العودة إلى تفاصيل المؤلَّف أزمة الكتابة التاريخية في فكر جيل الستينيات قراءة مكثفة في كتابات رءوف عباس

أزمة الكتابة التاريخية في فكر جيل الستينيات قراءة مكثفة في كتابات رءوف عباس

The Crisis of Historical Writing in 1960s Thought: A Reading in the Writings of Raouf Abbas

ناصر أحمد إبراهيمNasser

Ahmed Ibrahim

أزمة الكتابة التاريخية يف فكر جيل الستينيات

قراءة مكثفة يف كتابات رءوف عباس

الملخّص

تحاول هذه الدراسة مساءلة الخطاب النقدي لدى رءوف عباس؛ باعتباره أحد أقطاب مؤرخي جيل الستينيات من القرن العشرين في عالمنا العربي، ممن عانوا الكتابة وإشكالياتها النقدية، وخاضوا غمار التجريب في دراسة تاريخ المجتمع ومكوناته، والكشف عن دور البنية الاجتماعية والاقتصادية في تحديد مسار تطور هذا المجتمع. ولئن كانت منطلقاته الفكرية قد شكلت، على مستوى الممارسة، بعض أسس منهجيته في الكتابة، في حقل تخصصه الأثير "التاريخ الاجتماعي"، فإنها عكست في الوقت ذاته خلاصة مواقفه النقدية إزاء كثير مما كان يُنشر، من إنتاج أكاديمي، على مدار النصف الثاني من القرن العشرين.

Abstract

This study interrogates the critical discourse of Raouf Abbas. As one of the polarizing forces in the generation of Arab historians of the 1960s concerned with writing and its critical problems.

الكلمات المفتاحية:
  • الكتابة التاريخية
  • ندوة أسطور
  • مصر
  • رؤوف عباس
Keywords:
  • Egypt
  • Ostour Seminar
  • Histography

A Reading in the Writings of Raouf Abbas

رهان الدراسة

تحاول هذه الدراسة مساءلة الخطاب النقدي لدى رءوف عباس؛ باعتباره أحد أقطاب مؤرخي جيل الستينيات من القرن العشرين في عالمنا العربي، ممن عانوا الكتابة وإشكالياتها النقدية، وخاضوا غمار التجريب في دراسة تاريخ المجتمع ومكوناته، والكشف عن دور البنية الاجتماعية والاقتصادية في تحديد مسار تطور هذا المجتمع. ولئن كانت منطلقاته الفكرية قد شكلت، على مستوى الممارسة، بعض أسس منهجيته في الكتابة، في حقل تخصصه الأثير "التاريخ الاجتماعي"، فإنها عكست في الوقت ذاته خلاصة مواقفه النقدية إزاء كثير مما كان يُنشر، من إنتاج أكاديمي، على مدار النصف الثاني من القرن العشرين. وفي الواقع شكلت ملاحظاته ومقارباته النقدية تجربة مؤرخ قلق، أبدى اهتمامًا ملحوظًا بمتابعة كيف فكر المصريون في دراسة تاريخهم في القرن الماضي، وإشكاليات بناء التفسير وبنية الكتابة وتقاليد الممارسة السائدة، راصدًا - وهو الأهم - مواطن القصور في الأطر المنهجية (المعيبة)، وكاشفًا عن مدى ضيق أدواتها ومبادئها العلمية عن مجاراة ثورة المناهج في العلوم الاجتماعية، ما قاده إلى رصد ملامح أزمة مرت بها الكتابة التاريخية. يُشكل هذا التقصي حول أبعاد الأزمة رهانًا أساسيًا لهذه الدراسة، وذلك عبر قراءة مكثفة في كتابات رءوف عباس.

شكّلت كتابات جيل الستينيات في القرن العشرين قفزة نوعية في الكتابة التاريخية. ومن يتصدى لدراسة تطور المدرسة التاريخية المصرية، لا يمكنه إلّ أن يتوقف عند هذا الجيل، وأن يُمعن النظر في حركته التجديدية في مجال الكتابة، سواء على مستوى الأفكار المنهجية أو من ناحية طبيعة الموضوعات البكر (غير المطروقة) التي فتحت مجالات جديدة للدراسة وإنجاز الأطروحات الأكاديمية في

  1. أستاذ مشارك - تاريخ حديث ومعاصر، برنامج التاريخ، قسم العلوم الإنسانية، كلية الآداب والعلوم، جامعة قطر، الدوحة. Associate Professor - Modern and Contemporary History, History Program, Department of Humanities, College of Arts and Sciences, Qatar University, Doha. nasser.soliman@qu.edu.qa

الجامعات المصرية والعربية. لقد كانوا ممثلين حقًّا لحقبتهم ومرايا لمجتمع عصر الثورة الذي فجّر فيهم الطاقات نحو التغيير، ذلك العصر الذي تشكّلت في سياق تحولّاته أفكارهم وثقافتهم. ومعروف أن الجامعة المصرية، منذ إنشائها، كانت تتمسك بمنهجيات المدرسة التاريخية الألمانية والمدرسة المثالية والمدرسة الوضعية، تمزج بينها بوعي أحيانًا، ومن دون وعي في أغلب الأحيان، إلى أن نهض بعض المؤرخين المصريين باستخدام المنهج المادي (الماركسي) في منتصف الستينيات1. لقد بدا أن التغير الذي طرأ على بنية النظام الاجتماعي والسياسي قد ترك انعكاساته على المناخ الفكري لهذا الجيل الجديد الذي نشأ ونما وعيه خلال الأربعينيات والخمسينيات، واستوى على عوده في الستينيات. وشكّل ذلك الخلفية التي قادته إلى دراسة الواقع الاجتماعي قبل ثورة يوليو 1952 وبعدها، وما أثارته من قضايا تتعلق بتاريخ المجتمع والقوى الاجتماعية، وتلمّس جذور مكوناتها وملامح تطوّرها في الماضي، الأمر الذي هيّأ الظروف لكسر هيمنة التاريخ السياسي على الساحة الأكاديمية، ومن ثم فتح المجال للتاريخ الاجتماعي كنمط جديد على تقاليد الكتابة التاريخية العربية2. هذا عين ما جرى مع جيل الستينيات الذي كان شاهدًا على التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي مرّت بها مصر منذ قيام هذه الثورة (1952). فقد عاصر شباب هذا الجيل بوعي تامّ تطورات ثورية غير مسبوقة، أحدثت تغيرًا هائلً في البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية؛ ففي هذه الفترة، صدرت قرارات الإصلاح الزراعي وحماية العمال من الفصل التعسفي وخروج الإنكليز من مصر، ثم تأميم شركة قناة السويس، ووقائع العدوان الثلاثي على مصر (1956)، وحركة التأميمات الكبرى لوسائل الإنتاج الكبرى، وتكوين القطاع العام وقيام الدولة بالمسؤولية الاجتماعية تجاه المواطنين ورعايتهم لمواجهة حاجات الحياة ومتطلّباتها... إلخ، وهو ما كان له تأثير مباشر في المجتمع بطبقاته الاجتماعية كلّها؛ ما أثر بالضرورة في التوجهات الفكرية لجيل الستينيات3، التي وجدت انعكاساتها جلية في اختيارات موضوعات رسائلهم وأطروحاتهم العلمية (الماجستير والدكتوراه)، بمبادرة شخصية من جانبهم، متأثرين في ذلك بالتيار الواقعي الجديد في مصر. كان من بين أولئك جيل من المؤرخين الشباب أمثال رءوف عباس وعاصم الدسوقي وعلي بركات وعبد الرحيم عبد الرحمن ومحمود متولي وعبد الخالق لاشين، وغيرهم ممن تفتق ذهنهم على مناخ اجتماعي جديد، فجّر فيهم أسئلة من نوع جديد، تحاول مساءلة الواقع الاجتماعي قبل ثورة يوليو وبعدها؛ من خلال التركيز على فهم دور البنية الأساسية في صوغ حركة المجتمع المصري، بأبعادها كلها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وكان ذلك سببًا في انجذابهم إلى استخدام "المنهج الماركسي" بدرجات متفاوتة من الفهم والتوفيق؛ إذ مضى بحثهم المعرفي حول تلمّس أسس هذه المنهجية خارج رحاب مؤسسة الجامعة؛ أي إنهم تفاعلوا مع هذا الجانب من المعرفة المنهجية بجهود فردية، لا مؤسسية؛ من خلال حلقات دراسية نظّموها بأنفسهم (أحيانًا) لدراسة الماركسية والتفسير المادي للتاريخ، واختبروا ما تحصّل لديهم على كتابة التاريخ4. ويكفي أن نشير إلى أن بعض أساتذتهم المشرفين عليهم لم يتقبل بسهولة استخدامهم هذه "البدعة" المنهجية ومصطلحات العلوم الاجتماعية المتعلقة بها، مثل مفهوم الطبقة الاجتماعية والقوى الإنتاجية وعلاقات الإنتاج... إلخ.

