Journal of Cuneiform Studies. vol. 33 , no. 1
(January 1981).
Strabo. Geography. Horace Leonard Jones (trans.). Books 15 - 16. Loeb Classical Library, no. 241. Cambridge:
Harvard University Press, 1930.
Streck, Michael P. (ed.). Reallexikon der Assyriologie und Vorderasiatischen Archäologie. vol. 10. Berlin: De
Gruyter, 2003.
Ullmann, Manfred. Islamic Medicine. Edinburgh: Edinburgh University Press, 1978.
Varlik, Nükhet (ed.). Plague and Contagion in the Islamic Mediterranean. Kalamazoo: Arc Humanities Press,
Wilson, James V. K. "Leprosy in Ancient Mesopotamia." Revue d'Assyriologie et d'archéologie orientale , vol. 60 ,
no. 1 (1966).
Winkle, Stefan. Kulturgeschichte der Seuchen. Frechen: Komet, 1999.
Zucconi, Laura M. Ancient Medicine: From Mesopotamia to Rome. Grand Rapids: Eerdmans, 2019.