  1. رءوف عباس، كتابة تاريخ مصر.. إلى أين..؟ أزمة المنهج ورؤى نقدية (القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 2009)، ص 32.
  2. معروف أن التطور المنهجي في العلوم الاجتماعية، كان قد مهّد السبيل لظهور التاريخ الاجتماعي منذ مطلع الخمسينيات، بعد أن قطع شوطًا ملحوظًا على يد مدرسة "الحوليات" الفرنسية، وحقق ازدهارًا في أواخر التسعينيات من القرن الماضي. وكان المؤرخ الإنكليزي إريك هوبسباوم قد أعرب عن خشيته من تحول التاريخ الاجتماعي إلى مجرد قاعدة للنظرية الاقتصادية؛ لذلك طرح في بداية السبعينيات فكرة دراسة "تاريخ المجتمع" بديلً من التاريخ الاجتماعي، ينظر: E. J. Hobsbawm, "From Social History to the History of Society," Daedalus: Historical Studies Today , vol. 100 , no. 1 (Winter 1971), pp. 20  -  45.
  3. عاصم الدسوقي، "ابن جيل الستينيات الذي وعى التاريخ الاجتماعي"، في: رءوف عباس المؤرخ والإنسان، الجمعية المصرية للدراسات التاريخية (القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2010)، ص 22، 26  -  27.
  4. أشار رءوف عباس إلى هذا التوجه المعرفي لدى أبناء جيله. يُنظر: رءوف عباس، "أزمة الكتابة التاريخية في مصر: تضخم في الإنتاج وضآلة في المعرفة"، الكتب: وجهات نظر، العدد 3 (نيسان/ أبريل 1999)، ص 48.

صحيح أن بعض الكتابات (التي جاءت على يد غير المتخصصين في التاريخ)5 كان قد سبقهم في استخدام منهجية التفسير المادي للتاريخ، إلّ أن تلك الكتابات كانت تعاني قصورًا واضحًا في قلّة الإلمام بالتطور التاريخي لمصر، واتجاهها إلى تطبيق المنهج الماركسي تطبيقًا تعسفيًّا، لم يراع فيه اختلاف ظروف المجتمع المصري عن النموذج الذي عالجه كارل ماركس، واعتبار الصراع الطبقي محور الحركة التاريخية في مصر؛ نتيجة لقلة إلمامهم بالتطور التاريخي في مصر، الأمر الذي جعل كتاباتهم غير قادرة على الفكاك من إسار النظرية الماركسية وطابعها الأيديولوجي الصارم6. وكان محمد أنيس أول مؤرخ قدّم ما سمّاه رءوف عباس "المحاولة الأولى لاستخدام التفسير المادي في الدراسات التاريخية الجامعية"، وذلك عبر دراسته "مصر من الإقطاع إلى الرأسمالية 1798  -  1882 "7. ويؤكد عباس أن هذه الدراسة، على الرغم مما وُجّه إليها من نقد، فإنها "خلبت لب جيل الستينيات، وكانت بالنسبة إلى رءوف عباس وجيله فتحًا جديدًا في الدراسات التاريخية، وأن هذا ما حفّزهم لاختيار أطروحاتهم للماجستير والدكتوراه في موضوعات تتصل بتاريخ القوى الاجتماعية"8. كانت النقلة النوعية في الدراسات التاريخية، إذًا، هي أن جيل الستينيات، أمكنه الإفادة من "منهجية التفسير المادي"، واستطاع توظيفها كأداة معرفية مساعدة في التحليل والبناء الموضوعي (لا الأيديولوجي)؛ ما جعل كتاباتهم الجديدة تمتاز عما سبقها بالبعد التأص لي والنقدي، فضلً عن تماسكها المنهجي، وبالقطع من دون الوقوع في فخ القولبة النظرية المحمّلة بالأفكار الأيديولوجية.

التمرد عىل الكتابة التقليدية وتحطيم الأوثان الثلاثة

مثّلت أعمال جيل الستينيات نوعًا من التمرد على التقليد؛ إذ أمكنهم الاتجاه بالكتابة إلى تبني تقاليد جديدة، تقضي بتحطيم الأوثان الثلاثة الشائع تقديسها في الكتابة التاريخية عمومًا: الوثن السياسي والوثن الفردي البطولي والوثن السردي الوصفي (أسلوب القص التاريخي). فهذا الاتجاه الجديد، الذي وسّع استخدام أدوات المنهجية المادية، أعطى دفعة قوية لتحرير الكتابة من هيمنة التاريخ السياسي والدبلوماسي وتاريخ الحروب، ليصبح المجال مفتوحًا أمام دراسة تاريخ المجتمع وتطوّره، وحركة القوى الاجتماعية فيه، وشبكة العلاقات الرأسية والأفقية داخله بتناقضاتها الجدلية كلها، وتحليل البنية الاجتماعية لفهم الطبيعة المعقدة للنظم والتقاليد والأعراف، إلى جانب تطوّر البناء الاقتصادي بكل ما يتضمنه من قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج وتأثير شكل الملكية وما يرتبط بها من ممارسات على تشكيل العلاقة بين الناس في عملية الإنتاج الاجتماعي والثقافي... إلخ. وكانت هذه المنهجية واختبار المفاهيم المرتبطة بها في الأطروحات الجامعية، خلال عقد الستينيات، بمنزلة ثورة تجديدية في كتابة تاريخ مصر الحديث، فتحوا بها الباب لاستخدام أطر التفسير المادي في الكتابة التاريخية المعاصرة. كان لاطلّاع جيل الستينيات على كل جديد في ثورة المناهج الحديثة في العلوم الاجتماعية، وتواصلهم مع الدوائر الأكاديمية في الشرق والغرب، بطرائق متباينة وتجارب وأشكال مختلفة من التواصل والتفاعل، وما قاموا به من ترجمات، صلةٌ وثيقة بهذا الاتجاه، فضلً عن كتابة العديد من المقالات التي حاولوا من خلالها لفت الانتباه إلى نشر الثقافة المنهجية وضرورتها في الكتابة، علاوة على

  1. لم تنشر تلك الكتابات، ولم يجر تداولها إلّ بعد منتصف الخمسينيات وما شهدته تلك الفترة من تحولّات مهمة منذ قيام ثورة يوليو 1952، فبرزت في هذا المجال كتابات شهدي عطية الشافعي وإبراهيم عامر (1957)، وفوزي جرجس (1958)، إضافة إلى ترجمات راشد البراوي في أوائل الخمسينيات، وبعض كتاباته التي تناولت التفسير المادي للتاريخ. وقد أشار رءوف عباس إلى أن هذه الكتابات كانت تُعبّر عن توجه سياسي في الدرجة الأولى، عقائدي الطابع، من جراء الالتزام بالنص الماركسي، من دون أن يُدخل الكتّاب في اعتبارهم المراجعات التي تعرضت لها الماركسية على يد من عُرفوا ب "الماركسيين الجدد". ينظر: المرجع نفسه، ص 48.
  2. المرجع نفسه، ص 48.
  3. تجدر الإشارة إلى أن محمد أنيس طور دراسته ونشرها في كتاب أعيدت طباعته في أواخر السبعينيات. ينظر: محمد أنيس، تطور المجتمع المصري من الإقطاع إلى ثورة 23 يوليو سنة 1952 (القاهرة، مطبعة الجبلاوي، 1977.) 9  المرجع نفسه.

تنظيمهم لقاءات فكرية ونشر حواراتهم ومناقشاتهم إلى جانب عدد من الدراسات تحت عناوين مهمة ودالّة على وعيهم بوجود أزمة منهجية في حركة الكتابة التاريخية المصرية والعربية10، من ذلك دراسات لها عناوين ذات مغزى واضح على ما كان يشغل ذهنياتهم؛ منها مثلً: "تاريخنا: كيف كتب، وكيف ينبغي أن يكتب؟"، و"إشكاليات كتابة التاريخ المصري في واقعنا الراهن"، و"في الطريق إلى مدرسة اجتماعية في كتابة تاريخ مصر الحديث"، و"ملاحظات منهجية حول كتابة تاريخ مصر"، و"لماذا اهتمامنا بالتاريخ"... إلخ، تلك الدراسات التي تابعتها ورحّبت بنشرها في الثمانينيات مجلة فكر11. كان جيل الستينيات، إذًا، يحمل في يد مشعل التجديد في شكل الكتابة، وفي اليد الأخرى مشعل تشخيص الأزمة الماثلة في منهجية الكتابة، ومحاولة نشر الوعي بها وبكيفية معالجتها وتقويمها. كان هذا القلق المبكر بحقيقة المنحنى الصعب للأزمة بمنزلة صرخة مدوّية، لكن لسوء الحظ لم تكن ثمة استجابة حقيقية. وخلال عقد التسعينيات، جرى الاهتمام بإقامة وتنظيم المؤتمرات والندوات العلمية المتخصصة التي احتلت فيها أزمة المنهج بؤرة الاهتمام والنقد وتحديد أبعادها12. بيد أنه فور انتهاء تلك الندوات "كان ينفض السامر [والكلام لرءوف عباس] من دون أن يترتب على ذلك أي تغيير نوعي في واقع الحال"13. وانعكس أثر ذلك جليًّا في استمرارية تفاقم الأزمة المنهجية، وتجاوزها الألفية الجديدة، لتستغرق جيلً آخر، على نحو ربما أكثر ضعفًا مقارنةً بما كانت عليه الحال في الربع الأخير من القرن الماضي، ما ساهم في تكريس حالة الضعف التي ترتب عليها تخلف الكتابة التاريخية العربية عن تطوير نفسها ومعالجة مواطن قصورها وضعفها. أضحت الأزمة المتفاقمة بمنزلة ظاهرة مستمرة، سادت الوطن العربي عمومًا، ومصر خاصة، وتجلّ ذلك في معظم ما تُخرجه المطابع من كتب، وما تُجيزه الجامعات من رسائل وأطروحات للماجستير والدكتوراه. وكان عباس أكثر أبناء جيله قلقًا واهتمامًا بدراسة هذه الظاهرة التي أفرد لمعالجتها العديد من الدراسات المتخصصة في مناقشة أبعاد الأزمة، كما تناولها ضمنيًّا عبر مؤلفاته المختلفة. وكان من بين ما لفت الانتباه إليه أن مردّ أهم أسباب تفاقم الظاهرة واستمراريتها إلى حالة القصور الشديد في الإعداد المنهجي للباحثين، التي انعكست بدورها سلبيًّا على مكوّن الرسائل العلمية التي بات الاهتمام بها برصد المعطيات الإخبارية من المصادر الأرشيفية على حساب الاهتمام بمنهجية المعالجة والتحليل، وفي الحصيلة أصبحنا، نتيجةً لهذه الأزمة، أمام ما سمّاه "حالة من التضخم في الإنتاج وضآلة في المعرفة". وغير خافٍ دلالة ومغزى تصدير مثل هذه المقولة (الصادمة) في بنية عنوان إحدى دراساته النقدية14؛ لأجل تكثيف الضوء على حالة القصور المنهجي المعيب، التي أطلق عليها اصطلاحًا دقيقًا "الإفلاس المنهجي"15.

  1. أدرك بعض المجلات الثقافية العربية حقيقة الأزمة المنهجية التي تعانيها الكتابة التاريخية في الوطن العربي؛ فقد خصصت مجلة الفكر العربيالتي كان يصدرها معهد الإنماء العربي في بيروت، العددين 27 و 28 (1978) لمعالجة الكتابة التاريخية والمنهج وأهمية الالتفات إلى فتح الحوار بشأنها لتشخيص الأزمة وتبيان أبعادها وسبل معالجتها.
  2. تابعت مجلة فكر (فصلية للدراسات والأبحاث) التي كانت تصدر في القاهرة، هذه الحوارات والمناقشات، وقامت بتسجيل فاعليتها، وحوّلت المناقشات الحوارية إلى مادة مكتوبة ونشرتها، كما رحّبت بنشر الأوراق البحثية المتعلقة بأزمة الكتابة التاريخية لبعض المؤرخين المتميزين، وعبر أعداد كاملة، منها: العدد 5 (1985)، العدد 6 (حزيران/ يونيو 1985)، العدد 11 (كانون الثاني/ يناير 1988).
  3. كان منها ندوة نظمتها لجنة التاريخ في المجلس الأعلى للثقافة، بالاشتراك مع قسم التاريخ في آداب القاهرة بعنوان "تحديث الدراسات التاريخية"، في نيسان/ أبريل 1994. كما شارك كتّاب بمساهمات النوعية في ندوة نظمها مركز سيداج CEDEJ الفرنسي في القاهرة، ينظر: حصاد المدرسة التاريخية لتاريخ مصر الحديث والمعاصر في الخمس والعشرين سنة الأخيرة: أعمال الندوة التي عُقدت في السيداج من 4  -  5 نوفمبر 1995، تحرير محمد عفيفي (القاهرة: دار الشروق، 1997).
  4. رءوف عباس، "أزمة الكتابة التاريخية في مصر: تضخم في الإنتاج وضآلة في المعرفة"، في: عباس، كتابة تاريخ مصر، ص 28.
  5. جاء هذا في سياق مراجعة عباس لكتاب المؤرخ البريطاني الشهير هوبسباوم. ينظر: عباس، "أزمة الكتابة التاريخية في مصر"، ص 6 4.
  6. المرجع نفسه، ص 34.

هنا تحديدًا تظهر قيمة الإسهام النقدي في كتابات عباس حول خطاب الأزمة؛ التي يمكن تتبعها عبر تحديد منطلقاته الفكرية التي شكّلت في الحقيقة أسس رؤيته النقدية للكتابة التاريخية المعاصرة.

رفض عباس للنظريات النموذج والمنهجية الانتقائية

ثمة أربعة منطلقات فكرية أساسية ارتكزت عليها تحليلات عباس في جُلِّ دراساته وبحوثه، يأتي في مقدمتها: رفضه قولبة تاريخ المجتمعات16 في إطار ما أطلق عليه "النظريات النموذج" التي تحاول تفسير التاريخ من منظور "أحادي النظرة"، يتّسم بالصرامة والتعميم، ويتعمّد إغفال التباين الواضح بين المجتمعات؛ إذ يعمل أصحاب هذا الاتجاه على التقاط المادة التاريخية التي تتفق مع "القالب النظري" الذي يروّجون له، في حين تستبعد، في المقابل، عشرات الدلائل والشواهد التي تتناقض مع أسس النظرية، ما يجعلنا في نهاية الأمر أمام "منتج مشوّه" لا يُساير الواقع التاريخي بأي حال من الأحوال. ويرى عباس أن هذه " المنهجية الانتقائية" تُخرِج دراسة الظاهرة التاريخية من سياقها الواقعي، وأن على المؤرخ "ألّ يتحوّل إلى كاهن في معبد نظرية بعينها، وإلّ جاءت نظرية أحادية معيبة، وجاء مجال رؤيته محدودًا، مما يؤثر في قيمة ما يتوصل إليه من نتائج تأثيرًا سلبيًّا"18. في هذا السياق النقدي، بيَّ عباس ضرورة تحرر المؤرخ من النزعة الذاتية الضيقة، وضرورة معالجة الظاهرة في السياق التاريخي الرحب الذي برزت من خلاله، ليغوص في عمق واقع الظاهرة المدروسة وفق ما تبوح به معطياتها التاريخية، محلّلً ما نجم عنها من آثار مختلفة على المستوى الاقتصادي/ الاجتماعي، كما يتعيّ عليه أن يأخذ في الحسبان تجلّياتها الأخرى المباشرة وغير المباشرة في تشكيل البنية السياسية والثقافية للمجتمع. بهذا المفهوم، يصبح على المؤرخ دراسة الظاهرة في أبعادها الواقعية، بعيدًا عن تقييد الدراسة بأطر نظرية يتم سحبها بطريقة فجّة وغير ملائمة لتفسير مسار تطوّرها الموضوعي. بيَّ عباس أيضًا أنّ الآخذين بهذا التفسير (الأحادي النظرة) وقعوا في تناقضات شديدة أثناء تفسيرهم تاريخ مصر الحديث؛ فكل منهم حاول تطبيق النظرية بحذافيرها من دون مراعاة الظروف الموضوعية لتطور كل مجتمع، وتباين الموروث الثقافي والاجتماعي، وتفاوت درجة الاستجابة للتحديات التي يتعرض لها كل مجتمع. وبالنسبة إليه، فإنّ "المجتمع لا يمكن أن يُشَكّل في قالب معيّ، فهو كائن عضوي متغير، تحكم تطوره ظروف موضوعية مادية، لا تتفق بالضرورة مع بعضها البعض من حيث المظهر والجوهر، ولا تتساوي بالضرورة - أيضًا - من حيث ما تتركه من أثر على المجتمع، فوجودها وطبيعتها ودورها في دفع التغيير يختلف اختلافًا جذريًّا من مجتمع إلى آخر"، ولذلك رأى أنه من غير المقبول استخدام إطار نظري بعينه لتفسير تطور مجتمع ما تختلف ظروفه ومراحل تطوّره اختلافًا بيّنًا عن المجتمعات الأخرى19. وأوضح أن النظرية تقوم على التجريد، ولا تصلح لتعميمها على سائر المجتمعات التي تتباين ظروفها التاريخية والموضوعية، ولا يمكن من ثم صبَّها في قالب النظرية. بيد أن ذلك - والكلام لعباس - "لا يعني أن يطرح جانبًا المقولات النظرية، فالقول بذلك هو الجهل بعينه، بل علينا أن نستفيد من النظرية في تفسير (بعض) مراحل تطور المجتمع التي تصلح النظرية كأداة منهجية لتحليلها، وأن على المؤرخ أن يفسر خصوصية التطور في مراحل أخرى خارج الإطار النظري الذي صيغ بصورة تجريدية وفق معطيات معيّنة"20.

  1. يُعد اصطلاح "قولبة التاريخ" من بين المصطلحات النقدية المهمة التي أنتجها رءوف عباس، وقد قصد به "قيام المؤرخ بصب مادته التاريخية في قالب نظري معين، بقدر كبير من التعسف، وصولً إلى تأكيد مقولات النظرية التي يتبنّاها"، يُنظر: المرجع نفسه، ص 48. 17  المرجع نفسه.
  2. رءوف عباس، "الملكية وإشكالية تفسير تاريخنا الاجتماعي"، مجلة كلية الآداب، جامعة القاهرة، مج 58، العدد 2 (نيسان/ أبريل 1998)، ص 16. وقد أعيد نشر هذه الدراسة في كتابه: كتابة تاريخ مصر، ص 79.
  3. عباس، كتابة تاريخ مصر، ص 79.

في هذا الصدد انتقد عباس أرباب الفكر اﻻستشراقي على نحو خاص؛ من جراء اعتياد المستشرقين الترويج لأطر نظرية مُعَدّة بعناية لجعل الشرق بالضرورة "الصورة المضادّة" للغرب في كل مناحي الحياة الفكرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ومن ثم فاﻷهداف والنتائج محددة سلفًا قبل البحث والدراسة، ويصبح دور المؤرخ (وفقًا لهذا المنظور) تأويل ما ينتقيه أو يرصده من حالات فردية، لا تمثل سوى حالات استثنائية؛ سعيًا لتشكيل انطباع عامّ، يؤدي إلى تأكيد فكرة الفصل بين ما هو شرقي (متخلف/ ومتدهور)، وما هو أوروبي أو غربي (متقدم/ مزدهر) بصورة حتمية. ومن هنا، يصبح "واجب" الغرب مساعدة هؤلاء المتخلّفين على اللحاق بركب التقدم من خلال "جراحة التحديث"، على حد تعبير عباس، التي ارتأى فيها "العنصرية بأدق معانيها"، حيث تكشف فكرة الحداثة عن إعادة إنتاج فكرة "عبء الرجل الأبيض" Burden s ' Man White التي اتخذت لتبرير التوسع الاستعماري في آسيا وأفريقيا والعالم الجديد21. علاوة على ذلك، ليست الكتابة التاريخية اﻻستشراقية اختبارًا لفرضيات أو طرحًا لإشكاليات تستهدف البحث عن إجابة (موضوعية)، بل هي نظرة مسبقة (متحيّزة) ذات طابع أيديولوجي؛ جراء شدة اﻹفراط في التنظير المجرد، واﻻبتعاد عن دراسة حقيقة الواقع التاريخي الذي تدلّ عليه الوثائق الأصيلة. اﻻستشراق الكولونيالي بهذا المعنى ﻻ يقدّم، في الغالب اﻷعم، سوى "رؤية افتراضية" أو "صورة مُتخيلة" عن الشرق، التي ﻻ تمتّ إلى الواقع التاريخي بصلة، ويُعرّفها عباس "بالنظرة اﻷحادية إلى التاريخ". بيد أن ذلك لا يعني أنه نادى بطرح المقولات النظرية جانبًا، أو أنه اتّخذ منها موقفًا سلبيًّا، بل على العكس من ذلك تمامًا؛ إذ نجده يؤكد أهمية الاستفادة من النظرية في تفسير "بعض" مراحل تطور المجتمع التي تصلح النظرية كأداة منهجية لتحليلها، وأن على المؤرخ أن يتجنّب الانتقائية في استخدام المادة التاريخية، والتزام النظرية النقدية، وتحاشي التعسف في توظيفها في سبيل تفسير الحالة التي يدرسها. خلاصة الأمر أن النظرية لا تصلح للتعميم الذي يضرب صفحًا عن التباين الواضح بين كل مرحلة وأخرى، وأنها لا تعدو أن تكون أداة معرفية لتحليل بعض أوجه الظاهرة التاريخية خلال عملية تطورها. وفارق كبير بين مؤرخ يستعين بالنظرية كأداة معرفية قد تساعد في تفسير مرحلة معيّنة من مراحل تطور المجتمع وكشف خصوصية تطوّره، ومؤرخ يتحوّل إلى "كاهن في معبد نظرية بعينها"، فهذا الأخير يُقيّد رؤيته ويجعلها محدودةً داخل أسوار تلك النظرية، ما يؤثر في قيمة ما يتوصل إليه من نتائج تأثيرًا سلبيًّا22.

تعدد أنماط التطور

يرتبط بهذا الجانب إيمان عباس ب "تعدد أنماط التطور"، وهو ما يمثل المنطلق الفكري الثاني في كتاباته؛ فالمجتمعات ﻻ يمكن أن تتطور وفق سياق تاريخي واحد، فلكل مجتمع مقوّمات التطور الخاصة به، وليس ثمة نموذج واحد ووحيد للتطور، ثمّ إنه ﻻ يوجد قانون واحد يحكم المجتمع، أي مجتمع، ومن ثم يتعيّ مراعاة جانب الخصوصية؛ ذلك أن أنماط التطور تتعدد وتتنوع تبعًا لتباين ظروف التطور وسياقه في كل مجتمع من المجتمعات. من هنا جاء رفضه الأطروحات النظرية التي روّج لها "دُعاة التحديث" و"نمط اﻹنتاج اﻵسيوي" أصحاب فرضية "فكرة اﻻستبداد الشرقي"، وكذا دُعاة "نمط اﻹنتاج الخراجي"... إلخ، أولئك الذين أجهدوا أنفسهم عبر دراسات عديدة، حاولوا من خلالها، كما يقول عباس: "البحث عن قسمات مشتركة تجمع بين مصر وغيرها من المجتمعات الزراعية النهرية، كالهند والصين، متجاهلين الحقائق التي تثبت أن لكل مجتمع سياقًا خاصًّا لتطوره، يختلف عن غيره من المجتمعات،

  1. المرجع نفسه.
  2. عباس، "أزمة الكتابة التاريخية في مصر"، ص 37.

وإن تشابهت بعض الملامح - هنا وهناك - تشابهًا جزئيًّا بين كل مجتمع وآخر من تلك المجتمعات، فلكل خصوصيته التي تنبع من ظروفه البيئية وتُحدّد مسار تجربته، فأنماط التطور تتعدد وتتنوع تبعًا لتباين ظروف وسياق التطور في كل مجتمع من المجتمعات"23. لا يقيم عباس في التحليل الأخير للنظرية أو حتى للفرضيات (التفسيرية) معبدًا يشتغل بسدانته، بل يتعامل معها من منظور نقدي يضمن تجنّب الانتقائية والتوظيف التعسفي لأطرها24. والتاريخ الإنساني، في نهاية الأمر، تيارٌ من التطور، ﻻ يثبت على حال واحدة؛ ومن ثم لا يتعيّ على المؤرخ أن يتبنّى فرضية معيّنة أو نظرية لتقديمها كنموذج تفسيري يزعم ملاءمته لتفسير تطور المجتمعات.

مجيء الغرب ليس شرطًا للتطور

يفضي هذا الطرح النقدي لفكرة تعدد أنماط التطور إلى المنطلق الفكري الثالث في كتابات رءوف عباس، المتمثل في رفضه التركيز على تفسير التطور والتغير الذي يطرأ على المجتمعات من خلال ما يُعرف ب "المؤثر الخارجي". فبالنسبة إليه، لا يمثل العامل الخارجي سوى عامل واحد، وتتّسم حركة تطور المجتمعات بالتعقيد والتداخل بين العوامل الذاتية الكامنة في المجتمع، التي تدفع حركته التاريخية، والعامل الخارجي الذي عادة ما يُشكّل تحديًا قويًّا للمجتمعات التي تقع ضحية الاستعمار. في ضوء ذلك، رأى عباس أن قدوم الغرب لم يكن بعثًا للحياة في مجتمعات الشرق، كان من معوّقات تطورها، خاصة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر25، ويُعدّ هذا الأمر قلبًا لخطاب المدرسة الكولونيالية التي تحاول الترويج لفكرة شيوع "التخلف والركود الحضاري" في المجتمعات اﻹسلامية الشرقية، وأن الغرب كان مضطرًا، انطلاقًا من مفهوم "الرسالة الحضارية" المزعوم، ﻹزالة هذا التخلف والركود الذي ران على الشرق؛ وذلك من خلال أطروحة الغزو. هنا يكشف عباس عن أن اﻻستشراق كان جناحًا مهمًّا للمدرسة اﻻستعمارية، وأن تبرير التدخل اﻻستعماري كان إحدى اﻷفكار التي بلورتها المدرسة الاستشراقية للقوى اﻹمبريالية منذ القرن التاسع عشر وتجميل وجهها القبيح. كشف عباس عن حقيقة الدور الذي قام به اﻻستعمار في عرقلة النمو اﻻقتصادي في البلاد التي خضعت لحكمه، وربطها باقتصاده بروابط التبعية كمناطق لتزويده بالمواد الخام في أسواقه، وهي آليات أدت في رأيه إلى عرقلة تكوين السوق الوطنية، وشلّ حركة نمو اﻹنتاج المحل26. بل إنه أكد أن اﻻحتلال الإنكليزي كان مسؤولً عن إجهاض مشروع النهضة أو التنمية الذاتية التي تحققت في عهد محمد علي باشا، كما عزا إليه تكريس التخلف الحضاري27: "فالغرب لم يسمح إﻻ بتحول محدود للبنية اﻷساسية للمجتمع المصري، بالقدر الذي يتيح له ربط البلاد بروابط التبعية اﻻقتصادية والسياسية والثقافية. وأضيف إلى أثقال التبعية تمزيق المنطقة إلى كيانات سياسية بُنيت عليها مصالح لنخبة اجتماعية معنية ارتبطت بالاستعمار وخدمت سياسته"28.

  1. ناقش عباس هذه الأطر النظرية وبيّن أوجه قصورها وتناقضاتها في تفسير تاريخ مصر. ينظر: عباس، "الملكية وإشكالية تفسير تاريخنا الاجتماعي"؛ يُنظر: رءوف عباس وعاصم الدسوقي، كبار الملاك والفلاحين في مصر 1837  -  52 19 ([د. م.]: [د. ن.]، [د. ت.])، مقدمة الكتاب؛ ص 5، شوهد في 4 / 1 / 2022، في: https:// bit. ly / 3 mXlqPB
  2. رءوف عباس، "الفرضية في البحث التاريخي"، في: عباس، كتابة تاريخ مصر، ص 45  -  49.
  3. رءوف عباس، "قدوم الغرب... بداية للنهضة أم إجهاض لها"، في: عباس، كتابة تاريخ مصر، ص 64.
  4. يُنظر مقدمة رءوف عباس لكتاب: برنارد لويس، أين الخطأ، التأثير الغربي واستجابة المسلمين، ترجمة محمد عناني (القاهرة: دار سطور، 2003)، ص 30.
  5. عباس، "قدوم الغرب... بداية للنهضة أم إجهاض لها"، ص 64.
  6. المرجع نفسه؛ كذلك ناقش هذه المسألة في: رءوف عباس، "إشكالية التخلف الحضاري عند شكيب أرسلان"،   مجلة مصر الحديثة، العدد 1 (2002)، ص 354.

أما الحملة الفرنسية، فيرى عباس أنها كانت بمنزلة "صدمة" هزّت المجتمع بدرجة عنيفة، أسفرت عن إفاقته من سباته العميق، فنشطت عوامل التغيير الكامنة في المجتمع التي استغلها محمد علي باشا أحسن استغلال في تحقيق مشروع دولته الحديثة29. ويوضح عباس أن اﻹصلاح والتحديث ﻻ يأتيان إلّ تلبية للظروف الموضوعية للمجتمعات (بنية وتكوينًا وتجربة)، ومن هنا جاء تشديده على ضرورة إعادة تقييم حجم الدور الذي ساهم به "المؤثر الخارجي" الممثل في قدوم الغرب، وذلك في ضوء تحليل العوامل الكامنة في المجتمع، التي أطلق عليها "دور البنية اﻷساسية في صياغة حركة المجتمع بكل أبعادها". فالتحولات اﻻجتماعية واﻻقتصادية والسياسية في تاريخ المجتمعات مسألة معقدة، وﻻ يمكن تفسيرها من منظور أحادي النظرة والاتجاه، ومن ثم يتعيّ على المؤرخ الإفادة مما تطرحه نظريات العلوم الاجتماعية المختلفة التي توسع أمامه الإطار التفسيري ولا تجعله متقيدًا ب "نظرية أحدية معيبة" وإلا جاء مجال رؤية محدودًا؛ ما يؤثر في قيمة ما يتوصل إليه المؤرخ من نتائج تأثيرًا سلبيًّا30. وفقًا لذلك، فسّ غير مرة أن مجيء الحملة الفرنسية (بكل أبعادها ومؤثراتها) لم يُحدث انقطاعًا تامًّا مع الماضي، من دون أن يقلل من أهمية نتائجها، بل إنه يري ضرورة أخذ مسألة الاستمرارية للكثير من الظواهر التاريخية في الحسبان، مع تجاوز فرضية "القطيعة"، أو فكرة التحقيب التعسفية، وأن فهم تجربة مصر في القرن التاسع عشر وتقييمها، على سبيل المثال، لا يمكن أن يتمَّا بمعزل عن دراسة التطورات السابقة في القرن الثامن عشر، من أجل فهم تاريخنا القومي فهمًا يستند إلى حركة ذلك التاريخ. ومن هنا، تلحّ كتاباته على رفض نظرية التحديث المشروط بقدوم الغرب (الاستعماري)، وفرضيات القطيعة، والرسالة الحضارية، والمركزية الأوروبية أو أوروبا والعالم المتخلف... إلخ.

وهم الانقطاع والجمود والتحقيب التعسفي

يرتبط المنطلق الرابع في فكر عباس بقناعة لديه مفادها أن حركة التاريخ لا تكفّ عن مواصلة توجهها وتراكمية تطوراتها المتدفقة. ويعدّ أنّ التاريخ، من هذه الزاوية، مغايرًا تمامًا لطبيعة العلوم التقنية، لا يعرف "القطيعة الإبستيمولوجية"، وأن حركة المجتمع لا يصيبها التوقف "الشللي" أو الانقطاع المادي الحادّ، بل تتفاوت فيه درجة الحركة. وينتهي إلى لفت الانتباه إلى ضرورة أن نأخذ في الحسبان "مسألة الاستمرارية" للكثير من الظواهر التاريخية، متجاوزين فكرة التحقيب الحادة التي رآها نتاجًا لغياب الوعي بوظيفة التاريخ واختلاط المفاهيم لدى المؤرخ، كما رآها، من ناحية أخرى، مرتبطة بالإفراط في الاهتمام بالتطور السياسي وتغليبه على ما عداه، وربط التغيرات الاجتماعية والاقتصادية بالممارسات السياسية؛ ما أفقد التاريخ نفسه "وحدته العضوية"31. من ثمّ، ألقى بقفازه في وجه مروّجي التقسيمات الزمنية التعسفية للتاريخ المصري، الذين طاب لهم تقسيمه إلى "مصر فرعونية وأخرى بطلمية، وثالثة بيزنطية، ورابعة إسلامية... إلخ". وحتى تاريخ الإسلام في مصر تم تناوله من المنظور نفسه: "فهناك مصر عصر الولاة، ومصر الطولونية، ومصر الإخشيدية، ثم مصر الفاطمية، فالأيوبية، فالمملوكية، فالعثمانية". وقد استطرد ساخرًا: "وهكذا يقع قارئ تاريخ مصر في حيرة من أمره، فكأن السلطة السياسية في مصر تغيّ صبغة البلاد، فتبدو للناظرين مختلفة تمامًا عنها قبلهم، وكأن الإنسان المصري يعيش ويترك وينتج ويفكر بقرار من الحاكم، ووفق مشيئته. وللأسف امتدت هذه العدوى إلى كتّاب السياسة فوجدناهم يقسمون مصر المعاصرة إلى مصر عبد الناصر ومصر السادات ومصر مبارك"32

  1. رءوف عباس، تطور المجتمع المصري في القرن التاسع عشر (القاهرة: دار النهضة العربية، [د. ت.])، ص 5  -  6.
  2. عباس، كتابة تاريخ مصر، ص 37.
  3. رءوف عباس، "ملاحظات منهجية حول كتابة تاريخ مصر"، مجلة فكر، العدد 6 (حزيران/ يونيو 1985)، ص 11، شوهد في 5 / 1 / 2022، في: ODAb 2 G 3 / ly. bit:// https
  4. المرجع نفسه.

اعتبر عباس هذه التقسيمات الزمنية "معيبة"، وأنها تمثّل ظاهرة عامة؛ ليس في الحالة المصرية وحدها فحسب، بل على مستوى كتابة التاريخ العربي كذلك؛ إذ تُعدّ من أبرز مظاهر الخلط في المفاهيم لدى المؤرخ، كما تُظهر التناقض في المعايير والانفصال التامّ بين المؤرخ وموضوع دراسته، من جراء عدم وضوح الرؤية التاريخية33. الحقيقة أن عباس، في هذه المسألة، لا يشكك في التحقيب، بل يدعو إلى مراجعته، وإلى التنبّه إلى بطء المرور من حقبة إلى أخرى؛ لأن مهمة المؤرخ تقتضي الكشف عن التداخل الحاصل بين الحقب. وقد بنى اعتقاده هذا على أساس أن التغيّ الذي يحدث في المجتمع، لا يبرز فجأة أو يحدث مصادفة، بل ثمة ما يمكن أن نطلق عليه "التغيرات الكمية" البطيئة. ففي دراسته "الأصول التاريخية لمشروع تحديث مصر: تجربة القرن التاسع عشر" التي نشرتها مجلةالمنار، على سبيل المثال، بيَّ "أن تجربة التحديث في مصر لم تنبع من فراغ، إنما ارتكزت على ثمار إرهاصات لها دلالاتها، شهدها المجتمع المصري قبل الحملة الفرنسية بنحو نصف قرن من الزمان"34، وأنّ محمد علي عندما شرع في بناء مشروعه التحديثي، أفاد من ثمار تلك الحقبة، ومن مقدّرات المجتمع المصري، فكيف يمكن لمجتمع كثيرًا ما وسمته الأدبيات الاستشراقية ب "الركود والتخلف"، تارة، وب "المجتمع التقليدي" تارة أخرى، أن يستجيب للمشروع الإصلاحي، وأن يجاري أطر التحديث بكل مقتضياتها وعملياتها الجراحية، ما لم يكن لديه إمكانات توافرت له قبل القرن التاسع عشر35. بحسب رأيه، قد لا تبدو التغيرات جليّة وواضحة فوق السطح، بل تعمل عملها في صمت، قد يُخيِّل إلينا - على نحو غير صحيح - أن حالة من الجمود والركود أصابت المجتمع، في حين أن عوامل التغيّ مستمرة بإيقاعها البطيء غير الملحوظ، تنتظر عاملً مؤثرًا فاعلً يكون له قوة الدفع الكبرى أو التنشيط لما سمّاه "العوامل الذاتية الكامنة في المجتمع والتي تدفع حركته التاريخية"36. فالتغيّ، إذًا، لا يحدث بين عشيّة وضحاها، بل يتمّ على نحو وئيد، حيث يحمل المجتمع القديم في أحشائه عوامل التغيير الأصيلة أو الوافدة، أو نوعيهما في آنٍ واحد، فتنمو داخله حتى إذا بلغت آثارها ذروة نضجها، كنا أمام مجتمع جديد، وإن بقي يحمل بعض قسمات المجتمع القديم فإنه يختلف عنه اختلافًا بيّنًا من حيث البنية والنسق والمؤسسات الاجتماعية37.

تباين مستوى النمو المادي والثقايف بين المجتمعات

يتمثل المنطلق الفكري الخامس، الأخير، لعباس في تشديده على أهمية دراسة الموروث الثقافي والاجتماعي لكل مجتمع؛ إذ إن ذلك هو الرصيد التاريخي الذي يطبّع كل مجتمع بخصوصية فريدة في تطوره التاريخي. فالدين والقيم الأخلاقية والتراث الثقافي الاجتماعي كلّها عوامل تُشكل في مجملها منظومة أساسية تؤدي دورًا محوريًّا في تشكيل حركة تطور المجتمعات، وهي المسؤولة عن اختلاف مسارات التطور بين مجتمع وآخر، بقطع النظر عن تماثل المجتمعات في بعض مراحل التطور.

  1. المرجع نفسه، ص 14.
  2. رءوف عباس، "الأصول التاريخية للمشروع الحضاري العربي تحديث مصر - تجربة القرن التاسع عشر"، مجلة المنار، العدد 33 [د. ت.]، ص 1، شوهد في 5 / 1 / 2022، في: EQGoWw 3 / ly. bit:// https
  3. عالج عباس نقده لمروّجي نظرية التحديث والاستبداد الشرقي والقائلين بثالوث "التخلف والتدهور والجمود" ووصف مجتمع ما قبل القرن التاسع عشر ب "العصر التقليدي"، في مقدمة ترجمته الضافية للكتاب الآتي: نللي حنا، ثقافة الطبقة الوسطى (ق 16 م - ق 18 م)، ط 2 (القاهرة: الهيئة العامة للكتاب، 2004)، ص 13  -  21.
  4. نللي حنا، تجار القاهرة في العصر العثماني: سيرة أبو طاقية شاهبندر التجار، ترجمة وتقديم رءوف عباس (القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 1997)، شوهد في 5 / 1 / 2022، في: OpXS 9 G 3 / ly. bit:// https
  5. عباس، تطور المجتمع المصري، ص 2  -  3.

وبالنسبة إلى عباس، فإنّ كل ظاهرة تاريخية ﻻ تظهر مصادفة أو فجأة، بل ﻻ بد من أن يكون خلفها تراث ثقافي وفكري واجتماعي طويل معقّد؛ "تراث طويل من الخبرة"38، يؤدي إلى بروز الظاهرة فوق السطح في لحظات نضجها واكتمال دورتها من النمو والتَشكُّل، ومن ثم يتعيّ على المؤرخ أن يولي إعادةَ تركيب الظاهرة اهتمامَه، في ضوء الإلمام بهذا التراث المرتبط بتكوينها، والبحث في عوامل الحركة فيها، ثم تفسير تطور المجتمع في إطارها، من دون التقيد المسبق بقالب نظري معيّ، أو بالأفكار الجاهزة التي يسعى لإثباتها، لا اختبارها أمام البحث والاستقصاء المعرفي التاريخي. وقد امتدت "سهامه النقدية" أيضًا إلى أولئك الذين يعزلون دراسة الظاهرة عن سياقها الاجتماعي، وخصَّص من توفّروا على دراسة الطبقات الاجتماعية، فاكتفوا بتقديم "دراسة وصفية للطبقة دون اعتبار لشبكة العلاقات التي تربطها بغيرها من طبقات المجتمع، أو تحديد لدور البنية الأساسية في تكوين الطبقة، وحركتها الجدلية مع غيرها من طبقات المجتمع"39. إنّ نظرة واحدة إلى الأطروحات الجامعية التي أجازتها الجامعات المصرية والعربية، مثل "العامة"، أو "التجار"، أو "العلماء"، أو "الفلاحين"، أو "الحرفيين"، في العصر الإسلامي، أو في العصر العثماني، "تكفي لاكتشاف الإفلاس المنهجي وغياب المعرفة بالعلوم الاجتماعية ذات الصلة بموضوع الدراسة، فضلً عن مناهجها وأدواتها البحثية". نخلص من هذه المحاولة في عمل نوع من القراءة المكثفة في كتابات عباس إلى أن ما قدّمه من إنتاج (كنموذج لجيل الستينيات) جدير بأن نستدعيه اليوم، وأن نخضعه لمقاربات تسمح بمساءلة تجربة جيل الستينيات في الكتابة والنقد والتجديد. ولعل المعنى العميق والبعيد في التجربة الستينية في الكتابة، إنْ جاز هذا التعبير، أنها اعتبرت أنّ المؤرخ - لا الوثيقة - هو منتج المعرفة التاريخية، وأنه من خلال تنمية كفاءة المؤرخ وإثراء خبرته عبر تسليحه بالثقافة المنهجية، يمكننا تحريك ما أصاب الكتابة التاريخية عندنا من ركود. لذلك، كانت خلاصة تشخيص عباس للأزمة المنهجية أنها ترجع في الأساس إلى غياب الوعي بوظيفة التاريخ، ونقص ثقافة المؤرخ، واختلاط المفاهيم عنده، وسوء التقدير لأدوات الكتابة التاريخية. وممّا يثير الدهشة حقًّا أنه بعد مرور نحو أربعة عقود على كتابة تلك المقالات والبحوث التي خلّفها عباس وأبناء جيله، لا تزال الكتابة التاريخية عندنا تعاني الأدواء نفسها. وفي حين أننا ظللنا نفكر في إقالة المنهج من عثرته، تتفتح عند غيرنا آفاق منهجية جديدة. على مستوى المقاربة بين أفكار عباس والمدارس الغربية ورؤاه، سنجد أن كثيرًا من رؤى عباس تلتقي مع أفكار مدرسة الحوليات الفرنسية، خاصة في مسألتَي البحث عن السمات المتداخلة لملامح الانتقال من حقبة إلى أخرى، أو فكرة التغيير التي تأتي نتيجةً لتغيرات متراكمة تحت السطح في الأمد الطويل، وفي لحظة معيّنة يكون في إمكانها تغيير روح المجتمع وتفكيك منظومته السائدة، دافعة إياه نحو التجديد. إن مثل هذه التوافقات في الآراء جاءت - في تقديرنا - نتيجة الممارسة والتأمل في تجربة الواقع المصري؛ فجيل الستينيات وإن تأثر بالمدرسة المادية الماركسية التي تعددت قنوات التعريف بأطروحاتها الفكرية، فإنه - بحسب اعترافه هو نفسه - لم يُطالع إنتاج مدرسة الحوليات، بل كان واعيًا لها في فترة متأخرة، فلم يتابع ثورتها المنهجية، ولم يتأثر بأدواتها المعرفية، لكنه في المجمل تلاقى معها على مستوى التجريب الذي أنتج أفكارًا متقاربة، وهو ما يؤكد تميز جيل الستينيات في استخدام أدوات سوية في النقد والتحليل وبناء التفسير الواقعي.

  1. تنبّه عباس على نحو مبكر إلى هذه المسألة، وهو بصدد تأملاته في حركة تمرد العمال عندما كان يعمل في بداية حياته موظفًا في إحدى الشركات الحكومية، ما جعله على قناعة مفادها أن وراء تلك الحركة العمالية تراث طويل من الخبرة، يحكم توجّهاتها ومسار تطورها، وكان ذلك سببًا في اختياره موضوع الماجستير "الحركة العمالية في مصر" الذي نشره في عام 1968؛ ينظر: نللي حنا وناصر إبراهيم، "رءوف عباس حامد صورة قلمية"، في: دراسات في التاريخ والثقافة العربية: بحوث مهداة إلى رءوف عباس بمناسبة بلوغه سن الستين، تحرير عبادة كحيلة (القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 2001)، ص 28.
  2. عباس، "أزمة الكتابة التاريخية في مصر"، ص 47.
  3. المرجع نفسه.

المراجع

References

العربية

أنيس، محمد. تطور المجتمع المصري من الإقطاع إلى ثورة 23 يوليو سنة 1952. القاهرة: مطبعة الجبلاوي، 1977.

حصاد المدرسة التاريخية لتاريخ مصر الحديث والمعاصر في الخمس والعشرين سنة الأخيرة: أعمال الندوة التي عُقدت في السيداج من 4  -  5 نوفمبر. تحرير محمد عفيفي. القاهرة: دار الشروق، 1997.

حنا، نللي. تجار القاهرة في العصر العثماني: سيرة أبو طاقية شاهبندر التجار. ترجمة وتقديم رءوف عباس. القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 1997:. في OpXS 9 G 3 / ly. bit:// https _______. ثقافة الطبقة الوسطى (ق 16 م - ق 18 م). ط 2. القاهرة: الهيئة العامة للكتاب، 2004.

دراسات في التاريخ والثقافة العربية: بحوث مهداة إلى رءوف عباس بمناسبة بلوغه سن الستين. تحرير عبادة كحيلة. القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 2001.

رءوف عباس المؤرخ والإنسان. الجمعية المصرية للدراسات التاريخية. القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2010.

عباس، رءوف وعاصم الدسوقي. كبار الملاك والفلاحين في مصر 1837  -  1952. [د. م.]: [د. ن.]، [د. ت.]. في:

https:// bit. ly / 3 mXlqPB

عباس، رءوف. "ملاحظات منهجية حول كتابة تاريخ مصر". مجلة فكر. العدد 6 (حزيران/ يونيو 1985:). في ODAb 2 G 3 / ly. bit:// https _______. "الملكية وإشكالية تفسير تاريخنا الاجتماعي". مجلة كلية الآداب. جامعة القاهرة. مج 58، العدد 2 (نيسان/ أبريل 1998). _______. "أزمة الكتابة التاريخية في مصر: تضخم في الإنتاج وضآلة في المعرفة". الكتب: وجهات نظر. العدد 3 (نيسان/ أبريل 1999). _______. "إشكالية التخلف الحضاري عند شكيب أرسلان". مجلة مصر الحديثة. العدد 1 (2002).

_______. كتابة تاريخ مصر.. إلى أين..؟ أزمة المنهج ورؤى نقدية. القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 2009.

_______. تطور المجتمع المصري في القرن التاسع عشر. القاهرة: دار النهضة العربية، [د. ت.].

_______. "الأصول التاريخية للمشروع الحضاري العربي تحديث مصر - تجربة القرن التاسع عشر". مجلة المنار. العدد 33 [د. ت.].

ف:ي EQGoWw 3 / ly. bit:// https

لويس، برنارد. أين الخطأ، التأثير الغربي واستجابة المسلمين. ترجمة محمد عناني. القاهرة: دار سطور، 2003.

الأجنبية

Hobsbawm, E. J. "From Social History to the History of Society." Daedalus: Historical Studies Today. vol. 100 ,

no. 1 (Winter 1971).